فعليه الأَقَلُّ من نِصْفِ الدِّيَةِ، وكمال قيمة العَبْدِ، ويجب في مَالِ الجَانِي نِصْفُ الدية، وذلك لأن السِّرَايَةَ حصلت بعد العِتْقِ بِجِنَايَةٍ كانت في الرق.
قال صاحب "التهذيب": ويجيء وَجْهٌ آخر أن السَّيِّدَ يَفْدِي بالأَقَلِّ من كَمَالِ الدية، وكمال القيمة؛ لأن الجِنَايَةَ وُجِدَتْ في الرِّقِّ.
ومنها: لو رمى ذمِّيٌّ إلى صَيدٍ، فأسلم، ثم أصاب إنْسَاناً، فالدِّيَةُ في ماله لا تُضْرَبُ على عَاقِلَتِهِ الذميين، ولا على عَاقِلَتِهِ المسلمين.
أما الذِّمِّيُّونَ؛ فلأنهم لم يكونوا عَاقِلَتَهُ عند الإصابة، وأما المسلمون فلأنهم لم يكونوا عاقلَتَهُ عند الرَّمْيِ، وإنما يَتَحَمَّلُ من يكون عاقِلَتَهُ في الحالين.
ولو رمى يَهُودِيٌّ إلى صَيْدٍ، ثم تَنَصَّرَ أو تَمَجَّسَ، ثم أصاب السَّهْمُ إنساناً، قال الأئمة: إن قلنا: لا يقر عليه، فهو مُرْتَدٌّ لا عَاقِلَةَ له، فتكون الدِّيَةُ في ماله.
وإن قلنا: يقر تكون الدِّيَةُ على عاقلتَهُ على أي دِينٍ كانوا؛ لأن الكُفْرَ كله مِلَّةٌ واحدة، ولكن يَحْمِلُ بَعْضُهُمْ عن بعض على خِلاَفٍ سنذكره.
ولو جرح ذِمِّيٌّ إنساناً خَطَأً، وأسلم الجَارحُ، ثم مات المَجْرُوحُ، فَأَرْشُ الجِرَاحَةِ على عاقلته الذِّمِّيِّينَ، والباقي في مَالِهِ، فإن زَادَ أرْشُ الجِرَاحَةِ على دية النَّفْسِ بأن قطع يَدَيْه ورجليه، فالواجب هو دِيَةُ النفس على عَاقلَتِهِ الذميين، هكذا ذكره ابن الحَدَّادِ، وساعده أكثرهم.
وفيه وجه آخر أن ما زادَ بالسِّرَايَة وأرْشِ الجراحة كله على عاقلته الذميين 1؛ اعْتِباراً بحالة الجناية وهذا ما أوْرَدَهُ صاحب "المهذب"، وربما بني الخلاف على الخِلاَفِ فيما إذا جرح ذِمِّيٌّ ذِمِّياً، ثم أسلم الجَارحُ، ومات المَجْرُوحُ، هل بقتصُّ 2 منه؟ إن قلنا: نعم؛ اعتباراً بحالة الجَرْحِ، فجميع الدِّيَة عليهم.
وإن قلنا: لا نقتصُّ 3 لم يلزمهم كَمَالُ الدية، والوَجْهُ مَجِيءُ الوجه المذكور ههنا في مسألة الكتاب.
ولو عاد بعد الإسْلاَم، وجنى على المَجْنِي عليه جِنَايَةً أخرى خَطَأً، ومات منهما، فَنِصْفُ الدِّيَةِ على عَاقِلَتهِ المسلمين، وأما عاقلته الذِّمِّيُّون فإن كان أَرْشُ الجراحة نِصْفَ الدِّيَة أو أكثر، فعليهم النِّصْفُ أيضاً، وإن كان أقل بأن كان قد أَوْضَحَ رَأْسَهُ، أو قطع أُصْبُعاً من أَصَابِعِهِ، فَأرْشُ الجِرَاحَةِ على عاقلته الذميين، وما زاد إلى تمام النِّصْفِ على
الجاني، فيجب في قَطْعِ الأُصْبُعِ عُشْرُ الدِّيَةِ على عاقلته الذميين، وأَرْبَعَةُ أَعْشَارِهَا، وهي تمام النصف في مال الجَانِي.
وإن كانت الجِرَاحَةُ بعد الإسْلاَمِ مُذَفَّفَة، فقد ذكر الشيخ أبو علي وغيره أن أَرْشَ الجراحة الوَاقِعَةِ في الكُفْرِ يكونَ على عَاقِلَتِهِ الذميين، والباقي إلى تمام الدِّيَةِ على عاقلته المسلمين.
وفي "النهاية" و"البيان" أن هذا جواب على قول ابن سُرَيْجٍ والإِصْطَخْرِيِّ فيما إذا جَرَحَ، ثم قَتَلَ أنَّه لا يدخل أَرْشُ الجِرَاحَةِ في الدِّيَةِ 1.
أما إذا قلنا: يدخل، وهو الظَّاهِرُ، فجميع الدِّيَةِ على عَاقِلَتِهِ المسلمين، ولو أنَّه عاد بعد الإسْلاَمِ وجرحه مع آخر خطأ، فيبنى على الخِلاَفِ الذي سَبَقَ في أن الدية توَزَّعُ على الجارحين، أو على الجِرَاحَاتِ.
فإن قلنا: على الجَارِحِينَ، وهو الأظْهَرُ، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ، والنصف يلزمه 2 بالجرَاحَتَيْنِ، مَحِصَّةُ جِرَاحَةِ الإِسلام، وهي الرُّبُعُ على عَاقِلَتِهِ المسلمين، وينظر في جِرَاحَةِ الكُفْرِ، فإن كان أَرْشُهَا مِثْلَ ربع الدِّيَةِ أو أَكْثَرَ، فعلى عاقلته الذِّمِّيِّينَ الرُّبُعُ أيضاً، وإن كان دون الرُّبُعِ، فعليهم قَدْرُ الأَرْشِ، وهو الزِّيَادَةُ إلى تمام الرُّبُعِ في مال الجاني.
وإن وَزَّعْنَا على الجِرَاحَاتِ، فَثُلُثُ الدِّيَةِ، وهو حِصَّة جِرَاحَةِ الإِسلام على عاقلته المسلمين، فينظر في جِرَاحَةِ الكُفْرِ، فإن كان أَرْشهَا مِثْلَ ثلث الدية أو أكثر، فعلى عَاقِلَتِهِ الذميين الثُّلُثُ أيضاً، وإن كان أَقَلَّ فعليهم الأرْشُ، والباقي إلى تَمَامِ الثلث في مَالِ الجاني.
ومنها: لو جَرَحَ إِنْسَاناً خَطَأٌ، ثم ارْتَدَّ، ثم مات المجروح بالسِّرَايَةِ، فأرش الجِرَاحَةِ على عَاقِلَتِهِ المسلمين، والباقي إلى تَمَام الدِّيَةِ في مال الجَانِي، فإن كان أَرْشُ الجِرَاحَةِ مِثْلَ الدِّيَةِ أو أكثر، كما إذا كان قد قَطَعَ يَدَيْهِ ورجليه، فَقَدْرُ الدِّيَةِ، وهو الواجب يَلْزَمُ العَاقِلَةَ، ولو جرح وهو مُرْتَدُّ، فَأسْلَمَ، ثم مات المَجْرُوحُ، فالدِّيةُ في مَالِهِ؛ إذ لا عاقلة للْمُرْتَدِّ، ولو جرحه وهو مُسْلِمٌ، فَارْتَدَّ الجَارحُ، ثم عاد اِلى الإِسْلاَمِ، ثم مات المَجْرُوحُ.
قال الشيخ أبو علي: في المسألة 3 قولان:
أحدهما: أن جَمِيعَ الدِّيَةِ على عَاقِلَتِهِ؛ اعتباراً بالطَّرَفَيْنِ؛ ولا ينظر إلى الحالة المتخللة.
والثاني: أن على عاقلته 1 أَرْشَ الجِرَاحَةِ، وما زاد على الأَرْشِ إلى تمام الدِّيَةِ في مالِ الجاني؛ لأنه حَصَلَ بعض السِّرَايَةِ في حالة الرِّدَّةِ، فيصير شُبْهَةً دَارِئَةً لِلتَّحَمُّلِ، وجَزَمَ جَازِمُون بوجوب الجميع على العاقلة، إذا قصر زمان الرِّدَّةِ المُتَخَلِّلَةِ، وخصصوا القولين إذا طَالَ زمانها.
قال في "التهذيب": ويجيء وَجْهٌ آخر أن على العَاقِلَةِ ثُلُثُيِ الدية لوجود الإِسْلاَمِ في الأول والآخر.
ولو رَمَى سَهْماً إلى صَيْدٍ وارْتَدَّ، فأصاب السَّهْمُ إنْساناً، أو رمى المُرْتَدُّ إلى صَيْدِ، فَأَسْلَمَ، فَأَصَابَ السهم، فالدِّيَةُ في ماله؛ لأنه تَبَدَّلَ حَالُهُ رَمْياً وإصَابَةً، وإنما يَتَحَمَّلُ عنه إذا كان بِصِفَةٍ يتحمل عنه في الحالتين، ولو تَخَلَّلَتِ الرِّدَّةُ بين الرَّمْي والإِصَابَةِ، فكذلك الجواب في "التهذيب" وفي شرح الشيخ أبي عَلِيٍّ أنهم خَرَّجُوا المسأَلة على قولين:
أحدهما: أنَّه تجب الدِّيَةُ على عَاقِلَتِهِ المسلمين، اعتباراً بِحَالَتَيِ الرَّمْيِ والإصابة.
والثاني: أنها تَجِبُ في ماله لا يتحملون منها شَيْئاً؛ لأنها حدثت حالة خرجوا منها عن أن يكونوا من أَهْلِ التَّحَمُّلِ، فصار شُبْهَةً دَارِئَةً، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: الْجِهَةُ الثَّالِثَةُ: بَيْتُ المَالِ فَإذَا لَمْ نَجِدِ العُصُوبَةَ وَالوَلاَءَ أَخَذْنَا من بَيْتِ المَالِ إنْ كَانَ الجَانِي مُسْلِماً، فَإنْ كَانَ ذِمِّيّاً رَجَعْنَا إلَى الجَانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما أن بَيتَ المال [مَصَبٌّ] 2 للتركة إذا لم يكن للميت عَصَبَةٌ بالنسب، ولا بالوَلاَءِ، فكذلك يحتمل بَيْتُ المال جِنَايَةَ من ليس له عَصَبَةٌ بالنسب ولا بالوَلاَء، وكذلك لو كانت العَصَبَةُ معسرين، أو كان لا يفي التَّوْزِيعُ عليهم بالواجب، فيكون الباقي على بيت المال، وهذا كُلُّهُ فيما إذا كان الجَانِي مُسْلِماً، أما إذا كان ذِمِّيّاً، فلا يتحمل عنه بَيْتُ المال، بل تكون الدِّيَةُ على الجاني؛ لأنه إذا مات، وَلاَ وَارِثَ له لا يُوضَعُ مَالُهُ في بيت المال إِرْثاً، وإنما هو فَيْءٌ كالجِزْيَةِ، وسائر أنواع الفَيْءِ لا توضَعْ هي في بيت المال، ألا ترى أنَّه لا يُعْتَبَرُ فيه مَوْتُ من كان مَالِكاً لها، والمستأمن في ذلك كالذِّمِّيِّ، وإذا أوجبنا الدِّيَةَ على الذمي لِعَدَمِ العَاقِلَةِ، فهل يتحمل أبوه وابنه؟ فيه وجهان كالوَجْهَيْنِ فيما إذا لم يكن للجاني المسلم عَاقِلَةٌ، ولا في بَيْتِ المال مَالٌ، وقلنا بوجوب الدِّيَةِ على الجاني، فهل يوجبُ على أبيه وابنه أيضاً، وسنذكرهما، والمُرْتَدُّ لا
عَاقِلَةَ له؛ لأنه لا يورث منه، فإذا قتل إنْسَاناً خَطَأً، تجب الدِّيَةُ في ماله مُؤَجَّلَةً، فإن مات سَقَطَ الأَجَلُ، [والله أعلم].
ويجوز أن يُعْلَمَ.
قوله في الكتاب: "وإن كان ذِمِّيّاً رجعنا إلى الجَاني" بالواو؛ لأنه ذكر في "البيان" أنَّه إذا لم يكن له عَاقِلَةٌ، أو بقي شيء بعد التَّوْزِيعِ عليهم، ففي الوجوب في مَالِهِ الخِلاَفُ الذي سيأتي إن شاء الله -تَعَالَى- في المسلم إذا لم يكن له عَاقِلَةٌ خَاصَّةٌ، ولا في بيت المال مَالٌ.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا الصِّفَاتُ، فَلا يُضْرَبُ عَلَى مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وإنْ كَانَتْ مُعْتقَةً، وَلاَ عَلَى مُخَالِفٍ فِي الدِّينِ فَلاَ يَحْمِلُ مُسْلِمٌ مِنَ الذِّمِّيِّ وَلاَ الذِّمِّيِّ مِنَ المُسْلِمِ، وَفِي تَحَمُّلِ اليَهُودِيِّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ قَوْلاَنِ، وَالحَرْبِيُّ لاَ يَتَحَمَّلُ، وَالمُعَاهَدُ كَالذِّمِّيِّ إِذَا لَمْ يَنْصَرِمْ عَهْدُهُ قَبْلَ مُضِيِّ أجَلِ الضَّرْبِ، وَلاَ يُضْرَبُ عَلَى فَقِير وَإِنْ كَانَ مُعْتمِلاً، وَيُضْرَبُ علَى الغَنِيِّ نِصْفُ (ح م) دِينَار وَهُوَ الَّذي مَلَكَ عِشْرِينَ دِينَاراً بَعْدَ المَسْكَنِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَعَلَى المُتَوَسِّطِ الرُّبُعُ وَهُوَ الَّذِي يَمْلكُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَلَكَ مَا فَضُلَ عَنْ حَاجَتِهِ، وَيُنْظَرُ إِلَى اليَسَارِ فِي آخِرِ السَّنَةِ فلَوْ طَرَأَ اليَسَارُ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدِهَا فَلَا التِفَاتَ إِلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فرغنا من أحد الفصلين، وهو الكلام في جِهَاتِ التَّحَمُّلِ، والفصل الآخر من صفات المُتَحَمِّلِينَ، وهي خمس:
إحداها: التكليف، فلا تُضْرَبُ الدِّيَةُ على صَبِيٍّ، ولا مجنون، ولا مَعْتُوهٍ، وإن كانوا مُوسِرِينَ.
والثانية: الذُّكُورَةُ، فلا تُضرَبُ على امْرَأَةٍ؛ لأنه ليست 1 لها أهْلِيَّةُ النُّصْرَةِ والمُعَاوَنَةِ، ولا تضرب على خُنْثَى؛ لاحتمال الأُنُوثَةِ، فَإِنْ بَانَ ذَكَراً، فهل يُغَرَّمُ حِصَّتَهُ التي أَدَّاهَا غيره؟ فيه وجهان مَرْوِيَّانِ في "التهذيب" 2.
والثالثة: المُوَافَقَةُ في الدِّينِ، فلا يَتَحَمَّلُ المسلم عن قريبه الذمي 3، ولا بالعَكْسِ لانقطاع المُوَالاَة والمُنَاصَرَةِ بينهما، ولذلك لم يَتَوَارَثَا.
وهل يتحمل اليَهُودِيُّ عن قَريبِهِ النصراني أَوِ بالعكس؟ ذُكِرَ فيه قولان:
أحدهما: نعم، كلما أنَّه يَرِثُ بعضهم من بعض، وهذا لأن الكُفْرَ كله مِلَّةٌ واحدة.
والثاني: لا لانقطاع المُوَالاَةِ بينهما، ويُحْكَى 4 هذا عن أبي حَنِيفَةَ، هذا من
الذميين، ولو كان للذمي أَقَارِبُ في دَار الحرب، فلا يَتَأَتَّى الضَّرْبُ عليهم، وهم كالمَعْدُومِينَ.
قال في "التتمة": فإن قَدَرَ الإِمَامُ على الضَّرْبِ عليهم، فَيَنْبَنِي 1 على أن اخْتِلاَفَ الدَّارِ، هل يمنع التَّوَارُثَ؟ إن قلنا: نعم، فَيَمْتَنِعُ الضرب أيضاً.
وإن قلنا: لا، ففيه وجهان، لانْقِطَاع المُنَاصَرَةِ باختلاف الدَّارِ، والمُعَاهَدُ كالذِّمِّيِّ، فيتحمل عنه الذِّمِّيُّ، ويحتمل هو عن الذِّمِّيِّ إذا زادت مُدَّةُ العَهْدِ على أَجَلِ الدِّيَةِ، ولم يَنْصَرِمْ قبل مُضِيِّ الأجَلِ.
والرابعة: الحُرِّيَّة، فلا تُضْرَبُ الدِّيَةُ على الرَّقِيقِ، أما غير المُكَاتَبِ فلأَنه لا مَالَ له، وأما المُكَاتَبُ، فلأنه ليس من أَهْلِ المُوَاسَاةِ، ومطلق المَرَضِ والكِبَرُ لا يَمْنَعَانِ ضَرْبَ الدِّيَةِ، لكن من الضَّرْبِ على الزَّمِنِ والهَرِمِ وَجْهَانِ:
أحدهما: المَنْعُ؛ لضَعْفِ حالهما وَعَجْزِهِمَا عن النُّصْرَةِ 2.
وأظهرهما: الضَّرْبُ لِعُصُوبَتِهِمَا وَأَهْلِيَّةِ نُصْرَتِهِمَا بالرأي والمال، ويحكي الأول عن ابن أبي هُرَيْرَة، والقَطْعُ بالثاني عن الشيخ أبي حَامِدٍ، وربما بُنِيَ الخِلاَفُ على الخِلاَفِ في أن الزَّمِنَ والشيخ من الكُفَّارِ إذا أسِرَا هل يُقْتَلاَنِ؟ ويجري الخلاف في الأَعْمَى.
وقوله في الكتاب: "وإن كانت مُعْتقةً" مُكَرَّرٌ، فقد مَرَّ أن المَرْأَةَ، إذا أعتقت لا 3 يضرب عليها.
وقوله: "والحَرْبِيُّ لا يَتَحَمَّلُ" يجوز أن يُعْلَمَ 4 بالوَاوِ، لما ذَكرْنَا.
الخامسة: أَلاَّ يَكُونَ فَقِيراً، بل مُتَوَسِّطاً أو مُوسِراً؛ لأن تَحَمُّلَ العَقْلِ مُوَاسَاةُ، والفقير ليس أَهْلاً لِلْمُوَاسَاةِ، وكذلك لم يُكَلَّفْ بالزكاة، وتُخَالِفُ الجزْيَةُ؛ لأنها كالأُجْرَةِ لِسُكنَى الدار؛ ولأنها لِحَقْنِ الدَّمِ.
وعن أبي حنيفة: أن الدِّيةَ تُضْرَبُ على الفقير أيضاً، ويروى عنه أنها تُضْرَبُ عليه بِشَرْطِ أن يكون مُعْتَمِلاً قادراً على الكَسْبِ، وهذا ما قصد الإشَارَةَ إليه بقوله في الكتاب: "إن كان مُعْتَمِلاً".
ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: فيما يُضْرَبُ على كُلِّ واحد من 5 العَاقِلَةِ، قال الأئمة: لا يُجْحَفُ بهم، ولا يُشَقُّ عليهم، بل يُحَمَّلُونَ ما يَسْهُلُ عليهم، فَيُضْرَبُ على الغَنِيِّ نِصْفُ دينار، وعلى المُتَوَسِّطِ رُبُعُ دِينَارٍ، ووجه التقدير بالنصف بأنه أول دَرَجَةِ المُوَاسَاةِ [في الزكاة، والتقدير بالربع أن المواساة] 6 لا تحصل بما دُونَهُ؛ لأنه تَافِهٌ؛ بدليل أنَّه لا يُقْطَعُ فيه السَّارِقُ، ويروى عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "ما كانَتِ اليَدُ تُقْطَعُ على عَهْدِ
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الشيء التَّافِهِ" 1. وعند أبي حنيفة يُؤْخَذُ من كل وَاحِدٍ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ إلى أربعة، ويسوى 2 بين المُوسِرِ وغيره، واحتج الأَصْحَابُ بأنه حَقٌّ وَجَبَ على سبيل المُوَاسَاةِ، فيختلف 3 باليَسَارِ، والتَّوسُّطِ كالزكاة.
ويجوز أن يُعْلَمَ في الكتاب لفظ "النصف والربع" بالحاء لما حَكَيْنَاهُ، وبالميم؛ لأن عند مَالِكِ لا يَتَقَدَّرُ الوَاجِبُ، بل هو إلى اجْتِهَادِ الحاكمِ يحمل كل واحد ما يرى أنَّه يَتَحَمَّلُهُ، وبم يَضْبَطُ اليَسَارُ والتَّوَسُّطُ؟
ذكر في "التهذيب" أن الاعْتِبَارَ بالعَادَةِ، وأن ذلك يَخْتَلِفُ بالبُلْدَانِ والأزمان ورأَى الإِمام [أن] 4 الأَقْرَبَ اعْتِبَارُ ذلك بالزكاة، كما اعْتُبِرَ قدْرُ الوَاجِبِ بالزكاة، فقال: إذا كان يَمْلِكُ عشرين ديناراً في آخر الحَوْلِ، فهو غني، لكن يفارق مَا نحن فيه الزَّكَاة من وَجْهَيْنِ:
أحدهما: أنَّه لا يشترط أن يَمْلِكُ النَّقْدَ، أو شيئاً من الأَمْوَالِ الزَّكَاتِيَّةِ، بل إذا ملك ما يساوي هذا القَدْرَ من سَائِرِ الأَمْوَالِ، كان كما لو ملك هذه الأَمْوَالَ؛ لأن الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، فينظر فيها إلى جِنْسِ المَالِ، وتَحَمُّلُ العَقلِ مَحْضُ مُوَاسَاةٍ.
والثاني 5: يشترط أن يكون ما يَمْلِكُهُ فَاضِلاً عن مَسْكَنِهِ وثيابه، وسائر ما لا يُكَلَّفُ في الكَفَّارَةِ بَيْعُهُ وصَرْفُهُ إلى ثَمَنِ الرَّقَبَةِ، وهذا لا يشترط في الزَّكَاةِ والمتوسط هو الذي يَمْلِكُ أَقَلَّ من ذلك، لكنه يَفْضُلُ عن حَاجَاتِهِ، ويشترط أن يكون فَوْقَ القَدْرِ المَأْخُوذِ، وهو رُبُعُ دِينَارٍ؛ لئلا يُؤْدِّهِ أخذه منه إلى حَدِّ الفَقْرِ، وهذا ما نَحَا صَاحِبُ الكتاب نَحْوَهُ.
الثانية: الاعتبار فيما يُؤخَذُ كُل حَولٍ بآخر ذلك الحَوْلِ في أمور:
أحدهما: إذا ثَمَّ الحَوْلُ، وهناك إِبْلُ جمعت العاقلة ما عليهم من نِصْفٍ أو ربع، واشتروا به الإبِلَ، وإن لم تُوجَدِ الإبِلُ، فعلى القولين في أن الواجب القِيمَةُ أو بَدْلٌ مُقَدَّرٌ.
وإذا تأخرت التَّوْفِيَةُ 6 بعد الَحَوْلِ، ثم وُجِدَتْ لزمهم الإِبِلُ، وإن وجد بعد أخذ البَدَلِ لم يؤثر.
الثاني: إذا لم يَفِ التَّوْزِيعُ على العَاقِلَةِ بواجب الحَوْلِ أُخِذَ الباقي من بيت المال، ولم يُنْتَظَرْ مُضِيّ الأحوال الثلاثة.
الثالث: يعتبر اليَسَارُ والتَّوَسُّطُ في آخر الحَوْلِ، فلو كان مُعْسِراً (1) في آخر الحَوْلِ لم يلزمه (2) شَيْءٌ من واجب ذلك الحَوْلِ، وإن كان مُوسِراً من قَبْلُ أو أَيْسَرَ من بَعْدُ، وإن كان مُوسِراً حينئذ لَزِمَة النِّصْفُ، فإن أُعْسِرَ بعد ذلك، فهو دَيْنٌ عليه.
ولو كان بعضهم من أَوَّلِ الحَوْلِ كَافِراً أو رَقِيقاً أو صَبِيّاً أو مَجْنُوناً، وصار في آخِرِهِ نصفة الكَمَالِ، فهل يُؤْخَذُ منه حِصَّتهُ من واجب تلك السَّنَةِ؟
حكى صاحب "التهذيب" فيه وجهين:
أحدهما: نعم، كما لو كان مُعْسِراً في أول الحَوْلِ، مُوسِراً في آخره.
وأصحُّهما: لا؛ لأن هؤلاء لَيْسُوا أَهْلاَ لِلنُّصْرَةِ بالبَدَنِ في الابتداء، فلا يُكَلَّفُونَ النُّصْرَةِ بالمال في الانْتِهَاءِ، والمعسر كان من (3) أهْلِ النُّصْرَةِ، وإنما يعتبر المَالُ ليتمكن (4) من الأَدَاء، فيعتبر وَقْتُ الأداء.
وقطع صاحب "التتمة" بأنه لا يلزمه من واجب ذلك الحَوْلِ شَيْءٌ (5)، ورد الخلاف في أنَّه هل يُطَالبُ، والحالة هذه بواجب الحَوْلِ الثاني والثالث؟
ووَجَّهَ المُطَالَبَةَ بأن وظيفة كل حَوْلٍ مستقلة بنفسها، ولذلك لو كان عَاقِلاً في الحَوْلِ الأول، ثم جُنَّ في الثاني يُؤْخَذُ منه وَاجِبُ الأَوَّلِ، ووجه المنع، وعَدَّةُ الأَصَحَّ بأن الواجب في الأَحْوَالِ وَاحِدٌ؛ لأن سَبَبَهُ وَاحِدٌ إلا أنَّه مُنَجَّمٌ.
فإذا لم يكن الشَّخْصُ بصفة الكَمَالِ في الابْتِدَاءِ لم يدخل في التَّوْزِيعِ.
" فَرْعٌ"
يشبه أن يكون المَرْعِيُّ في إِيجَاب الرُّبُع والنصف مِقْدَارَهُمَا، لا أنَّه يجب على العَاقِلَةِ بَدَلُ الدنانير بأَعْيَانِهَا؛ لأن الإِبِلَ هَي التيَ تجب في الدِّيَةِ، وما يُؤْخَذُ يصرف إلى الإِبِلِ، وللمستحق ألا يقبل غيرها، ويُوَضِّحُهُ أن أبا سعد المُتَوَلِّي قال على الغَنِيِّ نِصْفُ دينار أو ستة دَرَاهِمَ؛ لأن الدنانير 6 في الدِّيَةِ عندنا تقابل 7 باثني عشر دِرْهَماً، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّانِي فِي كَيفِيَّةِ التَّوْزِيع وَالبِدَايَةُ بِأَقْرَبِ (ح) العَصَبَاتِ، وَلاَ12345
يُضْرَبُ عَلَى وَاحِدٍ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفٍ أَوْ رُبْعٍ، وَهُوَ حِصَّةُ كُلِّ سَنَةٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: إنَّهُ حِصَّةُ جَمِيعِ السِّنِينَ، ثُمَّ إن فَضُلَ مِنَ الأَقْرَبِينَ شَيْءٌ تَرَقَّيْنَا إِلَى مَنْ بَعْدَهُم ثُمَّ إِلَى المُعْتِقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبةً أَخَذْنَا بَقِيَّةَ الوَاجِبِ آخِرَ السَّنَةِ مِنْ بَيْتِ المَالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ المَالِ أَخَذْتَا مِنَ الجَانِي عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ حذَاراً منَ التَّعْطيلِ، وَقِيلَ: يُنْتظرُ يَسَارُ بَيْتِ المَالِ، وَأَمَّا الذِّمِّيُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاِقلَةَ فَيُطالِبُ بَعْدَ مُضِيِّ الأَجَل إِذْ لاَ يُنْتظَرُ لَهُ بَيْتَ المَالِ، وَكَذَا إِذَا اعْتَرَفَ بالخَطَأِ وَأنْكَرَ العَاقِلَةُ وَلاَ بَيِّنَةَ إذْ لاَ يُنْتظَرُ إقْرَارُ العَاقِلَةِ، فَإنْ أقَرُّوا علَى قُدُورِ وَقَعِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قوله: "والبِدَايَةُ بأقرب العَصَباتِ"، وقوله بعد ذلك: "فإن فَضَلَ من الأَقْرَبِينَ شيء... " إلى آخره؛ المَقْصُودُ منه 1 بَيَانُ تَرْتِيب العَصَبَات، وقد ذكرنا من قبل عند قوله: "وفي تَقْدِيم الأَخ للأب والأم على الأخ للأب قولان"، وإنما ذكرنا هناك؛ لأن تلك المَسألَةَ تَتَعَلَّقُ بالتَّرْتِيب، وكان الأَوْلَى أن يَجْمَعَ بينهما، وبين سَائِر مسائل التَّرْتِيب.
ولْيُعْلَمْ قوله: "والبدايةَ بأقْرَبِ العَصَبَاتِ" بالحاء؛ لما تَقَدَّمَ أن عنده 2 يسوى بين القريب والبَعِيدِ.
وقوله: "ولا يضربُ على وَاحِدٍ أكثر من نِصْفٍ أو ربع قد صار مَفْهُوماً من قوله في الفَصْلِ السابق: "ويضربُ على الغَنيِّ نِصْف دينار... " إلى آخره ثم النصف أو الربع حِصَّةُ كُلِّ سَنَةٍ أو الواجب في السِّنِينَ الثلاث النصف أو الربع؟ فيه وجهان:
أصحهما: الأول، فيكون جُمْلَةُ الواجب على الواحد [من] العَاقلَةِ دِينَاراً ونِصْفاً إذا كان غَنِيّاً، ونصفه إذا كان مُتَوَسِّطاً، وَوُجِّهَ ذلك بأنه حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بالحَوْلِ، ويجب على سبيل المُوَاسَاةِ، فَيَتَكَّرَرُ بِتَكرُّرِ الحَوْلِ كالزكاة.
والثاني: ويحكى عن ابن سُرَيجٍ وابن القَاصِّ أن النصف أو الربع وَاجبُ السنين؛ لأن الأَصْلَ عَدَمُ الضرب، فلا يُخَالِفُ إلا في هذا القَدْر، ولو ذكر هذه المَسْأَلَةَ مع بَيَانِ القَدْرِ في الفصل السَّابقِ لكان أَحْسَنَ، ثم في الفصل مَسْأَلَتَانِ:
إحداهما: إذا انتهى التحمل 3 إلى بَيْتِ المَالِ، فلم يُوجَدْ فيه مَالٌ، هل يُؤْخَذُ الواجب من الجاني؟
فيه وجهان بَنَوْهُمَا على أن الديَةَ تجب على العَاقِلَةِ ابْتِدَاءً، أو تجب على الجاني،
ويتحمل عنه العَاقِلَةُ، [و] فيه وجهان، ويقال: قولان:
أحدهما: أنها تجب على العَاقِلَةِ ابْتِدَاءً؛ لأن المُطَالَبَةَ عليهم دون الجَانِي، وقد يُوَجَّهُ بظاهر الأَخْبَارِ، مثل ما رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم-: "قَضَى على العَاقِلَةِ" 1.
والثاني: تجب على الجَانِي، والعَاقِلَة يَتَحَمَّلُونَ 2؛ لأن القِيَاسَ وُجُوبُ الضَّمَانِ على المُتْلِفِ، فيجري على القِيَاسِ، ونجعلهم مُتَحَمِّلِينَ كما يُؤَدَّى الدَّيْنُ عمن تَحَمَّلَ لإصْلاَحِ ذَاتِ البَيْنِ.
وَيدُلُّ عليه أنَّه لو لم يكن الجَانِي ممن يَتَحَمَّلُ عنه بأن كان مُرْتَدّاً أو ذِمِّيّاً، وعاقلته حَرْبِيُّونَ تُؤْخَذُ الدِّيَة من مَالِهِ.
قال الإِمام: وليس تَرَدُّدُ القَوْلِ مَأخُوذاً من نَصِّ صاحب المَذْهَبِ، ولكنه مُتَلَقّى من تَصَارِيفِ كَلاَمِهِ في التفريعات.
فإن قلنا: تجب على العَاقِلَةِ ابتِدَاءً، لم يُؤْخَذُ من الجاني.
وإن قلنا: بالتَّحَمُّلِ، فهذا تَعَذَّرَ التحمل أخذ الواجب من 3 الأَصلِ.
وعن القاضي الحسين: القَطْعُ بأنه لا يَجِبُ على العاقلة شَيْءٌ، والظَّاهِرُ إِثْبَاتُ الخِلاَفِ، وأخذ الواجب من القَاتِلِ.
وإذا قلنا: لا يُؤخَذُ منه، ففي شَرْح "مختصر الجويني" وَجْهٌ أنَّه تجب الدِّيَةُ على جماعة المسلمين كنَفَقَةِ الفُقَرَاءِ، وهذا لمَ يذكره الأَكْثَرُونَ، لكن لو حدث في بيت المال مَالٌ، هل يُؤَدّى الواجب منه؟ فيه وجهان عن رواية القاضي الحسين وغيره:
أحدهما: لا، كما أن الفَقِيرَ من العَاقِلَةِ عند تمام الحَوْلِ لا يطالب بالغِنَى الحَادِثِ بعده.
والثاني: نعم، وليس سَبِيلُ بَيْتِ المَالِ سَبِيلَ العاقلة الخَاصَّةِ؛ لأن مَالَ المَصَالِحِ لا يَخْتَصُّ بمَصْلَحَةٍ، فلا يختص الأَدَاءُ منه بِوَقْتٍ، وهذا [معنى] 4 قوله في الكتاب: "وقيل: يُنْتَظَرُ يَسَارُ بَيْتِ المَالِ" وربما بني على هذا الخِلاَفِ في أنَّه هل يُؤخَذُ الوَاجِبُ من الجاني، إذا لم يكن في بَيْتِ المال مَالٌ؟
إن قلنا: يؤدى من المال الحَارِثِ، فينتظر، ولا يُطَالَبُ الجاني.
وإن قلنا: لا، فَيُطَالَبُ الجَانِي تَحَرُّزًا عن الإهْدَارِ.
وإن قلنا: إذا لم يكن في بَيْتِ المال مَالٌ، يُعَزَّمُ القاتل، فالدِّيَةُ تَتَأجَّلُ عليه تَأجُّلُهَا على
العاقلة الخَاصَّةِ، وعلى بيت المَالِ.
وهل يجب على أَبِيهِ وابنه كما تَجِبُ عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو علي الطَّبَريُّ: نعم، وُيبْدَأُ بهما قبل القَاتِلِ؛ لأنا إنما لا نُحَمِّلُ الأب والابن؛ لأنهما بعضه، فإذا تَحَمَّلَ تَحَمُّلاً.
وأقواهما: عند صاحبي "المهذب" و"التهذيب" المَنْعُ؛ لأن الإيجَابَ على القاتل من جِهَةِ أنه الأصْلُ وغيره يتحمل 1 عنه، فهذا تَعَذَّرَ التحمل طُولِبَ بِحُكْمِ الأَصْلِ، وهذا المعنى لا يَتَحَقَّقُ في الأب والابن.
المسألة الثانية: إذا اعْتَرَفَ بالخَطَأِ، أو شِبْهِ العَمْدِ وصَدَّقْتُه العاقلةُ، فعليهم الدِّيَة، وإن كَذَّبَتة لم يقبل إقْرَازرُهُ عليهم، ولا على بَيْتِ المال ولكن يَحْلِفُونَ على نَفْي العلم، فإذا حَلَفُوا كانت الدِّيَةُ على المُقِرِّ؛ لأنه لا سَبِيلَ إلى التَّعْطِيلِ، وقد تَعَذَّرَ التحمل، ويروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا تحمل العاقلة عَمْداً، ولا اعْتِرَافاً" 2.
قال الإِمام: ولم يُخَرِّجِ الأَصْحَابُ [الوجوب] 3 على 4 المقر [على] الخِلاَفِ في أن الجَانِيَ يُلَاقِيَهُ الوجوب، ويتحمل العَاقِلَةُ، أو تجب الدِّيَةُ على العاقلة ابْتِدَاءً.
ولا يبعد عن القياس أن يُقَالَ: إذا لم يُلَاقِ الوجوب الجاني لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لأنه إنما أَقَرَّ عليهم لا عَلَى نَفْسِهِ؛ لأن الخَطَأَ يلزم الدِّيةَ عليهم، فإذا لم يقبل عليهم وَجَبَ ألا يقبل عليه، ويحكى 5 هذا عن المُزَنِيَّ، والمَذْهَبُ المنقول الأوَّلُ 6.
وَتَتَأجَّلُ الدية عليه تأَجُّلَهَا على العاقلة، إلا أنه يُؤْخَذُ منه ثُلُثُ الدِّيَةِ عند انْقِرَاضِ السَّنَةِ الأولى، وكل واحد من العَاقِلَةِ لا يطالب إلا بنصف أو ربع، وهل يَحِلُّ الأَجَلُ عليه إذا مات؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الأَجَلَ يُلَازِمُ دِيَةَ الخَطَأِ شَرْعاً.
وأظهرهما: نعم، كسائر الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ، وليس كما لو مات وَاحِدٌ من العَاقِلَةِ من خلال الحَوْلِ لا يؤخذ من تَرِكَتِهِ شَيْءٌ؛ لأن الوُجُوبَ على العَاقِلَةِ سَبِيلُهُ سَبِيلُ المُوَاسَاةِ، والوجوب على الجَانِي هاهنا لِصِيَانَةِ الحَقِّ عن التعطيل، فلا يمكن المَصِيرُ إلى السُّقُوطِ.
وإذا مات مُعْسِراً قال صاحب "التهذيب": يحتمل أن تُؤْخَذَ الدِّيَةُ من بيت المَالِ، كمن لا عَاقِلَةَ له، ويحتمل ألاَّ تُؤْخَذُ كما لو كان مُعْسِراً، وهو حَيٌّ.
ولو غُرَّمَ الجاني، ثم اعترفت العَاقِلَةُ، فإن قلنا: الوُجُوبُ يُلَاقِي الجَانِي، والعَاقِلَةُ محتملة، فلا يَرُدُّ الوَليُّ ما أخَذَ، ويرجع الجاني على العاقلة.
وإن قلنا: هي على العَاقِلَةِ ابتداء، يَرُدُّ الوَلِيُّ ما أَخَذَ، وَيبْتَدِئُ بِمُطَالَبَةِ العاقلة 1.
وفي "التهذيب" أنه إذا ادُّعِيَ على رجل قَتْلُ خَطَأٍ أو شِبْهِ عَمْدٍ، ولا بَيَّنَةَ، ونَكَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ عن اليمين، فحلف المُدَّعي فإن جعلنا اليَمِينَ المَرْدُودَةَ كإقرار المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ على المدعى عليه، إن كذبت العَاقِلَةُ المُدَّعي.
وإن قلنا: إنه كالبَيِّنَةِ، فالدِّيَةُ على العَاقِلَةِ، أو على المُدَّعَى عَلَيْهِ؛ ذَهَاباً إلى أنها وإن جُعِلَتْ كالبَيِّنَةِ، فإنما تجعل كالبَيِّنَةِ في حَقِّ المُتَدَاعِيَيْنِ دون غيرهما فيه وجهان 2.
وقوله في الكتاب: "فإن لم يكن عَصَبَةٌ أخذنا بَقِيَّةَ الوَاجِبِ" أي: لم يكن عَصَبَةٌ سوى المَذْكُورِين، وإن قدر أن المُرَادَ ما إذا لم يكن للجاني عَصَبَةٌ أصلاً، لم يكن للفظ البَقِيَّةِ مَعْنى، فَإِنَّا حينئذ نَأْخُذُ جَمِيعَ الوَاجِبِ من بيت المَالِ.
= المتولي فيما إذا ادعى عليه قتل عمد فاعترف بخطأ أو حلف عليه أنه لا يطالب بشيء إذا قلنا الدية تلاقي العاقلة ابتداء وسكتا عليه.
وقوله: "وأما الذِّمِّيُّ إذا لم يكن له عَاقِلَةٌ... " إلى آخره، كالمُكَرَّرِ؛ لأنه قال في
الجِهَةِ الثَّانِيَةِ: وإن كان ذِمِّيّاً رَجَعْنَا إلى الجَانِي، وكأنه أعَادَهُ لِيُبيِّنَ أن ما قيل في حَقِّ المسلم أنه يُنْتَظَرُ يَسَارُ بَيْتِ المال، لا مَجَالَ له في حَقِّ الذِّمِّيِّ؛ لأن بيت المَالِ لا تحمل عنه.
ويجوز أن يُعْلَمَ قوله: "فيطالب" بالواو؛ لما قَدَّمْنَاهُ عن "البَيَان".
وقوله: "بعد مُضِيَّ الأَجَلِ" لا ضَرُورَةَ إلى ذِكْرهِ في هذا المَوْضِعِ، لِلْعِلْم بأن الدِّيَةَ المُتَحَمَّلَةَ مؤجَّلَةٌ، والمُطَالَبَة تكون بعد مُضِيِّ الأَجَلِ أَبَداً.
وقوله: "وكذا إذا اعترف [الجاني] 1 بالخَطَأِ"، ليُعْلَم بالزاي.
وقوله: "إذ لا ينتظر إِقْرَار العَاقِلَةِ" أراد به أن الوَجْهَ المذكور في أنه يُنْتَظَرُ يَسَارُ بَيْتِ المال لا يَجِيءُ في انتظار [إقرار] 2 العاقلة؛ لأن تَوَقُّعَ اليَسَارِ قَرِيبٌ، وتوقع إقرارهم بعد الإِنكار بَعِيدٌ.
وقوله: "وَقَعَ الرُّجُوعُ عليهم" يعني رُجُوعَ الجاني على ما هو مُبيَّنٌ في "الوسيط"، وذلك إذا قلنا: إن الوُجُوبَ يُلاَقِيهِ، وليعلم بالواو للوجه الآخر، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَمَا دُونَ أَرْشِ المُوَضِّحَةِ مَضْرُوبٌ (ح م و) عَلَى العَاقِلَةِ بَلْ لَوْ كَانَ الأَرْشُ نِصْفَ دِينَارٍ وَزَعْنَاهُ عَلَى العَاقِلَةِ، وَإِنْ كَانُوا مَائَةً طُولِبَ جَمِيعُهُمْ بِنِصْفِ دِينَارٍ مُشْتَرِكٍ عَلَى وَجْهٍ، وَعَلَى وَجْهٍ يُعَيِّنُ القَاضِي وَاحِداً كَيْ لاَ يَعْسُرَ الطَّلَبُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان:
إحداهما: كما أن دِيَةَ النَّفْسِ تُضْرَبُ على العَاقِلَةِ، فكذلك بَدَلُ الأَطْرَافِ، وأُرُوشُ الجِرَاحَاتِ والحُكُومَاتِ، قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، تُضْرَبُ عليهم.
هذا هو المذهب الجَدِيدُ.
ويحكى عن القديم قولان آخران:
أحدهما: أنها لا تُضْرَبُ عليهم؛ لأن تَحَمُّلَ العَاقِلَةِ خِلاَفُ القياس، لكن الشرع وَرَدَ به في دِيَةِ النَّفْسِ، فَيُقْتَصَرُ عليه.
وأيضاً فإن ما دُونَ النَّفْسِ سَبيلُهُ سَبيلُ ضَمَانِ الأموال، ألا ترى أنه لا يَتَعلَّقُ به الكَفَّارَةُ، ولا تدخله القَسَامَةُ؟!
والثاني: أن ما دون ثُلُثِ الدِّيَةِ لا يُضْرَبُ على العَاقِلَةِ، بل يكون في مَالِ الجاني؛ لأنه لا يعظم إِجْحَافه به، فلا يحتاج فيه إلى التحمل والمُوَاسَاةِ، وبهذا قال مَالِكٌ وأَحْمَدُ.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: ما دون أَرْشِ المُوضِحَةِ، وهو يصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ لا يُضْرَبُ عليهم، واحْتَجَّ لِظَاهِرِ المذهب بأن النبي -صلى الله عليه وسلم-:"قضى بالغُرَّةِ على العَاقِلَةِ، وهي دون الثُّلُثِ" 1، فإن الغُرَّةَ تقَابَل بخمس من الإِبِلِ.
وأيضاً، فإن العَاقِلَةَ إنما تَحَمَّلَتْ دِيَةَ النَّفْسِ كي لا يَجْحِفَ ذلك بِمَالِهِ، وهذا المعنى مَوْجُودٌ في الأَطْرَافِ والجِرَاحَاتِ.
قال الإِمام: وما عندي أن من لا يَضْرِبُ أُرُوشَ الأَطْرَافِ على العَاقِلَةِ [ينبغي أن يُثْبَتَهَا] 2 معجَلة كَقِيَمِ المُتْلَفَاتِ.
ولا يبعد عن قياس.
الثاني من قَوْلَي القديم: إذا زَادَ الوَاجِبُ على ما دُونَ الثلث أن لا يحمل الكُلّ على العاقلة، بل يُقَالُ: ما دون الثُّلُثِ على الجاني أَبَداً، والزائد عليه مَحْمُولٌ.
والثانية: وهي مُفَرَّعَةٌ على الأولى: إذا كان الأَرْشُ نِصْفَ دِينَارٍ مَثَلاً، والعَاقِلَةُ جَمَاعَةٌ فيهم 3 كَثْرَةٌ، ففي كيفية تَحْصِيلِهِ وجهان:
أظهرهما: أنهم يُطَالبُونَ بنصف دينار مُشْترك؛ لِشُمُولِ جِهَةِ التَّحَمُّلِ لهم.
والثاني: أن القاضي يُعَيِّنُ 4، واحداً أو جَمَاعَةً باجْتِهَادِهِ لكيلا 5 يَعْسَرَ الطَّلَبُ والتَّوْزِيعُ، وقد ينتهي الأمْرُ إلى أن يُخَصَّص كُلُّ واحد منهم مالاً يتموَّلُ، وهذا كالخلاف فيما إذا كَثُرَتِ العَاقِلَةُ في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، بحيث لو وُزَّعَ الوَاجِبُ عليهم لَأَصَابَ كُلَّ غَنِيٍّ دون النصف، وكُلَّ مُتَوَسَّطِ دون الربع 6، وفيه قولان:
أحدهما: أن للإمام أن يُخَصِّصَ جَمَاعَةً يَضْرِبُ على أغنيائهم النِّصْفَ، وعلى المتوسطين الربع كيلا يَعْسَرَ التَّوْزِيعِ، ولا يكثر التَّعَبُ والمُؤْنَة.
وأصحهما: المنع؛ لأن الحَقَّ وَجَبَ على جَمِيعِهِمْ، فلا يُخَصَّصُ بَعْضُهُمْ بالمُطَالَبَةِ وإذا قلنا بالأول، فَبِأَيِّ طريق نُخَصَّصُهُمْ؟
حكى أبو الفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ فيه وجهين، الذي أَوْرَدَهُ عَامَةُ الناقلين أن الإِمام يُخَصِّصُ من يراه باجْتِهَادِهِ.
والثاني: أنه يجعلهم فِرْقَتَيْنِ 7، أو ثلاثاً، كما يقتضيه الحَالُ، ويُقْرعُ بينهم 8 [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الأَجَلُ فَهُوَ فِي دِيَةٍ كَامِلَةٍ ثَلاَثُ سنِينَ وَهِيَ مَائَةٌ مِنَ الإبِلِ يُؤْخَذُ ثُلُثُهَا فِي آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ، فَلَوْ وَجَبَ مَائِتَانِ مِنَ الإِبِلِ فِي عَبْدٍ وَقُلْنَا: يَحْمِلُ فَهُوَ مَضْرُوبٌ فِي ثَلاَثِ سِنِينَ نَظَراً إلَى أنَّهُ بَدَلُ نَفْسٍ، وَقِيلَ: إنَّهُ فِي سِتِّ سِنِينَ نَظَراً إلَى القَدْرِ، وَعَلَى هَذَا يُضْرَبُ دِيَة اليَهُوديِّ وَالنَّصْرَانِيِّ فِي سَنَةِ، وَدِيَةُ المَجُوسيِّ فِي سَنَةٍ، وَغُرَّةُ الجَنِينِ أَيْضاً فِي سَنَةٍ؛ لِأنَّ السَّنَةُ لاَ تَتَجَزَّأُ، وَدِيَةَ المَرْأَةِ في سَنَتَيْنِ، وَلَوْ قَتَلَ وَاحِدٌ ثِلَاَثةً فَيُضْرَبُ ثَلاَثُمَائَةٍ مِنَ الإِبِلِ فِي تِسْعِ سِنِينَ عَلَى وَجْهِ نَظَراً إلَى القَتْلِ أَوْ إلَى أَنَّ الثَّلَالَةَ الأَنْفُسِ لاَ يَكُونُونَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَيُضْرَبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى الأَصَحِّ لِأَنَّ الآجَالِ لِلدُّيُونِ المُتَفَرِّقَةِ تَتَسَاوَقُ وَلاَ تَتَعَاقَبُ، وَإِنْ قَتَلَ ثَلَاثَةٌ وَاحِداً فَالدِّيَةِ الوَاحِدَةُ مَضْرُوبَةٌ عَلَى العَوَاقِلِ فِي ثَلاَثِ سنِينَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ ثلُثٌ نَظَراً إِلَى اتِّحَادِ المُسْتَحِقِّ، وَقِيلَ: فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَدِيَةُ يَدَي الشَّخْصِ كَنَفْسِهِ، ودِيَةُ إِحْدَى اليَدَيْنِ مِنَ الرَّجُلِ يُضْرِبُ فِي سَنَتَيْنِ لِعَدَمِ النَّفْسِ وَنُقْصَانِ القَدْرِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْ إِنْسَانٍ وَرِجْلَيهِ فَهُوَ كَقَتْلِ نَفْسَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما تَكَلَّمَ في ترتيب العَاقِلَةِ، وفي القَدْرِ المَضرُوبِ على كُلِّ واحد منهم اشْتَغَلَ بِبَيَانِ الأَجَلِ المضروب فيه، فقال: أما الأَجَلُ، فهو في دِيَة كَامِلةٍ ثلاث سنين، وقد رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ وعلي، وابْنِ عُمَرَ، وابن عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وقال الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "المختصر": ولم أَعْلَمْ مُخَالِفاً أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى بالدِّيَةِ على العَاقِلَةِ في ثلاث سنين 1، وتكلموا في وُرُودِ الخَبَرِ به، فمنهم من قال
وَرَدَ، ونَسَبَهُ إلى رِوَايَةِ علي -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ-، ومنهم من قال: أراد به أنه -صلى الله عليه وسلم- قَضَى بالدِّيَةِ على العَاقِلَةِ 1. وأما التَّنْجِيمُ فلم يَردْ وُرُودَ الخبر به، وأخذ ذلك من إِجْمَاعِ الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أو غيره.
إذا عرف ذلك، فلا خِلاَفَ عن عَامَّةِ العلماء -أن ما يُضْرَبُ على العَاقِلَةِ يُضْرَبُ مُؤَجَّلاً، وأن الأَجَلَ لا يَنْقُص عن سَنَةٍ، وأن دِيَةَ النَّفْسِ الكاملة تُؤجَّلُ إلى ثلاث سنين، يُؤْخَذُ في كُلِّ سَنَةٍ ثلثها، واختلف الأصحاب في أن المَرْعِيَّ ماذا؟ وأن الحكم بم يُنَاطُ؟
فراعى طَائِفَةٌ كونها [بدل] 2 نفس محرمة 3، وأداروا الحُكْمَ عليها.
ونظر آخرون إلى قَدْرِ الواجب، واعتبروا التَّأْجِيلَ به، وهذا أَشْبَهُ بالترجيح على ما سَنُبَيِّنُ، وتظهر فائدة الخلاف في صُوَرٍ: منها: بَدَلُ العَبْدِ، وأطرافه إذا قتل، أو قطع 4 خطأ أو شبه عَمْدٍ، هل تَتحَملُهَا العَاقِلَةُ؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال مالك، وأحمد-: لا، بل هو على الجَانِي حَالاً؛ لأنه مَضْمُونٌ بالقِيمَةِ، فكان بَدَلُهُ كَبَدَلِ البَهِيمَةِ.
وأيضاً، فقد روِيَ في الخَبَرِ لا تحمل العاقلة عَمْداً، ولا عبداً، ولا اعترافاً 5.
وأظهرهما -وهو الجديد-: نعم؛ لأنه بَدَلُ آدَمِيِّ، فَأَشْبَهَ بَدَلَ الحُرِّ، ويوضحه أن = سنين، وجعل نصف الدية في ستين، وما دون النصف في سنة، وأما الرواية بذلك عن علي فرواها البيهقي أيضاً من رواية يزيد بن أبي حبيب عن علي، وهو منقطع، وفيه ابن لهيعة، وأما الرواية بذلك عن ابن عباس فلم أقف عليها.
العَبْدَ كالحُرِّ في تَعَلُّقِ القِصَاصِ والكَفَّارَةِ بِقَتْلِهِ، فكذلك في تَحَمّلِ العاقلة بَدَلَ نفسه دون أَطْرَافِهِ.
وإذا قلنا: إن العَاقِلَةَ تَحْمِلُهُ، فلو اختلف السَّيِّدُ والعَاقِلَةُ فِي قِيمَتِهِ، فهم المُصَدَّقُونَ بِأَيْمَانِهِمْ، ولو صدقه الجاني لم يقبل إِقْرَارُهُ عليهم، بل الزِّيَادَةُ على ما يُعْتَرِف به العَاقِلَةُ في مَالِهِ، وعلى هذا القول إن كانت قِيمَةُ العَبْدِ قَدْرَ دِيَةِ الحُرِّ، فَتُضْرَبُ 1 في ثلاث سنين باتِّفَاقِ من رَاعَى بَدَلَ النفس، ومن نَظَرَ إلى القَدْرِ.
وإن 2 كانت أكثر من قَدْرِ الدِّيَةِ؛ كما إذا كانت قَدْرَ دِيَتَيْنِ، فوجهان:
أحدهما: الضَّرْبُ في ثلاث سنين؛ نَظَراً إلى أنها بَدَلُ نَفْسٍ.
وأشبههما: بالرُّجْحَانِ: الضَّرْبُ في ست سنين، يُؤْخَذُ في كل سنة قَدْرُ ثلث الدية؛ نَظَراً إلى القَدْرِ.
ومنها في دِيَةِ النَّفْسِ الناقصة كَدِيَةِ المَرْأَةِ، والذمي، وغُرَّةِ الجَنينِ، وجهان:
أحدهما: أنها تُضرَبُ في ثَلاَثِ سنين؛ لأنها بَدَلُ النَّفْسِ، ويقال: إنه اختيار المَاسَرْجسيَّ.
وأشبههما: أنه يُنْظَر إلى القَدْرِ، فتضرب دِيَةُ اليَهُوديِّ والنصراني في سَنةٍ؛ فإنها قدْرُ الثلث، وَدِيَة المَجُوسِيِّ، وغُرَّة الجنين كذلك، وإن كَانَتَا دون الثُّلُثِ؛ لأن السَّنَةَ لا تَتَبَعَّضُ، وكان المَعْنَى فيه أن الزُّرُوعَ والثمار وسائر الفَوَائِدِ تتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ، فاعتبر مُضِيُّهَا ليجتمع عندهم ما يَنْتَظِرُونَهُ، ويُوَاسُون عن بَسْطٍ وتمكُّنٍ.
ودية المرأة تُضْرَبُ في سنتين، يُؤْخَذُ من آخر السَّنَةِ الأولى ثلث دِيَةِ الرَّجُلِ، والباقي في آخر السَّنَةِ الثانية.
ورُوِيَ ذلك عن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
وعن أبي حنيفة فيما روى القاضي الروياني أن غُرَّةَ الجَنِينِ تُضْرَبُ في سَنَةٍ، ودية المَرْأَةِ في ثلاث سنين.
وعن أَحْمَدَ: أن دِيَةَ الذِّمِّيِّ تُضْرَبُ في ثلاث سنين، وكذا دِيَةُ المَرْأَةِ.
ومنها: لو قَتَلَ اثنين أو ثلاثة خَطَأً، فيلزم عَاقِلَتَهُ دِيَاتُهُمْ، وكيف تُضْرَبُ عليهم؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه إذا قَتَلَ ثَلَاثَةً، ونَظَرْنَا إلى القَدْر ضَرَبْنَاهَا في تِسْعِ سنين، وإن نظرنا إلى بَدَلِ النَّفْسِ، فوجهان:
أحدهما: تُضْرَبُ في ثلاث سنين والباقي في تسع؛ لأن بَدَلَ النفس الواحدة
تُضرِبُ في ثلاث سنين فيزاد 1 كُلَّ نَفْسٍ ثلاث سنين.
وأظهرهما: أنا إن نَظَرْنَا إلى بَدَلِ النَّفْسِ ضَرَبْنَاهَا في ثلاث سنين، وإن نَظَرْنَا إلى القَدْرِ فوجهان:
أحدهما: في تسع.
وأصحهما: في ثلاث؛ لأن الوَاجِبَ دِيَاتٌ مختلفة، ومستحقوها مُخْتَلِفُونَ، فلا يُؤَخَّرُ حَقِّ بعضهم باستحقاق غيره.
وهذا كما أن الدُّيُونَ المختلفة إذا اتَّفَقَ انْقِضَاءُ آجَالِهَا يتساوون 2، [ولا] 3 يلزم تَعَاقُبُهَا لاجتماعها، وحَاصِلُ الطريقين عند الاخْتِصَارِ وَجْهَانِ، كما ذكر في الكتاب.
فإن ضَرَبْنَاهَا عليهم في ثَلاَثِ سنين، فعليهم لِوَلِيِّ كل قَتِيلٍ في آخر السنة ثُلُثُ دِيتَهِ، فيجتمع 4 عليهم دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
وإن ضَربْنَاهَا في تسع [سنين] 5، فعليهم في آخر كل سَنَةٍ ثلث دية يُوزَّعُ على الأولياء، فيكون الحَاصِلُ لِوليِّ كل قَتِيلٍ في آخر كُلِّ سَنَةٍ تُسْعَ دِيَته.
هذا إذا قتلهم مَعاً، فإن قتل الثَّلاَثَةَ في ثَلاَثَةِ أيام، وقلنا: بِضَرْب الدِّيَاتِ في ثلاث سنين، فَتُؤجَّلُ دِيَةُ كل واحد إلى ثلاث سنين، من يَوْم قتله، وإن قلنا بالضرب في تسع، فَدِيَةٌ كل واحد تكون مُنَجَّمَةً في تسع سنين من يوم قَتْلِهِ يأخذ الوَلِيُّ فِي آخِرِ كُلِّ سنة تُسْعَهَا.
ومنها: لو قَتَلَ ثَلاَثَةٌ وَاحِداً خَطَأً، فالدِّيَةُ مُوَزَّعَة عليهم، وحِصَّةُ كل واحد، وهي ثُلُثُ الدِّيَةِ تُضْربُ على عَاقِلَتِهِ في ثلاث سنين، كجميع الدِّيَةِ عند الانْفِرَادِ، وذلك لأن الدِّيَةَ وَاحِدَةٌ، ومستحقها وَاحِدٌ.
وفيه وجه أن الثُّلُثَ الذي يَخُصُّ كُلَّ واحد منهم يُضْرَبُ في سَنَةٍ؛ لأنهم أَشْخَاصٌ متعددون، وقدر الثلث يُؤْخَذُ من العاقلة في السَّنَةِ.
ومنها: دِيَةُ الأَطرَافِ، وأُرُوشُ الجِرَاح، فيها وجه أنها تُضرَبُ في سَنَةٍ واحدة، قلَّت أو كَثُرَتْ؛ تَفْرِيعًا على أن المَرْعِيَّ في التأجيل ثَلَاثَ سنين كَوْنُ الوَاجِبِ بَدَلَ نَفْسٍ، وهذا ما حكاه الإِمَامُ عن رواية شيخه أبي مُحَمَّدٍ، قال: ولست أَعْتَدُّ به، وإن تكرر سَمَاعي [له] 6 منه، والصحيح: أنه يُنْظَرُ إن كان الوَاجِبُ قَدْرَ ثلث الدية، أو أقل،
فتضرب في سنة، سواء فيه الحُكُومَاتُ والمُقدَّرَاتُ.
وإن كان الوَاجِبُ أَكْثَرَ من الثلث، ولم يزد على الثلثين، كَقَطْعِ إحدى اليدين، فَتُضْرَبُ في سنتين، يُؤْخَذُ في آخر السنة الأُولَى ثُلُثُ الدية، وفي آخر السَّنَةِ الثانية الباقي.
وإن كان أَكْبَرَ من الثلثين، ولم يزد على دِيَةِ النفس كما في قَطْعِ اليَدَيْنِ، فَيُضْرَبُ الوَاجِبُ في ثلاث سنين.
أما إذا اعْتَبَرْنَا المِقْدَارَ، فلأن الواجب في قَطْعِ اليدين قَدْرُ الوَاجِب في النفس، أما إذا اعْتَبَرْنَا كَوْنَ الواجب بَدَلَ النَّفْسِ، فلأن الوَاجِبَ في اليَدَيْن، وإن لم يكن بَدَلَ النفس، لكنه كَبَدَلِ النَّفْسِ في القَدْرِ والجِنْسِ، فكذلك في المُدَّةِ.
وإن زاد على دِيَةِ النَّفْسِ، كما إذا قطع يَدَيهِ ورِجْلَيهِ، فإن اعْتَبَزنَا المِقْدَارَ، ضَربْنَا الوَاجِبَ في ست سنين.
وإن اعتبرنا حُرْمَةَ النَّفْسِ فوجهان:
أظهرهما: أن الواجب كذلك؛ لأنه بَلَغَ الوَاجِبُ دِيَتَيْنِ، فإذا ضَرَبْنَا مِقْدَارَ دية 1 في ثلاث سنين، وجب أن تَضعُفَ المُدَّةُ في مقدارِ دِيَتَيْنِ.
والثاني: لا تزاد المُدَّةُ على الثَّلاَثِ؛ لأن الأَطْرَافَ تَابِعَةٌ للنَّفْسِ، فلا تزاد مُدَّةُ بَدَلِهَا، وَبَدَلُ يَدَي المرأة كَبَدَلِ نَفْسِهَا، وبدل إحدى يديها يضرب في سنة واحدة بلا خلاف.
وقوله في الكتاب: "وهي مَائَةٌ من الإِبِلِ" مسْتَغْنى عنه في هذا المَوْضِعِ؛ لوضوحه، وتَبَيُّنِهِ 2 بما مَرَّ.
وقوله: "فلو وجب مَائتَانِ من الإِبِلِ" أي: قَدْرُ مائتين بالقيمة.
وقوله: "وقلنا يحمل" إشَارَةٌ إلى الخِلاَفِ في أن بَدَلَ العَبْدِ، هل تحمله العَاقِلَةُ؟ وليعلم قوله: "تحمل" بالميم والألف لما بَيَّنَّاهُ.
ونَظْمُ الكتاب يَقتَضِي تَرْجِيحَ الضَّرْبِ في ثلاث سنين، ويُحْكَى اختياره عن القاضي أبي حَامِدٍ.
والأَشْبَهُ بما قتل في سائر اَلصور تَرْجِيحُ الوَجْهِ الآخر.
وقوله: "وتضرب دِيَةُ اليَهُودِيِّ في سَنَةٍ" مُعْلَمٌ بالألف، ويجوز أن يُعْلَمَ بالحاء؛ بناء على أن عنده ديته كدية المسلم.
وقوله: "وَدِيَةُ المرأة في سَنَتَيْنِ" بالحاء والألف.
وقوله: "نظراً إلى القتل أو إلى أن الثلاثة الأنْفُسِ"؛ أشَارَ به إلى ما ذَكَرْنَا أنها مَضْرُوبَةٌ في تسع سنين، إن اعتبرنا القدر، وكذا إن لم نَعْتَبِرْهُ على وجه؛ لأن النُّفُوسَ لا
تكون كَنَفْسٍ واحدة في المُدَّةِ، كما أنها ليست كَنَفْسٍ واحدة في البَدَلِ.
وقوله: "كَنَفْسِهِ" مُعْلَمٌ بالواو، وكذا قوله: "في سَنَتَيْنِ".
وقوله: "لعدم النَّفْسِ ونُقْصَانِ القَدْرِ" معناه ما مَرَّ أن التَّأْجِيلَ في ثلاث سنين يراعى 1 فيه العَدَدُ، أو كَوْنُ الواجب بَدَلَ النفس، ويستمر على المعْنَيَيْنِ بألاَّ يُؤَجَّلَ بَدَلُ اليد الواحدة ثلاث سنين.
وقوله: "فهو كَقَتْلِ نَفْس" أي: في مَجِيءِ الوجهين في أنه يضرب في ثلاث سنين، أو في سِتٍّ.
قال الإِمام: وهذه الصُّورَةُ تُشْبَهُ من وَجْهٍ قَتْلَ نَفْسَيْنِ لوجوب دِيَتَيْنِ، ومن وجه تُفَارقُهُ؛ لأن كل نفس مُمَيَّزةٌ عن غيرها، وبَدَلُ اليَدَيْنِ والرجلين، وإن بلغ قَدْرَ ديتين، فهو مُتَعَلَّقٌ بشخص واحد.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالنَّظَرُ إِلَى آخِرِ السَّنَةِ، وَالغَائِبُ هَلْ يَلْتَحِقُ بِالْمَعْدُومِ فِيهِ قَوْلاَنِ وَنعْنِي بِهِ غَيْبَةَ تَمْنَعُ التَّحْصِيلَ في سَنَةٍ، وَأَوَّلُ الحَوْلِ يُحْسَبُ مِنْ وَقْتِ الرَّفْعِ إلَى القَاضِي سَوَاءَ شَعَرَ بِهِ العَاقِلَةُ أَوْ لَمْ تَشْعُرْ، لاَ مِنْ وَقْتِ الجِنَايَةِ، وَلَوْ سَرَتْ الجِنَايَةُ بَعْدَ الدَّفْعِ فَحَوْلَ أَرِشْ السِّرَايَةَ مِنْ وَقْتِ السِّرَايَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثَلَاثُ مسائل:
إحداها: إذا مات في أَثْنَاءِ السَّنَةِ بَعْضُ العَاقِلَةِ، لم يؤخذ من تَرِكَتِهِ شيء؛ اعتباراً بآخِرِ الحَوْلِ كالزَّكَاةِ، بخلف ما إذا مات الذِّمِّيُّ في خلال الحَوْلِ، هل يجب قِسْطُ ما مَضَى من الجِزْيَةِ؟ فيه خلاف.
والفرق أن الجِزيَةَ كالأُجْرَةِ بدار الإِسْلاَمِ على ما سَنُبَيِّن في مَوْضِعِهِ إن شاء الله تعالى.
وههنا مُبَاحَثَةٌ للإمام قال: لا يمكن أن يقال: حِصَّةُ الحَوْلِ من الدِّيَةِ لا تجب إلا من آخر الحَوْلِ؛ لأن مُوجِبَ الدِّيَةِ القَتْلُ، وأنه مُتَقَدِّمٌ، ولو كانت وَاجِبَةً على العاقلة، وكان ضَرْبُ الأَجَل للتخفيف، وجب ألا يسقط بالموت، وأن يَحِلَّ الأَجَلُ، كما في سائر الدُّيُونِ، فيشبه أن يقال: الدِّيَةُ وَاجِبَةٌ في الحال، ولكن لا يُضَافُ وُجُوبُهَا إلى العَاقِلَةِ على التَّعْيِينِ، بل ينظر [إلى] آخر الحَوْلِ، فإن كانوا بِصِفَةِ التَّحَمُّلِ تَبَّينَ أن الوجوب عليهم، وإلا تَبَيَّنَ تَعَلُّقُ الوجوب بِبَيْتِ المال، أو الجاني، إذا لم يكن في بيت المال قال، ولو مات بعض العَاقِلَةِ بعد تَمَامِ الحَوْلِ، مع كونه بصفة التَّحَمُّلِ لم يسقط ما وَجَبَ عليه، واستوفى من تَرِكَتِهِ، كما في سائر الدُّيُونِ.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: يسقط.
المسألة الثانية: إن كانت العَاقِلَةُ حَاضِرِينَ في بَلَدِ الجِنَايَةِ، ضربت الدِّيَةُ عليهم على تَرْتِيبِهِمُ الذي سَبَقَ، وإن كانوا غَائِبِينَ لم يستحضروا، ولا انتظر حضورهم.
لكن إن كان لهم هناك مَالٌ أُخِذَ منه، وإلا فالقَاضِي يَحْكُمُ عليهم بالدِّيَةِ على تَرْتِيبِهِمْ، ويكتب بذلك إلى قاضي بَلَدِهِمْ؛ لِيَأْخُذَهَا لأن شاء حَكَمَ بالقَتْلِ، وكتب إلى قاضي بَلَدِهِمْ ليحكم عليهم بالدِّيَةِ، ويأخذها منهم.
وإن كان بعضهم حَاضِراً، وبعضهم غَائِباً، نُظِر إن كانوا مُسْتويين في الدَّرَجَةِ؛ فَهَلْ يُقَدَّمُ من حَضَر؟
فيه قولان:
أحدهما -وبه قال مالك-: نعم؛ لاخْتِصَاصِهِمْ بقرب الدَّارِ، كما يقدم المُخْتَصُّونَ بقرب القَرَابَةِ.
وأيضاً فالنُّصْرَةُ إنما تَتَأتَّى للحاضرين، والتحمل نوع نُصْرَةِ؛ وأيضاً ففي الضَّرْبِ على الغائبين مَشَقَّةٌ، وقد يَنْقَطِعُ الطريق، فَيَتأَخَّرُ التَّحْصِيلُ أو يَتَعَذَّرُ.
وأصحهما، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد: لا، بل تُضْرَبُ على الكل لاسْتِوَائِهِمْ في العُصُوبَةِ والميراث، وعلى هذا فالحكم كما لو كانوا جَمِيعاً حاضرين أو غَائِبِينَ.
وإذا قلنا بِتَقْدِيمِ الحاضرين، فإذا لم يكن منهم وَفَاءٌ:، فَلاَ بُدَّ من ضَرْبِ الباقي على الغائبين، والطريق كتاب القاضي كما سَبَقَ.
وإذا اختلف بِلاَدُهُم قُدَّمَ الأَقْرَبُ داراَ فالأَقْرَبُ، هكذا أَوْرَدَ القولين أكثرهم.
وفي "التتمة" نَصْبُ الخِلاَفِ في أنه هل يَجُوزُ تَخْصِيصُ الحاضرين؟ قال: والخلاف يَتَفَرَّعُ على أنه لو كَانَتِ العَاقِلَةُ كلهم حاضرين لا يَجْوزُ تَخصِيصُ بعضهم بالضَّرْبِ عليه، فإن جَوَّزْنَا، فيجوز تَخْصِيصُ الحَاضِرِينَ بلا خِلاَفٍ.
وإن كانوا مختلفين في الدَّرَجَةِ، فإن كان الحاضرون الأَقْرَبِينَ وزّعَ عليهم، فإن لم يَفِ بالواجب كتب الباقي، وإن كان الحاضرون الأَقْرَبِينَ وزع عليهم، فإن لم يَفِ بالوَاجِبِ، كتب القاضي لما بقي، وإن كان الحاضرون الأَبْعَدِينَ، وفي تَخْصِيصِ الحَاضِرِينَ طريقان:
أشبههما: طَرْدُ الخلاف؛ لأن الضَّرْبَ عليهم أَيْسَرُ، ووصول المستحق إلى حَقِّهِ أقْرَبُ، ويروى هذا عن أبي علي الطَّبَرِيَّ والصَّيْدَلاَنِيِّ، وهو الذي أوْرَدَهُ صاحب "المهذب".
والثاني -وبه قال الشيخ أبو حَامِدٍ والعراقيون-: القَطْعُ بالضَّرْب على الأقربين، وإن بعدت دَارُهُم؛ لأنهم أَقْوَى عُصُوبَةً، وَأَوْلَى بِالتَّحَمُّلِ والنُّصْرَةِ.
وقوله في الكتاب: "والغائب هل يَلتَحِقُ بِالمعْدُومِ؟ فيه قولان": يقتضي طَرْدَ الخلاف فيما إذا اسْتَوَى الحَاضِرْونَ والغائبون في الدَّرَجَةِ، وفيما إذا كان الغائبون الأَقْرَبِينَ، وهو أَحَدُ الطريقين عند اختلاف الدَّرَجَةِ على ما حَكَيْنَاهُ، ثم ليس الخِلافُ في الالْتِحَاقِ بالعَدَمِ على الإِطْلاَقِ، بل في أن الحاضر 1 هل يَتَعيَّنُ الضَّرْبُ عليه أو لا؟ كما لو كان الغائب مَعدُوماً؛ لأنا وإن قَدَّمْنَا الحاضر، فإذا بَقِيَ شَيْءٌ من الواجب، نَأْخُذُهُ من الغائب، فلا يكون كالمَعْدُومِ من كُلِّ وَجْهٍ.
وقوله: "ونعني به غيبة تمنع التَّحْصِيلَ في سَنَةٍ"، يعني بالمُكَاتَبَةِ إلى القاضي والنظم.
هاهنا، وفي "الوسيط" يُشْعِرُ بتخصيص الخلاف بما إذا كانت المَسَافَةُ بحيث لا يمكن التَّحْصِيلُ منها في سَنَةٍ، حتى إذا كانت دون ذلك لا يقدم الحاضر بلا خلاف.
وكَلاَمُ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- والأصْحَاب لا يُسَاعد عليه؛ فإنهم فرضوا 2 فيما إذا كان القَاتِلُ بـ"مكة"، والعاقلة بـ"الشام"، وحكوا فيه الخلاف.
الثالثة: ابتداء المُدَّةِ في دِيَةِ النفس من وقت الزُّهُوقِ، سواء قتل بِجَرَاحَةٍ مُذَفّفَةٍ، أو بِسَرَايَةٍ من قَطْعِ عُضْوٍ، أو جِرَاحَةٍ أخرى.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: يعتبر ابتِدَاءُ المُدَّةِ من وقت حُكْم الحاكم بالدية على العَاقِلَةِ، حتى لو مَضَتْ ثلاث سنين، ثم تَرَافَعُوا [يَفْتَتِحُ] 3 الحَاكِمُ ضَرْبَ المدة.
واحتج الأَصْحَابُ بأن الدِّيَةَ مَالٌ يَحِلُّ بانقضاء الأَجَلِ، فيكون ابتداء الأَجَلِ وَقْتَ وجوبه كَسَائِرِ الديون المُؤَجَّلَةِ.
هذا ما يُوجَدُ لأئمة الأصحاب على اختلاف طَبَقَاتِهمْ.
وفي الكتاب أن ابْتِدَاءَ الحَوْلِ من وقت الرَّفْع إلى القاضي، وكذا ذكر في "الوسيط"، وعلّلَ بأن هذه مُدَّةٌ تُنَاط بالاجتهاد، وصاحب الكتَاب كالمُنْفَرِدِ بِنَقْلِ ما ذكره عن المذهب، حتى إن الإِمام سَاعَدَ الجُمْهُورَ على رِوَايَاتِهِمْ، أن المدة تُحْسَبُ من وقت المَوْتِ.
نعم قال في "البيان" بعد ما حَكَى المَذْهَبَ الظَّاهِرَ، ونسبه للعراقيين 4، وقال أصحابنا الخُرَاسَانيُّونَ: الابتداء من حين الرَّفْع إلى القاضي، ويمكن أن يعني به صاحب الكتاب 5.
وقوله: "شعر به العَاقِلَةُ أو لم يشعر" قد يفهم أن المُرَادَ من الرفع مُجَرَّدُ انتهاء الحَالِ إلى القاضي، كما يفعله طَالِبُ الشُّفْعَةِ، والرَّادُ بالعَيْبِ.
فأما الحكم عليهم بالدِّيَةِ، فلا يكون دون إحْضَارِهِمْ، وشعورهم، إلا أن يَفْرِضَ غَيْبَتَهُمْ.
فأما الواجب في الجِنَايَةِ على ما دون النَّفْسِ، فإن لم تَسْرِ من عُضْوٍ إلى عُضْوٍ، وانْدَمَلَتْ، فابتداء المُدَّةِ من وقت الجِنَايَةِ؛ لأن الوُجُوبَ يَتَعلَّقُ بها، وبالانْدِمَالِ يَتَبيَّنُ اسْتِقْرَارُهَا.
قال الإمامُ: ولا يعتبر انْدِمَالُ الجِرَاحَةِ، وإن كُنَّا قد نقول: لا مُطَالَبَةَ 1 بالدِّيَةِ قبل الانْدِمَالِ؛ لأن التَّوَقُّفَ في المُطَالَبَةِ؛ ليتبين مُنْتَهَى الجِرَاحَةِ 2، وابْتِدَاءُ المدة ليس وَقْتَ طَلَبٍ، فلا 3 يقاس صَرْفُ المدة بالمُطَالَبَةِ، فإن انقضت سَنَةٌ، والجِرَاحَةُ لم تَنْدَمِلْ بَعْدُ، ففي مُطَالَبَةِ العَاقِلَةِ الخِلاَفُ في مُطَالَبَةِ الجاني، إذا كان عَامِداً.
وفي "جَمْعِ الجوامع" للروياني أن أبا الفيَّاضِ ذَهَبَ إلى احْتِسَاب المدة من وَقْتِ الانْدِمَالِ.
وإن سَرَتْ من عُضْوٍ إلى عُضْوٍ، كما إذا قَطَعَ أُصْبُعَهُ، فَسَرَتْ 4 إلى الكَفِّ، ففيه أوجه:
أحدها: أن ابْتِدَاءَ المُدَّةِ من وقت سُقُوطِ الكفِّ، فإنه نِهَايَةُ الجِنَايَةِ، وقطع الأصبع مع السِّرَايَةِ كقَطْعِ الكفِّ.
والثاني: أن الابتداء من وَقْتِ الانْدِمَالِ لا من وَقْتِ قَطْع الأصبع، ولا من وقت سُقُوطِ الكَفِّ؛ لأن الجِرَاحَةَ لم تَقِفْ على مَحَلِّهَا، بل سَرتْ، فتعتبرَ المدَّةُ من نِهَايَةِ أَثَرِهَا.
والثالث: أن مُدَّةَ أُرْشِ الأصبع من يوم القَطْعِ، كما لو لم يَسْرِ، ومدة أَرْش الكفِّ من يوم سُقُوطِ الكَفِّ.
والمذكور في "التهذيب" الأول، وفي تَعْلِيق الشيخ أبي حَامِدٍ، وكُتُب أصحابه الثاني، ويحكي الثَّالِثُ عن اختيار القَفَّالِ.
= أبي حنيفة قال صاحب الخادم: رأيت في نسخة قديمة من الإبانة الجزم به من غير ذلك خلاف ثم ساق لفظ النسخة التي وقف عليها ثم قال.
وهذه هي نظير النسخة التي وقف عليها صاحب البيان وابن الرفعة، ثم اعترض صاحب الخادم على الرافعي فيما ادعاه الموجود للأصحاب القطع بالزهوق ويقتضي الاتفاق عليه وليس كذلك ففي تعليق القاضي الحسين أن إذا حصل الموت بالسراية بأن اصبعه فسرى إلى نفسه ومات ففي ابتداء الأجل ثلاثة أوجه: أحدها: من وقت الجراحة لأن سبب الوجوب هو الجرح.
والثاني: من وقت الزهوق.
والثالث: إن ابتداء دية الأصبع من وقت قطعه والباقي من وقت الزهوق.
وحُجَّة الإِمام والقاضي الرُّوَيانِيَّ 1، وهو ما أَوْرَدَهُ في الكتاب بعد ما جَرَى على تَفَرُّدِهِ، فقال: "فلو سَرَتِ الجِرَاحَةُ بعد الرَّفْعِ تحول أَرْشُ السراية من وقت السِّرَايَةِ" والله أعلم.
وفي الدِّيَاتِ وراء ما ذكرناه صُوَرٌ ومَسَائِلُ هذا مَوْضِعُ ذكرها:
القَاتِلُ خَطَأً لا يحمل من الدِّيَةِ 2 شيئاً.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يكون كأحد العَاقِلَةِ.
لنا: ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قضى بالدِّيَةِ على عَاقِلَةِ الجَانِي، وذلك يقتضي كَونَ الجميع عليهم.
من قتل نفْسَهُ عَمْداً أو خَطَأً، فهو مُهْدرٌ، وكذا لو قَطَعَ طَرَفَ نَفْسِهِ، وقال أحمد: تجب الدِّيَةُ في الخَطأِ على عَاقِلَتِهِ في النَّفْسِ لِورَثَتِهِ، وفي الطَّرَفِ له.
لنا: أن الدِّيَةَ تجب لِلْمَقْتُولِ أو المقْطُوعِ، بدليل قَضَاءِ دُيُونِهِ، وتنفيذ وَصَايَاهُ منها.
فلا تجب للإنسان بِجِنَايَتِهِ في حَقِّ نفسه شَيْءٌ، كما لو أَتْلَفَ مَالَهُ جناية الصَّبِيَّ والمَجْنُونِ محْمُولَة إذا كانت 3 خَطَأَ أو شِبْهَ عَمْدٍ، وكذا إذا كانت عَمْداً، إذا قلنا: إن عَمْدَهُمَا خَطَأٌ.
وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، والأَصَحُّ أنه عَمْدٌ.
إذا حَلَّ نَجْمٌ من الدِّيَةِ، ولا إِبِلَ في البَلَدِ، قُوِّمَتْ يومئذ، وأُخِذَتْ قِيمَتُهَا، ولا يُعْتَبَرُ بَعْضُ النجوم ببعض.
في فَتَاوَى صاحب "التهذيب" أنه لو حَفَرَ بِئْراً في مَحَلِّ عدوان، ثم أحكم رَأْسَهَا، ثم جاء آخر، وفَتَحَهُ، فوقع فيها إِنْسَانٌ وتَلفَ، فالضَّمَانُ على فاتح الرَّأْسِ.
ولو أحكم رَأْسَهُ مُحْتَسِبٌ، ثم جاء ثالث، وفَتَحَهُ، فالضَّمَانُ يَتَعَلَّقُ بالثالث كما لو طَمَّهُ 4، فجاء آخر وحَفَرَهَا ثَانِياً.
وأنه لو تَرَدَّتْ بَهِيمَة في بِئْر عدوان، ولم تَتأَثَّرْ بالصَّدْمَةِ، وبقيت فيها أيَّاماً، فماتت جُوعاً وعَطَشاً، فلا ضَمَانَ على الحَافِرِ لحدوث سَبَبٍ آخر، كما لو جاء سَبُعٌ، فَافْتَرَسَهَا في البِئْرِ.
وأنه إذا كان يَتَقَاتَلُ رجلان، فرمى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فسقط بِصَوْلَتِهِ، وهَلَكَ لم يَجِب له ضَمَانٌ.
وإن سقط بِصَوْلَتِهِ وضَرَبَهُ صَاحِبُهُ، وَجَبَ نِصْفُ الضمان.
وأنه لو شَدَّ عُنُقَ أحد بَعِيرَيْهِ بالآخر، وتَرَكَهُمَا في المَسْرَح، فدخل بَعِيرٌ لآخر بينهما، فَهَلَكَ من جَذْبَةِ الحَبْلِ أَحَدُ البعيرين، فلا ضَمَانَ، إلا أن يكون ذلك البَعِيرُ معروفاً بالعَضِّ والإِفْسَادِ.
وإن من نصفه حُرٌّ، ونصفه رَقِيقٌ إذا قَتَلَ خَطأً يجب نِصْفُ الدية على عَاقِلَتِهِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ جَنَى العَبْدُ فَأَرْشُهُ يَتَعَلَّقُ بِرقْبَتِهِ، وَهَلْ يتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ حَتَّى يُطَالَبَ بِهِ بَعْدَ العِتْقِ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإنْ تَعلَّقَ فَهَلْ يَصِحُّ ضَمَانُهُ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ اخْتَارَ السَّيِّدُ الفِدَاءَ فَلَهُ ذَلِكَ وَلاَ يَلْزَمُهُ إلاَّ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ العَبْدِ أَوْ أَرْشُ الجِنَايَةِ في أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: اختَرْتُ الفِدَاءَ لَمْ يَلزَمْهُ مَا لَمْ يُسْلِمْ في أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما كان هذا القسم مَسُوقاً لِبَيَانِ من عَلَيهِ الدِّيَةُ، وقد بَانَ فيه أن المَالَ الوَاجِبَ بِجِنَايَةِ الحُرِّ يجب عليه إن كانت الجِنَايَةُ عَمْداً، وعلى عاقلته إن كانت خَطَأً أو شِبْهَ عَمْدٍ حَسُنَ تعْقِيبُهُ بِبَيَانِ أن المَالَ الواجب بِجِنَايَةِ الرقيق بمن يَتَعلَّقُ فَنَخْتِمُ القِسْمَ بفصلين:
أحدهما: في جِنَايَةِ القِنِّ.
والثاني: في جناية المُسْتوْلَدَةِ.
أما الفصل الأول، فهذا جَنَى العَبْدُ جِنَايَةً تُوجِبُ المَالَ، أو توجب القِصَاصَ، ورجع الأمر بالعِتْقِ إلى المال تَعلَّقَ المَالُ الواجب بِرَقَبَتِهِ، حتى تؤدي منها 1؛ وذلك لأنه لا يُمْكِنُ إِلْزَامُ جِنَايَتِهِ السَّيِّدِ؛ لأنه إِضْرَارٌ به، والجاني العَبْدُ لا السَّيِّدُ، ولا يمكن أن يقال: إنه يكون في ذِمَّتِهِ إلى أن يعتق ويُوسِرَ؛ فإنه تَفْوِيتٌ للضمان، أو تَأْخِيرٌ لا إلى غَايَةٍ مَعْلُومَةِ، وفيه ضَرَرٌ ظاهر، ويخالف ما إذا عَامَلَهُ إنسان بِإِقْرَاضٍ وغيره، فإنه رِضَى يكون الحَقَّ في ذِمَّتِهِ، فجعل التَّعَلُّق بالرَّقَبَةِ طَرِيقاً وَسَطاً في رعاية 2 الجانبين ويروى عن ابن عَبَّاس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أنه قال: "إن العَبْدَ لا يغرم سيده فوق نَفْسِهِ شيئاً" 3.
وهل يَتَعلَّقُ مع ذلك بِذمَّتِهِ؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، كالمال الوَاجِبِ في جِنَايَةِ الحر، وللعبد ذِمَّةٌ، بدليل أنه لو اسْتَقْرَضَ مَالاً، وأَتْلَفَهُ يثبت البَدَلُ في ذِمَّتِهِ.
وعلى هذا فالرَّقَبَةُ مَرْهُونَةٌ بالحَقِّ الثابت في الذِّمَّةِ.
وأصحهما: ويُنْسَبُ إلى الجديد المَنْعُ؛ لأنه لو تَعَلَّقَ بالذِّمَّةِ كما تَعَلَّقَ بالرقبة كديون المُعَامَلاَتِ التي تَثْبُتُ في ذِمَّتِهِ.
وقد يقال في المسألة وجهان بَدَلاً عن القولين.
وسَبَبُ التَّرَدُّدِ على ما أَشَارَ إليه الإمَامُ أنهما ليسا مَنْصُوصَيْنِ، لكنهما مُسْتَنْبَطَانِ من أصول وقَوَاعِدَ للشافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فعبر مُعبِّرُونَ عنهما بقولين، وآخرون بوجهين.
وإذا حكمنا بالتَّعَلُّق بالذِّمَّةِ، فهذا بقي شَيْءٌ بعد صَرْفِ ثَمَنِهِ إلى الأَرْشِ اتبع به بعد العِتْقِ، وكذا لو ضاع 1 الثَّمَنُ قبل أن يصرف إلى المجني عليه يطالب بالكُلِّ، وهل يَجُوزُ أن يَضْمَنَهُ أَجْنَبِيٌّ؟
قال الإِمام: فيه تَرَدُّدٌ عندي، مَأْخُوذٌ من كلام الأئمة.
أحد الوجهين 2 أنه لا يَصِحُّ ضَمَانُهُ؛ لأنا وإن أَطلَقْنَا ثُبُوتَهُ، فهو على تقدير التَّوَقُّعِ، ولا اسْتِقْرَارَ له في الحال.
وأظهرهما: الصِّحَّةُ، كما يصح الضَّمَانُ عن الميت المُعْسِرِ وبل أولى 3؛ لأن للعبد رَجَاءَ العِتْقِ واليَسَارِ، وآمَالُ الميت مُنْقَطِعَةٌ، فضمان ما يلزم ذِمَّتَهُ من ديون المُعَامَلاَتِ أَوْلَى بالصِّحَّةِ، ولا خِلاَفَ في أنه يَصِحُّ ضمان ما يتعلَّق بِكَسْبِهِ كالمَهْرِ في النِّكَاحِ الصحيح.
ولو قال السيد: ضَمنْتُهُ، فقد رَتبهُ الإِمام على الخِلاَفِ فيما إذا ضَمِنَ الأَجْنَبِيُّ، وجعله أَوْلَى بالصحة؛ لتعلقه بِملْكِهِ.
إذا تَقَرَّرَ ذلك، فالعَبْدُ الذي تَعَلَّقَ المال بِرَقَبَتِهِ لا يَصِيرُ مِلْكاً للمجني عليه، ولكن السَّيِّدَ بالخِيَارِ بين أن يَبِيعَهُ بنفسه، أو يسلمه للبيع، وبين أن يَسْتَبْقِيَهُ، ويَفْدِيَهُ، ويكون المَالُ المَنْدُولُ منه فِدَاءً، كالثمن الذي يَبذُلُهُ غيره.
وإذا سَلَّمَهُ للبيع، فإن كان الأَرْشُ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ بِيعَ جَمِيعُهُ، وإلا فَيُبَاعُ بِقَدْرِ الحاجة إلا أن يَأْذَن السيد في بَيْعِ الجميع، فيؤدي الأَرْشَ، ويكون الباقي له، وكذا
يكون الحُكْمُ لو لم يوجد من يَرْغَبُ في شراء 1 البَعْضِ، وأراد السيد أن يَفْدِيَهُ بأقل الأَمْرَيْنِ من قيمته، وأَرْشِ الجِنَايَةِ؛ لأنه إن كانت قِيمَتُهُ أَقَلَّ، فليس على السَّيِّدِ إلا تسليم رَقَبَتِهِ، فإذا لم يسلم لم تَتَوجَّهِ المُطَالَبَةُ إلا بالقِيمَةِ، وإن كان الأرْشُ أَقَلَّ، فليس للمجني عليه إلا ذلك.
والقديم ويُرْوَى عن أبي حَنِيْفَةَ أنه يَفْدِيهِ بالأرْشِ بَالغاً ما بَلَغَ؛ لأنه لو سلم العَبْد، وعرض على البيع ربما اشترى بأكثر من قيمته، وربما بُنِيَ القَوْلاَنِ على الخِلاَفِ في أن الأَرْش هل يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ.
إن قلنا: لا، فالتعلق مُنْحَصِرٌ في الرَّقَبَةِ، فلا يلزم بمنعها إلا بَدَلَهَا.
وإن قلنا: نَعَم، فجميع الأَرْشِ وَاجِبٌ، والرقبة مَرْهُونَةْ به، وإنما يَنْفَكُّ الرَّهْنُ إذا قضى جميع الدين.
ولم يَرْتَضِ الإِمَامُ هذا البِنَاءَ؛ لأنه رَأَى الأَظْهَرَ تَعَلُّقَهُ بالذِّمَّةِ.
والأَصَحُّ باتفاق الأصْحَابِ أنه إنما يلْزَمُ الفِدَاءُ بالأقل، فلا ينتظم البِنَاءُ.
لكن الأصح عند أكثرهم أنه لا يَتَعَلَّقُ بالذِّمَّةِ، وينتظم البِنَاءُ، ثم في "التهذيب" أن النص أنه تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يوم الجِنَايَةِ، وأن القَفَّالَ قال: وجب أن يعتبر قيمته يوم الفِدَاءِ 2؛ لأن ما نَقَصَ قبل ذلك لا يُؤْخَذُ به السَّيِّدُ، ألا تَرَى أنه لو مات قبل احْتِمَالِ الفِدَاءِ لم يَلْزَم السَّيِّدَ شَيْءٌ، وحمل النَّصّ على ما إذا سَبَقَ من السيد المَنْعُ من بيعه 3 حَالَةَ الجِنَايَةِ، ثم انتقصت القيمة.
ولو جنى العَبْدُ، فَفَدَاهُ السيد، ثم جَنَى مَرَّةً أخرى، فأما أن يسلمه ليباع أو يَفْدِيَهُ مَرَّةً أخرى، وإن كانت الجِنَايَةُ الثانية قبل الفِدَاءِ، فإن سَلَّمَهُ للبيع بيعَ، وَوُزَّع الثَّمَنُ على أرْشِ الجِنَايَتَيْنِ 4، وإن اختار الفِدَاءَ فداه على الجديد 5 بالَأقَلِّ من القيمة ومن الأَرْشَيْنِ، وفي القديم 6 با لأرْشَيْنِ.
وكذلك الحكم لو كان قد سَلَّمَهُ لِلْبَيْع، فجنى جِنَايَةً أخرى قبل أن يُبَاعَ، ولو قَتَلَ العَبْدَ الجَانِي أو أَعْتَقَهُ أو باعه، وقلنا بِنُفُوذِهِمَا، أو اسْتَوْلَدَ الجَارِيَةَ الجَانِيَةَ، فعليه الفِدَاءُ، وما الذي يلزمه؟ فيه 1 طريقان:
أحدهما: طرد القولين.
وأصحهما: أنه لا يَلْزَمُهُ إلا الأَقَلُّ؛ لِتَعَذُّرِ البَيْعِ وبُطْلاَنِ تَوَقُّعِ الزِّيَادَةِ.
ولو مات العَبْدُ الجَانِي، أو هَرَبَ قبل من يطالب السيد بتسليمه، فلا شَيْءَ على السَّيِّدِ، وكذا لو طُولِبَ، ولم يمنعه وإن طُولِبَ فَمَنَعَهُ، صار مُخْتَاراً لِلْفِدَاءِ.
قال في "التهذيب": ولو قتل العَبْد، فللسيد أن يَقْتَصَّ، وعليه الفِدَاءُ للمجني عليه، ويجوز أن ينظر في وُجُوب الفِدَاءِ عليه إلى أن مُوجِبَ العَمْدِ القِصَاصُ، وأَحَدُ الأَمْرَيْنِ، وإن كان القَتْلُ موجباً للمال تَعَلَّقَ حَقُّ المجني عليه بِقِيمَتِهِ، وإذا أخذت تَخَيَّرَ السَّيِّدُ في تَسْلِيمِ فيها، وتسليم بَدَلِهَا من سائر أمواله تَخَيُّرَهُ في رَقَبَةِ العَبْدِ، وإذا لزم الفِدَاءُ بعد موت العبد أو قبله، ففيما يَفْدِيهِ؟ الطريقان المذكوران فيما إذا قتل العبد، أو أعتقه لحصول اليَأْسِ عن بيعه بما يزيد 2 على قِيمَتِهِ.
ولو قال السَّيَّدُ: اخترت الفِدَاءَ، فهل يَلْزَمُهُ الفِدَاءُ، أم يجوز له الرُّجُوعُ، ويسلم العبد، لِيُبَاعَ؟ فيه وجهان:
ظاهر المذهب، وهو المذكور في "التهذيب" أنه لا يلزمه الفِدَاءُ 3، ويبقى الخِيَارُ، وأَجْرَى الإمَامُ الخِلاَفَ 4 فيما إذا قال: أنا أَفْدِيهِ، وهو أَبْعَدُ لاحتماله الوَعْدَ، ومَوْضِعَ الخلاف ماَ إذا كان العَبْدُ بَاقِياً، أما إذا مات فلا رُجُوعَ له بِحَالٍ.
قال الغَزَالِيُّ: وإنْ جَنَتِ المُسْتَوْلَدَةُ فَعَلَىَ السَّيِّدِ أَقَلُّ الأمْرَيْنِ لِأَنَّهُ مَانِعُ بِالاسْتِيلاَدِ، فَلَوْ جَنَتْ مِرَاراً وَلَمْ يَتَخَلَّلْ فِدَاءٌ فَهِيَ كَجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ فَتُجْمَعُ وَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ، وَلَوْ تَخَلَّلَ فِدَاءٌ لَزِمَهُ فِدَاءٌ جَدِيدٌ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَفِي القَوْلِ الثَّانِي يُسْتَردُّ الأَوَّلُ وَيُوزَّعُ عَلَيْهِمَا، وَوَطْءُ الجَارِيةِ الجَانِيَةِ لَيْسَ اخْتِيَاراً لِلْفِدَاءِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل الثاني: إذا جَنَتِ المُسْتَوْلَدَة على نَفْس، أو مال، وَجَبَ على السيد فِدَاؤُهَا؛ لأنه بالاسْتِيلاَدِ مَانِعٌ من بَيْعِهَا مع بَقَاءِ الرِّقِّ فيها، فأَشْبَهَ ما إذا جَنَى القِنُّ، فلم يسلمه لِلْبَيْعِ.
وقال الإِمام: السَّيِّدُ بالاستيلاد مُسْتَمْتعٌ بحَقِّهِ مُتَصَرِّفٌ في مِلْكِهِ، فجعله ملتزماً لِلْفِدَاءِ بِجِنَايَةٍ تحدث من بعد فيه غُمُوضٌ، ولكنهَ مُتَّفقٌ عليه من الأَصْحَابِ، وبم يَفْدِيهَا؟ فيه طريقان:
أحدهما: طَرْدُ القولين المذكورين في القِنِّ.
وأصحهما: القَطْعُ بأنه يَفْدِيهَا بالأقل من قِيمَتِهَا، وأَرْشِ 1 الجِنَايَةِ، والفَرْقُ أن القِنَّ قَابِلٌ للبيع، وقد يُوجَدُ رَاغِبٌ بالزِّيَادَةِ، والمُسْتَوْلَدَةُ غير قَابِلَةٍ للبيع.
وفي القيمة المُعْتَبرةِ وَجْهَانِ عن الشيخ أبي عَلِيٍّ أن الاعْتِبَارَ بقيمة يَوْمِ الاسْتِيلاَدِ؛ لأن السيد بالاسْتِيلاَدِ صار مَانِعاً، وأظهرهما، وهو الذي أورده 2 الشيخ أبو مُحَمَّدٍ: أن الاعْتِبَارَ بقيمة يوم الإِتْلَافِ، ولا نَظَرَ إلى ما قَبْلَهُ، ولا نقول: إنه مَانِعٌ يوم الاسْتِيلاَدِ، ولكنه بالاستيلاد يصير مَانِعاً من البَيْعِ وقت الحَاجَةِ إليه، وهو يوم الإِتْلاَفِ.
وإذا جنت 3 المُسْتَوْلَدَة جِنَايَتَيْنِ فَصَاعداً، فإن أَثْبَتْنَا القَوْلَ القديم، وقلنا: إن المُسْتَوْلَدَةَ تُفْدَى بأرْشِ الجِنَايَةِ، فعلى السيد أن يَفْدِيَهَا بأُرُوشِ الجِنَايَاتِ بَالِغَةً ما بَلَغَتْ.
وإن فرَّعْنَا على الصحيح، وقلنا: إن الوَاجِبَ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ، فإن كان أَرْشُ الجناية
الأولى دون القيمة، وفَدَاهَا به، وكان الباقي من القيمة يَفِي بأرْشِ الجِنَايَةِ.
الثانية، فَيَفْدِيَها للجناية الثانية بِأرْشِهَا أيضاً، وإن كان أَرْشُ الجِنَايَةِ الأُولَى مِثْل القيمة، أو أكثرَ منها، أو دونها، إلا أن البَاقِي من القِيمَةِ لا يَفِي بأَرْشِ الجِنَايَةِ الثانية، فينظر أَوَقَعَتِ الجناية الثَّانِيَةُ قبل أن يَفْدِيَهَا السيد عن الأولى 1 أو بَعْدَ أن يَفْدِيَهَا، فهما حالتان:
إحداهما: إذا وقعت قبل الفِدَاءِ، ففيما يَلْزَمُ السَّيد؟ قولان:
أحدهما: أن عليه أن يَفْدِيَهَا لكل جِنَايَةٍ بالأَقَلِّ من قيمتها، وأَرْشِ تلك الجِنَايَةِ؛ لأن الاسْتِيلَادَ السابق كالمَنْعِ من البَيْعِ بعد الجِنَايَةِ، فإذا وجد الاسْتِيلَادُ، وحَصَلَتِ الجِنَايَاتُ كان الاستِيلاَدُ كَمَنْعٍ مُجَدّدٍ عَقِيبَ كُلِّ جناية.
ولو جَنَى القِنُّ، فصنع السيد من بَيْعِهِ، واختار الفِدَاءَ، ثم جَنَى، ففعل السيد مثل ذلك، يَلْزَمُهُ لكل جِنَايَةٍ الأقَلُّ من أَرْشِهَا، ومن قيمته، فكذلك هاهنا.
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أن جميعها كَجِنَايةٍ وَاحِدَةٍ، وليس عليه إلا أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ من أرشها، ومن قيمة المُسْتَوْلَدَةِ، والأقل القيمة في التصوير الذي نحن فيه، وذلك لأن الاسْتِيلاَدَ فعل واحد، فيجعل 2 مَنْعاً واحداً، إلاَّ أن الاسْتِيلاَدَ وإن تَقَدَّمَ على الجِنَايَةِ كالمنع، والتفويت المتأخرين عن الجِنَايَةِ، فليكن بِمَثَابَةِ ما لو جَنَى القِنُّ جِنَايَاتٍ، ثم قتله السيد، أو أعتقه لا يلزمه إلا فِدَاءٌ واحدٌ.
والحالة الثانية: [إذا وقعت الجناية الثانية] 3 بعد ما فَدَاهَا السيد عن الجنَايَةِ الأولى، فهذه الحالة تَتَرَتَّبُ على الأولى، إن قلنا: يَجِبُ هناك لكل جِنَايَةِ الأَقَلُّ من ارْشِهَا، ومن قيمة المُسْتَوْلَدَةِ، فهاهنا أَوْلَى؛ لأن المَجْنِي عليه الأول قد قبض، ومَلَكَ المَقْبُوضَ، ونَقْضُ مِلْكِهِ بجناية تَصْدُرُ من ممْلُوك غيره بَعِيدٌ، وبتقدير 4 إلاَّ يوجب لكل جِنَايَةٍ فِدَاءٌ يحتاج إلى النَّقْضِ، والاسترداد على ما سَنُبَيِّنُهُ، وإن جعلنا الجِنَايَاتِ كَجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ هناك، ولم نوجب الفِدَاءَ إلا مَرَّةً واحدة، فهاهنا قولان:
أحدهما -وهو اختيار المُزَنِيِّ والربيع-: أن كُلَّ جِنَايَةٍ تفرد بِفَدَاءٍ، وعليه أن يَفْدِيَ للجناية الثانية بالأَقَلِّ من أرشها، ومن قيمة المُسْتَوْلَدَةِ على نحو فِدَائِهِ للأولى، كما لو جنى 5 القِنُّ، وفَدَاهُ، ثم جنى ثانياً يَفْدِيهِ بِفِدَاءٍ ثَانٍ إذا لم يسلمه لِلْبَيْعِ 6، وفي "أمالي"
أبي الفرج السَّرَخْسِيِّ أن هذا مَذْهَبُ مالك 1.
والقول الثاني: أنه لا يَجِبُ هاهنا أيضاً إلا الأقل من القيمة، وموجب الجنايتين ولا يَتَكَرَّرُ الفِدَاءُ؛ لأنه إنما أَوْجَبنَا الفِدَاءَ؛ تَنْزِيلاً للاسْتِيلاَدِ مَنزِلَةَ الإِتلاَفِ، والمنع من البيع وإتلاف الشيء لا يُوجِبُ إلا قِيمَةً وَاحِدَةً.
وبهذا قال أبو حَنيفَةَ، ورجح صاحب "التهذيب" القول الأَوَّلَ، وهو وجوب الفِدَاءِ للجناية الثانية، لكنَّ مَيْلَ الأكثرين إلى تَرْجِيحِ الثاني، وقد أَفْصَحَ به الشيخ أبو إِسْحَاقَ الشيرازي والقاضي الروياني وغيرهم.
وإذا قلنا به، فَيُشَارِكُ المجْنِي عليه ثَانياً المَجْنِي عليه الأَوَّل فيما أَخَذَهُ، ويقسم حمله الوَاجِبِ بينهما 2 على ما يَقْتَضِيهِ الحَالُ.
مثاله: قيمة المُسْتَوْلَدَةِ أَلْفٌ، وأَرْشُ كل جِنَايَةٍ أَلْفٌ، وأخذ المجني عليه الأول القِيمَةَ، يرجع الثاني عليه بخمسمائة، ولو كانت القيمة كذلك، وأَرْشُ الجناية الأُولى أَلْفٌ، وأرْشُ الثانية خمسمائة، فيرجع المَجْنِي عليه ثانياً على الأولى بِثُلُثِ الألف، ولو كانت القيمة كذلك، وأَرْش الثانية أَلْفٌ، وأرش الأولى خمسمائة، وهو الذي أخَذَهُ الأول، فَيَأْخُذُ الثاني من السَّيَّدِ بَقِيَّةَ القيمة خمسمائة، ويرجع على الأول بثلث ما أخذ؛ لتصير القِيمَةُ بينهما أَثْلاَثاً، وقد يعكس تَرْتِيب الحالتين، فيقال: إن تَخَلَّلَ الفِدَاءُ، فهل يَتَجَدَّدُ؟ فيه قولان، وإن لم يَتَخَلَّلْ، فقولان مُرَتَّبَانِ، وأوْلَى بألاَّ يَتَعَدَّدَ، والمقصود لا يَخْتَلِفُ.
ويجوز ألا نفصل ونطلق في المسألة ثَلاَثَةَ أقوال:
ثالثها: يفرق بين أن يَتَخَلَّلَ الفِدَاءُ، فيلزمه فِدَاءٌ آخر، أو لا يَتَخَلَّلُ، فيكفي فِدَاءٌ وَاحِدٌ.
وفي شرح الجُوَيْنِيَّ للموفق بن طَاهِرِ حِكَايَةُ طريقين في موضع الخلاف عند تَخَلُّلِ الفِدَاءِ.
فعن بعضهم أن الخِلاَفَ فيما إذا دفع الفداء بنفسه إلى المجني عليه الأول.
أما إذا دفع بِقَضَاءِ القاضي، فيقطع بأنه لا يَلزَمُهُ شَيْءٌ آخر.
وعن ابن أبي هُرَيْرَةَ أنه لا فَرْقَ، ويجري الخِلاَفُ المذكور في الجِنَايَةِ الثالثة والرابعة، لا إلى نهاية.
ومهما زَادَتِ الجِنَايَةُ زاد الاستِرْدَادُ، وشُبِّهَ ذلك بما إذا قُسَّمَتْ تَرِكَةُ إنسان على غُرَمَائِهِ وَوَرَثَتِهِ، وكان قد حَفَرَ بئر عدوان، فهلك بَهِيمَةٌ أو إِنْسَانٌ بها، يزاحم المَجْنِي عليه الغُرَمَاءَ والوَرَثَةَ، ويستردُّ منهم حِصَّتَهُ، فلو هلك آخر زاد الاسْتِرْدَادُ.
" فرُوع"
أحدها: قد ذكر في الكتاب وَطْءَ الجارية الجانية، هل هو اخْتِيَارٌ للفداء؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما أن وَطْءَ البائع في زَمَانِ الخِيَارِ (1) فَسُخٌ للبيع، ووطء المشتري إجازه.
وأصحهما: المَنعُ؛ لأن الوَطْءَ لا دِلاَلَةَ له على الاخْتِيَارِ بخلاف اللَّفْظِ، وبتقدير (2) أن يَدُلُّ عليه، فقد ذَكَرْنَا أن الاخْتِيَارَ لا يَلْزَمُ، ويخالف الوَطْءُ في زَمَانِ الخِيَارِ؛ لأن الخيار في البَيْع إنما يَثْبُتُ بالشرط، أو بالعَقْدِ المتعلق بالاختيار، فإذا ثَبَتَ بفعله، جاز أن يسقط بفعلَه، [والخيار للسيد يَثْبتُ ابتداءً من جِهَةِ الشرع لا بفعله، فلا يَسْقُطُ بفعله] (3).
والثاني: قال في "التهذيب": إذا جَنَتْ جَارِيةُ لها وَلَدٌ، لم يتعلق الأرْشُ برَقَبَةِ الوَلَدِ، وإن وَلَدَتْ بعد الجناية، فكذلك سواء كان الحَمْلُ حَاصِلاً يوم الجِنَايَةِ، أَو لم يكن، ثم إذا لم نُجَوِّزِ التفريق فَيُبَاعُ الوَلَدُ معها، ويصرف ما يُقَابلُ الأُمَّ إلى أَرْشِ الجناية، وما يُقَابِلُ الوَلَدَ للسيد.
وإن جَنَت وهي حَامِلٌ، أو حبلت بعد الجِنَايَةِ، هل تُبَاعُ حاملاً؟
إن قلنا: إن الحَمْلَ لا يعرف، فَتُباَعُ، كما لو زادت زِيَادَةً مُتَّصِلَةً.
وإن قلنا: يعرف، فلا تُبَاعُ حتى تَضَعَ؛ لأنه لا يمكن إِجْبَارُ السيد على بَيْعِهَا مع العمل، ولا يجوز (4) اسْنِثْنَاءُ (5) الحمْلِ، فإذا وضعت ببيعها.
الثالث: إذا لم يَفِدْ السَّيِّدُ الجَانِيَ، ولا سَلَّمَهُ للبيع، باعه الحَاكِمُ، وصرف الثَّمَنَ إلى المجني عليه، وإن أَرَادَ بَيْعَهُ منه، جاز إن كان الأرْشُ نَقْداً، وإن كان الوَاجِبُ الإِبِلِ، قال في "التتمة": ينبني (6) على أن الصُّلْحَ عن إبل الدية هل يجوز؟
القِسْمُ الرَّابعُ مِنَ الكِتَابِ فِي غُرَّةِ الجَنِينِ
قال الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي أَطْرَافٍ الطَّرَفُ الأَوَّلُ فِي المُوجِبِ وَهِيَ جِنَايَةُ تُوجِبُ انْفِصَالَ الجَنِينِ مَيِّتاً، فَإِنْ لَمْ يَنْفَصِل وَمَاتَتِ الأمُّ فَلاَ شَيْءٍ، وَإِنْ انْفَصَلَ بَعْدَ مَوْتِ الأُمِّ123456
وَجَبَ (ح م)، وَإِنْ انْفَصَلَ حَيّاً وَلَوْ عَلَى حَرَكَةِ المَذْبُوحِينَ ثُمَّ مَاتَ فَدِيَةٌ كَامِلَة وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَتِلْكَ الحَيَاةُ لاَ تَدُومُ، بَلْ لَوْ لَمْ تَكُنْ جِنَايَةٌ فَقُتِلَ مِثْلُ هَذَا الجَنِينَ وَجَبَ القِصَاصُ كَقَتْلِ مَرِيضٍ مُشْرِفٍ عَلَى المَوْتِ، وَلَوْ خَرَجَ رَأْسُ الجَنِينِ وَمَاتَتِ الأُمُّ وَجَبَتِ الغُرَّةُ لِتَيَقُّنِ الجَنِينَ، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ لِعَدَمِ الانْفِصَالِ، وَكَذَا الوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ قُدَّتْ بِنِصْفَينَ فَانْكَشَفَ الجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَكَذَا الوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ خَرَجَ رَأسُ الجَنِينِ فَصَاحَ فحُرَّتْ رَقَبَتُهُ، فَمَنْ لاَ لاَ يَعْتَدُّ بِهَذَا الانْفِصَالِ لاَ يُوجِبُ القِصَاصَ وَلاَ كَمَالَ الدِّيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود 1 القسم الكَلاَمُ في دِيَةِ الجَنِينَ، والأصل فيها مَا رُوِيَ عن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن امْرَأَتَيْنِ مِنْ "هُذَيْلٍ" رَمَتْ إحداهما الأخرى، فَطَرَحَتْ جنينها، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بِغُرَّةِ عَبْدٍ أو وَلِيدَةٍ، ويروى: "فَضَرَبَتْ إحداهما الأخرى بِحَجَرٍ فقتلتها وما في جوفها، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الجنين بِغُرَّةِ عَبْدٍ أو أَمَةٍ، ويروى: "فقضى بِدِيَةِ جَنِينِهَا غُرَّةَ عَبْدٍ أو أَمَةٍ" 2، فقال بعضهم: كيف يَدِي من لا شرب ولا أكل ولا صاح، ولا استهل، ومثل ذلك يُطَلُّ -ويروى: بَطُلَ بدل يُطَلّ-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ"، ويروى: "أَسَجْعَاً كَسَجْعِ الْجَاهِلِيَّةِ؟ " يقال: غُرَّةُ عَبْدٍ أو أَمَةٍ على الإِضَافَةِ، ويروى: 3 "غرةٌ عَبْدٌ أو أَمةٌ" على البَدَلِ، والغرَّةُ: الخيار.
ويقال: طُلَّ دمه أي: أهدر 4.
ورتب مسائل القِسْمَ على أَطرَافِ: المُوجِب، وما تَجِبُ فيه، والوَاجِب بصفاته، وأما من يَجِبُ عليه، فلم يُفْرِدْهُ بِتَرْجَمَةٍ، وذكره في آخر القِسْمِ.
أما الأول، فقد قال: المُوجِبُ، وهو جِنَايَةٌ توجب انْفِصَالَ الجَنِينِ ميَّتاً، وقد تَعَرَّضَ في الضابط لقيود:
أحدها: الجِنَايَةُ، والمقصود ما يُؤَثَّرُ في الجنين من ضَرْبٍ، وإيجَارِ دَوَاءٍ 5 ونحوهما، ولا أَثَر لِلطَّمَّةِ الخَفِيفَةِ، وما في معناها كما لا يُؤَثِّرُ في الدِّيَةِ.
والثاني: الانْفِصَالُ، فلو ماتت الأُمُّ، فلم ينفصل جَنِينٌ، لم يجب على الضَّارِب شيء؛ لأنا لا نَتَيقَّنُ وُجُوبَ الجَنِينِ، فلا نُوجِبُ شيئاً بالشَّكِّ.
وكذا لو كانت المرأة مُنْتَفِخَةَ البَطْنِ، فضربها ضَارِبٌ، فزال الانْتِفَاخ أو كانت تَجدُ حَرَكَةً في بَطْنِهَا، فانقطعت الحَرَكَةُ؛ لجواز أنه كان رِيحاً، فانْفَشَّتْ 1، ثم المعتبر 2 انْكِشَافُ الجنين أو الانْفِصَالُ التَّامِّ ذكروا فيه وجهين:
أصحهما: أن المُعْتَبَرَ 3 الانْكِشَافُ وظُهُورُ شَيْءٍ منه؛ لأن المَقْصُودَ أن يتحقق وجوده.
والثاني -وبه قالي مَالِكٌ، ويحكى عن القَفَّالِ-: أن المُعْتَبَرَ الانْفِصَالُ التام؛ ليستقل، وما لم يَنْفَصِل كان كالعُضُوِ من الأُمِّ، ويستشهد له بأن انْقِضَاءَ العِدَّةِ، ووقوع الطَّلاَقِ بالوِلاَدَةِ وسائر الأحكام لا يتَعَلَّقُ بخروج بعض الوَلَدِ، بل بالانْفِصَالِ التام، فكذلك هاهنا.
وَيتَفَرَّعُ على الوجهين ما إذا ضَرَبَ بَطْنَهَا، فخرج رَأْسُ الجنين مَثَلاً، وماتت الأُمُّ كذلك، ولم ينفصل أو خَرَج رَأْسُهُ، ثم جَنَى عليها، فماتت، فعلى الأَصَحِّ تجب الغُرَّةُ لِتَيَقُّنِ وُجُودِهِ، وعلى الثاني لا تجب لِعَدَمِ الانْفِصَالِ.
ولو قُدَّتْ نِصْفَيْنِ 4، وشوهد الجَنِينُ في بَطْنِهَا، ولم ينفصل، ففيه هذا الخلاف.
ولو خرج رَأْسُ الجنين، وصاح فَخَرَّ حَازُّ رَقَبَتَهُ، فإن اعتبرنا العِلْمَ بحصول الجَنِينِ، وجب القِصَاصُ، أو كَمَالُ الدية؛ لأنا تَيَقَّنَّا بخروج الرأس وُجُودَهُ، وبالصياح حَيَاتَهُ.
وإن اعتبرنا الانْفِصَالَ، لم نوجب القِصَاصَ ولا الدِّيَةَ.
ولو صَاحَ ومات، فَوُجُوبُ الدِّيَةِ على الخلاف 5.
والثالث: كون المُنْفَصِلِ مَيِّتاً، فلو انْفَصَلَ حَيّاً، نُظِرَ إن بقي زَمَاناً سَالِماً غير مُتَأَلِّمٍ، ثم مات، فلا ضَمَانَ على الضَّارِبِ؛ لأن الظَّاهِرَ أنه مَاتَ بسبب آخر.
وإن مات كما خَرَجَ، أو كان مُتَألِّماً إلى أن مات، وَجَبَ فيه الدِّيَةُ الكاملة؛ لأنا تَيَقَّنَّا حَيَاتَهُ، وقد هَلَكَ بالجناية، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الأحْيَاءِ، ولا فرْقَ بين أن يستهلَّ أو لا يستهلَّ، ولكن وجده ما يَدُلُّ على حياته كالتَّنَفسِ وامْتِصَاصِ اللَّبَنِ، والحَرَكَةِ القوية
كَقَبْضِ اليد وبَسْطِهَا، ولا عِبْرَةَ بمجرد الاختلاج فقد يكون ذلك انْتِشَاراً بسبب الخُرُوجِ من المَضِيقِ.
وعن "المنهاج" للجويني حِكَايَةُ قَوْلٍ أنه يكتفي بالاخْتِلاَجِ، والمشهور الأول.
وعن مَالِكٍ أن الاعْتِبَارَ بالاستهلال لا غَيْرَ، وإذا علمت الحياة فلا فَرْقَ بين أن يكون قد انْتَهَى إلى حَرَكَةِ المَذْبُوحِينَ، أو لم يَنْتَهِ إليها، بل بَقِيَ يوماً ويومين، ثم مَاتَ؛ لأنا تَيَقَّنَّا الحَيَاةَ في الحالتين 1 وقد وردن الجِنَايَةُ عليه، والظاهر أنه هَلَكَ بالجِنَايَةِ، [وكذا] 2 ولا فَرْقَ بين أن يَنْفَصِلَ لوقت يتوقّع أن يعيش، أو لوفقت لا يتوقَّعُ أن يعيش، بأن انْفَصَلَ لدون سِتَّةِ أشهر 3.
وقال المزني: إن لم يتوقَّعْ أن يعيش أو كان انتهى إلى حركة المذبوح، ففيه الغُرَّةُ دون الدِّيَةِ، ولم تكمل فيه الدية؛ لأن الجِنَايَةَ -والصورة هذه- منع من الحياة لا قَطْعَ لها.
وفي "التتمة" حكايته وَجْهٍ مثله عنه فيما إذا كان قد انْتَهَى إلى حَرَكَةِ المَذْبُوحِينَ، ولو قتل قَاتِلٌ مثل هذا الجَنِينِ بعد ما انْفَصَلَ، فإن انْفَصَلَ لا بجناية جَانٍ، فعلى القاتل القِصَاصُ، كما لو قتل مَرِيضاً مُشْرِفاً على الوَفَاةِ.
وإن انْفَصَلَ بجناية جَانٍ، فإن كانت فيه حَيَاةٌ مسْتَقِرَّةٌ، فكذلك، وإلا فلا شَيْءَ على الثاني، والقَاتِلُ الأول، وقد قَدَّمْنَا الفَرْقُ بين أن ينتهي إلى حَرَكَةِ المذبوحين 4 بِجِنَايَةٍ، وبين أن ينتهي لا بِجِنَايَةٍ.
ولو انفصل منها بعد ما مَاتَتِ الأُمُّ من الضرب وَجَبَتِ الغُرَّةُ، كما لو انْفَصَلَ في حياتها؛ لأنه شَخْصٌ مستقل، فلا يدخل ضَمَانُهُ في ضمانها.
وعن أبي حَنِيْفَةَ ومالك: أنه لا تجب الغُرَّةُ إذا انفصل بعد مَوْتِ الأُمِّ.
ولا فَرْقَ في وجوب الغُرَّةِ بين أن يكون الجَنِينُ ذَكَراً أو أُنْثَى، أو لا يعرف حاله؛ لأن الأَخْبَارَ الوَارِدَةَ في الغُرَّةِ مُطْلَقَةَ، وأيضاً فإنا لا نَعْتَبِرُ الحياة في وجوب الغُرَّةِ، وإذا لم نعتبر الحَيَاةَ، فَأَوْلَى ألا نعتبر الذُّكُورَةَ والأنوثة؛ لأن الذي يختلف بالحَيَاةِ والموت أَصْلُ الوُجُوبِ، والذي يختلف بالذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ مِقْدَارُ الوَاجِبِ، وكذا لا فَرْقَ بين ثابت النَّسَبِ وغيره، وبين تَامِّ الأَعْضَاءِ ونَاقِصِهَا.
ولو اشْتَرَكَ اثنان في الضَّرْبِ، فالغُرَّةُ بينهما.
ولو أَجْهَضَتْ جَنِينَيْنِ وَجَبَتْ غُرَّتَانِ، ولو أجهضتْ حَيّاً وَمَيّتاً، ومات الحَيُّ، وجبت دِيَةٌ كَامِلَةٌ وغُرَّةٌ.
ولو ضرب بَطْنَ امرأة مَيِّتَةٍ، فانفصل منها جَنِينٌ ميت لم تَجِبِ الغُرَّةُ؛ لأن الظَّاهِرَ أن هَلَاكَهُ بِهِلاَكِ الأم.
كذا قاله في "التهذيب".
وفي "جمع الجوامع" للروياني أن القاضي الطَّبَريُّ قال: يجب ضَمَانُ الجَنِينِ؛ لأن الجَنِينَ قد يبقى في جَوْفِ الأُمِّ حَيّاً، فالأَصْل بقاء 1 حَيَاتِهِ، ولا بَأسَ بما يَتَّفِق أَحْيَاناً من تَغْيِيِر تَرْتِيب المسائل لِحَاجَةِ الشرح، وسينتهي النَّاظِرُ إلى مقدم بتأخر، ويَظْفَرُ بمقصوده منه إذا لم يقَعْ إِهمَالٌ.
وقوله: "بَعْدَ مَوْتِ الأُمِّ وَجَبَ" مُعْلَمٌ بالحاء والميم.
وقوله: "ولو على حَرَكَةِ المذبوحين" يجوز أن يُعْلَمَ بالزاي مع قوله: "وإن كان ذلك لما دُونَ ستة أَشْهُرٍ".
وكذا قوله: "وَجَبَ القِصَاصُ"؛ لأن الحكاية عنه أنه لا يَجِبُ القِصَاصُ أَيْضاً، وليعلم قوله: "وجبت الغُرَّةُ لِتَيَقُّنِ الجنين" بالميم؛ لما مَرَّ.
واعلم أن الضَّبْطَ الذي ذَكَرَهُ صاحب الكتاب لِلْمُوجِب يَشْتَمِل على لَفْظِ "الجنين"، فلو أَدْرَجَ فيه مَسَائِلَ الطرف الثاني، ولم يُفْردْهَا بترجمة لكان قَوِيماً.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَجْهَضَتْ يَداً وَمَاتَتْ وَجَبَتْ غُرَّةٌ إِذَا تَيَقَّنَا وُجُودَ جَنِينِهَا، وَلَوْ أَلْقَتْ أَرْبَعَةَ أَيْدٍ وَرَأْسَيْنِ لَمْ يَزِدْ عَلَى غُرَّةٍ فَرُبَّ شَخْصٍ لَهُ رَأْسَانِ، وَلَوْ أَلْقَتْ بَدَنَيْنِ فَدِيَتَانِ إِذْ لاَ يُمْكِنُ البَدَنَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ ألْقَتْ يَدَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ جَنِينٌ حَيٌّ بِلاَ يَدَيْنِ فَدِيَةُ كامِلَةٌ لِلْيَدَيْنِ، وَإنْ كَانَ سَلِيمَ اليَدَيْنِ فَحُكُومَةٌ لَهُمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذَا أَلْقَتِ المَرْأةُ بالجِنَايَةِ عليها يَدَاً أو رِجْلاً، ومَاتَتْ، ولم يَنْفَصِلِ الجَنِينُ بِتِمَامِهِ، فقد نَصَّ في "المختصر" على وُجُوبِ الغُرَّةِ؛ لأن العِلْمَ قد حَصَلَ بوجود الجَنِينِ، والغالب على الظَّنِّ أن يَدَهُ بَانَتْ بالجِنَايَةِ.
قال في "التتمة": وعلى الوجه الذي مَرَّ أنه يعتبر الانْفِصَالُ التَّامُّ لا تجب الغُرَّةُ، ولكن يجب نِصْفُهَا؛ لأن ضَمَانَ الجناية على 2 الجملة.
وفي إِيرَادِ غيره ما يُشْعِرُ بأن الخِلاَفَ لا يَجِيءُ في هذه الصُّورَةِ، وإنما الخِلاَفُ
فيما 1 إذا ظَهَرَ شَيْءٌ من الجَنِينِ من غير أن يُفَارِقَ الأُمَّ، وههنا وإن لم يَنْفَصِلِ الجَنِينُ بِتَمَامِهِ، ولكن وجد الانْفِصَالُ التَّامُّ في ذلك العُضْوِ، ولو أَلْقَتْ يَدَيْنِ أو رِجْلَيْنِ، أو رِجْلاً وَيَداً، فلا خِلاَفَ في وجوب تَمَامِ الغُرَّةِ، ولو أَلْقَتْ من الأيدي والأرجل ثَلاَثاً أو أرْبَعاً لم يجب إلا غُرَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ لأنه لا يتيقّن 2 وجود جنينين 3، ويُتَصَوَّرُ كَوْنُهَا لجنين وَاحِدٍ بعضها أصلية 4، وبعضها زَائِدَةٌ ولو أَلْقَتْ رَأْسَيْنِ فكذلك.
ويروى أن الشَّافِعِيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أخبر بامرأة وَلَدَتْ وَلَدًا له رَأْسَانِ، وكان إذا بَكَى بَكَى بهما، وإذا سَكَنَ سَكَنَ بهما.
وفي [شرح] 5 مختصر الجويني وجه عن صاحب "التقريب" أنه يَجِبُ في إِلْقَاءِ الرَّأْسَيْنِ والأيدي غُرَّتَانِ اعْتِبَاراً بالظَّاهِرِ، وإن أَلْقَتْ بَدَنَيْنِ وجبت غُرَّتَانِ؛ لأن الشَّخْصَ الواحد لا يكون له بَدَنَانِ بِحَالٍ.
هكذا أَوْرَدَ صاحب الكتاب وشَيْخُهُ، وصاحب "التهذيب" وغيرهم.
وحكى الروياني عن نَصِّ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- خِلاَفَهُ، وجوز أن يكون لرأس بَدَنَانِ، كما جوز أن يكون لِبَدَنٍ رَأْسَانِ.
ولو ألقت بالجناية عُضْواً من يَدٍ أو رِجْلٍ، ثم أَلْقَتْ جَنِيناً، فله حَالَتَانِ:
إحداهما: أن يكون الجَنِينُ فقد 6 ذلك العضو، فينظر إن أَلْقَتْهُ قبل الانْدِمَالِ وزوال أَلَمِ الضرب، فإن كان مَيِّتاً لم يَجِبْ إِلاَّ غُرَّةٌ وَاحِدَةٌ، ويقدر العُضْوُ مُبَاناً منه بِالجِنَايَةِ.
وإن انْفَصَلَ حَيّاً، ثم مات من الجِنَايَةِ؛ وَجَبَتْ دِيَةٌ كاملة، ويدخل فيها أَرْشُ اليَدِ، وإن عاش فقد أطلق في "التهذيب" أنه يَجِبُ نِصْفُ الدية على عَاقِلَةِ الضَّارِبِ.
ونقل ابن الصَّبَّاغِ وغيره أنه يراجع القَوابل، فإن قلن: إنها يدٌ من لم تخلق فيه الحَيَاةُ، فالوَاجِبُ نِصْفُ الغُرَّةِ.
وإن قلن: إنها يَدُمْنَ خُلِقَتْ فيه الحَيَاةُ، فيجب نِصْفُ الدِّيَةِ.
وكذا إن عرفنا انْفِصَالَ اليَدِ منه بعد خَلْقِ الحَيَاةِ فيه بأن أَلْقَتِ اليَدَ، ثم انْفَصَلَ الجنين عَقِيبَ الضَّرْبِ، وإن شككنا في الحال اقْتَصَرْنَا على نصف الغُرَّةِ أَخْذاً باليقين، وليكن المُطْلَقُ مَحْمُولاً على هذا المفصل 7.
وفرق بين هذه الصُّورَةِ، وبين ما إذا انْفَصَل الجَنِينُ مَيَّتاً، لا يراجع القَوَابل، هل كان حَيّاً؛ لأن هناك لم تثبت له الحَيَاةُ، بعد الانْفِصَالِ، فلم يعتبر ما كان في البَطْنِ،
وههنا انْفَصَلَ حَيّاً، فينظر 1 في أن اليَدَ انْفَصَلَتْ وهو حَيٌّ أم لا، وإن أَلْقَتْهُ بعد الانْدِمَالِ لم يضمن الجَنِينَ حَيّاً كان أو مَيِّتاً؛ لِزَوَالِ الألَمِ الحاصل بفعله.
وأما اليَدُ، فإن خرج مَيِّتاً، فعليه نِصْفُ الغُرَّةِ لليد، وإن خَرَجَ حَيّاً، ومات أو عاش، فمنهم من يُطْلِقُ القَوْلَ بِوُجُوبِ نِصْفِ الدية، كما لو قطع يد إنسان، فَانْدَمَلَ، ثم مات.
ومنهم من قال: يراجع القَوَابل [على ما سبق] 2 3، ولو ضرب بَطْنَهَا، فألقت يَدَاً، ثم ضَرَبَهَا آخر، فالقت جَنِيناً لا يَدَ له، فإن ضرب الثاني قبل الانْدِمَالِ، وانفصل الجَنِينُ مَيِّتاً، فالغُرَّةُ عليهما معاً، وإن انْفَصَلَ حياً، فإن عاش، فعلى الأول نِصفُ الدِّيَةِ، وليس على الثاني إلا التعزير.
وإن مات، فعليهما الدِّيَةُ، وإن ضرب الثَّاني بعد الانْدِمَالِ، وإن 4 انفصل ميتاً، فعلى الأول نصف الغُرَّةِ، وعلى الثاني غرة 5 كاملة، كما لو قَطَعَ يد إنسان فاندمل، ثم قَتَلَهُ آخر يجب على الأول نِصْف الدِّيَةِ، وعلى الثاني دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
وإن خرج حَيّاً، فعلى الأول نِصْفُ الدية، ثم إن عاش، فليس على الثاني إلا التَّعْزِيرُ، وإن مات، فعليه دِيَةٌ كاملة.
الحالة الثانية: إذا انْفَصَلَ الجنين كَامِلَ الأَطْرَافِ، نُظِرَ إن انفصل قبل الانْدِمَالِ، فقضية ما ذكر فيما إذا أَلْقَتْ من الأيدي ثَلاَثاً، أو أربعاً بأن يقال: إن انْفَصَلَ مَيِّتاً لم يَجِبْ إلا غُرَّةٌ واحدة؛ لاحتمال أن التي أَلْقَتْهُ كانت يَداً زَائِدَةً لهذا الجنين، وانْمَحَقَ أَثَرُهَا، وإن انْفَصَلَ حَيّاً ومات، فالواجب دية، وإن عاش لم يَجِبْ إلا حُكُومَةٌ، وعلى هذه القضية جَرَى صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" والمذكور في "التهذيب" و"التتمة" أنه إذا انفصل مَيِّتاً وَجَبَتْ غُرَّتَانِ:
إحداهما: لليد، والأُخْرَى للجنين.
وإن خرج حياً، ومات، وَجَبَتْ دية وغرة.
ولو ألْقَتْ أولاً جَنِيناً كاملاً ثم يَداً، فالحُكْمُ كذلك، وإن انْفَصَلَ الجنين بعد الانْدِمَالِ، لم يلزم بسبب الجَنِينِ شَيْءٌ.
ولو ضربها ضَارِبٌ، فالقت اليَدَ، ثم ضربها آخر، فَألْقَتْ الجَنِينَ، ففي "التهذيب" أن ضَمَانَ الجَنِينِ على الثاني، سَوَاء كان ضرب الثاني بعد انْدِمَالِ الأول، أو قبله، فإن خرج مَيِّتاً وَجَبَتْ غُرَّةٌ، وإن خرج حَيّاً، فمات، فدية.
وقياس ما مَرَّ أن يقال: إن ضرب الثاني قبل الانْدِمَالِ، وانفصل مَيّتاً، وجبت الغُرَّةُ عليهما، وإن انْفَصَلَ حياً، وعاش، فعلى الأول حُكُومَةٌ، وليس على الثاني إلا التَّعْزِيرُ، وإن مات، فعليهما الدِّيَةُ.
وقوله في الكتاب:، "ولو ألقت يَدَيْنِ، ثم خرج جَنِينٌ حَيٌّ بلا يَدَيْنِ، فدية كاملة لليدين" يعني إذا عَاشَ، فأما إذا خرج حَيًّا، ومات من الجِنَايَةِ، فالواجب دِيَةُ النفس، ويدخل فيها أَرْشُ اليَدَيْن، ثم القَوْلُ بوجوب الدِّيَةِ إذا عاش يُوَافِقُ ما أَطْلَقَهُ في "التهذيب" فيما إذا ألقت يَدَاً وَاحِدَةً.
وقياس ما ذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغ وغيره أن يُرَاجَعَ القَوَابِلُ، فإن قُلْنَ: إنهما يَدَا مَنْ لم تُخْلَقْ فيه الحَيَاةُ، فالواجب الغُرَّةُ دون الدِّيَةِ.
وقوله: "وإن كان سَلِيمَ اليَدَيْنِ فحُكُومَةٌ لهما" جَوَابٌ على الأَخْذِ بكون اليدين السَّاقِطَتَيْنِ يَديْنِ زَائِدَتَيْنِ لهذا الجَنِيْنِ.
وعلى قياس ما حَكَيْنَا في "التهذيب" و"التتمة" ينبغي أن تجب غُرَّةُ اليَدَيْنِ.
قال الغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي في المُوجِبِ فِيهِ وَهُوَ الجَنِينُ الَّذِي بَدَا فِيهِ التَّخْطِيطُ ولَوْ فِي طَرَفٍ من أَطْرَافِهِ وَإذَا أَدْرَكَتِ القَوَابِلُ كَفَى ذَلِكَ، لاَ شَيْءَ فِي إجْهَاضِ المُضْغَةِ وَالعَلَقَةِ قَبلَ التَّخْطِيطِ عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ الفَصْلِ الكَلاَمُ في الجنين الذي تجب فيه الغُرَّةُ، وقد مَرَّ في باب العدَّةِ أن الغُرَّةَ تجب إذا أسْقَطَتْ بالجِنَايَةِ ما ظَهَرَ فيه صُورَةُ الآدَمِيِّ من عين، أو يَدٍ، أو أصبعَ أو غيرهما، ويكفي الظُّهُورُ في طَرَفٍ من الأطراف، ولا يشترط أن يَظْهَرَ جميعِ الأَعْضَاءِ، ولو لم يظهر شَيْءٌ من ذلك، ولكن شهدت القَوَابِلُ بأن الصُّورَةَ فيه خَفيَّةٌ [يَخْتَصُّ أهل الخبرة بمعرفتها، فكذلك في الغُرَّةِ.
وإن قلنا: ليس فيه صُورَةٌ خَفيَّةٌ] 1 ولكنه أَصْلُ الآدَمِيَّ، ولو بقي لتصور، ففيه طُرُقٌ:
أظهرها: أنه لا يجب فيه الغُرَّةُ، وإن شَكَكْنَ في أنه أَصْلُ الآدَمِيِّ أم لا، لم تجب بلا خِلاَفٍ.
هذه أَحْكَامُ الأَحْوَالِ، والشَّرْحُ قد تَقَدَّمَ.
وقوله: "الذي بَدَأَ فيه التَّخْطِيطُ"، قد يُفَسَّرُ 2 التَّخْطِيطُ بصورة الأَعْضَاءِ من اليد والأصبع وغيرهما.
وقد يُفَسَّرُ بالشكل والتَّقْطِيع الكُلِّيِّ قبل أن تُمَيَّزَ آحَادُ الأَعْضَاءِ وهَيْئَاتُهَا، وهو الأكثر.
وأراد بقوله: "بَدَأَ فيه التَّخْطِيطُ" ما إذا ظَهَرَ ذلك لِكُلِّ أَحَدٍ، وبقوله: "وإذا أَدْرَكَتِ القَوَابِلُ" ما إذا ظَهَرَ لأهل الخِبْرَةِ دون جَمِيعِ الناظرين وقوله: "ولا شَيْءَ في إجْهَاضِ المُضْغَةِ والعَلَقَةِ قبل التَّخْطِيطِ على الأَصَحِّ" أي: قبل ظهور الصُّورَةِ لِأَهْلِ الخِبْرَةِ وغيرهم، ولفظ الكتاب يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الخِلاَفِ في العَلَقَةِ، والجمهور سَكَتُوا عنه، وقالوا: لا يجب في إِلْقَاءِ المُضْغَةِ الغُرَّةُ، ولا تَنْقَضِي به العِدَّةُ، وإنما اختلاف الطرق 1 في اللَّحْمِ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: ثُمَّ فِي الجَنِينِ الحُرِّ المُسْلِمِ غُرَّةٌ، وَفِي الجَنِينِ الكَافِرِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا): غُرَّةٌ وَلاَ يُبَالِي بِالتَّسْوِيَةِ (وَالثَّانِي): ثُلُثُ الغُرَّةِ (وَالثَّالِثُ): لاَ يَجِبُ شَيْءٌ، فَإِنْ قُلْنَا بِالثُّلُثِ فَالمُتَولِّدُ مِنْ نَصْرَانِيِّ وَمَجُوسِيِّ قِيلَ: إنَّهُ يُؤْخَذُ بِالأخَفِّ، وَقِيلَ بِالأَغْلَظَ، وَقِيلَ: العِبْرَةُ بِجَانِبِ الأَبِ، وَلَوْ جَنَى عَلَى ذِمَّتِّةٍ فَأسْلَمَتْ ثُمَّ أَجْهَضَتْ فَغُرَّةٌ كَامِلَةً نَظَراً إلَى حَالِ الانْفِصَالِ، وَلَوْ جَنَى عَلَى حَرْبِيَّةٍ فَأَسْلَمَتْ ثُمَّ أَجْهَضَتْ فَفِي ضَمَانِ الجَنِينِ وَجْهَانِ كَمَا لَوْ رَمَى إلَى حَرْبِيِّ فَأَسْلَمَ قَبلَ الإِصَابَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الغُرَّةُ الكَامِلَةُ إنما تَجِبُ في الجنين المَحْكُوم له بالإِسلام، إِمَّا تَبَعاً لأَبوَيْهِ أو لأحدهما، وبالحُرَّيَّةِ إذا كانت الأم حُرَّةً، وقد يكون الولَد حُرّاً مع رِقِّ الأُمِّ في نِكَاح الغُرورِ وغيره، أما الجَنِينُ المَحْكُومُ له باليهودية أو النَّصْرَانِيَّةِ تبعاً لأبويه 2، فقد أطلق فيه ثلاثة أَوْجُهٍ:
أحدها: أنه تجب غُرَّةٌ، ولا نُبَالِي بالتَّسْوِيَةِ بينه وبين الجَنِينِ المسلم؛ لأنه لا سَبِيلَ إلى الإِهْدَارِ، ولا إلى تَجْزِئَةِ الغُرَّةِ، وقد يحتج له بِظَاهِرِ ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قضى في الجَنِينِ بالغُرَّةِ 3.
وثانيها: أنه لا يَجِبُ شَيْءٌ؛ لأنه لا يمكن التَّسْوِيَةُ بينه وبين الجَنِينِ المسلم، كما لا يُسَوَّى بين المُسْلِمِ والكَافِرِ في الدِّيَةِ، والتَّجْزِئَةُ مُمْتَنِعَةٌ، وامتناع التَّجْزِئَةِ في الوجهين مَبْنِيٌّ على أن الغُرَّةَ غير مُقدَّرَةٍ بالقيمة.
وأصحها: وهو مَبْنِيٌّ على أن الغُرَّةَ مُقدَّرَةٌ أنه يَجِبُ في الجَنِينِ اليَهُودِيِّ والنصراني ثُلُثُ ما يجب فيِ الجنين المُسْلِمِ، كما أن دِيَةَ اليَهُودِيِّ والنِّصْرَانِيِّ ثُلُثُ دية المُسْلِم، وهذا هو الذي أَوْرَدَهُ المُعْظَمُ، وسنذكر أنَّ الغُرَّةَ الواجبة في الجَنِينِ المُسْلِم مُقَدَّرَةٌ بنصف عُشْرِ دِيَةِ الأَبِ، أو عشر دية الأم، وهو خَمْسٌ من الإِبِلِ أو خمسون دَينَاراً أو
ستمائة دِرْهَمٍ، فيكون في جَنِين اليَهُوديِّ والنَّصْرَانِيِّ بَعِيرٌ وثلثا بعير، أو ستة عشر دِيناراً وثلثان، أو مائتا درهم.
وعلى هذا ففي الجنين المَجُوسِيِّ ثُلُثُ عشر الواجب في الجنين المُسْلِمِ، وهو ثلث بَعِيرٍ أو ثلاثة دَنَانِيرَ وثلث، أو أَربَعونَ دِرْهَماً، ثم عن بعضهم أنه يؤخذ هذا القَدُرُ من الدِّيَةِ، ويدفع إلى المُسْتحقِّ من غير أن يصرف إلى الغُرَّةِ، وحَكَاهُ في "البيان" عن المَسْعُودِيِّ.
وإيراد آخرين يُشْعِرُ بأنه يدْفَعُ إليه هذا القَدْرُ، أو غُرَّة بقيمة هذا القَدْرِ.
والأصح: أنه يشتري به الغُرَّة، وتُدْفَعُ إليه إلاَّ ألاَّ توجد غُزَّةٌ بهذه القيمة، فَيُعْدَلُ حينئذ إلى الإِبِلِ، أو الدراهم، وهذا ما يُحْكَى عن النص، ولو كان أَحَدُ أبَوَيِ الجَنِينِ يَهُودِيّاً أو نَصْرَانِياً، والآَخَرُ مَجُوسِيّاً، فالظاهر المَنْسُوبُ إلى النَّصِّ أنه يَجِبُ فيه ما يَجِبُ في الِجَنِين اليَهُودِيِّ والنصراني؛ لأنَّ الضَّمَانَ يغلب فيه طَرَفُ التَّغْلِيظِ، ألاَ تَرَى أنه إذا كان أْحَدُ أَبوي الجنين 1 مُسْلِماً تَجِبُ فيه ما يَجِبُ إذا كان الأَبوَانِ مُسْلِمَينِ، والمُتَوَلِّدُ الصَّيْدِ وغير الصيد يَضْمَنُهُ المُحْرِمُ بالجَزَاءِ.
وفيه قول مُخَرَّجْ أن الاعْتِبَارَ بالأب.
ووجه عن أبي الطَّيِّب بن سلمة أن الاعتبار بِشَرِّ 2 الأبوين؛ لأن الأَصْلَ بَرَاءَة الذِّمَّةِ عن الزِّيَادَةِ.
والقول والوجه مَأْخُوذَانِ من الخِلاَفِ في أن المسلم هل يَنْكِحُ المُتَوَلِّدَةَ من أبوين كِتَابِيٌّ ومَجُوسِيٍّ؟
ولو كان أَحَدُ الأبوين ذِمِّيّاً، والآخر وَثَنِيّاً لا أَمَانَ له، فعلى الأَظْهَرِ يجب ما يَجِبُ في الذي أَبَوَاهُ ذِمِّيَّانِ، وعلى الثاني ينظر إلى جانب الأَبِ، وعلى الثالث لا يَجِبُ شَيْءٌ، والجنين المُتَوَلِّدُ من مستأمنين كجنين الذميين.
ولو اشترك مسلم وذمي في وَطْءِ ذِمِّيَّةٍ بشبهة، فأُحْبِلَتْ وأَجْهَضَتِ الجَنِينَ بجِنَايَةِ جَانٍ، يُرَى الجَنِينُ القَائِفَ، فإن أَلْحَقَهُ بالذمي، وَجَبَ ما يجب في جنين الذِّمِّيِّ، وإن أَلْحَقَهُ بالمسلم، وجبت الغُرَّةُ الكاملة، وإن أشكل الأمْرُ أخذ الأَقَلْ، ووقف إلى أن يَنْكَشِفَ الأَمْرُ أو يَصْطَلِحُوا.
قال في "البيان": ولا يجوز أن يَصْطَلِحَ الذِّمِّيُّ والذمية في قَدْرِ الثلث منه؛ لجواز أن يكون الجميع للمسلم لا حَقَّ لهما فيه، ولا يخرج اسْتِحْقَاقه من بينهما 3.
والمسألة مُفَرَّعَةٌ على أن المَوْلُودَ يُعْرَضُ بعد الموت على القَائِفِ، وهو الصحيح، ولو جَنَى على مُرْتدَّةٍ حُبْلَى، فَأجْهَضَتْ، نظر إن ارْتَدَّتْ بعد الحَبَلِ، وجبت الغُرَّةُ الكاملة؛ لأن الجنين مَحْكُومٌ له بالإِسلام، لا يتبعها في الرِّدَّةِ.