العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 457-15

وعنْ عَلِيٍّ -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ- أنه قال: ما عِنْدِي إلا كِتَابُ اللهِ، وهذهِ الصَّحِيفَة عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ ذِمَّةَ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فمن حقَرَ مسلماً، فعليه لَعْنَةُ الله والملائكةِ، والناسِ أجمعين" 1. والفصل يشتمل على مَسْألَتَيْنِ: إحداهما؛ إنَّمَا يَجُوزُ لآحَادِ المسلمين 2 أَمَانُ وَاحدٍ من الكُفَّار، أو جَمَاعَةٍ مَحْصُورِينَ؛ كعشرةِ ومائة، ولا يَجُوزُ لهم أَمَانُ إِقْلِيم، وَنَاحِيَةٍ، وبلدةٍ، بل النَّظَرُ فِيهِ مُتَعَلِّقٌ بصَاحِبِ الأمر وفي "البيانِ": أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُؤَمِّنَ وَاحِدٌ أَهْلَ قَلْعَةٍ, ولا شك أن القَرْيَةَ الصَّغِيرَةَ في معناها، وعن المَاسَرْجِسِيِّ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُؤَمِّنَ الوَاحِدُ لأهل قرية، وإنْ قَلَّ عَدَدُ من فيها، والأشبه الأول.
والضَّبْطُ في الباب إلاَّ يَنْسَدَّ بسببه بَابُ الجِهَادِ في تلك الجِهَةِ، والناحية، فإذا تأتى الجِهَادُ من غير التَّعَرُّض لِمَنْ آمن، نَفَذَ الأَمَانُ.
قال الإِمام: والسِّرُّ فيه أَنَّ الجِهَادَ شِعَارُ الدِّينِ والدَّعْوَةِ القهرية، وَهُوَ وَجْهٌ من أعظم المَكَاسِبِ للمسلمينَ، فَيَنْبَغِي ألا يظهر بأَمَانِ الآحَادِ [انحسام] 3 ولا نقصان يحس.
قال: ولو أَمَّنَ مِائَةُ ألْفٍ من المسلمين مِائَة أَلْفٍ من الكفار، فكل واحدٍ لم يُؤَمِّنْ إلا وَاحِداً، لكن إذا ظَهَرَ انحسام أو نُقْصَانْ، فأمان الكُلِّ مَرْدُودٌ، ولك أنْ تَقُولَ: إن أمَّنُوهُمْ معاً، فالكل متوجّهٌ وإن أمَّنُوهُمْ على التَّعَاقُب، فينبغي أن يَجُوزَ أَمَانُ الأَوَّلِ، فالأول إلى ظهورِ الخَلَلِ، على أنَّ القَاضِي الروياني أَوْرَدَ أَنَّهُ إذا أمَّنَ واحداً جاز، وإن كَثُرُوا حتى زَادُوا على عَدَدِ أَهْلِ البَلْدَةِ الواحدةِ والقريَةِ الواحدةِ لم يَجُزْ.
ولا فَرْقَ بين أنْ يَكُونَ الكَافِرُ المؤمن في دَارِ الحرب، وبين أن يُؤمن في حَالِ القِتَالِ، أو في الهَزِيمَةِ أو عند الوُقُوعِ في مضيق، بلْ يَجُوز الأَمَانُ مَا دَامَ ممتنعًا.
فأمَّا بعد الأَسْرِ، فلا يَجُوزُ للأَحَادِ أَمَانُهُ، ولا المَنُّ عليه؛ لأنَّ بالأَسْرِ، ثبت = نجير من أجار، فقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: يجير على المسلمين بعضهم، وحجاج هو ابن أرطاة وفيه ضعف وهو مدلس، والمعروف عن عمرو بن العاص خلاف ذلك، فقد روى الطيالسي في مسنده عنه فرفعه: يجير على المسلمين أدناهم، ورواه أحمد من حديث أبي هريرة رفعه: يجير على المسلمين أدناهم، ورواه أحمد من حديث أبي عبيدة: يجير على المسلمين بعضهم.

للمسلمين فيه حَقٌّ، ويخبر الإِمام، فلا يَجُوزُ إبْطَالُهُ والتَّفْوِيتُ عليه.
ولو قَالَ واحد من المسلمين: كُنْتُ أمَّنْتُهُ قَبْلَ هذا، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّهُ لا يَمْلِكُ أَمَانَهُ في الحَال [بخلاف ما إذا أَقَرَّ بِأمَانِ مَنْ يَجُوزُ أَمَانُهُ في الحال] 1. ولو قال جَمَاعَةٌ: كُنَّا أَمَّنَّاهُ، فكذلك لا يُقْبَلُ؛ لأنَّهم يَشْهَدُونَ على فِعْلِ أَنْفُسِهِمْ، ولو قَالَ وَاحِدٌ: كُنْتُ أَمَّنْتُهُ، وشَهِدَ بِهِ اثنان، قبلت شَهَادَتُهمَا.
المسألة الثَّانِيَة.
يَصِحُّ الأَمَانُ 2 مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفِ، فيدخل فيه العبد وقال أبو حُنيفةَ: لا يَصِحُّ أَمَانُهُ، إلاَ أَنْ يَكُونَ مأذونًا لَهُ في القِتَالِ.
لنا: إِطْلاَقُ النُّصُوصِ، وأيضاً فقد قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ" 3، ولاَ فَرْقَ بين أن يَكُونَ سَيِّدُهُ مُسْلماً أو كَافِراً، ويدخل فيه المَرْأَةُ والخُنْثَى.

ويُرْوَى عن أم هَانِيءٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهما- قالت: أَجَرْتُ رَجْلَيْنِ من أحْمَايَ، فقَالَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ" 1. ويَدْخُلُ فيهِ أَيْضًا الفَقِيرُ والمَحْجُورُ عليه [بالسَّفَهِ، والفلس] 2 والمَرِيضُ، والشيخُ الهَرِمُ، والفَاسِقُ، فيجوز أَمَانُهُمْ، وعن ابن أبي هُرَيْرَةَ: وَجْهٌ في الفَاسِقِ.
لكنَّهُ نوعٌ ولايَةٍ، ويخرجُ عن الضبط الكَافِرُ، فلا 3 يصحُّ أمَانُهُ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ، ولَيْسَ من أهل النظر للمُسْلِمِينَ، ويخرجُ الصَّبِيُّ، والمَجْنُونُ، فلا 4 اعتبارَ بعبارتِهما، وفِي الصَّبيِّ المُمَيِّزِ وَجْهٌ؛ لأنَّهُ عَقْدٌ لا ضِرَارَ فيهِ، ولا تَبِعَةَ، وهو كالتدبير [والوصية، وهذا الوجه حِكَايَةُ القاضي ابن كَجٍّ عن أبي الحُسَيْنِ، عن أبي بكر به.
الخَفَّافِ، من أصحابنا مَبْنِيّاً على صِحَّةِ إِسْلاَمِهِ] 5 ويُعْتَبَرُ مع الإسْلاَم والتكليفِ الاخْتِيَارُ، فالمكره على عَقْدِ الأَمَانِ لا يَصِحُّ أَمَانُهُ والأَسِيرُ قَرِيبٌ من المُكْرَهِ، وسيأتي حُكْمُ أَمَانِهِ من بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
قال الغَزَالِيُّ: وَيَنْعَقِدُ باللَّفْظِ وَالكِتَابَةِ وَالإِشَارَةِ المُفْهِمَةِ فَإِنْ رَدَّ الكَافِرُ ارْتَدَّ وَإِنْ قَبِلَ صَحَّ وَلاَ يَكْفِي سُكُوتُهُ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ قَبُولٍ وَلَوْ بِالفِعْلِ فَلَوْ أَشَارَ عَلَيْهِمْ مُسْلِمٌ فِي صَفِّ الكُفَّارِ فَانْحَازَ إِلَى صَفِّ المُسْلِمِينَ وَتَفَاهَمَا الأَمَانَ فَهوَ أَمَانٌ وَإِنْ ظَنَّ الكَافِرُ أنَّهُ أَرَادَ الأَمَانَ وَالمُسْلِمُ لَمْ يُرِدْهُ فَلاَ يُغْتَالُ بَلْ يُلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ وَلَوْ قَالَ: مَا فَهِمْتُ الأَمَانَ = سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر مطولاً، ورواه ابن ماجة من حديث معقل بن يسار مختصرًا: المسلمون يد على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ورواه الحاكم عن أبي هريرة مختصرًا: المسلمون تتكافأ دماؤهم.

يُغْتَالُ وَمَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ لِسِفَارَةٍ أَوْ لِسَمَاعِ كَلاَمِ اللهِ تَعَالَى لَمْ يُفْتَفَرْ إِلَى عَقْدِ أَمَانٍ بَلْ ذَلِكَ القَصْدُ يُؤَمِّنُهُ وَقَصْدُ التِّجَارَةِ لاَ يُؤَمِّنُهُ وَإنْ ظَنَّهُ أَمَاناً وَلَوْ قَالَ الوَالي: أَمِنْتُ مِنْ قَصْد التِّجَارَة صَحَّ وَلاَ يَصِحُّ مِنَ الآحَادِ فَإِنْ ظَنَّ الكَافِرُ صِحَّتَهُ فَلاَ يُغْتَالُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: ينعقدُ الأَمَانُ بِكُلِّ لَفْظٍ مُقَيّدِ للغرض صَرِيحًا كان، أو كِنَايَةً فالصَّرِيحُ كَقَوْلِهِ: "أَجَرْتُكَ، أو أنت مُجَارٌ، أو أَمَّنْتُكَ، أو أنت آمِنٌ، أو في أَمَانِي".
قَالَ في "البحر": وكذَا لو قَال: "لاَ بأْسَ عَلَيْكَ" وَيدُلُّ عليه ما رُوِيَ أنَّ الهرمزَانَ لمَّا حَمَلَهُ أبو موسى الأشْعَرِيُّ إلى عُمَرَ -رضي الله عنه- فقَالَ لَهُ عُمَرُ: تكلمْ لا بَأْسَ عَلَيْكَ، ثم أراد قَتْلَهُ.
فقَالَ له أَنَسُ بن مَالِكٍ -رضي الله عنه-: ليس لك إلى قَتْلِهِ سَبِيلٌ قُلْتَ له: تَكَلَّمْ لا بَأْسَ عليك فتركه 1. وفي إيراد بعضهم ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ كِفَايَةً، واعترض عليه في قِصَّةِ الهرمُزَان بأنه كان أَسِيرًا، وقد قُلْتُمْ بأن الأَسِيرَ لا يَجُوزُ أَمَانُهُ، وأُجِيبَ عنه بأنَ الآحَادَ هُمُ الَّذِينَ لا يُؤَمِّنُونَ الأَسِيرَ، أما الإمَامُ فله الأَمَانُ، كَمَا له المَنُّ ويَنْعَقِدُ الأَمَانُ بأنْ يقول: لا خَوْف عَلَيْكَ، ولاَ تَخَفْ وَلا تَفْزَعْ، أو يقول بالعجمية ميدس مترس 2. رُوِي عن ابن مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يَعْلَمُ كُلَّ لِسَانٍ، فمن أَتَى مِنْكُم أَعْجَمِيّاً، فَقَالَ: مترس فقد أَمَّنَهُ 3. وعند الرُّويَانِيِّ أنَّ هذه الألْفَاظَ أَيضاً صَرِيحَةٌ، وحَكَى صَاحِبُ "الحاوي": أَنَّ قَوْلَهُ: لا خَوْفَ عليك -صَريحٌ دُونَ قوله: لاَ تَخَفْ، ولا تفزع؛ لأنَّ ذَلِكَ نَفي للخوف وهذَا نَفْيٌ.
[والكناية كقوله] 4: أَنْتَ عَلَى ما تُحِبُّ، أو كُنْ كَيْفَ شِئْتَ.
وينْعَقِدُ الأَمَانُ بالكِنَايَةِ والرِّسَالَةِ أيضاً، سواءٌ أكان الرَّسُولُ مُسْلِمًا أو كَافِرًا.

رُوِي عن فَضْيلٍ الرّقاشي أنَّهُ قَالَ: جَهَّزَ عُمَرُ -رضي الله عنه- جَيْشًا وكُنْتُ فِيهمْ [فحصرنا قرية رامهرمز] 1 وكتب عَبْدٌ أمَانًا في صَحِيفَةٍ شَدَّهَا مع سَهْمٍ رَمَى بهِ إلى اليَهُودِ، فخرجُوا بأمَانِهِ، فكَتَبَ إلى عُمَر -رضي الله عنه-.
فقَالَ العَبْدُ المسلمُ: رَجُلٌ من المُسْلمينَ ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهُمْ، ويَنْعَقِدُ أيضاً بالإشَارَةِ المُفْهِمَةِ.
رُوِيَ عَن عُمَرَ -رضي الله عنه- أنَّه قَالَ: والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لو أَنَّ أَحَدَكُمْ أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ إلى مُشْرِكٍ، فنزل على ذلك، فقتله لَقَتلْتُهُ 2. قَالَ الإِمَامُ: ولاَ فَرْقَ أنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى العِبَارَةِ، أو لاَ يَكُونَ.
ومبنى البابِ على الاتساعِ، هذا هو جَانِبُ المسلِم المُؤَمنِ.
فأمَا الكَافِرُ المؤمنُ، فلاَ بُدَّ من عِلْمِهِ وبُلُوغِ خبر الأَمَانِ إليه، فإنْ لم يَبْلُغْهُ، فلا أمَانَ، حتَّى لو ابتدر المسلم، فقَتَلَهُ جَازَ، واذَا خَاطَبَهُ بالأَمَانِ، وبَلَغَهُ الخَبَرُ فَرَدَّهُ ارتد؛ لأنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيسِ بنِ شَمَّاس أمَّن الزبير بن باطا يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَقَتَلَهُ 3؛ لأَنَّهُ إِيجَابُ حَقِّ لغيرهِ، وإذا رَدَّهُ ارْتَدَّ كالإيجَابِ في الَبيْع والهِبَةِ، وإنْ قبلَ أو كانَ قَدِ اسْتَجَارَ من قبل تَمَّ الأَمَانُ، وَلاَ يُشْتَرطُ قَبُولُهُ لفظًا، بل تكفي الإشَارَةُ والَأَمَارةُ المُشْعِرَة بالقَبُولِ.
فإنْ كَانَ في القِتَالِ، فينبغي أنْ يَتْرُكَ القِتَالَ، فلو سَكَتَ، فلم يَقْبَلْ ولم يَرد، قَالَ الإِمَامُ.
فيه تَرَدُّدٌ، والظَّاهِرُ أنَّه لاَ بُدَّ من القَبُولِ، وهذا 4 هو [المذكور] 5 في الكتاب.
واكْتَفَى في "التهذيبِ" بالسُّكُوتِ، ولو قَالَ الكَافِرُ: قَبِلْتُ أَمَانَكَ، وَلَسْتُ أُؤَمِّنُكَ فَخُذْ حذرك مني [ففي "النهاية" أن هذا رَدٌّ لِلأَمَانِ؛ لأَن الأَمَانَ لا يَثْبُتُ في أحد الطرفين دون الثَّانِي] 6: ويصح تعليق الأمان بالأَعذارِ فلو أَشَار مُسْلِمٌ إلى كافر في القِتَالِ، وانحاز إلى صَفِّ المُسْلِمِينَ وتَفَاهَمَا الأَمَانَ، فَهُوَ أَمَانٌ، فإنْ قَالَ الكافرُ: ظَنَنْتُ أَنَّه يُؤَمِّنُنِي، وقالَ المُسْلِمُ: لم أُرِدْهُ، فالقولُ قَوْلُهُ، ولا أَمَانَ، ولكنْ لا يُغْتَالُ الكافر، ويُلْحَقُ بمَأْمَنِهِ، وكذَا لو دَخَلَ بِأمَانِ صَبِيٍّ، أو مَجْنُون أو مُكْرَهٍ وقَالَ: ظننت صِحَّتَهُ أو ظننته بَالَغاً، أو عَاقِلاً، أو مختارًا، فإنْ قَال: عَرَفْتُ أنهُ لم يُرِدِ الأَمَانَ، فقَدْ دخلَ بلا أَمَانٍ، ولو قال:

عَرَفْتُ أنَّهُ كَانَ صَبِيًّا، وأَنَّهُ لا أَمَانَ لِلصَّبِيِّ فكذلك.
ولو مَاتَ المُسْلِمُ المشير قبل البَيَانِ، فلاَ أَمَانَ، ولا اغْتِيَالَ.
وما ذكرنا من اعْتِبَارِ صيغة الأَمَانِ، موضعه ما إذا كَانَ الكَافِرُ يدخل بِلاَدَنَا بلا سَبَبٍ، أما إذا دخَلَ لِسِفَارَةٍ 1، فقد مَرَّ أن الرَّسُولَ لا يُتَعَرَّضُ له، فإن دَخَلَ لِيَسْمَعَ الذِّكْرَ ويَنْقَادَ إلى الحَقِّ إذَا لاَحَ له ذلك، فكذلِكَ.
وَحَكَى الإمَامُ في قولهِ تعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: 6] أنه لَيْسَ المُرَادُ أنْ يعقد له أَمَاناً [لكن غَرَضَ الآية إعْلاَمُنَا أنه آمِنٌ، وقَصْدُ التِّجَارَةِ لا يفيد الأمان] 2، لكن لو رَأَى الإمَامُ مَصْلَحَةً في دُخُولِ التجار فَقَالَ: من دخلَ تَاجِرًا، فَهُوَ آمِنٌ جاز واتبع، ومثل هَذَا الأَمَانِ لا يَصِحُّ من الآحَادِ.
ولو قَال الكَافِرُ ظَنَنْتُ أن قَصْدَ التِّجَارَةِ يُؤَمّن فَيُغْتَالُ، ولا عِبْرَةَ بظن لا مُسْتَنَدَ لَهُ، ولو سَمِعَ واحِدًا من المسلمين يقول: من دَخَلَ تَاجِراً فَهُوَ آمِنٌ، فدخَلَ، وقال: ظَنَنْتُ صِحَّتَهُ، فأظْهَرُ الوجهين 3 أنَّه لا يُغْتَالَ.
قال الغَزَالِيُّ: وَشَرْطُ الأَمَانِ أَلاَّ يَزِيدَ عَلَى سَنَةٍ وَيَصِحُّ إلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَفَوْقَ ذَلِكَ إِلَى السَّنَةِ فِيهِ قَوْلاَنِ وَلَوْ أَمَّن جَاسُوساً أَوْ مَنْ فِيهِ مَضَرَّةٌ لَمْ يَنْعَقِدْ وَلاَ تُشْتَرَطُ المَصْلَحَةُ بَلْ يَكْفِي عَدَمُ المَضَرَّةِ لِلصِّحَّةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إِنَّمَا قال: "وشرط الأَمَان"؛ لأن المُؤَمِّنَ والمُؤَمَّنَ والصِّيغَةَ التي تَكَلَّمْنَا فيها عدها في "الوَسِيط" أَرْكَاناَ على عَادَتِهِ، فلما فَرَغَ منها عَقبَهَا بما هو شَرْطُ الأَمَانِ أمران: أحدهما: ألاَّ يزيد على سَنَةٍ، وَيجُوزُ إلى أَرْبَعَةِ أَشْهُر وفيما بينهما قَوْلاَن: أصَحُّهُمَا: المَنْعُ وحكمه حكم المُهَادَنَةِ حَيْثُ لا ضعف، والنَّظَرُ في القُوَّةِ والضعفِ يُنَاطُ برأي الإِمام، وكُلُّ واحد لا يُعْرَفُ أسبابها، وحال الأجناد.
وذكر في "البحر" أنَّهُ: لو زَادَ على سَنَةٍ، بَطَلَ في الزِّيَادَةِ على المَشْرُوعِ دُونَ البَاقِي.
وفي وَجْهِ يبطل في الكلِ تخريجاً من تفريقِ الصفقة وأنه لو أطلق حمل على أربعةِ أشهرٍ ويبلغُ بعدَها المأمن.
والثاني: أَلاَّ يتضرر به المسلمُون حتى لو أَمَّنَ جَاسُوسًا، أو طَلِيعَةً، لم يَنْعَقِدْ الأَمَانُ قال الإِمام -رحمه الله-: وينبغي ألاَّ يستحقَّ التَّبْلِيغَ إلى المَأْمَنِ أيضاً؛ لأَنَّ دُخُولَ مِثْلِهِ خِيَانَةٌ فَحَقُّهُ أن يُغْتَالَ، ولو أَمَّنَ من أحاط على مَدَارجِ الغُزَاةِ، وعسر بسببه مَسِيرُ

العسكر، واحْتاجُوا إلى نَقْلِ الزَّادِ والعَلَفِ فهو مَرْدُودٌ لِلّضَّرَرِ، ولا يُشْتَرَطُ لانْعِقَادِ الأَمَان ظُهُور المَصْلَحَةِ، بل يَكْفِي عَدَمُ المَضَرَّةِ، والله أعلمُ.
قال الغَزَالِيُّ: وَحُكْمُهُ إِذَا انْعَقَدَ كَفَفْنَا عَنْهُ وَعَمَّا مَعَهُ مِنْ أهْلِ وَمَالٍ إِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الأَمَانِ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: أَمَّنْتُكَ فَفِي سِرَايَتِهِ إِلَى الأَهْلِ وَالمَالِ الَّذِي مَعَهُ وَجْهَانِ وَفي عَقْدِ الأَمَانِ لِلْمَرْأَةِ مَقْصُودًا لِلْعِصْمَةِ عَنِ الاسْتِرْقَاقِ وَجْهَانِ لأنَّهُ تَابعٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذَا انْعَقَدَ الأَمَانُ، صارَ المُؤَمَّنُ مَعْصُوماً عن القَتْلِ والسَّبْيِ، ولو قَتَلَهُ قَاتِلٌ.
قال الإِمَامُ: الوَجْهُ عنْدَنَا القَطْعُ بأنَّهُ يضمن بما يضمن به الذِّمِّيُّ، ومن حكمه اللُّزُومُ من جهة المُسْلِمِينَ، فلا يَجُوزُ للإمام نَبْذُهُ؟ نَعَمْ، إنْ استشعر منه خِيَانَة نَبَذَ أَمَانَهُ؛ لأنَّ المُهَادَنَةَ تُنْبَذْ بذلك، فأمان الآحَادِ أَوْلَى وهو جائز من جهة الكُفَّارِ ينبذونُه متى شَاؤوا ولا يتعدّى الأَمَان إلى ما خَلَّفَهُ في دَارِ الحَرْبِ من الأهلِ والمالِ، فَأَمَّا ما معه منهما فَإِنْ وَقَعَ التَّعَرُّض له اتبع الشرط، وإلاَّ فَوَجْهَانِ، أطلَقهما في "النهاية" وَرجَّحَ المَنْعَ؛ لقُصُورِ اللفظ، وفي هذا مزيد نُورِدُهُ في خاتمة الكِتَابِ، وفي جَوَازِ عَقْدِ الأَمَانِ لِلْمَرْأةِ اسْتِقْلاَلاً وجهان: وجه المنع: أن تَحْصِينَهَا بالأَمَانِ يتبع أَمَانَ الرجالِ، فلا تنفرد بالعَقْدِ، فهذا 1 ما أراد بِقَوْلِهِ في الكتاب: "لأنَّهُ تابع" وعن القاضي الحُسَيْنِ بناؤهما على القولين، فيما إذا انْتَهَى الإِمَامُ إلى حِصْنٍ لَيْسَ فيه إلا النِّسَاءُ، وطَلَبْنَ الصُّلْحَ على مَالٍ، أو بَذَلْنَ الجِزْيَةَ لئلا يُسْتَرْقَقْن، فإنْ قبل يَسْقُطُ اسْتِرْقَاقهُنَّ ببَذْلِ المَالِ، فَكَذَلِكَ الأَمان، وكانَ ذِكْرُ هذه في أَوَّل البابِ عند ذِكْرِ من يُؤَمّنُ أَوْلَى.
قال الغَزَالِيُّ: وَالأَسِيرُ إِذَا أُمِّنَ مِنْ أَسْرِهِ فَهُوَ فاسِدٌ لِأَنَّهُ كَالمُكْرَهِ وَلَوْ أُمِّنَ غَيْرُهُ فَوَجْهَانِ وَيَلْزَمُهُ حُكْمُهُ وَإِنْ لَمْ يَلْزَم غَيْرَهُ فَلَوْ أَمَّنَهُمْ وَأَمَّنُوهُ بِشَرْطِ أَلاَّ يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ لَزِمَهُ الخُرُوجُ مَهْمَا قَدَرَ وَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلاَقِ وَالعتَاقِ وَالأَيْمَانِ المُغَلَّظَةِ، لَكِنْ يُكَفِّرُ، وَدَعْهُ يَقَعُ طَلاَقُهُ وَعِتَاقهُ، فَلاَ رُخْصَةَ فِي المُقَامِ حَيْثُ يبْذلُ المُسْلِمُ وَلَكِنْ عِنْدَ الخُرُوجِ لاَ يَغْتَالُهم إِنْ أَمَّنَهُمْ وَلَوِ اتَّبَعَهُ قَوْمٌ فَلَهُ دَفْعُهُمْ وَقَتْلهُمْ دُوْنَ غَيْرِهِمْ وَلَوْ شَرَطُوا عَلَيْهِ الرُّجُوعَ لَمْ يَلْزَمْهُ (و) وَلَوْ شَرَطَ إِنْفَاذُ مَالٍ لَمْ يَلزَمْهُ وَإِنْ كَانَ قَدِ اشْتَرَى مِنْهُمْ شَيْئًا وَلَزَمَهُ الثَّمَنُ لَزِمَهُ إِنْفَاذُهُ وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الشِّرَاءِ فعَلَيْهِ رَدُّ العَيْنِ وَعَلَى القَدِيم يَتَخَيَّرُ بَيْنَ رَدِّ العَيْنِ أَوِ الثَّمَنِ إِذْ يَقِفُ العَقْدُ وَالكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ وَقَدْ لَزِمَتهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارِ لَمْ تَسْقُطْ بِإسْلاَمِهِ وَفيهِ وَجْهٌ.

قال الرَّافِعِيُّ: فيه مَسَائِلُ: إحداها: الأسِيرُ في يد الكُفَّارِ إن أَمَّنَ بَعْضُهُم مُكْرَهاَ لمْ يَصِحَّ الأَمَانُ، وإنْ كان غير مُكْرَه، فوجهان: أحدهما: يصحُّ؛ لأنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ مختارٌ أَمَّنَ أمانًا ليس فيهِ إِضْرَارٌ.
وأصحُهما: المَنْعُ، وبه قال أبو حُنَيفَة؛ لأنَّه مَقْهُورٌ في أيديهم، لا يَعْرِفُ وَجْهَ النَّظَرِ في المَصْلَحَةِ، ولأن الأمان يقتضي أنْ يَكُونَ المؤَمَّنُ آمِناً، والأَسِيرُ في أيديهم ليس بِآمِن.
ورأى الإمَام تَخْصِيصَ الوَجْهَيْنِ، بما إذا أمن غير من أَسَرَهُ والقَطْعُ بِالمَنْعِ إذا أمَّنَ من أَسَرَهُ؛ لأنَّهُ كالمُكْرَهِ من جِهَتِهِ، وعلى هذا جَرَى صَاحِبُ الكِتَابِ.
فإنْ قُلْنَا: لا يَصِحُّ أَمَانُهُ، فهل يَصِحُّ، وَيلْزَم حُكْمُهُ في حَقِّهِ؟ فيه وَجْهان: أَحَدُهُمَا: نَعم، كَمَا لو دَخَلَ دَارَهُمْ تَاجِرًا أو مُسْتَأْمَناً، لا يجوز له اغْتِيَالُهُمْ.
الثاني: لا؛ لأنهم لم يُؤَمِّنُوهُ بالتَّخْلِيَةِ، والتاجرُ والمستأمنُ كِلاَهُمَا آمِنٌ منهم فعليه أن يؤَمِّنَهُمْ من جهته، وبالأوَّلِ أَجَابَ 1 في الكِتَابِ وكلام [أكثرهم] 2 منهم القَفَّالُ إلى الثاني أَمْيَلُ.
وكان إِيرَادُ هذه المَسْأَلَةِ في جملةِ مَنْ يَعْقِدُ الأَمَانَ أَحْسَنَ، وكذلكَ فعل في "الوَسِيطِ".
الثانية: إنْ كانَ المُسْلِمُ ضَعِيفاً في دَارِ الكُفْر، لا يَقْدِرُ على إِظْهَارِ الدين، فيحرمُ عليه الإِقَامَةُ هناك، ويَجِبُ عليه الهِجْرَةُ، لما رُوِي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ أنا بريء مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ 3 وإنْ لمْ يَقْدِرْ عَلَى الهِجْرَةِ، فهُوَ مَعْذُورٌ إلى أنْ يَقْدِرَ، فإنْ فتح البلد قبل أن يهاجر سَقَطَتِ الهِجْرَة عنه، وإنْ كَانَ يَقْدِرُ على إِظْهَارِ الدين لكونهِ مُطَاعًا في قَوْمِهِ؛ ولأنَّ له هناك عَشِيرَةٌ يَحْمُونَهُ، ولم يَخَفِ الفِتْنَةَ في دِينِهِ، لمْ تَجِبْ عليه الهِجْرَةُ، لكنَّها تُسْتَحَبُّ، لئلاَ يَكْثُرَ سَوَادهم، ولأنَّهُ لا يؤمن أن يميل قَلْبُهُ إليهمْ، أو يَكِيدُوا له كيدًا، وفي "النهاية" ذِكْرُ وَجْهٍ أنه يَحْرُمُ عليه الإقَامَةُ عندهم [لإطلاق الخَبَر؛ ولأن المُسْلمَ بين أَظْهُرِ الكُفَّارِ مَقْهُورٌ مُهَانٌ، وإن كَفُّوا لِعَارِضٍ، لم يُؤْمَنْ عَوْدُهُمْ] 4 إليه، والمشهورُ الأول.
إذا تَقَرَّرَ ذلك، فالأَسِيرُ المَقْهُورُ متى قَدَرَ على الهَرَبِ يَلْزَمُهُ الهَرَبُ، ولو أطلقوا

أَسِيرًا بلا شَرْطٍ، فلهُ أن يغتالَهم قَتْلاً وسَبْياً، وإنْ أَطْلَقُوهُ على أنَّهُ في أَمَانٍ منهم، وأنهم في أَمَانٍ منهُ حُرِّمَ عليه اغْتِيَالُهُمْ، وإن أطلقُوه على أَنَّهُ في أَمَانٍ منهم، ولم [يستأمنوه] 1 فالمذهبُ أنَّ الجَوَابَ كذلك؛ لأنَّهُمْ إذا أَمَّنُوهُ، وَجَبَ أن يَكُونُوا في أَمَانٍ منهُ، ويُحْكَى هذا نصه في "أَمَالِي" حَرْمَلَةَ.
وعن ابنِ أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ له أن يَغْتَالَهُمْ؛ لأنهمُ لم يَسْتَأْمِنُوه، وإذا اتبعه قَوْمٌ بعد مَا خَرَجَ، فَلَهُ قَصْدُهُمْ، وقَتْلَهُمْ في الدَّفْع بكلِّ حَالٍ، ولو أَطْلَقُوهُ، وشَرَطُوا عليه ألاَّ يخرج من دَارِهِمْ، لم يَجُزِ الوَفَاءُ بالشَّرْطِ، وعليه الخُرُوجُ، كَمَا ذَكَرَنَا، وإن حَلَّفُوهُ على إلاَّ يَخْرُجَ، فإن كان مُكْرَهًا لم يَنْعَقِدْ يَمِينُهُ، ولا كَفَّارَةَ عليه إذا خرج، ولا يَقَعُ طَلاَقُهُ، إذا حَلَّفُوهُ بالطَّلاَقِ وإنْ حَلَفَ ابْتِدَاءً من غير أن يُحَلِّفُوهُ ليثقوا به ولا يَتَّهِمُوهُ بالخروج، نُظِرَ إن حَلَفَ بعد ما أَطْلَقُوهُ، فعليه الكَفَّارَة إذَا خَرَجَ، وإنْ كَانَ مَحْبُوسًا، بعد فحلَف أَلاَّ يَخْرُجَ إذا أطلق، ففيه وَجْهان: أحدهما: أنه يَمِينُ إِكْرَاهٍ؛ لأنَّهُ لا يمكنه الخُرُوجُ، إلاَّ به، وَهُوَ المُكْرَه، وأظهرهما وأَشْهَرْهُمَا: المنعُ؛ لأنَّهُ ابْتَدَأَ بِالحَلِفِ اخْتِيَارًا، فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ.
قَالَ في "التهذيب": ولو قالوا: لا نُطْلِقُكَ حتى تَحْلِفَ أَلاَّ تَخْرُجَ، فحلف ألا يَخْرجَ، فَأَطْلَقُوهُ لم تلزمه الكَفَّارَة بالخُرُوج، ولو حَلَّفُوهُ بالطَّلاَقِ لم يَقَعْ، كما لو أَخَذَ اللُّصُوصُ رَجُلاً وقالوا: لا نتْركك حتى تَحْلِفَ ألاَّ تُخْبِرَ بمكاننا أَحَدًا فَحَلَفَ، ثم أَخْبَرَ بمكانهم لا يَلْزَمُهُ الكَفَّارَةُ؛ لأنَّ اليَمِينَ يَمِينُ إِكْرَاهٍ، وليكن هذا بِنَاءً على [أَنَّ] التَّخْوِيفَ بِالحَبْس يَحْصُلُ به الإِكْرَاه، وعلى الأحْوَالِ لا يَغْتَالُهُمْ؛ لأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُ، ولو كان عندهم عَيْنُ مَالٍ لِمُسْلِمٍ، فَأَخَذَهَا عِنْدَ الخُرُوج ليردها على مَالِكِهَا، جازَ، وإنْ شَرَطُوا الأمانَ في ذلك المال، فهل يَصيرُ مَضْمُونًا عليه؟ فيه طريقان: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى القولين فيما إذَا أَخَذَ المَغْصُوبَ من يد الغَاصِب لِيرُدَّهُ على مَالِكِهِ.
وعن القَفَّالِ: القَطْعُ بالمَنْعِ؛ لأَنَّهُ لم يكنْ مَضْمُونًا على الحَرْبِيِّ الذي كَانَ في يَدِهِ، والمأخوذ من يَدِ الغَاصِبِ كان مَضْمُونًا عليه فأديم حكمه.
ولو شَرَطُوا عليه أن يَعُودَ إليهم بعد الخُرُوجِ إلى دَارِ الإِسْلاَمِ لم يَجُزْ له العَوْدُ، ولو شرَطُوا أن يعود ويبعث لهم مَالاً فِدَاءٌ، فالعود ممتنع، وأما بَعْثُ المَالِ فإن قبل الشَّرْط مُكْرَهًا فهو لَغْوٌ، وإنْ صَالَحَهُمْ عليه مُخْتَاراً فلا يَجبُ بعثه، لكن يستحبُّ [أما أنه لا يَجِبُ، فلأنه الْتِزَاِمٌ بغير حَقِّ، وأما أنه يُسْتَحَبُّ] 2 فليعتمدُوا الشَّرْطَ، ويُطْلِقُوا الأُسَارَى، وفي سِيَرِ الوَاقِدِيِّ حِكَايَةُ قَوْلٍ أنَّه يَلْزَمُهُ بَعْثُهُ، وإلا لَمْ يثقوا يقول الأسَارَى.

وعن أَبِي إسْحَاقَ فيما رَوَاهُ القاضي ابن كَجٍّ: القَطْعُ بهِ وَحَكَى الإِمام بَدَلَ هذا قَوْلاً عن القديم أَنَّهُ يَجِبُ العَوْدُ إليهم، أو بَذْلُ المال.
قال صَاحِبُ "البَيَانِ": والذي يقتضي المَذْهَبُ أَنَّ المَالَ المَبْعُوثَ إليهم اسْتِحْبَابًا، أو وُجُوباً لا يَمْلِكُونهُ؛ لأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِغَيْرِ حَقٍ، فهو كالمَأْخُوذِ قَهْرًا، وإنْ اشترى منهم [شيئاً] 1 لينفذ الثَّمن إليهم، أو استقرض، فإنْ كان طَائِعًا، فعليه الوَفَاءُ، وإِنْ كان مُكْرَهاً، ففيه ثَلاثةُ طُرُقٍ: أظهرها: ويحكى عن النَّصِّ أن العَقْدَ بَاطِلٌ ويَلْزَمُهُ رَدَّ العين، كما لو أَكْرَهَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا على الشِّرَاء, وذلك لأَنَّهُ أخذَ منهم بِعَقْدٍ، وعَقْدُ المسلمين مع الكُفَّار كَعَقْدِ المُسْلِم مع المُسْلِمِ.
والثاني: أَنَّ فيه قَوْلَيْنِ: الجديد: البُطْلاَنُ.
والقديم: أنه بالخِيَارِ بين أنْ يَرُدَّ العَيْنَ، وبين أن يَبْعَثَ إليهم [بالثمن] 2 ويجيز العقد، وهذا لأنا إذا جَوَّزْنَا وَقْفَ العُقُودِ بملك المُكْرَهِ على البيع إجازته.
والثالث: القَطْعُ بِصِحَّةِ العَقْدِ، ولزوم الثَّمَنِ؛ لأنَّ المُعَامَلاَتِ الجَارِيَةَ مع المُشْرِكِينَ يتَسَاهَلُ فِيهَا.
قَالَ الرُّوَيانِيُّ: ولو لم يَجْرِ لَفظٌ من أَلْفَاظِ البَيْعِ، بل قَالُوا: خُذْهَا وابْعَثْ إلينا كذا من المَالِ، فَقَالَ: نعم، فهو كما لو اشْتَرَى مُكْرَهًا.
ولو دَفَعُوا إليه شَيْئًا، ليبيعه لَهُمْ في دَارِ الإِسْلاَمِ، ويبعث بِثَمَنِهِ، فهو وَكِيلٌ لهم، يَعْمَلُ بما يَعمل الوَكِيلُ.
وقَوْلُهُ في الكتاب: "ولو أَمَّنَهُمْ وَأمَّنُوهُ بشرط ألاَّ يخرج من دارهم لزمه الخُرُوجُ مَهْما قدر" المَقْصُودُ منهَ المَوْضِعُ الذي يَجِبُ الهجرة، وتحرم الإِقَامَةُ.
وقوله: "يكفر وقوعه..... " إلى آخره معناه: أن الحَلِفَ لا يُرَخّصُ في الإقَامَةِ، وإنْ كَانَ الخُرُوجُ يَلْزَمُه الكَفَّارَةُ، ويوقع الطَّلاَقَ والعِتَاقَ، حيث يحكم بانْعِقَادِ اليَمِينِ، وقد فَصَّلْنَاهُ.
وقولُهُ: "حيث بذل المسلم" في بعض النُّسُخِ: "حيث يبتذل" وهما صَحِيحانِ.
وقوله: "عند الخروِج لا يَغْتَالُهُمْ إن أَمَّنَهُمْ" قوله: "إن أمنهم" غيرُ محتاج إِليه على المَذْهَبِ الظَّاهرِ، بل إذا أمَّنُوهُ، فعليه أن يؤَمِّنَهُمْ.
وعن الشيخ أَبي حَامِدٍ وغيرِه: أن تحليفهمِ على ألاَّ يَخْرُجَ، وإنْ كانَ مُكْرَهًا [أَمَانٌ منهم إياه] 3 وقولُهُ: "فله قَتْلُهُمْ ودَفْعُهُمْ دون غَيْرِهِم" أي: قتلهم دَفْعًا، ولا [يتعرض

لمن لا] 1 يِقْصِدُهُ لِلأَمَانِ، والمذكورُ في مسألةِ الشِّرَاءِ مُكْرَهًا هو الطَّرِيقُ الثاني.
المسألةُ الثانيةُ: عن الشيخ أَبِي عَلِيٍّ حكايته وجهين، فيما إذا أَسْلَمَ الكَافِرُ وقد لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أو ظِهَارٍ، هل يسقطُ عنه؟ أَصَحَهُّمَا: المَنْعُ كالدُّيُونِ اللاَّزِمَةِ في الشِّرْكِ.
والثاني: يَسْقُطُ؛ لأنَّ الإِسْلاَمَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ.
قال الإِمام: وهذا ضَعِيفٌ هَادِمٌ لِلْقَوَاعِدِ، فإن الكَفَّارَةَ لاَ مُطَالَبَةَ بِها، وإذَا لم يطالب بها في الكُفْرِ، وكانت تسقطُ بالإسْلاَم، فلا مَعْنَى لِلُزُومِهَا، وفي الظاهر يَتَعَذَّرُ ارْتِفَاعُ التَّحْرِيم من غَيْرِ أن يكفر، ويلزمُ عليه أن يُقَالَ: إذا آلَى الكَافِرُ، ثُمَّ أَسْلَمَ انْقَطَعَ الإِيلاَءُ؛ لأنَّهُ صَارَ إلى حَالَةٍ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بالوَطْءِ وكُلُّ ذلكَ بَعِيدٌ.
والله أعلمُ به سبحانه.
قال الغَزَالِيُّ: وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى المُبَارِزِ مَعَ قُوَّتِهِ الوَفَاءُ بشَرْطِهِ وَإنْ شَرَطَ القَوْمُ الكَفَّ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَتِمَّ القِتالُ جَازَ أَنْ يُقْتَلَ الكَافِرُ إِذَا وَلَّى مُدْبِرًا إِذْ تَمَّ القِتَالُ بِالهَزِيمَةِ وإنْ أَثْخَنَ المُسْلِمَ وَقصدَ تَذْفِيفَهُ مَنَعْنَاهُ وَإِنْ شَرَطَ لَهُ التَّمْكِينَ مِنْهُ فَهَذَا الشَّرْط بَاطِلٌ وَلَوْ خَرَجَ جَمَاعَةٌ لإِعَانَةِ كَافِرٍ باسْتِئْجَارِهِ قَتَلْنَاهُ مَعَهُمْ وَإنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: إِذَا بَارَزَ مُسْلِمٌ كَافِرًا بإِذْنِ الإِمَام، أو استئذنه، وقُلْنا: يَجُوزُ الاستئذان، وَهُوَ الأَصَحُّ، فشرطُ المُبَارِزِ ألاَّ يعين المسلمون المسلم، ولا الكَافِرونَ الكَافِرَ إلى انْقِضَاءِ القِتَالِ عَنْهُمَا، وَجَبَ الوَفَاءُ بِالشَّرْطِ، ولم يَجُزْ لمن في الصَّفِّ الإِعَانَةُ؛ لأنَّ المُبَارَزَةَ عَظِيمَةُ النَّفْعِ في الجِهَادِ، فلا يَتِمُّ الأَمَانُ إلا بأن يَأْمَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا من غير قِرْنِهِ، ثم إن هَرَبَ أحْدُهُما، أو قتل الكافر المسلم، جاز لِلْمُسْلِمِينَ قَصْدُ الكَافِر؛ لأَنَّ الأَمَانَ كان إِلى انْقِضَاءِ القِتَالِ، وقد انْقَضَى، فإن شرطَ الأمان إلى العود إلى الصَّفِّ وفّى به، وإن وَلَّى المسلمُ عنه فتبعه لِيَقْتُلَهُ، أو تَرَكَ قِتَالَ المُسْلِم، وقَصَدَ الصف فله قَتْلُهُ لنقضه الأَمَانَ، ولو أَثْخَنَ المسلم، جَاز قَتْلُهُ أيضاً لانْقِطَاعِ القِتَالِ، وإذَا قصد قَتْلَ المُثْخنِ مُنِعَ وقتل، فإن شرط له التَّمْكِين منهُ، فَهَذَا شَرْطٌ فاسدٌ؛ لما فيه من الضَّرَرِ، [وهل يفسد به] 2 أَصْلُ الأَمَانِ؟ حكى القاضي ابْنُ كَجٍّ فِيهِ وجهين: ولو خَرَجَ المُشْرِكُون لإعَانَةِ المُشْرِكِ، خرجَ المُسْلِمُونَ لإعَانَةِ المُسْلِمِ، ثُمَّ إِن كان الكَافِرُ اسْتَنْجَدَهُمْ، جاز قَتْلُهُ مَعَهُمْ وبمثله أُجِيبَ فيما إذا خَرَجُوا من غير اسْتِنْجَادٍ، لكنَّهُ

لم يمنعهم، وإنْ خرجوا بغير 1 إذْنِهِ، ومنعهم فلم يَمْتَنِعُوا.
جَازَ قَتْلُهُمْ، ولم يجز التَّعَرُّضُ له، هذا إذا شَرَطْنَا 2 في المُبَارَزَةِ الأَمَان.
أَمَّا إذَا لم يُشْتَرَطْ، ولكن اطردت عَادَةُ المُبَارَزَةِ بالأَمَانِ، فهل هو كالمَشْرُوطِ؟ فيه وَجْهَانِ: الذي أوْرَدَهُ الرُّوَيانِيُّ: "في جَمْعِ الجَوَامِعِ" أنه كالمَشْرُوط، ولو لم يَجْرِ شَرْطٌ، ولمْ يَطَّرِدْ عَادَةً، جاز للمسلمين قَتْلُ الكَافِرِ.
"فرع": إِذا أثخن المُسْلِمُ الكَافِرَ، فهل يَجُوزُ قَتْلُهُ أم 3 يترك؟ نقل ابْنُ كَجٍّ فيه وَجْهَيْنِ، وينبغي أن يُقَالَ: إن شَرَطَ الأَمَانَ إلى انْقِضَاءِ القِتَالِ، فيجوزُ قتله، ولو شرط ألاَّ يتَعَرَّضَ للمثخن فيجبُ الوَفَاءُ بالشَّرْطِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَيتِمُّ النَّظَرُ فِي مُشَارَطَاتِ الكُفَّارِ بِثَلاَثِ مَسَائِلَ: (الأُولَى) إِذَا دَلَّ عِلْجٌ عَلَى قَلْعَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ جَارِيَةً فِيهَا صَحَّتِ المُشَارَطَة لِلحَاجَةِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ جَعَالَةٌ مَجْهُولَة الجعل بَلِ الجُعْلُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَلاَ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَلاَ يَصِحُّ هَذَا مَعَ المُسْلِمِ (و) وَإنْ أتَمَّ الدَّلالَةُ ثُمَّ الجَارِيَةُ تُسَلَّمُ إِلَى العَلْجِ إِنْ ظَفِرْنَا بِهَا فَإِنْ لَمْ نَفْتَحِ القَلْعَة لِعَجْزٍ أَوْ تَجَاوَزْنَاهَا مَعَ القُدْرَةِ فَلاَ شَيْءَ لَهُ عَلَيْنَا وَإِنْ أَتَمَّ الدَّلالَةَ إِلاَّ إِذَا رَجَعْنَا إِلَى الفَتْحِ بِعَلاَمَتِهِ وَلَوْ فَتَحَهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى إِذْ سَمِعُوا العَلاَمَةَ فَلاَ شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِمْ إِذْ لَمْ يَجْرِ الشَّرْطُ مَعَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَارِيةٌ فَلاَ شَيْءَ لَهُ وَكَذلِكَ إِنْ كَانَتْ قَدْ مَاتَتْ قَبْلَ المُعَاقَدَةِ وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ فَعَلَيْنَا البَدَل إِمَّا أُجْرَةُ المِثْلِ أَوْ قِيمَةُ الجَارِيَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الجُعْلَ المُعَيَّنَ يُضْمَنُ ضَمَانَ العَقْدِ أَوْ ضَمَانَ اليَدِ كَالصَّدَاقِ وَإنْ مَاتَتْ قَبْلَ الظَّفَرِ وَبَعْدَ العَقْدِ فَفِي وُجُوبِ البَدَلِ قَوْلاَنِ وَإِنْ أَسْلَمَتْ وَجَبَ البَدَلُ وَلاَ سَبِيلَ إِلَى تَسْلِيمِهَا إِلَى كَافِرٍ وَإِنْ شَرَطْنَا لِزَعِيمِ القَلْعَةِ أَمَانَ أهْلِهِ وَكَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ لَمْ نُسَلِّمْهَا إِلَى العِلْجِ بِبَدَلٍ يَبْذُلُهُ فَصُلْحُنَا مَعَ الزَّعِيمِ بَاطِلٌ لَكِنْ نَرُدُّهُ إِلَى المَأْمَنِ حَتَّى نَسْتَأْنِفَ القِتَالَ لأنَّهُ صُلْحٌ مَنَعَ الوَفَاءَ بِمَا وَجَبَ بِشَرْطٍ قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَنَا شَيْءٌ مِنَ القَلْعَةِ إِلاَّ تِلْكَ الجَارِيَة فَفِي وُجُوبِ التَّسْلِيمِ وَجْهَانِ: قال الرَّافِعِيُّ: لِما تكلَم في شرط الأَمان لِلكُفَّارِ في المُبَارَزَةِ وغيرها عقبه بمسائل تتعلق بهذا المعنى أيضاً فهي ثلاث: إحداهما: مَسْأَلَةُ العِلْجِ، والعِلْجُ الكافر الغَلِيظُ الشَّدِيدُ، سُمِّيَ به؛ لأنَّه يَدْفَعُ بِقُوَّتِهِ

عن نَفْسِهِ، ومنه سمي العِلاَجُ عِلاَجًا لدفعه الدَّاءَ، والمُعَالَجَةُ: المُجَالَدَةُ.
ويُرْوَى في الحديث "أن الدُّعَاءَ والبَلاَءَ يَعْتَلِجَانِ" أي: يَتَدَافَعَانِ 1. ويُقَالَ: اسْتَعْلَجَ حَلْقُهُ، أي: اسْتَغْلَظَ 2. وصورتها: أن عِلْجًا قال للإمام: أدلُّكَ على قَلْعَةِ كَذَا، على أن تُسَلِّمَ إِلي منها جَارِيةَ كذا، فَعَاقَدَهُ الإمَامُ عليه، حازت هذه المُعَاقَدَةُ، وإن كانت هذه 3 جَعَالَةَ جُعْلُهَا غير مَعْلُومٍ ولا مملوك ولا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِهِ، [متجوز هذه المعاقدة] 4 واحتج للجواز بما رُوِيَ عن عَدِيِّ بن حَاتِم -رضي الله عنه- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "كَأَنِّي بالحِيرَةِ قَدْ فُتِحَتْ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ هَبْ لِي مِنْهَا جَارِيةً، فقَالَ: قَدْ فَعَلتُ، فلما فُتِحَتْ الحِيرَةُ بعد زَمَانِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أُعْطِيَ الرَّجُلُ الجَارِيَةَ، فَاشْتَرَاهَا منه بَعْضُ أَقَارِبِها بألف دِرْهِمٍ 5 ". والمعنى فيه الحَاجَةُ الدَّاعِيَةُ إلى مِثْلِ هذه المُعَامَلَةِ، فَإِنَّ الفَتْحَ قد لا يَحْصُلُ إِلاَّ بِدِلاَلَتِهِ، ولا يقوم بالدِّلاَلةِ إلا بالتَّطْمِيعِ فِيهَا, ولو ابْتَدَأَ الإِمَامُ، فقال: إِنْ دَلَلْتَنِي على هذه القَلْعَةِ، فلك جَارِية كذا منها، وكذا الحُكْمُ، ولا فَرْقَ بين أن تَكُونَ المُعَيَّنَةُ حُرَّةً أو أَمَةً، فإن الحُرَّةَ تُرَقُّ بالسَّبْيِ والاستيلاء.
ولو أبهم العِلْجُ، وقال: أن تُعْطِيَنِي منها جَارِيةً، أو الإِمام، فقال: ولك منها جَارِيةً جاز أيضاً، وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ وَجْهاً آخر: أنَّه لا يَجُوزُ، ويشترط أن يَكُونَ الجُعْلُ المشروطُ مما يَدُلُّ العِلْجُ عليه، حتى لو قَالَ: أعطيك جَارِية مما عِنْدِي، أو من ثلث مَالِي، لم يَصِحَّ مع الجَهْلِ على قِيَاسِ الجَعَالاَتِ.
ولو قَالَ مُسْلِمٌ: أَدُلُّكَ على أن تُعْطِيَني منها جَارِيَة كذا أو جارية أو ثلثَ ما فِيها، ففيه وَجْهَان.

أحدهما: ويُحْكَى عن ابن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لا يجوزُ؛ لأنَّهُ عَقْدٌ يشتمل على أنْوَاع مِن الغَرَرِ، فلا يَجُوز مِثْلُهُ مع المسلم المُلْتَزِمِ للأحكام، وإنَّما جازَ مع الكَافِرِ لِلْحَاجَةِ، فإنَّهُ أَعْرَفُ بِطرُقِ قلاعهم.
وأيضاً فالمُسْلِم يَتَعَيَّنُ عليه فَرْضُ الجِهَادِ، والدلالةُ نَوْعُ جِهَادٍ مِنه، فلا يجوزُ له أَخْذُ العِوَضِ عليه.
والثاني: وبه قال أبو إِسْحَاقَ أنه يَجُوزُ؛ لأنَّه جَعَالَةٌ يجوز عَقْدُهَا مع الكَافِرِ، فكذلك مع المُسْلِم كَسَائِرِ الجَعَالاَتِ، وأيضاً فالحَاجَةُ تدعو إليه لاخْتِصَاصِهِ بمعرفة حَالِ القَلْعَةِ، وأيضاً فللعقد تَعَلُّقٌ بالكُفَّارِ، فيحتمل فيه الجَهَالَةُ، وإنْ جَرَى مع مسلم كشرط النَّفْلِ في البدأة والرجعة، وبهذا الوَجْهِ أَجَابَ أَصْحَابُنَا العِرَاقِيُّونَ، والأول هو المَذْكُورُ في الكِتَاب، والأَصَحُّ عند الإِمام، ورأى تَخْصِيصَ الوَجْهَيْنِ بما إذا جَوَّزْنَا استئجار المسلم عَلَى الجِهَادِ، فإن لم نجوزه لم تَصحَّ هذه المُعَامَلَةُ مع المُسْلِمِ، ولا يستحق أُجْرَةَ المِثْلِ، كما لا يستحق الجَارِيَةَ المُسَمَّاةَ، ثم في المسألة صُوَرٌ.
إحداها: إذا فتحنا القَلْعَةَ بدلالتهِ، وظَفَرْنَا بالجَارِيةِ، فَنُسَلِّمهَا إليه، ولا حَقَّ فيها للغانمين، ولا لِأهْلِ الخُمُسِ؛ لأَنَّهُ اسْتَحَقَّهَا بِالشَّرْطِ قبل الظَّفرِ، وإن دَلَّنَا على القَلْعَةِ، ولكنا فَتَحْنَاهَا بطريق آخر بغير دِلالَتِهِ، ففي اسْتِحْقَاقِهِ الجَارِيةَ وَجْهَان، نَقَلَهُمَا القاضي ابْنُ كَجٍّ ورجحَ منهما المَنْعَ، وبناهما على أن الاسْتِحْقَاقَ ثبت بنفس الدِّلالةِ ولا يستحق إلا إذا حَصَلَ الفَتْحُ بدلالتِهِ، وإنْ لم نَفْتَحِ القَلْعَةَ، نُظِرَ إن كان الشَّرْطُ مُعَلَّقًا بالفَتْحِ، فلا شَيْءَ له، وإلاَّ فقد أطْلَقَ مُطْلِقُونَ وجهين: أحَدُهُمَا أنه يستحقُّ أجرة المِثْلِ لوجود الدلالةِ، ومنهم من لا يَتَعَرَّضُ لِأُجْرَةِ المِثْلِ، ويقول: يرضخ له.
وأَصَحُّهمَا: أَنهُ لاَ يَستحقُّ شَيْئاً؛ لأنَّ بتسليمها لا يمكن إلا بالشرط، والشرط مُقَيَّدٌ بِالفَتْح في الحَقِيقَةِ، وإن لم يَجْرِ التقييد لفظًا فَفَصَّلَ الإِمام، فَقَالَ: إن كان القِتَالُ مُمْكِنًا [والفتح متوقّعاً تَوَقُّعًا قريبًا] 1 استحق وإن لم يُتَوَقَّعِ الفَتْحُ إلا باحتمال نَادِرٍ، فالوَجْهُ القَطْعُ، بأنَّهُ لا يستحقُّ شيئاً؛ لأنَّ دِلالَتَهُ لم تقع.
وإنْ قَاتَلْنَا فلم يَحْصُلِ الظَّفَرُ، فإن قلنا: لا شيء له إذا لم نقاتل، فهاهُنَا أَوْلَى، وإن قُلْنَا: يستحقُّ هناك، فإن حَصَلَ اليَأْسُ بعد القِتَالِ، فهو كما إذا ظَهَرَ اليَأْسُ كما حصرنا القلعة لكن تَبَرَّمْنَا 2 بالجِهَادِ، أو أزعجنا مزعج، ففيه الوَجْهَانِ.
وإذا تركناها،

ثم عُدْنَا إليها فَفَتَحْنَاهَا بِدلالَتِهِ، فَلَهُ الجَارِيةُ، وإن فَتَحْنَاهَا بطريقٍ آخر، فلا شَيءَ له، وفي كلِ واحدٍ من الطَّرَفَينِ وجهٌ ضعيفٌ.
ولو فَتَحَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ بالطريق التي دَلَّنَا عليه، فلا شَيْءَ له عليهم؛ لأنَّه لم يَجْرِ له معهم شَرْطٌ.
الثانية: إذا لمْ يكن في تلك القَلْعَةِ جَارَيةٌ، أو تلك الجَارِيَةُ، فلا شَيْءَ له، وقد أَخْطَأَ ظَنُّهُ، وكذا لو كانت قد مَاتَتَ قبل المُعَاقَدَةِ، وإن ماتت بعد الظَّفَرِ، وقبل التَّسْليم إليه وَجَبَ بَدَلُهَا، لأنَّهَا حَصَلَتْ في يد الإِمام وقَبْضَتِهِ، وكانَ التَّلَفُ من ضَمَانِهِ، ومنهم من جَعَلَ في وُجُوبِ البَدَلِ قَوْلَيْنِ: وجه المنع بأن الجَارِيَةَ ليست على حَقَائِقَ الأَعْوَاضِ، وإنَّمَا وعدنا بها عِدَة نَفِي بها عند الإمْكَانِ.
وقَالَ الإِمَامُ: ينبغي أنْ يُخَصَّصَ التَّرَدُّدَ بما إذَا مَاتَتْ في يد الإِمَامِ قبل التمكُّنِ من التسليم، أمَّا إذا امتنعنا من التَّسْلِيمِ مع الإِمْكَانِ؛ ليظهر وُجُوبُ البَدَلِ، فإن مَاتَتْ قبل الظَّفَرِ، فقولان: أحدهما: أَنَّهُ يَجِبُ البَدَلُ؛ لأنَّ العَقْدَ معلَّقٌ بِها، وهي حَاصِلَةٌ، ثم تعذَّر التسليمُ، فصار كما إذا قَالَ: من رَدَّ عَبْدِي، فلهُ هذه الجَارِيَةُ، فَرَدَّهُ وقد مَاتَتِ الجَارَيةُ، يلزمه بَدَلُهَا، وسيأتي إن شَاءَ اللهُ تعالى ما يُنَازعُ في هذا الأَصْلِ أيضاً.
والثاني: أنه يَجِبُ؛ لأنه لم يحصل القُدْرَةَ عليها، فأشبه ما إذا لم يَكُنْ، وهذا أَظْهَرُ.
وعند أبي إِسْحَاقَ طريقٌ قَاطِعَةٌ به حكاهَا القاضي ابنُ كَجٍّ، عن أبي علي الطَّبَرِيِّ، وأبي الحُسَيْنِ أيضاً، وإذا جمعت بين ما قبل الظَّفَرِ وما بعده، وضربت الطُّرُقَ بعضها ببعضٍ، خَرَجَ منها ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ: ثالثها: وهو الَّذِي رَجَّحَ الفَرْقَ بين أنْ تَمُوتَ قبل الظَّفَرِ أو بَعْدَهُ، وما الذي يجب بَدَلاً عن الجَارِيَةِ؟ بناه الإِمام على مُقَدَّمَةٍ ذَكَرَهَا في الجَعَالاَتِ، فقال: إذَا جُعِل الجُعْلُ عَيْنًا من عَبْدٍ أو ثوبٍ أو غيرهما، وتمَّم العَامِلُ العَمَلَ، والعين تَالِفَةٌ، فإما أَنْ يَكُونَ التَّلَفُ قبل إِنْشَاءِ العَمَلِ، أو بَعْدَهُ.
إن تلف قبله، نُظِرَ إنْ كَانَ عَالِماً بالتَّلَفِ فلا شَيءَ له؛ لأنَّ المُعَامَلَةَ كانت مقصورة على مِلْكِ العَيْن، فإذا أَنْشَأَ العَمَلَ عالماً بِتَلَفِهَا، كان كالمتبرِّع، وإن كان جَاهِلاً، فله أُجْرَةُ المِثْلِ، لأنَّه ليس بمتبرّع، وإنْ تلفت بعد العمل، نُظِرَ إن لم يُطَالِبهُ العَامِلُ بالتَّسْلِيمِ، فالعامل يرجع بِقِيمَةِ تلك العَيْنِ، أو بِأُجْرَةِ المِثْلِ؟ فيه قولان، بناء على أن الجُعْلَ المُعَيَّنَ مَضْمُونٌ ضَمَانَ العَقْدِ، أو ضمان اليد، وفيه قولاَن، كما في الصَّدَاقِ.
وَوَجْهُ المُشَابَهَةِ أنَّ المَنْفَعَةَ في الجَعَالَةِ فَائتَةٌ يُتَعَذَّرُ تَدَارُكُهَا، كما أن البُضْعَ بعدَ

العَقْدِ في حُكْم الفَائِتِ.
قال الإِمام: ولا يبعد عندي القَطْعُ بأَنَّ الجُعْلَ يُضْمَنُ ضَمَانَ العَقْدِ؛ لأنَّهُ رُكْنٌ في الجَعَالَةِ، وليس الصَّدَاقُ رُكْنًا في النِّكَاح، وقد سَبَقَ نَظِيرُ هذا الكَلاَمِ في "الجَعَالَةِ".
وإن كان التَّلَفُ بعد المُطَالَبَةِ بالتسليم، وامْتِنَاعِ الجَاعِلِ مِن الرَّدِّ.
فإن قُلْنَا: إِنَّهُ مَضْمُونٌ ضَمَانَ اليدِ، فالحكمُ مَا مَرَّ.
وإنْ قُلْنَا: مَضْمُونْ ضَمَانَ العَقْدِ، فقد قال القاضي الحُسَيْنُ: التَّلَفُ بعد الامْتِنَاع بِمَثَابَةِ إِتْلاَفِ الجَاعِل الجُعْلَ بنفسه، حتى يَكُونَ على قَوْلٍ كالتَّلَفِ بآفة سَمَاوِيَّةٍ، فَيَنْفَسِخ العَقْدُ، وَيرْجِعُ العاملُ إلى أُجْرَةِ المِثْلِ ويكون في قول كما لو أَتْلَفَهُ أَجنَبِيٌّ، حتى يَكُونَ العَامِلُ بالخِيَارَيْنِ: الفسخ والإجازةِ.
قَالَ: وَقَضِيّةُ كَلاَمِ القاضي أن يقولَ: إذا طَالَبَ المشتري البَائِعَ بِتَسْلِيمِ المَبِيعِ، بعد تَوَفِّي الثَّمَنِ، فامْتَنَعَ وتَلِفَ المَبِيعُ، يكون الحكم كما لو أبْلَغَهُ بنفسِهِ.
وفيه احتمالٌ؛ لأن الإِتْلاَفَ لم يوجد حَقِيقَةً، واليَدُ القائمةُ يَدُ عَقْدٍ، ولذلك لا يتصرَّف المشتري [في المبيع] 1 ما دام في يَدِ البَائِع، وإن وفّي الثمن، واستحقّ الانتزاع، وإذا كان كذلك، فَيَنْبَغِي أن يغلب ضمانَ العقد، حتى يُقَالَ: إن التَّلَفَ يُوجِبُ الانْفِسَاخَ، ولا يخرج على القولين في إِتْلاَفِ البائع المبيع.
إذَا تَقَرَّرَتْ هذه المقدمةُ، فَبَدَلُ الجَارِيَةِ، حيث حكمنا بوجوبه أُجْرَةُ المِثْلِ، إنْ جعلنا الجُعْلَ مَضْمُونًا ضَمَانَ العقد، وقيمتها إن جَعَلْنَاهُ مَضْمُونًا ضَمَانَ اليَدِ، فإن كَانَ التَّلَفُ بعد المُطَالَبَةِ والتمكُّن من التسليم، ففيه كَلامُ القاضي والإمام، ويَذْكُرُ بعد هذا شيئين: أَحَدُهُمَا: مَحَلُّ القولين، ما إِذَا كانت الجَارِيةُ مُعَيَّنَةً، أما إذا جرى ذِكْرُ جاريةٍ مِن القَلْعَةِ على الإِبْهَامِ، وفُرِضَ مَوْتُ من وجد فيِها من الجواري، وأوجبنا البَدَلَ، فيجوزُ أنْ يُقَالَ: الرجوع إلى أُجْرَة المِثْلِ لا مَحَالةَ؛ لِتَعَذُّرِ تَقْوِيم المَجْهُولِ، ويجوزُ أن يبنى ذلك على حَالَةِ عَدَمِ المَوْتِ، ويسلّم إليه قِيمَةُ من تسلم إليه عند الموتِ، ويشبه أنْ يُقَالَ عند عَدَمِ الموت: لم يُوجد فيها إلاَّ جَارِيَةٌ واحدة، فَتُسَلَّمُ إليه، وإنْ وُجِدَ عَدَدٌ من الجَوَارِي، وفُرِض نِزَاعٌ، فللإمام التَّعْيينُ، ويُجْبَرُ العِلْجُ على القَبُولِ؛ لأن المشروطَ جَارِيةٌ من القَلْعَةِ، وقد وجدت هذه الصِّفَةُ فِيهِنَّ جَمِيعًا، وهذا كما أن المسلَّم إليه يُعَيِّنُ ما شَاءَ من الأَعْيَانِ المَوْصُوفَةِ بأوصافِ السَّلَمِ، ويجبر المسلم على القَبُولِ.
والثاني: الأصح من القولين في الصَّدَاقِ على ما يتبيَّن في موضعِهِ، أنَّه مَضْمُونٌ

ضَمَانَ العَقْدِ، وقضية تخريجهما في الجُعْلِ أن يَكُونَ الأَصَحُّ وُجُوبَ أُجْرَةِ المِثْلِ هاهنا، إنْ كَانَ حَالُ القولين هاهنا كَحَالِ القَوْلَيْنِ هناك، والذي يُوجَد لعامَّةِ الأَصْحَاب في المسألة إِيجَابُ قيمة الجَارِيةِ، ولا يتعذَّر الفَرْقُ على من يُحَاوِلُهُ، ثم مَحلُّ البَدَلِ الواجب مَالُ المَصَالِحِ، أو أصل الغَنِيمَةِ؟ فيه الخِلاَف المذكور في الرَّضْخِ.
وَيَجُوزُ أن يُعَلَّمَ لما عرفت من الخِلاَفِ قَوْلُهُ في الكتاب: "تَغْلِيبًا للبدل" بالواو، وكذا لفظ "القولين" من قولِهِ: "ففي وجوبِ البَدَلِ قَوْلاَن".
الثالثة: إِذَا وجدنا الجَارِيَةَ مُسْلِمَةً، نُظِرَ إن أَسْلَمَت قبل الظَّفَرِ، وكانت حُرَّةَ لم يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهَا، وتَسْلِيمُهَا إلى الدليل؛ لأنَّ إِسْلاَمَها قَبْلَ الظَّفَرِ يمنع من الاستِرقَاق 1. وعن ابن سُرَيْجٍ: أن فيه قَوْلاً آخر: أنَّها تُسَلَّم إليه؛ لأنَّهُ اسْتَحَقَّهَا قبل أن أَسْلَمَتْ، والمذهبُ الأَولُ.
وإن أسلمت بعد الظَّفَرِ، فإن كانَ الدَّلِيلُ مُسْلمًا وجَوَّزْنا هذه المُعَاقَدَةَ معه، أو كافرًا وأسلم سُلِّمَتْ إليه، وإلا فَيُبْنى على القَوْلَيْنِ في شراء الكَافِرِ العَبْدَ المسلم، إن جَوَّزْنَاهُ فَتُسَلَّمُ إليه، ثم يؤْمَرُ بإزالة المِلْكِ عنها وإن لم نُجَوِّزْهُ لم تُسَلَّمْ إليه، وإذا لم تُسَلَّمْ إليه بعد الإِسْلاَمِ، فهل يجب بَدَلُهَا؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه على الخِلاَفِ في الموتِ لِتَعَذُّرُ التَّسْلِيم بِالإسْلاَم كَتَعَذُّرِهِ بالمَوْتِ، وَبِهَذَا قال أَبُو الطَّيِّبِ بن سَلَمَةَ.
والثاني: القَطْعُ بالوجوبِ، وبه قَالَ ابْنُ الوَكيلِ.
والفرق: أَنَّهَا إذَا ماتت تعذَّرَ التَّسْلِيمُ حِسّاً، وإذا أسلمت فالتسليمُ ممكن حِسّاً، وهو مُطَالبٌ، ولكن الإِسْلاَم حَالَ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا، فَوَجَبَ البَدَلُ لِلْحَيْلُولَةِ، وهذا الفَرْق يَقْتَضِي أن يَكُونَ الوَاجِبُ هَاهُنَا القِيمَة لا مَحَالَة لا أُجْرَةَ المِثْلِ، والظاهرُ في صُورَةِ الإسْلاَمِ وُجُوبُ البدل، وإن ثبت الخِلاَف، وهو فيما إذا أَسْلَمَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ [أَظْهَرُ منه فيما إذا أسْلَمَتْ قبله؛ لأنها إذا أَسْلَمَتْ بعد الظَّفَرِ] 2 تكون مَمْلُوكَةً، والمنعُ له رعاية حُكْمِ الشَّرْع، وإذَا أَسْلمت قبله لم يَمْلِكْهَا, ولم يَقْدِرْ على التَّسْلِيمِ، كما في صُورَةِ الموتِ ولْيُعَلَّمْ لما ذكرنَا قوله في الكِتاب: "وَجَبَ البَدَلُ"، وقولُهُ: "ولا [سبيل] 3 إلى تسليمها لِكَافِرٍ" كِلاَهُمَا بالواو.
والله أعلم.

الرابعة: إذا فَتَحْنَا القَلْعَةَ، فلم نجد فيها إِلاَّ تلك الجَارِيةَ، فهل تُسَلَّمُ إليه؟ ففيه وَجْهَان: أَصَحُّهُمَا: نعم، وَفَاءً بالشرطِ.
والثاني: لا؛ لأنَّ عَمَلَنَا، وسعينا حينئذٍ يَكُونُ لِلْعِلْج خَاصَّةً والخِلاَفُ فيما إذا لم نملك القلْعَة، وإدامة اليد عليها لكونها مَحْفُوفَةٌ ببلاد الكُفْرِ، فإن أمكن، فلا خِلاَفَ في وجوب الوَفَاءِ، وقد يُفْهَمُ هذا التقييد من قَوْلِهِ في الكتاب: "وإن لم يَحْصُلْ لنا من القَلْعَةِ إلاَّ تلكَ الجاريةُ".
الخامسة: جميع ما ذكرنَا فيما إذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، أَمَّا إذا فُتِحَتِ القَلْعَةُ صُلحاً، فَيُنْظَرُ إنْ كَانَتِ الجَارِيَةُ المَشْرُوطَةُ خَارِجَةً عن الأَمَانِ، كما إذا كَانَ الصُّلْحُ على أَمَانِ صَاحِبِ القَلْعَةِ وأَهْلِهِ، فكانت 1 الجاريةُ من غير أهْلِهِ فَتُسَلَّمُ إليه، وإن كَانَتِ الجَارِيَةُ من الذين أَمَّنَاهم [بأن كانت من أهلِهِ] 2 فيخير صَاحِبُ القَلْعَة بشرطنا مع العِلْجِ، ونقول: إنْ رضيت بتسليمها إليه غَرِمْنَا لك قِيمَتَهَا، وأمضينا الصُّلْحَ، والقِيمَةُ المدفوعة إليه تكون من بيتِ المالِ، كذا ذكر في "التهذيب".
وفي "الشامِل" أنها جَارَيةٌ مجرى الرَّضْخ، وفيه خلافٌ، فإن لم يَرْضَ رَاجَعْنَا العِلْج، فإنْ رَضِيَ بقيمتها، أو بِجَارِيَةٍ أخرى، فذاكَ، وإلاَّ فنقول لِصَاحِب القَلْعَة: إذا لَم تسلمها فنفسخ الصُّلْحَ وننبذ عَهْدَكَ، ونرده إلى القَلْعَة، ونستأنف معه القِتَالَ، وهذا لأنه صُلْحٌ مَنَعَ الوَفَاءَ بما شَرَطْنَاهُ، وكل صلح هذا حَالُهُ، فللإمام رَدُّهُ ونَبْذُهُ، وهو ظَاهِرُ المَذْهَبِ.
وعن أبي إِسْحَاقَ: أنَّ الصُّلْحَ في الجَارِيَةِ المشروطة لِلْعِلْج فَاسِدٌ؛ لأنَّهَا مستحقّةٌ له.
وقوله في الكتاب: "فصلحنا مع الزّعِيمِ بَاطِلٌ" [بمعنى أن نبطَله ونَفْسَخهُ] 3 ولم يُرِدِ الوَجْهَ المَنْسُوبَ إلى أبي إِسْحَاقَ، فإن الفسَاد على ذلك الوجه لا يُشْتَرَط فيه امْتِنَاعُ زَعِيم القَلْعَة عَنْ بَدَلِهَا [بِبَدَلٍ، ثم الفَسْخُ والإِبْطَالُ لا يكفي فيه امْتِنَاعُ الزَّعِيمِ عن بدلها، بل] 4 يراجع العلج أيضاً، وينظر هل يَرْضَى بالقِيمَةِ، أو بجَارَيةٍ أخرى، كما ذَكَرْنَا فإن أَبَيَا جميعاً، فحينئذ نُبطِلُهُ.
[فرع] قال القاضي ابْنُ كَجٍّ: لو كَانَ الإِمَامُ نَازِلاً بجنب قَلْعَةٍ، وهو لا يعرفها فقال: من دَلَّنِي على قَلْعَةِ كذا، فله منها جَارِيةْ، فقال عِلْجٌ: هي هذه التي أَنْتَ عندها، فالمذهب أنه يَسْتَحِقُّ تلك الجَارَيةَ إذا فُتِحَتْ، كما لو قَالَ: من جاء بِعَبْدِي الآبِقِ، فله كذا، فوجده إنسان من البلدة.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ) المُسْتَأْمَنُ إِذَا نَقَضَ العَهْدَ فَرَجَعَ إِلَى دَارِهِ فَمَا خَلَّفَهُ عِنْدَنَا مِنْ

وَدِيعَةٍ أَوْ دَيْنٍ فيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا) أَنَّهُ فَيْءٌ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ فِي أَمَانِهِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ فَإنْ مَاتَ فَهُوَ فَيْءٌ (وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ فِي أَمَانِهِ وَإنْ مَاتَ فَهُوَ لِوَارِثهِ (الرَّابعُ) أنَّهُ فِي أَمَانِهِ إنْ عَقَدَ الأَمَانَ لِلمَالِ مَقْصُوداً وَإلاَّ فَينْتقِضُ أَيْضاً تَابِعاً لِنَفْسِهِ وَالرِّقُّ كَالمَوْتِ وَإنْ قُلْنَا: يَبُقَى أَمَانُهُ بَعْدَ الرِّقِّ فَلَوْ عُتِقَ رُدَّ عَلَيْهِ وَلَوْ مَاتَ رَقِيقاً فَهُوَ فَيْءٌ إِذْ لاَ إِرْثَ مِنَ الرَّقِيقِ وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ أنَّهُ لِوَرَثَتِهِ وَمَهْمَا جَعَلْنَاهُ لِلوَارِثِ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ بِلاَدَنَا لِطَلَبِهِ مَنْ غَيْرِ عَقْدِ أَمَانٍ وَهَذَا العُذْرُ يُؤَمِّنُهُ كقَصْدِ السِّفَارَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا دَخَلَ الكَافِرُ دَارَ الإسْلاَم بِعَقْدِ أمَانٍ أو ذِمَّةٍ، كان ما معه من المَالِ والأَوْلاَدِ في أَمَانٍ، فإن شَرَطَ الأَمَانَ في المال والولد، فهو زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ، ولا أَمَانَ لما خَلَّفَهُ في دَارِ الحَرْبِ، بل يَجُوزُ اغْتِنَامُ أمْوَالِهِ هناك وسَبْيُ أَوْلاَدِهِ المخلفين.
وعن صاحِب "الحاوي": أنَّه إن قال: لك الأَمَانُ، ثبت الأَمَانُ في ذُرِّيَّتِهِ ومَالِهِ، وإن قال: لك الأَمَانُ في نَفْسِكَ، لم يَثْبُتْ في الذُّرِّيَّةِ والمالِ، وَالأَكْثَرُونَ أَطْلَقُوا الكَلاَمَ إِطْلاَقاً، وقالُوا: قد يفترق المالك والمملوكُ في حُكْم الأَمَانِ، وكذلك يقول: لو دخلَ مُسْلِمٌ دَارَ الحَرْبِ بأمانٍ فبعث على يده حَرْبيٌّ مَالاً لِشِرَاءِ مَتَاعٍ، أو لتجارة، يكون ذلك المال في أَمَانٍ، حتى يجب رَدُّهُ إليه، وإن لم يكن المَالِكُ في أمَانٍ، فكذلك لو بعثه على يد ذِمّيِّ دخل دَارَ الحَرْب بأمَانٍ وعن حكاية الربيع قول: إنَّهُ لا يكون في أمَانٍ؛ لأن أَمَانَ الذِّمِّيّ لا يصلح، والظَّاهِرُ الأول، ووجه بأن الحربي اعْتَقَدَ صِحَّةَ الأمان لماله، فَوَجَبَ ردهُ إليه، ولو دخلَ حربي دَارَنَا بأمَانٍ أو عَقْدٍ ذِمَّةٍ، أو لرسالةِ، ثم نَقَضَ العَهْدَ، والتحق بدَارِ الحَرْبِ.
ومن أَسْبَابِ النَّقْضِ أن يعود إليها لِلتَّوَطُّنِ والإقَامَةِ، فلا يسبى أولادُهُ المَتروكون عندنا، وإنْ مات الأب، فإذا بَلَغُوا وقَبلُوا الجزيةَ تُرِكُوا، وإلاَّ بَلَغُوا المَأْمَنَ، وما خَلَّفه عندنا من وَدِيعَةٍ ودَيْنٍ من جهة قَرْضٍ أَو غيره، فكلُّ ذلكَ في أَمَانٍ، ولا يجوزُ التَّعَرُّضُ له ما دام حَيّاً، ووجه ذلك بأن نفسه وأَمْوَالَهُ وَأَوْلاَدَهُ جميعاً كانت في أَمَانٍ، وإنما ارْتَفَعَ الأَمَانُ عن نَفْسِهِ لِنَقْضهِ العَهْدَ والتحاقِه بِدَارِ الحَرْبِ، فيبقى في الوَلَدِ والمالِ، هذا ظَاهِرُ المذهبِ وقطع به بَعْضُهُمْ، [ووراءه وجهان:] 1 أحدهما: أَنَّهُ يَنْتَقِضُ الأَمَانُ في ماله كما انْتَقَضَ في نفسه؛ لأنَّ المَالَ كان تَبَعاً، فإذَا انْتَقَضَ الأَمَانُ في المالك تَعَذَّرَ بَقَاؤهُ في المِلْكِ.
والثاني: أنَّهُ إن لم يَتَعَرَّضْ لِلأَمَانِ في ماله يَحْصُلُ الأَمَانُ فيه تَابِعاً للنفس، [فيتبعه في الارتفاع] 2 أيضاً، وإن ذَكَرَهُ في الأَمَانِ لم يرتفع عنه بارتفاعه عن النفس، وذَكَرَ

الإمَامُ تفريعاً على الظَّاهِرِ، وهو بَقَاءُ الأَمَانِ في أحوالهِ المُخَلَّفَةِ أن للكافر أن يدخل دَارَ الإِسْلاَم [من غير] 1 تَجْدِيدِ أمان لتحصيل تلك الأَمْوَالِ، والدخول له يُؤَمِّنُهُ كالدخول لِلسِّفَارَةِ، وسماع كَلاَمِ الله -تعالى- ولكن ينبغي أن يعجل في تحصيل غَرَضِهِ، ولا يُعَرِّجَ على أَمْرٍ آخر، وكذا لا ينبغي أن يكرر العود، ويستصحب في كل مَرَّةٍ بَعْضَ المَالِ، إذَا لم يتمكَّن من الاسْتِصْحَابِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فإن خَالَفَ تَعَرَّضَ للقتل والأَسْرِ.
وهذا الذي ذُكِرَ مَحْكِيٌّ عن ابن الحَدَّادِ.
وقال غيرهُ من الأصحابِ: ليس له الدُّخُولُ، وثبوتُ الأَمَانِ في المَالِ لا يُوجِبُ ثُبُوتَ الأَمَانِ في النفس.
وإنْ قُلْنَا: لا ينبغي الأَمَانُ فيما خلف، فيكون [فَيْئاً؛ لأنه] 2 مَالُ كَافِرٍ مظفور به، من غير إِيجَافِ خَيْلِ، ولاَ رِكَابٍ.
قَالَ الإمَامُ: وإنَّما يحصل الخِلاَفُ في الأموالِ المخلفةِ، بعد الْتِحَاقِهِ بدار الحرب، فأما إذ فَارَقَ الأَمْوَالَ، ولم يَلْتَحِقْ بها بعد، فالوجه بَقَاءُ الأَمَانِ في الأموالِ، ويحتمل أن يُطْرَدَ الخِلاَفُ، فإذا نَبَذَ المُسْتَأَمَنُ إلينا العَهْدَ، فلا بد من تَبْلِيغِهِ المَأْمَنَ، ولا يتعرَّض لما يَسْتَصْحِبُهُ من الأموالِ، بلا خلاف، هذا حكم ما خَلَّفَ من الأمول في حَيَاتِهِ، فإذا ماتَ هناك أو قُتِلَ، وفَرَّعْنَا على ظاهر المذهَبِ، وهو بَقَاءُ الأَمَانِ فيه في حَيَاتِهِ، فقولان: أحدهما: وقد نَصَّ عليه في "المُخْتَصَرِ" وفي "سير الوَاقِدِيِّ" واخْتَارَهُ أبو إِسْحَاقَ أَنَّهُ يَكونُ فَيْئاً؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى الوَارِثِ، ولا أَمَانَ له، وأَطْلَقَ المزنيُّ لفظ الغَنِيمَةِ عليه تَوَسُّعاً.
وأَصَحُّهُمَا: عَلَى ما ذكر في "التهذيب" وقد نَصَّ عليه في كتابِ "المُكَاتِب"، وبه قال أَحْمَدُ، واخْتَارَهُ المزني، أنَّهُ لا يَكُونُ فَيْئاً يصرف إلى وَارِثهِ، لأنَّهُ كان في أمَانٍ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، والأَمَانُ حَقٌّ لاَزِمٌ يتعلق بالمَالِ، فينتقل إلى الوَارِثِ بحقوقِه.
وعن ابن خَيْرَانَ حمل النصين على حَالَيْنِ؛ حيث قال: "يَصِيرُ فَيْئاً" أراد إذا ما عَقَدَ الأَمَانَ لنفسه، ولم يتعرض لوارثه، [وحيث قال: "يصرف إلى الوَارِث " أراد ما إذا عَقَدَ الأَمَانَ لنفسه، وبعده لوارثه] 3 فإن 4 لمْ يكُنْ لَهُ وَارِثٌ، فهو فَيْءٌ لاَ مَحَالَةَ بلا خِلاَفٍ.
وعن أبي حنيفةَ: إذا مات هناك، أو قتله حَرْبِيٌّ، يُرَدُّ المَالُ إلى ورثته وإن قَتَلَهُ مسلمٍ، فَمَا كانَ دَيْناً على الناسِ يَسْقُطُ عنهم، وما كانَ عَيْناً يَصِيرُ فَيْئاً.
ولو ماتَ المُسْتَأْمَنُ عندنا، ففي ماله طَرِيقَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ على القولين المَذْكُورَيْنِ، فيما إذا مات في دَارِ الحَرْبِ.
وَأَصَحُّهُمَا: القَطْعُ بأنَّهُ يُرَدُّ إلى وارثه؛ لأنه مات والأمان بَاقٍ في نَفْسِهِ، فكذلك في مَالِهِ، وهناك انتقض الأَمَانُ في نَفْسِهِ، فجعل المال تابعاً على قول، فإن كَانَ وَرَثَتُهُ حربيين، فَهُوَ على الخِلاَفِ؛ في أن الذِّمِّيَّ والحَرْبِيَّ هل يَتَوَارَثَان؟ ولو خرج المستأمنُ مِن المستأمن إلى دَارِ الحَرْب غَيْرَ نَاقِضٍ لِلْعَهْدِ، بل لرسالة، أو تجارة، وماتَ هناك، فهو كمَا لو مَاتَ في دَارِ الإِسْلاَمِ، ولو التحقَ بدار الحَرْبِ نَاقِضاً لِلْعَهْدِ فسبي واسترقّ، بُني الحُكْمُ عَلَى ما إذا مَاتَ.
إن قُلْنَا: إِنَّهُ إذا مَات لا يَكُونُ فَيْئاً، بل يكون للوارث وهاهنا يُوقَفُ، إن عُتِقَ فَهُوَ لَهُ، وإن مات رَقِيقاً، فعلى 1 قولين: أحدهما: أنه يُصْرَفُ إلى الوَارِثِ أيضاً، كما لو ماتَ حُرّاً.
وأَصَحُّهُمَا: أن يكون فَيْئاً؛ لأن الرَّقِيقَ لا يورث عنه، فإن قُلْنَا: إذَا مات يكون فَيْئاً، فهاهنا قَوْلاَنِ: أحدهما: أَنَّ الجَوَابَ كذلك؛ لأن زَوَالَ المِلْكِ بالرِّقِّ، كَزَوَالِهِ بالموت.
والثاني: وهو المَذْكُورُ في "الشَّامِلِ" أنه يوقف؛ لاحتمال أن يُعْتَقَ، وَيعُودَ، بخلافِ المَوْتِ، فإن عُتِقَ سُلِّمَ إليه، وإنْ ماتَ فوجهان، نقلهما القاضي ابْنُ كَجِّ.
أَحَدُهُمَا: أنَّهُ يكون لِلسَّيِّدِ.
وأقربهما: أنه فَيْءٌ.
وذَكَرَ الإِمام أن للخلاف في المسألة تَعَلُّقاً بالخلافِ في مسألةِ قَدَّمْنَاهَا في الجِرَاحِ في فصل تَغَيُّرِ الحَالِ بين الجُرْحِ والموت، وهو ما إذا جَرَحَ مُسْلِمٌ أو ذِمَّيٌّ ذِمِّيّاً بقطع يَدِهِ مثلاً، فالتحق الذِّمِّيُّ بدارِ الحرَب نَاقِضاً لِلعَهْدِ، ثم سُبِيَ واسْتُرقَّ، وسَرَتِ الجِرَاحَةُ إلى النَّفْسِ، وذَكَرْنَا هُنَاكَ قَوْلَيْنِ فيها.
أحدهما 2: أَنَّ الوَاجِبَ أَقَلُّ الأمْرَيْنِ من أَرْشِ الجِرَاحَةِ حرّاً، أو كَمَالُ قِيمَتِهِ عَبْداً.
والثاني: أنَّ الوَاجِبَ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وعن حكاية الشيخ أبي محمَّد، والقاضي الحُسَيْنِ قَوْلٌ ثالث: وهو أنَّ الواجب الأرْشُ بَالِغاً ما بلغ، ولا نَظَرَ إلى القِيمَةِ، وقد تَوَجَّهُ ذلكَ بأن صَيرُورَتَهُ مُهْدَراً بعد الجِرَاحَةِ، مع اعْتِبَارِ المالِ يوجب تجريد النَّظَرِ إلى حال الجِرَاحَةِ، ولذلك قيل على رأي

إذا قطع يدي إنسان ورِجْلَيْهِ، فارْتَدَّ المَجْرُوحُ، ومات، يجب أَرْشُ الجِرَاحَاتِ قال إمام الحَرَمَيْنِ: وقد ذَكَرْنَا فيما إذاً جَرَحَ مسلماً، فَارْتَدَّ، وعادَ إلى الإِسلام، ثم مَاتَ أن المَنْصُوصَ وُجُوبُ تَمَامِ الدِّيَةِ، وأنه خرج قول أنه يجب ثُلُثَا الدِّيَةِ، ويُهْدَرُ ثُلُثُهَا؛ تَوْزِيعاً على الأحوال.
وآخر أنه يجبُ نِصْفهَا تَوزِيعاً على العِصْمَةِ والإِهْدَارِ، فيجيء على التَّخْرِيجِ أن يُقَالَ هاهنا على القول الأولِ: الأقَلُّ من أَرْشِ الجراحةِ، ومن ثُلُثَي القِيمَةِ، أو نصفها، وأن يُقَال على الثاني: الوَاجِبُ ثُلُثَا القيمة، أو نِصْفُهَا، ثم قال: إن قُلْنَا: إن الوَاجِبَ أقلُّ الأَمْرَيْنِ.
فالنَّصُّ أنَّهُ مَصْرُوفٌ إلى وَرَثَتِهِ المستحق، وإن قُلْنَا: إِنَّ الوَاجِبَ القيمةُ، فَقَدْرُ الأَرْشِ مَصْرُوفٌ إليهم، فإن زادَ شَيْءٌ، فالزِّيَادَةُ للسيدِ والنَّصُّ في أموالِ من نَقَضَ العَهْدَ، واسترقّ، وماتَ رَقِيقاً أن تلك الأَمْوَالَ فَيْءٌ.
وقال الأصحابُ: في [المَسْأَلَتَيْنِ] 1 قَولاَن؛ بالنقل والتخريج: أحدهما: أن الأَرْشَ في مسألة الجِرَاحَةِ والأموالِ المُودَعَةِ هاهنا فَيْءٌ؛ لأنَّها أَمْوَالٌ مُتَلَقَّاةٌ من كافرٍ بلا قِتَالٍ، ولا يمكنُ تَقْدِيرُ [الميراث] 2؛ لأنَّ الرَّقِيقَ لا يُورث، والتَّوْرِيثُ في حال الحَيَاةِ لا سَبِيلَ إليه.
والثاني: أنَّها تُصْرَفُ إلى الوَرَثَةِ؛ لأنَّ الأَمَانَ بَاقٍ فيها، وإذا لم ينحل الأَمَانُ لم يُمْكِنْ صَرْفُ المال إلى جِهَةِ الفَيْءِ، وأخص الناس به وَرَثَتُهُ، وإِذَا قيل به، فكيفَ سَبِيلهُ؟ فيه تَرَدُّدٌ للإمام، ويجوزُ أن يُقَالَ: يصرف إليهم إِرْثاً، وامْتِنَاعُ التوريثِ في الرقيق حكم شرعاً، والكُفَّارُ لا يَتَعَبَّدُونَ بِتَفَاصِيلِ الشَّرْعِ.
ويجوزُ أنْ يُقَالَ: لا يُصْرَفُ إليهم إِرْثاً، ولكنَّهم أخصّ به، كما تَقُولُ فيمن بعضُه حرٌّ، وبعضه رَقِيقٌ، يصرف ما اكتسبَهُ ببعضِ الحُرِّ إلى مالك الرَّقِيقِ في بعضهِ؛ لأنَّهُ أَخَصُّ به.
وإذَا قيل بالتوريثِ، فيورثون إذا مات، أو يستند اسْتِحْقَاق الوَرَثَةِ إلى ما قبل جَرَيَانِ الرق؟ ذكَر فيه احتمالَيْنِ، وإذا قُلْنَا بالصَّرْفِ إلى الوَرَثَةِ، فلهم دُخُولُ دَارِ الإِسلام لِطَلَب ذلك المَالِ، وإنْ لمْ يعقد له أَمَانٌ، ويجيء فيه الوَجْهُ الذي ذَكَرْنَاهُ في صاحبِ المَالِ.
وأما لَفْظُ الكتاب؛ فقوله: "فيما خَلَّفه عندنا من وَدِيعَة ودَيْنٍ، فيهِ أربعةُ أوجه" جمع فيها بين الخِلاَفِ المذكور في حالة حَيَاتِهِ، والخِلاَف بعد مَوْتِهِ.
وقَوْلُهُ: "أحدهما: أنَّهُ فَيْءٌ" وهو الوجهُ الذَّاهِبُ إلى بُطْلاَنِ أَمَانِ المالِ [في

الحال] 1 كبُطْلاَنِهِ في [النفس] 2. وقولُهُ: "والثاني: أنَّهُ في أَمَانِهِ إلى أن يَمُوتَ، فإن ماتَ فَهُوَ فَيْءٌ" هو القول.
بِبَقَاءِ الأَمَانِ في الحالِ، وصَيْرُورَتِهِ فيئاً، إذَا مَاتَ.
وقوله الثالث: "أنَّه في أَمَانِهِ، فإن مَاتَ فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ" فَهُوَ الَّذِي ذكرنا أنَّهُ الأَظْهَرُ، ويجوز أن يُعَلَّمَ ما سواه بالألف، وأن يُعَلَّمَ قولُة: "أربعة أوجه" بالواو لنفي بَعْضِهِمُ الخلاف على ما بَيَّنَّا.
وقولُهُ: "والرق كالموت" ليعلّم بالواو: ولما ذكرنَا من الخِلاَف في كيفية بِنَاءِ الرِّقِّ على المَوْتِ.
وقوله: "وفيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ" أَشَارَ به إلى التَّخْرِيج في مَسْأَلَةِ الجِرَاحَةِ على ما حكينا 3 عن الإِمَامِ.
وقوله: "يؤمنه" يجوز أنْ يعلّم بالواو.
"فرع" دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الحَرْب بأمَانٍ، فاسْتَقرَضَ منهم شَيْئًا، أو سَرَقَ، وَعَادَ إلى دَارِ الإسْلاَم [ثم دخل صاحب المال دار الإِسلام] 4 بأمَانٍ، فعلى المسلِم رَدُّ مَا اسْتَقْرَضَ، أو سَرَقَ؛ لأنَّهُ لَيْسَ له التَّعَرُّضُ لِمَالِهِمْ، إذَا دَخَلَ بِأمَانٍ.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): إِذَا حَاصَرْنَا أَهْلَ قَلْعَةٍ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ صَحَّ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ عَاقِلاً عَدْلاً بَصِيراً بِمَصَالِحِ القِتَالِ ثُمَّ يُنفَّذُ حُكْمُهُ عَلَى الإِمَامِ وَلَيْسَ لِلإِمَامِ أَنْ يَقْضِيَ بِمَا فَوْقَهُ وَلَهُ أنْ يَقْضِيَ بمَا دُونَهُ فَإنْ قَضَى بِغَيْرِ القِتَالِ فَلَيْسَ لِلإِمَامِ القَتْلُ وِإِنْ قَضَى بِالقَتْلِ فَهَلْ لَهُ الاَسْتِرْقَاقُ وَفِيهِ ذُلٌّ مُؤَبَّدٌ؟ فيهِ وَجْهَانِ وَلَوْ حَكَمَ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ فهَلْ يُجْبَرُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ عَقْدُ مُرَاضَاةٍ؟ فيهِ وَجْهَانِ فَإنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُمْ فَمَنْعُهُمْ كَمَنْعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الجِزْيَةَ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا حَاصَرْنَا قَلْعَةً، أو بَلْدَةً، فنزلُوا على حُكْمْ الإمَام، جازَ، وكذَا لو نَزَلُوا على حُكْمِ غَيْرِهِ؛ لأنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ نَزَلُوا على حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -رضي الله عنه- وشرطه أنْ يَكُونَ ذلك العَبْدُ مُسْلِماً ذَكَراً حُرّاً مُكَلَّفاً عَدْلاً؛ لأنَّهُ ولايةٌ وحُكْمٌ كالقَضَاءِ.
نعم يجوزُ أنْ يَكُونَ أَعْمَى، لأَنَّ المَقْصُودَ هاهنا الرَّأْيُ، ويمكنه أن يبحث، ويعرف ما فيه الصَّلاَحُ للمسلمين، فجعلَ ذلك كالشَّهَادِةِ فيما لا يَفْتَقِرُ إلى الرؤية، [وأطلقوا] 5 القول بأنَّهُ يُشْتَرَطُ أيضاً أن يَكُونَ عَالِماً، وربما قالوا: فَقِيهاً، وربما قالوا: مُجْتَهِداً.

قال الإِمام: ولا أظنهم شَرَطُوا أوْصَافَ الاجْتِهَادِ المعتبرة في المُفْتي، ولعلهم عَنَوْا التهدِّي إلى طَلَب الصَّلاحَ، وما فيه النظر للمسلمين وهو قَوْلهُ في الكتاب: "بصيراً بِمَصَالحِ القِتَالِ"، ويكره أن يكون الحكم حسنَ الرأي في الكُفَّارِ.
ويجوز أن ينزلوا إلى حُكم اثْنَيْنِ، أو على حكم من يَخْتَارُهُ الإِمام، أو من يَتَّفِقُونَ عليه مع الإِمام؛ لأنَّ الإِمام لا يَرْضَى إلاَّ من يصلح للحُكمِ، ولا يجوزُ أن يَنْزِلُوا على حُكْمِ من يَخْتَارُونَهُ، إلاَّ إذا وَقَعَ التَّعرضُ لِلصِّفَاتِ المشروطة، ولو اسْتَنْزَلَهُمْ على أن يحكم فيهم بكتاب الله -تعالى- كُرهَ ذلك؛ لأنَّ هذَا الحُكْمَ ليس مَنْصُوصاً عليه في كتاب الله- تعَالَى- فيحصل منه 1 اخْتِلاَفٌ واضطرابٌ، هكذا ذَكَرَهُ الرُّوَيانِيُّ في "البحَر"، وذكر صاحبُ "التهذيب": أنَّه لو اسْتَنْزَلَهُمْ على أن ما يقضي الله تعالى فيهم يُنَفِّذُهُ لم يجز؛ لأنَّهُمْ لا يعرفُون حُكْمَ اللهِ تَعَالى.
ورُوِي عن بُرَيْدَةَ -رضي الله عنه- أنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَإِنْ حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فأرادوك أن تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْم اللهِ -تَعَالَى- فَلاَ تُنْزلْهُمْ عَلَى حُكْم اللهِ -تَعَالَى- ولكن أَنْزِلهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَم لاَ 2؟ ". وإذا نَزَلُوا على حكم اثنين، فينبغي أن يَتَّفِقَا في الحُكْم، فإنْ اخْتَلَفَا لم ينفذ، إلا أن تَتَّفِقَ الطَّائِفَتَانِ على حُكْم واحدٍ، وإن مات أحدهُما، أو نزلوا على حكم [واحد، فمات قبل أن يحكم، أو نَزَلُوا على حُكْمَ] 3 من لا يجوز حكمه ردوا إلى القلعة إلى أن يرضوا بحكم حَاكِمٍ في الحال.
ولا يَجُوزُ للحاكمِ أن يَحْكُمَ إلا بما فيه الحظّ للمسلمين من القَتْلِ والاسْتِرْقَاقِ والسَّبْي والمنّ والفداء.
وحكَى الروياني وَجْهاً: أنَّهُ لا يَجُوز أن يحكم بالمَنِّ على جَمِيعِهِمْ، واستغربه.
ولو حَكَمَ بما يُخَالِفُ الشَّرْعَ كقتل النِّسَاءِ والذَّرَارِي لم ينفذ، ولو حَكَمَ بقتل المُقَاتلة، وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ، وأَخْذِ الأموالِ جاز، وكذلك فَعَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -رضي الله عنه-.
وتكونُ أموالُهُم غَنيمَةٌ؛ لأنَّهَا مَأْخُوذَةٌ بالقَهْرِ.
وإن حَكَمَ باسترقاقِ من أَسْلَمَ منهم، وقتل من أَقَامَ منهم على الكُفْرِ، أو باسترقاقِ من أَسْلَمَ، ومن أقام على الكفر جاز، ويُنَفَّذُ حُكْم الحَاكِمِ على الإمَام، حتى لا يجوز أن يزيد على حُكْمِهِ في التشديد، ويَجُوزُ أن ينقص ويسامح، وإذاَ حَكَمَ بغير القَتْلِ لم

يَجُز له القَتْلُ، وإن حكم بالقَتْلِ، فله أن يَمُنَّ عليهم؛ لأن سعداً حَكَم بقَتْل الرجال، فاسْتَوْهَبَ ثابتُ بن قيس الزُّبَيْرَ بن باطا من رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فوهبه منه 1، وله الاسْتِرْقَاقُ إن شاءَ في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّهُ دون القَتْل أيضاً.
ولا يجوزُ في الثاني؛ لأنَّه [يَتَضَمَّنُ ذُلاًّ مُؤَبَّداً] 2، وقد يختار الإنسان القَتْلَ عليه، وهذا ما اخْتَارَهُ الصَّيْدَلاَنِيُّ، وبه أجاب صاحبُ "التهذيب" وغيرُهُ تَعْليلاً بأنَّه لم ينزل على هَذَا الشرطِ.
وإن حُكِمَ بالاسترقاقِ لمْ يَجُزِ المَنُّ إلاَّ برضا الغانمين؛ لأنَّهُ صَارَ مَالاً لهم، وإن حُكِمَ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ، فهل يجبرون عليه؟ فيه وَجْهَان.
أحدهما: لا؛ لأنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فيعتبر فيه التَّرَاضِي، وهذا كما أنَ الأسِيرَ لا يجبر على قَبُولِ الجِزْيَةِ.
والثاني: نَعَم، والمَيْلُ إليه أكْثَرُ؛ لأنَّهُمْ رَضُواِ بحكمه أولاً بخلاف الأسير؛ لأنَّهُ لم يَرْضَ بحكم الإِمام.
فإن قُلنا: لا يجبرون عليه، بَلَغُوا المَأْمَنَ، ولم يتعرض لهم، وإن قلنا: يجبرون، وامتنعوا فَهُمْ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ، إذَا امتنعُوا من بَذْلِ الجِزْيَة، قبل 3 قبولها، وقد يقال إنهم يغتالونُ على ما سيأتي.
إن شاء الله تعالى، وأُجُرِيَ الوجهان في ما إذا حكم بالمُفَاداة أيضاً.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَكمَ بالإِرْقَاقِ فَأَسْلَمَ وَاحِدٌ قَبْلَ الإِرْقَاقِ فَفِي جَوَازِ إرْقَاقِهِ وَجْهَانِ وَكذَا الخِلاَفُ فِي كُلِّ كَافِرٍ لاَ يُرَقُّ بِنَفْسِ الأَسْرِ إذَا أسْلَمَ قَبْلَ الإِرْقَاقِ وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يُسَلَّمَ إلَيْهِ مِائَةُ نَفَرْ فَعَدَّ مِائَةً قَتَلْنَاهُ لأنَّهُ وَرَاءَ المِائَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: هذه البقية تشتمل على ثَلاثِ صور: إحداها: من أَسْلَمَ منهم قَبْلَ الحُكْم عليه، حُقِنَ دَمُهُ وَمَالُهُ، ولم يجز إسترقاقُهُ، بخلاف الأَسِير يسلم؛ لأنَّهُ صار في قَبْضَةِ الإمام، وثبت بالسَّبْي حَقُّ الاسترقاق فيه، ومن أسلَمَ بَعْدَ الحُكُمِ بالقَتْلِ، امتنع قَتْلُهُ، فإن كَان قد حُكِمَ بقتل الرِّجَالِ، وسَبْي النِّسَاء والذرية، لم يندفع بإسلامِ الرجالِ إلا قَتْلهُمْ.
وهل يجوزُ اسْتِرقَاق المَحْكُوم بقتله إذا أسْلَمَ.
نقل الروياني وغَيْرُهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لأنهُم ما نزلوا على هذا الشَّرْطِ، فيطلقهم، ولا يُفَادِيهِمْ بِالمَالِ، ويجيء على تجويز اسْتِرقَاقِه لو لم يسلم؛ أن يجوز استرقاقه بعد

الإسلام أيضاً وإذا حكم بالإرقاق فأسلم المَحْكُومُ عليه قبل الإِرْقَاقِ، ففي "الوَسِيطِ " بناؤه على أنَّ الرِّقَّ هو فوق القتل؟ إن قُلنَا: لا، جَاز إِرْقَاقُهُ، كما قبل الإِسلام.
وإن قلنا: نعم، لم يجز والأشبه الجَوَازُ؛ لأنَّهم نَزَلُوا على حكمِهِ، وقد حُكِمَ بالإرقاق والإسلام لا يمنع الإرقاق الذي كان جائزاً 1، كما سيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى.

الثانية: إذا أَسْلَمَ واحدٌ من رجالِ الكُفارِ الأحرار المكلفين، بعدما وقع في الأَسْرِ وقبل أن يَرَى الإِمَامُ فيه رَأْيَهُ حُرِّمَ قَتْلُهُ.
فأما الاستِرْقَاقُ، فقد قال في "المختصر" وفي "السير": فإن أَسْلَمُوا بَعْدَ الأَسْرِ رُقُّوا.
= وأن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس وألا يكلفه من العمل فوق طاقته، وغير ذلك مما يضمن للرقيق رفاهة العيش وسعادة الحياة كإنسان قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ إلى قوله تعالى؛ ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وجاء في الحديث الشريف:"مَن لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ عتقه، ويروى عن واصل الأحدب، قال سمعت المعرور بن سويد قال لقيت أبا ذر الغفاري بالربذة وعليه حلة وعلى غلام حلة فسألته عن ذلك فقال إني سبيت رجلاً فعيرته بأمه فشكاني إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال لي النبي يا أبَا ذَرٍّ أعَيَّرْتَهُ بأمِّهِ إنَّكَ امْرؤُ فِيْكَ جَاهليَّةٌ إخْوَانُكُمْ خِوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللهُ تَحْتَ أيْديْكم فَمَنْ كان أَخُوهُ تَحْتَ يده فَلْيُطْعمه مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيْلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ولا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبْهُمْ فإن كلفتموهم فأعينوهم -وروي عن علي كرم الله وجهه أنه أعطى غلامه دراهم ليشتري بها ثوبين متضادتي القيمة فلما أحضرهما أعطاه أرقهما نسيجاً واعلاهما قيمة، وحفظ لنفسه الآخر وقال له أنت أحق مني بأجودهما لأنك شاب وتميل نفسك للتجمل أمَّا أنا فقد كبرت- وقال -صلى الله عليه وسلم- "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف" قال عبد الله بن عمر: "جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله كَمْ نَعْفُوْ عَنِ الْخَادم "يريد الْمَمْلُوْكِ" فصمَتَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: اعْفُوْا عن الْخَادم كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِيْنَ مَرَّةٍ -وعن ابي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً على دابته وغلامه يسعى خلفه فقال يا عبد الله احمله خلفك فإنما هو أخوك روحه مِثْلُ رَوْحِكَ فَحَمَلَهُ، وروي عن بن عباس أن أحد الموالي خطب إلى جماعة، من بني بياضة وأشار عليهم الرسول بترويجه فقالوا له يا رسول الله أنزوج بناتنا موالينا فنزل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يقولَ السَّيِّد لمَمْلُوكِهِ عَبْدِيْ فَقَالَ: "لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِيْ أمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَاي فتاتي غلامي".
وقال الغزالي في باب حقوق المملوك: "فَأَمَّا مِلْك اليمين فهو يقتضي حقوقاً في المعاشرة لا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا فَقَد كان آخر ما أوصى به الرسول -صلى الله عليه وسلم- "اتقوا الله فيما ملكت ايمانكم أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون فما أحببتم فأمسكوا وما كرهتم فبيعوا ولا تعذبوا خلق الله فإن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم".
وجاء في هذا الصدد كثير من الآيات التي تدل على مبلغ عناية الشريعة الإسلامية بالرقيق، ومعاملة مما لم يجيء بمثله دين سماوي أو تشريع وضعي، ومنه يؤخذ أن معاملة الأسرى في الإسلام كانت معاملة رفق ورحمة، وإن ما يتقوله خصومه عليه من هذه الناحية ناشيء إما عن جهالة عمياء بقواعد الإسلام وأصوله أو عن بغض كامن في نفوسهم لهذا الدين الحنيف.
فإن المدنية الحديثة التي يطنطنون بمفاخرها وإن كانت قد تورعت عن رق الأفراد، وعدت ذلك وحشية وهمجية لا تتفق مع الإنسانية، فإنها استساغت رق الشعوب، والأمم، وعاملتهم بمنتهى القسوة والفظاعة وصادرتهم في حرياتهم وأموالهم، وتصرفت في عقائدهم، ودياناتهم وفرضت عليهم قوانينها وأحكامها فرضاً ثم أخذت تطعن على الإسلام لأنه أقر رق الأفراد "سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم".

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ)

قال الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي طَرَفَيْنِ: (الأَوَّلُ) في سَبَبِ حَلِّ الذَّبِيحَةِ وَلِلذَّبْحِ أَرْبَعَةُ أَرْكَان (الأَوَّلُ): الذَّابِحُ وَهُوَ كُلُّ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ عَاقِلٍ وَلاَ تَحِلُّ ذَبِيحَةُ المَجُوسِيِّ وَالوَثَنِيِّ أَمَّا المُتَوَلِّدُ بَيْنَ الكِتَابِيِّ وَالمَجُوسِيِّ فَقَولاَنِ: أَحَدُهُمَا التَّحْرِيمُ وَالآخَرُ النَّظَرُ إِلَى الأَبِ وَتَحِلُّ ذَبِيحَةُ الأَمَةِ الكتَابِيَّةِ وَلَوِ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فِي الذَّبْحِ حُرِّمَ وَكذَا لَوْ أَرْسَلاَ سَهْمَينِ أَو كَلْبَيْنِ إِلَى الصَّيْدِ وَلَوْ سَبَقَ أحَدُهُمَا وَصَيَّرَهُ إِلَى حَرَكَةِ المَذْبُوحِ فَالحُكْمُ لَهُ وَلَوْ رَدَّ كَلْبُ المَجُوسِيِّ الصَّيْدَ عَلَى كَلْبِ المُسْلِمِ فَافْتَرَسَه حَلَّ وَلَوْ أَثْخَنَهُ كَلْبُ المُسْلِمِ فَأَدْرَكَهُ كَلْبُ المَجُوسِيِّ وَقَتَلَهُ فَهُوَ مَيتَةٌ وَيَضْمَنُه المَجُوسِيُّ لِلْمُسْلِمِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الكتابُ والسُّنَّةُ نَاطِقَانِ بِمَقْصُودِ الكتاب.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ [المائدة: 4] وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لِعَدِيِّ بن حَاتِمٍ: "إِذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ، فَكُلْ" 1. ولها نَظَائِرُ في خلال المَسَائِلِ، وهي مُتَأيِّدةَ بالإِجْمَاعِ، والكتاب مترجم بـ"الصيد والذبائح" 2؛ لأنَّ الحَيَوَانَ المَأْكُولَ يصيرُ مِلْكاً بطريَقين:

أحدهما: الذَّبْحُ في الحَلْقِ واللِّبَّةِ 1، وذلك في الحيوان المَقْدُورِ عليه.
والثاني: العَقْرُ المُزْهِقُ في أي موضع كَانَ، وذلك في غير المَقْدُورِ عليه 2، والأَغْلَبُ في هذا القِسْمِ عَقْرُ الحيوان الوَحْشِيِّ بآلةِ الاصْطِيادِ، ويلحق به الحَيَوَانُ المُتَرَدِّي في البِئْرِ ونحوه.
وفي الكتاب بَيَانُ الطريقين، ثم العَقْرُ المُزْهِقُ في الوَحْشِيِّ يَقَعُ عليها اسْمُ الاصْطِيَادِ، ولكنه لا يَخْتَصُّ به، بل يقع على ما هو أَهَمُّ منه، وهو إِثْبَاتُ اليَدِ عليه، وإبْطَالُ امتناعه، وكل واحد من الذَّبْح ومطلق العَقْرِ يفيد الحِلَّ بشرائط، [والاصطياد بالمعنى العام يفيد المِلْكَ بشرائطه،] 3 ومضمون الفصل: بَيَانُ ما يعتبر في الحُكْمَيْنِ، فرتبه صَاحِبُ الكتابِ على طرفين: أحدهما: فيما يفيد الحِلَّ.
والثاني: فيما يفيد المِلْكَ.
أمَّا الأول: فقد قال: وللذَّبْحِ أربعة أَرْكَانٍ، وعَقْرُ الصَّيْدِ كالذَّبْحِ في تَعَلُّقِهِ بهذه الأركان، ولذلك أَدْرَجَ مسائله فيها، وجَعَلَ في "الوسيط " الذَّبْحَ شَامِلاً للنوعين، فقال: كُلُّ مسلم، أو كتابي عَاقِلٌ بالغ، يصير أَهْلاً للذبح بيده، وبجوارح الصَّيْدِ، وهذا كما أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- جعل الذَّكَاةَ شَامِلَةٌ لِلنَّوْعَيْنِ، فقال: وللذَّكَاةِ وجهان، وذكر الطريقين في المَقْدُورِ عليه، والممتنع.
الركن الأول: الذَّابحُ، واعتبر فيه وَصْفَيْنِ.
أحدهما: أن يكون مُسْلِماً، أو كتابياً ولا يَحِلُّ ذَبِيحَةُ المَجُوسِيِّ والوَثَنِيِّ = المصنف رحمه الله: هذا الباب في المنهاج بعد كتاب الجزيةكما في المحرّر، وأكثر الأصحاب في هذا الكتاب وما يعد هنا وفاقاً للمزني، وخالف المصنف هنا فذكر آخر ربع العبادات تبعاً لطائفة من الأصحاب، وقال وهو الأنسب وقال ابن قاسم ولعل وجه الإنسبية أن طلب الحلال فرض عين.

والمُرْتَدِّ 1، وغَيْرِ أَهْلِ الكتاب من الكُفَّارِ، وَيحِلُّ ذَبِيحَةُ الكتابي على ما قَالَ تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:5] ولا فَرْقَ بين ما يَسْتَحِلُّونَهُ وبين غيرِهِ.
وعن مالك: أنه لا يَحلُّ من ذَبَائِحهم ما لا يَستَحِلُّونَهُ كالإِبِلِ، والقَوْلُ فيما يُعْتبر في الكتابي لتحل ذَبِيحَتُهُ على ما مَرَّ في جَوَازِ المُنَاكَحَةِ، وفي التقرير بالجِزْيَةِ، وفي المُتَوَلِّدِ بين الكافر والمَجُوسِيِّ قولان، كالقولين في جَوَازِ مُنَاكَحَتِهِ، وقد ذكرنَا حال القولين في "كتاب النِّكَاح"، وفي جواز المُنَاكَحَةِ، وحِلِّ الذبيحة يجريان مَجْرَى وَاحِدٍ لا يفترقان، [إلا أن الأمة الكتابية تحلُّ ذبيحتها، ولا تحل مُنَاكَحَتُهَا، والفرق أن لكل] 2 وَاحدٍ من الرِّقِّ والكُفْر أثرًا في المَنْعِ من النكاحِ، فإذا انْضَمَّ أَحَدُهما إلى الآخر، جاز أنْ يَتَقَوَّى المانع ويزداد الامْتِنَاعُ، ولاَ أَثَر للرِّقِّ في الذَّبِيحَةِ، وحَكَى الإِمَامُ تَفْرِيعاً على إلحاق هذا المُتَوَلِّدِ بالَوَثَنِيِّ وجهين فيما إذا بَلَغَ وَدَانَ بدِينِ أَهْلِ الكتاب، هل يُحكَمُ له يُحْكَمُ أَهْلِ الكتابِ؟ والأصحُ؛ المَنْعُ، ويجوزُ أن يُعَلَّمَ من لفظ الكتاب.
قولُهُ: "التحريم"، وقوْلُهُ: "النظر إلى الأب" كلاهما بالحَاءِ عند أبي حنيفة، يحلُّ ذَبِيحَةُ المُتَوَلِّدِ، سواء كانَ أبوه كتَابيّاً، أو أَمَّهُ كَتَابِيَّةً.
ولو اصْطَادَ مَجُوسِيٌّ سَمَكَةً، فهي حلالٌ؛ لأنَّهُ لا اعْتِبَار بِفِعْلِهِ، ومَيْتَةُ هذا الحَيَوَانِ حَلاَلٌ.
وكما تحرم ذَبِيحَةُ المَجُوسِيِّ، ومن في معناه يُحَرَّمُ ما قَتَلَهُ من الصُّيُودِ بالرَّمْيِ، وإرْسَالِ الكَلْبِ، وكما يُحَرَّمُ ما انْفَرَدَ المَجُوسِيُّ بذَبْحِهِ واصْطِيَادِهِ، يُحَرَّمُ ما اشترك فيه المُسْلِمُ والمَجُوسِيُّ تَغْلِيباً للحريم، فلو أمَرَّ السَّكينَ على حَلْقِ الشَّاةِ، أو قطع هذا بعض الحُلْقُومِ، وهذا بَعْضُهُ فهو حَرَامٌ.
وكذا لو رَمَيَا سَهْماً إلى الصَّيْدِ، أو أرْسَلاَ كَلْباً، فقَتَلَهُ.
ولو رَمَيَا سَهمَينِ، أو أَرْسَلاَ كَلْبَيْنِ، نُظِرَ إن سَبَقَ سَهْمُ المسلمِ، أو كَلْبُهُ، فَقَتَلَ الصَّيْدَ أو أَنْهَاهُ إلى حَرَكَةِ المَذْبُوحِ، فهو حَلاَلٌ، ولا يَقْدَحُ فيها ما وُجِدَ من المَجُوسِيِّ، كما لو ذَبَحَ مُسْلِمُ شَاةً، ثم قَدَّهَا المَجُوسِيُّ بنصفين، ولو كَانَ الأَمر بالعكس، فهو حَرَامٌ وكذا لو جَرَحَاهُ معاً أو على ترتيب، ولم يُذفِّفْ واحدٌ منهما، وهَلَكَ بهما.
وفي "البحر" أَنَّهُمَا مهما اشْتَرَكَا في إِمْسَاكِهِ وعَقْرِهِ، أو في أحد الأمرين، وانفرد الآخرُ بالثاني، أو انفرد أَحَدُهُمَا بأحدهما، والآخرُ بالآخرِ، فالحكم التَّحْرِيمُ.

وأما إذا أَمْسَكَهُ كَلْبُ المُسْلِمِ وعَقَرَهُ كَلْبُ المَجُوسِيِّ، فظاهر، وأمَّا العكس فأنَّهُ إذا أَمْسَكَه كَلْبُ المَجُوسِيِّ، صار مقدوراً على ذَكَاتِهِ، فلا يحلُّ بأنْ يَقْتُلَهُ كَلْبُ المسلم 1. ولو لم يُعْلَمْ أَقَتَلَهُ كَلْبُ المسلمِ، أو كلب المجوسي فهو حَرَامٌ.
ولو كَانَ للمسلم كَلْبَانِ؛ مُعَلَّمٌ وغيرُ مُعَلَّم، فقتلا صَيْداً، فهو [كم لو اشترك كلب] 2 المسلمِ والمَجُوسِيِّ، وكذا لو كانا مُعَلِّمَيْنِ، وأُرْسِلَ أحَدُهُمَا بلا إِرْسَالٍ.
ولو هَرَب الصَّيْدُ من كلب المسلم، فَعَارَضَهُ كَلْبُ المَجُوسِيِّ، ورَدَّ عليه، فَقَتَلَهُ كَلْبُ المسلِم، حَلَّ، كَمَا لو ذَبَحَ مُسْلِمٌ شَاةً، أَمْسَكَهَا مَجُوسِيٌّ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أنَّهُ يُحَرَّمُ، كما لو أَمْسَكَهُ.
وإذا جرح المسلمُ أَوَّلاً ثم قتله المَجُوسِيُّ، أو جرحه جُرْحاً، غَيرَ مُذَفَّفٍ، وماتَ بالجُرْحَيْنِ، حَرُمَ الصيد على ما بَيَّنَّا.
فلو كانَ المُسْلِمُ قد أَثْخَنَهُ بِجِرَاحَةٍ، فقد صار مَالِكاً لَهُ على ما سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
ويجبُ على المَجُوسِيِّ الضَّمَانُ؛ لأنَّهُ أَفْسَدَ مِلْكَهُ عليه؛ إذ جعله مَيْتَةً، وكل ما اصْطَادَهُ المسلمُ بكلبِ المجوسي كما لو ذُبحَ بِسِكِّينِهِ 3. قال الغَزَالِيُّ: وَلاَ تَحِلُّ ذَبِيحَةُ المَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ وَتَحِلُّ ذَبِيحَةُ الصَّبِيِّ المُمَيَّزِ وَالأَعْمَى وَفِي اصْطِيَادِهِ بِالرَّمْيِ وَالكَلْبِ وَجْهَانِ، إِذْ لاَ يُمْكِنُهُ قَصْدُ عَيْنِ الصَّيْدِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الوصف الثاني: أنْ يَكُونَ عَاقِلاً، ففي ذَبِيحَةِ المَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الذي لا يُمَيِّزُ والسَّكْرَانِ قولاَن.
أَحَدُهُمَا: يَحِلُّ 4، كما لو قطع حُلْقُومَ شَاةٍ، وهو يَحْسَبُهُ شَيْئاً آخر لَيِّناً، ولأنَّ لهم قَصْداً وَإِرادةً في الجملة.
والثاني: المَنْعُ، وبه قَالَ أَبُو حنِيفَةَ؛ لِأَنَّ قُصُودَهُمْ فَاسِدَةٌ، فأشبه ما إذا كانت في يَدِ النائم سِكينٌ، فانْفَلَتَتْ 5، وقَطَعَتْ حُلْقُومَ شاةٍ، وهذا أَظْهَرُ عند الإِمَامِ، وصاحب

الكِتابِ، وجماعةٍ، وبالأول أجابَ الشَّيْخُ أبُو حَامِدٍ في خِلاَلِ الاحْتِجَاجِ في مَسْأَلَةٍ أخرى، وكذلك فعل صاحبُ "المُهَذّبِ" 1. وقال في "التهذيب" بعد حِكَايَةِ القَوْلَيْنِ: فإن كانَ لِلْمَجْنُونِ أَدْنَى تَمْيِيزٍ وَللسَّكْرَانِ قَصْدٌ، حَلَّتِ الذَّبيحَةُ وينبغي أنْ يُرَتَّبَ السَّكْرَانُ على المَجْنُونِ، ويبنى أَمْرُهُ على الخلاف المشهور؛ في أَنَّ السَّكْرَانَ كالصَّاحِي، أو كالمَجْنُونِ، وأَما الصَّبِيُّ الممييز فتحلُّ ذَبيحَتُهُ لِصِحَّةِ قَصْدِهِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، وربما شبه الخِلاَفُ بالخلافِ؛ في أنَّ الصَّبِيَّ هل لهَ عَمَلٌ؟ والظَّاهِرُ في حقه الحِلُّ بالاتفاق.
وتَحِلُّ ذَبِيحَةُ الأَعْمَى، وتكرهُ ذَكَاتُهُ؛ لأَنَّهُ قد يُخْطِئُ المَذْبَحُ، وفي اصْطِيَادِهِ بالرَّمْيِ والكلبِ وَجْهَان: أحدهُمَا: أنَّهُ يعتبر ويَحلُّ الصيد -كما يعتبر ذَبْحُهُ، ويُحْكَى عن أبي إِسْحَاقَ المَنْعُ؛ لأنَّهُ ليس له قَصْدٌ صَحِيحٌ، فصار كما لو اسْتَرْسَلَ الكَلْبَ بنفسِهِ.
هكذا أطلق الوَجْهَيْنِ مُطْلِقُونَ، والأشبه أنَّ الخِلاَفَ مَخْصُوصٌ بما إذا دَلَّهُ بَصِيرٌ على أن بِحِذَائِهِ صَيْداً، فرمى، أو أَرْسَلَ الكَلْبَ إليه بدلالتهِ، وفيه صور صاحبُ "التهذيبِ"، ووجه الحل: أَنَّهُ فَعَلَ ما فعل بدلالةِ بَصِيرٍ، فَأشْبَهَ ما لو دَلَّهُ على القِبْلَةِ.
قال: وَالمَذْهَبُ: المَنْعُ، بخلافِ القِبْلَةِ؛ لأنَّ التَّوَجُّهِ يسقط بالأَعْذَارِ، ويجوز بِنَاءُ الأَمْرِ فيه على الاجْتِهَادِ، بخلافِ الصيدِ، وكذلك صور المُوَفَّقُ أَبُو طَاهِرٍ في "شرح الجُوَيني" لكنه أَجَابَ بالحِلِّ.
وفي "البحر" طرِيقَةٌ قاطعةٌ بالمنع 2، وهي التي أَوْرَدَهَا ابْنُ الصَّبَّاغِ، والأشهر إِثْبَاتُ الخِلاَفِ فِي اصْطِيَادِ الصبي والمجنونِ 3 بالرَّمْي بالكلب، ومنهم من خَصَّصَهُ بِإرْسَالِ الكَلْبِ، وقطَعَ الحِلَّ في رَمْي السَّهْمِ تَنْزِيلاً له مَنْزِلَةَ الذَّبْحِ بالسكين، وسيأتي مِثْلُ هذا الفَرْقِ من بَعْدُ إنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
وقد بَانَ من المسائِل المذكورة أَنَّ المُرَادَ من قوله: "أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً" التَّمْييزُ على ما فيهِ من الخلاف.
وقوله:"وتحلُّ ذَبِيحَةُ الصَّبِيِّ المميزِ، والأعمى، وفي اصطياده بالرَّمْي والكلب وَجْهَان" كذا هو في بَعْضِ النُّسَخِ، وهو المُوَافِقُ لإيراد "الوسيطِ"، وعلى هَذا فَلْيَعلَّمْ

لفظ "الصَّبِيِّ المميز" بالواو، وفي بعض النسخ "ذَبِيحَة الصَّبيِّ المُمَيِّزِ والأعمى، واصطياده بالرَّمْيِ، والكلب وَجْهَان" وهو صحيحٌ أيضاً وعلى هذا فتجعل العَلاَمَةُ على قولهِ: "ويحلُّ" ويجوزُ إعلامُ لفظِ: "الوَجْهَيْنِ" بالواو؛ لطريقةِ القَطْعِ.
"فرع" الأَخْرَسُ إن كان (1) له إِشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ، حلَّتْ ذَبِيحتُهُ، وإلاَّ فهو كالمَجْنُونِ.
قاله في "التهذيب" ولْتَكُنْ سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ على هذا القياسِ.
قاله في "التهذيب" (2). "آخر": إذا أُكْرِهَ على الذَّبْحِ فذبح، يمكن أن يقال: إن اعْتَبَرْنَا فعله، وعَلَّقْنَا به القِصَاصَ حَلَّتِ الذَّبِيحَةُ، وإن جعلناه، كالآلَةِ فكذلك؛ لأن المُكْرِهَ كأنه ذبح به، وعلى هذا فلو أُكْرِهَ على رَمْيِ السَّهْمِ إلى الصيد، فينبغي أن يكون المِلْكُ لِلْمُكْرِهِ والله أعلم.

قال الغَزَالِي

ُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي: الذَّبْحُ)

وَلاَ بُدَّ مِنَ الذَّبْحِ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ لاَ تَحِلُّ مَيتَتُهُ وَيَحِلُّ ابْتِلاعُ السَّمَكَةِ وَيتَعَيَّنُ الحَلْقُ وَاللَّبَّةُ فِي الذَّبْحِ إلاَّ فِي الصَّيْدِ وَالحَيَوَانُ الإِنْسِيُّ إِنْ تَوَحَّشَ فَهُوَ كَالصَّيْدِ وَالبَعِيرُ إِنْ تَرَدَّى فِي البِئْرِ جَازَ الطَّعْنُ فِي خَاصِرَتِهِ وَلَوْ شَرَدَ البَعِيرُ وَجَبَ الصَّبْرُ اِلَى القُدْرَةِ عَلَيْهِ إلاَّ أَنْ يُؤدِّيَ طَلَبُهُ اِلَى مَهْلَكَةٍ فَيَكُونَ كَالصَّيْدِ وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي اِلَى مَوْضِعِ لُصُوصٍ وَغُصَّابٍ فوَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الحَيَوَانُ إِمَّا غَيْرُ مَأْكُولٍ، فَذَبْحُهُ كموتهِ، وإما مَأْكُولٌ، فينقسمُ إلى ما يَحِلُّ مَيْتَتُهُ، وإلى غيره كالسَّمَكِ والجَرَادِ، فلا حاجةَ إلى ذَبْحِهِ.
والسَّمَكُ الصّغَارُ إذا شُوِيَتْ من غيرِ أن يُشَقَّ جَوْفُهَا، ويخرج ما فيها هَلْ يَحِلُّ أَكْلُهَا؟ فيه وَجُهَان: أحدهما: النجاسة خُرْئها.
والثاني: نعم؛ لِعُسْرِ تتبُّعِهَا وإخراجِها، وعلى المُسَامَحَةِ بها جَرَى الأَوَّلُونَ.
قال القاضي الرُّويَانِيُّ: وبهذا أُفْتِيَ، ورَجِيعُهَا طَاهِرٌ عندي وهو اخْتِيَارُ القَفَّالِ.
ولو وُجِدَتْ سَمَكَةٌ في جَوْفِ سَمَكَةٍ، فهي حَلاَلٌ، كما لو ماتت حَتْفَ أَنفِها، بخلاف ما إذا ابْتَلَعَتْ طَائِراً، فوجد ميتاً في جَوْفِهَا.
ولو تَقَطَّعَتِ السَّمَكَةُ في جَوْفِ الأُولَى، وتَغَيَّرَ لَوْنُهَا ففِي حِلِّهَا وجهان: أظهرهُما: المَنْعُ؛ لأنَّها صَارَتْ كالرَّجِيعِ والقَيْءِ12

ويكره ذَبْحُ السَّمَكِ، لكنَ لو كانَ كبيراً بَقَاؤُهُ، فالمُسْتَحَبْ ذَبْحُهُ إِرَاحَةً له، أو تَرْكُهُ حتى يَمُوتَ حَتْف أَنْفِهِ؟ فيه وَجْهَان مَنْقُولاَنِ عن "الحاوي"، والأَوَّلُ هو جَوَابُ الشيخ أبِي حَامِدٍ.
ولا ينبغي أن يَقْطَعَ فِلْقَةً من السَّمَكِ وهي حَيَّةٌ؛ لم فيه من التَّعْذِيب، ولو فَعَلَ ففي حِلِّهَا وَجْهَان: أحدُهمَا: المَنْعُ، ويحكى عن ابن أبي هُرَيْرَةَ، كما لو قَطَعَ عُضْواً من غَيْرِهَا، واحتجَّ له بقولهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ، فَهُوَ مَيِّتٌ" 1. وأصحُّهما: الحِلُّ؛ لأن المُبَانَ كَالمَيِّتِ، ومَيْتَةُ هذا الحيوانِ 2 حَلاَلٌ.
وهل يَحِلُّ ابْتِلاعُ السَّمَكَةِ حَيَّةً، ويذكر أنَّهُ يَنْفَعُ من بعض العِلَلِ؟ فيه وَجْهَانِ: أظهرهُمَا: وهو المَذْكُورُ في الكتابِ، وبه قال ابن القَاصِّ: نعم 3 لأنَّهُ ليس في ابْتِلاَعِهَا أَكْثَرُ من قَتْلِهَا، وأنَّهُ جائزٌ.
والثاني: لا، وبه قال الشَّيْخُ أبو حامِدٍ؛ لما فيه من التَّعْذِيبِ، وأيضاً فلما في جَوْفِها.
والثاني: مَا لا تَحِلُّ مَيْتَتُهُ، وهو إما مَقْدُورٌ عليه [أو مُتَنَفِّرٌ مُتَوحِّشٌ، فهو قسمان: الأول: المَقْدُورُ عليه] 4 ولا يَحِلُّ إلا بالذَّبْحِ في الحَلْقِ أَوِ اللَّبةِ، والكَلاَمُ فيه مُؤَخَّرٌ إلى "الضَّحَايَا" وإن كان بهذا الكتاب أَلْيَقَ، ولاَ فَرْقَ بين ما هو إِنْسِيٌّ في الأصل، وبين الوَحْشِيِّ إذا اسْتَأْنَسَ، وحَصَلَ الظَّفَرُ به.
والثاني: المُتَوَحِّشُ كالصَّيْدِ، فجميعُ أَجْزَائِهِ تُذْبَحُ ما دَامَ على تَوَحُّشِهِ، حتى إذَا رَمَى إليه سَهْماً، أو أَرْسَلَ حَاجَةً، فَأصَابَ شَيْئاً من بَدَنِهِ، وماتَ حَلَّ؛ لما رُوي عن أبي ثَعْلَبَةِ الخشنيِّ -رضي الله عنه- أنَّهُ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله لِي كِلاَبٌ مُكَلّبَةٌ 5، فَأفْتِنِي في صَيْدِهَا.
فقال: "كُلْ مَا أَمْسَكَنَ عَلَيْكَ" قلت: ذَكِيٌّ وغيرُ ذَكِيٌّ؟ قال: "ذَكِيٌّ وغَيْرُ ذَكِيٍّ" 6. والإجماعُ مُنْعَقِدٌ عليه، والحَيَوَانُ الإنْسِيُّ إذا تَوَحَّشُ، كما أنه إذا نَدَّ بعير، أو

شَرَدَتْ شَاةٌ كالصَّيْدِ يحلُّ بالرَّمْي إلى غيرِ المَذْبَحِ منه، وبِإرْسَالِ الكَلْبِ عليه؛ خلافاً لمالكِ؛ حيث قاله: لا يَحِلُّ إِلاَّ بَقطعِ الحُلْقُومِ.
واحتج أَصْحَابُنَا بما رُوِيَ أَنَّ بَعِيراً نَدَّ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فحبسَه، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأوَابِدِ الوَحْشَ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا" 1. والأَوَابِدُ: الوحشيات.
ولما رُوِيَ عن أبي العشراء الدَّارِميِّ عن أبيه؛ أنَّهُ قال: يا رسولَ اللهِ: أما تكون الذَّكَاةُ إلا في الحَلْقِ واللَّبَّةِ؟ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّكَ 2 لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذَهَا لَأَجْزَأَكَ" 3. وأَرَادَ في غير المَقْدُورِ عليه، ويروى أَنَّهُ سئل عن بعير نَادٍّ، ويروى أنه تَرَدَّى له بَعِيرٌ في بِئْرٍ، فقالَ -صلى الله عليه وسلم-: "لَوْ طَعَنْتَ فِي خَاصِرَتِهِ لَحَلَّ لَكَ" 4. وعن جابر -رضي الله عنه- أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "كُلُّ إنْسِيَّةٍ تَوَحَشَتْ، فَذَكَاتُهَا ذَكَاةُ الوَحْشِيَّةِ" 5. ولو تَرَدَّى بعيرٌ في بِئْرٍ، ولم يمكن قَطْعُ حُلْقُومِهِ، فهو كالبعيرِ النَّادِّ [في جَوَارِحِهِ، وفي إِرْسَالِ الكَلْبِ عليه وجهان: أحدهما: الجَوَاز، كما في الصَّيْدِ، والبعير النَّادِّ] 6، وهذا ما اخْتَارَهُ البَصْرِيُّونَ 7.

والثاني: المَنْعُ؛ لأنَّ الحَدِيدَ يُبَاحُ به الذَّبْحُ مع القُدرَةِ، وعَقْرُ الكلب بخلافه.
هكذا أَوْرَدَ الوَجْهَيْنِ القاضي الرّوَيانِيُّ حُكْماً وتوجيهاً، ورجح الثاني منهما، ولك أن تَتَوَقَّفَ فيه، ثم هاهنا كَلاَمانِ آخران.
أحدهما: في معنى التَّوَحُّشِ، ولا يَخْفَى أَنَّهُ لا يكفي فيه مجردُ الإِفْلاَتِ، بل إذا تَيَسَّرَ اللحوق بِعَدْوٍ، أو اسْتِعَانَةٍ بمن يستقبل البَهِيمَةَ، فَلَيْسَ ذلَك بِشُرُودٍ، ولا يَكُونُ الجُرْحُ في غيرِ المَذْبَحِ ذَبْحاً، ولو تحقق الشرودُ، وحَصَلَ العَجْزُ [عنه في الحال] 1، فالذي أَطْلَقَهُ الأصحابُ أَنَّ البَعِيرَ كالصَّيْدِ؛ لأنَّه قد يبغي الذَّبْحَ في الحال، وتَكْلِيفُهُ الصَّبْرَ إلى أنْ يَسْكُنَ، أو تحصل القدرةُ عليه يَشُقُّ.
وقال الإمامُ: الظَّاهِرُ عندي أنَّهُ لا يُلْحَقُ الصَّيْدُ بذلك؛ لألانَّهَا حَالَةٌ عَارِضَةٌ قريبة الزَّوَالِ.
نعم لو كان الصَّبْرُ والطَّلَبُ يُؤَدِّي إلى مَهْلَكَةٍ، أو مَسْبَعَةٍ، فهو حينئذٍ كالصَّيْدِ -وإن كانَ يُؤَدِّي إلى مَوْضِعِ لُصُوصِ وغُصَّابٍ مترصِّدين.
فوجهان: وكان الفرقِ أَنَّ تَصَرُّفَهُمْ وإِتْلافَهُمْ مُتَدَارَكٌ بالضَّمَانِ، وعلى طريقة الإمامِ جَرَى صاحبُ الكتاب، فَلْيُعَلَّمْ قَوْلُهُ: "وَجَبَ الصَّبْرُ إلى القدرةِ عليه" بالواو، والأَوْفَقُ لإيراد الأكثرين يُخَالِفُ ما ذكرهُ وقولُه قبل ذلك: "فهو كالصَّيْدِ" مُعَلَّمٌ بالميم، وكذلكَ قوله: (جاز الطَّعْنُ)، فإنَّ خِلاَفَ مالكِ يَشْمَلُ الصُّورَتَيْنِ.
والثاني في كيفية الجُرْحِ المفيد لِلْحِلِّ في النَّادِّ والمُتَرَدِّي وجهان: أحدهُمَا: أنَّهُ لا بد من جرح مُنَفقٍ ينزل مَنْزِلَةَ قَطْعِ الحُلْقومِ والمَرِّيءِ في الحيوان المقدورِ عليه، وجُعِلَ التَّعَرّضُ للخاصرةِ إِشَارَةً إليه، فإن الخَاصِرَةَ من المَقَاتِلِ.
والثاني: يكفي الجرْحُ المُفْضِي إلى الزُّهُوقِ كيف كَانَ؛ لما رَوَينَا من الأخبار ولفظ "الخاصرة" يُعَارِضُهُ رِوَايَةُ "الفَخِذِ"، ومَالَ الإِمام إلى الأول، وحكاه عن اختبار القَفَالِ، وبالثاني أجاب المعظم -رَحِمَهُمُ الله-.
قال الغَزَلِيُّ: وَلَوْ جَرَحَ الصَّيْدَ بسَهْم أَوْ جَرَحَهُ الكَلْبُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعدُوَ إِلَيْهِ فَإنْ بَقِيَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ذَبَحَهُ فَإنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ فحَرَامٌ وَلاَ يُعْذَرُ بَأنْ لاَ يَكُونَ مَعَهُ مُدْيَةٌ أَو سَقَطَ مِنْهُ أَو نَشَبَ فِي الغِمْدِ أَو غَصَبَ مِنْهُ وَإنَّمَا يُبَاِحُ إِذَا أَدْرَكَهُ مَيْتاً أَوْ فِي حَرَكَةِ المَذْبُوحِ وَلَوْ قَدَّ صَيْداً بِنِصْفَيْنِ فالنِّصْفَانِ حَلاَلٌ وَإِنْ أَبَانَ عُضْواً بجُرْحٍ مُذَفَّفٍ فَالعُضْوُ حَلاَلٌ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُذَفَّفاً فَذُبِحَ الصَّيْدُ أَوْ مَاتَ بجُرْحٍ مُذَفَّفٍ فَالعُضْوُ حَرَامٌ وَإِنْ مَاتَ بِذَلِكَ الجُرْحِ فوَجْهَانِ.

قال الرافعي: فيه مسألَتَانِ: إحداهُمَا: إذا أَرْسَلَ سِلاَحَهُ من سَهْمٍ وسَيْفٍ وغيرهما، أو كَلْبَهُ المُعَلَّمَ على صيدٍ، فأصابهُ ثم أدرك الصيد حَيّاً، نُظِرَ إنْ لم يَبْقَ فيه حَيَاةٌ مستقرَّةٌ بأن كان قد قُطِعَ حُلْقُومُهُ ومريئه، أو أجَافَهُ، أو خَرَقَ أمْعَاءَهُ، فيستحبُّ أنْ يُمِرَّ السِّكِّينَ على حَلْقِهِ لِيُريحَهُ، فإن لم يَفْعَل وتَرَكَهُ حتى مَاتَ فهو حَلاَلٌ كما لو ذَبَحَ شَاةً، فاضْطَرَبَتْ أو عَدَتْ، وإن بَقَيتَ فيها حياة مستقرة فَلَهُ فيهَا حَالَتَانِ: إحداهما: إذا تَعَذَّرَ ذَبْحُهُ من غير تَقْصِير من الصَّائِدِ، فهو حلال أيضاً، كما لو لم يُدْرِكْهُ حَيّاً.
والثانية: إذا لم يَتَعَذَّرْ ذَبْحُهُ، وتَرَكَهُ حتى مات، فهو حَرَامٌ، كما لو تَرَدَّى بَعِيرٌ من شَاهِقٍ، ولم يَذْبَحُهُ حتى مَاتَ، وكذا الحُكْمُ لو كَانَ التَّعَذُّرُ تَقْصِيراً من جِهَتِهِ، من قَبِيلِ الحَالَةِ الأُولَى أن يَشْتَغِلَ بأخذ الآلةِ وسَلِّ السكينِ، فَمَاتَ قبل أن يمكنه الذَّبْحُ.
ومنه: أن يمتنعَ بما فيه من بَقِيَّةِ قُوَّةٍ، وَيَمُوتَ قبل القُدْرَةِ عليه.
ومنه: ألاَّ يَجِد من الزمانِ ما يمكن الذَّبْحُ فيه.
وعن أبي حنيفةَ: أنَّهُ لا يَحِلُّ؛ لأنَّهُ صار مَقْدُوراً عليه، فَيَتَعَلَّقُ حِلُّهُ بالذبح.
ومن قبيل الحالةِ الثانية ألاَّ يَكُونَ معه مُدْيَةٌ، وآلَةٌ يذبح بها، وإِنْ تَرَك اسْتِصْحَابَ آلةِ الذبح تقصيراً منه، وإنْ سقط وتَضَيَّعَ منه، فإنْ تَرَكَهَا مُتَقَلْقِلَةٌ [فِي الغِمْدِ] 1 تقصيراً منه، ولوَ وَجَدَهَا بعد ما ضَاعَتْ، وماتَ الصَّيْدُ في مدةِ الطَّلَبِ، فهو حَرَامٌ.
ومنه: إذا نَشبَتْ في الغِمْدِ، فإنَّ حَقَّهُ أنْ يستصحبَ الآلَةَ في غِمْدٍ يُوَاتِيهِ، وعن أبي عَلِيٍّ بن أبي هُرَيْرَةَ، وصاحبِ "الإفصاحِ" أنَّهُ يعذر ذلك، ويحل الصَّيْدُ، ويروى هذا عن مالكٍ، ويروى عنه أَيْضاً أنَّهُ يُعْذَرُ بنسيان المُدْيَةِ.
ومنه ما إذا غُصِبَتْ مُدْيَتُهُ، فَأصَحُّ الوَجْهَيْنِ، وهو المذكورُ في الكتاب أنه يحرم؛ لأَنَّهُ وَقَف على حَيَوَانٍ فيه حَيَاةٌ مستقرَّةٌ، ولم يذبحه، ولو كان هذَا عُذْراً، لكانَ عُذْراً في الحَيَوَانَاتِ الأهْلِيَّةِ.
والثاني: يحلُّ، ويُعْذَرُ بذلك، كما لو لمْ يَصِلْ إلى الصَّيْدِ لِسَبُعٍ حَائِلٍ حتى مات.
وفرق القاضي الرُّوَيانِيُّ بين الصُّورَتَيْنِ بأنْ قَالَ: غَصْبُ السِّكِّينِ عَائِدٌ إليه، ومنع [السَّبُعِ] 2 عَائِدٌ إلى الصَّيْدِ، وذكر أَنَّهُ لو اشْتَغَلَ بِطَلَبِ موضعِ الذَّبْحِ فلم يَجِدْهُ حتى

مَاتَ، فهو حَلاَلٌ؛ لأنَّهُ لا يجد بُدّاً منه، بخلافِ ما إذا اشْتَغَلَ بتحديد السِّكِّينِ، فمات؛ فإنه يَجِدُ بُدّاً منه [بتقديم التَّحْدِيدِ؛ وبخلاف ما إذا كان يُمِرُّ ظَاهِرَ السِّكِّينِ على حَلْقِهِ غَلَطاً فمات؛ لأنه خرق، وأنه] 1 لو وقع الصَّيَّدُ مُنَكَّساً، واحْتَاجَ إلى قَلْبِهِ ليقدر على ذبحه أو اشْتَغَل بِتَوْجِيهِهِ إلى القِبْلَةِ، فماتَ، فهو حَلاَلٌ، وأَنَّهُ لو شَكَّ بعد مَوْتِ الصَّيْدِ، بأنَّه هل يتمكن من ذَكَاتِهِ، فيحرم، أو لم يتمكَّن فيحلّ، ففيه قولانِ.
أصحُّهُمَا: أنَّهُ يَحِلُّ، وهل يُشْتَرَطُ العَدْوُ إلى الصَّيْدِ إذا أَصَابَهُ السَّهْمُ أو الكَلْبُ؟ فيه وجهان: أحدهُما: وهو المذكورُ في الكتاب نعم؛ لأنَّهُ المُعْتَادُ في هذه الحالةِ وعلى هذا، فلا يُكلَّفُ المُبَالَغَةَ فيه، بحيث يُقْضِي إلىَ ضَرَرٍ ظاهرٍ.
وأظهرهما: لا، بل يكتفي بالمَشْيِ، كما يكتفي به في السَّعْيِ إلى الجُمُعَةِ، وإن عرفَ التحريم بالصَّلاَةِ بِأمَارَاتِهِ، ويُحْكى هذا عن ابن أبي هُرَيْرَةَ وعلى هذا فَقَدَ قال الإِمَامُ: الوَجْهُ عِنْدِي أنَّهُ لاَ بُدَّ من الإِسْرَاعِ فيه قليلاً؛ لأنَّ المَاشِي على هَيْئَتِهِ خارج عن عَادَةِ الطَّالِبِ، والذي أورده الصَّيْدَلاَنِيُّ وصاحب "التهذيب" وغيرهُما: أنَّهُ لو كانَ يمشي على هَيْئَتِهِ، وأدركه مَيْتاً حَلَّ؛ وإن كان لو أَسْرَعَ لأَدْرَكَهُ حَيّاً وإذا قُلْنَا: يُشْتَرَطُ العَدْوُ، فلو تَرَكَهُ، ثم صَادَفَ الصَّيْدَ مَيْتاً بعد ذلك، ولم ندر أَمَاتَتْ في الزمانِ الذي يَسَعُ العَدْو أو بعده، فينبغي أن يكون على القَوْلَيْنِ فيما إذا شَكَّ في التمكُّنِ من الذَّكَاةِ.
الثانية؛ لو رَمَى إلى صَيْدٍ، فَقَدَّهُ بنصفين، فهما حلال.
وكذا لو قَطَعَهُ قِطْعَتَيْنِ مُتَفَاوِتَتَيْنِ.
وقال أبُو حنيفةَ: إنْ كانَ الرَّأْسُ في القِطْعَةِ التي هِيَ أَصْغَرُ حَلَّ الكُلُّ، وإن كانَ في القِطْعَةِ الأُخْرَى حَلَّتْ هي دُونَ الصُّغْرَى، وبه قال أحمدُ في روايةٍ.
واحتجَّ الأَصْحَابُ بالقِيَاسِ على ما سلمه ولو أَبَانَ من الصيدِ بِسَيْفٍ أو غيره عُضْواً كَيَدٍ ورِجْلٍ، نُظِرَ إنْ أبَانَهُ بِجِرَاحَةٍ مُذَفَّفَةٍ، ومَاتَ في الحال حَلَّ العُضْوُ، وباقي البَدَنِ، وإنْ لم تَكنِ الجِرَاحَة مُذَفَّفَةً، فَأَدرَكَهُ وذَبَحَهُ، أو جَرَحَهُ جُرْحاً آخَرَ مُذَففاً، فالعُضوُ حَرَامْ؛ لأنهُ أُبِينَ من حَى، وباقي البَدَنِ حَلاَلْ فإن أثبته بالجِرَاحِ الأولى، فقد صَارَ مَقْدُوراً عليه، فَيَتَعَيَّنُ الذَّبْحُ، ولا يجزي سَائرِ الجِرَاحَاتِ، وإنْ مَاتَ من تلك الجِرَاحَةِ بعد مُضِيِّ زمانٍ، ولم يتمكَّن من الذَّبْحِ، حَلَّ باقي البَدَنِ، وفي العُضْوِ وجهان: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحلُّ أَيْضاً؛ لأنَّ الجرْح السَّابِقَ كالذَّبْحِ للجملة، فَيَتْبَعُهَا العُضْوُ.

وأصحهُمَا: التحريم؛ لأنَّهُ أُبِينَ من حَيٍّ، فَأشْبَهَ ما إذا قَطَعَ أَلْيَةَ شَاةٍ، ثم ذَبَحَهَا لا تَحلُّ الألْيَةُ، واحتجَّ الإمَامُ لفساد الوجه الأول: أنا لو حَكمنَا بحلِّ العُضْوِ، فإما أنْ نَقُولَ: يحلُّ عند موت الصَّيْدِ، وكان حَرَاماً من قبل، وبعيدٌ أن [يغير الموت] (1) حَالَ العُضْوِ وإمَّا أنْ نقولَ: يحلُّ عند موت الصيد استناد الحلِّ إلى حَالَةِ الإبَانَةِ، وإحلال العُضْوِ المُبَانِ من الحَيَوَانِ الذي فيه حَيَاةٌ مستقرةٌ بَعِيدٌ أَيْضاً، وإن جَرَحَهُ جَرَاحَةً أُخُرَى، والحَالَةُ هذه، فإنْ كانَت مُذَفَّفَةً، فَالصَّيْدُ حَلاَلٌ، والعُضْوُ حَرَامٌ، وإنْ لم تكن مُذَفَّفَةَ، ومَاتَ منها، فالصَّيْدُ حَلاَلٌ أيضاً، وفي العُضْوِ وَجْهَان مُرَتَّبَانِ على الوَجْهَيْنِ فيما إذَا مات من الجِرَاحَةِ، وهذه الصُّورَةُ أوْلَى بِالتَّحْرِيمِ؛ [لأن الإِبَانَةَ لم تتجرد ذكاة للصيد] (2). وعند أبي حَنِيْفَةَ: لا يَحِلُّ العُضْوُ المُبَانُ بحال.
وقولُهُ في الكتاب: "ولو قَدَّ صَيْداً بنصفين" إن حُمِلَ النصفان على القِسْمَيْنِ والقطعتين، وهو الذي يُرَادُ في مِثْلِ هذا المَوْضِعِ غالباً، فيجوز أن يُعَلَّمَ قَوْلهُ: "فالنِّصْفَانِ حلال" بالحاء (3) والألف؛ لما مَرَّ، وإن حمل على حقيقة النصف، فلا إعلام.
وقولُهُ: "وإن ماتَ بذلك الجُرْحِ فوجهان" يعني في ذلك العُضوِ وباقي الصيد حَلاَلٌ إن لم يجعل مَقْدُوراً عليه، بالجرَح الأول، وإن صَارَ، فلا حِلَّ إِلاَّ بالذبحِ.

قال الغَزَالِي

ُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ): الآلَةُ

وَهِيَ ثَلاثَةُ أقْسَامٍ: (الأَوَّلُ) جَوَارحُ الأَسْلِحَةِ وَيَجُوزُ رَمْيُ الصَّيْدِ وَالذَّبْحُ بِجَمِيعِهِمَا إلاَّ السِّنُّ وَالظُّفُرُ فَيَحْرُمُ الذَّبْحُ بِهِ مُتَّصلاً كَانَ أَوْ مُنْفَصِلاً (ح).
قال الرَّافِعِيُّ: الرُّكْنُ معقود للكلام في الآتِ الذَّبْحِ والاصطيادِ، وبيانِ ما يعتبر فيه لِلْحِلِّ، والآلاَتُ ثَلاثةُ أَقْسَامٍ؛ لأنَّها إِمَّا جَمَادٌ، أو حَيَوَانٌ يُصْطَادُ به، والأَوَّلُ إما محدد يجرح، ويُزْهِقُ، أو غيرُهُ.
الأول المُحَدَّدَاتِ التي تجرح بحدَّتهَا من الحديد 4 كالسَّيْفِ، والسَّهْمِ، والرُّمْحِ على العادة الغالبة، أو من الرَّصَاصِ، أو النُّحَاسِ، أو الذَّهَب، أو الخَشَب المحدَّد الطَّرَفِ، أو القَصَبِ، أو الزُّجَاجِ، أو الحَجَرِ، فيجوز فَيْءُ الصَيد والذبح بجميعها إلاَّ السِّن والظُّفْر، وسائر العِظَامِ، وقد يقال: إلاَّ العظم ويجعل السِّنُّ والظُّفْرُ داخلين فيه.
واحتج لِحلَّ الذبح 5 بغيرِ الحَدِيدِ بما رُوِيَ عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ قال: قُلْتُ: يا123

رَسُولَ الله أرأيت أَحَدَنا صَاد صَيْداً، وليسَ مَعَهُ سِكِّينٌ أنذْبَحُ بالمَرْوَة 1 فقالَ: "أمْرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ تَعَالَى" 2 وأما أن السِّن والظُّفْرَ مُسْتَثْنَيَانِ، فَسَبَبُهُ ما روي عن رَافِع ابن خُدَيْجٍ، قال: قلت: يا رَسُولَ الله إنا لاَقو العَدُوِّ غَداً، وليس معنا مُدىً، فقالَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمُ وذَكَرَ اسْمَ الله عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ والظُّفْرَ وسأحدثك عنه أما السِّنُّ فَعَظْمٌ، وأما الظُّفْرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ" ولا فَرْقَ بين عَظْمِ الآدمي وغيرِه، ولا بين المُتَّصِلِ والمُنْفَصِلِ.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: يَجُوزُ الذَّبْحُ بالمنفصل.
وعند مالكٍ: يَجُوزُ الذَّبْحُ بالعَظْمِ إذا مَرَّ مَرّاً وعن حكاية الإِمام أبي سليمانَ الخَطَّابِيِّ وَجْهٌ لبعض الأصحاب أن العظم إن كان من مأكول تَجُوز الزَّكَاةُ به 3، والظاهر المَشْهُورُ الأَوَّلُ.
ولو ركَّبَ عَظْماً على سَهْمٍ، وجعلَهُ نَصْلاً له، فقتل به صَيْداً لم يحلَّ.
وعن "الحاوي " أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- قال: أَكْرَهُهُ، ولا يتبين لي أنَّهُ يحرم؛ لأنَّهُ لا يَقَعُ عليه اسْمُ سِنٍّ ولا ظُفْرٍ، والصحيحُ الأول، لأنَّهُ عظم.
وقد قال في الخبر الذي سَبَقَ "أمَا السِّنُّ فَعَظْمٌ" فعلل بكونه عَظْماً.
وقولُه: "وجوارح الأسْلِحَة" احترز به عن المُثَقَّلاَتِ التي لا تَجْرَحُ، والمعتبر ما يخرق بذمّتِهِ، أو يقطع بِحَدِّهِ دون ما يَجْرَحُ ويقطع بثقله، ويَجُوزُ إِعْلاَمُ قوله: "إِلا السِّنَّ [والظفر" لما بَيَّنَّا بالميم والواو، وقوله: "أو منفصلاً 4 " بالحاء].
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي: المُثَقَّلاَتُ) وَالَّذي مَاتَ بِهِ حَرَامٌ كَمَا لَوْ رَمَى بِبُنْدُقَةٍ أَوْ أَلْقَاهُ فِي بِئْرٍ فَانْصَدَمَ أَوْ انْخَنَقَ بالأَحْبُولَةِ فَلاَ بُدَّ مِنْ جَارحٍ وَلَوْ مَاتَ تَحْتَ الكَلْبِ غَمّاً فَفِيهِ قَوْلاَنِ وَلَوْ مَاتَ بِسَهْمٍ وَبُنْدُقَةٍ أَوِ انْصِدَامٍ بِالأرْضِ أَو تَدَهْوُرٍ مِنْ جَبَلٍ أَوْ وقُوعٍ فِي مَاءٍ أَوِ انْصِدَامٍ بِأَغْصَانِ الشَّجَرَةِ فَهُوَ حَرَامٌ بَلْ لاَ يُعْفَى إِلاَّ عَنْ الانْصِدَامِ بِالأَرْضِ فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الجُرْحِ لاَ يحْرُمُ لِلضَّرْورَةِ وَلاَ يَكْفِي كَسْرُ الجَنَاحِ مَعَ الانْصِدَامِ بِالأَرْضِ.

جارٍ التحميل