العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 466-505

.......................... = الوقوع في محظور بترك النكاح فيلزمه حينئدٍ إعفاف نفسه.
وعليه فالراجح ما ذهب الجمهور إليه من عدم الوجوب، وخصوصاً أَنَّه كان في الصحابة من لم تكن له زوجة مع قدرته على النكاح ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلم ذلك ولم ينكر عليهم كما أنه كان في عصر الخلفاء ومن بعدهم من لم يتزوج، ولم ينقل إلينا عن أحدٍ من الخلفاء أنه حتم على من ليست له زوجة أن يتزوج، ولو وقع ذلك لنقل إلينا بالتواتر، لأن هذا مما تعم به البلوى، فَلَمَّا لَمْ ينقل إلينا شيء من ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه دَلَّ ذلك عَلى أَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ بِوَاجِب.
ثم إن قول الجمهور أن النكاح مندوب أن الأصل فيه الندب بشرط أن يكون قادراً على ما تحتاج إليه المرأة مِنْ مَهْرٍ ونفقة ووطء ولم يخف على نفسه الزنا بعدمه وقد يخرج عن هذا الأصل لعارض إلى سائر الأحكام.
فيجب إنه خاف على نفسه الزنا إن تَرَكَ النكاحَ وعَجَزَ عَن التَسَرِّي ولم يكفه الصوم لأنه يلزم إعفاف نفسه وصونها عن الحرام، ولو أَدَّى به ذَلِكَ إِلى الإنفاق عليها من حرام أو أدى إلى عَدَمِ الإِنْفَاقِ عليها كما صَرَّح بذلك المالكية وذلك ارتكاباً لأخف الضررين، خصوصاً إن النفقة من حق الزوجة فلها إسقاطها أو يُغْنيه الله من فضله كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه﴾ وليس هذا من باب دفع الحرام بمثله الممنوع شرعاً؛ لأن المفسدة بترك النكاح محققة من بحصول الزنا، والإِنفاق عليها من حرام محتمل، فلا يترك وقع المفسدة المحققة لأخرى محتملة.
ويحرم عند عجزه عن الوطء أو النفقة أو تصيعه واجباً إذا لم يخف على نفسه الزنا، ويكره عند عدم الرغبة في إن عطلة عن تطوع ولو رجا النسل.
ويباح عند عدم الرغبة فيه ولم يرج نسلاً ولم يعطله عن تطوع.
واختلف الفقهاء فيمن له شهوة يأمن معها على نفسه الوقوع في الزنا هل الاشتغال بالعبادة أفضل في حقه من الزواج، أو العكس؟.
فذهب الشافعية إلى القول بأن التخلي لنوافل العبادة أفضل له من النكاح، وذهب الجمهور إلى القول بأن النكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادة، وقد استدل الشافعية بما يأتي.
أولاً: بقوله تعالى في مدح يحيى عليه السلام "وسيداً وحضوراً" والحضور هو الذي لا يأتي النساء مع القدرة على إتيائهن فمدهم الله به ولو كان النكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادة لما مدحه الله بتركه، ويرد هذا بأنه ليس في مدح قال يحيى عليه السلام ما يدل على أنه أفضل من النكاح، فان مدح الصفة في ذاتها لا يقتضي ذم غيرها، إذ إننا لا ننكر فضل التخلي للعبادة، واستحقاق المدح عليه، ولكن نقول إن الاشتغال بالنكاح أفضل، وأيضاً فإن ذلك كان في شريعة سيدنا يحيى عليه السلام وشرعنا وارد بخلافه فهو أول.
وثانياً: قالوا النكاح عقد معاوضة فكان الاشتغال بالعبادة أفضل منه كالبيع ويرد هذا بأن فرق بين البيع والنكاح، فإنما كان التخلي للعبادة أفضل من البيع، لأن البيع لا يشتمل على مصالح النكاح ولا يقاد بها لذلك كان التخلي للعبادة أفضل منه وأما الجمهور فقد استدلوا -بأمر الله تعالى به ورسوله وحثهما عليه.
وأيضاً فقد تمسكوا بما روي في الصحيحين من أن نفراً من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سألوا أزواجه عن عمله في السر فقال بعضهم لا أتزوج النساء، وقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فحمد الله وأثنى عليه وقال: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ قالوا: كَذَا وكذا =

الثانية: إذا أراد النكاح فالبكر أولى من الثَّيِّب إذا لم يكن عذر به لما رُوِيَ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لجابر -رضي الله عنه-: "هَلاَّ بِكْراً تلاَعِبُهَا وَتُلاَعِبُكَ" 1. والولود، أولى؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ" 2، والنسيبة أولى؛ لما رُوِيَ أنه -عليه السلام- قال إِيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدَّمْنِ، قيل يَا رَسُوْلَ اللَّهِ وَمَا خَضْرَاءِ الدّمْنِ؟ قَالَ: "الْمَرْأَةُ الْحُسْنَاءِ فِي الْمَنْبَتِ السُّوءِ" 3. والتي ليست لها قرابة قريبة أولى، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَنْكِحُوا الْقَرَابَةَ الْقَرِيْبَةَ، فَإِنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ ضَاوِياً" 4 أي: نحيفاً، وذلك لضعف الشهوة.
= لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني".
ووجه الدلالة من هذا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذم وهذه الحال، وتبرأ منها، ولو كان التخلي للعبادة أفضل، كما قيل لأقرهم على ذلك.

وذات الدِّين أولى 1؛ لقوله -عليه السَّلامُ-: "تُتكَحُ المَرأَةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَحسَبِهَا وَدِيْنِهَا وَجَمَالِهَا فَاظْفَرُ بذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" 2. وليكن منظوراً إليها قبل النِّكاحِ، على ما سنذكر في الفصل الذي يلي هذا الفصل.
واعلم أنَّ المقدمات الْمُودَعَة في هذا القسم معدودة في بعض النُّسَخِ ثَلاَثٌ: إحداها: في خصائص رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
والثانية: في الترغيب في النكاح، وأحب المنكوحات -ويقع فيه الكَلاَمُ في النَّظَرِ إلى المنكوحة وفي النَّظَرِ جملة.
والثالثة: في الخُطبة والخِطبة، وهي في بعض النُّسَخ معدودة خمساً وكذلك في "الوسيط".
إحداها: الخصائِصُ.
والثانية: ما شرحناه في هذا الفصل وبعده.
= الغرباء في ترجمة الشَّافعي عن شيخ له عن المزني، عن الشَّافعي قال: أيما أهل البيت لم تخرج نساؤهم إلى رجال غيرهم، كان في أولادهم حمق، وروى إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة قال: قال عمر لآل السائب قد أضوأتم فانكحوا في النوابغ، قال الحربي: يعني تزوجوا الغرائب.

والثالثة: في النَّظَرِ إليها إذا وقعت الرَّغْبَةُ في نكاحها وأحكام النظر جملة، ثم يتصل به، فلا ينظر إلاَّ إلى وجهها.
والرابعة: في الخطبة.
والخامسة: في الخِطبة والمقصود لا يختلف.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): النَّظَرُ إِلَيْهَا إِذَا تَحَقَّقَتِ الرَّغْبَةُ في نِكَاحِهَا، وَنَحْنُ نَتَعَرَّضُ في هَذَا المَوضِعِ لأَحْكَامِ النَّظَرِ جُمْلَةً، وَلاَ يَنْظُرُ (ح م و) إِلاَّ إِلَى وَجْهِهَا، وَلاَ يَحْتَاجُ إلَى إِذْنِهَا (م).
قال الرَّافِعِيُّ: إذا رغب في نكاح امْرَأَةِ نَظَرَ إليها؛ لما رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لِلْمُغُيرَةَ وقد خطب امْرَأَةَ: "انْظُر إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا" 1، أَي يجعل بينكما المودة والألفة.
يُقَالُ: "أَدَمَ الله بينكما" أي "جعل".
وعن جابر- أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَإِنْ استطاع أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ" 2 قال: فخطبت جارية وكنت أَتَحَبَّأُ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها، وهذا النَّظَرُ مُسْتَحَبٌ، أو مُبَاحٌ مجرد؟.
حكى الإِمَامُ فيه وجهين:

الأَوَّلُ: أصح؛ لما وُرِدَ فيه من صيغة الأمر، ويجوز أنْ يعلم للثاني قوله في "الكتاب": "المنظور إليها قبل النِّكاح" بالواو؛ لأنه جعل نكاحها أحب، ويجوز له تكرار النَّظَرِ إليها ليتبين هيئتها، ولا يندم بعد النكاح، ولا فَرْقَ بين أن يكون النظر إليها بإذنها أو بغير إذنها خلافاً لمالك -رضي اللهُ عنه- حيث اعْتَبَرَ إذنها دليلاً، لإطلاق الخبر، وأيضاً فإنه لو راجعها لزينت نفسها فيفوت الْمَطْلُوبُ من النظر.
فإن لم يتيسر النظرُ إليها بعث إليها امْرَأَة تتأملها وتصفها له 1. روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث أم سليم إلي امرأة وقال: "انْظرِي إلي عُرْقُوبِهَا وشمُي مَعَاطِفَهَا" 2. والمرأَة أيضاً تنظر إلى الرجل إذا أرادت التزوج، فإنه يعجبها منه ما يعجبه منها، قاله عمر 3 -رضي الله عنه- ثم الكلام في المنظور إليه، وفي وقت النظر أما المنظور إليه منها، فهو الوجه والْكَفَّافِ ظَهْرَاً وبَطْناً.
واعلم أنا سنذكر وجهين في جواز النَّظَرِ إلى وجه الأجنبية وَكَفَّيْهَا من غير عُذْرٍ وسبب.
فقال الإِمَامُ -رَحِمَهُ الله-: مَنْ حَرَّمَ هناك أباح هنا، لغرض التزويج، ومن أباح هناك فإنه يقول: إن كان يخاف الفتنة، فهو حَرَامٌ وهنا لا يحرم معِ خوف الفتنة لهذا الغرض، ولا يَنْظُرُ إلى ما سوى الوجه والكفين لأنه عَوْرَةٌ، وهي تُعَدّ أجْنَبِيَّةُ.
وَذَكَرَ الحنَّاطِيُّ وجهين في "المِفْصَل" الذي هو بين الكف والمِعْصَمِ.
وفي "شرح مختصر الجويني" وَجهٌ: أنه يَنْظُرُ إليها نظر الرجل إلى الرجل.
وعن مالك -رضي الله عنه- أنه يَنْظُرُ إلى الوجه والكفين والقدمين وبعض الذِّرَاعِ.
وعن أَبِي حَنِيْفَةَ -رضي الله عنه-: ينظر إلى الوجه والكفين والقدمين بناءً على أن القدمين ليسا من العورة، ويجوز أن يعلم كذلك قوله في الكتاب: "إلاَّ إلى وجهها" بالحاء والميم والواو، ولم يذكر الكفين لَفْظاً ولا بُدَّ منه.
وأما وقت النظر فإنه ينبغي أن يكون بعد العزم على نكاحها إن ارتضاها وقبل الخطبة؛ لأنه لو كان بعد الخطبة وتركها

شَقَّ عليها وأوحشها، هذا هو الأظهر، وفيه وجهان آخران: أحدهما: عن رواية الماسرجسي أنه ينظر إليها حين تأذن في عقد النكاح؛ لأنه وقت الحاجة.
والثاني: عند ركون كُلِّ وَاحدٍ منهما إلى صاحبه، وذلك حين تحوم الخطبة على الخطبة 1. قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَحِلُّ للِرَّجُلِ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِ المَرْأَةِ إِلاَّ إِذَا كَانَ النَّاظِرُ صبِيّاً، أَوْ مَجْنُوناً، أَوْ مَمْلُوكاً (ح و) لَهَا، أَوْ كَانَتْ صَبِيَّةً (و)، أَوْ رَقِيقَةً (و)، أَوْ مَحْرَماً فَلْيَنْظُرْ إلَى الوَجْهِ وَاليَدَيْنِ فَقَطْ.
قال الرَّافِعِيُّ: جَرَتِ الْعَادَةُ بذكر حكم النظر هنا، وذاك إِمَّا أن إلاَّ تمس إليه الحاجة أو تمس: الحالة الأولى: إذا لم تمس إليه الحاجة وهو على أرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: نَظَرُ الرجل إلى المرأة وبالعكس، وَنَظَرُ الرَّجُلِ إِلى الرجل وَنَظَرُ المرأة إلى المرأة.
القسم الأول: نَظَرُ الرَّجُل إلى المرأة ويحرم عليه أن ينظر إلى ما هو عورة منها وكذا إلى الوجه والكفين إن كان يخاف من النظر الْفِتْنَةَ قال اللهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] وإن لم يَخَفْ فوجهان.
قال أَكْثَرُ الأصحاب -لا سيما المتقدمون: لاَ يَحَرَّمُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31]- وهو مُفَسَّرٌ بالوجه والكفين، نَعَمْ يُكرَة ذلك -ذكره الشيخ أبو حَامِدٍ وغيرُهُ 2.

والثَّانِي: يحرم ويحكى ذلك عن الأِصْطَخْرِيِّ في رواية الدَّارِكِيِّ وعن أبي علي الطَّبَرِي، واختاره الشيخ أبو محمَّد والإمام رحمهما الله ووجهه باتفاق المسلمين على منع النساء من أن يخرجن سَافِرَاتِ، ولوَ حل النظر لنزلن منزلة المُرْد، وبأن النظر إليهن مظنة الفتنة، وهن محل الشهوة فاللائق بمحاسن الشَّرْعِ حسم الباب والإعراض عن تَفَاصِيلِ الأَحْوَالِ كَالْخُلْوَةِ بالأَجْنَبِيَّةِ 1، هذا ما ذكره في الكتاب وبه أَجَاَبَ صاحب "المهذب" والقاضي الرُّويانيُّ وليس المراد من الكف مجرد الرَّاحَةِ، بل اليد من رؤوس الأَصَابعِ إلى المِعْصَمِ وفيه وَجْهٌ [آخَرُ] أَنَّهُ يختص الحكم بالراحة، وأخمصا القدمين على الخلاف الْمَذْكُورِ في سِتْرِ الْعَوْرَةِ من "باب شرائط الصَّلاةِ"، وصوتها ليس بعودة على أَصَحِّ الوجهين لكن يحرم الإصْغَاءُ إليه عند خوف الْفِتنَةِ وإذا قرع عليها الباب، فلا ينبغي أن تجيب بصوت رخيم، بَلْ يَنْبَغِي أن تغلظ صوتها 2. هذا إذا كان الناظر إليها بَالِغاً فَحْلاً، والمنظور إليها حُمَّرة كَبِيْرَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ.
ثُمَّ الكلام في سِتِ صُوَرٍ: إحداها: الطفل الذي لم يظهر على عورات النِّسَاءِ لا حجاب منه قال الله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: 31] وفي المراهق وَجْهَانِ: أحدهما: وبه قال أبو عبد الله الزُّبَيْرِيُّ: أن له النظر كما له الدخول من غير استئذان إلاَّ في الأوقات الثلاثة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ...﴾ [النور: 58] الآية -وعلى هذا فنظره كنظر البالغ إلى الْمَحَارِمِ.
والثاني: إنَّ نظره كنظر البالغ إلى الأجنبيات لظهوره على العورات، وهذا أصح = عنق ابن عمك، فقال: رأيت شابأ وشابة فلم آمن عيهما الشيطان، صححه الترمذي، واستنبط منه ابن القطان: جواز النظر عند أمن الفتنة من حيث إنه لم يأمرها بتغطية وجهها ولو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل، ولو لم يكن ما فيه جائزاً لنا أقره عليه.
قال الحافظ: فائدة: اختار النووي أن الأمة كالحرة في تحريم النظر إليها.
لكن يعكر عليه ما في الصحيحين في قصة صفية فقلنا: إن حجبها فهي زوجته وإن لم يحجبها فهي أم ولد كذا اعترضه ابن الرفعة، وتعقب بأنه بدل على أن الأمة تخالف الحرة فيما تبديه أكثر مما تبديه الحرة، وليس فيه دلالة على جواز النظر إليها مطلقاً.

فيما ذكره أبو الفرج الزَّازُ وغيره ونزَّل الإِمام أمر الصَّبِي على ثَلاثِ دَرَجَاتٍ: إحداها: أَلاَّ يبلغ مبلغاً يحكى ما يراه.
والثانية: أن يبلغه، ولا يكون فيه ثَوَرَاتُ شَهْوَةٍ وتشوُّق.
والثالثة: أن يبلغه، فالذي في الدرجة الأولى حضوره كغيبته، ويجوز التَّكَشُّفُ له من كل وجهُ، الذي في الثالثة كالْبَالِغِ في النظر، والذي في الثانية يَنْزِلُ منزلة المحارم.
واعلم أن الصبي لا تكليف عليه، وإذا جعلناه كالبالغ فمعناه يلزم المنظور إليها الاحتجاب منه كما أنه يلزمها الاحتجاب من المجنون قطعاً.
والثانية: في الممسوح وجهان: قال الأكثرون: نَظَرُهُ إلى الأجنبية كنظر الفعل إلى المحارم 1، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: 31].
والثاني: إنه كنظر الفعل إلى الأجنبية؛ لأنه يحل له نكاح التي ينظر إليها فكيف يجعل كالمحرم.
والمجبوب الذي بقي أنثيياه والخصي الذي بقي ذكره كالفحل وكذا العنين، والمخَنَّث المُتَشَبِّهُ بالنساء والشَّيخُ الهرم كذلك 2 أطلق أكثرهم.
وقال في "الشامل": الخصي لا يحل له النظر إلاَّ أن يكبر ويهرم وتذهب شهوته، وكذا المخنث.
وَحَكَى أبو مخلد البصري -وهو من مَتأخِرِي الأَصْحَابِ- في الخصي والمخنث، وجهين على الإِطلاق 3. والثالثة: مَمْوكُ المرأة -هل يكون محرماً لها؟!.
فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لقوله -تعالى-: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: 31]، وعن أنس -رضي الله عنه- أن النَّبيَّ -صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أَتَي فاطِمَةَ -رَضْيَ اللهُ عَنْهَا- بعَبْدٍ قَدْ وَهَبَة لَهَا وَعَلَى فَاطِمَةَ ثَوْب إِذا قَنَعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبلُغْ رجلها وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا فَلَمَّا رَأْىَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا تلقى قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلاَمُكِ" 4.

والثَّانى: وبه قَالَ أبو حَنِيْفَةَ: لا لأنه لو ثبت المحرمية لاستمرت كما في الرِّضَاعِ.
وفي "تعليق" الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ: إن هذا أصح لكن الأكثرون رَجَّحُوا الأوَّلَ 1. والرابعة: إذا كان الْمَنْظُورُ إليها أَمَةٌ فَثَلاثةُ أَوْجُهٍ: أحدها: أنها كالحرة.
والثاني: يحرم النظر إلى ما لا يبدو منها عند المهنة وتفصيل ما يبدو مذكور في "سِتْرِ الْعَورَةِ".
والثالث: أنَّ المحرم النَّظَرُ إلى ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ لا غير، وهذه الأوجه قريبة من الوجوه المذكورة، فيما يجب عليها سترة في الصَّلاةِ، ولكن الوجه الأول لا يكاد يوجد هكذا إلاَّ لصاحب الكتاب في "الوسيط" 2. وأما الثاني والثالث فمشهوران 3، وهما متفقان على جواز النظر إلى ما يبدو منها عند المهنة واختلافهما فيما زاد على ذلك 4 إلاَّ ما بين السرةِ إلى الركبَةِ، والأصح فيما ذكره صاحب "التهذيب" والقرضي الرُّويَانِيّ جواز النظر إليه لكنه يكره.
والخامسة: من النظر إلى الصَّبِيَّةِ وجهان منقولان في "الوسيط".
أحدهما: المنع؛ لأنها من جنس الإِنَاثِ.
وأصحهما: الجواز؛ لأنها ليست في مظنة الشهوة، ولا فرق بين حد العورة وغيره، نعم لا ينظر إلى فرجها 5، وألحق في "الوسيط" العجوز بالشَّابَةِ؛ لأن الشهوات لا تنضبط، وهي محل الْوِطْءِ.
= قال الحافظ: فائدة: حمل الشيخ أبو حامد هذا على أنه كان صغيراً لإطلاق لفظ الغلام، ولأنها واقعة حال، واحتج من أجاز ذلك أيضاً بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وتعقب بما رواه ابن أبي شيبة من طريق طارق عن سعيد بن المسيب قال: لا يغرنكم هذه الآية! إنما يعني بها الإِماء لا العبيد، لكن يشكل على ذلك ما رواه أصحاب السنن من طريق الزهري عن نبهان مكاتب أم سلمة عنها: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إذ كان لإِحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي، فلتحتجب منه، انتهى.
ومفهومه أنها لا تحتجب منه قبل ذلك.

وقال القاضي الرَّويَانيُّ: إذا بلغت المرأة من السِّنِّ مبلغاً تأمن الافتتان بالنَّظَرِ إليها جاز النظر إلى وجهها وكفيها، ويدل عليه قوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: 6] الآية.
[و] السادسة: للرجل أن ينظر من المحرم إلى ما يبدو عند المهنة، ولا يحل النظر إلى ما بين السرة والركبة، وفيما بينهما وجهان: أظهرهما: ولم يتعرض كثير من الأصحاب لغيره-: أنه يحل النظر إليه أيضاً واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] الآية -وبأن المحرمية معنى يوجب حرمة المنَاكَحَة أبداً فليكونا كالرَّجُلَيْنِ وكالمرأتين.
والثاني: المنع؛ لأن لا ضرورة إليه، والثَّدْيُ في زمان الإِرضاع مواضع الوجهين، أو يلحق بما يبدو عند المهنة فيه طريقان، والثاني منهما مُؤَبَّدٌ بالحاجة، ولا فرق في ذلك بين المحارم بالنَّسَبِ وبين المحارم بالمصاهرة والرضاع.
وفي "شرح الجويني" وَجْهٌ: أن في المحارم بالمصاهرة، والرضاع لا ينظر إلى ما يبدو عند المهنة، والصحيح الأول.
إذا عرفت ذكرنا فتأمل في لفظ الكتاب.
واعلم قوله: "ولا يحل للرجل النظر إلى شيء من بدن الْمَرْأَةِ" بالواو -للوجه المشهور في جواز النظر إلى الوجه والكفين وقوله: "إلا إذا كان الناظر صَبِيَّاً" إن حمل على الطفل الذي لم يظهر على العورات خاصة، فلا حاجة إلى إعلامه بالواو وإن جرى على إطلاقه فليعلم بالواو لأحد الوجهين في المراهق أنه كالبالغ.
وقوله: أَو مَجْبُوباً قد يتبادر إلى لسان القارئ قراءته بنونين لاقترانه بالصبي، والصبي والمجنون يستويان في كثير من الأحكام لَكِنْ لا سبيل إليه تكون الصورة المذكورة مُسْتَثْنَاةُ من نفي الحل فلا بدّ من ثبوته فيها، والحل بمعنى الخطاب بأنه لا حرج عليك، أو بالتخيير ونحوه [و] لا يمكن إثباته في حق المجنون، ولا في الصبي؛ = لا تشتهي، والصغير، وقطع به في الصغير إبراهيم المروذي.
وذكر المتولي فيه وجهين، وقال: الصحيح الجواز، لتسامح الناس بذلك قديماً وحديثاً، وأن إباحة ذلك تبقى إلى بلوغه عن التمييز، ومصيره بحيث يمكنه ستر عورته عن الناس.
والله أعلم.
إطلاق الشيخ الصبية بتناول المشتهاة وغيرها قال الأذرعي ولذلك أنه لا يحرم نظر بنت سنة ونحوها والذي يجوز في النظر إلى صغيرة لا تثشهي وجوه أحدها الجواز إلى جميع بدنها.
ثانيها: إليه إلا الفرج.
ثالثها: يجوز إلى ما عدا ما بين السرة والركبة.
رابعها: ما يبدو في المهنة فقط إلى آخر ما ذكره الشيخ عن صاحب العدة ذكره الفوراني أيضاً وصاحب التهذيب وما نقله الشيخ عن المروذي جزم به الماوردي أيضاً في كتاب الصلاة فقال ينبغي حل النظر إلى أن يبلغ الصبي إلى عشر سنين والجارية تسعًا وإطلاق الشيخ الفرج يتناول الذي قال الأذرعي وبه صرح الصيمري.

لأنهما لا يخاطبان وبمعنى أَنَّهُ لا حَرَجَ فيه لا يختص بالوجه واليدين، وقد قال: "فينظر إلى الوجه واليدين فقط" وإذا رددنا الْكَلاَمَ إلى أنَّ الُمَنْظُورَ إليها هل يلزمهما الاحتجاب فهذا في الصبي على التفصيل الذي سبق، وأما المجنون فلا شك في وجوب الاحتجاب منه كالعاقل، بل أولى فليقرأ "أو مجبوباً" ببائين وحينئذٍ فيجب تقييده بالممسوح لما مر ثم ليعلم بالواو لأحد الوجهين المذكورين في الممسوح.
وقوله: "أو مملوكاً له" معلم بالحاء والواو لما سبق.
وقوله: "أو كانت رقيقة أو صبية" بالواو، ثم الحكم بأنه لا ينظر في الصور المستثناة إلاَّ إلى الوجه واليدين خلافاً للمذهب الظاهر، أمَّا في المحرم؛ فلأنهم لم يذكروا خلافاً في جواز النظر إلى ما يبدو عند المهنة.
وقالوا: الأصح جواز النظر إلى جميع أعضائها إلا ما بين السُّرَّةِ والركبة وكذا في الرقيقة، وأما في الصَّبِيَّةِ فمن جَوَّزَ النَّظَرَ عَمَّمَهُ في أعضائها بعد اجتناب الفرج كما بيناه وأما في عبد المرأة والممسوح فإذا جَوَّزْنا النظر إليه جعلناه كالنظر في المحارم فإذن في الفصل خبط ولا سائر من الأصحاب إلى جوازه.
قَالَ الغَزَّالِيُّ: وَالعَوْرَةُ مِنَ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ فَقَطْ، وَيُبَاحُ نَظَرُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ، وَالمَرْأَةِ إلَى المَرْأَةِ، وَالمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ عِنْدَ الأَمْنِ مِنَ الفِتْنَةِ إلاَّ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: قوله: "العورة من الرَّجُلِ ما بين سرته وركبته" مكرر مذكور مرة في "سِتْرِ العورة"، ولا حاجة إلى إعادته في هذا الموضع وإذا عاد فليعلم بالعلامات المذكورة هناك [ثم نرجع إلى الترتيب الذي كنا فيه] 1 فنقول: القسم الثاني: نظرُ الرجل إلى الرجل وهو جائزٌ في جميع البدن إلاَّ ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ.
نعم يحرم النظر إلى الأَمْرَدِ وغيره بالشهوة وكذا النظر إلى المحارم، وسائر المذكورات في الفصل السابق بالشهوة حرام لا يحرم النظر إلى الأمرد بغير الشهوة إن لم يخف فتنة وإن خاف فوجهان: قال أكثرُهُمْ: يحرم تَحَرُّزاً عنها 2. وعن صاحب "التقريب" واختاره الإِمامُ: أنه لا يحرم، وَإِلاَّ لأُمِرُوْا بالاحْتِجَابِ كَالنِّسْوَةِ.
ورُوِيَ أنّ وَفْداً قدموا على رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وفيهم غُلاَمٌ حَسَنُ الْوَجْهِ فَأَجْلَسَهُ

مِنْ ورائه وَقَالَ: "أَمَا أَخْشَى مَا أَصَابَ أَخِي دَاوُدَ".
وكان ذلك بمرأى من الحاضرين، فَدَلَّ على أنه لا تحريم.
القسم الثالث: نظر المرأة إلى المرأة: وهو كما ذكرنا في نظر الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إلاَّ في شيئين.
أحدهما: أن الإِمام حكى وجهاً في أن نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى المحارم، والأصح أنه لا فرق.
والثاني: في نظر الذِّمِّيَّةِ إلى المسلمة وجهان: أحدهما: كنظر المسلمة إلى المسلمة.
والثاني: المنع لقوله تعالى جده: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] وليست الذمية من نسائنا والأول أصح عند صاحب الكتاب، والثاني أصح فيما ذكره صاحب "التهذيب" 1. وإذا قلنا بالثاني لم تدخل الذِّمِّيَّاتُ المسلمات مع الحمام وما الذي ترى الذمية من المسلمة؟!.
قال الإمام: لا ترى منها إلا ما يراه الرجل الأجنبي.
وقيل: لا ترى إلا ما يبدو عند المهنة دون غيره وهذا أشبه 2. القسم الرابع: نظر المرأة إلى الرَّجُلِ -فيه ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ: أحدها: أنها تنظر إلى ما يبدو عند المهنة دون غيره إذ لا حاجة إليه.
والثاني: أنها لا ترى من الرجل إلاَّ ما يرى الرجل منها تسوية بينهما 3. والثالث: وهو الأصح: أن لها النظر إلى جميع بدنه إلاَّ ما بين السرة والركبة، وليس كنظر الرجل إلى المرأة؛ لأن بدنها صورة في نفسه، وكذلك يجب ستره في

الصَّلاةِ؛ ولأنهما لو استويا لأمر الرجال بالاحتجاب كالنساء.
هذا في الأجانب.
فأما نَظَرُهَا إلى الْمَحَارِم فهو كنظر الرجل إلى المرأة المحرم قال الإمام، والمحققون: على أن ما فوق السُّرَّةِ، وتحت الرُّكْبَةِ من الرجل كما يبدو عند المهنة في المرأة، ولا يجوز للمرأة النَّظَرَ إلى الرَّجُلِ عند خوف الفتنة، وقد رُوِيَ عن أمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- أنها قالت: كُنْتُ مع مَيْمُوْنَةَ عند رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إذ أقبل ابن أم مَكْتُومٍ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- "احْتَجَبَا مِنْهُ" فقلت: يا رَسُولَ اللهِ: أليس هو أَعْمَى لاَ يُبْصِرُنَا؟! فقال: "أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانَهُ" 1. فمن قال بالوجه الثاني احتج بظاهره، ومن قال بالثالث حمله على الاحتياط.
قَالَ الغَزَّالِيُّ: وَالعُضْوُ المُبَانُ كَالمُتَّصِلِ بِهِ، وَالنِّكَاحُ وَالمِلْكُ يُبِيحَانِ النَّظَرَ إِلَى السَّوْءَتَيْنِ مِنَ الجَانِبَيْنِ مَعَ كَرَاهَةٍ، وَالمَسُّ كَالنَّظَرِ.
قال الرَّافِعِي: في الفصل ثَلاَثُ مَسَائِلَ: إحداها: ما لا يجوز النظر إليه وهو متصل كالذكر، وَسَاعِدِ الْحُرَّةِ، وشعر رأسها، وما أشبهها هل يحرم النظر إليه بعد الانفصال؟.
فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن النظر إليه بعد الانفصال لا يخاف منه الفتنة 2. وأصحهما: استمرار التحريم، وبه أجاب أبو علي الشَبُوِّي مفتي "مرو" وفيما يحكى أن أبا عبد الله الخِضْري سئل عن قُلاَمَةِ الْمَرْأَةِ -هل يجوز للرجل الأجنبي النظر إليها؟.
فاطرق الشيخُ متفكراً وكانت تحته بِنْتُ أبي علي فقالت: سَمِعْتُ أبي يقول: إن كانت قلامة يدها فله النظر إليها، وإن كانت قلامة الرجل فلا.

والتفصيل مبنى على أَنَّ يَدَهَا ليست بِعَوْرَةٍ.
واقتصر في الكتاب هاهنا على الوجه الثاني، وتعرض لهما في "باب الصَّلاةِ" كما ذكرنا وَرَوَى الإمام تفصيلاً في العضو المُبَان من المرأة، وهو أنه إن لم يتميز بصورته وشكله عما للرجل كالقلامة والشعر والجلدة المنكشطة لم يحرم النظر إليه وإن يتميز حرم 1. الثانية: يجوز للزوج النظر إلى ما شاء من بدن زوجته إلا أنَّ في النظر إلى فرجها وجهين: أحدهما: المنع وإليه ميل أبي عبد الله الزُّبَيْرِيُّ -لما روي عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "النَّظَرُ إلَى الْفَرَجِ يُورِثُ الطَّمْسَ" 2 أي: العمى.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: الجواز؛ لأن له الاستمتاع به فالنظر أَوْلَى، فالخبر إن صَحَّ محمول على الكراهة، والكراهة في باطن الفرج أشد، وكذلك يكره للإنسان أن ينظر إلى فرج نفسه من غير حاجة ونَظَرُ السَّيِّدِ إلى أَمَتِهِ التي يجوز له الاسَتمتاع بها، كنظر الزوج إلى الزوجة سواء كانت قِنَّةً، أو مُدَبَّرةً، أو أم ولد، أو عرض مانع قريب الزوال كما لو كانت حائضاً أو مرهونة فإن كانت مُرْتَدَّةً، أو مجوسية، أو وثنية، أو مزوجة أو مكاتبة، أو مشتركة 3 بينه وبين الغير فهي كَأَمَةِ الغير.
لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنهم- أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا

زَوَّجَ أَحَدُكُمْ جَارَيتَه أَوْ أَجِيْرَهُ فَلاَ يَنْظُرُ إِلَى مَا بِيْنَ السُرَّةِ وَالرُّكْبَةِ" 1. وإذا كانت المنكوحة مُعْتَدَّةً عن وطء شبهة، فقد حكى القاضي أبو سعيد الهَرَويُّ أنها كالمكاتبة، ونظر الزوجة إلى الزوج كنظره إليها، وقطع بعضهم بجواز نظرها إلى ذَكَر الزوج.
وقال الخبر ورد في الفرْجِ، وهو الشِّقُّ.
الثالثة: حيث يحرم النظر يحرم المس 2، بطريق الأَوْلَى؛ لأنه أقوي في التلذذ والاستمتاع، ولهذا لا يبطل الصوم بالإِنزال بمجرد النظر، ويبطل بالإِنزال بالملامسة ولا يجوز للرجل ذَلكَ سوأة الرجل، ويجوز ذلْكُ فخذه من فوق الإِزَارِ إذا لم يخف فتنة، وقد يحرم المسُّ حيث لا يحرم النظر، فلا يجوز للرجل مَسُّ وجه الأجنبية، وإن جَوَّزْنَا النظر إليه، ولا مَسَّ كل ما يجوز النظر إليه من المحارم والإِماء، بل لا يجوز للرجل أن يمس بطن أمه وظهرها، ولا يغمز ساقها ورجلها، ولا أن يقبل وجهها -حكاه العبادي في "الرقم" عن الْقَفَّالِ.
قال: وكذلك لا يجوز أن يأمر ابنته، أو أخته أن تغمز رجله وعن القاضي حسين: أنه كان يقول: العجائز اللاتي يكحلن الرجال يوم عاشوراء مرتكبات للمحظور الناس يَحْسَبُونَ أنهن مقيمات للسُّنَّةِ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: يجوز مس ما يجوز النظر إليه من المحارم والإِمام، ولا يجوز أن يضاجع الرجل الرجل، ولا المرأة المرأة، وإن كان كلُّ واحد منهما في جانب من الفراش 3. لما روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لاَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَلاَ تُفْضِي المَرأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ في الثَّوبِ الْوَاحِدِ" 4. وإذا بلغ الصبي والصبية عشر سنين، وجب التفريق بينه وبين أُمِّهِ وأبيه وأخيه وأخته في المَضْجَع.
قال -صلى الله عليه وسَلَّمَ- "وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرَّقُوْا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ" 5 ويستحب مصافحة الرجل الرجل ما رُوِي أنه -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عن

الرجل يلقى أخاه أو صديقه -أينحني له؟ قَالَ: "لاَ" -قيل: أفيلتزمه ويقبله؟.. قَالَ: "لاَ".
قيل أفياخذه بيده ويصافحه؟ -قال: "نَعَمْ" 1. وَمُصَافَحَةُ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ في معناها.
قال في "التهذيب": ويكره المعانقة، والتقبيل إلاَّ تقبيل الولد للشفقة، ورأيت لأبي عبد الله الزُّبَيْريِّ في مختصر له في ستر العورات أنه لا بأس بأن يقبل الرجل رَأْسَ الرجل، أو ما بين عينيه عند قدومه من غيبته، أو تباعد لقائه 2 هذا تمام الكلام فيما إذا لم تمس حاجة إلى المس والنظر.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهُمَا مُبَاحَانِ لِحَاجَةِ المْعَالَجَةِ، وَلَكِنَّ النَّظَرَ إلَى السَّوْءَة لِحَاجَةٍ مُؤَكَدَةٍ، وَيُبَاحُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ المَرْأَةِ لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وإلَى الفَرْجِ لِتحَمُّلِ (و) شَهَادَةِ الزِّنَا.
قال الرَّافِعِيُّ: الحالة الثانية إذا مَسَّتِ الْحَاجَةُ إلى الْمَسِّ والنظر -ويفرض من وُجُوهٍ: منها: أن يريد نكاح امرأة، فينظر على ما سبق.
ومنها: أن يريد شراء جارية -وقد مر في "البيع".
ومنها: إذا عامل امرأة ببيع وغيره أو تحمَّل شهادة عليها جاز له النظر إلى وجهها؛ ليعرفها 3 عند الحاجة، ولا ينظر إلى غير الوجه، وإذانظر إليها، وتحمل الشهادة كلفت

الكشف عن وجهها عند الأداء فإن امتنعت أمرت امرأة بالكشف عنه.
ومنها: أنه يجوز النظر والمس للفَصْد والحجامة والمعالجة لعلة وليكن ذلك بحضور مَحْرَمٍ 1، ويشترط في جواز نظر الرجل إلى المرأة ألا يكون هناك امرأة تعالج.
وفي جواز نظر المرأة إلى الرّجُلِ ألا يكون هناك رجل يعالج 2. كذلك ذكره أبو عبد الله الزُّبَيْرِيُّ والقاضي الرُّويَانيُ أيضاً وعن ابن القاص خلافه 3. ثم أصل الحاجة كافٍ في النظر إلى الوجه واليدين ولذلك جاز النَّظَرُ بسبب الرغبة في النكاح وفي النظر إلى سائر الأعضاء يعتبر التأكد، وضبطه الإِمام فقال: ما يجوّز الانتقال بسببه من الماء إلى التراب وفاقاً أو خلافاً، كَشِدَّةِ الضنى وَما في معناها يجوز النظر بسببه.
وفي النظر إلى السَّوْءتَيْنِ يعتبر مزيد تأكُّد.
قال في "الوسيط": وذلك بأن تكون الحاجة بحيث لا يعد التكشف بسببها هَتْكاً للمروءة، ويعذر في العادات 4. وإلى هذا التَّرتِيب أشار في الكتاب بقوله: "وليكن النظر إلى السوءتين لحاجة مؤكدة".
ومنها: يجوز النظر إلى فَرْجِ الزَّانَيْينَ لتحمل شهادة الزنا، وإلى فَرْج المرأة لتحمل الشهادة 5 على الولادة، إلى ثدي المرضعة للشهادة على الرضاع لظهور الحاجة.
هذا هو الصحيح وفيه أوجه: أحدها: قال الإصْطَخْرِيُّ: لا يجوز، أَمَّا في الزِّنَا فلأَنة ندب إلى سترة، وأما في الولادة والرضاع، فشهادة النساء مقبولة، فلا حاجة إلى تعمد الرجال النظر.
والثاني: يجوز في الزنا دون غيره؛ لأنه بالزنا هتك الحرمة فجاز هتك حرمته.
والثالث: يجوز في غير الزِّنا، ولا يجوز في الزِّنَا، لأن الحد مبني على الإِسقاط.
فرع: في الخُنْثَى المشكل وجهان:

أظهرهما: الأَخْذُ بالاحتياط، فيجعل بالإِضافة إلى النساء رجلاً، وبالإِضافة إلى الرجال امرأة.
وعن القَفَّالِ: الحكم بالجواز استصحابًا لما كان في الصغر حتى يظهر خِلاَفُهُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): الخِطْبَةُ مُسْتَحَبَّةٌ.
وَالتَّصْرِيحُ بِخِطْبَةِ المُعْتَدَّةِ حَرَامٌ، وَالتَّعْرِيضُ جَائِزٌ فِي عِدَّةِ الوَفَاةِ، وَحَرَامٌ في عِدَّةِ الرَّجْعيَّةِ، وَفِي عِدَّةِ البَائِنِ وَجْهَانِ، وَيحْرُمُ الخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ الغَيْر بَعْدَ الإِجَابَةِ، وَالسَّكُوتُ كَالإِجَابَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَيَجُوزُ الصِّدْقُ في ذِكرِ مَسَاوِي الخَاطِبِ لِيُحْذَرَ.
قال الرَّافِعِيُّ: قوله: "الخِطْبَة مُسْتَحَبَّةٌ" ممكن أن يحتج له بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وما جرى عليه الناس لكن لا ذكر للاستحباب في كتب الأصحاب، وإنما تكلموا في الجواز.
واعلم أن المرأة إما خَلِيَّةٌ عن النكاح والعدة، فيجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً، أو منكوحةً فيحرم خطبتها تعريضاً وتصريحاً، أو مُعتَدَّةً فيحرم التصريح بخطبتها، وأما التعريض فيحرم أيضاً في عدة الرجعية؛ لأنها في معنى المنكوحات، ولا يحرم في عدة الوفاة على ما قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: 235]. وفرقوا بينه وبين التصريح، بأنه إذا صرح بخطبتها تحققت رغبته فيها، وربما تكذب في انقضاء العدة لغلبة شهوة، أو غيرها وإذا عرض لم تتحقق الرغبة، وفي بعض الشُّروحِ حكايته وجه: أن المتوفى عنها زوجها إن كانت تعتد بالْحَمْلِ لم تخطب خوفاً من أن تتكلف إلقاء ولدها.
أما البائنة، ففي التعريض بخطبتها قولان: وقال الإِمام وصاحب "الكتاب" وجهان: أصحهما: وهو نصه في "البُوَيطِىِّ": أنه يجوز لانقطاع سلطنة الزوج عنها وحصول البينونة.
والثاني: المنع؛ لأن لصاحب العدة أن ينكحها فأشبهت الرجعية والمفسوخ نكاحها بسبب من الأسباب المقتضية للفسخ، كالبائنة والتي لا تحل لمن منه العِدَّةُ كالمُطَلَّقَةِ ثلاثاً والمفارقة باللعان، والرضاع كالمعتدة عن الوفاة، ومنهم من جعلها على الخلاف في الثانية، ثم في الصور التي لا فرق على المشهور بين أنْ تكون معتدة بالأَقْرَاء أو بالشُّهور.
وقيل: بتخصيص الْخِلاَفِ بذواتِ الأشهر وبالقطع بالمنع في فوات الأقراء؛ لأنها قد تكذب في انقضاء الْعِدَّةِ لِرَغْبَتِهَا في الخاطب، وفي الْمُعْتَدَّةِ عن وطء الشبهة طَرِيْقَانِ أَحَدُهُمَا: طَرْدُ الْخِلاَفِ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بالْجَوَازِ؛ لأَنَّ من منه العِدَّةُ ليس له عليها حَقُّ نِكَاحٍ، وَرُبَّمَا بني الخلاف في هذه الصُّوَرِ خلافاً ووفاقاً عَلَى أَنَّ المقتضي للتحريم في الرَّجْعِيَّةِ ماذا؟

فقالت طَائِفَةٌ: المقتضي أنها تعرض أن تراجع فقد تَحْمِلُهَا الرَّغْبَةُ في الْخَاطِبِ عَلَى أَنْ تَكْذِبَ في انْقِضَاءِ العِدَّة دَفْعاً للرَّجْعَةِ.
وَقَالَ آخَرْونَ: المقتضي أَنَّها مَجْفُوَّةٌ بالطَّلاَق، فَعَسَاهَا تكذب، إِذا وَجَدَت رَاغِباً مُسَارَعَةً إلى الانْتِقَام من الزَّوْجِ، والمعنيان مَفْقُودَانِ، في الْمتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَجَازَ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهَا.
وفي البائنة وجد المعنى الثاني دون الأولِ، فكان على الخلاف والقائلون بهذا البِنَاءِ طردوا الْخِلاَفَ في المطلقة ثلاثاً وَفِي الْمَفْسُوخِ نِكَاحُهَا.
وقيل: إِنْ فَسَخَ الزَّوْجُ فعلى الْخِلاَفِ، وإِن فَسَخَتْ هي لم يَجَزْ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتَهَا قولاً واحداً، لأَنَّهَا رغبت عن صُحْبَتِه، فلا يؤمن كذبها في انقضاء الْعِدَّةِ إِذَا وَجَدَتَ رَاغِبًا.
والتَّصْرِيحُ في الخِطْبَةِ: أن يقولَ: أُرِيْدُ أَنْ نكاحك أو: إِذَا انْقَضَتْ عِدَتُكِ نَكَحْتُكَ، وإذا حللت فلا تفوتي على نفسك.
والتَّعْرِيضُ ما يحتمل الرغبة في النكاح 1 وغيره: كقوله: رُبَّ رَاغِبٍ فِيْكِ من يجد مثلك، وَأَنْتِ جَمِيْلَةٌ، وإذا حللت فأذينني وَلَسْتُ بِمَرغُوبٍ عَنْكِ، ولا تبقين أيِّمًا، ورُبَّ راغِبٍ في نِكَاحِكِ، وإنَّ اللهَ لَسَائِقْ إِلَيْكِ خَيْراً، وما أشبه ذَلِكُ.
وَحُكْمُ جَوَابِ المَرأَةِ تَصْريحًا وَتَعْرِيْضَاً في هذه الصُّوَرِ حكم الخطبة، وجميع ما ذكرنا، فيما إذا خَطَبَهَا غَيْرُ صَاحِبِ العِدَّةِ، فأَمَّا إِذَا خطبها صَاحِبُ العِدَّةِ الَّتِي يَحِلُّ له نِكَاحُهَا، فله خطبتها صريحاً وتعريضاً، ثُمَّ في الْفَصْلِ مَسْألَتَانِ: إحداهما: تَحْرُمُ الخِطْبَةِ على خِطْبَةِ الْغَيْرِ بَعْدَ صريح الإِجَابَةِ إلاَّ إِذَا أَذن ذَلِكَ الْغَيْرُ أو تركها 2، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابنِ عُمَرَ -رَضِي اللهَ عَنْهُ- أنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه

وَسَلَّمَ- قَالَ: "لاَ يَخْطِبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيْهِ" 1. وَيُرْوَى "إِلاَّ بِإِذْنِهِ" وَصَرِيحُ الإجَابةِ أن يَقُولَ: أجبتك إلى ذلك.
أو تأذن لوليها في التزويج منه وهي ممن يعتبر إذنها، وإن لم تصرح بالاِجابة وَلَكِنْ وَجَدَ مَا يُشْعِرُ بالرِّضَا والإِجَابَةِ [مثل أن تقول لا رغبة عنك] 2 فقولان القديم: أنَّ الخِطْبَةَ لا تحرم أيضاً لإِطلاق الْخَبَرِ، وَيُحْكَى هذا عَن أَبِي حَنِيْفَةَ وَمَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللهُ.
وَالْجَدِيدُ: الْمَنْعُ: لأن خطبة الثاني لا تبطل شيئاً مقرراً، ولو ردت الخطبة فللغير خطبتها لا محالة، وإن لم تُوجَدْ الإجَابَةُ، ولا الرَّدُّ فمن الأَصْحَابِ مَنْ قَطَع بِجَوَازِ الْخِطْبَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْ للسكوت أَثَراً، ومنهم من طرد فيه القولين، وَجَعَل السُّكُوتَ في الباب من أَمَارَاتِ الميل أو التأمل والاستشارة، وأقام مقيمون كَلاَمَ الفريقين طريقين في الْمَسْأَلَةِ، ويمكن ألا يَجْعَلَ هذا خلافاً محققاً، ويحمل الأول على سكوت لم يقترن به ما يُشْعِرُ بالرِّضَا.
قال الأَئِمَّة: والْمُعْتَبَرُ ردُّ الْوَلِيَّ، وإجابته إنْ كانت بِكْراً، والْوَليُّ الأب أو الجد دون رَدِّهَا، وإجابتها ورد المرأة وإجابتها إنْ كانت ثَيِّباً أو بِكْراً، وَالْوَليُّ غيرهما دون رَدِّ الْوَلِيِّ، وإجابته وفي الرَّقِيْقَةِ: المعتبر رَدُّ السَّيِّدِ، وإجابته.
وفي الْمَجْنُوْنَةِ رد السلطان، وإجابته.
= استحباب خطبة أهل الفضل من الرجال فإذا وقع ذلك فلا شك أنه يأبى بالتحريم ما سبق في المرأة.
قال الخادم هذا غلط فاحش فإنه إنما امتنع ذلك في المرأة لأنها لا تحل إلا لزوج واحد أما الرجل الحر فإنه يتزوج أربعاً فهذا خطب لامرأة فكيف يعقل امتناع أن يخطب لغيرها وهو يجوز له نكاحها وعجيب قوله "فلا شك" نعم لو كان الشخص لا يجوز له إلا نكاح واحدة كالمجنون أمكن فيه ما قال.
انتهى.
وهو كلام محرر وقول الشيخ المصنف إلا إذا أذن الغير أو ترك استثنى أيضاً من رجع عن إجابته أو نكح من يحرم الجمع بينها وبين المخطوبة أو طال الزمان بعد إجابته بحيث يعد معرضاً كما حكاه الأذرعي عن الإِمام وشرط الحرمة أن يكون عالماً بالنهي وأن لا تكون الأولى محرمة بأن كانت في العدة واستثنى الأذرعي من تحريم الخطبة على الخطبة خطبة من لا أمان له ولا عهد قال فالوجه جواز الخطبة على خطبته وهل المرتد مثله.
فيه نظر.

واعلم أنَّ السَّابِقَ إلي الْفَهْمِ من إطلاقِ الأَكْثَرينَ، أن يكون سكوت الولي عن الجواب على الخلاف الذي مَرَّ، لكن ذكر بَعْضُهُم أنَّ سُكُوتَ الولي لا يمنع الخطبة قَطْعاً، كما أنّ السُّكُوتَ لا يمنع السَّومَ على السَّوم بخلاف سكُوتِ الْمَرْأَةِ؛ لأنها مَجْبُولَةٌ على الْحَيَاءِ فلولا الرِّضَا عند السُّكُوتِ لَبَادَرَتْ إلىَ الرَّدِّ.
وعن الدَّارِكِيِّ: أَنَّ الْخِلاَفِ في سكُوتِ الْبِكْرِ، أما الثَّيِّبُ فإن سُكوتَهَا لا يمنع الْخِطْبَةَ بحال.
فَرْعٌ: يَجُوزُ الْهُجُومُ عَلَى الْخِطْبَةِ للذي لم يدر أنها أخُطبت أم لا، ولم يَدْرِ أن الْخَاطِبَ أجيب أم رد ولذلك الجواب 1 واحتج له بخبر فَاطِمَةَ بنت قَيْسٍ، وَذَلِكَ أن زوجها طَلَّقَهَا فَبَتَّ طلاقها، فَأَمَرَهَا النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ تَعْتَدَّ في بيت ابن أُمِّ مَكْتُومٍ وقال لها: "إِذَا حَلَلْتِ فَأْذَنِيْنِي" فلما حلت أخبرته أن معاوية وأبا جهم قد خطباها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ انْكِحِي أُسَامَةَ" 2. والاستدلال أنه خطبها لأسامة بعد خطبة غيره لما لم يعلم أنها أجابت أوردت.
فَرْعٌ: وَلاَ فَرْقَ بين أن يكون الْخَاطِبُ الأَوَّلُ مُسْلِماً أو ذمِّيّاً وهذا إذا كانت المخطوبة ذمية.
وعن أبي عِيْدِ بنِ حربُوْيَه: أنَّ الْمَنْعَ مَخْصُوصٌ بما إذا كان مُسْلِماً، أَمَّا الذِّمِّيُّ فتجوز الخطبة على خطبته، وبمثله أجاب في السَّومِ على السَّومِ 3. الثانية: يجوز الصِّدقُ في ذكر مَسَاوِئ الْخَاطِبِ، ليحذر 4، بدليل خَبَرِ فَاطِمَةَ

بِنْتِ قَيْسٍ -رضي الله عنها- فإن النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمُ- تعرض للخاطبين بما يكرها، ومعاوية الذي خَطَبَهَا هو ابن أبي سُفْيَانَ على المشهور، وقيل: بل غيره.
وقوله: لاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ.
قيل: كناية عن كَثْرَةِ الضَّرْبِ، وَسُوءِ الْخُلُقِ.
وقيل: عن كثرة السَّفَرِ.
وَعَن أبي بَكْرِ الصَّيْرَفِىُّ: أَنَّهُ كِنَايَةٌ عن كثرة الْجِمَاعِ، واسْتُبْعِدَ ذلك؛ لبُعْدِ اطِّلاَعِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على هذه الْحَالَةِ من غيره، ثم لبعد ذكره عن خلقه وأدبه، ثم؛ لأن المرأة لا ترغب عن الخاطب بذلك، وليس هذا من الغيبة المحرمة إنما الغيبة المحرمة ذكر مَثَالِب النَّاسِ وإضحاك النَّاس بها وهتك أسْتَارِهِمْ، وذكر مساوئ الإِنْسَانِ بين يدي عدوه تَقَرُّبَاً إليه، وما أشبه هذه الأَغْرَاضَ الْفَاسِدَةَ 1. وأما إذا أراد نصيحة الْغَيْرِ ليحترز عن وصلته بالنِّكَاحِ، والشركة ونحوهما، فلا منع.
= مساوئها جوازًا أو وجوباً لم أرَ فيه شيئاً والوجوب مطلقاً بعيد بل عليه النصح إجمالاً بأن لا يقول في ما لا يلائمكم ونحو ذلك ويعيد جواز ما لا يباح له التحدث به من الفواحش ونحوها ولا خرج عليه في قوله عندي شح أو خلقي شديد ونحوهما فلو كان عنينا أو أشل فيجب أن يبين حاله بياناً لعيبه كما لو كان به برص ونحوه من العيب وهذا ظاهر لا شك فيه.
انتهى.
قال في الخادم: قال البارزي إن كان فيه شيء من العيوب المثبتة للخيار وجب ذكره للزوجة وإن كان فيه ما يقلل الرغبة عنه كسوء الخلق والتسبيح وغيره مما لا يثبت الخيار استحب وإن كانت المساوئ في المعاصي وجب عليه التوبة في الحال ويستر نفسه وإن كانت الاستسارة في ولاية فإن علم من نفسه عدم الكفاية أو الخيانة وأنه لا تطوعه نفسه على تركها فيجب عليه أن يبين ذلك أو يقول لست أهلاً للولاية.
انتهى.
وذكر المساوئ محله إذا لم يحصل الغرض بدون تفضيل فإن حصل بالبعض وجب الاقتصار عليه كما ذكره النووي في الأذكار والغزالي في الإِحياء.

وقد رُوِيَ أنه قَالَ -صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ- قال:" إِذَ اسَتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحُهُ" 1. قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ): يُسْتَحَبُّ الخُطْبَةُ عِنْدَ الخِطْبَةِ، وَعِنْدَ العَقْدِ، وَحَسَنٌ أَنْ يَقُولَ الوَلِيُّ: الحَمْدُ للهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ زَوَّجْتُ، وَيَقُولُ الزَّوْجُ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَقْبَلُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ بَيْنَ الإِيجَابِ وَالقَبُولِ لاَ يَضُرُّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِمَنْ خَطَبَ امْرأَةً أن يقدم بين يدي خِطْبَتهِ خُطْبَةً، فَيَحْمَدَ اللهَ، ويثني عليه، ويُصَلِّي على رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ويوصي بتقوى اللهِ تَعَالَى، ثم يقول: جئتكم خاطباَ كَرِيْمَتَكُمْ ويخطب الولي أيضاً كذلك ثم يقول: لست بمرغوب عَنْك وما في معناه ويُسْتَحَبُّ خطبة أيضاً عند العقد.
رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -رضي اللهُ عَنْهُ- النَّبِيَّ -صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: = الرابع: تحذير المسلمين من الشر، وذلك من وجوه.
منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنِّفين، وذلك جائز بالإِجماع، بل واجب، صوناً للشريعة.
ومنها: الإِخبار بعينه عند المشاورة في مواصلته.
ومنها: إذا رأيت من يشتري معيباً، أو عبداً سارقاً، أو زانياً، أو شارباً، تذكره للمشترى -إذا لم يعلمه- نصيحة، لا بقصد الإِيذاء والإِفساد.
ومنها: إذا رأيت متفقهاً يتردد إلى فاسق أو مبتدع يأخذ عنه علماً، وخفت عليه ضرره، فعليك نصيحته ببيان حاله قاصداً النصيحة.
ومنها: أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهلَّيته أو فسقه، فتذكره لمن عليه ولاية ليستبدل به، أو يعرف حاله فلا يعتبر به أو يلزمه الاستقامة.
الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته، كالخمر، ومصادره الناس، وجباية المكوس، وتولّي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ولا يجوز بغيره إلاّ بسبب آخر.
السادس: التعريف، فإذا كان معروفاً بلقب، كالأعمش والأعرج والأزرق والقصير ونحوها، جاز تعريفه به، ويحرم ذكره به تنقصاً، ولو أمن التعريف بغيره، كان أولى.
هذا مختصر ما تباح به الغيبة.
والله أعلم.

"كُلُّ كَلاَم لاَ يُبْدَأُ فِيْهِ بِالْحَمْدِ للهِ فَهُوَ أجْذَمُ" 1 ويروى "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأ فِيْهِ بِحَمْدِ اللهِ فَهُوَ أبْتَّرٌ".
وسواء خطب الولي، أو الزوج، أو أجنبي يحصل الاستحباب وإذا قال الولي: الحمد لله، والصلاة على رسول الله زوَّجت منك، فقال الزوج: الحمد لله والصلاة على رسول الله قبلت، هل يصح النكاح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا -لأنه تخلل بين الإِيجاب والقبول ما ليس من العقد.
وأصحهما: الصحة؛ لأن المتخلل من مصالح العقد، ومقدمات القبول، فلا يقطع الموالاة بينهما كالإِقامة بين صلاتي الجمع، وكطلب الماء والتيمم، وبهذا الوجه أجاب أكثر الأصحاب من العراقيين وغيرهم، وقالوا: للنكاح خطبتان مستويتان: إحداهما: تتقدم العقد.
والثانية: تتخلله وهو أن يقول: الولي بِسْمِ اللهِ، والْحَمْدُ للهِ، والصلاة على رسول الله أوصيكم بتقوى الله.
زوَّجتك فلانة، ويقول الزوج مثل ذلك [ثم يقول قبلت، وعلى هذا ينطبق قوله في الكتاب ثم يقول الزوج مثل ذلك بعد قوله] 2 وعلى هذا ينطبق قوله وحسن أن يقول الولي إلى آخره، ثم هنا كلمتان: إحداهما: قال الأئمة -رحمهم الله-: موضع الوجهين ما إذا لم يطل الذكر بينهما، فإنْ أَطَالَ قطعنا ببطلان العقد 3، وكان يجوز أنْ يُقَالَ إذا كان الذّكْرُ مقدمة للقبول وَجَبَ ألا تضر إطالته؛ لأنها لا تشعر بالإِعراض.
والثانية: لو كان المتخلل كلاماً لا يتعلق بالعقد ولا يستحب فيه، فإيراد بعضهم يقتضي الجزم بالبطلان.
وحكى الإِمَامُ وجهين فيه أيضاً: وَجْهُ البُطْلاَنِ فيه أنَّ الكلامَ الأجنبي، وإن كان يسيراً فهو كالسُّكُوتِ الطويل ألَّا

ترى أنّ الكلامَ اليسير يبطل الموالاة في الفاتحة، كالسكوت الطويل 1 واستشهد للوجه الثاني بنصِّ الشَّافِعِيِّ -رحمه الله- في مسألة نذكرها في آخر الباب الأول من كتاب "الْخُلْعِ" إن شاء الله -تعالى- فعلى هذا لا فرق في جريان الوجهين، وكان الفرق في الأظهر منهما، ويتأيد ما ذكرناه بأن مقدار الإقامة مما ليس من مصلحة الطلاق لا يبطل الموالاة بين صلاتي الجمع، فالحكم يدار على كون المتخلل يسيراً، لا على كونه مصلحة الصلاة 2 واستحب الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- أن يقول الولي: أنكحتها على ما أَمَرَ اللهُ تَعَالَى من إمساك بِمَعْرُوفٍ، أو تَسْرِيحٍ بإحسان، وهذا إذا ذكراه قبل العقد، فذاك، وإن قيد الولي الإِيجاب به وقبل الزوج مطلقاً أو مكرراً له فوجهان: أحدهما: أنه يبطل النكاح؛ لأنه نكاح بشرط الطلاق على أحد التقديرين، وهذا ما اختاره الشَّيخُ أبو مُحَمَّدٍ.
وأصحهما: الصحة؛ لأن كُلَّ زوجٍ مأخوذ به بموجب الدّين فليس في ذكره إلاَّ التعرض لمقتضى العقد، وفصّل الإمام فقال: إن أجرياه شرطاً ملزمًا، فالوجه البطلان، وإن قصدا الْوَعْظَ دون الإلْزَامِ لم يضر، وإن أطلقا احتمل واحتمل وَقَرِيْنَةُ الْحَالِ تدل على قصد الْوَعْظِ، وتبركَ الأئمة بخطبة النِّكَاح بما روي عن ابنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- موقوفاً ومرفوعاً: قال: إذا أراد أحدكم أن يخطب لحاجة من النكاح أو غيره فليقل: الحَمْدُ للهِ.
نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ثم قرأ هذه الآيات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70، 71]. وعن القَفَّالِ: أنه كان يقول بعد هذه الخُطْبَةِ: أما بعد فإنّ الأمور كلها بيد الله يقضي فيها ما يشاء ويحكم ما يريد لا مُؤَخَّرَ لِمَا قَدَّمَ، وَلاَ مُقَدِّمَ لِمَا أَخَّر، ولا يجتمع اثنان، ولا يفترقان إلاَّ بقضاء الله، وقدره وفي كتاب قد سبق، وإن مما قضي الله وقدر أن خطب فلانٌ بنُ فلانٍ فُلانَةَ بِنْتَ فُلاَنٍ على صداق كذا، وسيزوجها وليها، أو وَكِيْلُ

وَلِيِّهَا على ما سمى من الصدقات على ما أخذ الله للمؤمنات على المؤمنين من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.
أقول: قولي هذا وأستغفر اللهَ لي ولكم أجمعين.
وزاد القاضي الرُّوَيَانِيُّ وغيره بين كلمتي الشهادة وبين الآيات الذي أرسله بالهدى، ودَيْنِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّيْنِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهِ الْمُشْرِكُونَ، ثم اعلموا أن الله تعالى أَحَلَّ النكاح، وندب إليه وحرم السِّفَاحَ وأوعد عليه فقال تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: 32] الآيتين.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوْا" وقال: "النِّكَاحُ سُنَّتِي... " (1) الحديثين وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ للزوجين بعد العقد رُوِيَ أنه -عليه السَّلامُ- كان يقول للإنسان إذا تزوج "بَارَكَ اللهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ" (2) وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال لي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "يَا جَابِرُ تَزَوَّجْتَ؟ فَقُلْتَ: نَعَمْ.
فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ" (3). قَالَ الغَزَالِيُّ:

(القِسْمُ الثَّانِي في الأَرْكَانِ)

وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: (الأَوَّلُ الصِّيغَةُ) وَهِيَ الإِنْكَاحُ وَالتَّزْوِيجُ، وَلاَ يَقُومُ (ح م و) غَيْرُهُمَا مَقَامَهُمَا إلاَّ تَرْجَمَتَهُمَا (و) بِكُلِّ لِسَانٍ في حَقِّ القَادِرِ وَالعَاجِزِ جَمِيعاً، وَلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالكِنَايَةِ لأَنَّ الشَّاهِدَ لاَ يَعْلَمُ النِّيَّةَ، وَلاَ البَيْعُ عَلَى وَجْهٍ لأَنَّ المُخَاطَبَ لاَ يَعْلَمُ، وَيَصِحُّ الطَّلاَقُ وَالإِبْرَاءُ وَالفَسْخُ وَمَا يَسْتَقِلُّ بِهِ، وَهَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ قَبِلْتُ123

أَوْ لاَ بُدَّ أَنْ يَقُولَ قَبِلْتُ نِكَاحَهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالنَّصُّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِالإِسْتِيجَابِ وَالايجَابِ، وَالخُلْعُ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ العَمْدِ وَالكتَابَةِ أَوْلَى بِالانْعِقَادِ، وَفِي البَيْعِ قَوْلاَنِ، وَقِيلَ بِطَرْدِ القَوْلَيْنِ فِي الجَمِيعِ وَهُوَ القِيَاسُ.

"

القول في أركان النكاح

" قال الرَّافِعِيُّ: عد أركان النِّكَاح أربعة: أحدها: الصيغة إيجاباً وقبولاً فيقول الولي: زوجتك أو نكحتُك، ويقول الزوج: تزوجت، أو نَكَحْتِ، أو قبلت تزويجها، أو نكاحها، أو يقول الزَّوْجُ أولاً: تزوَّجتُها أو نَكَحْتُها فيقول الوليُّ: زوَّجتُك أو أنكحتُكَ.
واللفظ المعتبر في الباب هو الإِنكاح والتزويج، فلا ينعقد بسائر الألفاظ سواء منها ما يقتضي التمليك 1 كالبيع والهبة والصدقة 2، أو لا يقتضيه كالإِحلال والإِباحة وسواء إن جرى ذكر المهر، أو لَمْ يَجْرِ.

وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: ينعقد بما يقتضي التمليك دون الإِحلال والإِباحة، وعنه اختلاف رواية في لفظ الإِجارةِ.
وقال مالك -رضي الله عنه-: ينعقد بسائر الألفاظ بشرط ذكر الْمَهْرِ، واحتج الأصحاب للمذهب بأن ما ينعقد به غير النكاح لا ينعقد به النكاح؛ كالإِحلال والإِباحة، فإن النكاح ينزع إلى العبادات لورود الندب فيه، والأذكار في العبادات تُتَلَقَّى من الشرع، والقرآن ورد بهذين اللفظين دون غيرهما، وهل ينعقد بمعنى اللفظين بالعجمية، وسائر اللغات؟! فيه طريقان: أحدهما: إنه إن كان يحسن الْعَرَبِيَّةَ، ويقدر على التكلم بها، فلا ينعقد؛ لأنه عدل عن النكاح، والتزويج مع القدرة فصار كما لو عدل عن البيع والتمليك وَيُحْكَى هذا عن أحمد.
وإن لم يحسنها فوجهان: أحدهما: أنَّ الجواب كذلك؛ لأن العربية لما كانت شرطاً عند القدرة لم يَجُزْ غيرهما عند الْعَجْزِ كقراءة الفاتحة، وعلى هذا فيصبر إلى أن يتعلم، أو يوكل.
وأصحهما: الانعقاد؛ لأنه لفظ لا يتعلق به إعجاز، فاكتفى بترجمته عند العجز كالتكبير وعلى هذه الطريقة جَرَى الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وآخرون.
وأظهرهما: أنه إن لم يحسنها انعقد النكاح وجهاً واحدًا ولا يكلف التعلم والعقد، بغير لغته كما في سائر العقود، وإن أحسنها فوجهان: أصحهما: الانعقاد أيضاً اعتباراً بالمعنى وليس كلفظ البيع والتمليك، لاختلاف المعنى، وتحكى هذه الطريقة عن ابن أبي هُرَيْرَةَ والقاضيين أبي حَامِدٍ وأبي الطَّيِّبِ، وإذا أطلقنا الكلام، واختصرنا حصل في المسألة ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ: ثالثها: الفرق بين أن يُحْسِنَ العربية، أو لا يحسنها وينسب هذا إلى الإصْطَخْرِيِّ ومنهم من ينسب إليه المنع المطلق وترجمه اللفظين بالعجمية أن يقول: ["بزنى توداذم"] 1 ويَقُولُ الزَّوجُ: [بزني كردم] 2، [أو] 3 نحو ساتم [بزنى، أو = أخذا من الكتاب والسنة بالاستقراء دون الهبة.
وأما المعقول فقد قالوا فيه: إن الهبة من ألفاظ الطلاق حتى أن يقع الطلاق بقوله الزوجية: وهبتك لأهلك فلا يكون موجبًا لضده.
واستدل المالكية والحنفية على انعقاد النكاح بلفظ الهبة بنفس الآية التي استدل بها الشافعية.
ووجه الدلالة منها أنهم قالوا: إن هذا اللفظ انعقد به نكاح النبي -صلى الله عليه وسلم- فوجب أن ينعقد به نكاح أمته كلفظ الإِنكاح والتزويج.

يديرافتم بزنى] 1 ولا يكفي أن يقول [بتوداذم] 2 فيقول [بنيرافتم] 3، لأنه معنى الهبة دون النكاح، وإذا أتى أحد المتناكحين بالعربية والآخر بغيرها لم يخف التخريج على الخلاف المذكور، وإذا صححنا فذلك إذا فهم كل واحد منهما كلام الآخر، فإن لم يفهم ولكن أخبره ثقة عن معنى لفظ الآخر، ففي الصحة وجهان 4، ولا يُشْتَرَطُ اتفاق اللفظين من الجانبين.
بل لو قال: أنكحتك فقال الزوج: تزوجت، أو قال: زوجتك.
فقال: نكحت جاز كما سبق نظيره في "البيع" ثُمَّ في الفصل مسألتان: المسألة الأولى: لا ينعقد النكاح بالكنايات وينعقد بما يستقل به الشَّخْصُ كالطلاق والفسخ والإِبراء، وفي "البيع" وجهان.
وكل ذلك قد ذكرناه في "البَيْع" فإذا قال الولي: زوجتكها فليقل الزوج: قبلت نكاحها أو تزوجتها أو قبلت هذا النكاح، فإن اقتصر على قوله: قبلت فالنص في "الأم" أنه لا يصح النكاح، وهو ظاهر كلامه في "المختصر" ونصه في "الإِملاء" الصحة، وفيهما طرق للأَصْحَابِ: أصحها: أنَّ الْمَسْألَةَ على قولين: أحدهما: الصحة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لأن الْقَبُولَ ينصرف إلى ما أوجبه الولي، فكان كالمعاد لفظاً.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه لم يُوْجَدْ منه التصريح بواحد من لفظي النِّكَاحِ والتزويج، والنِّكَاحُ لا ينعقد بالكنايات.
والثاني: القطع بالمنع، والمطلق في "الإملاء" محمول على المقيد في "المختصِر".
والثالث: القطع بالصحة، وينزل ما في "الأم" و"المختصر" على التأكيد، ولو قال: قبلت النكاح، ولم يضف النكاح إليها، أو قال: قبلتها، ولم يذكر النكاح، ففيه خِلاَفٌ مرتب على الخلاف فيما إذا اقتصر على قوله: "قبلت"، وهاتان الصورتان أولى

[بالصحة] 1 للتصريح بالنكاح في الأولى والإضافة إلى المنكوحة في الثانية، وأجرى مجرون الْخِلافِ فيما إذا قَالَ: زَوَّجْنِي، أو أنْكَحْنِيْ، فقال الْوَلِيُّ: قَد فَعَلْتُ ذَلِكَ، أَوْ نَعَمْ اكتفى بلَفْظِ النِّكَاحِ في أحد الطرفين، وفيما إذا قال الوَلِيُّ: زوجتكها أو أنكحتكها.
أَقَبِلْتَ؟ قَالَ: نعم.
وكذا لو قال: نعم من غير قول الولي: أقبلت؟.
ومنهم من قطع بالمنع، كما لو قال أتزوجني ابنك؟.
فقال: نعم.
فقال: قبلت.
والأول أقيس، وفي نظائر هذه الصور من البيع ينعقد البيع وكذا لو قال: بعت منك كذا فاقتصر في الجواب على قوله: قبلت على ما سبق في "البيع".
وحكى الحنَّاطِيُّ وجهاً: أنه لا ينعقد كما في النكاح، وقد ذكرنا في "البيع" خلافاً فيما إذا كتب إلى غَائِبٍ بالبيع ونحوه مِنَ التَّصَرّفَاتِ، وَأَمَّا في النِّكَاحِ ففيما علق عن القاضي أبي سعد الهَرَوي إثبات وجهين أيضاً؛ لأن الْغَائِبَ يخاطب بالكتاب، وَقَطَعَ بالْمَنْعِ فِيْمَا إِذَا كانا حاضرين فَتَنَاكَحَا بالكتابة؛ لأنه لاَ ضَرُورَةَ، والْمَشْهُور الْمَنْعُ في الغائب أيضاً؛ لأن الكتابة كناية والنكاح لا ينعقد بالكناية.
قال في "التَّهْذِيْبِ": ولو خاطب غائباً بلسانه فقال: زوَّجتُك ابنتي، ثم كتب فبلغه الكتابة أو لم تبلغه أن بلغه الخبر فقال: قبلت نكاحها فيلغو؛ لتراخي الْقَبُولِ عَنِ الإيْجَابِ، أَوْ يصح ويجعل كَأنَّهُ خاطبه حين أتاه الكتاب، أو الخبر.
فيه وجهان وقد يُسْتَبْعَدُ خِطَابُ الغائب بقوله: زوجتك ابنتي؛ لأن مكالمة الغائب بخطاب الحاضر ضربُ سَفَهٍ.
ولو قال: زوجت ابنتي من فلان، وجب أن يكون على هذا الخلاف وقد حكينا في نظيره من "البيع" الصحة، ثم إذا قلنا بصحة النكاح، إما بمجرد الكتاب، أو

عند التَّلَفُّظِ، فالشَّرْطُ أن يقبل في مجلس بلوغ الخبر، وَأَنْ يَقَع الْقُبُولُ بمحضر شاهدي الإِيجاب 1 فإن حضر غيرهما لم يصح.
فَرْعٌ: قال القاضي الرُّويَانِيُّ: إذا استخلف القاضي فقيهاً في تزويج امرأة لم يَكْفِ الكتاب، بل لا بدّ من اللفظ.
وفي "المجرد" للحَنَّاطِيِّ: أنه على وجهين وهل للمكتوب إليه اعتماد الخطِّ الظاهر المنع 2. وفيه وَجْهٌ متفرع من الخلاف في جواز الاعتماد على منشور تولية القاضي.
المسألة الثانية: إذا قال: زوجني -فقال الولي: زوجتك فَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ بعده: قبلت- فلا كلام في صحة النكاح، وإن لم يقل فالنَّصُّ الصحة أيضاً لوجود الاستدعاء الجازم.
وقد رُوِيَ أَنَّ الأَعْرَابِيَّ الَّذِي خَطَبَ الواهبة قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: زَوَّجْنِيْهَا فقال: "زَوَّجْتُكَهَا" ولم ينقل أنه قال بعد ذلك: قبلت 3. وهذا ظاهر المذهب؛ وبه قال أبو حَنيْفَةَ -رضي الله عنه- وحكى الإِمَامُ أن من الأصحاب من أثبت فيه الْخِلاَفَ الذي سبق في "البيع".
ذكره.
والخلع، والصلح عن الدم والإِعتاق على المال أولى بأن ينعقد بالاستيجاب والإِيجاب فإذا قالت: طلقني أو خالعنيَ على أَلْفٍ، فأجابها الزوج طلقت ولزمها الألف، ولا حاجة إلى قبول بعده.
وكذا لَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: أعتقني على كذا، فأجابه إليه، أو قال من عليه القِصَاصُ: صالحني على كذا، فقال المستحق: صالحتك عليه، وإنما كانت أَوْلَى بالانعقاد؛ لأن الْغَرَضَ الأَصْلِيَّ من هذه العقود الطلاق، والعِتْقُ والعَفُّو، وهذه المقاصد يمكن تحصيلها بلا عِوَضٍ، وإن ذكر عوض فهو على سبيل الاقتداء والتبعية ولهذا صح

بدل المال على الطلاق، والعتاق من الأجنبي -وأما النِّكَاحُ فَإنَّهُ لاِ يخلو في وَضْعِهِ على العِوَضِ إلاَّ في غاية النُّزورِ، فكان أشبه بالبيع والمْعَاوَضَاتِ، ويحققه أن هذه العقود تصح بِصَيْغَةِ التَّعْلِيقِ بِخِلاَفِ الْمُعَاوَضَاتِ، وإذا عَرَفْتَ أن هذه العقود أولى بالانعقاد، فالقاطعون بأن النِّكَاحَ ينعقد بالاستيجاب والإِيجاب أولى بالقطع هاهنا والمثبتون للخلاف هناك امتنع أكثرهم من طرده هنا.
وعن الشَّيْخِ أبي محمد رواية طريقة طاردة للخلاف في هذه العقود، واستحسنها الإِمام وصاحب "الكتاب" من جهة القياس وتردد الشَّيْخُ أبو محمد في أَنَّ الكتابةَ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْخُلْعِ [والعتاق] 1 حتى نقطع بانعقادها بالاستيجاب والإِيجاب، أو منزلة النكاح حتى يجيء فيه الطريقان؛ لأن الْكِتَابَةَ مترددة بين الإِعتاق والمعاوضات، والاحتمال الأول هو المذكور في الكتاب، وجميع ما ذكرنا فيما إذا كانت صيغة الاستدعاء: زوجني وخالعني وأعتقني ونحوها.
أما إذا قال الزوج قل [زوَّجتُكَها] 2 منك قال الشَّيْخُ أبو محمد رحمه الله: ليس ذلك في معنى الاستيجاب؛ لأنه اسْتِدْعَاءُ للفْظِ دون التزويج، فإذا تلفظ أشبه أن يقتضي القبول، كما كان يقتضيه إذا لم يستدع شيئاً.
ولو قال الوَلِيُّ: لا تتزوج ابنتي، فقال الزَّوْجُ: تزوجت فهو كما لو قال الزوج: زوجني فقال الولي: زوجت، هذا هو الجواب المعروف، وقد حكينا في "البَيْعِ" عَنْ بَعْضِهِمْ الْمَنْعَ ويمكن أَن نقول بمثله هنا.
ولو قال: أتزوجني ابنتك، أو زوجت منى ابنتك فقال الولي: زوجت لم ينعقد إلاَّ أن يقول الخاطب بعده: تزوجت.
وكذا لو قال الولي: أتتزوج ابنتي؟ أو تزوجتها؟ فقال: تزوجت [لا ينعقد إلاَّ أن يقول الولي بعده: زوجتك؛ لأنه استفهام، ولو قال المتوسط للولي: زوجته ابنتك من فلان، فقال: زوجت] 3 ثم أَقْبَلَ على الخاطب فقال: قبلت نكاحها فوجهان كما ذكرنا في "البيع".
أحدهما: لا يصح لعدم الْخِطَابِ بين المتعاقدين.
وبه قال القَفَّالُ.
وأصحهما: الصحة -لوجود الإيْجَاب والقَبُولِ، وارتباط أحدهما بالآخر، أما لفظ الكتاب فقوله: "الصيغة -وهي الإنكاح والتزويج ليس من ضرب 4 قوله في [أول] 5 "البيع" "الصيغة وهي الإيجاب والقَبُوَلُ"، بل المُرَادُ هاهنا أنَّ الصِّيْغَة إيجاباً وقَبُولاً تُعْتَبَرُ مِنْ هَذَيْنِ اللَّفْظَينِ وقوله: "لا يقوم غيرهما مقامهما" معلم بالحاء والميم وقوله: "إلاّ ترجمتهما"

بالواو.
وقوله: "في حقِّ الْقَادِرِ كذلك" إشارة إلى الوجه الفارق بين القادر والعاجز.
وقوله: "فيه وجهان" بالواو للطريقين القاطعين على ما قَدَّمْنَا، ثم الخلاف على المشهور قولان لا وجهان.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ يَقْبَلُ النِّكَاحُ التَّعْلِيقَ فَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ وَلَدِي أُنْثَى فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا لَمْ يَصِحَّ (و) وإنْ كَانَتْ أُنْثَى، وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَني ابْنَتَكَ وَيضَعَ كُلُّ وَاحِدٍ صَدَاقَ الأُخُرَى لَمْ يَصِحَّ، لأن الشِّغَارُ المَنْهِيُّ عَنْهُ، وَلأَنَّهُ إِشْرَاكٌ فِي البُضْعِ فَإِنْ تَرَكَ جَعَلَ البُضْعَ صَدَاقاً فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَجُوزُ تَأْقِيتُ النِّكَاحِ وَهُوَ المُتْعَةُ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل ثلاث: المسألة الأولى: النِّكَاحُ لا يقبل التعليق.
مثل أَنْ يَقُولُ: إذا جاء رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ زَوَّجْتُكَ؛ لأن البيع والمعاوضات لا تقبل التعليقات، والنكاح مع اختصاصه بوجه الاحتياط أولى لو أخْبِرَ بِمَوْلُودٍ فقال لجليسه: إن كانت بنتاً فقد زوجتكها.
أو قال: إن كانت بنتي قد طلقها زوجها، أو مات عنها، وانقضت عدتها، فقد زوجتكها، أو كانت تحته أربع نسوة، فقال له غيره إن مَاتَت وَاحِدَةٌ: مِنْهُنَّ فقد زوجتك ابنتي.
أو قال: إن مات أبي ورثت منه هذه الْجَارِيَةَ، فقد زوجتكها وَبَانَ لأمر كما قدر 1 فقد تثبت هذه الصورة ونظائرها على أنه إذا زوج أمة أبيه، أو باعها على ظنِّ أنه حيٌّ، فَبَانَ أنه كان ميتاً يوم العقد.
هل يصح العقد؟.
فيه قولان ذكرناهما في أَوَّلِ "الْبَيْعِ".
فإن قلنا: لا يصح الْعَقْدُ هناك مع أَنَّهُ أَطْلَق، فهاهنا مع التعليق أولى، وإن قلنا: يصح عند الإِطلاق ففي هذه الصورة وجهان:

أحدهما: أنَّ النِّكَاحَ صَحِيْحٌ؛ لأن التصحيح، وإن جزم به على تقدير هذا التعليق، فإذا صَرَّحَ به فقد صَرَّحَ بمقتضى العقد، وَيُحْكَى هَذَا عَنْ أبِي حَنيْفَةَ رحمه الله.
وأصحهما: وهو الذي أورده الأكثرون: أنه لا يَصِحُّ لِفَسَادِ الصِّيْغَةِ، وذكر في "التهذيب" (1) أنه لو بُشِّرَ ببنت فقال: إنْ صَدَقَ الْخَبَرُ، فقد زوجتكها صح، ولا يكون ذلك تعليقاً، بل هو تَحْقِيقْ، كما لو قال: إن كنتِ زَوْجَتِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ يكون تَنْجِيْزاً للطلاق ويكون "إن" بمعنى "إذ"؛ لقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]. وكذا لَوْ أخْبِرَ: من له أَرْبَعُ نُسْوَةٍ بموت إحداهن، فقال لرجل: إن صَدَقَ الُخَبَرُ فقد نكحت ابنتك، وقال ذلك الرَّجُلُ: زوجتكها، صَحَّ ويجب أَنْ يكون هذا الْجَوَابُ مفروضاً فيما إذا تيقَّنْ صدق المخبر، وإلاَّ فكلمة "إن" للتردد فيما إذا دَخَلَتْ عليه تعليق واشتراط (2).

"

القول في حكم نكاح الشغار

" المسألة الثانية: إذا قال: زوَّجتُك ابنتي، أو أختي، أو أمتي على أن تزوجني ابنتك، أو أختك على أن يكون بضع كل واحدة منهما صداقاً لِلأُخْرَى وقبل الآخر، أو قال: زوجتك ابنتي، وتَزَوَّجْتُ ابْنَتَكَ، أو أختك على أن يكون بضع كل واحدة منهما صداقاً للأخرى.
فقال المخاطب: تزوجت وزوجت على ما ذكرت، فهذا نكاح الشِّغَارِ 3 وُسُمِّيَ بِهِ إِمَّا من قَوْلُهُمْ شَغَرَ الْبَلَدُ عَنِ السُّلْطَانِ إذا خلا لخلوه عن المهر.12

..................... = يزوجه الآخر موليته ليس بينهما صداق، وقد قال عياض عن بعض العلماء كان الشغار من نكاح الجاهلية يقول: شاغر في وليتي بوليتك أي: عاوضني جماعًا بجماع.
وقنت بعض العلماء الشغار إلى ثلاثة أقسام: الأول: صريح الشغار وهو أن يقول الرجل لصاحبه: زوجني ابنتك مثلاً على أن أزوجك ابنتي مثلاً من غير صداق.
الثاني: وجه الشغار وهو أن يقول له زوجني ابنتك بمائة على أن أزوجك ابنتي بمائة.
الثالث: المركب منهما، وهو أن يقول له زوجني ابنتك بلا شيء على أن أزوجك ابنتي بمائة، فالصريح هو الخالي من الصداق من الجانبين، والوجه هو المسمى فيه الصداق من الجانبين، والمركب هو المسمى فيه لواحدة دون الثانية.
ويحرم الإِقدام عليه بجميع أنواعه لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الإِشِغَارَ في الإِسْلاَمِ" ولما كان المالكية قد قسموا الشغار إلى الأقسام الثلاثة المتقدم نبين الحكم عندهم في هذه الأقسام، أما صريح الشغار فقالوا: يفسخ مطلقاً قبل الدخول، وبعده ولو ولدت الأولاد، ولا شيء للمرأة قبل الدخول ولها بعده صداق والمثل، وأما وجه الشغار فقالوا: يفسخ قبل الدخول، ولا شيء فيه للمرأة، ويثبت بعده بأكثر من المسمى وصداق المثل وأما المركب منهما، فيفسخ قبل الدخول في كل، ولا شيء فيه للمرأة، ويثبت نكاح المسمى لها بعد الدخول بالأكثر من المسمى، وصداق المثل، ويفسخ نكاح من لم يسم لها، ولها صداق الله.
وقد اختلف الفقهاء في نكاح الشِّغَار هل هو صحيح أو فاسد ونستطيع أن نحصر الخلاف بينهم في مسألتين: الأولى: إذا لم يسميا صداقًا لواحدة منهما، بل يجعلان يضع كل صداقًا للأخرى، وهو المسمى بصريح الشغار، وقد اختلف الفقهاء في صحة هذا النكاح وفساده.
فذهب المالكية، والحنابلة، والظاهرية والشافعية إلى القول بفساد النكاح في هذه الحالة.
إلا أن الشافعية كما يفهم مما جاء في كتبهم يقولون إن محل فساد النكاح في هذه الحالة إذا جعل بضع كل واحد منهما صداقًا للأخرى، وأما إذا لم يجعل بضع كل منهما صداقًا للاخرى، فالأصح عندهم الصحة للنكاحين.
وذهب الحنفية إلى القول بصحة النكاح، وأنه يجب لكل واحدة منهما مهر مثلها، وحكي هذا عن عطاء وعمرو بن دينار، ومكحول، والزهري، والثوري.
استدل الحنفية ومن معهم بما يأتي -قالوا لما جعلا بضع كل منهما صداقًا للأخرى فقد سميا ما لا يصلح صداقًا.
والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة وإذا كان الأمر كذلك صح النكاح ووجب مهر المثل كما لو سميا خمرًا أو خنزيرًا.
فيكون حاصل هذا الدليل أن فساده من جهة المهر وفساد المهر لا يوجب فساد العقد.
ويرد هذا الدليل بأن الفساد هنا ليس من جهة المهر بل فساده من جهة أنه أوقفه على شرط فاسد يوجب فساد العقد، إذ فيه التشريك في البضع لأن كل واحد منهما جعل بضع مولية موردًا للنكاح وصداقًا للأخرى فأشبه تزويجها من رجلين وهو باطل فكذلك ما هنا على أن هذا معقول في مقابلة النص وهو باطل.
واستدل المالكية ومن معهم بالسنة والمعقول.
أما السنّة: فأولاً ما روى عن أبي الزنا وعن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "نهي =

.................... = رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الشغار" ووجه الدلالة من هذا الحديث أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الشغار والنهي يدل على فساد المنهي عنه فوجب أن يكون الشغار فاسداً.
وهذا الذي روي عن أبي هريرة روي مثله أيضاً صحيحاً مسنداً عن ابن عمر فقد روي عنه أنه قال إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الشغار.
متفق عليه.
وروي أيضاً من طريق جابر وأنس.
ثانياً: ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "الإشغار في الإِسلام" ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لإشغار في الإسلام" وهذا يحتمل أمرين نفي وجود الشغار في الإِسلام.
ونفي صحة ولا شك أن وجوده في الإِسلام واقع فتعين حمل الكلام على نفي الصحة.
وأما المعقول فقد قالوا فيه أن كل واحد منهما جعل بضع موليته مورداً للنكاح وصداقاً للأخرى وذلك يوجب فساد العقد كما لو زوج موليته من رجلين.
وقد قيل للمالكية ومن معهم في الأحاديث ما يأتي -أولاً أن النهي عن نكاح الشغار ونكاح الشغار هو النكاح الخالي عن العوض وما هنا نكاح بعوض وهو مهر المثل فلا يكون شغارًا -وترد هذه المناقشة بأن القول بأن هذا نكاح بعوض وهو مهر المثل غير مستقيم.
فإن مهر المثل إنما أوجبتموه أنتم لتصحيح مذهبكم.
وذلك أن الواقع في العقد إنما هو جعل بضع كل منهما في مقابلة بضع الأخرى.
وثانيا: أن النهي يحمل على الكراهة -ويرد هذا بأن الأصل في النهي أن يكون للتحريم ولا يحمل على الكراهة إلا لدليل ولا دليل هنا.
لا سيما أن الشغار كان من أنكحة الجاهلية فرفعه الإِسلام ولذلك قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- "لا شغار في الإسلام" وأما تفرقة الشافعية بين ما إذا جعل بضع كل منهما صداقًا للأخرى وبين ما إذا لم يجعل بضع كل منهما صداقًا للأخرى حيث حكموا بالفساد في الصورة الأولى دون الثانية فتفرقة غير ظاهرة فإن نفي الصداق معناه جعل بضع كل منهما صداقًا للأخرى ولو لم يصرحا بذلك.
الثَّانِيَةَ: إذا سميا لكل واحدة منهما صداقًا وهو المسمى بوجه الشغار، أو سميا لواحدة منهما دون الأخرى، وهو المركب منهما.
اختلف الفقهاء في صحة النكاح وفساده في هذه الحالة أيضاً.
فذهب المالكية، والظاهرية إلى القول بالفساد في هذه الحالة أيضاً، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، قال ابن شهاب الدين الرملي: ولو سميا أو أحدهما ما لا مع جعل البضع صداقًا كأنه قال، وبضع كل وألف صداق الأخرى بطل في الأصح لبقاء معنى التشريك، والثاني يصح؛ لأنه ليس على صورة تفسير الشغار؛ لأنه لم يخل عن المهر.
وذهب الحنابلة إلى التفصيل، فقالوا إذا سميا صداقًا لكل واحدة صح النكاح، ولهم في المهر راويتان فقبل تفسد التسمية، ويجب مهر المثل؛ لأن كل واحد منهما لم يرض بالمسمى إلا بشرط أن يزوج وليته صاحبه، فينقص المهر لهذا الشرط، وهو باطل فإذا احتجنا إلى ضمان النقص صار المسمى مجهولاً فبطل، وعند بطلان المسمى يرجع إلى مهر المثل، والرواية الثانية أنه يجب المسمى؛ لأنه ذكر قدراً معلوماً يصح أن يكون مهرًا فصح.
وأما أن سميا صداقًا لواحدة دون الأخرى، فقيل بفسد النكاح فيهما، وقيل يفسد في التي لم يسمى لها صداق، ويصح في التي سمي لها مهر.
=

.......................... = استدل الحنابلة، ومن وافقهم على القول بصحة النكاح إذا سميا لكل واحدة منهما مهراً، بما رُوِيَ عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنِ الشِّغَار" والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته ليس بينهما صداق.
ووجه الدلالة من هذا أنهم قالوا إن الشغار المنهي عنه هو أن يزوج الرجل ابته على أن يزوجه ابنته ليس بينهما صداق.
وأما إذا وجد فيه صداق كما هنا فليس هو من الشغار المنهي عنه وإذا لم يكن كذلك فيكون صحيحاً.
ويرد هذا الدليل بأن تفسير الشغار الواقع في الحديث ليس هو من كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإنما هو من قول مالك وصل بالمتن المرفوع، وقيل هو من قول نافع.
فقد روى الإِسماعيلي من حديث محرز بن عون ومعن بن عيسى عن مالك عن نافع عن ابن عمير أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "نهى عن الشغار" -قال محرز قال مالك والشغار هو أن يزوج الرجل ابنته إلى آخر:- وقال صحيح مسلم من غير طريق مالك أن تفسير الشغار من قول نافع.
وإذا ثبت أن تفسير الشغار ليس من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا يكون فيه حجة وأما المالكية ومن وافقهم فقد استدلوا.
بما روي عن الأعرج أن العباس بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أنكح ابنته عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص بن أمية وأنكح عبد الرحمن ابنته ووإنا جعلا صداقًا فكتب معاوية إلى مروان بأمره أن يفرق بينهما وقال معاوية في كتابه هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ووجه الدلالة من هذا أن معاوية أمر بفسخ هذا النكاح مع أنه سمي فيه الصداق لكل واحدة منهما.
وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم يعرف له منهم مخالف.
فدل ذلك على فساده وألا لما أمر معاوية بفسخه ولما أقر عليه.
فإن قال قائل أن هذا اجتهاد من معاوية وعدم إنكار من حضر من الصحابة لا يدل على الرضى والموافقة -فإن السكوت في المسائل الاجتهادية لا يكون دليلاً على الرضى يجاب عن هذا بأن معاوية قال كتابه أن هذا هو الشغار الذي نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فقد نسبه إلى الرسول لا إلى اجتهاده وعلى ذلك يحمل سكوت من حضر من الصحابة على موافقتهم له بأن هذا من الشغار الذي نهى عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
وأما وجه قول الحنابلة فيما إذا سميا لأحداهما مهراً دون الأخرى على رواية أن النكاح يفسد فيهما.
فقد قالوا إن فسد في أحداهما فوجب أن يفسد في الأخرى لأن نكاح كل واحدة منهما متوقف على نكاح الأخرى.
وأما على روايهّ فساد نكاح التي لم بسم لها مهر دون الأخرى فذلك لأن نكاح التي لم بسم لها خلا من المهر بخلاف نكاح الأخرى فيفسد.
وأما الثانية فيصح نكاحها لأن فيه تسمية وشرطا فأشبه ما لو سمى لكل واحدة منهما ويرد هذا بأن الأولى فساد نكاحهما معاً لتوقف نكاح كل على نكاح الأخرى كما هو القول الأول.
والنظر في الأدلة ومناقشتها يقضي بترجيح مذهب من قال بفساد نكاح الشغار مطلق سواء أذكر في كل ذلك صداق لكل واحدة منهما أو لأحداهما دون الأخرى أو لم يذكر في شيء من ذلك صداق.
وذلك لأن الجميع يصدق عليه شغار وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الشغار خصوصاً إن الشغار كان من أنكحة الجاهلبة فجاء الإسلام بهدمه.

ويقال: لخلوه عن بعض الشرائط.
وإما من قولهم شَغَرَ الكَلْبُ: إذا رفع رجله لِيَبُولَ؛ لأن كُلَّ وَاحِدٍ منهما كأنه يقول: لا ترفع رِجْلَ ابْنَتِي مَا لَمْ أَرفَعْ رِجْلَ ابْنَتِكَ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ نِكَاحٌ رُفعَ عَنْهُ الْمَهْرُ.
وفي بعض "الشُّرُوحِ" أَنَّ الْكَلْبَ إذا كان يَبُولُ من حيث يصل من غير مُبالاة قيل: شَغَرَ الْكَلْبُ بِرِجْلِه، فَسُمِّيَ شغاراً لعدم المبالاة فيه بالمهر، وهو فاسد؛ لما رُوِيَ عن ابن عُمَرَ -رضي اللهُ عنه- أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن نِكَاحَ الشِّغَارِ والشِّغَارُ وَهُوَ أن يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوَجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ [ليس لهما صداق] 1 ويروى: وبضع كل واحد منهما مهر الأخرى 2. قَالَ الأَئِمَّةُ: وهذا التفسير يجوز أن يكون مرفوعاً، ويجوز أن يكون من عند ابنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- وذكروا في طريق المعنى شيئين.
أحدهما: إِنَّ فيه تشريكاً في البضع؛ لأن كُلَّ واحد منهما جعل بضع مولاته مورداً للنكاح، وصداقاً لِلأُخْرَى، فأشبه ما لو زوج امرأة من رجلين لا تصِحُّ النِّكَاح، وربما شبه ذلك بما إذا نكحت الحرة عبداً على أن تكون رقبته صداقاً لا يصح النِّكَاحُ، فكما لا يجوز أنْ يكون الرجل ناكحاً وصداقاً لا يجوز أن تكون الْمَرْأَةُ مَنْكُوْحَةً وصداقاً، وقد يعترض فيقال: المفسد هو الشَّرِيكُ من جهة واحدة، وذلك إذَا زوجها من رجلين هاهنا الشريك بجهتين مختلفتين، فَأَمْكَنَ أَنْ يَلْحَقَ بِمَا إِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ، ثُمَّ بَاعَها، أو أصدقها امرأة.

وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُخْرَى فسبب الْبُطَلانِ فيها ملك الزوجة الزوج، وهذا المعنى لو عرض فَسَدَ النِّكَاحُ، فهذا قارن ابتداءً منع الانعقاد.
والثاني عن القَفَّالِ: أَنَّ سبب الفَسَادِ التعليق والتوقيف كَأنَّهُ يقول: لاَ يَنْعَقِد لَكَ نِكَاحُ ابنتي، حَتَّى ينعقد لي نِكَاحُ ابْنَتِكَ، أَو زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي، أَوْ زَوَّجْتَنِي ابْنَتَكَ، وَكَانَتْ [لِلْعَرَبِ] 1 أَنْفَهُ وَحِمْيَّةٌ، وَجَاهِلِيَّةٌ، ولا يرضون بِأَنْ يُزَوِّجُوا حَتَّى يُزَوَّجُوْا.
وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: زوَّجتُك ابنتي على أنْ تزوجني ابْنَتَكَ وَقَبَلَ الآخَرُ، ولم يجعلا البضع صداقاً ففيه وجهان: أصحهما: الصِحة؛ لأَنَّ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ الذِي ورد في الخبر لم يُوْجَدْ، ولم يتحقق التَّشْرِيْكُ، وَلَيْسَ فيه إلاَّ شرط عقد في عقد، وأنَّهُ لا يفسد النكاح، فعلى هذ يصح [النكاحان] 2 ولكل واحدة مَهْرُ المِثْلِ.
والثاني: لا يصحُّ لمعنى التعليق والتوقيف، وخصص الإِمام الوجهين بما إذا كانت الصيغة هذه ولم يذكرا مَهراً وقطع بالصحة فيما إذا قال: زوجتك ابنتي بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِيْ ابْنَتَكَ.
قال: وليس الْفَرْقُ لذكر الْمَهْرِ، بل؛ لأنه رُوِيَ في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن نِّكَاحِ الشِّغَارِ وهو أن يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَه، عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهَ صَاحِبُهُ ابْنَتَهُ فَفُسرَ بهذا القدر من غير مزيد، ولك أن تقول هذا التفسير حاصل سواء ذُكِرَ المهر، أو لم يذكره إذ ليس فيه تعرض لترك المهر، كما ليس فيه تعرض لذكره، فلا يصلح مستنداً للفرق، وإذا قلنا بالوجه الأول؛ فلو قال: زوَّجتُك ابنتي على أن تزوجني ابنتك وبضع ابنتك صداق لابنتي فقبل: صح الأول وبطل الثاني ولو قال: وبضع ابنتي صداق لابنتك بطل الأول، وَصَحَّ الثَّاني وهذا نظر في معنى التَّشْرِيكِ، ولو سيما لهما، أو لأحدهما مهراً مع جعل البضع صداقاً، بأن قال أحدهما: زوَّجتُك ابنتي بِألْفٍ على أن تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ بِأَلْفٍ، وبِضْعُ كُلِّ واحدةٍ منهما صداق للأخرى، أو قال: على أن تزوِّجني ابنتك.
وَبِضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقُ الأخْرَى وألف، أو قال: زوَّجتُك ابنتي على أن تزوجني ابنَتَكَ، ويكون بِضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ وألف درهم صداقاً للأخرى فوجهان: أحدهما: وهو ظاهر لفظ "المختصر": أنه صحيحٌ؛ لأنه ليس على صورة تفسير لفظ الشِّغَارِ؛ ولأنه لم يخل عن الْمَهْرِ.
وأصحهما: البطلان -لقيام معنى التَّشْرِيكِ والتوقيف، ويحكى هذا عن نَصِّه في

"الإِملاء" ونص "المختصر" مَحْمُولٌ على ما إذا ذكر المهر، ولم يجعلا البضع صداقاً.
وقوله في الكتاب: "لم يصح" معلم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رضي الله عنه- نكاح الشغار صحيح وللمرأة مهر المثل وساعدنا مالك وأحمد على فساده.
واعلم أن اقتضاء التوقيف والتعليق البطلان ظاهر؛ لكن ليس في صورة نكاح الشِّغَارِ المشهور لفظة تعليق، وإنَّما هي لفظة الاشتراط، ولذلك قال صاحبُ "الكتاب" في "الوسيط" عند تصوير الشِّغَارِ: "وصورته الكاملة: أن يقول: زَوْجْتُكَ ابْنَتي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ بِضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهِمَا صداقاً للأخرى، ومنهما انعقد لك نكاح ابنتي انعقد لي نكاح ابنتك"، وهذا فيه تَعْلِيقٌ، وشرط عقد في عقد وَتَشْرِيْكٌ في البِضْعِ، ويشبه أن يُقَالَ: كانت الْعَرَبُ يفهمون منه التعليق، أو يستعملون لفظه.
فُرُوْعٌ: لو قال: زوَّجتك ابنتي بمتعة جاريتك صح النكاح صَحَّ النِّكَاحُّ وَفَسَدَ الصَّدَاقُ.
ولو قال: زوَّجتك جاريتي على أن تزوجني ابنتك وتكون رقبة جاريتي صداقاً لابنتك.
قال في "الشَّامِلِ": يصح النِّكَاحَانِ؛ لأنه لا تشريك فيما يرد عليه عقد النكاح، ويفسد الصداق، ولكل واحدة مهر مثلها ويجيء على معنى التعليق والتوقيف أن يحكم ببطلان النكاحين.
ولو طَلَّقَ امْرَأَتهُ على أن يزوجه صاحبه ابْنَتَه ويكون بضع امْرَأَتِهِ صَدَاقاً لها، فَيُزَوِّجَهُ صاحبه على ذلك.
حكى الْقَاضِيُ ابنُ كَجٍّ فيه وجهين عن أبي الحسين: أحدهما: يفسد النِّكَاحُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الصَّدَاقِ.
والثاني: إنه يَقْتَصِرُ الْفَسَادُ عَلَى الصَّدَاقِ.
ولو طَلَّقَ امْرَأَتَهُ على أن يعتق صاحبه عبده ويكلون طلاق امرأة هذا عِوَضاً عن عتق عبد هذا.
ذكر أبو عبد اللهِ الحِنَّاطِيُّ أنه يقع الطلاق، ولا رجوع بالمهر على أحد، وفي عتق العبد وجهان فإن عتق فلا رُجُوعَ بقيمته.
وقال القَاضِيُ ابنُ كجٍّ: عندي يقع الطلاق ويحصل العتق ويرجع المطلق على المعتق بمهر امرأته والمعتق على المطلق بقيمة عبده.

"

القول في تأقيت النكاح

" المسألة الثالثة: النِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ بَاطِلٌ سواء كانت المدة معلومة بأن نكحها إلى

جارٍ التحميل