العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 109-148

كِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِ

صفحات 109-148

بالزنا، وأنكر، لا يُحَدُّ؛ لأن الإقرار بالزنا يقْبلُ الرجوع، فيُجْعل إنكاره رجوعاً، ولا يَسْقُط القتل عن المرتد، بقوله رجعت ولا يقبل الإنكارُ والتَّكْذيب، ولو قال: كنْتُ مُكْرَهاً فيما أتيتُ به، نُظِر؛ إن كانت قرائنُ الأحوال تَشْهد [وله] 1 بأن كان في أسْر الكفار، أو كان محفوفاً بجماعة منْهم، وهو مستَشْعِرٌ 2، صُدِّقَ بيمينه، وإنما حَلَف؛ لاحتمال كونه مختاراً، قال صاحب "البيان" وغيره: وكذا الحكْم، لو قامت بينة على إقْراره بالبيع وغيره، وكان مقيّداً أو محبوساً، فقال: كنت مكرهاً، وإن لم تشْهَد القرائن بصدقه؛ بأن كان في دار الإسلام، لم يُقْبل قولُه، وأُجْرِيَ عليه أحكام المرتدِّين، وكذا لو كان في دار الحرْب، وهو مخلّى آمن، ولو لم يقل الشاهدان: إنه ارتدَّ، ولكن شَهِدَا أنه تلفَّظ بكلمة الرِّدَّةِ، فقال: صدَقَا، ولكني كنت مكرهاً، فالذي حُكِيَ عن الشيخ أبي محمَّد، وتوبع عليه: أنه يُقْبَل قوله؛ لأنه ليس فيه تكذيبُ الشاهِدِ بخلاف ما إذا شَهِد بالردَّة، فإن الإكراه ينافي الردَّة، ولا ينافي التلفُّظ بكلمة الرِّدَّةِ، ثم قال الشيخ: الحزم أن يُجدِّد كلمة الإسلام، ولو قُتِل قَبْلَ التجْديد، فهل يكون قتْلهُ مضْموناً لأن الردة لم تثبت والأصل استمرار حُكْم الإسلام أو لا يكون مضموناً؛ لأن لفظ الردَّة [قد] 3 ثبت، والأصلُ في الناس الاختيارُ؟ فيه قولان، وموضع القولَيْنِ على ما ذكر الإِمام؛ ما إذا لم يَدَّعِ الإكراه، أو لم يَحْلِف عليه، أما إذا ادعاه، وحلَف عليه، فقد ثبت الإكراه بالحجة، فيقطع بأنه مضْمون، واعلم أن فيما سقناه دلالةً [بينة] على أنَّه إذا شهد الشهودُ بالردة على الأسير، ولم يدَّع أنه كان مكرهاً، يُحْكَم بردته، ويؤيده ما حُكِي عن القفَّال: أنه لو ارتد الأسير في أيدي 4 الكفار، ثم حلَّ بهم خيلُ المسلمين، فاطَّلع عليهم من الحصْن، وقال: أنا مسلمٌ، وإنما تشبهْتُ بهم فَرَقاً منْهم يُقْبَل قولُه، ويُحْكم بإسلامه، وان لم يدع ذلك، حتى مات، فالظاهر أنه ارتدَّ طائعاً؛ وإن مات أسيراً، وعن نصه: أنه لو شهد الشهودُ على أنه تلفَّظ بالكفر، وهو محبوسٌ أو مقيَّدٌ، لم يُحْكم بكفره، وإن لم يتعرَّض الشهود للإكراه، وفي "التهذيب": أن من دخل دار الحَرْب، وكان يسْجُد للصنم، ويتكلَّم بكلمة الكفْر، ثم قال: كنْتُ مكرهاً، فإن فعله في مكانٍ خالٍ، لم يُقْبل قوله، كما لو فعله في دار الإسلام، وإن فعَلَه بين أيديهم، فإن كان أسيراً قُبِلَ قوله، وإن دخَل

تاجراً لم يُقْبَل.
وقوله في الكتاب: فقال: "كَذَبا، لَمْ يُسْمَعْ" أي لم يسمعْ تكذيبه، وحُكِمَ بموجب الشهادة.
وقوله "كالأسير" ليس مقيساً عليه، بل هو مثال ظهور مخايل الإكراه، والمعنى؛ فإن ظهرت مخايل الإكراه، كما في الأسير، فالقول قوله.
وقوله "ولو نقل الشاهدُ لفظه" إلى آخره هو الكلام المنسوبُ إلى الشيخ أبي محمَّد، وقد قَال: إن شرطَّنا التفصيلَ والتعرُّض للشرائط، فمِنَ الشرائط كونُه مختاراً، وإذا تعرَّض الشاهدُ له، فقوله "كنت مكرهاً" تكذيبٌ للشاهد، وإن لم يشترطِ التفصيل، فإنما لا يشترط إذا قال الشاهد: إنه ارتد، فيكتفي به لِتَضَمُّنِهِ حصولَ الشرائط، فأما إذا قال: إنه تكلَّم 1 بكذا،، ولم يتعرَّض إلى الاختيار 2 وسائر الشرائط، فيبعد أن يُحْكَم بردته، ونَقْنَع بأن الأصل الاختيار.
وقوله "ولا ينبغي، أن تُقْبَل الشهادةُ على الردَّة مطلقاً" مَيْلٌ إلى اشتراط التفصيل، والظاهرُ خلافُهُ.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ خَلَّفَ رَجُلٌ ابْنَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَاتَ أَبِي كَافِراً صُرِفَ نَصِيبُهُ إِلَى الْفَيْءِ عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ يُصْرفُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ كَيْفِيَّة الكُفْرِ وَالمَذَاهِبُ تَخْتَلِفُ فِيهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسْتَفْسَرُ وَيُحْكَمُ بِمُوجِبِ تَفْسِيرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُفْسِّرْ يُوقَفْ، وَالأَسِير إِذَا ارْتَدَّ مُكْرَهاً فَأَفْلَتَ وَلَمْ يُجَدِّدَ الإِسْلاَمَ حَيْثُ عُرِضَ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُخْتَاراً، فَإِنِ ارْتَدَّ مُخْتَاراً فَصَلَّى صَلاَة المُسْلِمينَ قِيلَ: يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ بِخِلاَفَ الكَافِرِ الأَصْلِيِّ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِغُمُوضِ الفَرْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْل مسألتان: إحداهما: ماتَ رَجُلٌ معروفُ الإسلام عن ابنَيْن مسلمَيْن، فقال أحدهما: مات مسلماً، وقال الآخر: إنَّه كَفَر بَعْد إسلامه، ومات كافراً، فإن بيَّن سببه، فقال: إنه سجَد للصنم، أو تكلَّم بما يوجب الكُفْر، فلا إرْثَ له، ونصيبه ينْصَرِف إلى بيت 3 المال، وإن أطلَق، ولم يفصِّل، فقولان: أحدهما؛ عن رواية الشيخ أبي محمَّد؛ أن نصيبه يُصرف إليه، ولا يعتبر الإقرار المُطْلَق؛ لأن المذاهب في التَّكْفِير مختلفةٌ، وقد يكفر أهل البدَعِ، ويعتقد ما ليس بالكُفْرِ كفراً.

وأظهرهما: المنع؛ لأنه أقر بِكُفْره، فلا يُورَّثُ منه، وعلى هذا، فقولان: أحدهما: أنه فَيْءٌ يُجعل في بيتِ المال بموجب إقراره.
وأظهرهما: أنَّه يوقَفُ ويُسْتَفْصَل، فإنْ فصَّل وذَكَرَ ما هو كُفْرٌ صُرِف إلى الفيْء، وإنْ ذكر في التفْسير ما لَيْس بِكُفْر صُرِفَ إليه، هكذا نقل 1 صاحب الكتاب، ولو قال أحدُهما: مات كافراً؛ لأنَّه كان يشرب الخمر، ويأكل لحم الخنْزير، فقد حكي في التهذيب، فيه قَوْليْن: أحدهما: أنه لا يُوَرَّثُ [منه] لإقراره بكفره.
والثاني: يُوَرَّثُ؛ لأنه [فسَّره] 2 بما يبين خطأ اعتقاده، وهذا أظهر.
الثانية: إذا تلفَّظ الأسير بكلمة الكفْر مكرهاً، لم يُحْكم بكفره؛ على ما مرَّ، فإن مات هناك، ماتَ مسلماً، وورثه ورثته المسلمون، وإن رجع إلى دار الإسلام، بإفلات وغيره، عرض عليه الدينُ وكلمة الإسلام؛ لاحتمال أنه كان مختاراً فيما أتى به، وإن جرتْ صورةُ الإكراه.
ثم 3 فيه كلماتٌ: إحداها 4: أطلَقَ كثرهم العرْضَ، وشرطَ له القاضي ابن كج [أنه 5 لا يَؤُمُّ] الجماعاتِ، ولا يُقْبِل على الطاعات بَعْد العَوْد إلَيْنا، فإن فعل ذلك، استغنينا عن العَرْض.
الثانية: هذا العرْض واجبٌ أو مستَحَبٌّ؟ سَكَتَ عنه المعظَم، وذهب ابن كج إلى أنه مستحَبٌّ، واحتج له بأنه لو أُكْرِه على الكُفْر في دار الإسلام، لا يُعْرَض عليه الكلمة بعْد زوال الإكراه؛ باتفاق الأصحاب.
الثالثة: إذا امتنع بعْد العرض، فالمنقول أنه يُحْكم بكُفْره ويستدل بامتناعه على أنه كان مختاراً يوم التلفُّظ وقضيةُ هذا أن يحكم بكُفْره من يومئذ، قال الإِمام: وفي الحكْم بكفره احتمالٌ ظاهرٌ؛ لأنا إذا حَمَلْنا الأمر في الابتداء على ظاهر الإكراه، وأدَمْنا الإسلام، فامتناعه عن تجديد الكلمة لا يَنْبغي أن يغيِّر حكم الإسلام، وإذا مات قبْل العَرْض والتلفظ بكلمة الإسلام، فهو كما لو مات قبل أن يعُودَ إلينا، وعن رواية أبي الحُسَيْن بن القطَّان وجْهٌ أنه يموت كافراً، وكان مِنْ حقِّه إذا جاء [أن] يتكلَّم بكلمة الإسلام.

ولو ارتدَّ الأسير مختاراً ثم رأيناه يصلِّي صلاة المسلمين في دار الحَرْب، فالمشهور [المنسوب] 1 إلى النَّص أنه يُحْكم بإسلامه بخلاف ما إذا صلَّى في دار الإسلام، لا يُحْكَم بإسلامه، وفرق بينهما بأنَّ الصلاةَ في دارِ الإسلام تحتمل 2 التقيَّة، والإرادة [والصلاة] 3 في دار الحَرْب لا تكون إلا عن اعتقاد صحيح، ونسب الإِمام جعْلَ الصلاةِ إسلاماً إلى العراقيِّين، واستبْعَدَه، وقال: الوجْه، في قياس المراوزةِ القَطْع بأنه لا يُحْكم بإسلامه كما لو رأينا الكافر الأصليَّ يصلِّي في دار الحرب، قال: ولو حكم [حاكم] 4 بإسلامه، كان صائراً إلى مذْهب أبي حنيفة، ورأيتُ صاحب "البيان" سوى بين الكافر الأصلي والمرتد، [فقال] إذا صلَّى الكافرُ الأصليُّ في دار الحرْب، حكِم بإسلامه، ولو صلَّى في دار الإسلام، لا يُحْكَم، فدفع الإلزام، ويمكن أن نُفَرِّق بينهما بأن المرتدَّ كان مسلماً، وعلقة الإسلام باقيةٌ فيه، وهو محمول على العَوْد إليه، والعودُ إلى ما كان أهونُ من افتتاحِ أمرٍ لم يكنْ، فجاز أن يُجْعَل الشيْء عَوْداً إلى الإسلام، ولا يجعل افتتاحاً.
وقوله في الكتاب "وفيه احتمال؛ لغموض الفَرْق" يعني بين المرتدِّ وبين الكافر [الأصلي]، ويجوز أن يُعْلَم قوله "بخلاف الكافر الأصلىِّ" بالواو؛ لِمَا حَكَيْنا عن البيان، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: (فَأَمَّا حُكْمُ الرِّدَّة) في نَفْس المُرْتَدِّ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ (فَأَمَّا نَفْسُهُ) فَتُهْدَرُ إنْ لَمْ يَتُب، فَإِنْ تَابَ لَمْ يُقْتَل إِلاَّ إذَا كَانَ زنْدِيقاً فَفِي قَبُول تَوْبتِهِ خِلاَفٌ، وَالظَّاهِرُ القَبُولُ، ثُمَّ في إِمْهَالِ المُرْتَدِّ ثَلَاَثةَ أَيَّامٍ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَجِبُ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مَمْنُوعٌ وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنا: يُمْنَعُ فَقَالَ حُلُّوا شُبْهَتِي لَمْ نُنَاظِرْهُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُسْلِمَ أَوَّلاً ثُمَّ يَسْتَكْشِفَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الطرفُ الثاني في حُكْم الردَّة، وللردة أحكامٌ كثيرةٌ مذكورةٌ في مواضِعَ متفرِّقة، والمقصودُ هاهنا الكلامُ في نفْسِهِ وولَدِهِ ومالِه، أما نفْسُه، فهي 5 مهْدَرةٌ فيجب قتلُه، إن 6 لم يَتُبْ سواءٌ انتقل إلى دِينِ أهلْ الكتابِ أو غَيْره، وسواءٌ كان حُرّاً أو عَبْداً رَجُلاً أو امرأةٌ.

وعند أبي 1 حنيفة: لا تقتل المرأةُ بالردَّة، ولكن تحْبَسُ، وتُضْرَب إلى أن تَمُوت، أو تُسلم وقدْ يُسْتَثْنى على مذْهبه الملكة والساحرة، والتي كَفَرتْ بسبِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
= حديث (2158) وقال حديث حسن.
وابن ماجة (2/ 847) في كتاب الحدود/ باب: لا يحل دم امرئ مسلم حديث (2533).

لنا ما روي [عن] ابن عبَّاس -رَضِيَ اللهُ [عَنْهُمَا] 1 - أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ بدَّلَ دينَهُ فَاقْتُلُوهُ" 2 وعن جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن امرأةً يقال لها أمُّ رُومَانَ ارتدَّتْ فَأَمَرَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- "بأن يَعْرِضَ عَلَيْها الإِسْلاَمَ، فَإِنْ تَابَتْ وَإِلاَّ قُتِلَتْ" 3، وأيضاً فإن المرأة تُقْتَل بالزنا بعْد الإحصان، فكذلك في الكُفْرَ بعْد الإيمان، كالرجل [وأيضاً] 4 فنقيس على ما سلَّمه، فإن تاب المرتدُّ، وعاد إلى الإسلام، قُبلت توبته وإسلامه، سواءٌ كان مسلماً أصليّاً فارتدَّ، أو كافراً فأسلم ثم ارتد؛ لقوله تعالىَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فإذا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ" 5 ونحوهما من العموماتِ، وهل يُفْرَق بين أن يكون كفْره الذي ارتَدَّ إليه كفراً ظاهراً أو غيره، ككفر الباطنية، فيه وجوه، وكذا الكافر الأصليُّ إذا أسلم [وتاب] 6 [ثم مات]، هل يَفْتَرِقُ الحال بيْن أن يكون ظاهرَ الكفْر وبين أن يكون زنديقاً؛ يظهر الإسلام ويُبْطِن الكفر، وذلك بأن تقوم البينةُ على كفْره باطلاع الشهود على كلمة الكُفْر [منه] في خَلْوة.
أظهرُ الوجوه: أنه لا فَرْق، وتقبل توبة الزنديق وإسْلامُه، وهذا هو المنصوص في "المختصر" ولم يورد العراقيُّون غيره، واحتَّج له بإطلاق الآية والخبر، وبما رُوِيَ 7 أنه اشتدَّ نكير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أُسامة 8 حِينَ قَتَلَ من تكلَّم بكلمة الإسلام، وقال: إنَّما قَالَهَا فَرَقاً مِنِّي، فَقَالَ [عَلَيْهِ السَّلاَمُ] 9 "هَلاَّ شَقَقْتَ عَن قَلْبه"؟ وبأنه يمتنع 10 أن يظهر الحقُّ لزنديق كما لا يمتنع 11 أن يتزنْدق مُسْلِم، فكيف لا يُمَكَّنُ من الرجوع إلى الحقِّ؟ والثاني: وبه قال مالك وأحمد: أنه لا تقبل توبتُه ورجوعُه إلى الإسلام؛ لأن = وإن كل سبب لو فعله رجل لوجب عليه القتل فوجب إذا فعلته المرأة أن يجب عيها القتل، وقد أنكر الإِمام أحمد وشيوخ الحديث هذا الحديث، ولم يثبتوه ويؤكده أهل الصوامع والرهبان، إذا أسلموا ثم ارتدوا بعد الإسلام قتلوا، وإن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- منع قتلهم في حالة الشرك، فدل على ما قلناه.

[التَّقِيَّةَ 1 عند الخوف عيْنُ الزندقة، فلا اعتماد على ما يظهره قال القاضي الرويانيُّ في "الحلية" والعَمَلُ على هذا، وعن أبي حنيفةَ روايتان كالوجهين.
والثالث: عن القفَّال الشاشيِّ، أن المُتَنَاهينَ في الخبث 2 كدعاة الباطنية، لا تُقْبل توبتهم ورجوعُهم إلى الإسلام، ويُقْبَل من عوامِّهم.
والرابع: عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني: [أنه،] 3 إنْ أُخِذَ ليقتل فتاب، لم تقبل توبته، وإن جاء تائباً ابتداءً، وظهرت مخايلُ الصدْق، قُبِلَتْ، وقد ينسب إلى الأستاذ الوجْه الثاني، ولاَ فَرْق بين من تكرَّرت منه الردَّة، ومن لم يتكرَّر [منه الردة] ومتى أسلَم يُقْبَل إسلامه، وعن أبي إسحاق المروروذي أنه لا يُقْبَل إسلام من تكرَّرت [الرِّدَّةِ 4 منه]؛ لبطلان الثقة به، والظاهرُ الأولُ، قال الأصحاب: ولا يبْعد أن يخطئ الإنسانُ مرَّتين، ويصيب مراراً.
نعم، إذا تكرَّرت منه الردَّة، ثم عاد إلى الإسلام، يُعزَّر لتهاونه بالدين.
ويقتل المرتد، [بضرب الرقبة دون التحريق بالنار وغيره] 5 ويتولاه الإِمام أو من ولاَّه 6 الإِمام، فمَنْ فوَّت عليهم، عُزِّر، ويستتاب المرتدُّ قبل القَتْل؛ لما روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "اسْتَتَابَ رَجُلاً ارْتَدَّ أَرْبَعَ مَرَّات" 7 وأنَّ أبا بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- استتابَ امرأةً من بني فزارة 8 ارتدَّتْ، وأنَّ عُمَرَ -رَضِيَ الله عَنْهُ- أشارَ على أبي مُوسَى الأشعريِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بالاستتابة في قصَّة، سنذكرها إن شاء الله تعالى، وهل الاستتابة واجبةٌ أو مستحبةٌ؟ فيه قولان، ويُقال: وجهان: أحدهما: أنها مستحبَّة، وبه قال أبو حنيفة، واحتج له بما رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ" 9 أمر بالقتل، ولم يتعرَّض للاستتابة، وبأن الكافر الأصليَّ الذي ظهر عناده لا يجب استتابته فكذلك المرتدُّ، وهذا ما اختاره ابن أبي هريرة.

وأصحُّهما؛ على ما ذكر القاضيان الطبريُّ والرويانيُّ وغيرهما، أنها واجبةٌ؛ لأنه كان محترماً بالإسلام، [وربما] 1 عرضت له شبهةٌ، فيسعى في إزالتها، وردَّه إلى ما كان، وسواءٌ قلْنا: الاستتابة واجبة أو مستحبةٌ، ففي مدتها قولان: أحدهما: أنه يستتاب ثلاثاً لما رُوِيَ أن رجلاً وفد على عُمَر -رَضِيَ الله عَنْهُ- من قِبَل أبي موسى الأشعريِّ، فقال له عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- هل من [مغربة] [خبر] فأخبره أن رجلاً كفَرَ بعْد إسلامه؛ فقال: ما فعلْتم به؟ قال: قربناه، فضربْنا عنقه، فقال: هلا حبستموه ثلاثاً، وأطعمتموه كلَّ يوم رغيفاً، وأسقيتموه، لعله يتوب، اللهم [إنِّي] 2 لم أحْضُر، ولم آمرْ، ولم أرْضَ إذْ بلغني.
وأصحهما: وهو اختيار المزنيِّ أنه يُسْتتاب في الحال، فإن تاب، وإلا قُتل، ولم يمهلْ؛ لمَا سَبَقَ من حديث أم رومان.
ومذْهب مالك وأحمد كالقول الأول وعن أبي حنيفة مثله، ويُرْوَى أنه يُستتاب ثلاثَ مراتٍ في كل جمعةٍ مَرَّة، ولا خلاف 3 في أنه لا [يُخلَّى] 4 في مدة الإمهال بل يُحْبَس.
وفي أنه لو قتل قبل الاستتابة أو قَبْل مضي المدة 5 للمهلة، لم يَجِبْ بقتله شيْء، وإن كان القاتل مُسِيئاً بما فعل.
وقوله في الكتاب "والظاهر القبول" لِيُعْلَمْ لفظ "القبول" بالحاء والميم والألف؛ لما حكينا.
وقوله "ثم في إمهال المرتد ثلاثةَ أيام قولان" يعني في وجوبه؛ ألا تراه قال: "فإن قلنا: لا يجب" ويجوز أن يُعْلَم لفظ "القولين" بالواو؛ لأنه من الأصحاب من قال: لا خِلاف في أنه لا يجبُ الإمهال ثلاثاً، إنما الخلاف في الاستحباب، وهذا ما اختاره الشيخ أبو محمَّد في "المنهاج".
وقوله "فإنْ قلْنا: لا يجب، فهو مستحبٌّ أو ممنوعٌ، وجهان" هكذا رتب الإِمام فيما ذَكَر أنه جمَعَه من طُرق الأصحاب، والمفهوم من كلام الأئمة ترجيحُ المنعِ من الأمهال وتشدِيدُ الأمر عليه.
وقوله "فإن قلنا: يمنع، فقال: حُلُّوا شبهتي".
هذه المسألة لا تختص بالمنع من الإمهال، بل مهما 6 حقَّ قتله، إما عقيب الاستتابة، وإما بمضي مدة المهلة، فقال: [قد] 7 عرضَتْ لي شبهة، ولذلك تكلَّمت بكلمة الكفْر، فأزيلوا شبهتي، لأعود إلى ما

كنت عليه، فهل نُناظِره لإزالة الشبهة وإيضاح الحق؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن الحُجَّةَ مقدَّمةٌ على السيف.
والثاني: لا؛ لأن، الشبهة لا تنحصر، وقد يوردُ بعضها إثر بعْض، فتطول المدة، فحقُّه أن يسلم، ثم يُسْتَكْشف ويبحث بمراجعة العلماء، وهذا أصحُّ عند صاحب الكتاب، وحكى القاضي الرويانيُّ الأول عن النصِّ، واستبعد الخلاف فيه، وعن أبي إسحاق؛ أنه لو قال: أنا جائع فأطعموني، ثم ناظروني، وكان الإِمام مشغولاً بما هو أهمّ منه تَأَتَّيْنَا به، والله أعلم.
ونختم الفصْل بخاتمة فيما يَحْصُل به توبةُ المرتدِّ لاشتماله على ذكْر توبته، وفي معناها إسلام الكافر الأصليِّ، وقد وصف الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- توبته، فقال: أن يشْهَد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، ويبرأ من كل دين [خالف] الإسلام، وذكر في موضع آخر؛ أنه إذا أتى بالشهادتين [حُكِمَ] 1 بإسلامه، وليس ذلك باختلاف قول عند جمهور الأصحاب، كما [بينا 2 في] كتاب "الكفارات"، ولكن يختلف الحال باختلاف أحوال الكفار وعقائدهم، قال في "التهذيب" إن كان الكافرُ وثنيّاً لا يُقِرُّ بالوحدانية، فهذا قال: لا إله إلا الله، حكم بإسلامه ثم يجبر على قَبُول سائر الأحكام، وإن كان مُقِراً بالوحدانية غيْر أنه ينكر رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا يُحْكَم بإسلامه بمجرَّد كلمة التوحيد، حتى يقول: محمَّد رسول الله، فإن كان من الذين يقُولون: إن محمداً مبعوث إلى العرب خاصَّة، أو يقول: إن النبي محمداً يبعث من بعْد، لم يحكم بإسلامه، حتى يقول: محمد رسول الله إلى كافة الخلْق، أو يبرأ من كل دين خالَفَ الإسلام، وإن كان كُفْره بجحود فرض، أو استباحة محرَّم، لم يصح إسلامه، حتى يأتي بالشهادتَيْن ويرجع عمَّا اعتقده، ويُسْتحب أن يمتحن كلُّ كافر أسْلَمَ بالإيمان وبالبعث، ولو قال الكافر: أنا وليُّ محمدٍ أو أحب محمداً لمْ يصحُّ إسلامه؛ لأنه قد يحبُّه؛ لخصاله الحميدة، وكذا لو قال: أنا مثلكم أو مؤْمن أو مُسْلِم أو آمنت أو أسلمت؛ لأنه قد يريد به في البشريَّة، ومؤمن بموسى، ومنقاد لكم، ولو قال: أنا من أمة محمَّد أو دينُكُم حقٌّ، حكم بإسلامه، ولو أقر بركن من أركان الإسلام على خلاف عقيدته، كفرضية [الصلوات] الخمْس أو إحداها أو أقر بتحريم الخمر والخنزير، حُكِم بإسلامه وما يصير به المسلمُ كافراً إذا جَحَدَ، يصير به الكافرُ مسلماً، إذا أقر به، ويُجْبر على قَبُول سائر الأحكام، فإن امتنع، قتل كالمرتد، وإذا أقر اليهوديُّ برسالة عيسى -عليه السلام- ففي قولٍ: يُجْبر على الإسلام؛ لأن المسلم، لو جَحَد نبوته لكفر، نقل هذا

كله صاحب التهذيب، [وهو] طريقة ذكرنا في الكتاب 1 أن الإِمام نسَبَها إلى المحقّقين، والمشهور غيرها.
وفي "المنهاج" للإمام الحليمي أنه لا خلاف أن الإيمان ينعقد بغَيْر القول المعْرُوف، وهو كلمة "لا إله إلا الله" حتى لو قال: إلا إله سِوَى الله، أو غيْر الله أو ما عدا الله، فهو كقوله "لا إله إلا الله" [كذا] 2 ولو قال "ما من إله إلا الله، أو لا إله إلا الرحمن أو لا رحمانَ إلاَّ الله، أو لا إله إلا الباري، أو لا بارئَ إلا الله" وإن قول القائل أحمد أو أبو القاسم 3 رسولُ الله، كقوله محمَّد رسول الله، وأنه لو قال الكافرُ: آمنت بالله، يُنْظر؛ إن لم يكُنْ على دينٍ من قبْلُ، صار مؤمناً بالله، وإن كان يشركُ بالله غيره، لم يكن مؤمناً حتى يقول: آمنت باللهِ وحْده وكفرت بما كنت أشركُ به، وأن قوله "أسلمت لله 4، أو أسلمت وجهي لله كقوله "آمنت بالله" وأنه لو قيل للكافر: أسْلمْ لله أو آمِنْ بالله، فقال أسلمت أو آمَنْتُ، فيحتمل أن يُجْعَل مؤمناً، وأنه لو قال: أُؤمِنُ بالله أو أُسْلِم لله، فهو إيمانٌ كما أن قول القائل "أقسم بالله" يمينٌ، ولا يحمل على الوعد، إلا أن يريده، وأنه لو قال: "الله ربي، أو الله خالقي"، فإن لم يكن له دِينٌ من قبْلُ، فهو إيمانٌ، وإن كان من الذين يقولون بقدم أشياء مع 5 الله تعالى، لم يكن مؤمناً حتى يقر بأنه لا قديم إلا الله، وكذا الحُكْم، لو قال: "لا خالق إلا الله"؛ لأن القائلين به يقولون: الله تعالى خلَق ما خلَق، لكن من أصل قدِيم، وأنه لو قال اليهوديُّ المشبِّهُ: لا إله إلا الله، لم يكن هذا إيماناً منه حتى يتبرأ من التشبيه، ويُقرَّ بأنه ليْس كمثله شيْء، وإن قال مع ذلك: محمَّد رسول الله، فإن كان يعلم أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- جاء بإبطال التشبيه، كان مؤمناً، وإلا فلا بد وأن يتبرأ من التشبيه، وطرد هذا التفصيل، فيما إذا قال الذي يذهب إلى قِدَم أشياء مع الله تعالى: لا إله إلا الله، محمَّد رسول الله، حتى إذا كانَ يَعْلَم أن محمداً جاء بإبطال ذلك، كان مؤمناً، وأن الثنويَّ، إذا قال: لا إله إلا الله، فإن كان يزعم أن الوثَنَ شريكُ لله تعالى، صار مؤمناً، وإن كان يرى أن الله هو الخالقُ، ويعظم الوَثَن؛ لزعمه أنه يُقَرِّ به إلى الله تعالى، لم يكن مؤمناً، حتى يتبرأ من عبادة الوثن، وأنه لو قال البرهميُّ، وهو يوحِّد الله تعالى، وإنما يكفر بجحد الرسُل: محمَّدٌ رسولُ اللهِ، صار مؤمناً، وإن أقر برسالة نبيٍّ قبله؛ كإبراهيم -عليه السلام- لم يكن مؤمناً [لأن

الإقرار] 1 بنبوة محمَّد -صلى الله عليه وسلم- إقرارٌ بنبوة مَنْ قبله؛ لأنه شَهِدَ لهم وصدَّقهم، ويجيء على القْولِ الذي حكاه صاحب "التهذيب" فيما إذا أقر اليهوديُّ بنبوة عيسى -عليه السلام- أنه يُجْبر على الإقرار بنبوة سائر الأنبياء -عليهم السلام- ويتوجَّه أن يقال كما أن محمّداً -صلى الله عليه وسلم- شَهِدَ للأنبياء قبله وصدَّقهم، فإنهم شهدوا له، وبشروا به؛ وأن المعطِّل، إذا قال: محمَّد رسول الله، فقد قيل: يكون مؤمناً؛ لأنه أثبت الرسُولَ والمُرْسِل معاً، وأنه إذا قال الكافر: لا إله إلا [الله] الذي آمن 2 به المسلمون، كان مؤمناً، ولو قال: آمنتُ بالذي لا إله غيره [أو بمَنْ لا إله غيره] لم يكن مؤمناً؛ لأنه قد يريد الوَثَن وأنَّه، لو قال: آمنت بالله وبمحمد، كان مؤمناً بالله؛ لإثباته الإله، ولم يكن مؤمناً بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- حتَّى يقول: بمحمد النبي أو بمحمد رسول الله [-صلى الله عليه وسلم-]، وأن قوله: "آمنتُ بمحمَّد النبيِّ" إيمانٌ برسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وقوله: "آمَنت بمحمدٍ الرسولِ" ليس كذلك؛ لأن النبيّ لا يكون إلا لله، والرسول قد يكون لغيره وأن الفلسفيَّ إذا قال: أشهد أن الباريَ تعالَى علَّةُ الموجودات، مبدؤها أو سبَبُها، لم يكن ذلك إيماناً، حتى يقر بأنه مخْتَرعٌ ما سواه ومُحْدِثه بعْد أن لم يكن، وأن الكافر إذا قال: لا إله إلا [الله] المُحْيي المميت، فإن لم يكن من الطبائعيين كان مؤمناً، وإن كان منْهم، فلا؛ لأنهم ينسبون الحياة والموت إلى الطبيعة، فينبغي أن يقول: لا إله إلا الله، أو إلا الباري أو يَذْكُر اسماً آخر لا تبقى معه الشبهةِ، وأنه لو قال: لا إله إلا الله المالك أو إلا [الرازق]، لم يكن مؤمناً؛ لأنه قد يريد به المَلِك الذي يقيم عطايا الجُنْد، ويرتب أرزاقهم كما كان يَذْكر قومُ فرعونَ له، وكانَ مَلِكهُم، ولو قال: لا مالك إلا الله أو لا رازقُ إلا الله، كان مؤمناً وبمثله أجابَ، فيما إذا قال: لا إله إلا الله العزيز [أو] العظيم أو الحكيم أو الكريم، وبالعكوس، وأنه لو قال: لا إله إلا الله المَلِكُ الذي في السماء، أو إلا مَلِك السماء، كان مؤمناً، قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16] وأراد نفسه تعالى وتقدَّس، ولو قال: لا إله إلا ساكنُ السماء، لم يكن مؤمناً، وكذا لو قال: إلا الله ساكن السماء؛ لأن السكون غيرُ جائز على الله سبحانه وتعالى، وأنه لو قال: آمنت باللهِ، إن شاء، أو إن كانَ شاء بنا، لم يكن مؤمناً، وأنه لو قال اليهوديُّ: أنا بريْء من اليهودية، أو النصرانيُّ أنا بريء من النصرانية، لم يكن مؤمناً؛ لأنه ليس ضدَّ الإسلام ما تبَّرأ منه، فحسب، حتى يَدْخل بالتبرؤ منه في الإسلام، وكذا لو قال: مِنْ كل ملة تخالف الإسلام؛ لأنه لا ينفي التعطيلَ الذي يخالِفُ الإسلام، وليس بملَّةٍ، فإن قال: كُلِّ ما يخالف الإسلام من دِينٍ ورأْي وهوىً، كان مسلماً، وأنه، إذا قال: الإسلامُ حقٌّ، لم يكن مسلماً، لأنه، قد يقر بالحقِّ ولا ينقاد

له، وهذا يخالف ما حَكَيْنا عن "التهذيب" فيما إذا قال: دينكم حقٌّ، وأنه إذا قال لمليٍّ: أَسْلِم، فقال: أسلمتُ، أو أنا مسلمٌ، لم يكن مقرّاً بالإسلام؛ لأنه قد سَمَّى دينَه الذي هو عليه إسلاماً، ولو قال في الجواب: أنا مسلمٌ مثلكم، كان مقرّاً بالإسلام، ولو قيل لمعطِّل: أسْلِم، فقال: أنا مسلِمٌ أو من المسلمين، كان مقرّاً بالإسلام؛ لأنه لا دِينَ له حتى يسميه إسلاماً، وقد يتوقف في هذا.
قال الغَزَالِيُّ: (فأَمَّا وَلَدُ المُرْتدِّ) فَإِنْ عَلَّقَ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَمُسْلِمٌ، وَبَعْدَ الرِّدَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: (أحَدُهَا) أنَّهُ مُسْلِمٌ لِبَقَاءِ عُلْقَةِ الإِسْلاَمِ (وَالثَّانِي) أنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ (وَالثَّالِثُ): أَنَّهُ مُرْتَدٌّ، وَأَمَّا وَلَدُ المُعاهَدَ إِذَا تَرَكَهُ عِنْدَنَا فَنُقِرُّهُ بِجِزْيَةٍ، أَوْ يُلْحَقُ بِالمَأْمَنِ مَهْمَا بَلَغَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: ولد المرتدِّ المنفصل أو المنعَقِد قبل الردَّة محكومٌ له بالإسلام، حتى لو ارتدَّت المرأة الحامل، لم يُحْكَم بردة الولَد؛ لأنه قد حكلم بإسلامه تبعاً، والإِسلامُ يعلو، فلا يحكم بكفره تبعاً، فإذا بلغ، وأعْرَب بالكفْر، كان مرتدّاً بنفسه، وإن حدَث الولدُ بعد الردة، فإن كان أحد الأبوَيْن مسلماً، والآخرُ مُرتدّاً، فالولدُ مسلمٌ بلا خلاف، وإن كانا مرتدَّيْن، ففيه قولان، وفيما فيه القولان طريقان: أحدهما: أن أحد القولَيْن، أنه يُحْكم له بالإسلام أيضاً؛ لبقاء عُلْقة الإسلام في الأبوَيْنِ؛ لأن المرتدَّ يجبر على الإسلام، ولا تُؤْخَذ منه الجزْية، ولا تعْقَد معه الهدنة، ويُؤْمَر بقضاء الصلوات التي مَرَّ عليه أوقاتها في الكُفْر، ويُغرَّم ما يتلفه، وكل ذلك من علائق الإسلام، وإذا بقيتْ فيهما علقة الإسلام، غَلَب في الولد حكمه.
والثاني: أنه كافر أصليٌّ، أما كونُهُ كافراً، فلتولده من كافرَين، وأما كونه أصليّاً؛ فلأنه يباشر الردة، حتى يُجْعَل مرتداً، ويغلَّظ عليه، وقطَع أصحابُ هذا الطريق بأنه ليس بمرتدٍّ.
والثاني: أن أحد القولين أنه كافرٌ أصليٌّ؛ لما ذكرنا.
والثاني: أنه مرتدٌّ تبعاً للأبوين، كما أن [ولد] 1 المسلمَيْن مسلمٌ، وولد الكافرَين الأصليَّيْن كافرٌ، أصليٌّ، وقطع أصحاب هذا الطريق بأنَّه لا يحكم [له] بالإِسلام، ويخرج من الطريقين ثلاثةُ أقوالٍ على ما ذكرها صاحبُ الكتاب.

والأصحُّ على ما أورد في "التهذيب": أنه محكوم له 1 بالإِسلام، وبه قال صاحب "التلخيص" وإذا قلْنا به، فلا يُسترقُّ بحال، ولو مات في الصِّغَر، جرى التوارث بينَه وبين أقاربه المسلمين، ويجوز إعتاقه عن الكفَّارة، إن كان رقيقاً، وإذا بلغ وأعرب بالكفر كان مرتدّاً، وإن قلنا: إنه كافر أصليٌّ فيجوز استرقاقُه، قال الإِمام: ويجوز عقد الجزية معه، إذا بلغ، وهو كالكفار الأصليّين في كل معنى، والذي أورده صاحب "التهذيب" وغيره، وحكاه القاضي الرويانيُّ عن "المجموع" أنه لا يجوز عقد الجزية معه؛ لأنه ليس له حرمةُ الكتاب، وإن قلنا: إنه مرتدٌ، فلا يسترق بحالِ، ولا يُقْتل حتى يبلغ، فيستتاب، فإن أصرَّ، فحيئذ يقتل، وعن أبي حنيفة: أنه إنْ لحق بدار الحرب، جاز أن يسترق، وإلا، فلا، وروى صاحب "الشامل" عنه: أنه إن وُلِدَ في دار الحرب، جاز استرقاقه، وإلا، لم يجز، وأولاد أولادِ المرتدين 2 حكمُهم حكمُ أولاد المرتدين، وعن أبي حنيفة، أن البطْن الأول مرتدُّون، والباقون كفار أصليُّون.
والمرتد نفسه لا يُسترقُّ بحال يستوي فيه الرجلُ والمرأة.
وعند أبي حنيفة، المرتدة إذا لَحِقَت بدار الحرب، جاز استرقاقها واحتج بان [أم] 3 محمد ابن الحنفية -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كانت مرتدة، فاسترقها علي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- واستولَدَهَا، وقاس الأصحابُ المرأةَ علَى الرجل، وَرَوَوْا أن الحنفية كانت أمَةً لبعضهم، فلما قُتِلَ على الرَّدة، كانت من الفيْء.

والثانبة: الذميُّ أو المستأمَنُ، إذا نقض العَهْدَ، ولحق 1 بدار الحرب، وترك ولده عندنا، فلا يجوز استرقاقه: لأن الآباء إذا عاهدوا، ثبَت العهْد في حق الأولاد، ثم لا ينتقض عهدهم بعد الآبَاء، فهذا بلغ الولَدُ، فإن قبل الجزية، فذاك، وإلا، لم يُجْبر عليه ويلحق بالمأمن، هذا ظاهر المذْهب، وحكَى القاضي ابن كج وجهاً: أنه يُسترق ولدُه بلُحُوقه بدار الحرب، ووجهاً آخر، أنه إذا هلك هناك أو استرق، يُسْترق ولده.
وعند أبي حنيفة: يُجْبَر على قبول الجْزية، إذا بلغ.
وقوله في الكتاب "ثلاثة أقوال" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ لأن منهم مَنْ نفى القول الأول، ومنْهم من نفى الثالث، والفريقان متَّفقان على أنَّه ليس في المسألة الأقوال الثلاثة، ويجوز أن يُعْلَم القول الأول والثاني بالحاء؛ لما حكينا عن أبي حنيفة في البطْن الأول.
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا مِلْكُ المُرْتَدّ) فَيَزُولُ عَلَى قَوْلٍ، وَيَبْقَى عَلَى قَوْلٍ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى قَوْلٍ، فَإِنْ قُلْنَا: يَزُولُ فَيُقْضى دُيُونُهُ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الرِّدَّة، وَمَا يَلْزَمُهُ بِالإِتْلاَفِ فِي حَالِ الرِّدَّةِ هَلْ يُقْضَى مِنْهُ؟ فيه وَجْهَانِ، وَكَذَا نَفَقَةُ القَريبِ فِي دَوَامِ الرِّدَّةِ وَمَا يَكْتَسِبُهُ فِي حَالِ الرِّدَّة بِالاحْتِطَابِ أَوْ الشِّراءِ أَوْ الاتِّهَابِ فَجِهَةُ الْفَيْءِ فِي حَقِّهِ كَالسَّيِّدِ فِي حَقِّ العَبْدِ فِي وُقوعِ المُلْكِ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَزُولُ مِلْكُهُ فَلاَ بُدَّ مِنَ الحَجْرِ، وَهَلْ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الرِّدَّةِ، أَوْ بِضَرْبِ القَاضِي؟ وَجْهَانِ، ثُمَّ حُكْمُة حُكْمُ الفَلَس أَو التَّبْذيرِ وَجْهَانِ، وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى الوَقْفِ فَكُلُّ تَصَرُّف لاَ يَقْبَلُ الوَقْفَ فَهُوَ بَاطِلٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هل يزول مِلْك المُرْتَدِّ عن أمواله بالردَّة؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: نَعَمْ؛ لأن عصْمة الدمِ والمالِ بالإسلام، وإذا ارتدَّ، زالَتْ عصمة الدم، فكذلك عصمة المَالِ، وأيضاً [فإنه] أحد الملْكَيْن، فتؤثِّر الردة في قطعه كالنكاح.
والثاني، وهو اختيار المزنِّي: أنه لا يزول؛ لأن الردَّة سبب يبيح الدمَ، فلا يزول 2 المِلْك كزنا المُحْصَن.
وأصحُّها، على ما ذكر صاحب التهذيب: أنا نتوقَّف، فإن هلك على الردة، بأن زوالُ ملكه بالرَّدة، وإن عاد إلى الإسلام، بان أنه لم يَزَلْ، ووُجِّه بأن بطلان أعماله، يَتَوقفُ على هلاكه على الرَّدة، فكذلك زوال مِلْكه، وبأنه نوع ملْكٍ، فيصير موقوفاً بالردة، كالنكاح بعد الدخول، ومدة العمْر هاهنا كمدة العِدَّة في النكاح بعْد الدخول، هذا هو الطريق المشهور، ووراءَه طريقان:

أحدهما: اقتصر طائفة من الأصحاب على القولَيْن الآخَرَيْن، ولم يثبتوا قوْلَ زوال المِلْك.
والثاني: حكى الرويانيُّ؛ أن منهم مَنْ قطع باستمرار المِلْك، ورد الخلاف إلى أنه هل يصير بالردة محجُوراً عن التصرُّف، على ما سيأتي، والخلافُ في بقاء المِلْك وزواله يَجْري في ابتداء المِلْك، فهذا اصطاد، أو احتطب، فإنْ قلْنا: يزول 1 المِلْك، فقد قال الإِمام: ظاهر القياس أنه يثبت الملْكُ لأهل الفيْء فيما احتطب واصطاد، كما يَحْصُل المِلْك للسيد فيما يَحْتطب العبْدُ، ويصطاد، قال: وليكن شراؤه واتِّهابُه كشراء العبد واتهابه بغَيْر إذن السيد، حتى يجيْء فيه الخلافُ، وعلى هذا جَرَى صاحب الكتاب، والذي أورده أبو سعْد المتولِّي، أنه يبقى على الإباحة، كما إذا اصطاد المُحْرِم، لا يمكله ويبقى الصيد على الإباحة، وإن قلْنا: إن أملْك المرتد يَبْقَى، فيما احتطب أو اصْطاد مِلْكُه كالحربىِّ، وإن قلْنا: إنه موقوفٌ، فإن عاد إلى الإسلامِ، بان أنه ملْكُه من يوم الأخذ، وإن هلك على الردَّة، قال المتولِّي: نحكم بان المأخوذَ باقٍ على الإباحة، وعلى قياسِ ما ذَكَره الإمامُ، يبين أنه لأهل الفيْء، وعلى الأقوال كلِّها تقضى من ماله ديونَه التي لَزمت قبل الردَّة؛ لأنا، وإن حكمنا بزوال المِلْك، فإنه يَعْرِض أن يعود، وغايةُ ما في الباب تنزيلُ الردَّةُ منزلةَ المَوْت، والديونُ اللازمة في الحياة تُقْضَى من تركة الميت، فكذلك هاهنا، وقد تكون نفقة الزوجة من الدُّيون اللازمة قَبْل الردَّة، ولا تكون نفقة القريب منها 2، لسقوطها بمضيِّ الزمان، وعن الاصطخريِّ، عن حكاية صاحب "التقريب" وجه، أنه ديونه لا تقضَى على قول زوال المِلْك، ويُجْعَل كأن أمواله تَلِفَت، والمذْهَبُ الأول، وأمَّا في مدَّة الرِّدَّةِ، فينفبن عليه من ماله، ويُجعل حاجته إلى النفقة كحاجة الميت إلى التجهيز بعْد زوال الملك بالموت، وأغرب القاضي ابن كج؛ فحَكَى عن أبي حفْص بن الوَكيل: أنه لا ينفق عليْه على قولِ زوال الملك، ولكن يُنْفق عليه في مدة الاستتابة من بيت المال، وهلْ يلزمه غرامةُ ما يُتْلِفه في الرِّدَّةِ، ونفقة زوجاته الموقُوفِ نكاحُهن، ونفقة أقاربه؟ فيهِ وجهان؛ على قول زوال الملك: أحدهما: لا؛ لأنه لا مالَ له، ويُرْوَى هذا عن أبي الطيِّب بن سلمة، والاصطخرِّي، واختاره صاحب "التتمة".
وأظهرهما؛ عند الأكثرين: نعم، كما أن من حفر بئر عدوان، ومات، وحصَلَ بسببها تَلَفٌ، يُؤْخذ الضمان من تركته، وإن زال ملْكه بالمَوْت.
وتمام التفْريع على الأقوال: أنا إذا قلْنا بزوال المِلْك، فإذا عاد إلى الإسلام، يعود

المِلْك كالعصير يزول الملْك عنه بانقلابه خمْراً، ويعود [بعودِه] خلّاً، قال في "التتمة" وليس كالنكاح المُنْقَطِع بالردَّة، لا يعود بالعود إلى الإسلام؛ لأن الحكم بزوال المِلْك سبيلُه سبيل العقوباتِ، والعقوبةُ تسقطُ بالعود إلى الإسلام، وانقطاع النكاحِ ليس سبيلُه سبيلَ العقوبات؛ ألا ترى أن انقطاعه بردَّة المرأة كانقطاعه بردة الرجل، والنكاحُ حقُّ الزوج، فلا يجوز أن تجعل جنايتها سبباً لعقوبته، وإنما انقطاعه بالردة؛ لفوات الحل بما عرض، لا إلى غايةٍ تُنْتَظَر؛ وعلى هذا القولِ، لا يصحُّ تصرُّفه بالبيع والشرك والإعتاق والوصية وغيرها؛ لأنه لا مال له، وفي الشراء ما قدَّمناه عن الإِمام، وإن قلْنا: يبقى مِلْك المرتد، فيمنع من التصرُّف؛ نظراً لأهل الفيْء، وهل يصير بنفْس الردَّة محجوراً عليه، أم لا بُدَّ من ضرْب القاضي؟ فيه وجهان، ويقال قولان، وهما مشبهان بالخلاف في أنَّه، إذا طرأ السفه بَعد الرُّشْد، يصير [الشخص] 1 محجوراً عليه بنَفْس [السفه] 2 أم لا بُدَّ من ضرب القاضي، وإنما يجيْء إذا فُرِّع على قول الوقْف.
ثم حَجْر المرتدِّ سواء حصل بنفس الرِّدَّةِ أو بضرب القاضي كحجر السفيه أو كحَجْر المُفْلِس؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه كحَجْر السفيه؛ لأَن تضييع الدين أشدُّ سفهاً من تضييع المال.
وأصحُّهما: أنه كحَجْر المُفْلِس؛ لأنه لصيانة حقِّ المسلمين الذي يتعلَّق بماله، كما أن حجْر المفْلِس لصيانة حق الغرماء في مالِه، فإن قلْنا: لا بدَّ من ضرب القاضي، ولم يضربه، فتصرُّفاته نافذةٌ، وإن قلْنا: يحصل الحجْر بنفسْ الردَّة أو ضَرَبَهُ القاضي، فإنْ جَعلْناه كحَجْر السفه، لم تنفُذْ تصرفاته في المال، وإذا أقرَّ بدين، لم يقبل إقرارُه، وإن جعلْناه كالمُفْلِس، فتصرفاته تُوْقَف أو تَبْطُل؟ فيه قولان، كما ذكرنا في المُفْلِس، وإقراره بالدَّيْن أو العَيْن، كإقرار المفْلِس، وقد مَرَّ، وإن قلْنا بالوقف، فكل تصرُّف يَحْتمل الوقْف، كالعتق والتدبير والوصية، فهو موقوف إنْ أسْلَم نفذ، وإن هلك على الردَّة، فهو باطل، وخلْعه موقوف أيضاً على ما تقدَّم في الخَلْع، وأما [البيع والهبة والكتابة] ونحْوُها، فهي 3 على قولَيْ وقف العقود، فَعَلَى الجديد، هي باطلةٌ وعلى القديم تُوقف، إن أسلم، حُكِم بصحتها، وإلا فلا، ولا يصحُّ نكاح المرتد، وكذا إنكاحُه؛ لسُقُوط ولايته، قال في "التهذيب": وفي تزْوِيج أمته وجْهٌ غير قويٍّ: أنه يجوز، إذا قلْنا: إن ملكه لا يزولُ، ولم يحجر عليه الحاكم، كسائر تصرفاته المالية، وهذا ما أورده صاحب "التتمة" وغيره، وقالوا: إنه كسائر التصرُّفات التي لا تَقْبل الوقْف.

وعند أبي حنيفة تصرُّف المرتدِّ موقوفٌ، إن أسلم، نَفَذَ، وإن التحق بدار الحرب أو قتل، فباطل.
وعلى الأقوال كلها، لا يُعْتَق بالردَّة مُدَبَّر المرتد، ولا أُمُّ ولده 1؛ لأن المدَبَّر [معلَّق] 2 عتقه بالمَوْت لفظاً، ولم يوجَدْ، وعتق المستولَدَة يتعلَّق باليأس عن الاستفراش، ولم يَحْصُل، فإنْ هَلَكَ على الردَّة، قال في "التتمة": تعتق المستولُدَة علَى الأقوال كلِّها؛ لأنها لا تَقْبَل التصرُّف ونَقْلَ المِلْك، وأما المُدبَّرِ فسيأتي [ذكره] 3 في "باب التدبير" 4 فإن قلْنا، يزول ملكه بالردَّة أو قلنا إنه موقوفٌ، فلا يعتق ويَسْقط التدبير 5، وإن قلْنا: لا يزول ملكه إلى الموت، فيعتق المدَّبر، ويكون كما [لو] 6 دبَّر ذَميٌّ عبداً ومات.
ولا فرق في جميع ما ذَكَرْنا بين أن يلتحق المرتدُّ بدار الحرب، وبين أن يكون في قبضة الإِمام.
وعند أبي حنيفة: التحاقه بدار الحَرْب كموته، حتى يُورَثَ مالَهُ على أصْله، وفي توريث المرتدِّ حتى يُعْتَق مدَبَّره وأمُّ ولده، قال: فإن عاد، رُدَّ ماله إليه، ولا يُرْفَع العتق.
وعلى الأقوال يُوقَف مالُ المرتدِّ بأن يوضَعْ عنْد عدْل، وتجعل أمته عند امرأة ثقة؛ لأنا وإن قلنا ببقاء ملكه فقد تعلَّق به حقُّ المسلمين، فيحتاط ويؤَجَّر عقاره ورقيقه، ومدَبّره [ومستولدته] ومكاتبه يؤَدِّي النجوم إلى الحاكم، وإذا التحق بدار الحرب، ورأَى الحاكمُ الحظَّ في بيع الحيوان، فَعَل، وإذا ارتدَّ، وعليه ديْنٌ مؤجلٌ، فإن قلْنا: يزول ملْكه، فيحل الأجل كما لو ماتَ، وإن قلنا: لا يزول، لم يحل، وإن قلنا بالوقف، فإن عاد إلى الإسلام، بان أنه لم يحلَّ، وإن 7 استولد [جاريته]، نفذ الاستيلاد، إن أبقينا ملكه، وإن أزلْناه، لم ينْفُذ، فإن أسلم، فقولان، كما لو استولد المشتري الجاريةَ المشتراةَ في [زمان] 8 الخيار، وقلْنا: الملْك للبائع، فتم البيع، وليعلَمْ من لفظ الكتاب قولُه "على قول" أولاً وثالثاً بالواو؛ لما ذكرنا أن بعْضَهم نفَى القول الأول، وأن بعضهم قَطَع بالقول الثاني.
وقوله "فيُقْضى ديونُه وينفق عليه في مُدَّة الردَّة" يجوز إعلامهما بالواو أيْضاً، وقضاء الديون القديمة والإنفاق عليه لا يختصان بقول زوالِ المِلْك، وإن ذكرهما في

التفْريع عليه، والمقصود أنَّا، وإن قلْنا بزوال مِلْكه، فتقضى الديون مِنْ ماله، وينفق عليه.
وقوله "فكلُّ تصرُّف لا يَقْبَلُ الوقْفَ، فهو باطل" إنما تستمرُّ هذه العبارة على القَوْل الجديد، وهو أنَّ العقودَ لا تُوقَفُ.
وهذه صور آخر (1) تتعلَّق بالباب: إذا ارتدَّ جماعةٌ، وامتنعوا بحصنٍ وغيْره، وجب قتالهم، ويُقدَّم قتالهم على قَتِالِ غيرهم؛ لأَن كفْرهم أغلظُ، ولأنهم أهدَى إلى عورات المسلمين، ويتبع في القتال مُدْبِرُهم، ويذفَّف على جريحهم، ومن ظَفِرْنا به استتبناه، وهل عليهم ضمانُ ما أتْلَفُوه في القتال من نفْسٍ ومالٍ؟ فيه خلاف، قد سبق، ورُوِيَ أن أبا بكْر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال لقَوْم من أهل الردَّة، جاءُوهُ تائبين "تدُونَ قَتْلاَنا، وَلاَ نَدِي قَتْلاَكُمْ" فقال -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "لا نأْخُذُ لِقَتْلاَنا دِيَةً" قال الأئمة: قول عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يجوز أن يكون ذهاباً إلى أنهم لا يَضْمَنُون، ويجوز أن يكون الغَرَضُ استمالَتَهم، أي لا نأخذ شيئاً، وإن وجَبْ.
وإذا أتلف المرتدُّ في غير القتال، فعليه الضمانُ والقِصَاصُ، ويقدَّم القصاص على القتْل بالردَّة، فإن بادر الإمامُ بقتله عن الردة، أو عفَا المستحَقِّ أو مات المرتدُّ، أُخِذَتِ الدية من ماله، وإذا قتل خطأً، ومات أو قُتِل على الردة، أخذت الدية من ماله عاجلاً؛ لأن الأجَلَ يَسْقُط بالموت.
وفي "التتمة" أنه لو وطئت مرتدَّةٌ بشبهة أو مكرهةً، فإن قلنا: الرِّدَّةِ لا تزيل المِلْك، فلها مهْر المثل، كما لو وطئت زانيةٌ أو محصنة بشبهة، ويخالف ما لو وطئت حربيَّة بشبهة (2) فلا مهر؛ لأن مالها غير مضمون بالإتلاف، فكذلك منفعةُ بُضْعِها، ومالُ المرتدة مضمونٌ، وإن قلنا: إنها تزيلُ المِلْك، لم يجب، كما لو وطئ ميتة على ظنِّ أنها حيَّة بشبهة، وإن قلْنا: إن المِلْك موقوفٌ، فالحُكْم في المَهْر موقوفٌ، ولو أكره مرتدَّاً على عَمَلِ، فالقول في أجرة المثْل كما ذكَرْنا في المَهْر، ولو استأجره وسمى أجرة، فيُبْنى على صحة عقوده، وحكم المسمى، إن صحَّحنا الإجارة أو أجرة المِثْل، وإن لم نصحِّحها حكم مهْر المثل، وإذا زَنَى في ردته وشرب الخمر، فيكتفي بقَتْله أو يُقَام عليه الحدُّ، ثم يقتل؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجهين: أصحُّهما: الثاني.

قال الغَزَالِي

ُّ: (الجِنَايَةُ الثَّالِثَةُ: الزِّنَا)

وَهُوَ جَرِيمَةٌ مُوجِبَةٌ لِلعُقُوبَةِ، وَالنَّظَرُ فِي طَرَفَيْن12

(الأَوَّلُ في المُوجِبِ وَالمُوجَبِ) وَالضَّابِطُ أَنَّ إيلاَجَ الفَرْج فِي الفَرْجِ المُحَرَّمِ قَطْعاً المُشْتَهَى طَبْعاً إِذَا انْتَفَتْ عَنْهُ الشُّبهَةُ سَبَبٌ لِوْجُوب الرَّجْمِ عَلَى المُحْصَنِ وَلِوُجُوبِ الجَلْدِ والتَّغْرِيبِ عَلَى غَيْرِ المُحْصَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الزنا 1 من المحرَّمَات الكبائر؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: 32] وعن عبد الله بن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ الله؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدّاً، وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَزْنِيَ بحَلِيلَةِ جَارَكَ" 2، فأنزل الله تعالى تصدِيقَها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: 68] وأجمع أهل المِلَلِ على تحرْيم الزنا، ويتعلَّق به الحد، وكان الواجب فيه في صدْر الإسلام الحَبْسَ والإيذاء على ما قال تعالى ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قولِه ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: 15 - 16] ذهب عامة الأصحاب إلى أن الحَبْسَ كان في حق الثيِّب، والإيذاء كان في حقِّ البكر، وحملُوا الإيذاء على السبِّ والتعزير بالكلام.
وعن أبي الطيِّب بن سلمة: أن المراد من الآيتين الأبكارُ، وأن الحبْس كان في حق النساء، والإيذاء بالكَلاَمِ في حقِّ الرجال، ثم استقر الأمر على أن البكْر يجلد ويغرب، والثيب يُرْجم، وهل نُسِخَ ما كان؟ قيل: لا، بل بان بما استقر علَيْه الأمر آخراً السَّبُّ والإيذاء المطْلَقَان في الآيتين على ما رُوِيَ عن عبادة بن الصامت -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "خذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً، البِكْرُ بِالْبِكرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ" 3 وترك الجَلْد في حق الثيب لما سيأتي، وقيل: نسخ ما كان ثُمَّ على قول ابن سلمة: الحَبْس والإيذاء منسوخان بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] وأما على قول الجمهور، فمن جوَّز نسخ الكتاب بالسُّنَّة، قال: نسخت عقوبة البكْر بآية الجلْد، وعقوبةُ الثيب

بالأخبار الواردة في الرَّجْم، ومَنْ منَع ذلك، قال: عقوبة الشيب نُسِخت بالقرآن أيضاً، إلا أنه لم يبق متلُوّاً، رُوِيَ عن عُمَرَ 1 -رَضِيَ الله عَنْهُ- أنه قال في خُطْبته: إن الله تعالى بعث محمداً -صلى الله عليه وسلم- نبياً، وأنزل علَيْه كتاباً، وكان فيما أنزل اللهُ فيه آيَةَ الرَّجْمِ فتلَوْنَاها ووعَيْنَاها: "الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَاَرْجُمُوهُمَا [ألْبَتَّةَ] 2 نَكَالاً مِنَ اللهِ [و] اللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، وقد رجَم رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- ورَجَمْنَا بعْده، وإني أخشى بالناس أن يطول 3 زمان، فيقول: لا رَجْم في كتاب الله، الرجْم حقٌّ على كل مَنْ زَنَى من رَجُلٍ وامرأةً، إذا أُحْصِنَا، ولولا أنِّي أخشَى أن يقول الناسُ زاد عمرُ في كتاب الله تعالى، لأبيته على حاشية المصْحَف، وكان ذلك بمَشْهَد من الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فلم يُنْكِر عليه أحد، وقد حَكَى القاضي ابن كج، عن بعض الأصحاب وجهاً: أنه لو قرأ قارئ آيةَ الرجْم في صلاته لم تَفْسُدْ صلاته، ومْنهم مَنْ قال: إنا لا ننسخ الكتاب بالسنة، إذا لم تتواتَرْ، والرجْمُ مما اشتهر عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في قصَّة ماعز، والغامدية واليهوديَيْن، وعلى ذلك جرى الخلفاء -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- بعْده وبلغ حدّ التواتر، وعن أبي هريرة [وزيد بن خالد الجهنيِّ] 4 -رضي الله عنهما- أن رجلَيْن اختصما إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال أحدُهما: يا رسول الله، اقْضِ بَيْنَنَا بكتاب الله، وقال الآخر، وكان أفقههما: أجْل، يا رسول الله، اقضِ بيْنَنا بكتاب الله، وأْذَنْ لي في أن أتكلَّم، فقال: تكلَّم، فقال: إنَّ ابْني كَانَ عَسِيفاً لِهَذَا -أي أَجيراً- فَزَنَى بِامْرأته، فأُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافتَدَيْتُ مِنْهُ بمائَةِ شَاةٍ وَجَارِيَة ثُمَّ سألتُ أهْلَ العِلْم، فأخبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلد مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عام، وإنَّمَا الرَّجْمُ على [امْرأته] فقال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَأَقْضِين بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ -تَعَالَى- أَمَّا غَنَمُكَ وجَارَيتُكَ، فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وغَرَّبَهُ عَامًا، وأَمَرَ أُنَيْساً الأَسْلَمِيَّ -رَضِيَ الله عَنْهُ- أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الآخَرِ، فَإِنْ اعَتْرَفَتْ رَجَمَهَا [فَأَتَاهَا] 5، فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا" وَرُوِيَ أَنَّ ماعز بن مالك

الأسْلَمِيَّ -رَضِيَ الله عَنْهُ- اعْتَرَفَ بِالزِّنَا عنْدَ رَسُولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم- فَرَجَمَهُ، وَعَنْ بريدة أَنَّ امرأةً مِنْ غامِدٍ اعْتَرَفَتْ بهِ فأمَرَ النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلم- بِرَجْمِهَا، وعن عمران بن الحُصَيْن -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مثلُ ذلك في امرأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ.
إذَا عرفتَ أصولَ البابِ، فلا بد فيه من معرفة ما يوجِبُ الحدَّ ومعرفة الحد الواجب، وأنه كيف يستوفَى بَعْد ما وجب، فجَعَلَ صاحبُ الكتاب كلام الباب في طرَفَيْنَ.
أحدهما: في الوجوب.
والثاني: في الاستيفاء، وبيَّن في الأول الموجِبَ والواجِبَ مرتبطاً 1 أحدهما بالآخر، فقال: "والضابط أن إيلاج الفرج في الفرْج المحرَّم قطعاً المشتهَى طبعًا، إذا انتفت عنه الشبهة سببٌ 2 لوجوب الرجْم على المحصَن، ولوجوب الجلْد والتغريب عَلَى غير المحْصَن" قوله: "وفي الرابطة قيود" أراد بالرابطة ما سمَّاه ضابطاً أولاً، وإذا شرَحْنا القيود المذْكورة تَبيَّن لك أن قولَه "المحرَّم قطعاً" وقوله "إذا انتفتْ عنه الشبهة" أحدهما مغنٍ عن الآخرِ، وأنه يجوز أن يُعْلَم قوله "إيلاج الفرج في الفرج" وقوله "المحرم قطعاً" وقوله "المُشتهَى طبعاً" وقوله "إذا انتفت عنه الشبهة" كلها بالواو، ولفْظ التغْريب بالحاء والميم، ولا يخفى أن الحُكْم منوطٌ بإيلاج قدْر الحَشفة لا بجميع الفَرْج، واعلم أن لفْظ البكْر والثيب في الحديث الذي سبق بمَعْزِل عن بقاء العذرة وزوالها اللَّذَيْن باعتبارهما يُطْلَق اللفظان في غير هذا الباب، وإنما المراد من الشيب المحْصَن، ومن البكْر غيره، فحدُّ المحْصَن الرجْمُ رجلاً كان أو امرأةً، ولا يجلد مع الرجْم، وقال أحمد: يجلد أولاً ثم يُرْجَم، وفي "الشامل" وغيره: أنه اختيار ابن المنْذِر منْ أصحابنا؛ لِما سبق من حديث عُبَادة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ويُرْوَى أن عليّاً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- جلد شراحة الهمدانية، ثم رجَمَها، وقال: جَلَدتُّهَا بكِتَابِ اللهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- 3 وَوَجْه ظاهر المذْهب [ما]

رُوِيَ عن جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَجَمَ ماعِزاً، وَلَمْ يَجْلِدْهُ، وَرَجَم الغَامِدِيَّة، وَلَمْ يرد أَنَّه جَلَدَها 1. قال الأصحاب: وحديثُ عبادة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في الجِلْد منسوخٌ بفعْل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما نقل عن عليٍّ، فعنْ عمر -رَضِيَ اللهُ [عَنْهُمَا]- خلافه، وأما غير المحْصَن، فالصبيُّ والمجنونُ لا حدَّ عليهما، ويؤْدان بما يزجُرُهما، وإن كان عاقلاً بالغاً، نُظِر؛ إن كان عبداً، فسيأتي إن شاء الله تعالى، وإن كان حرّاً، فحده جلد مائة وتغريبُ عام؛ لما مر من الأحاديث، [و] يستوِّي في ذلك الرجُل والمرأة، وعند أبي حنيفة: ليس التغريب من الحدِّ، وإنما هو تعزيرٌ يتعلَّق برأْي الإِمام واجتهادِهِ، وعند مالك: يُغَرَّب الرجلُ دون المرأة.
قال الغَزَالِيُّ: وَفِي الرَّابِطَةِ قُيُودٌ، الأَوَّلُ الإِحْصَان وَهُوَ التَّكْلِيفُ وَالحُرِيَّةُ وَالإِصَابَةُ في نِكَاح صَحِيحٍ أَمَّا بالشُّبْهَةِ وَفِي النِّكَاحِ الفَاسِدِ لاَ يُحْصَنُ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ وُقُوعُ الإِصَابَةِ بَعْدَ الحُرِيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الإِحْصَانُ في الوَاطِئَيْنِ بَلْ إِنْ كَانَ المُحْصَنُ أَحَدَهُمَا رُجِمَ وَجُلِدَ الآخَرُ، وَإِنْ كَانَ أحَدُهُمَا صَغِيراً رُجِمَ البَالِغُ عَلَى الأَظْهَرِ إذَا كَانَ الصَّغِيرُ فِي مَحَلِّ الشَّهْوَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالثَّيِّبُ إِذَا زَنَى بِبكْرٍ رُجِمَ وَجُلِدَتْ، وَانْتِفَاءُ الإِحْصَانُ يُسْقِطُ الرَّجْمَ، وَانْتِفَاءُ الحُرِيَّةِ يُسْقِطُ شَطْرَ الجَلْدِ وَشَطْرَ مُدَّةِ التَّغْرِيبِ عَلَى قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ يُغَرَّبُ العَبْدُ سَنَةً، وَفِي قَوْلِ لاَ يُغَرَّبُ أَصْلاً نَظَراً لِلسَّيِّد.
= ولم يرد أنه جلدها، وحديث عبادة منسوخ بفعله هذا، وما نقل عن عليّ فعن عمر خلافه، انتهى فاما حديث عبادة فتقدم، وأما حديث الغامدية فتقدم قبله أيضاً، وأما حديث جابر منه وابن سمرة، وقد رواه أحمد والبيهقي عنه بلفظ: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجم ماعز بن مالك، ولم يذكر جلداً، وأما قصة علي مع شراحة، فرواها أحمد والنسائي والحاكم من حديث الشعبي عن عليّ، وأصله في صحيح البخاري، ولم يسمها، وأما قوله: فعن عمر خلافه، يعني أن علياً فعل ذلك مجتهداً، وأن عمر تركه مجتهداً فتعارضا، ولم أره عن عمر صريحاً، وقد يجوز أن يكون عني به حديث عمر المتقدم، فإنه لم يذكر فيه إلا الرجم، وكذا ما أخرجه الطحاوي من رواية أبي واقد الليثي: أن عمر قال: فإن اعترفت فارجمها.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الإحصان والتحصينُ في اللغة: المنع، قال الله تعالى: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ من بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: 80] وقال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: 14].
ورد في الشَّرْع بمعنى الإسْلام، وبمعنى العقْل والبلُوغ، وكلٌّ منهما قد قيل في تصير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: 25]، وبمعنى الحرية، ومنْه قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] يعني الحرائر، وبمعنى التزوُّج، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] يعني المنكوحات"، وبمعنى العِفَّة عن الزِّنا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] وبمعنى الإصابة في النِّكاح.
ومنه قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: 24] قيل مصيبين بالنِّكاح، ويقال: أَحْصَنَتِ المرأةُ أي عفَّت وأحْصَنَها زوْجها، فَهِيَ محصنة، وأحْصَنَ الرجلُ تَزوَّج، ويعتبر في الإحصان المعتبر لوجوب الرجْم بالزنا ثلاثُ صفاتٍ: إحداها: التكليفُ، فالصبيُّ والمجنون ليسا بمحصَنَيْنِ، ولا حدَّ عليهما؛ لأن فعلهما ليْس بجناية، حتى يناط به عقوبة.
والثانيةِ: الحرِّيَّةُ، فالرقيقُ ليس بمُحْصَنٍ، فلا يرجم بالزنا أصاب في نكاح صحيحٍ أو لم يُصِبُ، ويساوي في ذلك القِنُّ والمُدَبَّر والمُكَاتَب وأمُّ الولد، ومَنْ بعضُه رقيق، قال في "التتمة": والمعنى في اعتبار الحرية أن العقوبة تتغلَّظ بتغلظ الجناية، والحريةُ تغلِّظ الجناية من وجهَيْن: أحدهما: أنها تمنع من الفواحش؛ لأنَّها صفة كمال وشرَف، والشريفُ يصون نفسه عما يدنِّس عرْضه، والرقيق مبْتَذَلٌ مهانٌ لا يتحاشَى، عما يَتحاشى منه الحُرّ، ولذلك قالت هنْد عند البيعة: أو تَزْنِي الحُرَّةُ؟.
والثاني: أنها توسِّع طريق الحلال؛ ألا ترى أن الرقيقَ يَحْتاج في النكاح إلى إذْن السيِّد، ولا ينكح إلا امرأتَيْن بخلاف الحرِّ، ومن ارتكب الحرام مع اتساع طريقِ الحَلال، كانت جنايتُهُ أغْلَظَ.
والثالثة: الإصابة في نكَاحٍ صحيحٍ، قال في "التتمة" والمعنى في اعتبارها أن الشهْوة مركَّبة في النُفوس، فهذا أصاب في النكاح، فقد نال اللذَّة، وقضى الشهوة فحقه أن يمتنع عن الحرام، وأيضاً، فإن الإصابة تكمل طريق الحلال؛ من حيث إن النكاح قبل الدخول يزُولُ 1 بالطَّلْقَة الواحدة، وبمجرَّد اختلاف الدِّين وبعد الدخول بخلافِه

وأيضاً، فإنه إذا أصاب امرأته، فقَد أكد استفراشها، وحينئذ، فلو لطَّخ غيرُه فراشَهُ، عَظُمَتْ وحْشته وأذيته، فحقُّه أن يمتنع عن تلطيخ فراش الغَيْر، فإذا لم يمتنع، غُلِّظت الجناية، ويكفي في الإصابة تغيبُ الحَشَفَة، ولا يُشْتَرط أن يكون الشخْص ممن يُنْزِل، ولا يقدح وقوعها في حال الحيض والإحرام وعدة الوطء بالشبهة على ما ذكرنا في التحليل، ولا يَحْصُل الاحصان بالإصابة بِملك اليمين، كما لا يحصل التحليل، وأيضاً، فملكُ اليمين لا يُقْصَد به اكتسابُ الحلِّ، ولذلك يصحُّ شراء مَنْ لا تحل له، فلا تكون الإصابة [فيه كالإصابة] 1 في النكاح، وفي الإصابة بالشُّبْهة وفي النكاح الفاسِدِ قولان: أحدهما، ونسبه بعضُهم إلى القديم: أنها تُفِيد الإحصان؛ لأن الفاسد كالصحيح في العِدَّة والنسب، فكذلك في الإِحصان.
وأصحُّهما، وهو الذي أورده المعْظَم: المنع؛ لأنه لا أثر لهذه الإصابة في إكْمال طريق الحلال، والخلافُ كالخلافِ في أنَّه هل يحْصُل التحليلُ بالوطء في النكاح الفاسد.
ثم في الفصْل صور: احداها: هل يُشْترط أن تكون الإصابة بالنكاحِ بعْد التكليف والحريِّة؟ فيه وجهان: أظهرهما؛ عند الإِمام وصاحب الكتاب: لا حتى لو أصاب عبْدٌ في نكاحٍ صحيحٍ أو مجنونٌ أو صغيرٌ ثُمَّ كَمُلَ حالُه، فزنى، يلزمه الرجْم؛ لأنه وطء يحْصُل به التحليل، فكذلك الإحصان، وأيضاً، فإن النكاح لا يُشْترط وقوعه في حالة الكمال، فكذلك الإصابة فيه.
والثاني، وهو ظاهر النص والراجحُ عنْد معْظَم الأصحاب، ويُحْكَى عن أبي حنيفة، ومالك: أنه يُشْترط، حَتَّى لا يجب الرجْم على مَنْ أصاب في حال النقصان، ثم زنى بعْد كمال الحال، واحتج له بأنا شرطْنا الإصابة بأكْمَل الجهات، وهو النكاح الصحيحُ، فيشترط حصولها من شخْصٍ كامل، وعن حكاية الشيْخ أبي حامدٍ وجهٌ ثالثٌ، وهو أنه لو أصاب، وهو رقيقٌ، لم يحصُل الاحصان، ولو أصاب، وهو صغيرٌ، حصل، والفَرْق أن الرقَّ يوجب نقصان النكاح بخلاف الصغير؛ ألا ترى أن الرقيق لا يَنْكَح أكثر من اثنتين، وللوليِّ أن يزوِّج من الصغير أربعاً، ووجه رابع، وهو أنه لو أصاب، وهو رقيق، يحصل الإحصان، ولو أصاب، وهو صغيرٌ، لا يحصل، والفرق

أن الصغر يمنع كمال اللذة، والرقٌ لا يمنع، وادعى كثير من الأئمة أنا إذا شرطْنا وقوع الإصابة بعْد الحرية والتكليف، كان الوصفان شرطَيْن في الإحصان نفْسه، وإن لم نشْرط، فهما شرطان لوجوب الرجم، والاحصانُ حاصلٌ دونهما، وهذا ليس بلازم، لجواز أن يكون الإحصانُ عبارةٌ عن الأوصاف الثلاثة من غَيْر أن يعتبر فيها ترتيب، كما أنه لا يعتبر الترتيب بيْن وصْفَي الحريةِ والتكليفِ، وإذا قلْنا: يشترط وقوع الإصابة في حال الكَمَال، فهل يشترط أن يكون الثاني من الواطِئَيْن في حال الكمال؟ حينئذ أيضاً أطْلَقَ مطلقُون، منْهم القاضي أبو الطيب فيه قولَيْنِ: أحدهما، وينسب إلى "الإِمْلاء" وبه قال أبو حنيفة: أنه يُشْترط، حتى لو كان أحدهما كاملاً دون الآخر، لم يَصِر الكاملُ محصَناً أيضاً؛ لأنه وطءٌ لا يصير أحد الواطئَيْنِ محصَناٌ به، فكذلك الآخر كالوطء بالشُّبْهة.
وأصحُّهما، ويُرْوَى عن الأم: أنه يصير الكامل محصَناً؛ لأنه حر مكلَّف أصاب بنكاح صحيح، فأشبه ما إذا كانا كاملَيْن، وعن الشيخ أبي حامد وغيره: أنه، إن كان نقصانُ الناقص منْهما بالرقِّ، فيصير الكاملُ محصناً بلا خلاف، وإن كان نقصانُه بالصِّغر أو الجنون، ففيه القولان، والفرْقُ أن تأثير الرِّقِّ في الحدِّ دون تأثير الصِّغَر والجنون، فإنهما يُسْقِطان أصل الحدِّ بخلاف الرق، ورُوِيَ أنه سئل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن الأمة، هل تُحْصِنُ الحر، قال: نعم، قيل: عمن تَرْوِي؟ قال: أدركْنا أصحابَ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- 1 يقُولُونَ ذلك، ويَقْربُ من هذا ما أورده الإِمام، فإنه قال: الرقُّ في أحدهما لا يَمْنَع حصولَ الإحْصَان في الآخر، وحكى في الصغَر وجهَيْن عن صاحب "التقريب" ثم رأى تخصيص الخلاف بما إذا كانت الصغيرةُ بحيث لا يشتهَى مثْلُها، والصغير بحَيْث لا يشتهيه النساءُ، والقطْع بأنه لا أثر للصغر في حقِّ المراهق، والمراهقة، ويَخْرُج من هذا طريقة في الصغر مفصَّلة.
الصورة الثانية: إذا زنا الثيب ببكر رُجِم، وجُلِدَّت، وغُرِّبت، ولو زنا البكْرُ بامرأةٍ ثيب جُلِد وغُرِّب 2 ورُجِمَتْ وبدل عليه حديث العَسيف.

الثالثة: الرقيقُ يُجْلد خمسين، على ما قال تعالى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] والقِنُّ وغيره سواءٌ، وفيمن نصْفُه حرٌّ، ونصفه رقيقٌ، وجهان على خلاف ظاهر المذْهَب.
أحدهما: أنه إذا زنا، حُدَّ ثلاثة أرباع حدِّ الأحرار؛ لأنه يحتمل التقْسيط، وألزم على هذا أن ينكح ثلاثاً.
والثاني: أنه يُفْرَق بين أن لا يكون بينه وبين السيد مهايأة، فيُحَدَّ حَدَّ الأرقاء، أو يكون، فإن زنا في نوبة السيد، فكذلك، وإن زنا في نوبة نفْسِه، فعليه حدُّ [الأحرار] 1 أورد الوجهين صاحب "التتمة".
وهل يُغَرَّب العبد؟ فيه قولان: أصحهما، وهو القديم وأحد قولي الجديد: أنه يُغرَّبِ؛ لظاهر قوله تعالى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وروي أن أَمَةَ لاِبْنِ عمرَ رَضِيَ الله عنهما زَنَتْ، فَجَلَدَهَا، وغَرَّبَهَا إلَى فَدَكَ 2. والثاني، وبه قال مالك وأحمد: لا يُغرَّب، واختاره القاضي أبو حامد؛ لأنَّ التغريب للتشديد والإيحاش، والعبْدُ جليبٌ، اعتاد الانتقال من يد إلى يد، ومن بلد إلى بلد؛ ولأن فيه إضرارًا بالسيد وتفويتاً لمنفعته عَلَيْه، ومَنْ قال بالأصح؛ قال: العبد أيضاً إذا أَلِفَ الموضعَ شق عليه الانتقال، وضرر السيد لا يبالَى به في عقوبات الجرائم؛ ألا ترى أنه يُقْتَل 3 إذا ارتدَّ، ويُحدُّ إذا قَذَفَ، وإن تضرَّر السيد، ثم يمكنه إجارته واستعماله هناك، وإذا قلْنا بالأصح، ففي مدة تغريبه قولان: أحدهما: سَنَةٌ؛ لأن ما يتعلَّق بالمدة والطَّبْع يستوي فيه الحرُّ والعبدُ، كمدة العُنَّة والإيلاء، ويُروَى هذا وجهاً مخرَّجاً عن أبي هريرة.
وأصحُّهما: نصف سنة؛ لظاهر الآية، وعن أبي إسحاق القطْعُ بالنصْف، وعند الاختصار يُخرَّج ثلاثة أقوال كما في الكتاب.
وقوله في الكتاب "ولا يشترط وقوع الإصابة بعد الحرية والتكليف على الأظهر".
بيَّنَّا أن الظاهر عند المعْظَم خلافُ ما رجَّحه.
وقوله: "ولا يشترط الإحصان في الواطئَيْن... " إلى آخره أراد به ما إذا كان

أحدهما بصفات الكمال عند الوطء، وهي الحرية، والعقل، والبلوغ، دون الآخر، لكن اللفظ بعيدٌ عن إفهام الغَرَض، والوجْهُ القريب في تنزيله أن يحمل الإحْصَان على الحُرِّية، كما في قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
وقد بَيَّنا أن الحريَّة أحد معاني الإحصان 1، فيصير كأنه قال، ولا يُشْترط الحرية في الواطئَيْن، بل إن كان حرّاً عند الوطء.
أحدهما: رُجِم، إذا زنا وجلد الآخر، إنْ زنا.
وقوله "وإن كان أحدهما صغيرًا" أي عند الوطء رجم البالغ، إذا زنا، وقوله "على الأظهر" أي من الطريقَيْن، وهو الذي رأى الإِمام القطع به، إذا كان الصغيرُ في محلِّ الشهوة، فإن لم يكن، فينقدح الخلافُ، وجميع ذلك على التنزيلِ الذي بيَّنَّاه يوافق ما ذكره الإِمام، وإن حمل قوله "ولا يشترط الإحصان في الواطِئَيْنِ" على الواطئَيْنِ في زناً حتى كون المعنى أنه لو زَنَى، ويُقدِّر أن المقصود أنه لو كان أحدُ الزانِيَيْن محصناً دون الآخر، رُجِم المحصَنُ، وجُلِدَ الآخر، فهذا عين قوله من بعْدُ "والثيب إذا زَنَى ببكْرٍ رُجِمَ وجُلِدَتْ" بل أعم منه، فيغني عنه، وقوله "وانتفاء الإحْصَانِ يُسْقِط الرجْم" لا حاجة بعد ما قدَّم ذكره في الضابط [إليه]، وقوله " [وشطر] 2 مدة التغريب" يجوز أن يعلم بالميم والألف؛ لأن عندهما تَسْقُط كلُّها، وكذا قوله "وفي قَوْلٍ يُغَرَّبُ العَبْدُ سنةً" يجوز أن يعلم لفْظ "القول" فيه بالواو: لقطع أبي إسحاق.
قال الغَزَالِيُّ: ثُمَّ في أَصْلِ التَّغْرِيب مَسَائِلُ: (إحْدَاهَا) أَنَّهَا تُغَرَّبُ مَعَ مَحْرَمٍ وَلَهُ الأُجْرَةُ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهٍ، وَعَلَى وَجْهٍ عَلَى بَيْتِ المَالِ، فَإنْ امْتَنَعَ فَهَلْ يجْبرُهُ السُّلْطَانُ عَلَى الخُرُوجِ مَعَهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ آمِناً فَهَلْ يَجُوزُ تَغْرِيبُها بِغَيْرِ مَحْرَمٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنما قال في أصل التغريب؛ لأنه وصل الكلام بتغريب العبْد، فأشار إلى أن المسائل في مُطْلَق التغريب، لا في تغريب العبْد خاصَّة.
المسألة الأولى: هل تغرَّب المرأة وحْدها؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه سفَرٌ واجب فأشبه الهجْرة، فإنها، إذا كانت تخاف الفتنة [في] دينها، كان عليها أن تسافِرَ وَحْدها.
وأصحُّهما: لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم-، قال: "لاَ تُسَافِرُ المَرْأَةُ إلاَّ وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ محرم

لها" 1 ولأن الزانية إذا غرِّبت وحْدها، لم يُؤْمَن عليها من التهتك، هكذا أطلق مُطلِقون الوجهَيْن، وخصَّصهما الإِمام، وصاحب الكتاب بما إذا كان الطريقِ آمناً، وأشار إلى القطْع بالمنْع، إذا لم يكن الطريق آمناً، وفيه قول بشرعية التغريب منْ غير أمْن الطريقِ، وفي "البيان" وغيره ما يُشْعِر بخلافه، ويقوم مقام المَحْرَم الزوْجُ وفي النِّسْوة الثقات عند أمن الطريقِ وجهان: أظهرهما: قيامُهن مقام المَحْرَم، وربما اكْتُفِيَ بالواحدة، إذا كانت ثقة وشَرَط شارِطُون أن يكون معها مَحْرَم أو زَوْجٌ، وإذا قلْنا بالأصح، فلو تطوَّع الزوْج أو المَحْرَم بالخروج، أو وجدنا نسوة ثقاتٍ يُسَافِرْنَ، فذاك، وإن لم يخرج المَحْرَم أو الزوْجُ، إلا بأجرة أعْطِيَ الأجرة، وتكون في بيت المال أو في مالِها؟ فيه وجهان مشبهان بالخلاف في أجرة الجَلاَّد، ورجَّح القاضي ابن كج، وصاحب "التهذيب" كونَها في بيت المال، وقياس ما سَبَق في أجرة الجَلاَّد أن يرجَّح كونها في مال الزانية، وإليه ذهب ابن الصبَّاغ والرويانيُّ، كان لم يرغب المَحْرَم في الخُرُوج بالأجرة أيضاً، فهل يجبره السلطان على الخروج؟ فيه وجهان: أحدهما، ويُحْكَى عن ابن سُرَيْج: نعم، للحاجة إليه في إقامة الواجب، وعلى هذا، فلو اجتمع 2 محرمان أو محرم وزوْجٌ، فمن، يقدَّم منهما، لم يتعرَّضوا له.
وأظهرهما: أنه لا يجبر كما في الحج؛ ولأنه تعذيب مَنْ لم يذنب، وعلَى هذا، فقياس مما ذكرنا أنَّها لا تُغرَّب إلا مع محرم أن يؤَخَّر [التغريب] 3 إلى أن يتيسر، وكما ذكر الرويانيُّ أنها تغرَّب، ويَحْتَاط الإِمام في ذلك، وقوله في الكتاب "إنها تُغرَّب" يعني المرأة وأعلم بالميم؛ لما سبق أن عنده لا تغرَّب المرأة، ويجوز أن يُعْلَم قوله "مع محرم" بالواو؛ لاطلاق مَن أطلق وجهين في أنها هل [تغرب] 4 وحدها؟ قال الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ) لاَ ينْقُصُ فِي مَسَافَةِ الغُرْبَةِ عَنْ مَرْحَلَتَيْن، وَإِلَيْهِ الخِيَرَةُ في جِهَاتِ السَّفَرِ، وَالغَرِيبُ يَخْرُجُ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، فَإنْ رَجع إِلَى البَلَدِ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ (الثَّالِثَةُ): لَوْ عَادَ المُغَرَّبُ أَخْرَجْنَاهُ ثَانِياً وَلَمْ تُحْسَبْ المُدَّةُ المَاضِيَةُ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الزاني يُغرَّب إلى مسافة القصْر: لأن المقصود إيحاشه بالبعد عن الأهل والوطن، وفيما دون مسافة القصْر تتواصل الأخبار ولا تتمُّ الوحشة، وعن ابن أبي هريرة وجْه أنَّه يجوز التغْريب إلى ما دون مسافة القصْر؛ لمُطْلَق قوله -صلى الله عليه وسلم- "وتَغْريبُ عام"، وفي "التتمة" وجه: أنه يكفي 1 التغريب إلى موضع لو خرج المبكر إليه لم يرجع من يومه، والظاهرُ الأوَّل، وإنْ رَأَى الإمامُ تغريبَهُ إلى ما فوق مسافة القصْر، فعل؛ غَرَّبَ عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إلى الشام، وعثمانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إلى مصرَ، هذا هو المشهور والذي أورده المتولِّي؛ أنه إذا وجد على مسافة القصْر موضعٌ صالحٌ، لم يجز التغريب إلى البلد البعيد، والبدويُّ يُغرَّب عن حِلته وقومه، ولا يُمكَّن من الإقامة فيما بينهم، وحكى إمام الحرمَيْن وجهَيْن في أنه لو عيَّن الإِمام جهة للتغريب، فطلب الزاني أن يُغرَّب إلى جهة أخرى، هل يجاب أو لا [يعدل] عن تعيين الإِمام؟ ورأي الأظهر، إجابته، وقال: المقصود إيحاشه بالإبعاد عن الموضع بقدر مرحلَتَيْن، فإذا حصل هذا الغرَضُ، فليأخذ في أي صوْب شاء، وهذا ما أورده في الكتاب والمذكور في غيره أنه لا عُدول عما عينه الإِمام، وهذا هو اللائق بالزجْر والتعْنيف، ويوافقه ما ذكر صاحب "التهذيب" أن الإِمام لا يرسله إرسالاً، بل يُغرِّبه إلى بلَد معيَّن، وإنما غرَّب إلى موضع معين، فهل يمنع من الانتقال إلى [بلد] 2 آخر؟ الذي أورده المتولِّي، واختاره الإِمام: أنه لا يُمْنَع، ومنهم من قال: يمنع.
وفي "التهذيب": أنه لا يُمكَّن المغرَّب من أن يحمل معه أهلَهُ وعشيرته؛ لأنه لا يستوحش حينئذ، وله أن يحمل جاريةً يتسرى بها، وما يحتاج إليه للنفقة، وقال وفي "التتمة": لو خرج عشيرتُه معه، لم يُمْنَعوا، والغريب إذا زنا يُغْرَّب من بلد الزنا تنكيلاً وتبعيداً عن الموْضع الذي ارتكب فيه الفاحشة، فربما أَلِفَه، ولا يُغرَّب إلى بلده، ولا إلى موضع بينه وبين بلده، أقلُّ من مسافة القصْر، وإذا غُرِّب إلى غير بلده، فرجع إلى بلده، ففي الكتاب: أنه لا يُتعرَّض له، وحكَى غيره أنه يمنع منه، وهو الأشبه، ثم هذا في [الغريب] 3 الذي له وَطَنٌ، فإن لم يكن كما إذا هاجر الحربيُّ إلى دار الإِسلام، ولم يتوطَّن بعد بلدة، قال في "التتمة": يتوقف الإِمام إلى أن يتوطَّن في بلده، ثم يُغرِّبه، والمسافر إذا زنا في الطريق يُغَرَّب إلى غير مقصده، وإذا رجع المغرَّب إلى البلد الذي غُرِّب منه، رُدَّ إلى الموْضِع الذي غُرِّبَ إليه، وهل يُحْسَب ما مضى، أم تستأنف المدة الأشبه، وهو المذكور في الكتاب: أنها تستأنف ليتوالَى الإيحاش، وفي "التتمة": أنه يحسب ما مَضَى، والخلاف راجعٌ إلى أنه هل يجوز تفريقُ سنة التغْريب، وخرَّج

بعضهم هذا الخلافَ من الخلافِ في أنه، هل يَجُوز في "اللُّقَطَةِ" تفريق سنة التعريف؟ قال القاضي ابن كج: ولا يعتقل في الموْضِع الذي غُرِّب إليه؛ لئلا يرجع، بل يحفظ بالمراقبة والتوكيل به 1، [فإن] احتج إلى الاعتقال، اعْتُقِل، [ولو زنى] ثانياً في البلد الذي غُرِّب إليه، غُرِّب إلى موضع آخر، قال ابن كج: وتدخل بقبة مدة الأوَّل في الثاني؛ لأن الحدَّيْن من جنس واحد يتداخلان، وفي كتابه: أنه لو أراد الحاكم تغريبه فخَرَجَ بنفسه، وغاب سنة، ثم عاد، فعن بعض الأصحاب: أنه يكتفي بذلك، والصحيحُ خلافه، لأن المقصود التنكيلُ، وإنما يحْصُل ذلك بنفي السلطان.
وأن نفقة المغرَّب ومؤنته في ماله يُقَدَّر ما يَشْتَرِك فيه السَّفَر والحضر، وما زاد بسبب السفَر، فهو في بيت المال، وهذا غريب 2. ويجوز تقديم التغْريب على الجَلْد، وفي "الحلية" للقاضي الرويانيِّ: أنه يلزم المُغَرَّب أن يقيم في الغُرْبَة، حتى يكون كالحبس له في أصح الوجهَيْنِ، ولا يُمكَّن من السير والضَّرْب في الأرض، فيكون كالنزهة، ومما ينالسِبُ عقوبة التغْريب النفْيُ في قطْع الطريق، وسيأتي، وورد الخبرُ بنفي المخنثَّين، وهو تعزير 3. قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا الإِسْلاَمُ فَلَيْسَ مِنْ شَرَاِئطِ الإحْصَان بَلِ الذِّمِّي يُرْجَمُ إِذَا رَضِيَ بِحُكْمِنَا، وَلاَ يُجْلَدُ عَلَى الشُّرْبِ وَإِنْ كَانَ الحَنَفِيُّ يُجْلَدُ عَلَى النَّبِيذِ عَلَى الأَظْهَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الإِسلام ليس [في] شرائط الإحصان، بل إذا زنى الذميُّ، وهو مكلَّف حرٌّ، أَصاب في نكاح صحيح، فيرجم؛ خلافاً لأبي حنيفة ومالك.
لنا: ما روي [أن] رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 4 رَجَمَ يهوديين زَنَيَا، وَكَانَا قَدْ أُحْصِنَا، وإذا ارتدَّ

المُحْصَنُ، لم يبطُلْ إحصانه، حتى لو زنى في الردَّة بعْد ما رَجَعَ إلى الإِسلام، فعليه الرجْمُ، وقال أبو حنيفةَ، يبْطُل الإحصان بالردَّة، ولا، يعود إلا بإصابة جديدة بَعْد الإِسلام.
وقوله في الكتاب "إذا رضي بحكمنا" يجوز أن يعلم بالواو؛ لما ذكرنا في "كتاب النكاح" أنا إذا قلْنا "يجب الحُكْم بين الذميين، إذا ترافَعُوا إلينا، فإذا أقر الذميُّ بالزنا، يُقَام عليه الحدُّ جبراً، وإنما يعتبر الرضَا، إذا قلْنا: لا يجب الحكْم بينهم وبيَّنَّا أن الأكثرين رجَّحوا قول الوجوب.
وقوله " [ولا يُجْلَدْ] على الشُّرْب" أي وإن رَضِيَ بحكْمنا؛ لأنه لا يعتقد تحريمه.
وقوله "على الأظهر" ليعتقد رده إلى الصورتين، وهما مكررتان من بعد مشروحتان إن شاء الله تعالى.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا قَوْلُنَا: إيلاَجُ فَرْجٍ في فَرْجٍ فَيَتَنَاوَلُ اللِّوَاطَ وَهُوَ يوجُبُ قَتْلَ الفَاعِلِ وَالمَفْعُولِ عَلَى قَوْلٍ (ح)، وَالرَّجْمَ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى قَوْلٍ، وَالتَّعْزِيرَ عَلَى قَوْلٍ، وَهُوَ كَالزِّنَا عَلَى قَوْلٍ، وَإتْيَانُ الأَجْنَبِيَّةِ فِي دُبُرِهَا لِوَطٌ، وَالغُلاَمُ المَمْلُوكُ كَغَيْرِ المَمْلُوكِ عَلَى الأَصَحِّ، وَالمِلْكُ فِي الجَارِيَةِ وَالزَّوْجَةِ شُبْهَةٌ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الاسْتِمْتَاعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القيد الثاني: إيلاج الفَرْج في الفَرْج، فيدخل فيه اللواطُ، وهو من الفواحش؛ وقال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 28] وقال عَزَّ منْ قائل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: 33].
ثم إن لاَطَ بذكر، ففي عقوبة الفاعل أقوالٌ: أحدها: أن عقوبته القتْلُ محصَناً كان أو لم يكن؛ لما روي عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ وَجَدَتُّمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَاَلْمَفْعُولَ بِهِ" 1 وعلى هذا، ففي قتله وجوهٌ: = الصحيحين من حديث ابن عمر.
(فائدة) تمسك الحنفية في أن الإِسلام شرط في الإحصان، بحديث روي عن ابن عمر مرفوعاً وموقوفاً: من أشرك بالله فليس بمحصن، ورجح الدارقطني وغيره الوقف، وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده على الوجهين، ومنهم من أول الإحصان في هذا الحديث بإحصان القذف.

أحدها: أنه يُقْتل بالسيف كالمرتدِّ؛ لأنه السابق إلى الفَهْمِ مِنْ لفظ القتل، ويُحكَى هذا عن أبي الحُسَيْن بن القطَّان.
والثاني، وبه قال مالك وأحمد: أنه يُرْجَم تغليظاً؛ لما رُوِيَ عن علي -[كرم الله وجهه] رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قال: يُرْجَمُ اللوطيُّ.
والثالث: يهدم عليه جدار، أو يرمى من شاهق حتى يموتَ أخذاً من عذاب قوم لُوطٍ، قال الله تَعَالَى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا 1 سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ [سِجِّيلٍ] 2[هود: 82].
وأصحُّهما: أن حده حدُّ الزنا، فَيُرْجَم، إن كان محصناً، ويُجْلد ويُغرَّب، إن لم 3 يكن مُحْصَناً؛ لأنه حد يجب بالوطء، فيختلف بالبكر والثيب، كالإتيان في القُبُل، وقد يُحْتج له بظاهر ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- 4 قال: "إِذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ".
والثالث: أن الواجب فيه التعزير، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه فرْجٌ لا يجب المَهْر بالإيلاج فيه، فلا يجب الحدُّ كإتيان البهيمة، وهذا القول مخرَّج منه، ومنهم مَنْ لا يثبت هذا القَوْلَ، وأما المفعول، فإن كان صغيراً أو مجنوناً أو مكرهاً، فلا حد عليه، ولا = وأبو هريرة، وفي حديث أبي هريرة أحصنا أم لم يحصنا، كذا قال، وحديث أبي هريرة لا يصح، وقد أخرجه البزار من طريق عاصم بن عمر العمري عن سهيل عن أبيه عنه، وعاصم متروك، وقد رواه ابن ماجة من طريقه بلفظ: فارجموا الأعلى والأسفل، وحديث ابن عباس مختلف في ثبوته كما تقدم.

مهْر؛ لأن منفعة بُضْعِ الرَّجُل لا تتقوَّم، وإن كان مكلَّفا طائعاً، فإن قلْنا: إن الفاعل يُقْتل، فَيُقْتل المفعول بما يُقْتَل به الفاعل، وإن قلنا: إن حدَّه حد الزنا، فيُجْلَد المفعول ويغرَّب محصناً كان أو لم يكن.
وإن أتى امرأةً في دبرها، ففيه طريقان: أظهرهما: أنه لواطٌ؛ لأنه إتيانٌ في غير المأتى، فيجيء في الفاعل الأقوالُ، وتكون عقوبة المرأةِ الجَلْدَ والتغريبَ على قوْلنا: إن حدَّه حد الزنا، وهذا ما أورده في الكتاب، ورجحه في "التهذيب" وبه قال الشيخ أبو حامد.
والثاني: أنه زناً؛ لأنه وطء صادف أنثى، فأشبه وطئها في القُبُل؛ فعلى هذا [حَدُّه] حَدُّ الزنا، بلا خلاف، وتُرْجَم المرأةُ، إن كانت محصنةً، وهذا ما اختاره القاضي ابن كج وأورده صاحب "المهذب" هذا كلُّه [فيما] إذا لم يكن [هناك] مِلْكُ يمين ولا نكاحٌ.
وأما إذا لاطَ بعبده، ففيه طريقان: أحدهما: أن في وجوب الحَدِّ قولَيْن؛ لقيام المِلْك كما لو وطئ أخته المملوكة.
وأصحُّهما: أنه كالأجنبيِّ، ويخالف وطء الأخت المملوكة، فإن المِلْك يبيح الإتيان في القُبُل في الجملة، فهذا لم يبح، انتهض شبهة، ولا يبيح هذا النوعُ بحال، ولو أتى امرأته أو جاريتَهُ في دبرها، فطريقان: أحدهما: أنه على الخلاف في وطء الأخت المملوكة.
وأصحهما: القطْع بالمنع؛ لأنها مملوكة ومحلُّ استمتاعه [والله أعلم].
وأما لفظ الكتاب فقوله "وهو يوجب قتل الفاعل والمفعول" أراد به القتل بالسيف، ويجوز أن يُعْلَم ما سوى قول التعزير بالحاء؛ وما سوى قول الرجْم بالميم والألف، وأن يعلم قوله "على قول" من قوله "والتعزير على قول" لما ذكرنا أن بعضهم نفاه، ويخرَّج بالقيْدِ المذكور المفاخَذَة، ومقدِّمات الوطء، فلا يجب الحدُّ بشيء من ذلك، وإذا وجدْنا بالمرأة الخليَّةِ حبلاً، وأنكرت الزنا، لم تُحدَّ خلافاً لمالك، وإذا وجْدنا امرأة ورجلاً أجنبيين تحتْ لحاف، ولم يعرف غير ذلك، لم نَحُدَّهما، وكذلك إذا أتت المرأة المرأةَ؛ لأنه لا إيلاج، والواجبُ في هذه الصورة التعزير.
قال الغَزَالِيُّ: وَقَوْلُنَا: تُشْتَهَى طَبْعاً يُبَيِّنُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ بالإيلاَج في المَيْتَةِ، وَفِي البَهِيمَةِ قَوْلاَنِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّ فِيهِ التَّعْزِير، وَفِي قَوْلٍ نُقْتَلُ البَهِيمَةُ أَيْضاً، ثُمَّ فِي وُجُوبِ قِيمَتهَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَة وَفِي حِلِّهَا إنْ كَانَتْ مَأْكُولَة خِلاَفٌ، وَإِنْ أَوْجَبْنَا الحَدَّ فَلاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِأرْبَعَةِ عُدُولٍ، وَإِنْ أَوْجَبْنَا التَّعْزِيرَ فَيَكْفِي عَدْلاَنِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القيد الثالث: أن يكون الإيلاجُ يشتهى طبعاً، وقصد به التحرُّز عن صورتين:

إحداهما: إذا أولج في فَرْجِ ميتة، ففيه وجهان منقولان في "التهذيب" وغيره: أحدهما: أنه يجب الحدُّ؛ لأنه حصل إيلاجُ فَرْجٍ في فرج [محرم] 1، لا شبهة فيه.
وأصحهما، وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يجب؛ لأنه ممَّا ينفر الطبْعُ عنه، وما ينفر الطبع عنه لا يُحْتَاجُ إلى الزجْر عنه [بالحد]، كشرب الخمر والبَوْل.
الثانية: إتيان البهيمة حرامٌ، وفي عقوبته قولان: أصحهما: التعزير؛ لأن الطباع السليمة تأباه، ولا يوجَدُ ذلك إلا نادراً من الأراذل، ومثل ذلك لا يزجر عنه بالحدِّ.
والثاني: أنه يجب فيه الحدُّ؛ لأنه إيلاج فرْج في فرجٍ حرامٍ، وعلى هذا فقولان: أحدهما: أنه يقتل محصناً كان أو لم يكن، لما رُوِيَ عن ابن عبَّاس -رَضِيَ اللهُ [عَنْهُمَا]- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَة" 2 قيل لابن عباس -رَضِيَ اللهُ [عَنْهُمَا]- فَمَا شَأْنُ البَهِيمَةِ؟ قال: ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يُؤْكَلَ لحْمُها، وقد عمل بها ذلك العمَلَ، ويُروَى أنه قال في الجواب: إنها تُرَى، فيقال: هذه التي فُعِلَ بها ما فُعِلَ، وعن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا البَهِيمَةَ" 3. والثاني: أن حده حد الزنا، فيُفْرَق بين المحْصَن وغيره؛ لأنه حدٌّ يجب بالإيلاج، فأشبه الزنا، وفيه طريقان آخران:

أحدهما: القطع بأنه كاللواط؛ فعلى هذا ينجذب قول التعزْير على رأْي.
والثاني: القطع بأن الواجب فيه التعزيرُ، حكاه صاحب "البيان" وغيره، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
فيجوز أن يُعْلَمْ لهما قوله في الكتاب "وفي البهيمة قولان" بالواو.
التفريع: إن أوجبنا القَتْل، ففى كيفيته الخلاف المذكور في اللواط، وهل تقتل البهيمة؟ ذكر الشيخ أبو حامد وجماعةٌ أنها إن كانَتْ مأكولةٌ، تقتل، وإلا فوجهان: أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لظاهر الخبَرَيْن.
والثاني: المنعُ؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن ذبْحِ الحيوان، إلا لمَأْكَلَة 1، وفي إسناد الخبَر كلامٌ، ومنهم مَنْ أطلق الوجهين في المأكول وغيره، ويخرَّج من الطريقين ثلاثةُ أوجه؛ ثالثها الفرْقُ بين المأكول وغيره.
التفريع: إن قلْنا: [إنها] تقتل، فقد ذكروا فيه معاني: أحدُها: كراهية أكلها، لو أُمْسِكَت.
والثاني: أنه لِئَلاَّ يَذْكُر الفاحشة بها.
والثالث: [خوف أن] يأتي بخَلْقِ مشوَّه يشبه بعْضُه الآدميَّ، وبعضه البهيمةَ، المَعْنَى الأول يختص بالمأكول، والثاني والثالث يشملان المأكول وغيره، فمن قال: يُقْتَل المأكول دون غيره، يجوز أن يَذْهَب إلى المَعْنَى الأول، ولو أتى البهيمة في دُبُرها، فيقتل على المعنى الأول والثاني، ولا يُقْتَل على المعنى الثالث، وهل يَحلُّ أكلُها، إذا كانت مأكولةً، وذبحت؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنها مُذكَّاةٌ كغيرها؛ وهذا ما رجَّحه الإِمام وصاحب "التهذيب".
والثاني: لا: لما سبق في الرواية عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ [عَنْهُمَا]-، وأيضاً، فإنه، إذا وجب قتلها، التحقت بالمؤذيات، وهذا أصحُّ عند الشيخ أبي حامد، فإن قلْنا: لا يحل أكلها، أو كانت غير مأكولة، فهل يجب ضمانُها، إذا كانت لغير الفاعل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنها صارت مستحِّقة القتل شرعاً، كالعبد يُقتل حدّاً.
وأظهرهما: نعم؛ لأنه حيوانٌ أتلف، بلا جنايةٌ، وعلى هذا، فعلى من يجب الضمان؟ فيه وجهان عن أبي علي الطبريِّ وغيره.

أحدهما: على بيت المال؛ لأنها قُتِلَت للمصلحة.
وأصحُّهما: على الفاعل؛ لأن التلف جاء بسبب فعله، وشبه هذا الخلاف في أجْرَة الجَلاَّد، وإذا قلْنا: يحل الأكل فيما إذا كانت البهيمةُ مأكولةً، ففي قدر التفاوت بين قيمتها حيِّةً مذبوحةً ما ذكرنا من الخلاف، ولو مَكَّنَتِ امرأةٌ من نفسها قِرْداً، كان الحكْمُ، كما لو أتى بهيمةً، حكاه صاحب "التهذيب" وغيره، ومما يتفرَّع على الخلاف المذكور في اللِّواط وإتيان البهيمة، أنَّا إذا أوْجَبْنَا الحدَّ [فيهما]، فلا تثبتان إلا بأربعةِ شهودٍ كالزنا، وإن قلْنا بوجوب التعزير، فيكفي عدلان أو لا بد من أربعة؟ فيه وجهان: أحدهما، وبه قال أبو حنيفة والمزنيُّ وابن خيران: [أنَّه] 1 يكفي عدلان، كما في سائر الجنايات وعقوبتها.
وأظهرهما، وينسب إلى النص: أنه لا بُدَّ من أربعة؛ [لأنها] 2 شهادة على إيلاج فرْجٍ في فرج، فأشبهت الشهادةَ على الزِّنَا، ويجوز أن تختلفَ عقوبة الإيلاج، ولا يختلف عدد الشهود؛ كالجَلْد والرجْم في الزنا، وليكُنْ قوله في الكتاب "وإن أوجبنا الحدَّ" مردود إلى إتيان البهيمة واللواط معاً، فالحكم فيهما واحدٌ.
والمسألة في اللواط أعادها صاحب الكتاب في "الشهادات" وحَكَى الخلافَ في اعتبار العَدَد على القول بوجوب التعزير قولَيْن، والمشهورُ وجهان، كما ذكرنا هنا، وكذا قوله قبل ذَلِك، وفي قول، "تقتل البهيمة" المشهور فيه الوجه.
وقوله "بينهما" فيه "خلاف" يجوز إعلامه بالواو؛ لأن القاضي ابن كَج حكَى القَطْع بحلِّ الأكل.
قال الغَزَالِيُّ: وَقَوْلُنَا مُحَرِّمٌ قَطْعًا احْتَرَزْنَا بِهِ عَنِ الوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ وَفِي النِّكَاحِ الفَاسِدِ وَفِي المُتْعَةِ فَإنَّ الصَّحِيحَ أَنْ لاَ حَدَّ فِيهِ، وَأَمَّا وَطْءُ الحَاِئضِ وَالمُحْرِمَةِ وَالصَّاِئمَةِ فَلاَ حَدَّ فِيهِ قَطْعاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القيد الرابع كونُ الإيلاج مُحْرَّمًا قطعاً، فلا حد في الوطء بالشبهة؛ لأنه لا يُوصَفُ بالحرمة، والكلام فيه مبسوطٌ من بعد، [وأردنا] 3 بالإيلاج المحرَّم ما يُحَرَّم بعينه دون ما يحرِّم؛ لأمر من خارج، وإن لم يتلفَّظ به، فيَخْرُج وطء الحائض والصائمة والمُحْرِمِة؛ لأن التحريم ليس لعين الوطء، وإنما يحرم وطء الحائض؛ للأذى ومخامرة تلْك النجاسة، ووطء الصائمة والمُحْرِمة لحرمة العبادة، فلا يتعلَّق به الحد،

وكذلك وطء الجارية قبل الاستبراء، وكون التحريم مقطوعاً به يَخْرُج عنه الوطء في الأنكحة المختلف في صحتها، ولا يجب الحد بالوطء في النكاح بلا وليٍّ على الأصح، وقد حكينا وجهاً عن الصيرفيِّ في "باب النكاح": أنه يجب الحدُّ على مَنْ يعتقد تحريمه.
ويُحْكَى عنه، وعن غيره الوجُوب على مَنْ يعتقد إباحته أيضاً، كما يوجب الحدُّ على الحنفيِّ بشرب النَّبيذ، وكذلك لا يجب الحدُّ بالوطء في نكاح المتعة، وفيه خلاف مذكور في النكاح، وقوله في الكتاب "وفي النكاح الفاسد وفي المتعة" نكاح المتعة أحد الأنكحة الفاسدة، فالنَّظْم كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68].
وقوله: "فإن الصحيح" يرجع إلى النكاح الفاسد دون الوطء بالشبهة، فلا خلاف في أنه لا يجب الحد به.
واعلم أن هذا القيد يُسْتَغْنَى عنه بالذي بعْده، وصُوَرُهُ داخلةٌ في الذي بعْده، وقد كَرَّر أكثرها فيه.
قال الغَزَالِيُّ: وَقَوْلُنَا: لاَ شُبْهَةَ فِيهِ احْتَرَزْنَا بِهِ عَنْ شُبهَةٍ فِي المَحَلِّ وَالفَاعِلِ وَالطَّرِيقِ، أَمَّا شُبْهَةُ المَحَلِّ فَأَنْ يَكُونَ مَمْلُوكاً وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً بِسَبَبِ رَضَاعٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ شَرِكَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ أَوْ عِدَّةٍ فَلاَ حَدَّ عَلَى الجَدِيدِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَأَمَّا فِي الفَاعِلِ فَأنْ يَظُنَّ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ، فَأمَّا فِي الطَّرِيقِ فَأَنْ يَخْتَلِفَ الْعُلَمَاءُ فِي إبَاحَتِهِ كَالنِّكَاحِ بِلاَ وَليٍّ وَبِلاَ شُهُودٍ وَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يَدْرَأُ الحَدَّ.
قَالَ الرِّافعِىُّ: القيد الخامس: أن يكون خالياً عن الشبهة، رُوِيَ عَنْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ" 1 وأتبع صاحب الكتاب في ضبط

"الشُّبُهَاتِ" 1 تقسيماً ذكر أن الشيخ أَبَا محمَّدٍ كان يردّهُ في كلامه، وهو أن الشبهة ثلاثة أقسام، شبهةٌ في المَحْلِّ، وأُخْرَى في الفاعل، وأخْرَى في الجهة والطريق.
القسم الأول: الشبهة في المَحلِّ؛ بأن يكون مملوكاً له، كما لو وطئ جاريتَه المحرّمة عليه؛ بمحرمية رضاع أو نسبٍ؛ بأن كانت أختَهُ من الرضاع أو النسب، أو كانت بنته أو أُمَّةُ من الرضاع، ففي وجوب الحد قولان: أصحُّهما، وبه قال أبو حنيفة: لا يجب؛ لشبهة المِلْك المبيح 2. والثاني: يجب؛ لأنه وطءٌ لا يستباح بحال؛ فأشبه اللواط، ويجري الخلاف فيما إذا كانت موطوءَة أبيه أو ابْنِه، ولو وطئ جاريةً مشتركةً بينه وبين غيره، أو جاريتَهُ المزوَّجة أو المعتدَّة عن زوجها، ففيه طريقان: أحدهما: طرد القولين، وهذا ما ذكره في الكتاب.
وأقواهما: القطع بالمنع؛ لأن تحريمهن لا يتأبد، فأشبه وطء الحائض والمُحْرِمة، وفي معنى هؤلاء الجاريةُ المجوسيةُ والوثَنِيَّة، وما إذا أسلَمَتْ جارية ذميٍّ، فوطئها قبل أن تباع عليه، وإذا قلْنا: لا يجب الحد يثبت النسب وحرمة المصاهرة، وإذا قلْنا: يجب، فلا يثبتان، وقيل: يثبت النصب، وتصير الجاريةُ مستَولدَةً بلا خلاف، فيدخل في هذا القسْم وطء الأب جاريةَ الابْنِ لشبهة حقِّه في مال الابن، ويجوز أن يُعدَّ منه وطء الحائض والمُحْرِمة و [مَنْ] في معناهما.
والقسم الثاني: الشبهة في الفاعِل؛ وذلك بأن يجدَ امرأةً على فراشه فيطأَهَا على ظنِّ أنها زوجتُه أو أمتُهُ، فلا حدَّ عليه، وإذا ادعَى أنه ظنَّ ذلك، فعن النص أنه يَحْلِف ويُدْرِأ عنه الحدُّ، وقال أبو حنيفة: يجب الحدُّ، ولا أثر لهذا الظن، إلا إذا زُفَّت إليه امرأةٌ، وقيل [له:] 3 إنها التي نكَحْتَها، وكانت غير [التي نكحها] 4 لنا: القِياسُ على ليلةِ الزِّفافِ، وعلى ما إذا ضرب شراباً على ظن أنه ليس بخمرٍ، [فإذا هو خمر] 5، ولو ظن الموطوءة الجاريةَ المشتركةَ بيْنه وبين غيره، فكانَتْ غيرها، وفرَّعنا على أنه لا يجبُ = عمر، قلت: ورواه أبو محمَّد بن حزم في كتاب الإيصال من حديث عمر موقوفاً عليه بإسناد صحيح، وفي ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي عن عمر: لان أخطئ في الحدود بالشبهات، أحب إليّ من أن أقيمها بالشبهات، وفي مسند أبي خيفة للحارثي من طريق مقسم عن ابن عباس بلفظ الأصل مرفوعاً.

الحدُّ بوطء الجارية المشتركة، قال الإِمام: فيه تردد، ويظهر أن يقال: لا حد؛ لأنه ظن ما لو تحقَّقه لانْدَفَعَ الحدُّ، ويجوز أن يقال: يجب؛ لأنه علم [التحريم] وظن أنه اقترن به ما يدفع الحدَّ، فلم يكن [فكان] من حقَّه، إذا علم التحريم، أن يمتنع.
القسم الثالث: الشبهة في الطريق والجهة، قال الأئمة: كلُّ جهة صحَّحها بعضُ العلماء، وحكم بحل الوطء بها، فالظاهر أنه لا حدَّ على الواطئ بتلك الجهة، وإن كان لا يعتقد الحلَّ، وذلك كالوطء في النكاح بلا وليِّ؛ كمذهب أبي حنيفة، وبلا شهود؛ كمذهب مالك، وفي نكاح المتعة، وقد سبق الكلام في هذه الصور.
واعلم أنَّا ذكَرْنا في "كتاب الرَّهْن" أن 1 ظاهر المَذْهَب وجوبُ الحدِّ على المرتهن إذا وطئ الجارية المرهونةَ بإذْنِ الرَّاهِن، وهو يعتقد التحريم، وقد حُكِيَ عن عطاء بن أبي رباح، أنه يباح وطء الجارية بإذْن مالِكِها، وقياس ما نذكره الآن أن يكون الظاهِرُ في تلك الصورة ألاّ يجب الحدُّ أيضاً؛ وأن يجعل مذهب شبهة دارئة، وكأنهم لم يصحِّحوا النقل عنه، ولم يتحقَّق عندهم أنه مذْهَبه، وإن قيل إن [ذلك مذهبه لكن] 2 الإجماع انعقد [بعده] 3 على التحريم، والإجماعُ اللاحقُ يرفع أثر الخلافِ السابقِ، فهذا قد يُذْكر مثلُه في نكاح المتعة، فيلزم أن يرجَّح فيه وجوبُ الحدِّ أيضاً [والله أعلم].
وقوله في الكتاب "فلا حد على الجديد في جميع ذلك" وصف الخلاف بالجديد والقديم تعرَّض له الإِمام وتابعه صاحب الكتاب، وسكت أكثرهم عنه، وأرسلُوا ذكر القولَيْن، بل في "الشامل" أن قول وجوب الحدِّ منصوصٌ عليه في "الإملاء" ونسبهما معاً ناسِبُون إلى "الإملاء" [والإملاء] 4 محسوبٌ من الكتب الجديدة، ثم يجوز أن يُعْلَم قولُه "على الجديد" بالواو؛ لما حكينا من القطع بالمَنْع في بعْض الصُّورَ المذكورة.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ نَكَحَ أُمَّهُ وَوَطِئَهَا حُدَّ كَمَا لَو اسْتَأْجَرَ للزِّنَا أَوْ إِبَاحَةِ الوَطْءِ، وَلَوْ زَنَتْ خَرْسَاءُ بِنَاطِقٍ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ مَكَنَّتِ العَاقِلَةُ مَجْنُوناً أَوْ أَنكَرَ أحَدُ الوَاطِئَيْنِ أَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ يَسْتَحِقْ عَلَيْهَا القِصَاصَ أَوْ فِي دَارِ الحَرْبِ وَجَبَ الحَدُّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَمَّا فَرَغَ من الكلام في الشُّبهة الدارئة، ذَكَرَ الصورَ التي عَدَّها بعضُهم من الشبه المؤَثِّرة، وليست كذلك، فمنها: لو نَكَحَ أُمَّهُ أو مَحْرَماً غيرها؛ [إمَّا] 5 بنسب أو رضاع أو مصاهرة، ووطئِهَا، يجب عليه الحدُّ، وعند أبي حنيفة، لا يجب، وتفسير صورة العقْد شبهةً.

لنا: أنه وطءٌ صادف محلاً، ليس له فيه ملك ولا شُبْهَة مِلْك، وهو مقْطوع بتحريمه، فيتعلَّق به الحدُّ، وهكذا لو نكح المطَّلقة ثلاثاً أو الملاعَنَة أو نَكَحَ مَنْ تحته أربعٌ خامسةً، أو نكح أختاً على أخْتٍ، ووطئ عالماً بالحال، يجب عليه الحدُّ، وحكَى القاضي ابن كج فيما إذا نكح أختَهُ من الرضاع ووطئها، وادَّعَى الجَهْل بالتحريم قَوْلَيْن في أنه، هل تُقْبل دعواه، ولا خلاف في أنه لا يُقْبَل في الأخت من النَّسَبِ، ولو نكح [معتدة أو مرتدة]، أو ذات زوْجٍ أو نكح الكافِرُ مسلمةً، ووطئ، وجب الحدُّ، كما ذكرنا في نكاح المحارم، وبمثلة أجاب في "التهذيب" إذا نكح وثنيّةً أو مجوسيّةً، وقال الرويانيُّ في "جمع الجوامع": في المجوسية لا يجب الحد؛ [لأن] في نكاحها خلافاً، وهذا هو القياس إذا تحقَّق الخلاف، ولو ادعى الجَهْل يكون المرأة معتدةً، أو ذاتَ زوجٍ، حلف، إن كان ما يدَّعيه ممكناً، ودُرئ عنه الحدُّ، نص عليه، وعن القاضي أبي حامد: أنه قد نَقَل أن اليمين استظهارٌ 1، ولو قالتِ المرأةُ: علمت أني معتدةٌ أو ذاتُ زوْجٍ، حدت، وإن لم يُحدَّ الرجل.
ومنها: إذا استأجر امرأةً للزنا وزنا بها، لزمه الحدُّ خلافاً لأبي حنيفة.
لنا: أنه عقدٌ باطلٌ، فلا يُورثُ شبهةً، كما لو اشترى حرَّة، فوطئها أو خمراً [فشربها] وأيضاً، فلو كان شبهةً لثبت به النسب، ولا يثبت بالاتفاق.
ومنها: لو أباحت الوطء لرجل، فوطئها، [فعليهما] 2 الحدُّ، ولو أباح جاريتَهُ لغيره، فعلى ما ذكَرْنَا في ["كتاب] 3 الرَّهْن"، ويشبه أن لا يجيْء مذْهب عطاء في إباحة المرأة بُضْعَها؛ لأن السيد يبيح ما أبيح له، والمرأة بخلافه، وذكر صاحب الكتاب في "الوسيط": أن أبا حنيفة خالَفَ في صورة الإباحة، والمتبادر إلى الفَهْم من ذلك: أنه يسقط الحدُّ بالإباحة، والذي يوجَدُ في كتب الأئمة، أن أبا حنيفة قال: إذا أباحتِ المرأةُ جاريتَها لزوجها، فوطئها، [سقط] 4 الحدُّ، وسكتوا عن إباحة الرجُل جاريتَهُ، وعن إباحة المرأة بُضْعها وجاريتَها لغير الزوج.
ومنها: إذا زنتْ خرساءُ بناطقٍ أو بالعَكْس، وجب الحدُّ، وعن أبي حنيفة: أنه إذا أقر أنه زنا بخرساءَ، لا يُحَدُّ؛ لأن إقرار الأخرس بالزِّنا لا يصح؛ فيصير كما لو كانت، ناطقةً، فكذبته لا يحدُّ، ونحن لا نوافقه على هذا الأصل، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وَيُقْبَل إقرار الأخرس بالزنا.
ومنها: إذا زنى العاقلُ البالغُ بمجنونةٍ أو مراهقةٍ أو نائمةٍ، لزمه الحد، وإن لم يلزمها، ولو مكنت [البالغة العاقلة] مجنوناً أو مراهقاً أو نائماً، فعليها الحدُّ خلافاً لأبي

جارٍ التحميل