قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيَتَشَعَّبُ مِنْ هَذَيْنِ الأَصْلَيْنِ فُرُوعٌ الأَوَّلُ إِذَا كَانَ تَحْتَهُ كَبِيرَةٌ وَصَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا الكَبِيرَة بِلِبَانِهِ حُرِّمَتَا أَبَداً لأَنَّ الكَبِيرَةَ أُمُّ زَوْجَتَهُ وَالصَّغِيرَةَ بنْتُهُ، وإنْ كَانَ بِلِبَانِ غَيْرِهِ لَمْ تَصِر الصَّغِيرَةُ بِنْتَاً بَلْ رَبِيبَةً مُحَرَّمَةً إنْ كَانَتِ الكَبِيرَةُ مَدْخُولاً بِهَا، وَإِنَّمَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا لأَنَّهَا اجْتَمَعَتْ مَعَ الأُمِّ فِي النِّكَاحِ فَيَنْدَفِعَانِ وَلَهُ تَجْدِيدُ نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وتَحْته زوجَتَانِ صغيرةٌ وكبيرةٌ، فأرضعَتِ الكبيرةُ الصغيرةَ خَمْسَ رضَعَاتٍ، انفسخ نكاحهما؛ لأنَّ الجَمْع بيْن الأمِّ والبنْتِ في النكاح ممتنع، وقد صارَتِ الصغيرةُ بِنْتاً، والكبيرة أُمَّاً دفعةً واحدةً، واندفعتا، ثم إنْ كانَ الإرْضَاع بلَبَنِهِ، حُرِّمَتا عليه على التأبِيد؛ لأن الكبيرة أُمُّ زوجته، والصغيرة بِنْته، وإنْ الإرضاع بلَبَنِ غيره، فالكبيرة كذلك، والصَّغيرة ربيبة، فإن كانت الكبيرةُ مدخولاً بها، فهي محرمةٌ أيْضاً، وإلا، لم تكن الصغيرةُ محرَّمةٌ على التأبيد، ويجب على الزَّوْج للصغيرة نصفُ المسمَّى، وفيما يرجع به على الكبيرة الأقوال التي سبَقَت، ولا مَهْر للكبيرة، إن لم تكن الكبيرة مدخولاً بها؛ لأن الانفساخ حصل بصنعها، وإن كانتْ مدخولاً بها، استحقت المَهْر، قال الأئمة -رحمهم الله- ولا نقول: يرجع عليها بمَهْرِها؛ لأنَّها أتلفت عليه بُضْعَها؛ لأن تغريمها وتمكينه من الرجوع إسقاطٌ للمَهْر فيصير كالموهوبة، وذلك من خصائصِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ولَيْس كما لو وقَعَت الرجعة قبل انقضاء العِدَّة، وأنكرت، وصدَّقناها باليمين، فنَكَحَت زوجاً آخر، ثم صدِّقت الأول في الرجعة، حيث نغرمها للأوَّلِ مهْر المِثْل؛ لأن هناك؛ النكاحُ الأولُ باقٍ بزعمه وزعمها، إلا أنها حالَتْ بينها وبينه باليمين، وكذلك لو طَلَّقها الثاني، عادت إلى الأوَّل من غير تجديد عَقْدٍ، فألزمناها ضمانَ الحَيْلُولة، إلا أنَّها تَرُدُّ المهر عليه، حتى لو طَلَّقها الثاني أو مات عنها وعادت إلى الأول، يلزمه ردُّ المَهْر إليها.
ولو كانت الكبيرة نائمةً، فارتضعت منها الصغيرةُ، فلا مهر لها, وللكبيرةِ نصْفُ المَهْر المسمَّى إن لم يدخل بها، وجميعه إن دخل بها، ويرجع بالغرم في مال الصغيرة على ما سبق، ولو أرضعتْها الكبيرةُ أرْبَعَ مراتٍ، ثم ارتضعت الصغيرةُ، وهي نائمة، مرةً خامسةٍ، قال في "التتمة" إن قلنا: يتعلَّق التحريم بالرَّضَعَات، ولم نحِلْه على الرَّضْعة الخامسة الأخيرة، فيسقُطُ خمْسُ مهْرِ الصغيرة، بسبب فِعْلِها، ونصْفُه بالفُرْقة قبل الدخول، ويجب على الزَّوْج خُمْسٌ ونِصْفٌ، وهي ثلاثةُ أعشار، ويرجع على الكبيرة بثلاثة أعشار مهْرِ المِثْل، على القَوْل الأظْهر، وبأربعة أخماسه على قَوْلٍ آخَرَ، والخُمْس السَّاقِط بفِعْلِها لا رُجُوع فيه، وهذا القول الآخر هو القول الذَّاهِب إلى الرجوع بجميع مهْر المثل، والله أعلم قال: وأما الكبيرة، فيسقط أربعةُ أخماس مهرها بفِعْلِها، والباقي بالفُرْقة قبل الدخول، فإن قضيتها سُقُوطُ النِّصْف، والباقي دون النصف فيسقط، وقياس ما قدَّمنا عن "المهذَّب" و"التهذيب" أن يقال يسْقُط الخُمْس من نِصْف مهْر الصغيرة،
ويجب أربعةُ أخماسِهِ وهو خُمْسَا الكُلِّ، وأن يقال: يسقط أربعة أخماس من نصْف مهْر الكبيرة، ويجب خُمْسُهُ، ولو كانت الكبيرةُ أَمَةً قد نَكَحَها، فأرضَعَتِ الصغيرةَ، تعلَّقَ الغُرْمُ برَقَبَتَها؛ لأنَّ ذلك كجناية منْها على نفْسٍ أو مال، فإن لم يسلِّمْها سيِّدُها لِلبَيْع، واختار الفداءَ، فَدَاها بالأقلِّ من قيمتها، وقدر الغرم في أظهر القولَيْن، وبقدر الغرم في الثاني، وإن أرضَعَتِ الصغيرةَ أمتُه أو أمُّ وَلَدِهِ، فلا غرم عليها للزوج؛ لأن السيد لا يستحق على مملوكه مالاً، ولو كانَتْ أمته أو أُمُّ وَلَدِهِ [مكاتبة] فأرضعته المكاتَبَةُ الصغيرةُ، فعليها للسيد الغُرْم فإن عَجَّزها، سَقَطت المطالبة بالغُرْم، كما في تعجيز النجوم تسقط النجوم، قال الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله- له خَمْسُ أمهات أولاد كاتبهن فأرضعت كلُّ واحدةٍ منْهنَّ زوجته -الصغيرةَ رضْعةً، صارَتِ الصغيرةُ بنتاً له على ظاهر المَذْهَب وانفسخ نكاحُها, وله الرجُوعُ عليهن بالغرم إن أُرْضَعْنَ معاً، وإن أرضَعْنَ على التعاقب، فجمع الغرم على الخامسة, ويُمْكن أن يجيْء فيه خلافٌ، ويحال التحريم على الرضعات كلِّها وحينئذ يكُونُ الحكم كما لو أرْضَعْنَ مَعاً، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: لَوْ كَانَ مَعَ الكَبِيرَةِ ثَلاثُ صَغَائِرَ فَأَوْجَرَتَهُنَّ لَبَنَهَا المَحْلُوبَ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ انْدَفَعَ نِكَاحُ الصَّغَائِرِ لأُخُوَّةِ بَيْنَهُنَّ وَللاجْتِمَاعِ مَعَ الأُمِّ، وَلَهُ تَجْدِيدُ نِكَاحِهِنَّ سِوَى الكبِيرَةِ، فَإِنْ كانَ بِلِبَانِهِ حُرِّمْنَ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَلَوْ أَرْضَعَتِ الأوُلَيَيْنِ مَعَاً ثُمَّ الثَّالِثَةَ لانفَسَخَ نِكَاحَهَا مَعَ المُرْتَضِعَتَيْنِ الأُوَلَيَيْنِ وَلَمْ يَنْفَسِخ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ فَإِنَّهَا أَرْضَعَتْ بَعْدَ انْدِفَاعِ نِكَاحِ أُمِّهَا فَأُخْتَيْهَا، وَلَوْ أَرْضَعَتِ الجَمِيعَ عَلَى التَّوَالِي انْدَفَعَ نِكَاحُ الكبِيرَةِ مَعَ الأُولَى وَلَمْ يَنفَسِخْ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ في الحَالِ وَينْفَسِخُ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ فَقَد أَرْضَعَتهَا وَتَحْتَهُ الثَّانِيَةُ، وَهَل يَخْتَصُّ الانْدِفَاعُ بِالثَّالِثَةِ، أَمْ يُقَالُ: هِيَ وَإِنْ كانَتْ أَخِيرَةً وَسَبَبَاً لِلاجْتِمَاعِ فَلَيْسَتْ بِأَوْلَى مِنَ الثَّانِيَةِ فَيَنْدَفِعَانِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَكَذَا لَوْ أَرْضَعَتْ أَجْنَبِيَّةَ صَغِيرَتَيْن تَحْتَ زَوجٍ عَلى التَّوَالِي انْدَفَعَتِ الثَّانِيَةُ وَفِي الأُولَى القَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تحْتَهُ كبيرةٌ وثلاثُ صغائِرَ فأرضعتِ الكبيرةُ الصغائرَ خَمْسَاً خمساً، نُظِر؛ إن كانا للبن منْه أو كانَتِ الكييرةُ مدْخولاً بها، انفسخ نكاحُهُنَّ جميعاً، وحُرِّمِنْ عَلَى التأبِيد، سواءٌ أرضعَتْهُنَّ معاً أو على التعاقُبِ؛ لأنَّ الكبيرةَ أمُّ زوجَاتِه، والصغائر بَنَاتُه أو ربائبُ زوجته المَدْخُولِ بها، وعليه المسمى للكبيرة، ونصف المسمَّى لكل صغيرةٍ وعلى الكبيرةِ الغُرْمُ، وإن لم يكن اللبنَ منْهُ، ولا كانت الكبيرةُ مدخولاً بها، فيُنْظر، إن أرضعَتْهن معاً بأن أوجرتهن معاً الرضعة الخامسة مِنْ لبنها المحلوب، أو ألقمت اثنتين ثدييها وأوجرت الثالثة من لبنها المحلُوبِ، فينفسخ نكاحُهُنَّ جمَيعاً؛ لصيرورتهن أخواتٍ، ولاجتماعهن مع الأم في النِّكَاح، وتحْرُم الكبيرة على التأبيد؛
لأنها أمُّ زوجاته، ولا تحرم الصغائر ولأنهن بناتُ امرأةٍ لم يدخل بها، فله أن يجدِّد نكاح واحدةٍ منهن، ولا يَجْمَع بين اثنتين لأنهن أخوات، وإن أرضعتهن على ترتيب فتَحْرُم الكبيرة على التأبيد أيضاً، ولا تَحْرُم الصغائر على التأبيد؛ ثم للترتيب أحوالٌ:
إحداها: أن تُرْضِع اثنتين معاً ثم الثالثةَ، فينفسخ نكاح الأوليين مع الكبيرة؛ لثبوت الأُخُوَّة بينهما, ولاجتماعهما مع الأم في النكاح، ولا ينفسخ نكاح الثالثة؛ لانفرادها، ووقوع إرضاعها بعْد اندفاع نكاح أُمِّها وأُخْتها.
والثانية: أن يرضع واحدةٌ أولاً ثم ائنتين معاً، فينفسخ نكاح الكلِّ، أما نكاحُ الأُولَى مع الكبيرة؛ فلاجتماع الأمِّ والبنت في النكاح، وأما الأخريان فلأنهما صارتا أُخْتَيْن معاً.
والثالثة: أن ترضع جميعَهُنَّ على التعاقُب، فينفسخ نكاح الأُولَى مع الأُمِّ؛ لِمَا ذكرنا, ولا ينفسخ نِكَاحُ الثانية، إذا أرضعَتْها؛ لأنها ليست مُحَرَّمةً، ولم تجتمع معها أمٌّ ولا أخْتٌ، فإذا أرضعت الثالثةَ، انفسخ نكاحُها؛ لأنها صارَتْ أختاً للثانية الَّتي هي في نكاحه، وهل ينفسخ معَها نِكَاحُ الثانية أم يختص الانفساخ بنكاح الثالثة؟ فيه قولان:
أحدهما: أنَّه ينفسخ نكاح الثانية أيضاً؛ لأنهما صارتا أختين معاً، فأشبه ما إذا أرضعْتهما معاً، وأيضاً، فلو أرضعت زوجَتُهُ [الكبيرة زوجَتَهُ] 1 الصغيرةَ، انفسخ نكاحُها؛ لصيرورتهما أماً وبنتاً [معاً] فكذلك هاهنا.
والثاني: أن الانفساخ يختص بنكاح الثالثة؛ لأن الجمع تَمَّ بإرضاعها، فاختص الفسادُ بها، كما لو نكح أُختاً على أخْتٍ يختص نكاح الثانية بالفَسَاد؛ لأنَّ الجَمْع حَصَل بنكاحِها، وهذا القول ينسب إلى الجديد، وفي تعليق الشيخ أبي حامِدٍ ترجيحه، والأول القديم، وهو الصَّحِيحُ عنْد أكثر الأصحاب، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، واختاره المزنيُّ؛ وعلى هذا، فالمسألة من المسائل التي يُرَجَّح فيها القديم، واحتج بعضهم للقول الذاهب إلى اندفاع نكاحهما جميعاً؛ [بأنه إذا كان تحته كبيرةٌ وصغيرةٌ، فارضَعَتْ أُمُّ الكبيرةِ الصغيرةَ، ينفسخ نكاحهما جميعاً] 2 ومنهم من طرد فيها القولَيْن، وهو الأشبه [فينفسخ نكاح الصغيرة وتكون الكبيرة على القولين] وبه قال القاضي أبو الطيب، ولو كان تحته صغيرتان، وأرضعتهما أجنبيةٌ، نُظِرَ، إن أرضعتهما معاً، انفسخ نكاحهما، لأنهما صارتا أختين معاً، وحُرِّمت الأجنبية على التأبيد؛ لأنها صارَتْ مِنْ أمهات نسائهِ، وله نكاح واحدةٍ من الصغيرتين، ولا يجمع بينهما, ولو أرضعتهما على التعاقب، لم ينفسخ نكاحُ الأُولَى بإرضاعها، فإذا أرضعَتِ الثانية، انفسخ نكاحها لأنها صارت أختاً
للأُولَى، وهل ينفسخ نكاحُ الأُولَى؟ فيه القولان السابقان، والأصَحُّ: الانفساخ.
وقوله في الكتاب "فأوجرتهن لبنها المحلوب في دفعة" يعني في الرضعة الخامسة.
وقوله في الكتاب "وله تجديد نكاحهن سوى الكبيرة" إنما كان يحسن الاستثناء من جهة اللَّفْظ، لو حكم باندفاع نكاحِهِنَّ جميعاً، لكن لفظه لا يتناول إلا نكاح الصَّغَائر، فإنَّه قال: اندفع نكاح الصغائر للأخُوَّة بينهن ولو قال اندفَعَ نكاحُهُنَّ للأُخوَّة بيْن الصغائِرِ، وللاجتماع مع الأم، لَحَسُنَ الاستثناء.
وقوله: "فإن كان بِلِبَانِهِ حُرِّمْنَ على التأبيد" تبيَّن أن ما سبق مفروضٌ فيما إذا كان اللبن مِنْ غيره.
وقوله: "ولو أرضَعَتِ الجميع على التوالي" لفظ "التوالي" مستعملٌ غالباً في التعاقُب الخَالِي عن الفصْل، ولا فَرْق فيما نحن فيه بين أن يكون هناك فَصْل أوْ لا يكون، فكان الأحْسَنُ أن يقول التعاقب أو الترتيب دون التوالي.
وقوله: "أم يقال هي، وإن كانت أخيرةً وسبباً للاجتماع فليست بأَوْلَى من الثانية" فيه إشارة إلى مأخذ القول المُخصّص للانفساخ بنكاح الثالثة، وإلى الجواب عنه، فإنه، وإن كان كذلك، لكنَّ الأُخوَّة تَحْصُل دفعةً واحدةً، فليست إحداهما بالاندفاع أَوْلَى من الأُخْرَى، وهذه صُوَرٌ تناسب الفرع:
تحته صغيرة وثلاث كبائر أرضعَتْها كلُّ واحدةٍ من الكبائر خَمْساً، فينفسخ نكاحهن جميعاً، أما التي أرضعت أولاً فينفسخ نكاحُها مع الصغيرةِ؛ لاجتماع الأمِّ والبِنْت في النكاح، وأيضاً، فقد صارت أمُّ الزوجة وأمَّا الأخريان، فينفسخ نكاحُهُما للمَعْنَى الثاني، وتُحَرَّم الكبائر لذلك على التأبيد، وتُحرَّم الصغيرة أيضاً كذلك، إن كان في الكبائر مدخولاً بها، وإلا، فلا تُحَرَّم على التأبيد.
تحته أربع صَغَائر أرْضَعَتْهن أجنبيةٌ واحدةً بعد واحدةٍ، فلا أثر لإرضاع الأُولَى في نكاح واحدة منهن، فإذا أرْضَعَتِ الثانيةَ، صارتْ أختاً للأُولى، وانفسخ نكاحُهَا، [وفي انفساخ الأُولَى القولان، فإن أبطلنا نكاحَهُما، فإذا اْرضعت الثالثةَ، لم ينفسخ نكاحُها، فإذا أرضعت الرابعةَ، انفسخ نكاحُهُما، وإن قلْنا: لا يبطل نكاح الأُولَى، فإذا أرضعت الثالثة، انفسخ نكاحها] 1 لأنها صارَتْ أختاً للأُولى، وكذا الرابعَةُ، لو أرضعتهن معاً، أو أرْضَعَت اثنتين معاً، ثم اثنتين معاً، انفسخ نكاحُ الكُلِّ.
تحته كبيرتان وصغيرتان، فأرضَعَتْ كلُّ واحدةٍ من الكبيرتين واحدةً من الصغيرتين، فيحرمن جميعاً على التأبيد، إن دخل بالكبيرتين، وإن لم يَدْخُل بهما، تُحَرَّم الكبيرتان على التأبيد، وينفسخ نكاح الصغيرتين في الحال، وله تجْدِيد نكاحهما والجَمْعُ بينهما لعدم الأخوة ولو أرضعتْهُما إحْدَى الكبيرتين على الترتيب، انْفَسَخ نكاحُ الأُولَى والمرضعة؛ لاجتماع الأمِّ والبنت، ولم ينفسخ نكاحُ الثانية، فإن أرضعتهما الكبيرة الثانية بعْد إرضاع الأُولَى على ترْتِيبِ إرْضَاع الأُولَى، انفسخ نكاحُها بإرضاع الصغيرة الأُولَى، ولم ينفسخ نكاحُ الصغيرةِ الثانية؛ لأنه لم يَحْصُل في حقِّها اجتماع الأم والبنت في النكاح، وإن أرضعَتْها على غير تَرْتِيب المرضعة الأُولَى، انفسخ نكاح الكُلِّ، وله تجديد نِكَاحِ كلِّ واحدة من الصغيرتَيْن، إذا لم تكن الكبيرتان مدخولاً بهما, ولا يجوز الجَمْع بينهما.
تحته ثلاثُ نسوةٍ كبيرتانِ وصغيرةٌ فأرضعَتْها الكبيرتان دفعةً واحدةً؛ بأن أوجرتاها لبنها المحْلُوب المخلوط ينفسخ نكاحُهُن جميعاً؛ لاجتماع البنت مع أُمَّيْهَا في النكاح، وتحرمن على التأْبيد، إن دَخَل بالكبيرتين، أو بإحداهما؛ لأن الكبيرتين أُمَّا زوجته، والصغيرة ربيبته مدخولٌ بها، وإن لم يدخل بواحدةٍ منهما، لم تُحَرَّم الصغيرة على التأبيد، وعلى الزوج للصَّغِيرة نصْفُ المسمَّى، ويرجع على الكبيرتين بالغُرْم، وأما الكبيرتان، فإن كان قد دَخَل بهما، فعليه لكلِّ واحدةٍ منهما جميعُ المُسَمَّى ويرجع على كلِّ واحدةٍ منْهما بنِصْفِ مهْرِ [مثل] صاحِبَتِها تفريعاً على القول الصحيح، وهو الرُّجُوع في غرم مهر الكبيرة المَمْسُوسة، وذلك لأَنَّ انفساخ نِكَاح كلِّ واحدةٍ منْهما حصل، بفعلها وفعل صاحبتهما، فسقَطَ النِّصْفُ بفعْلها، ويجب النصف على صاحبتها، وإنْ لم يدخل بواحدة منْهما، فلكلِّ واحدةٍ منهما رُبْع مهرها المُسمَّى لأن الانفساخ حَصَل بفعلهما، فسقط بفعل كل واحدة منهما نصْفُ الشطر الذي الواجب قبل الدخول، ويجب النصْفُ الآخر، ويرجع الزوْج على كل واحدة منهما برُبْع مهْرِ مثْل الأخرَى؛ تفريعاً على قولنا "إن التغريم في حق غير الممسوسة يكون بنصْف مَهْر المثْل" وإن كانت إحداهما مدخولاً بها دون الأخْرَى؛ فللمدخول بها تمام المسمَّى وللأخرى ربْعُ المسمَّى ويرجع الزوج على الَّتِي لم يَدْخُل بها بِنِصْف مَهْرِ المثْل للمَدْخُول بها، وعلى المدْخُول بها بربع مهر المثلُ التي لم يَدْخُلْ بها.
قال الشيخ أبو عليٍّ: لم أر الكلام بالرجُوع بمَهْر المثل للكبيرتين للأصْحَاب، وإنَّما خرَّجته بتوفيق الله تعالى ثم رأيته لأصْحَابنا بعْد ذلك بزمان، وأمَّا أصْل المسألة، فهو من المولَّدات.
ولو كانتِ المسألةُ بحالها, لكن أوجرتها اللَّبَنَ المخْلُوطَ في الخامسة إحدى
الكبيرتين وحْدها، فحُكْم التحريم كما سَبَق، ورجوع الزوجَ بمَهْر الصغيرة عَلَى المُرْضِعَة في الخامسة وَحْدَهَا، وفيما يَرْجع به الأقوال، وأما الكبيرتان، فالَّتي لم تُوجر، إن كانتْ مدخولاً بها، فلها على الزوْجِ تمامُ المسمَّى، ويرجع الزوْجُ بمهر مثلِها على التي أوْجَرَتْ على القول الأصح وإن لم تكن مدخولاً بها، فلها على الزوجِ نصْفُ المسمَّى، ويرجع بالغُرْم على التي أوجَرَتْ كما في الصغيرة، والتي أوجِرَتْ، إن كانت مدخولاً بها، فلها جميع المَهْر، وإن لم تكن مدخولاً بها، فلا شَيْء لها؛ لأنها أفسدَتِ النكاح قَبْل الدُّخُول، وهذا كلُّه فيما إذا كان اللَّبَن من غير الزَّوْج، فإن كان اللَّبَن منْه، والتصوير كما ذَكَرْنا فتصير الصغيرة بنته، وتحرم عليه على التأبيد، ولو تمَّ العدَدُ في حقِّ الزوج، دون الكبيرتين، بأن أرضَعَتْ هذه بعْضَ الخمس وهذه بعض الخمس فيحصل التحريم في حقِّه على ظاهر المذهب، وينفسخ نكاح الصغيرة، وتحرم عليه على التأبيد، ولا ينفسخ نكاح الكبيرتَيْنِ؛ لأن واحدةً منهما لم تَصِر أُمَّاً حتى تَكُونَ من أمهات نسائه، ثم إن حصَلَتِ الرضعات متفرِّقةً مثل أن أرضعت إحداهما ثلاثاً والأُخْرَى رضعتن، فالغُرْم على التي أرضَعَتِ الخامسة، هكذا ذكره الشيخ أبو عليٍّ وقد سبق ما يقتضي مجيء خلاف فيه، وإن اشتركتا في الرضْعَة الخامسة، بأن أرضعت كل واحدة منهما رضعتين، ثم أوجرتاها لبنهما المحْلُوب في إناء واحد دفعةً واحدةً، فالغُرْم عليهما بالسوية، ولو حَلَبَتْ إحداهما لَبَنَها ثلاثَ دفَعَاتٍ في ثلاث أوانٍ، والأخرى دفعتَيْنِ في إناءين، ثم جَمَع الكل، وأوجرت الصبية منه، فإن أوجرتْها إحْداهما، فالغُرْم عليها، وإن أوجرتاها، فيُغرَّمان بالسوية، أو أخماساً؟ فيه وجهان:
أظهرهما: الأول.
ولو حلَبَتْ إحداهما [أربعاً في أربع أوانٍ، والأخرى ثلاثاً في ثلاث أوان، ثم خَلَطَتَا الكلَّ فاوجرتاها معاً، فيُغَرَّمان بالتسويَة أو أسْباعاً]، فيه الوجهان:
تحْتَه ثلاثُ صغائِر فجاءت ثلاث خالاتٍ للزوج من الأبوين، وأرضعت كلُّ واحدةٍ صغيرةً منهن يؤثر ذلك في نكاحهن، إذ ليس فيه إلا أنهن صِرْنَ بنات خالاتٍ، ويجوز نكاحُ بناتِ الخَالاَتِ، والجمع بينهن فلو جاءت جدة للزوج بعْد ذلك أم أمه، وأرضعت الصغيرةُ الرابعةَ، بَطَل نكاحُها، وحُرِّمت على التأبيد؛ لأنَّها صارَتْ خالةً للزوج، للصغائر الثَّلاَثُ، واجتمعْنَ معها في النِّكَاح، وفي انفساخ نكاحِ الثَّلاَث القولانِ السابقَانِ، وكذلك الحُكم لو أرضَعَتِ الرابعةَ امرأةٌ [أبي أم الزوج بلبنه ولو كانَتِ الحالَاتُ الثلاثُ متفرقاتٍ، وأرضعن الثلاثَ، ثم أرضعت الرابعة] أم الزوج، انفسخ نكاحها, ولا ينفسخ نكاحُ الصغيرة الَّتي أرضعَتْها خالة الزوج لأب لأن الرابعة لا تَصِير خَالةً لهذه الصَّغِيرَة، وفي الأخريين القولانِ، ولو كُنَّ متفرقات وأرضعت الرابعة امرأة
أبي أم الزوج، فينفسخ نكاحُ الرابِعَةِ، ولا ينفسخ نكاح الصغيرة التي أرضعتها خالَةُ الزوج للأم، وفي الأُخْرَيَيْن القولان، ولو أرضعت الصغائِرُ الثلاثُ ثلاثَ عمَّاتٍ للزوج من الأبوين أو من الأب، ثم أرضعت الرابعة أم أبيه أو أرضعت الرابعة امرأة أبي أبيه بلبنه فالحكم على ما ذكرنا في الخالات.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: تَحْتَهُ كَبِيرَةٌ وَثَلاَثُ صَغَائِرَ وَلِلْكَبِيرَةِ ثَلاَثُ بَنَاتٍ أَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ صَغِيرَةً صَارَتِ الْكَبِيرَةُ جَدَّةَ الصَّغَائِرِ وَحُرِّمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ وَأَمَّا الصَّغَائِرُ صِرْنَ رَبَائِبَ فَيُحَرَّمْنَ عَلَى التَّأْبِيدِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِالكَبِيرَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تحْتَهُ كبيرةٌ وثلاثُ صغَائِرَ وللكبيرةِ ثلاثُ بناتٍ مَرَاضِع فأرضعت كلُّ واحدةٍ منهن صغيرةً من الثلاثِ، فإن كانتِ الكبيرةُ مدْخُولاً بها، حُرِّمْنَ على التأبيد أرضعن معاً أو على الترتيب؛ لأن الكبيرة جدَّةُ نسائه والصغائر حوافدُ زوجة المَدْخُولِ بها، وعلى الزوج مَهْر الكبيرة بتمامه، ويرجع بالغُرْم على الصحيح عليْهِنَّ، إن أرْضَعْنَ معاً، لاشتراكهن في إفساد النكاح، وعلى الأُوْلَى إن أرضعْنَ عَلى الترتيب، ولكل واحدة من الصغائر نصْفُ المسمَّى على الزوج، وَيرْجع بالغرم بمَهْر كل صغيرة على مرضِعَتها، وإن لم تكن الكبيرةُ مدخولاً بها، فإن أرضعن معاً في المَرَّةَ الخامسة، انفسخ نكاحُهُنَّ؛ لاجتماع الجَدَّة مع الحوافد، وتحرم الكبيرةُ على التأبِيد دون الصغائر، وعلى الزَّوْج نصْفُ المسمَّى للكبيرة، ولكلِّ واحدةٍ من الصغائر، ويَرْجِع بالغُرْم لِمَهْر كل صغيرة على مرضعتها وبنصف مهر مثل الكبير، على المرضعات الثلاث على كل واحدة سدس؛ لاشتراكهن في إفساد نكاحها، وإن أرضعْنَ على الترتيب، فبإرضاع الأُولَى ينفسخ نكاح الكبيرة وتلك الصغيرة، ولكل واحدة منهما نصْف المسمَّى على الزوج، وَيرْجع بالغُرْم، ولا ينفسخ نكاح الأُخريين أرضعتا معاً أو على الترتيب؛ لأنهما لم يصيرا أختين، ولا اجتمعا مع الجَدَّة في النكاح، ولو أرضَعَتِ اثنتان صغيرتَيْن معاً، ثم أرضعَتِ [الثلاثة] الثالثةَ، لم ينفسخْ نكاحُ الثالثة، وانفسَخَ نكاحُ الكبيرةِ وَالصَّغِيرتيْن الأُولَيَيْن، وعلى الزوج نصْفُ المسمَّى لكل واحدة منهن، ويرجع الزَّوْج بالغُرْم لمهر كلِّ صغيرة على مرضعتها، وبمهر الكبيرة على المرضعتين معاً.
فَرْعٌ: لابْنِ الحَدَّادِ: [إذا] نكح صغير بنت عمه الصغيرة، فأرضعت جدتهما أم أبي كل واحد منهما إحداهما ثبتت الحُرْمة بيْنَهُما، وانْفَسَخ النكاح؛ لأنها إن أرضعت الصغير, صار عمَّاً للصغيرة، وإن أرضعَتِ الصغيرةَ، صارَتْ عمَّةَ الصغير، ولذلك الحكم لَوْ كانت أمُّ أبي الصغيرِ غَيْرَ أمُّ أبي الصغيرة، بأن كان أبواهما أخوَيْن من الأب دون الأم، فأرضعَتْ إحداهما أحْدَ الصغيرين بلبن جدهما، ينفسخ النكاح؛ لأنَّ جَدَّة الصغير إن أرضعَتِ الصغيرة، صارت عَمَّةً للصغير من جِهَة الأَبِ، وكذا، لو أرضعَتْ
جَدَّة الصغيرة أحدهما, ولو نكح صغيرٌ بنْتَ عمته الصغيرةَ، فجاءت الجَدَّة التي هي أمُّ أب الصَّغير، وأم أم الصغيرة، فأرضعت إحداهما، فكذلِكَ يَنْفَسِخ النكاح؛ لأنها إن أرضعَتِ الصغير, صار خالاً للصغيرة، وإن أرضعت الصغيرةَ، صارت عمَّةً للصَّغِير [وكذلك الحكْمُ، لو كانت أمُّ أبِ الصغيرِ غَيْرَ أم الصغيرة، وأرضعَتْ جدتهما أمّ أم كلِّ واحد منهما إحداهما، فكذلك؛ لأنها إن أرضَعَتِ الصغير, صَارَ خالاً للصغيرة، وإن أرضعت الصغيرة صارت خالة للصغير] (1) ولو نكح صغيرٌ بنْتَ خالِهِ الصغيرةَ، فأرضعت جدتهما أُمَّ أُمِّ الصغيرِ، وأم أب الصغيرة أحدهما، فكذلك؛ لأنها إن أرْضَعَت الصغير, صار عمّاً للصغيرة، وإن أرضَعَتِ الصَّغيرة، صارت خالَةً للصغير (2).
البَابُ الرَّابعُ فِي النِّزَاعِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى الرِّضَاعِ أَعْنِي الزَّوْجَيْن فَلاَ مَهْرَ وَانْدَفَعَ النِّكَاحُ، وَإِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ وَأَنْكَرَتِ انْدَفَعَ النِّكَاحُ وَلَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا إلاَّ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنِ ادَّعَتْ هِيَ وَأَنْكَرَ لَمْ يَنْدَفِعَ النِّكَاحُ وَلَكِنَّهَا لاَ تَقْدِرُ عَلَى طَلَبِ المَهْرِ، فَإِنْ كَانَ المَهْرُ مَقْبُوضاً لَمْ يَقْدِرِ الزَّوْجُ عَلَى اسْتِرْدَادِهِ مَعَ الإِنْكَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فإذا قال: فلانةٌ أخْتِي من الرضاع أو ابْنَتِي، أو قالت المرأة: فلانٌ أخِي من الرضاع أو ابني، واتفقا على ذلك، لَمْ يَحِلَّ النكاح بينهما؛ لأنه إقرار منهما أو من أحدهما على نفسه، ليس فيه ضرر على غيره فيؤاخذ بمُوجِبِه، وهذا بشَرْط 3 الإمكان، أما لو قال: فلانةٌ ابنتي، وهي أكبر، سنّاً منه، فهو لَغْو، وعن أبي حنيفة: أنه يُثبتُ الحرمة، وإذا صحَّ الإقرار فلو رجعا أو رجع المقرُّ منهما وكذَّب نفسه، لم يُقْبَل رجوعه، ولم يَصِحَّ النكاح، وقال أبو حنيفة: يُقْبَل، ويجوز النكاح.
لنا القياس على الإقرار بأُخُوَّة النسب، وعلى الإقرار بالطَّلاقَ، وللمسألة ذِكْر في الكتاب في آخر "باب الرجعة" حيث قال: "ولو أقرَّ بتحريمِ رَضَاعٍ أو نَسَبٍ، لم يكن12
لهما الرجُوعُ، هذا في الإقرار بالرضاع قبل النكاح.
وأما بعد النكاح، فلو توافَقَ الزوجان على أن بيْنَهما رضاعاً مُحَرِّماً فُرِّق بينهما وسَقَط المسمَّى، ويجب مهْر المثل إن جرى الدُّخُول، وإلاَّ، لم يجبْ شيْءٌ، وإن اختلفا فيه، ولا بينة، فإن ادعاه الزَّوْج، وأنكرت المرأة، قُبِلَ قوله في حقِّه، ولم يُقْبل في حقِّها، فنَحْكُم بانفساخ النكاح، ويُفرَّق بينهما، ويجب لها نصْف المسمَّى إن كان ذلك قبل الدخول، وجميعُهُ إن كان بعد الدخول وله وتحليفها قبل الدُّخول وكذلك بعده إن كان المسمَّى أكثر من مهْر المِثْل، فإن نَكَلَتْ، حَلَف الزوج، ولا شَيْء لها قبل الدخول، ولا يجبْ أكْثَر من مهْر المثل بعْد الدخول، كما لو أقام بيِّنةً على الرضاع.
وإن ادَّعَتِ المرأة الرضاع، وأنكر الزَّوْج، فقد مَرَّ في آخر "كتاب النكاح" أنَّه إنْ جَرَى التزويج منه برِضَاها, لم يُقْبَلْ قولُها، بل يُصدَّق الزوج بيمينه، وإن جَرَى بغير رضاها، فالمُصدَّق باليمين الزوجُ أو الزوجة؟ فيه وجهان:
والأصح عند صاحب الكتاب: أنَّهُ يُصدَّق كَلامُ الزَّوْجِ، وهو ظاهر كلام الشافعيِّ -رضي الله عنه- في الباب، وعليه جرى العِرَاقيُّونَ، وذكَرْنا هناك أن الأصحَّ عند الشيخ أبي عليٍّ وجماعة تصديقُ الزَّوْجة، وبه قال صاحب "التهذيب" والمتولِّي، وحكاه القفَّال عن النصِّ 1، وإذا مكنت الزوجَ وقد زُوِّجت بغَيْر، رضاها، تام تمكينها مقام الرضا.
وقوله في الكتاب: "لم يندفع النكاح" إن أراد به أنه لا يندفع؛ لمجرد إقرارها بخلاف إقرار الرجُلِ، فالأمر كذلك، وإن أراد أنها لا تُحَلَّف، ولا يندفع النِّكاح بيمينها، بل يُصدَّق الزوج، فهو اختيار لوجه تصديقَ الزَّوْج كما ذكره في الكتاب في آخر النكاح.
والورع للزوج إذا ادعت الرضاع أن يُحَرِّم نكاحهن بطلْقَةٍ، لتحلَّ لغيره، إن كانت كاذبةً، نَصَّ عليه -رضي الله عنه- وليس لها المطالبة بالمسمَّى إذا ادعت الرضاع، فإنها لا تستحق بقولها ولها المطالبة بمهر المثل إن جرى الدخول، فإن كان ذلك بَعْدَما وَفَّى الزَّوْجُ الصَّدَاقَ، لم يتمكَّنْ من الاسترداد لِقوله، ويشبه أن يكون فيما يفعل بذلك المالِ الخلافُ المذكورُ فيما إذا أقرَّ بمال لغيره، وأنكره المُقَرُّ له.
ولو أقرت أمة بأخوة الرضاع لغير سيدها، يُقْبَل، فإذا اشتراها ذلك الغير، لم يَحِلَّ له وطؤها، وإن أقَرَّتْ لسيدها, لم يُقْبَل بَعْدَ التمكين، وقبله فيه وجهان، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الحِلِفِ فَيَحْلِفُ مُدَّعِي الرِّضَاعِ عَلَى البَتِّ، وَمُنْكِرُهُ عَلَى نَفْيِ العِلْمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من الأُصول الممهِّدة أنَّ الحالِفَ عَلَى فِعْل الغَيْر يحلف على البت إن كان يثبت، وعلى نفي العلم إن كان يَنْفِي [وحَظُّ الرضاع مِنْ هذا الأصل أنَّ مُنْكِر الرِّضاع يَحْلِف عَلَى نَفْي العِلْم؛ لأنَّه ينفي] 1 فعل الغير، ومُدَّعيه يَحْلِف على البَتِّ يستوي فيه الرَّجُل والمرأة، فلو نَكَلَتْ عَنِ اليَمِينِ ورَدَدْناها على الزَّوْج أو نَكَل الزوج، وردَدْنا اليمين على المرأة فَتَكُون اليمين المردودةُ على البَتِّ؛ لأنها مثبتةٌ، وعن القَفَّال: أن اليمينَ المردودةَ تكون على نفي العِلْم؛ لتكون موافقةً ليمين الابتداء، [وقيل إن غير المنكر منهما على البت] ويُحْكَى عن الحاوي وجْهَانِ مُطْلَقَانِ في يمين الزوج إذا أنكر الرَّضَاع.
أحدهما: أنَّها عَلَى العِلْمِ كيمين الزوجة، إذا أنْكَرَتْ.
والثاني: على البت والقَطْع، وفُرِّقَ بأنَّ في يمينِ الزَّوْج مع تصحيحِ العَقْد فيما مَضَى إثباتَ استباحةٍ في المستقبل، فكانت على البت تغليظاً، ويمينُ الزوجة لبقاء حقٍّ ثَبَت بالعَقْد ظاهراً، فيُقْنِع فيه بالعِلْم، وليس هذا الفرق بمُتَّضِح وبنى على الوجْهَيْن ما إذا ادَّعَتِ الرضاع، فشَكَّ الزوج، فلم يقع في نفسه صِدْقُها, ولا كَذِبُها إن قلْنا: إنه يحْلِف على نَفي العِلم، فله أن يَحْلِفَ هاهنا، وإن قلنا على البت، فلا يحلف، وأشار في "التتمة" إلى طَرْد الوجهَيْن في يمين الزوجَيْن والزوجةِ جميعاً، ووَجَّه كون اليمين على البت بأنَّه ينفي حُرْمةً يدعيها المُدَّعِي للرضاع، فيحلف على القَطْع، وإذا عَرَفْتَ ما ذكرنا أعْلَمْتَ قوله في الكتاب "على البَتِّ" بالواو، وكذا قوله: "على نفي العلم".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا الشَّهَادَةُ فَتَثْبُتُ (ح) بِقَوْلِ أرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَإِنْ شَهِدَتْ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا وَهِيَ مُنْكِرَةٌ قبل، وَإِنْ كَانَتْ مُدَّعِيَةً فَلاَ، وَيُقْبَلُ ابْتِدَاءً مِنْهُمَا بِطَرِيقِ الحِسْبَةِ، وَتُقْبَل شَهَادَةُ المُرْضِعَةِ لِأَنَّ فِعْلَهَا غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالإِثْبَاتِ بَلْ وُصُولُ اللَّبَنِ إِلاَّ أنْ يَطْلُبَ الأُجْرَةَ فَلاَ يُقْبَلُ قَوْلُهَا، وَإِنَّمَا يَعْرِفُ الشَّاهِدُ وُصُولَ اللَّبَنِ إِلَى الجَوْفِ بِقَرِينَةِ مُشَاهَدَةِ الالْتِقَامِ وَالتَّجَرُّعِ وَحَرَكَةِ الحَلْقِ ثُمَّ يَشْهَدُ عَلَى البَتِّ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا رَضَاعاً مُحرِّماً، وإنْ شَهِدَ عَلَى فِعْلِ الإِرْضَاعِ فَلْيَذْكُرِ الوَقْتَ وَالعَدَدَ، وَهَلْ عَلَيْهِ ذِكْرُ وُصُولِ اللَّبَنِ إِلى الجَوْفِ؟ فيه خِلاَفٌ، وَلاَ يَكْفِي أَنْ يَحْكِيَ القَرَائِنَ فَيَقُولَ: رَأْيْتُهُ قَدِ التَقَمَ الثَّدْيَ وَحَلْقُهُ يَتَحَرَّكُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كلام الباب الرابع قد رتبه في فُصُولٍ ثلاثةٍ:
أحدها: في دعْوَى الرضاع وحكمها.
والثاني: في كيفية اليَمِين فيه، وقد فَرَغْنَا.
والفصل الثالث: في الشهادةِ على الرِّضاع، وفيه مسألتان:
إحداهما: يثبت الرضاع بشهادة رجُلَيْنِ ورَجُل وامرأتين، وكذا يقبل شهادةُ أربع نسوةٍ؛ لأنه مِمَّا يخْتصُّ النساء بالإطلاع عليه غالباً، فأشبه الولادةَ، ولا يَثْبُت بما دون أربعِ نسوةٍ فإن كل امرأتين بمثابة رجل واحد، وقال أبو حنيفة: لا يَثْبُت الرَّضاعُ بالنِّسْوة المتمحِّضات، وعن مالك: لا حاجة إلى أربع نِسْوَةٍ، ويكفي ثنتان، وقَبِلَ أَحمدُ -رحمه الله- شهادةَ المُرْضِعة وحْدَها، ويجوز أن يُعْلَم؛ لذلك قوله في الكتاب "فَيَثْبُتُ" بالحاء.
وقوله: "أربع نسوة" بالميم والألف.
ولا يَثْبُت الإقْرارُ بالرضاع إلا بشهادةِ رجلَيْن؛ لأن الإقرار ممَّا يَطَّلع عليه الرجال غالباً، بخلاف نَفْس الرضاع، وفي "التتمة": أنه له كان التنازُعُ في شُرْب اللبنِ من ظَرْف، لم تُقْبَل فيه شهادةُ النساء المتمحضات لأنَّه لا يختص باطِّلاع 1 النساء علَيْه، وإنما تُقْبَل شهادتهن، [إذا كان النزاع في الرَّضَاع من الثَّدْي، وإنه تُقْبَل شهادَتُهُنَّ] على أن اللَّبَنَ الحاصل في الظرف لَبَنُ فلانةٍ؛ لأن الرجال لا يَطِّلعون على الحَلْب غالباً.
ولو شهدَتْ فيمن شَهِدَ أمُّ المرأة أو ابْنَتُها على حُرْمة الرضاع بَيْنَها وبين الزوج، فإنْ كان الرجُلُ مدَّعِياً والمرأة مُنْكِرة، تُقْبَل؛ لأنها شهادة على البِنْتِ أم الأم وإن كانت المرأَةُ مدَّعِيَةً، والرجُلُ منكراً، لم تُقْبَل لأَنَّها شهادةُ البِنْت للأُم قال الأئمة: ولا يُتصوَّر أن تشهد البنت على أمها بأنها ارتضعت من أم الزوْج، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- لأن الشهادة عَلَى الرَّضَاع تَعْتَمِدُ المشاهدة، ولكن يُتصوَّر أن تَشْهد عليْها بأنَّها أرضَعَتِ الزوْجَ في حال صِغَرِه أو أرضعته أمها أو أختها, ولو شهدت الأمُّ أو البنْتُ من غَيْر تقدُّمِ دَعْوى على سبيل الحِسْبةَ قُبِلَتْ، وإن احتمل أن تَكُونَ هي المُدَّعِية، وسنذكر -إن شاء الله تعالى- أن الرضاع مما تُقْبَلُ فيه شهادةُ الحِسْبَةَ في موضعه، وهذا كما أنَّه لو شَهِد أبو
الزَّوْجة [وابنُها أو ابناها] 1 ابتداء على أن زوْجَها قد طلَّقْها، يُقْبَل ولو ادعَتِ الطلاق، فشهدا، لم تُقْبَلْ.
ولا تقبل شهادةُ المرضِعة وحْدَها، وهل تُقْبَل شهادتها فيمن يشهد، إن ادَّعَت أجرة الرَّضاع، لم تُقْبَل؛ لأنها مُتَّهَمةٌ تشهد لنفسها، وعن "الحاوي" حكايةُ وجهَيْنِ في أنَّه إذا لم تُقْبَل شهادتها في الأجرة فهل تُقْبل في ثبوت الحرمة تخريجاً على الخلاف في تَبْعِيض الشهادة، واختار أبو إسحاق منْهما القَبُول، واختار ابن أبِي هُرَيْرة 2 المَنْعَ، وإن لم تَدَّعِ الأجرة، فإن لم تتعرَّض لِفِعْلها، بأن شَهِدَتْ بأخوَّة الرضاع بينهما أو على أنهما ارتضعا منها، فتقبل، ولا نَظَر إلى ما يَتعلَّق به من ثُبُوت المحرمية، وجواز الخَلْوة والمسافرة، فإنَّ الشهادة لا تُرَدُّ بمثل هذه الأغراض، ألا ترى أنَّه لو شَهِدَ شاهدانِ عَلَى أنَّ فلاناً طَلَّق زوْجَتَه، أو أعتق أمته 3، يقبل، وإنْ كان يَسْتَفيدان حِلَّ المنكاحة، وإن شهِدَتْ على فِعْلِ نَفْسِها، فقالت أرْضَعْتُهما؟ فوجهان:
أحدهما: أن شهادتَهَا لا تُقْبَل، كما لو شهِدَتْ على ولادَتِها، وكما أن الحاكم، لو شَهِد على حُكْم نَفْسِه بعْد العزل، لا يُقْبل، وكذا القَسَّام، لو شهد على القسمة، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب".
وأظهرهما، -وبه أجاب الأكثرون-، وهو المذكور في الكتاب: أنها تقبل؛ فإنها لا تَجُرُّ بهذه الشهادة نَفْعاً، ولا تَدْفَعُ ضرراً، وليس الرضاع كالولادةِ فإنَّه يتَعلَّق بها حقُّ النفقةِ والميراثِ وسقُوطِ القِصَاصِ وغيرها، وتخالف شهادة الحاكم والقَسَّام؛ لأن فعلهما مقصودٌ، وفِعْل المرضعة غَيْرُ مقصود بالإتيان، وإنَّما الاعتبار بوُصُول اللبن إلى الجَوف؛ لأن الشهادة بالحُكْم والقسمة تَتَضمَّن تزكيةُ النَّفْس، فإنَّ الحكم والقسمة يفتقدان إلى العدَالَةِ والإرضاغ بخلافه، وسيذكر -إن شاء الله تعالى- في "أدب القضاء" أن المَعْزُول، لو شَهِد بأن حاكماً حكم به، ولم يُضِفْ إلى نفسه، ففي قَبُول شهادته
خلاف، فَيُمْكِن أن يُخَرَّج في الرضاع مثله.
وإذا لم يتم نصاب الشهادة؛ بأن شهد بالرضاع امرأةٌ واحدةٌ؛ إمَّا المُرْضِعة أو غيرها، أو شَهِدت اثنتان، فالوَرَعُ أن يَتْرُك نكاحَها، وأن يُطَلِّقها، إن كان ذلك بعد الدخول، ويُرْوَى أن عقبة بن الحَارِثِ نَكَحَ بنْتاً لأبي إهَاب بْنِ عَزيز، فَأَتَتْهُ امرأةً، وقالت: قَد أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي نَكَحَهَا، فَقَالَ لَهَا عُقبَةُ: أَعلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلاَ أَخْبَرْتَنِي، فأرسل إلى آل أبي إهاب فسألهم فقالوا ما علمناها أرضعت صاحبتك فَرَكِبَ إلى النَّبِي -صلى الله عليه وسلم-، بالمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "كَيْفَ، وَقَدْ قِيلَ"، فَفَارَقَهَا، وَنَكَحَتْ زَوْجَاً 1 غَيْرَهُ، وَلَوْ شهد اثنان بالرضاع، وقالا: تعمَّدْنا النظر إلى الثدي، لاَ لِتَحَمُّلِ الشهادة، لم تُقْبَل شهادَتُهما؛ لأنهما فاسقان بقولهما، وفي النَّظَر إلى الثدي لتحمل الشهادة خلاف مذكورٌ في أوَّل النكاح، والظاهر جوازه 2.
المسألة الثانية:
أطلق جماعة منهم الإِمام -رحمهم الله تعالى- أن الشهادَة المُطْلَقة على أن بينهما رضاعاً مُحَرِّماً أو حُرْمَةَ الرضاع أو أُخُوَّتَهُ أو بنوته مقبولةٌ، ويوافقه قوله في الكتاب: "ثم يَشْهَدُ على الْبَتِّ بأن بَيْنَهُمَا رَضَاعاً مُحَرِّماً.
وقال الأكثرون: لا تُقبل شهادةُ الرَّضاع مُطْلَقَة بل لا بد من التفصيل والتعرُّض للشرائِطِ، وهو ظاهر النَّصِّ؛ لأن مَذاهِبَ الناس مختلفةٌ في شرائط الحرمة، فلا بد من التفصيل لِيَعْمَل القاضي باجتهاده، وحكى صاحب "التهذيب" الوجهَيْن جميعاً.
وقال: الصحيح الثاني، وَيحْسُن أن يُتَوَسَّطَ بينهما، فيّقال: إن كان المطلِّق 3 فقيهاً موثوقاً بمَعْرِفَتِه، فيُقْبَل منْه الإطْلاَق، وإلا، فلا بُدَّ من التفصيل، وُينَزَّل الكلامان على هاتين الحالَتَيْن أو يُخَصَّص الخلاف بما إذا لم يكن المُطَلِّق فقيهاً؛ وقد سَبَق مثله
في الإخْبار عن نجاسة الماء وغيره، والمانعون مِنْ قبول الشهادة المُطْلَقة في الرَّضاع ذَكَروا وجهَيْن في قَبُول الشهادة المُطْلَقَة على الإقْرار بالرَّضَاع، ولو قال: هي أخْتِي مِنَ الرضاع، ففي "البحر" وغيره: أنه لا حاجَةَ إلى التعرُّض للشرائط، إن كان من أهل الفِقْه، وإلا، ففيه وجْهان، وفرق بين الإقرار والشهادة بأَنَّ المُقِرَّ يحتاطُ لنفسه، فَلاَ يُقِرُّ إلا عن تَحْقيق.
ولو شهد الشاهِدُ على فِعْلِ الرضاع، والارتضاع، لم يَكْفِ، وكذلك في الإقْرار بل لا بد من التعرُّض لِلْوَقْت والعدد؛ بأن يشهد أنَّه ارتضع منْها أو أرْضَعَته في الحولَيْن خمْسَ رضَعَاتٍ متفرِّقَاتِ 1، هكذا ذكَروا [و] في التعرُّض للرضعات ما يغني عن ذِكْر التفرُّق، فإنه إذا لم يَكُنْ تَفرُّق، لم يكُنِ الحاصِلُ رضَعَاتٍ، بل رضعةٌ طويلةٌ، وهل يشترط ذِكْرُ وصول اللبن إلى الجَوْف؟ فيه وجهان:
وأظهرهما: وهو المذكور في "التتمة" وغيره: أنَّه يُشْتَرط كما يُشْتَرط ذِكْر الإيلاج في شَهَادَة الزنا, ولأن الحُرْمة تَتَعلَّق بالوصول إلى الجَوْف.
والثاني: أنَّه لا يُشْترط؛ لأنه لا يشاهد قال في "البسيط": ولا شك أن للقاضي أنْ يَسْتَفْصل، ولو مات الشَّاهِد قبْل الاستفصال 2، هل للقاضِي التوقُّف؟ فيه وجهان، واعلم أن الشاهد قد يستَيْقنُ وصُولَ اللبن إلى جَوْف الصغير؛ بأن يعاين الحَلْب وإيجار الصغير المَحْلُوبَ وازدراده، وحينئذ يَشْهَد به، ولا إشكال, وقد يُشَاهِد القرائِنَ الدالَّة عليه، وهي الْتقَامُ الثَّدْي وامتصاصه وحركة الحَلْق بالتجرُّع والازدراد بعْد العلم، بكونها
ذات لَبَنٍ، ومشاهدةُ هذه القرائن قد تفيد اليقين، وبتقدير أن لا تفيده، فتفيد الظن القويَّ، وذلك يسلُّط على الشَّهادة، فلا يكاد يُتيقَّن اليد والتصرُّف الدَّالَّيْنِ على الملْك.
ولا يجوز أن يشهد على الرضاع؛ بأن يَرَى المرأة أخذَتِ الصبيَّ تحت ثيابها، وَأَدْنَتهُ منها، كما تفْعَلُ المرضعة، فإنَّه قد تُوجِرَهُ لبن غيرها في شَيْءٍ على هيئة الثَّدْي، ولا بأَنْ يسمع صوت الامتصاص، وقد يمتصُّ أصبعه أو أصْبُعَها.
وذكر أبو الفرج السرخسيُّ أن مشاهدة الالتقام والامتصاص وهيئة الازدراد، هل تُحِلُّ له الشهادةَ مِنْ غير أن يَعْرِفَ كونها ذاتَ لَبَنٍ؟ حكى فيه وجهَيْن:
أحدهما: نعم، أخذ بظاهر الحال.
وأشبهَهُما: المنع؛ لأن الأصْل عَدَمُ اللبن، ولا يكْفي عند أداء الشَّهادة حكايةُ القرائِنِ؛ بأن يشهد برؤية الالتقام والامتصاص والتجرُّع، ولاَ يتعرَّض لوصول اللبن إلى الجوف، ولا للرضاع المُحَرِّم، وإن كان مُسْتَنَدُ عِلْمِهِ رؤيةَ تلْكَ القرائن؛ لأنَّ مُعَاينتِهَا تُطَّلِع على ما لا تُطَّلَع عليه الحكاية، فإن أطلعته على وصول اللبن، فلْيَجْزم به على قاعدة الشَّهَادَاتِ.
فرْعَانِ: قد سَبَق ما نُرْشِد إلى مثلهما.
أحدهما: تحته ثلاثُ صَغَائِرَ أرضعت أجنبيةٌ إحداهُن، ثم أرضَعَتْ أمُّ المرضعةِ أخْرَى، ثم أرضعَتْ بنْتُ المرضعةِ الثالِثَةَ، فنكاح الأُولَى لا يتأثر برضاعها وينفسخ نكاح الثانية عند إرضاعها؛ لصيرورتها خالةً للأُولَى، واجتماعهما في النكاح، وهل ينفسخ نكاحُ الأُولَى مع نكاح الثانية أم يختص الانفساخ بنِكَاحِ الثانية؟ فيه قولان، وعليهما يتفرَّع حكم الثالثة، إن حكَمْنا بانفساخ الأُولَى، بَقِيَ نكاح الثالثة، وإلا انفسخ نكاح الثالثة لصيرورتها بنْتَ أخْتِ الأُولَى، واجتماعهما في النكاح.
والثاني: أرضعَتِ امرأةٌ صغيرةً ثلاثَ رَضَعَاتٍ أو أربع فنكحها أو نكح إحداهما دون الأخْرَى، ثم أتمت العدَدَ، فكذلك ينفسخ نكاحُها، وفي كتاب القاضي ابن كج: أنَّه لو كان الصَّبِيُّ يرتضع الرضعة الخامسة، [فمات أو ماتَتِ المرضعةُ قَبْل أن يتمها، ففي ثُبُوت التحريم وجهان، كالوجهين فيما إذا قطَعَت المُرْضِعَةُ الرَّضْعَةَ.
وأنه وإن كانت تَحْتَه كبيرةٌ وصغيرةٌ] 1 فَارْتَضَعَتِ الصَّغِيرةُ من الكبيرة، وهي ساكتة، فهل هو كما لو كانت نائمة، فارتضعَتْ منها الصغيرة، أو يقال سكوتها كالرِّضَى فيحال الفسخ على فِعْلِها فيه وجهان، والله أعلم بالصواب.
تم الجزء التاسع، ويليه الجزء العاشر
وأوله: "كتاب النفقات"
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ