العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 248-287

وفَيهِ بَابَانِ

البَابُ الأَوَّلُ في أرْكَانِهِ وَمُصَحِّحَاتِهِ

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهِيَ أَربَعَةٌ: الأَوَّلُ المَوْقُوفُ وَهُوَ كُلُّ مَمْلُوكٍ مُتَعَيَّنٍ يَحْصُلُ مِنْهُ فَائِدَةٌ أَوْ مَنْفَعَةٌ لاَ يَفُوتُ العَيْنُ بِاسْتِيفَائِهَا، فَيَجُوزُ وَقْفُ العِقَارِ وَالمَنْقُولِ (ح م) وَالشَّائِعِ وَالمُفْرَزِ، وَيَجُوزُ وَقْفُ الأَشْجَارِ لِثِمَارِهَا، وَالحَيَوانِ (ح) لأَلبَانِهَا وَأَصْوَافِهَا، وَالأَرَاضِيَ لِمَنَافِعِهَا، وَلاَ يَجُوزُ وَقْفُ الحُرِّ نَفْسَهُ، وَلاَ وَقْفُ الدَّارِ المُسْتَأْجَرَةِ، وَلاَ يَجُوزُ وَقْفُ المُوصَى بخِدْمَتِهِ؛ لأنَّهُ لاَ مِلْكَ في الرَّقَبَةِ، وَفِي وَقْفِ المُسْتَوْلَدَةِ وَالكَلْبِ (و) خِلاَفٌ، سَبَبة التَّرَدُّدُ فِي أَنَّ الوَقْفَ هَلْ يُزِيلُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ؟ وَيَجُوزُ وَقْفُ الحُلِيِّ لِلُّبْسِ، وَوَقْفُ الدَّرَاهِمِ لِلتَّزْيِينِ فِيهِ تَرَدُّدُ كَمَا فِي الإِجَارَةِ، وَلاَ يَجُوزُ وَقْفُ الطَّعَامِ فَإنَّ مَنْفَعَته فِي اسْتِهْلاَكِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قَسَّم الشَّافِعَيُّ -رضي الله عنه- العَطَايَا، فقال: تبرُّع الإنسان على الغَيْر بمالِهِ ينقسم إلَى منَجَّزٍ في الحياة، وإلَى معلَّقٍ بالمَوْت.
والثاني: هو الوصيَّةُ، والأوَّل: ضَرْبَانِ: أحدُهما: تمليكٌ محْصنٌ؛ كالهباتِ والصَّدَقَات.
والثاني: الوقْفُ 1 -وهو مقصود الباب- وُيسَمَّى وقْفاً؛ لما فيه من وَقْف، المال

الجهة المعيَّنة، وقطْعِ سائر الجهات والتصرُّفات عنه.
والأصْلُ فيه ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنْه- مَلَكَ مائَةَ سَهْمٍ من خيبر اشتراها، = عليه"، ثم اشتهر المصدر أي: الوقف في الموقوف، فقيل: هذه الدار وقف، أي: موقوف، كنسج اليمن بمعنى منسوج اليمن؛ ولذا جمع على أفعال فقيل: "وقف وأوقاف" كوقت وأوقات.
واصطلاحاً: عرفه الحنفية بأنه: حبس العين على حكم ملك الله تعالى والتصدق بالمنفعة.
عرفه الشافعية بأنه: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود.
عرفه المالكية بأنه: جعل منفعة مملوك ولو بأجره أو غلته لمستحقه بصيغة مدة ما يراه المحبس.
عرفه الحنابلة بأنه: تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته يصرف ربعه إلى جهة بر، ولسبيل المنفعة تقرباً إلى الله تعالى.
انظر: الهداية: 3/ 13، مجمع الأنهر: 1/ 731، مغني المحتاج: 2/ 376 الشرح الصغير: 5/ 373، كشاف القناع: 4/ 240، الاقناع: 2/ 81، نهاية المحتاج 5/ 358. وحكمة مشرعيته أن الله جلّت قدرته، وعلت حكمته، وعمّت رحمته قد أراد النفع لعباده، وأحسن إليهم ببيان سبل الخيرات، سواء أكان النفع في دنياهم أم في آخرتهم، فشرع لهم الوقف بنوعية حفظاً لأموالهم التي جعل الله لهم قياماً، من أن تعبث بها يد السفهاء، فتتوى عزتهم، وتنصرم سعادتهم، وإدامة لعملهم الصالح في الحياة الدنيا وبعد انتقالهم منها, ليصل ثوابه إليهم.
دائماً، فضلاً منه وكرماً.
يشير إلى ذلك قول الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له)، ولذا ذكر الكمال بن الهمام محاسنه بقوله: ومحاسن الوقف ظاهرة، وهي الانتفاع الدّارُّ الباقي على طبقات المحبوبين من الذرية والمحتاجين، من الأحياء والموتى، لما فيه من إدامة العمل الصالح، كما في الحديث المعروف: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية...) الحديث.
ويستأنس بما قاله الإمام الفاضل مولانا الشيخ أحمد المعروف بشاه ولي الله المحدث الدهلوي في كتاب "حجة الله البالغة" 20/ 87. ومن التبرعات الوقف، وكان أهل الجاهلية لا يعرفونه فاستنبط النبي -صلى الله عليه وسلم- لمصالح لا توجد في سائر الصدقات، فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالاً كثيراً ثم يفنى، فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، ويجيء أقوام من الفقراء فيبقون محرومين؛ فلا أحسن، ولا أنفع للعامة، من أن يكون شيء حبساً للفقراء، وأبناء السبيل، تصرف أم منافعه، ويبقى أصله على ملك الواقف.
وهو قول -صلى الله عليه وسلم- لعمر رضي الله عنه: (إن شئت حبست أصلها) وساق الحديث: اهـ وأما سببه: فهو إرادة محبوب النفس في الدنيا يبر الأحباب، وفي الآخرة بالثواب، إذا كان بالنية من أهلها، وهو المسلم العاقل، وذلك لأن الوقف قد يكون مباحاً؛ والمراد أن لم يوضع للتعبد به كالصلاة والصيام، والزكاة، والحج، ولذا صح من الكافر بشرطه.

فلَمَّا استَجْمَعَها، قال: يا رَسُولَ اللهِ -أصبْتُ مالاً لم أُصِبْ مثلَه قطُّ.
وقد أردت أن أتقرَّب به إلى الله -تَعالى- فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "حَبِّسْ الأَصْلَ وَسَيِّلِ الثَّمَرَةَ".
وُيرْوى: "فجعلها عمر -رضي الله عنه- صدَقَةً لاَ تُبَاعُ، ولا تُورَثُ، ولا تُوهَبُ" 1 وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "إِذَا مَاتَ ابنُ آدَمَ، انْقطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثٍ: وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له أو عِلْمٍ يَنْتَفِعُ بِهِ أو صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ" 2. وحمل العلماءُ الصَدقةَ الجَارِية على الوقْفُ، واشتهر اتِّفَاقُ الصحابة على الوَقْفِ قَوْلاً وفِعْلاً.
وُيرْوَى عن أبي حنيفةَ إنكارُ الوَقْف 3، غَيْرَ أنَّ الأكثرين استَنْكَرُوه، وردُّوا قوله إِلى أَنَّ الوقف بمجرَّده لا يلزم على ما سنحكيه من بعدُ إن شاء الله ثم إن صاحب الكتاب -رحمه الله تعالى- أَودع على عَادِتِه مَسَائِلَ الوَقْفِ في بَابَيْنِ: أحدهما: في بيانِ ما يُعْتَبَرُ لصحَّته.
والثاني: في أحكامِهِ، إذا صحَّ.
وما يعتبر في الصِّحَّة ينقسِمُ في الاصطلاح المشْهُورِ إلى أَركانٍ وشرائطَ.
والبابُ الأوَّلُ مشتملٌ على الضَّرْبَيْن، فقوله: "في أَركَانِهِ ومُصَحِّحَاتِهِ" كأنه عَنَى بالمصحِّحات الشُّرُوطَ، وهو اصطلاحُ أهْلِ الأَصُول، ثم أركانُ الوَقْف على قياسِ مَا ذكَره في سائر العُقُود هي الواقِفُ، والمَوْقُوفُ، والمَوْقُوفُ علَيْه، وصيغةُ الوَقْفِ.
أمَّا الواقِفُ، فيجب أن يكونَ صَحِيحَ العبارة، أهْلاً للتبرُّع 4، ولم يُفْرِدْه بالذِّكْرَ لوضوح حاله.
أمَّا الموقُفُ، ففيه مسائلُ:

إحداها: يجوز وقْفُ العَقارِ والمَنْقُول، كالعَبيد، والثياب، والدوابِّ، والسلاح، والمَصَاحِفِ، والكُتُب 1. وعن مالك: أنَّ المَنْقُوَلَ مطْلَقاً لا يجُوزُ وَقْفُهُ.
لَنَا: ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أمَّا خَالِدٌ، فَقَدْ حبسَ أدرعه واعتده 2 في سَبِيلِ اللهِ" 3. وأيضاً فالمسلمُونَ متَّفِقون عَلَى وَقْف الحُصُر، والقَنَادِيل، والدلالي في جميع الأعْصَار، ولا فَرْقَ بيْن المفرز والشائع، بل يجُوز أن يَقِفَ نصْف دارٍ ونصْفَ عبْدٍ 4. وقَف عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عنْه- مائة سهْمٍ من خَيْبَر مَشَاعاً 5. = مطلقاً، وإن له ذلك، ويحكى عن الشيخ أبي حامد منعه، قال: والصحة في الجهة العامة أولى من العين، ونقل عزة عن الفارقي في القطع بالمنع.

ولا يسري الوقف من نصْفٍ إلى نصفٍ، وإنما السراية منْ خاصَّة العِتْق.
ولو وقَف نصْف العبد، ثم أعْتَق النِّصْفَ الآخَر، لم يُعْتَقَ، بخلافِ ما إذا رَهَن نِصْفَ عبْدٍ، ثم أعتق النِّصْفَ الآخَرَ، فإنَّا نقول بالسراية إلى المَرْهُون، والفَرْق أن المرهونَ قابلٌ للإعتاق، والموقُوف بخلافه.
المسألةُ الثانيةُ: يجوزُ وَقْفُ ما يطلب لعين تُسْتفادُ منْه؛ كالأشْجَار للثمار، والحيواناتِ للأصْوَافِ والأوْبَارِ والأَلْبَان، والبيض، وما يُطْلب لمنفعةٍ يُسْتَوْفَى منْه؛ كالدُّور والأرَاضِي.
ولا يُشْترط أن يكون بحَيْثُ تحْصُل منه المنفعة، والفائدةُ في الحال، بَلْ يجُوزُ وَقْفُ العَبد، والجَحْشِ الصغيرين والزمِنِ، الذي يَرجَى زوالُ زمَانَتِهِ، كما يجوز نكاحُ الرَّضيعة.
المسألة الثالثة: لا يَجُوزُ أن يقف الحُرُّ نَفْسَه؛ لأن رقبته غير ممْلوكةً، وإن قدَّرنا أنَّ منافعه ملْحقةٌ بالأمْوال، والوَقْف يَسْتَدعِي أصلاً يحبس [عليه] لِيستوفي منفعته على مرِّ الزَّمَان، وكذلك مالِكُ منافع الأموال دون رِقَابِها لا يجُوزُ له الوَقْفُ، سواءٌ ملك مُؤَقَتَاً كالمستأجر، أو مؤبَّداً كالموصَى له بالخدمة والمنفعة.
وأيضاً، فإنَّ الوَقْفَ يُشْبِه التحريز، وملك المنفعة لا يُفيدُ ولايةَ التحرير، ويجوز أنَّ يعلَّل اشتراطُ كون الموقوف عَيْناً بأنَّ الموقوف يجبُ أنَّ يكونَ لَهُ دوامٌ عَلَى ما سيأتي، والمنافعُ تحْدُث وتفنى، فهي كالشيْء الذي يتَسَارَع إِلَيْه الفسادُ والفناء.
المسألة الرابعة: في وقْف المستولَدَةِ وجهان: أحدُهُما: يجوزُ كما يجوز إِجَارَتُها.
أصحُّهما: المنْع؛ لأنَّ حلّها حرمة العِتْق، فكأنَّها عتيقة.
وبنَى بعضهم الخلافَ عَلَى أن الوَقْفَ، هلْ ينقل المِلْكَ عن الواقف؟ إن قلْنا: نَعَمْ، لا يصحّ وَقْفِها؛ لأنَّها لا تَقْبَل النقل، فإنْ قلنا: لا تُنْقَل، صَحَّ، وهذا ما أشار إليه صاحبُ الكتابِ بأن صحَّحناه.
فإذا مات السيد، وعَتَقَت، قال في "التَّتِمَّة": لا يبْطُل الوقْف، بل تبْقَى منافعها للموقُوفُ علَيْه، كما لو أجَّرها، ومات.
وفي "النهاية" أنَّه يبْطُل بخلاف الإجارة؛ لأنَّ الحريَّة تنافِي الوقْف دُون الإجارة، هذا قضيَّة كلامِ القَاضِي ابْنِ كَجٍّ.
ويجْرِي الوجهانِ في جَوَاز وقْف المُكَاتب، ويجُوز وَقْفُ المُعَلَّق عتْقُه بصفةٍ ثم إذا وُجِدَت الصِفَةُ، فإن قلْنا: إنَّ المِلْكَ في الوقْف للواقف، أو للهِ -تعالَى- عَتَقَ، وبطلَ الوَقْفُ.
وإن قلْنا: إِنَّه للموقوف عليه، فلا يُعْتَقُ، ويكونُ الوَقْفُ بحاله.

ويجوز وَقْفُ المدَبَّر أيضاً، ثم هُوَ رجوعٌ، إن قلنا: إنَّ التدبيرَ وصيةٌ، وإن قلْنا: إنَّه تعليقٌ عَتَقَ بصفة، فهو كالعبد المعلَّق عتُقُه بصفةٍ.
المسألةُ الخامسة: في وقْف الكَلْب المُعَلَّم 1 وجهان، بناهما بانُونَ، منْهم الشيخُ أبو حامد على الخِلاَفِ في إجَارته، وآخَرُون علَى الخِلاَف في هِبَتِه، وآخرُونَ عَلَى أنَّ الوقْفَ يزيلُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ، أمْ لا يزيل؛ إنْ قلنا: لا يُزِيلُ، فَلَيْسَتْ قضيَّتهُ سَوى نقْلِ المنافعِ، ومنافعُها مستَحقَّةٌ، فجاز أنْ ينقل، وكيفَ ما قدَّر فالأصحُّ المنعُ، وقد قَطَع به بعضُهُم مع القول بجوازِ الإجَارة؛ لأن رقبته غَيْرُ مملوكةٍ.
المسألةُ السادسةُ: في وقْف الدراهم والدَّنانير وجهان، كما ذكَرْنا في وقْف إجارتِهِما.
إنْ جوَّزنا الإجارَةَ، جَازَ وقْفُها, لتكرى ويجوز وقف الحُلِيُّ؛ لغرض اللبس.
وحَكَى الإمامُ أنَّهم ألْحَقُوا وَقْفَ الدراهم؛ ليُصَاغ منها الحُلِيُّ بوَقْفِ العَبْدِ الصغيرِ، وتردَّدَ فيه؛ لأنَّ الصغيرَ يصيرُ إلى حاَلة الانتفاع بنَفْسِه، وهذا يحتاجُ إلَى إحداث أمْرِ بالاختيار.
المسألة السابعةُ: لا يجوز وقْفُ ما لا يدُومُ الانتفاعُ به كالمطعومات؛ فإنَّ منفعتها استهلاكها وكالرَّيَاحِين المشمُومةِ، فإنها سريعةُ الفَسَادِ، وإنَّما شُرعَ الوَقْفُ؛ ليكون صدقةً جاريةً 2. ومن المسائل الداخِلَةِ في الفَصْل أنَّه لو وَقَفَ عَبْداً، أو ثَوْباً في الذمَّة، لم يُجَزْ، كما لو أعْتَقَ عبْداً في الذمَّة، ولو وَقَفَ أحدَ عبْدَيْه، لم يَجُزْ كما لو باع، وفيه وجه؛ أنه يجُوزُ كما لو أَعْتَقَ ويجوز وقْفُ عُلْوِ الدَّارِ دون سُفْلها 3، ويجوزُ وقْفَ الفَحْل للنزوات بخلاف إجارته؛ لأنَّ الوقْف قربةٌ يحتملُ فيه ما لا يُحْتَمل في المعاوَضَات، والله أعلم.
وقولُهُ في الكتاب: "وهوَ كُلُّ مملوكٍ متعيَّن تحْصُلُ منه فائدةٌ أو منفعةٌ لا تفوت العَيْنُ باستيفائها" أراد به ضَبْطَ الموقوف.
وقوله: "مَمْلُوك" يدخل فيه العَقَارُ، والمنْقْول، والشَّائع، والمفرَّز، ويخرج عنه الحرّ وما لا يملك.
وقوله: "متعيَّن" قَصَدَ به الاحتراز عمَّا إذا وقَف أحد العَبْدَيْنِ،

ويخرج عنه ما إذا وقَفَ في الذِّمَّة.
وقوله: "منفعةٌ أو فائدةٌ" -أشار بالمَنْفَعَة إلى السكنى واللُّبْس ونحوهما، وبالفائدة إلى الثَّمَرةِ واللَّبَنِ ونحوهما.
وقوله: "لا تفوت العيْنُ باستِيفائها" احترز به عن الطَّعام، وما في معناه إلاَّ أنَّ هذا الضَّابِطَ يشْكِل بوقْفِ المستوْلَدَةَ، فإنه يقتضي جَوَازَه، والأصح فيه المَنْعُ، وبالملاَهِي حيْثُ لا يجوز وَقْفُهَا.
فإنْ قلْتَ: كُلُّ عيْن معيَّنةٍ ممْلُوكةٌ مِلْكاً يَقْبَلُ النقل تَحْصُل منها فائدةُ أو منفعةً يستأجر لها زال الإشكال والله أعلم.

فرعان

: الأوَّل: أجَّرَ أرْضَهُ، ثم وقَفَها، جواب الشيخ أبي عليٌّ في "الشرح" أنَّه يصحُّ الوقْف؛ لأنَّه مملوكٌ بالشرائط المذكورةِ، وليَسَ فيه إلا العَجْزُ عن صَرْف المنفعةِ إلَى جهةِ الوَقْف في الحال، وأنَّه لا يمنع الصِّحَةَ، كما لو وقَف ماله في يد الغَاصب.
وفي فتاوى القَفَّال تخريجُهُ على الوَقْف المنْقَطِع الأَوَّل.
وزاد بَعْضُهم فقال: إن وقَف على المَسْجِد، صَحَّ لمشابهتِه الإعْتَاق، وإنْ وقَف على إنْسَانٍ، فإنْ قلْنا: المِلْكُ في الوقْف ينتقل إلى المَوْقُوف علَيْه، فهو على الخلافِ في بَيْع المستأجر، إنَّ لم نصصِّحه، فكذلك الوقْفُ.
وإن صحَّحناه، فيخرَّج حينئذ على الخلاف في الوقْف المنْقَطِع الأوَّل، وإن قلْنا: ينتقلُ إلى اللهِ تعالَى، فَوَجْهان لافتقاره إلى القَبُولِ، ووقف الورثة الموصى بمنفعته شَهْراً كوَقْف المستأجر الثَّاني، إذا استأجر أرضاً؛ ليبني فيها أو يَغْرِس، فَفَعَلَ، ثمَّ وقَفَ البنَاءِ والغِرَاس، ففي صحَّة الوَقْف وجهان: أصحُّهُما: الصَّحة، وبه قال ابْنُ الحَدَّاد؛ لأنَّه مملوكٌ يمكن الانتفاع به مع بقاء عَيْنه.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنَّ مالك الأرْضِ بسبيل من قلعه، فكأنَّه وقَفَ مالاً ينتفع به، وهما كالوجهَيْن في أنَّ الثاني لو انفرد بِبَيْعِ البناء، هل يجوز؟ ولو وَقَف هذا أرضَه، وهذا بناءه جاز بلا خلاف كما لو اجتمعا على البَيْع، وإِذا قلْنا بصحَّة الوقْف، فإذا مضَتِ المدَّة، وقلَع مالكُ الأرْضِ البناءَ، فإن بَقِيَ منتفعاً به بعْدا القلع، فهو وَقْفٌ، كما كان، وإِنْ لم يبْقَ، فيصيرُ ملكاً للموقُوفِ علَيْه، أو يرجع إلى الوَاقِف؟ فيه وجهان، وأَرْشُ النقص الذي يؤخذ منه القالع يسلك به مَسْلَكَ الوَقْف 1. قَالَ الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّانِي: المَوْقُوفُ عَلَيْهِ فَإنْ كَانَ مَوْقُوفاً عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ

فَشَرْطُهُ أَنْ يكُونَ أَهْلاً لِلْهِبَةِ مِنْهُ وَالوَصِيَّةِ لَهُ، فَيَجُوزُ الوَقْفُ عَلَى الكَافِرِ الذِّمِّيِّ، وَعَلَى المُرْتَدِّ وَالحَرْبِيَ فِيهِ خِلاَفٌ (و) لأَنَّهُ لاَ بَقَاءَ لَهُ لأَنَّهُ مَقْتُولٌ، وَلاَ يَجُوزُ عَلَى الجَنِينِ؛ لأنَّهُ لاَ تَسْلِيطَ في الحَالِ، ولا عَلَى العَبْدِ (و) فِي نَفْسِهِ وَلَكِنَّ الوَقْفَ عَلَيْهِ وَقْفٌ عَلَى السَّيِّد، وَالوَقْفُ عَلى البَهِيمَةِ هَلْ هُوَ وَقْفٌ عَلَى مَالِكِهَا؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَلاَ يَجُوزُ الوَقْفُ عَلَى نَفْسِهِ (م) إِذْ لاَ يَتَجَدَّدُ بِهِ إلاَّ مَنعْ التَّصَرُّفِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَوْ شَرَطَ أنْ يَقْضِيَ مِنْ رِيعِ الوَقْفِ زَكَاتَهُ وَدُيُونَهُ فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَذَا إنْ وَقَفَ عَلَى الفُقَرَاءِ ثُمَّ صَارَ فَقِيراً فَفِي شَرِكَتِهِ خِلاَفٌ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الوقْفُ إمَّا أن يكون على معيَّنٍ أو غير معين.
القِسْمُ الأَوَّلُ: إِذا كان الموقْوفُ عليه شخْصاً معيَّناً، أو جماعةً معيَّنين، فالشَّرْطُ أن يمكن تمليكُه 1؛ لأنَّ الوقْفَ تمليك العَيْنِ والمنفعة إن قلنا: إنَّ المِلْكَ في الوقف للموقُوف علَيْه، وتمليكُ المنفعة، إنْ لَمْ نقل به.
وقوله في الكتاب: "أهلاً للهبة منه والوصية له" ليس الغرضُ منه اعتبار هذيْن التَّصَرُّفَيْنِ خاصَّةً، بل المعتبر مطْلَقُ أهليَّةِ المِلْك، لكنَّهما أقربُ إلى الوقْفِ مِنَ البَيْعِ والمعاوضات فكأنَّه جرَى ذكرهما لذلك.
وفي الفصل ثلاث مسائل: المسألةُ الأوُلى: يجوزُ الوَقْفُ على الذِّمِّيِّ من المُسْلِم والذِّمِّي، كما تجوز الوصيَّةُ له، والتصدُّق عليه، وفي الحربيِّ والمرتدِّ وجهان: أحدهما: الجوازُ كالذِّميِّ.
وأصحُّهما: المَنْعُ؛ لأنَّهُمَا منقولان؛ لأنَّه لا بقاء لهما، والوَقْفُ صدقةٌ جاريةٌ، فكما لا يوقَفُ ما لا دوام له، لا يوقف على من لا دَوَام له 2. المسألةُ الثانيةُ: لا يجُوز الوَقْفُ عَلَى من لا يملك كالجَنِينِ، بخلاف الوصيَّة؛ لأنها تتعلَّق بالمُسْتَقْبل، والوقْفُ تسليطٌ في الحال، وكذلك لا يجوز الوقْفُ على العبْدِ نفْسه، وهذا فيما ذكره ذاكرون مُفَرَّعٌ على قولنا: إنَّه لا يملك وأمَّا إذا قُلْنَا: إنَّه يملك،

صحَّ الوَقْفَ علَيْه، وإذا عَتَقَ، كان له دونَ سيده.
وعلَى هذا قال صاحب "التَّتِمَّة": إذا وقَفَ عَلَى عبد فلانٍ، وقلنا: إنَّ العبد يُمَلَّك بالتمليك، فيصحُّ الوقْفُ عليه، ويكون الاستحقاقُ متعلِّقاً بكونه عبْدَ فلانٍ حتى لو باعه، أو وهَبَهُ، زال صفةُ الاسْتِحْقَاق، ولك أن تقولَ: الخلافُ في أنه، هلْ يملك بخصوصِ ما إذا ملكه السَّيِّد؟ فأمَّا إذا ملَكَه غَيْرُه، فلا خِلاَف في أَنَّهُ لا يملك، وحينئذٍ، فإذا كان الواقِفُ غيْرِ السيِّد، كان الوَقْفُ عَلَى من لا يملك، فأيُّ معنىً لقولنا: لو ملكه السيد.
لملك.
وأمَّا إذا أطلق الوقْفَ عليه، فهو وقْفٌ على السيِّد، كما لو وهب منه، أو أوصَى، وإذا شرطْنا القبول، جاءَ فيه الخلافُ في أنَّهُ، هل يستقلُّ بقبول الهبة والوصية أم يحتاج إلَى إذن السيِّد؟ وقد مرَّ في مداينة العبيد.
ولو وقف على مكاتب هل يستقل بقبول الهبة والوصية أم يحتاج إلى إذن السيد، قال الشيخ أبو حامد: لا يجوز كما لو وقف على القنِّ، وفي "التتمة": أنا نصحِّح الوقْفَ في الحال، ونصْرِف الفوائد إليه، ونُدِيم حكمه، إذا عتَق، إنْ أطْلَق الواقِف، وإنْ قال: تُصْرَف الفوائد إليه، ما دام مكاتباً، بَطَل استحقاقه، وإن عجز، بان لنا أنَّ الوَقْفَ منقطعُ الابتداء.
ولو وقَف على بهيمة وأطلق، فهلْ هو كالوقْفِ على العَبْد، حتى يكون وقْفاً عَلَى مالِكِها؟ فيه وجهان: أصحُّهما: لا؛ لأنها ليَسَتْ أهْلاً للمِلْك بحال، وهذا كما أنَّه لا يجُوزُ الهبةُ منها، والوصيَّةُ لَهَا.
والثاني: نعم، كما لو وقف علَى العَبْد، وهذا ما اختارَهُ القاضي أبو الطيِّب [الطبري] في "المجرد" وذكر أنَّهُ ينفق علَيْها منْه ما بَقِيَتْ؛ وعلَى هذا، فالقَبُول لا يكون إلا من المالك، وفيما إذا أضاف إلى العبد؛ أصحُّ الوجهين: أنه لا يصح القبول من السيِّد؛ لأن الخطابَ لم يَجْرِ معه.
وحكى أبو سعيد المتولِّي فيما إذا قال: وقفتُ عَلَى علف بهيمة 1 فلانٍ، أو علف بهائم القَرْية وجْهَيْن؛ على ما ذكرنا في صورة الإطلاق.
قال: والخلافُ فيما إذا كانت البهيمَةُ مملوكةً.
أمَّا إذا وقف على الوُحُوش، أو علَف الطُّيور المباحَةِ، لم يصحَّ بلا خلاف 2.

المسألة الثالثة: في وقْف الإنْسان عَلَى نَفْسه وجهان: أصحُّهما: ويُحْكَى عن نصه: المنع؛ لأنَّ الوَقْفَ تمليكُ المنفعةِ وحْدَها، أو مع الرقبة، والإنسان لا يَمْلِكُ نَفْسَه 1. والثاني: وبه قال أحمدُ وأبو عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ أنه جائزٌ؛ لأن استحقاقَ الشيْءِ وقْفاً غيرُ استحقاقه مِلْكاً، وقد يقصد مَنْعَ نفسه من التصرُّف المزيلِ للمِلْك، وينسب هذا الوجه إلى ابنِ سُرَيْج أيضاً.
وحكى القاضي ابْنُ كجٍّ عنه أنَّه يصحُّ الوقف، ويلغو الشرط، وإضافته إلى نفْسِه، وهذا بناءٌ على أنه لو اقتَصَرَ عَلَى قوله: "وقفتُ"، صحَّ الوقف.
وينبغي أن يطرد في الوقْف عَلَى من لا يجوز مطلقاً.
ولو وقف على الفقراء، وشرط أن تقضي من ريع الوقْفِ زكاتُهُ وديونُهُ، فهذا وقْفٌ على نفْسِهِ وغيره، ففيه الخلافُ، وكذلك لو شَرَط أنَّ يأكل من ثماره، أو ينتفع به، وقدْ يوجه الجواز بأنَّه عثمانَ -رضِيَ الله عنه- وَقَفَ بِئْرَ رُومَة 2، وقَالَ: دَلْوِي فِيهَا

كَدِلاَءِ المُسْلِمِينَ 1. ومن منعَ، قال: ليس ذلك على سبيل الاشتِرَاط، ولكنه أخبر أنَّه للواقف أن ينتفع بالأوْقَاف العامَّة؛ كالصلاة في البقعة التي يجعلها مسْجِدَاً، وما أشبه ذلك.
ولو استَبْقَى الواقِفُ القولية لنَفْسِه، وشرط أجرةً، وفرَّعنا على أنَّهُ لا يجوز أن يقِفَ على نفسه، ففي صحَّة هذا الشَّرْط وجهان مبنيَّان على أنَّ الهاشِمِيَّ، إذا انتصب عاملاً للزَّكاة، هلْ له أن يأخُذَ من سَهْم العامِلِينَ 2؟ ولو وقَف على الفقراءِ، ثم صار فقيراً، ففي جواز الأَخْذ وجهان مع المَنْع من أن يقف عَلَى نفْسه؛ لأنَّه لم يقْصد نفْسَه، وإنَّما وجدت فيه الجهَةُ الَّتي وقف عليها، ويُشْبه أن يكونَ هذا أظهَر، لكن المصنِّفَ رجَّح المنعَ في "الوسيط"، ووجَّهه بأن الظاهرَ أنَّ مطْلَقَ الوقْف ينصرفُ إلى غير الواقف.
وقوله في الكتاب: "فيجوز الوقْفُ عَلَى الكافر الذمِّيِّ، وعلى المرتدِّ والحربِّي [فيه] خلاف هكذا هو الصوابُ، وقد يوجد في بعض النسخُ "على الكافرِ الذمِّيِّ والمرتدِّ والحربي خلافٌ" وهو غلط.
وقوله "ولا على العَبْدِ في نفْسِهِ" -يجوز أن يُعْلَمَ بالواو، لما سبق وقوله "ولا يجوز الوقْف عَلَى نَفْسِهِ" بالألف والميم أيضاً؛ لأنَّ أبَا الفرج السَّرْخَسِيَّ حَكَى عن مالكٍ مِثْلَ مذْهب أحمد، وقيل: إنَّ مذهبَه الجوازُ في اليسير دون الكَثير.
وقوله: "إذ لا يتجدد له إِلاَّ مَنْع التصرُّف" أراد به أنَّ مقتَضَىَ الوقْف، حبس الرقبة، وتمليكُ المنْفَعَة، والرقَبَةُ محْبُوسَةٌ علَيْه، والمنفعةُ مملوكةٌ له، فلا يحْدُث شيء سِوَى امتناعِ التصرُّفات التي يمنعها الوَقْف.
وقوله: "ففي شركته خلافٌ" -أي في شركته إيَّاهم في جواز الأخْذ، وليس المرادُ الشَّرِكَةَ في الموْقُوف؛ لأنَّ استيعابَ الفقراء غير واجب.
هذا تمامُ الكلامِ في الوقْف على المعيَّن.
ولو قال لرجلَيْن: وقفْتُ عَلَى أحدِكما، لم يصحَّ، وفيه احتمالٌ عن الشيخ أبي محمَّد إذا فرَّعنا على أن الوقْفَ لا يفتقر إلى القَبُول.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ كَانَ الوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ كَالمَسَاكِينِ وَالفُقَرَاءِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ قُرْبَةٌ فَصَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةٌ كَالوَقْفِ عَلَى عِمَارَةَ البَيْعِ وَالكَنَائِسِ وَكَتَبَةِ التَّوْرَاةِ وَنَفقَةِ قُطَّاعِ

الطَّرِيقِ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لاَ قُرْبَةَ وَلاَ مَعْصِيَةَ كَالوَقْفِ عَلَى الأَغْنِيَاءِ أَوْ عَلَى المَسَاكِينِ مِنَ الكُفَّارِ وَالفُسَّاقِ فَفِيهِ خِلاَفٌ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القُسْمُ الثَّانِي: إذا كان الوقْفُ عَلى غير معيَّن؛ كالوقف على الفقراء، والمساكين، وهذا يسمى الوقْف على الجهة؛ لأنَّ الواقفَ يَنْظُرُ إلَى جهة الفقر والمسْكَنَة، ويقصد سد خلة قوم موصوفين بهذه الصِّفَة لا شخصاً بعَيْنه، فيُنْظَرُ في الجهة, أهي معصيةٌ أم لا؟ إن كانت الجهة جهة معصيةٍ؛ كالوقْف لعمارة البَيْعِ والكنائِسِ ولقناديلها وحصْرِها, لم يصحَّ؛ لما فيه من الإعَانَة على المعصية 1، وكذا لو وقف لكتابةِ التَّوْرَاة والإنْجيل؛ لأنَّهم بدَّلوا وحرَّفوا، والاشتغال بكتابتها غيرُ جائز، ولا فرْقَ بيْن أن يصدر هذا الوقْفُ من مسْلِمٍ أو ذِمِّيٍّ، فنبطله إذا ترافَعُوا إلينا.
أمَّا ما وقَفُوه قبل المبْعَثَ على كنائِسِهِمُ القديمة فنقرّه حيث نقرّ الكنائس، وإن لم تكن الجهةُ جهةَ معصيةٍ، نُظِرَ؛ إنَّ كان يظهر فيها قصْدُ القُرْبة؛ كالوقْف على المساكين، [وفي سبيل الله والعُلَماء والمتعلِّمين، وعلى المَسَاجد] والمدارس والرِّبَاطَات والقناطِرِ، صحَّ الوَقْفُ، وعلى هذا النَّحوِ جرتْ أوقافُ الصحابة -رضي الله عنهم- وإن لم يظهر قصدُ القُرْبة، [كالوقف على الأغنياء، ففيه وجهان، مبنيان على أن المرعيَّ في الوقْف على الموصُوفين جهة القُرْبة] 2 أو التَّمْليك؟ وتحقيقهُ أن الوَقْفَ على المعيَّنين يُسْلَك به مَسْلَكُ التمليكات؛ ولذلك يجوز عَلَى من يجوز تمليكه، ثم قد يقصد الواقفُ التقرُّبَ به إلى الله تعالى؛ كالصدقة.
وأمَّا الوقفُ على منْ لا يتعيَّن، فحكاية الإمامُ عن المعْظَم أنَّ المرعيَّ منه طريق القربة دُونَ التَّمْليك، ولهذا لا يجبُ استيعابُ المَسَاكِين، بل يجوزُ الاقتصار، على ثلاثةٍ منهم.
وعن القفَّال أنَّ المرعى فيه ظهورُ طريق التمليك، كما في الوصيَّة، والوقْفُ على المعيَّن، وهذا ما اختاره الإمامُ وشَيْخُهُ، وطرق أصحابنا العراقيين تُوَافِقُهُ حتَّى أنَّهم ذكَرُوا أنَّ الوقْفَ على المساجد والرِّباطات تمليكٌ للمُسْلِمِين منفعةَ الوَقْف.
فإن قلْنا بالأول، لم يَصحَّ الوقْف على الأغنياء، ولا علَى اليهود والنصارَى والفُسَّاق.

وإن قلْنا بالثاني، جاز الكلُّ، ويجوز أن يخرَّج على هذا الأصْلِ الخلافُ في الوقْف على الطالبيَّة والعَلَويَّة وسائِرِ منْ لا ينحصِرُون، وفيه قوْلاَن، كما في الوصيَّة لهم، فإنْ راعَيْنا طريقَ القُرْبة، صحَّ الوقْف لَهُم، وإلاَّ، لم يصحَّ؛ لتعذُّر الاستيعابِ، والأشبهُ بكلام الأكْثَرِين ترجيحُ كَوْنه تَمْليكاً، وتصحيحُ الوقْف على هؤلاء؛ ولهذا صحَّح صاحبُ "الشَّامِلِ" الوقْفَ على النَّازِلينَ في الكنائس من مارَّة أهْل الذمَّة، وقالَ: إنَّه وقفٌ عليهم لا على الكنيسة، لكن الأحسن توسُّطٌ، ذهب إليه بَعْضُ المتأخرين، وهو تصحيحُ الوقْف على الأغنياء 1 وإبطالُ الوَقْف على اليَهُود والنَّصَارَى، وقُطّاعِ الطريق وسائرُ الفُسَّاق؛ لتضمينه الإِعانة على المَعْصِيَةِ.
فأمَّا ما يتعلق بلفظ الكتاب، فإنَّه ذكَر الخلافَ في الوقْف على الكُفَّار والفُسَّاق، ولم يذْكُرْه في الوقْف؛ لنفقة قطَّاع الطريق، بل أطْلَق الحكم بالبُطْلان، ولا يُمْكِنُ أن يقدَّر فرْقٌ بينهما؛ فإنَّ القُطَّاعَ ضَرْبٌ من الفُسَّاق؛ فكأنه أراد بالوقْف لِنفقةِ قُطَّاع الطَّريق إن شرط الصرْف إلَى ما يَتَهَيَّأَ به القطع، من سلاحٍ وغيره، فيَكُون كالوَقْف لعمارةِ البَيْعِ وقنادِيلها، وبمثله لو وَقَفَ لآلاتِ سَائِرِ المعاصِي، بَطَلَ الوَقْفُ لا محالةَ.
ولو وقف لتصرُّف الْغَلاَّتِ إلى القُطَّاع، وسائر الفُسَّاق لا إلَى جهةِ الفِسْق، فهو موضعُ الخِلاَف، ولا فرْق بيْن فاسقٍ وفاسقٍ.
وقوله: "أو على المساكِينِ منَ الكُفَّار والفُسَّاق" أشار به إلى أنه، وإنْ نصَّ على مساكينهم، فالوقْفُ مختلَفٌ فيه، كما لو وقَف عَلَى أغنياءِ المُسْلِمِين، فإن وقَف عَلَى أغنيائهم، حَصَلَ الخلافُ منْ وجْهَيْن والله أعلم.
وهذه مسائلُ أُخَرَ تليقُ بهذا الركْن، يجوز الوقْفُ على سبيل الله تعالى وهم المعنيُّون في آية الزكاة.
وقال أحْمَدُ: الحَجُّ في سبيلِ الله، وعلى سبيل البِرِّ أو الخيرِ، أو الثَّوَابِ، ويُصْرَف إلَى أقارب الواقِف، فإنْ لمْ يوجَدُوا، فإلي أهل الزكاة.
وذكر صاحِبُ "التهذيب" أنَّ الموقوفَ عَلَى سبيل الله 2 يجوزُ صَرْفُه إلَى ما فيه صلاحُ المسلمين منْ أهْل الزَّكَاةِ، وإصْلاَحِ القَناطِر، وسدِّ الثغور ودفن المَوْتَى.
وغيرها وفرَقَ بعضُ أصحابِ الإمامِ، فقال: إذا وقَفَ عَلَى جهة الخير، صرف

إلَى مَصَارِفِ الزَّكَاة، فلا يُبْنى به مسجدٌ ولا رباطٌ، وإذا وقف على جهةِ الثَّوابِ، صرف إلَى أقاربه، وجوابُ الأكْثَرِينَ ما قدَّمناه، قالوا: ولو جمع بين سبِيلِ الله وسبيل الثواب وسبيل الخير صرف الثلث إلى الغُزَاة، والثُّلث إلى أقاربه، والثُّلثُ إلى الفُقَرَاءِ والمَسَاكِينِ والغَارِمِين، وابْنِ السَّبيل، وفي الرِّقَاب، وهذا يخالف ما سَبَق مِنَ الخِلاَفِ.
ويجوزُ الوَقْف عَلَى أكْفَان الموتَى، ومؤْنةُ الغَسَّالِينَ والحفَّارين، وإنْ كان ذلك مِنْ فروض الكِفَايات، وعلى شراء الأوانِي والظُّروف لِمنْ تكسَّرت علَيْه، وعلى المتفقِّهة، وهم المشتغلون بتَحْصيل الفِقْهِ مبتديهم ومنتهيهم، وعلى الفُقَهاء، ويدْخُل فيه من حَصَّل منه شيئاً، وإن قَلَّ 1. وأما الوقْفُ على الصُّوفيَّة، ففيما رأيته يخطِّ بعْض المحصِّلين أنَّ الشَّيْخَ أبَا محمَّد

لم يصحَّح الوقْف على الصُّوفية أصلاً؛ إذ ليَسَ للتصوُّف حَدٌّ يوقَفُ عليه، والمشهورُ الصحَّة، وهُمُ المشتغلون بالعباداتِ في أغْلَب الأوْقَات المعْرِضُون عن الدنيا.
وفَضَّل صاحبُ الكتاب في "الفتاوَى" فقَال: لا بُدَّ في الصوفيِّ من العدالة ومن تركِ الحرفة، نعم, لا بأسَ بالوِرَاقة والخِيَاطة، وما يشبههما إذا كان يتعاطَاها أحْيَاناً في الرِّبَاط لا في الحَانُوت، ولا تَقْدَحُ قدْرَتُه على الاكتساب ولا الاشتغال بالوَعْظ والتَّدْريس، ولا أن يكونَ له من المالِ قدر ما لا تجبُ فيه الزكَاةُ، أو لا يفي دخوله بخرجه، ويقْدَحُ الثروة الظاهرة، والعُرُوضُ الكثيرة.
قال ولا بُدَّ، وأن يكون فى زيِّ القَوْم إلا إذا كان مُسَاكناً لهم في الرِّباط، فيقوم المخالطة والمساكنة مَقَامَ الزِّيِّ.
قال: ولا يُشْترط لُبْسُ المرقَّعة من يد شيخٍ، وكذلك ذكر المتولِّي.
ولو وَقَف على الأَرِقَّاء الموقوفين لسَدانَة الكعبة وخِدْمة قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ففِي بعْض الشُّرُوح أنَّ أصحَّ الوجهَيْن جوازُه؛ كالوقْفِ عَلَى علَف الدواب في سَبيل الله.
ولو وقَف على دارٍ وحانوتٍ، قال أبو عَبْدِ اللهِ الحناطيُّ: لا يصحُّ إلاَّ أن يَقُول: وقَفْتُ على هذه الدَّار عَلَى أنْ يأكل فوائده طارقوها، فيصحُّ على أظهر الوجْهَيْن، ولو وقَف على المَقْبرة لتصرف الغَلَّة إلَى عمارة القبور، قال في "التتمة": لا يجوز؛ لأنَّ الموتَى صائرُونَ إلى الْبِلَى، والعمارة لا تلائمُ حالَهُمْ 1. قَال الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الصِّيغَةُ وَلاَ بُدَّ مِنْهَا، فلَوْ أَذِنَ فِي الصَّلاَة في مِلْكِهِ لَمْ يَصِرْ مَسْجداً، وَكَذَا إِذَا صَلَّى مَا لَمْ يَقُلْ: جَعَلْتُهُ مَسْجِداً، ولَلِصِّيغَةِ مَرَاتِبُ: (الأُوْلَى) قَوْلُهُ: وَقَفْتُ وَحَبَسْتُ وَسَبَلْتُ وَكُلُّ ذَلِكَ صَرِيحٌ.
(الثَّانِيَةُ) قوله: حرَّمْتُ هَذِهِ البُقْعَةَ وَأبَّدتُهَا إنْ نَوى الوَقْف فَهُوَ وَقَفٌ، وإنْ أَطْلَقَ فَوَجْهَانِ.
(الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ: تَصَدَقْتُ بِهَذِهِ البِقْعَةِ وَهِيَ بِمُجَرَّدِهَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ، فإنْ زَادَ وَقَالَ: صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ لاَ تُبَاعُ وَلاَ تُوهَبُ صَارَ وَقْفاً (و)، فَإنِ اقْتَصَرَ عَلَى المُحَرَّمَةِ أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ النِّيَّةِ فَوَجْهَانِ، إِلاَّ إِذَا عَيَّنَ شَخْصاً وَقالَ: تَصَدَّقْتُ عَلَيْكَ لَمْ يَكُنْ وَقْفاً (و) بِمُجَرَّدْ النِّيَّةِ بَلْ يَنْعَقِدُ فِيمَا وَهُوَ التَّمْلِيكُ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يصحُّ الوقْفُ إلاَّ باللَّفْظُ 1؛ لأنَّه تَمْلِيكُ منفعةٍ أو عين منفعه، فأشْبه سائرَ التَّمْلِيكات، وأيضاً، فالعِتْق لا يحْصُل إلا باللفظ مع سرعة نفوذه، فالوَقْفُ أولَى.
وعلَى هذا، فلو بنَى بناءً على هيئة المساجد، أو عَلَى غير هيئتها، وأذن في الصَّلاة فيه، لم يَصِرْ مسْجداً، وكذا لو أذنَ في الدَّفْن في ملكه، لم يصر مقبرةً، سواءٌ صلَّى في ذَلك أو دفن في هذا، أو لَمْ يفعل.
وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه-: إذا صلَّى فيه، صار مَسْجِداً، وإذَا دُفِنَ في المَوْضع ميِّتٌ واحدٌ صار مقبرةً، وتَمَّ الوقف.
وقوله: "ما لم يَقُلْ جعلْتُه مسْجِداً" ظاهر في أنَّه إذا أتَى بهذا اللفظ يصير مسْجِداً، وإن لم يوجَدْ فيه شيْءٌ من ألفاظ الوَقْفِ الَّتي سنَذْكُرها.
بل حكَى الإمَامُ أَنَّ الأَصْحَابَ تردَّدوا في استعمالِ لَفْظ الوقْف فيما يضَاهِي التجريد كما إذا قال مالكُ البقْعة: وقَفْتُها عَلَى صلاةِ المصْلِّين، وهو يبغي جعْلَهَا مَسْجِداً.
وفي "التهذيب" و"التتمة": أنَّ المَكَانَ لا يصيرُ مَسْجداً بقوله: جعلْتُه مسجداً؛ لأنَّه لم يوجَدْ شيْءٌ من ألفاظ الوقْف، وبه أجاب الأستاذُ أبو طاهر، قال: لأنَّه وصفه بما هو موصوفٌ به، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً" 2. نَعَمْ، لو قال: جعَلْتُهُ مسْجِداً لله [عَزَّ وَجَلَّ] يصيرُ مَسْجِداً، وهذا ذَهَابٌ إلَى أنه لا بُدَّ من لفظ الوقْف، فانظر ما بين الكلامَيْن من التباعُدِ.
والأشْبهُ أنَّه لا بأسَ باستعمال لفظ الوقف، وأنَّ قوله: "جعلْتُه مسْجداً" يقوم مقامه؛ لإشعاره بالمقصود واشتهاره فيه، إذا عرَفْتَ ذلك، فلنتكلم في إيجاب الوَقْف، ثم في قبوله.
أمَّا الإيجابُ، فإنَّه جعَلَه عَلَى مراتب.
إحداها: أن يقول: وقفتُ كذا أو حبَّسْتُ أو سَبَّلت أو أرْضِي موقوفةٌ أو محبسةٌ أو مسبلةٌ، فكل ذلك صريحٌ؛ لكثرةِ استعمالِهِ، واشتهارِهِ شَرْعاً وعُرْفاً، وقد روَيْنا في حديث عُمَرَ -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال "حَبْسُ الأَصْلِ وَسَبْلُ الثَّمَرَةِ".
هذا ظاهرُ المذهَب.
وعن الإصْطَخْرِيِّ: أنَّ التحبيسَ والتَّسْبِيل كنايتان؛ لأنَّهما لم يشتهرا اشتهارَ الوَقْف.
وعنه رواية أخرَى: أنَّ التحبيسَ صَرِيحٌ، والتَّسْبيلَ كنايةٌ؛ لأنَّ التسبيل من السبيل، وهو مُبْهمٌ، والتَّحْبِيسَ حَبْسُ المِلْكِ في الرقبة عن التصرُّفات المُزِيلة، وهو معنَى الوَقْف.

ورواية أُخْرَى رواها أبو الفرج السَّرْخَسِيُّ في "الأمالي" أنَّ شيئاً منها ليس بصريحٍ، بل لا بدَّ من ضم النية إلَى ما يستعمله فيها، أو الجمع بيْن لفظتين منها، أو التأكيد بقوله: "لا تُباعُ ولا تُورَثُ"، ويشهد لهذا على غرابته أن القاضِيَ ابْنَ كج حكى عن أبي حامد، وأبى الحُسَيْن وجهين في الألفاظ الثَّلاثة، هل هي صريحةٌ؟ ويتحرَّر من هذه الروايات فيها أربعةُ أوجُهٍ الكلُّ صريحٌ، الكلُّ كنايةٌ، الصريحُ الوقْفُ وحده، الكنايةُ التَّسْبيل وحده.
الثانية: لو قال حرَّمت هذه البقْعة للمساكين، أو أبَّدتُّهَا، أو داري محرَّمةٌ أو مُؤبَّدةٌ.
فإن جعْلنا الألفاظَ السابقةَ كناية فكذلك ههنا وإن جعلناها صريحةً، فوجهان: أحدُهُمَا: أنَّ التحريمَ والتأبيدَ أيضاً صريحان؛ لإفَادَتَهما الغَرَضَ أيضاً، واستعمالِهِما في التحبيس والتَّسْبِيل وأشهرهما المَنْعُ؛ لأنهما لا يُسْتَعْمَلاَن مسْتَقِلَّيْنِ، وإنَّما يؤكَّد بهما شيْءٌ من الألفاظ المقدَّمة.
المرتبة الثالثة: قوله "تصدقت بهذه البقعة" ليس بصريح، فإنَّ هذا اللفظَ على تجردهِ إنَّما يستعمل في التَّمْليك المحضِ، فإنْ زِيدَ علَيْه شيْءٌ، فتلك الزيادةُ إمَّا لفظٌ أو نيةٌ.
أمَّا اللفظُ، ففيه وجوه: أظهرهما: أولها أنَّه، إذا اقترن به بعضُ الألْفَاظ السَّابقة؛ بأن قال: صدَقَةٌ محرمةٌ أو محبسةٌ أو موقوفةٌ أو قرن به ذكر حُكْمُ الوقْف؛ بأن قال: صدقةٌ لا تُبَاع، ولا تُوهَبُ، التحق بالصُّرَاحِ؛ لانصرافه بما ذكر عن التمليك المحْض.
والثاني: أنه لا يكْفِي قولُه: صدقةٌ محرَّمةٌ أو مؤبَّدةٌ، بل لا بُدَّ من التقييد بأنَّها لا تُبَاع ولا توهَبُ، ويُشْبِه ألاَّ يعتبر هذا القائل في قوله: صدقةٌ موقوفةٌ مثل هذا التَّقْيِيد، وأنَّ هذا قَوْلُ مَنْ ذَهَب إلَى أنَّ التحريمَ والتأبيدَ ليْسَا بصريحَيْن.
والثالثُ: أنَّ لفْظاً ما لا يُلحِقُهُ بالصريح؛ لأنَّه صريحٌ في التمليك المحضْ الذي يُخَالِف مقصودُهُ مقصودَ الوَقْف فلا ينصرفُ إلَى غيره بقرينةٍ لا استقْلالَ لها.
ويجوزُ أن يُعْلَم لهذا قوله: "صَارَ وقْفاً" بالواو.
وأمَّا النِّيَّة، فيُنْظر؛ إنَّ أضاف اللفظ إلى جهةٍ عامَّةٍ بأن قال: تصدَّقْت بهذا على المسالِكين، ونَوَى الوقف، فوجهان: أحدهما: أنَّ النِّيَّة لا تلتحق باللفظ في الصَّرْف عن الصريح إلَى غيره.
وأصحُّهما: أنها تلْتَحِق، ويكُون وقْفاً، وإنْ أضاف إلَى معيَّن، فقال: تصدَّقْتُ عليك، أو قاله لجماعةٍ معيَّنين، لم يكن وقْفاً على الأصحِّ، [هكذا] قاله الإمامُ، بل ينفذ

فيما هو صريحٌ فيه، وهو محضُ التمليك، وفيما ذكَره دلالةٌ على أن ههنا خلافاً أيْضاً، فيجوزُ أنْ يُعْلَمَ كذلك قوله: "لم يكُنْ وقفاً".
بالواو.
ثم لك أن تقول تجريد لفظ الصَّدَقَة عنِ القرائن اللَّفْظِيَّةِ، إن أمكن فرضُه في الجِهَاتِ العامَّة مثل أن يقول: تصدَّقْت به عَلَى فقراء المسلمين، فلا يمكن فرضُهُ في التصدق على شخص، أو جماعة معيَّنين، إذا لم يَجوِّزُ الوَقْفَ المنْقَطِع، فإنَّهُ يحتاجُ إلَى بيان المصَارِفَ بَعْد التعيين، وحينئذٍ فالمأتى به لا يحتمل إلاَّ الوقْفَ، كما أنَّ قولَهُ: تصدَّقت به صدقةً محرمةً، أو موقوفةً لا يَحْتَملُ إلاَّ الوَقْفَ.
وقوله في الكتاب: "إلاَّ إذا عيَّن شخصاً وقال: تصدَّقْتُ عليك" ينصرف إلى الصُّورة الثانيَةِ، وهي الاقْتِصَارُ عَلَى مجرَّد النية.
فأمَّا في القرينة اللفظيَّة، فلا فرْقَ بيْن أن يضيف التصدُّق إلَى معيَّن، أو إلَى جهةٍ عامَّة.
وقولُه: "لم يكنْ وقْفاً بمجرَّد النية" [أي] لو صرح بمجرَّد النِّية، لم يضر.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا المَوْقُوفُ عَلَيْهِ إنْ قَالَ: رَددَتُّ الوَقْفَ ارْتَدَّ (و)، وإِنْ سَكَتَ فِفِي اشْتِرَاطِ قَبُولِهِ وَجْهَانِ، وَأَمَّا البَطْنُ الثَّانِي فَلاَ يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ (و)، وَفِي ارْتِدَادِهِ عَنْهُ بَردِّهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أمَّا طُرُقُ القَبُولِ، فإن كان الموقف عَلَى جهةٍ عامةٍ كالفقراء، أو على المَسْجد والرِّبَاط، فلا يشترط لعَدَم الإمكان، ولم يَجْعَلُوا الحاكمَ نائباً في القَبُول كما جعل تائباً عن المُسْلمين في استيفَاء القِصَاصِ والأموال، ولو صارُوا إليه، لكان قريبًا ثم ما ذكرناه مفروضٌ في الوقْف، فأمَّا إذا قال: جعلْتُ هذا للمسجد.
فهو تمليكٌ لا وقْفٌ، فيشترط قبول القيِّم وقبْضه، كما لو وَهَب شيئاً من صبيٍّ، وإن كان الوقْفُ على شخْصٍ معيَّن، أو جماعةٍ معيَّنين، فوجهان: أصحُّهما: على ما ذكَره الإمَامُ وآخرون: اشتراطُ القَبُول؛ لأنَّهُ يبْعُدُ دخُولُ عيْن، أو منفعةٌ في ملْكِه منْ غَيْر رضاه.
وعلَى هذا، فليكنْ متَّصِلاً بالإيجاب كَمَا في البَيْع والهبَة.
والثاني: أنَّهُ لا يشترط، واستحقاقُ الموقوفِ عَلَيْه المنفعةَ كاستحقاق العتيق منفعةَ نَفْسِه، وبهذا أجاب صاحِبُ "التهذيب"، وكذا القاضِي الرُّويانيُّ قال: لا يحتاجُ لزومُ الوقْفِ إلَى القَبُول، ولكنْ لا يملك غلته إلاَّ بالاختيار، ويكفي الأخْذُ دليلاً عَلَى الاختيار، وخصَّص في "التتمة" الوجهَيْن بما إذا قلْنا: إنَّ المِلْكَ في الوقْف ينتقل إلَى الموقُوف علَيْه، فأمَّا إذا قلْنا: بانتقاله إلى اللهِ -تعالى- أو ببقائه للوَاقِف، فلا يُشْتَرَط.

أمَّا عَلَى التقْدير الأوَّل، فإلحاقاً له بالإعتاق، وأمَّا علَى الثَّاني، فإنَّه إذا احتمل كونْ المنافع، والفوائدُ معدومة ومجهولة، لم يبعد أن يحتمل ترك القبول، وسواءٌ شرَطْنا القَبُول أو لم نَشْرِطْه، فلو ردَّ، بَطَلَ حقَّه، كما في الوصيَّة، وكما أنَّ الوكالَة تردُّ بالردِّ، وإن لم يشترطِ القبولِ، ووفَّى صاحبُ "التهذيب" بتشبيهه بالعِتْق، وقال: إنَّه لا يرتدُّ بردِّه، وإذا ردَّ، ثم رجع، قال القاضي الرُّويانيُّ: إنْ رجَع قبْل حُكْم الحاكم بردِّه إلى غيره، كان له، وإنْ حَكَمَ الحاكمُ به لغيره، بَطَلَ حقُّه، هذا في البطن الأول.
أمَّا البَطْنُ الثَّاني والثالثُ، فلا يُشْترط قَبُولُهم فيما نقله الإمامُ وصاحبُ الكتابِ؛ لأنَّ استحقاقَهُم لا ينقل بالإيجاب، وذكروا أنَّ في ارتداده بردِّهم وجهَيْن؛ لأنَّ الوقْف، قد ثَبَت ولَزِم، فيبْعُد انقطاعُهُ.
وأجْرَى أبو سعيدِ المتولِّي الخلافَ في أنَّه، هَلْ يُشْتَرط قَبُولهم، وهل يرتد بردِّهم بناءً على أنَّهم، هل يتلقَّونْ الحقَّ من الواقف أو من البطَنْ الأوَّل؟ إنْ قلْنا بالأول، فقَبُولهم وردُّهم كقَبُول الأوَّلين وردِّهم.
وإنْ قُلْنا بالثَّاني، لم يعتبر قَبُولُهم ورَدُّهم، كما في المِيرَاث، وهذا أحسن، ولا يبعد ألاَّ يتَّصل الاستحقاق بالإيجاب، ومع ذلك يعتبر القبول، كما في الوصيَّة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الرَّابعُ في الشَّرَائِطِ وَهِيَ أَرْبَعٌ الأَولَى: التَّأْبِيدُ فَإذَا قَالَ: وَقَفْتُ سَنَةً فَهُوَ بَاطِلٌ.
كَالهِبَةِ المُؤَقَّتَةِ، وَفِي الوَقْفِ المُنْقَطِعِ آخِرُهُ قَوْلاَنِ، كَمَا لَو وَقَفَ عَلَى أَوْلاَدِهِ وَلَمْ يَذْكُرِ مَنْ يُصْرِفُ إِلَيْهِ بَعْدَهُمْ، فَإِنْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ فَقَوْلاَنِ في أَنَّه هَلْ يَعُودُ مِلْكَاً إِلَى الوَاقِفِ أَوْ إلَى تَرِكَتِهِ بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَعُودُ فَيُصْرَفُ إِلى أَهَمِّ الخَيْرَاتِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لِلمسَاكِينِ (و)، وَقِيلَ: إِنَّهُ لِلمَصَالِحِ إِذْ أَهْمُّ الخَيْرَاتِ أَعَمُّهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ضَمَن هذا الركُنَ شروطَ الوَقْف، وهيَ عَلَى ما عَدَّها أربعةٌ: أحدُها: التأبيد؛ وذلك بأنْ يَقِفَ عَلَى من لا ينقرض؛ كالفُقَراء والمساكِين، أو على من ينقرض، ثم يردّه إلَى من لا ينقرض كما إذا وقف علَى ولَدِه ثم علَى الفُقَراء والمساكين أو على رَجُلٍ ثم على عقبه، ثم على الفقراءِ، والمَسَاجد، والقَنَاطر، والرِّبَاطات كالفُقَراء والمَسَاكين، وإن عيَّن مساجدَ أو قناطِرَ، فوجهان.
وفي معْنَى الفقراء العُلَماء، وفي فتاوَىَ القفال خلافٌ؛ لأنَّهُمْ قد ينقطعون، وفي الفصْل مسأَلَتَان: الأُوَلَى: إذا قال: وقَفْتَ هذا سَنَةً، فعنْ بعضهم وجْهٌ ضعيفٌ أنَّه يصحُّ، وينتهي

الوقْفُ بانتهاءِ المدَّة.
والمذهَبُ المشهورُ أنَّ الشَّرط فاسِدٌ، وكذلك أصْل الوَقْف.
ومنْهم مَنْ قال: إنَّ الوقْفَ الَّذي لا يُشْتَرَطُ فيه القَبُولُ لا يفْسُد بالتأقيت كالعِتْق، وبِهِ قالَ الإمَامُ، ومَنْ تابعه، وفي مطْلَق الوقْف قولٌ آخر، سنحكيه في الهبة، إنْ شاءَ الله تعالَى.
المسألة الثانية: إذا قالَ: وقَفْتُ عَلَى أولادِي، ولم يذكُرْ من يُصْرَفُ إليه بعدهم، أو قال: وقَقتُ على زَيْدٍ، ثم عَلَى عَقِبِهِ، ولم يَزِدْ عليه، ففيه قولانا: أحَدُهُمَا: وهو المنصوصُ في "المختصر" وبه قال مالكٌ: أنَّه صحيحٌ؛ لأنَّ مقصودَ الوَقْف القربةُ والثَّوَابُ، فهذا بَيَّن مصرفه في الحال، سَهُل إدامَتُهُ على سُبُل الخير.
والثاني: ويُحْكَى عن نصه في حرملة مع الأَوَّل: أنَّه باطلٌ؛ لأنَّ شَرْطَ الوقف التأبيدُ، وإذا لم يردَّه إلى ما لا يدُومُ، لم يؤبِّدْه، فكان كما لو قال: وقفتُهُ سنةً، وفي "التتمة" بناءُ القولَيْن عَلَى أنَّ البَطْنَ الثَّاني يتلَقَّوْن الوقْف من الواقف، أو مِنَ البطَنْ الأَوَّل، إن قلْنا بالأول، فلا بدَّ من بيان ينتهي الاستحقاقُ إلَيْه.
وإن قلنا بالثاني، فلا حاجة إلَيْه، وفي هذا البناءِ كلامَان: أحدُهُمَا: أنَّ قضيته ترجيح قوْل البُطْلان؛ لأنَّ قَوْلَ التلقِّي من الواقِف أرْجَحُ وأصحُّ، وإلَى ترجيحه ذهَبَ المَسْعُودِيُّ والإمَامُ، لكنَّ الأكثرين قالُوا: أصحُّ القولَيْن صحّةُ الوقْف؛ مِنْهم القضاة أبو حامدٍ والطبريُّ والرُّويانيُّ.
والثاني: أن بناء قَوْلِ المنْعِ عَلى التلقِّي من الواقف، إن ظهر بعْض الظهور، فبناء قول الصحة على التلقِّي من البطْنَ الأوَّل لا ظهور له، ولا اتجاه؛ لأنَّهم لا يتلَقَّوْنَ الحقَّ إلى المتلقِّين منهم، وليس ذلك عَلَى سبيل الإرْث، فإنَّ المَصْرُوف إلَيْهم ليْسُوا بورثةِ الأوَّلِين.
وعنْ صاحبِ "التقريب" قولٌ ثالثٌ في المسألة -وهو الفَرْقُ بيْن أنْ يكونَ المَوْقُوفُ عَقَاراً، فلا يجَوز إنشاؤُهُ منْقَطِع للآخر أو حيواناً، فيجوز, لأنَّ مصير الحيوان إلى الهلاك وكما يجوز فوات الموقوف مع بقاء الموْقُوف عَلَيْه يجوز فوات الموقُوف علَيْه مع بقاء المَوْقُوف.
التفْريعُ: إن قلْنا بالصِّحَة، فإذا انقرضَ مَنْ ذَكَره، فقولان: أحدُهُمَا: إنَّه يرتفع الوقْف، ويعود ملْكاً إلى الواقف، أو إلَى ورثته، إن كان قَدْ مَات؛ لأن إبقاءَ الوقْف بلا متصرف متعذِّرٌ، وإثبات مصرف، لم يتعرَّض له الواقفُ، بَعِيدٌ، فيتعيَّن ارتفاعه، ويُحْكَى هذا عنِ المُزَنِيِّ.
وأصحُّهُمَا: أنَّه يبقَى وقْفاً؛ لأنَّ وضْعَ الوقْف عَلَى أنْ يدُومَ، ويكون صدقة

جارية، وذلك بما ينافيه الحكْم بانقطاعه، وأيضاً، فإنَّه صرف ماله إلى جهة قربة، فلا يَعُودُ ملكاً؛ كما لو نَذَر هَدْياً إلى "مكَّة" فلم يقبله فقراؤها.
وقوله في الكتاب: "فقَوْلاَن في أنَّه، هَلْ يعودُ مِلْكاً إلى الوَاقِف أو إلى ورثته" أراد ويبقى وقْفاً ذكر أحد القَوْلَيْن وترك الآخر.
التفْرِيعُ: إنْ قلْنا: إنَّه يبقى وقْفاً، ففي مصرفه أوجُهٌ، وقال: أقوال: قال الإمامُ: ولعلَّها من تخريجات ابْنِ سُرَيْج.
أصحُّها: وهو المنصوصُ في "المختصر": أنَّه يُصْرَفُ إِلَى أقْرب النَّاس إلى الواقف يَوْمَ الانقراض المذكور 1؛ لأنَّ الصدقةَ على الأقارب أَفْضَلُ؛ لِمَا فيه من صِلَةِ الرَّحم، فكان الصَّرْف إليهم أوْلَى.
والثاني: أنَّهُ يُصْرَفُ إلى المساكين؛ لأنَّ سَدَّ الخَلاَّتِ 2 أهمُّ الخيرات.
والثالثُ: أنَّهُ يُصْرَف إلى المصالحِ العامَّةِ مصارفِ خُمُسِ الخُمسِ، فإنها أعمُّ الخيراتِ، والأعمُّ أهَمُّ.
والرابعُ: أنَّهُ يصرف إلى مستحقِّ الزكاة، حكاه في "شرح مختصر" الجوينيِّ وقوله في الكتاب "فيصرف إلَى أهمِّ الخيراتِ" ليس هذا وجْهاً برأْسِه مضموماً إلى ما بعده، بلِ المرادُ أنَّا إذا لم نَجِدْ بُدّاً من إبقاء الوقْف، وجب إبقاؤه في أهمِّ المصارف.
واختَلَفَ الرَّأْيُ في أَنَّ الأهم ماذا؟ التفريعُ: إنْ قلْنا: إنَّهُ يُصْرَفُ إلَى أقرب النَّاس إلى الواقف، فالنظر إلى قربِ الرحمِ أو استحقاقِ الإرْث؟ فيه وجهان: أصحُّهُمَا: الأوَّل حتَّى يتقدَّم ابْنُ البنْت على ابْنِ العم؛ لأنَّ المرعى صلةُ الرَّحِم، وإذا الجامع جماعةٌ، فالقول في الأقرب عَلَى ما سيأتي في الوصيَّة للأقرب -إن شاء الله تعالى- وهل يختص الفقراء بالصَّرْف إليهم، أو يشتركُ فيه الفقراء والأغنياءُ، قال في "حرملة": يختصُّ، وأطلق في "المختصر" الصرف إلى الأقرب، فجعلوهما على قولَيْن: أحدهما: أنّهُ لا اختِصَاصَ؛ لأنَّ الوَقْفَ لا يختصُّ بالفقراء، ولهذا لو وَقَفَ على

أولادِهِ، دَخَلَ فيه الغَنِيُّ والفقير.
وأصحُّهما: الاختصاصُ؛ لأنَّ المقصد القربةُ والثوابُ، وعن ابن سُرَيْجٍ القَطْعُ بالثَّاني، وحمل المطْلَق على المقيَّد، وإذا قلنا بالاختصاص، فهو عَلَى سبيل الوجُوب أوِ الاستحبابِ 1. حكَى أبو الفرج السَّرْخَسِيُّ فيه وجهَيْن.
وإن قلْنا: بالصَّرْف إلى المساكين، ففي تقديم جيران الواقِفِ وجْهان: أشبَهُهُمَا: المَنْعُ؛ لأنا لو قدَّمنا بالجوار، لقدَّمنا بالقرابة بطريقِ الأوْلَى أو التفريعُ عَلَى غيره.
ولو قَالَ: وَقَفْتُ هذا عَلَى زَيْدٍ شهراً عَلى أن يعود إلَى مِلْكي بعد الشهر، فالمَذْهَبُ بطلانهُ وفيه قول آخَرُ؛ أنَّهُ يصحُّ، وعلى هذا فيعودُ مِلْكاً بعد الشهر، أو يكونُ كالوقْف المنقطعِ الآخر، حتى يُصْرَفُ بعدْ الشهر إلَى أقرب الناس إلى الواقِفِ.
قال صَاحِبُ "التَّهذيب": فيه قولان؛ [والله أعلم].
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: التَّنْجِيزُ فَإذَا قَالَ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ وَقَفْتَ لَمْ يَصِحَّ (و) فَإِنَّه تَعْلِيقٌ كمَا فِي الْهِبَةِ، وَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ مِنْ أَوْلاَدِي فَهُوَ مُنْقَطِعِ الأَوَّلِ فَقَوْلاَنِ كَمُنْقَطِعِ الآخِرِ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ قَطْعاً لأَنَّهُ لاَ مَقَرَّ لَهُ في الحَالِ، وَإِنْ صَحَّحْنَا فَإذَا وَقَفَ عَلَى عَبْدِهِ أَوْ عَلَى وَارِثهِ وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ بَعْدَهُ عَلَى المَسَاكِينِ فَهُوَ مُنْقَطِعُ الأوَّلِ.
قالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْل مسأَلَتَانِ يقْتَضِي الشَّرْح تقديمَ الأخيرةِ منْهُمَا، فنُقَدِّمَها فنقول: [المسألةُ الأُولَى، وهي الثانية:] إذا قَال: وقَفْتُ عَلَى من سيُولَدُ لي، أو على مسْجِدٍ سيُبْنَى، ثم على الفقراء، أو قال: على ولدي وبعْده على الفُقَراء، ولا وَلَدَ له، فهذا وقْفٌ منقطعُ الأوَّل، وفيه طريقان: أحدهُمَا: وبه قال ابنُ أبي هُرَيْرَةَ أنَّه على القولَيْن في منقطع الآخر.
قال في "التتمة": وهُمَا مبنيَّان عَلَى أنَّ البَطْنَ الثَّانِيَ ممَّن يتلقَّوْن، إنْ قلنا: في البطن الأوَّل، لم يصحُّ؛ لأنَّ الأوَّلَ إذا لم يثبُتْ له شيْءٌ، اسْتَحَال والتَلَقِّي منه.
وإِنْ قلْنا: من الواقف، فهو على الخِلاَفِ في تفْريق الصَّفْقَة.
والثَّاني: وبه قال أبو إسحاق: القَطْع بالبُطْلاَن، والفَرْقُ بينه وبين منقطِع الآخرِ؛ أنَّ متَّصِلَ الأوَّل وجد مُستَحَقَّاً وابتداءً صَحِيحاً يُبْنَى عليه الأخير بخلافِ العَكْسَ، ولهذا يقال في منقطعِ الأوَّل قولان مرَّتبان على القولَيْن في منْقَطِع الآخر، أولَى بالبُطْلاَن.
ورأَى الإمام عكس هذا التَّرتيب، وإن منقطع الآخِر أولَى بالبطلان؛ لأنَّ وضْعَ

الوقْف عَلَى أنْ يدُومَ، وليْسَ في منقطع الأوَّل إلاَّ أن مصرفه منتظر وسواءٌ أثبتنا الخلافَ في المَسْأَلة، أو لَمْ نثبته، فالظاهر البطلان، وهي المنصوصُ في رواية المُزَنِيِّ.
والثاني: يقال: إنَّه مخرَّج منْقَطِع الآخر، ويقال: إنَّه منصوصٌ في حرملة التفْريعُ: إنْ قلْنا بالصحَّة، نُظِر؛ إن لم يمكن انتظارُ ما ذكره كما إذا أوقَفَ عَلَى ولده، ولا وَلَدَ له، أو عَلَى مجهولٍ، أو ميت، ثم على الفقراء، فهو في الحَالِ مصروف إلى الفُقَرَاء، وذِكْرُ الأوَّل لَغْوٌ، وإن أمكن، إمَّا انقراضاً، كما لو وقَف عَلَى عبد، ثم على الفُقَراء، وإمَّا حُصُولاً، كما لو قال وقفتُ عَلَى من سيولَدُ لي، ففيه وجهان.
أحَدُهُمَا: أنَّ الغلَّة مصروفةٌ إلى الواقف حتَّى ينقرض الأوَّل؛ لأنَّه لم يثبُت الاستحقاق التالي إلاَّ بَعْدَ الأوَّلَ، والأوَّل لا يُمْكن ثبوت الاستحقاق له فيبقى للواقف، وعلى هذا ففي ثبوت الوقف في الحال وجهان.
أحدهما: ثبت لأن نجزه ولكن يتأخر الاستحقاق، والثاني لا يثبت، بلْ هو ملك، وسبيله سبيل المعلَّق عتقه بصفة.
وأظْهَرُهُمَا: أنَّه إذا صحَّ الوقْفُ، انقطعتِ الغلة عنِ الواقف، وعلَى هذا، فثلاثةُ أوجُهٍ فيمن تُصْرَف إليه: أَرْجَحُهَا: أنَّه يُصْرَف في الحال إلَى أقربِ النَّاسِ إلى الواقف، فإذا انقرصَ المذكورُ أوَّلاً، يصرف إلى المذكورِينَ بعده، وعلى هذا، فالقولُ في اشتراطِ الفقر وسائرِ التفاريعِ على ما سَبَق.
وثانيها: أنَّه يُصْرَفُ إلى المذْكُورِين بعْده من أوَّلِ ما وَقَفَ، كما لو كان الأول فمن لا يمكن اعتبارُ انقراضِهِ.
وثالثها: أنَّهُ للمصَالِح العامَّة.
ولو وقف عَلَى وارثه في مرضَ المَوْت ثم على الفُقَراء، وقلْنا: إنَّه غَيْرُ صَحِيحٍ، أو صحيحٌ، وردَّه باقي الورثة، فهو وقْفٌ منقطعُ الأوَّل، وكذلك إذا وقَف عَلَى معيَّن، يصحُّ الوقْفُ عليه، ثم على الفُقَراء، فردَّه ذلك المعيَّن، وقلنا بالصحيح، وهو أنَّه يرتدَّ بالردِّ.
المسألة الثانية: وهو الأولى: إِذا علَّق الوقْفَ، فقال: إذا جاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، أو قَدِمَ فلانٌ، فقد وقَفْت كذا، لم يصحَّ، تعليق البيعِ -والهبة-.
وعن بعض الأصحاب تخريجُهُ علَى الخلاف المذْكُور فيما إذا وقَفَ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ له، قالوا: والتصريحُ بالتعليق أولَى بالفساد والله أعلم.
واعْلم، أنَّ التعليق في هذه المسْألة مُصرَّحٌ به، وفي الأُولَى ضِمْنِيٌّ، فلهذه المناسبة جمع بين المسأَلَتَيْنِ،

وكذلك المسأَلَتَانِ في الشَّرْط الأَوَّل، والتأقيت في قوله: "وقفت سنَةً" فصرَّح به، وفيما إذا قال: وقفتُ على فلان، واقتصر عَليْهِ، ضِمْنيٌّ، وأن للوقْف وراءَ انقطاع الآخر مع اتصال الأول أحوالاً وبالعكس أحوالاً: إحداها: أنْ يكونَ متصل الأوَّل والآخرِ والوَسَط، فهو صحيحٌ.
والثانيةُ: أنْ يكونَ منْقَطِعَهَا جَمِيعاً، فهو باطلٌ.
والثالثة: أنْ يكونَ متَّصِلَ الطرفَيْن، منقطعَ الوَسَط، كما إذأن وقَف على أولادِهِ، ثم عَلَى رجُلٍ، ثم على الفُقَراءِ, فترتَّب عَلَى منقطِعِ الآخِرِ، إن صحَّحناه، فهذا أولَى، وإلاَّ، فوجهان: أصحُّهُمَا: الجوازُ، ويُصْرَف عند توسُّطِ الانقطاع إلى أقرب النَّاسِ إلى الوَاقِف، أو إلَى المَسَاكِين، أو إِلَى المصالح العامة أو إلى الجِهَة العامَّة المذَكُورة في الوقْف آخِراً فيه الاختلافات السابقة.
والرابعةُ: أنْ يكونَ منْقَطِعَ الطرفَيْن معلومَ الواسط، كما إذا وقَف عَلَى رجل، ثم عَلَى أولاده، واقْتَصَرَ عَلَيْه، فترتب عَلَى منقطِعِ الأوَّل، إنْ لم نصحِّحه، فهذا أوْلَى، وإنْ صحَّحناه، فوجهان: أظْهَرُهُمَا: البُطْلانُ، وبتقدير الصِّحَّة إلَى من يُصْرَف؟ فيه الخلافُ السَّابق، أو جميعُ هذه الأحوالِ فيما إذا انقرض الواقِفُ المصرف وإلاَّ فسيأْتِي.
وقوله في الكتاب: "فإنْ صحَّحناه، فإذا وقَف عَلَى عبدْه... " إلى آخر لفْظه، فإن صحَّحناه لغو وليس المذكورُ مُفَرَّعاً على الصَّحِيح، ولو طَرَحه، وقال: إذا وقَف عَلَى عبْدٍ لحصل الغَرَضُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالثَةُ: الإِلْزَامُ فَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنِّي بِالخِيَارِ في الرُّجُوعِ عَنْهُ وَرَفْعِ شَرَائِطِهِ فَسَدَ (و) الوَقْفُ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ الخِيَارَ في تَفْصِيلِ الشَّرْطِ مَعَ بَقَاءِ الأَصْلِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ شَرَطَ أَلاَّ يُؤَاجَرَ الوَقْفُ اتَّبعَ شَرْطُهُ، وَقِيلَ: لاَ يُتَّبَعُ إِلاَّ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى السَّنَةِ، وَلَوْ خَصَّصَ مَسْجِداً بِأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَالحدِيثِ لَمْ يَخْتَصَّ (و)، وَلَوْ خَصَّصَ المَدْرَسَةَ وَالرِّبَاطَ جَازَ، وَلَو خَصَّصَ المَقْبَرَةَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ (و).
قالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل ثلاثُ مَسَائِلَ: المسألة الأولَى: الوَقْفُ بشَرْط الخيارِ باطلَ كالعِتْقِ والصَّدَقة، وكذا لو قال: وقَفْتُ بشَرْط أنْ أبيعَه، أو أرجعَ فيه متَى شئْتُ، واحتجُّوا له بأنَّ الوقفَ إزالة ملْكُ إلى الله -تعالَى- أو إلى المَوْقُوف عليه؛ كالبيع والهبة، وعلى التقدْيرَيْن، فهذا الشَّرْطُ مُفْسِدٌ،

لكن في فتاوى القَفَّال: أنَّ العِتقَ، لا يَفْسُدُ بهذا الشَّرْط، وفَرَّقَ بيْنَهما بأنَّ العِتْقَ مَبْنيٌّ على الغَلَبَة والسِّراية.
وعن ابن سُرَيْج أَنَّه قال: يحتمل أنْ تبطلَ الشُّروط، ويصحُّ أصل الوقْف، ولو وقَف عَلى ولده أو غيره بشَرْط أن يرجع إلَيْه، إذا مات، فعن البُويْطِيِّ أنَّهُ على القولين؛ أخْذاً من مسألة العُمْرَى، والمذهَبُ البُطْلاَن.
ولو وقَفَ، وشَرَط لنَفْسِهِ أنْ يحرمَ من شاء، ويزيدَ مَنْ شاء، أو يقدِّم أو يؤخِّرَ، ففي صحَّة شرْطِه وجهان: أصحُّهُمَا: المَنْعُ؛ لأنَّ وَضْعَ الوقْف على اللزوم، وإذا كان الموقوفُ علَيْه يتعرض للسقوط فلا لزوم.
والثاني: وبه قال ابْنُ القَطَّانِ: أنَّه يصحُّ، كما لو شرط صَرْفَ الرِّيع مدَّةً إلى هذا، ومدَّةً إلى هذا.
قال الإمامُ: وموضِعُ الوجهَيْن ما إذا لَزِم الوقْفُ بالشَّرط المذكور.
أمَّا إذا أطلقه، ثم أراد أنْ يغيِّر ما ذكره بِحِرْمَان أو زيادةِ مستَحَقٍّ، أو تقدم أو تأخرٍ، لم يجد إلَيْه سَبِيلاً.
قال: وإذا صحَّحنا شرْطَه لنَفْسِه، فلو شرَطَه لغيره، فوجهان: أصحُّهُمَا: الفسادُ، وإن أفسدناه، فِفي فسادِ الوَقْف به خلاف مبنيٌّ على أنَّ الوقْفَ؛ كالعِتْق أم لا؟.
هذا ما وجدتُّه فيما يَحْضُرُني الآن مِنْ كتُب الأصحاب، وجواب عامَّتهم بطلانُ الشَّرْط والوَقْف في الصُّوَر جميعاً، ورتَّب صاحِبُ الكتاب هذه الصُّوَر في "الوسيط" على ثلاثِ مرَاتِبَ: إحداها: أن يقُولَ؛ وقَفْتُ بشَرْط أن أرْجِعَ متى شِئْتُ، أو أحرم المستَحِقَّ، وأحوِّل الحقَّ إلى غيره، متَى شئْتُ فهو فاسد.
والثانيةُ: أنْ يقولَ: بشَرْطِ أنْ أغيِّر مقادير الاستحقاقِ بحكم المصْلحة، فهو جائزٌ.
والثالثةُ: أنْ يقولَ: أُبْقي أَصْلَ الوَقْفِ، وأُغيِّر بفَضْله، ففيه وجهان.
وقوله ههنا: "ورفع شرائطه" يُشْبه أن يريد به التحوُّل من شخْص إلى شخص، أو جهةٍ إلى جهةٍ الذي عده من المرتبة الأولَى، وحكم فيها بالفَسَاد.
واعْلَمْ أنَّ الترتيبَ الَّذي ذكره لا يكادُ يوجدُ لغيره، ثم فيه لَبْسٌ، فإنَّ التَّحْويلَ مِنْ مستحقٍّ إلى مستحقٍّ المعدود في المرتبة الأولَى، وتعتبر مقاديرُ الاستحقاقِ الذي جعلَه مثالاً للثانية، كلُّ واحد منهما مندرجٌ فيما جعله موضِعَ الوجهين، وهو إبقاءُ أصْلِ الوقْف، ويعتبر تفصيله ويجوزُ أن يُعْلَمَ قولُه في الكتاب: "فسَدَ الوَقْف" بالواو؛ لما قدَّمناه.

المسألةُ الثانيةُ: لو شَرَط الواقِفُ إلاَّ يؤَاجَرَ الوقْفُ، ففيه ثلاثة أوجه: أظْهَرُهَا: ما ذكره الإمَامُ وصَاحِبُ الكتابِ؛ أنَّه يتبَعُ شَرْطَه، كسائر الشُّروط؛ لما فيه من وجُود المَصْلَحة.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنَّه يتضمَّن الحَجَرْ عَلَى مستحقِّ المنفعة.
والثالث: الفرق بيْنَ أنْ يمْنَعَ مطْلقاً، فلا يتبع أو الزِّيَادة عَلَى سَنَةٍ، فيتبع لأنَّه لائقٌ بمصلحة الوقْف، وهذا يتفرَّع على أنَّ منَ الإجَارَة في الوقْف لا تتقدر كمدة إجارة المِلْك؛ على الصَّحيح، وفيه شيْءٌ قد مرَّ في "باب الإجارة" وإذا أفْسَدْنا الشَّرْط فالقياس فسادُ الوقْف به، لكن ذكر الشيخُ أبو عاصِم العبَّاديُّ في "زياداته" أنَّه إذا شرط إلاَّ يؤجر أكثر من سنةٍ لم يخالَفُ، ثم حكَى وجْهاً أنَّهُ لو كان الصَّلاحُ في الزيادة زِيدَ، وهذا قولٌ بالصِّحَّة مع فَسَاد الشَّرْط 1. المسألةُ الثالِثَةُ: إذا جعل دارَهُ مَسْجداً، أو أرْضَهُ مقبرةً، أو بنَى مدرسةً، أو رباطاً، فلكلِّ واحدٍ أن يصلِّيَ ويعتكفَ في المَسْجد، وَيدْفِنَ في المقْبَرة ويسكن المدْرَسة بشَرْط الأهليَّة، وينزل الرباط، ولا فَرْق فيه بيْن الواقف وغيره، ولو شرَط في الوقْف اختصاصَ المسْجِد بأصحاب الحَدِيث أو الرأْيِ أو بطائفةٍ معلومِين، فوجهان: أحَدَهُمَا: أنَّ شرْطَه غَيْرُ مُتَّبَع؛ لأن جعل البقعة مسجداً كالتحريم فلا معنى لاختصاصه بجماعة وعلَى هذا، قال في "التتمة": يفْسُد الوقْفُ لفَسادِ الشرط.
والثاني: يتبع، ويختصّ بهم؛ رعايةً لشرط الواقف، وقطْعاً للنزاع في إقامة الشعائر، ويشبه أن تكونَ الفَتْوَى بهذا، وإن كان المذكُور في الكتاب الأوَّل 2.

ثم هذا الخلافُ فيما إذا وقَف دَاراً على أن يصلِّيَ فيها أصحابُ الحَدِيثِ، فإذا انْقَرَضَوا، فعلَى عامَّة المُسْلِمِين.
أمَّا إذا لم يتعرَّض لانقراض، فقد تردَّدوا فيه 1. ولو شرط في المدْرَسَة والرِّباط الاختِصَاصَ، اتَّبعَ شَرْطُه، ولو شَرَط في المقبرة الاختصاصَ بالغُرَبَاء، أو بجماعة معيَّنِين مخصوصِينَ، فالوجْه أنْ تُرتَّبَ على تخصيصِ المسْجِد، إن قلْنا: يختصُّ فالمقبرة أولَى، وإلاَّ فوجهان؛ لترددها بين المدرسةِ والمسْجِدِ.
والثاني: أظْهَرَ؛ فإنَّ المقابر للأموات كالمساكِينِ للأحياء، وفيما ذكرنا ما يعرِّفك أنَّ قولَه: "ولو خصص مسْجداً" ليس المرادُ منه التخصيصَ بعْد صيرورة البُقْعَة مسْجِداً، فذاك مما لا عِبْرة به بحالٍ، وإنَّما المراد منه شرط الاختصاص عنْد جعْل البقعةِ مسْجداً، وكذا القولُ في تخصيص المدرسة والمقبرة، واعْلَمْ أنَّ المسألتَيْن الأخيرتين لا تعلُّق لهما بترجمة هذا الشَّرْط، وهو الإلزامُ، ولا اختصاصَ لهما بهذا الموضَع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ: بَيَانُ المَصْرِفِ وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: وَقَفْتُ لَمْ يَصِحَّ (م) عَلَى الأَظْهَرِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ ثُمَّ يُصْرَفُ إِلَى أَهَمَّ الخَيْرَاتِ كَمَا ذَكَرنَا في مَصْرَفِ مُنْقَطِعِ الآخِرِ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ وَبَعْدَهُمَا عَلَى المَسَاكِينِ فَمَاتَ أَحَدَهُمَا فَنَصِيبُهُ لِصَاحِبِهِ أوِ لِلْمَسَاكِينِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَو رَدَّ البَطْنَ الثَّانِيَ وَقُلْنَا: يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ فَقَدْ صَارَ مُنْقَطِعَ الوَسَطِ فَفِي مَصْرَفِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُصْرَفُ إلَى الْجِهَةِ العَامَّةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ انقِرَاضِهِمْ فِي شَرْطِ الوَقْفِ، وَقِيلَ: يُصْرَفُ إِلَى البَطْنِ الثَّالِثِ وَيُجْعَلُ الَّذينَ رَدُّوا كَالمَعْدُومِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل ثلاثُ صورٍ لاختصاص الأخيرتَيْنِ به عَلَى نَحْوِ ما ذكَرْنا في الفصل السَّابق: الصورةُ الأُولَى: لو قال: وقَفْتُ كذا، واقتصَرَ علَيْه، فقولان: أصحُّهما: عند الأكثرين: البُطْلاَن، كما لو قال: بعْتُ دارِي بعَشَرة أو رهنتها 2، ولم يقُلْ لمن؛ ولأنَّه، لو قال: وقَفْتُ عَلَى جماعةٍ، لم يصحُّ؛ لجهالةِ المَصْرَف، فإذا لم يذكُرِ المصْرَف أصلاً، فأَوْلَى ألاَّ يصحَّ.
والثاني: يصحُّ، وإليه مَيْلُ الشيخ أبي حامد، واختارَهُ صَاحِبُ "المهذب" والقاضي الرُّويانيُّ؛ لأنَّهُ قصدَ القربة، فإن لم يبين المَصْرَف، فأشبه ما إذا قال: لِلَّهِ عليَّ أنْ

أتصدَّقَ بكذا، أو أُهْدِيَ هَدْياً، ولم يبيِّن المصْرَف، واحتجُّوا لهذا القَوْلِ بأنَّه لو قال: أوصَيْتُ بثلث مالِي، واقتصَرَ علَيْه، تصحُّ الوصيةُ، ويُصْرَفُ إلى الفقراء أو المساكِينِ، وهذا، إنْ كان متَّفَقاً علَيْه، فالفرقُ مشكِلٌ، وُيعْزَى القولان في المسألة إلى نصِّه في "حرملة"، وبعضُهم يَحْكِي الخلافَ في المسألة وجْهَيْن 1. وإذا قلْنا بالصحة، ففي مصرفه [الخلافُ المذكورُ في منقطع الآخر، إذا صحَّحناه، وعن تخريجِ ابنِ سُرَيْج أن المتولِّيَ يصْرِفُه] 2 إلى ما يراه من وجوه البرِّ؛ كعمارة المساجد، والقناطر، وسدِّ الثغور، وتجهيزِ المَوْتَى، وغير هذا.
الصورةُ الثانيةُ: وقَفَ عَلَى شخصَيْن، ثم عَلَى المساكين، فماتَ أحدهما، حكَى الأئمةُ في نصيبه وجهين: أَظْهَرْهُمَا: ويحكَى عن نصِّه في "حرملة" أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى صاحبه؛ لأنَّ شَرْطَ الانتقال إلى المساكين انقراضُهما جَمِيعاً، ولمْ يوجَدْ، وإذا امتنع الصَّرْف إليهم، فالصرفُ إلَى من ذكره الواقف أَوْلَى.
والثاني: عن أبي عليٍّ الطبريِّ: أنَّه للمساكين، كما أنَّ نصيبهما، إذا انقرضا، للمساكين، والقياسُ وجهٌ ثالث؛ وهو ألاَّ يُصْرَفَ إلَى صاحبه ولا إلى المساكين، ويقال: صار الوقْفُ في نصيب الميِّت منقطعَ الوَسَط، ولو وَقَف على شخَصيْن، ولم يذكْرُ من يَصْرِف إلَيْه بعْدَهما، وصحَّحنا الوقْف المنقطع الآخر، فمات أحدهما، فنصيبُه للآخَرِ، أو حُكْمُه حكم نصيبهما، إذا ماتا، فيه وجهان.
الصورةُ الثالثةُ: لو وقَف علَى البُطُون، فردَّ البطن الثاني، وقلْنا يرتدُّ بردِّهم، فهذا وقْفٌ منقطعُ الوَسَط، وقد سَبَق ما فيه من الاختلافات.
ومنها ما خصَّه بالذكر ههنا، [وهو الصَّرف إلى الجهة العامَّة المذكورة بعْد انقراض البُطُونَ جَمِيعاً، وإنَّما احتاجَ صَاحِبُ الكتاب إلَى تخصيصه بالذِّكر] 3 لأنَّ قولَه: وفي مَصْرَفِه ما ذكَرناه أراد ما ذكره في منْقَطِعَ الآخِرِ، وهذا القول لا مجالَ له هُناك.
وفي المسْألة وجْهٌ أو قولٌ آخَرُ: "أنَّه يُصْرَفُ إلى البطن الثالِثِ، ويقَدَّر البَطْن الثانِي معْدومين.
ويجوز أن يُعْلَمَ قوله في الكتاب: "فلو اقتصر على قوله: وقَفْتُ، لم يَصِحَّ" بالميم والألف؛ لأنَّ الروايةَ عنْهما الصِّحَّةُ، والله أعلم.

البَابُ الثَّاني في حُكْمِ الوَقْفِ الصَّحيحِ،

وَفِيهِ فَصْلاَنِ قَالَ الغَزَالِيُّ: الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي أُمُورٍ لَفْظيَّةٍ فَإذَا قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي وأوْلادِ أَوْلاَدِي فَهُوَ لِلتَّشْرِيكِ وَلاَ يُقَدَّمُ البَطْنُ الأَوَّلُ إلاَّ بِشَرْطٍ زَائِد، وَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلاَدِي لَمْ يَدْخُلُ الأَحْفَادُ، وَدَخَلَ البَنَاتُ وَالخَناثى، وَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى البَنَاتِ أَوْ عَلَى البَنِينَ لَمْ تَدْخُلُ الخَنَاثَى، وَلاَ يَدْخُلُ تَحْتَ الوَلَدِ الجَنِينُ وَلاَ المَنْفِيُّ (و) بِاللِّعَانِ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى ذُرِّيَّتي أَوْ نَسْلِي أَوْ عِقْبي دَخَلَ (م) الأَحْفَادُ، وَلَوْ قَالَ: عَلَيَ المَوَالي وَلَهُ الأَعْلَى وَالأَسْفَلُ فَهُوَ فَاسِدُ لِلاحْتِمَالِ، وَقِيلَ: يُوَزَّعُ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالأَعْلَى لِعُصُوبَتِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا صحَّ الوَقْفُ، ترتب عليه أحكامٌ: منْها: ما يَنْشَأُ من اللفْظ المُسْتَعْمَل في الوقْف، ويختلف باختلافِ الألفاظ.
ومنْها: ما يقتضيه المعْنَى فلا، يختلف باختلافِ الألْفَاظ فالكلامُ في فصلَيْنِ: الفصْل الأوَّلُ: في الأحْكَام اللفظيَّة، نشْرَحُ من صورها ما في الكتاب، ونضمُّ إليه ما يتَّفِقُ.
والأصل فيها أنَّ شروط الواقِفِ مَرْعِيَّةٌ ما لم يكن فيها ما ينافي الوقْفَ ويناقِضِه، وعلَيْه جرتْ أوقاف الصَّحابة؛ وقف عمر -رضي الله عنه- وشرط أَنْ لاَ جناح عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أنْ يأكلَ منْها بالمَعْرُوف، وأنْ تَلِيَهَا حفْصَةُ في حَيَاتِها، فإذا ماتَتْ، فذوي الرأْي من أهلِها 1. ووقفت، فاطمةُ -رضي الله عنها- لنساءِ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- ولفقراءِ بَنَي هَاشِمٍ أو بَني المُطَّلب 2. إذا عرفْتَ ذلك، فمما يجب رعايته النَّظَر، فيما يقتضي الجَمْعَ والتَّرتِيْب.
فلو قال: وقفت علَى أولادي وأولادِ أولادِي، فلا ترتيبَ، بل يُسوَّى بين الكُلِّ، ولو زاد، وقال: ما يتناسلون أو بطْناً بعدْ بطْنٍ، فكذلك، وَيُحْمَلُ على التعميم.
وعن الزيادِيِّ أن قوله: بطناً بعد بطْنٍ، يقتضي التَّرْتيب، وبه أجاب بَعْضُ أصْحاب الإمام.
ولو قال: علَى أولادي، ثم علَى أولادِ أولادِي، ثم على أولادِ أولادِ أولادي ما تناسَلُوا أو بطنَاً بعد بطْنٍ، فهو للتَّرتْيب 3، ولا يُصْرَف إلى البطن الثاني شيْءٌ ما بقي من

البطْن الأوَّل أحد، ولا إلى الثالثِ ما بَقِيَ من الثاني أحدٌ، هكذا أطلقه الجمهورُ، والقياس فيما إذا ماتَ واحدٌ من البطن الأوَّل أن يجيء في نصيبه الخلافُ المذْكُور في ما إذا وقَف عَلَى شخصَيْن أو جماعةٍ، ثم عَلَى المساكِينِ، فمات واحدٌ إلَى من يُصْرَف نصيبُهُ، ولم أر له تعرضاَ إلاَّ للشَّيْخ أبي الفرج السَّرْخَسِيِّ، فإنَّه سَوَّى بيْن الصورتَيْنِ، وحكَى فيهما وجهَيْن، لكنْ رواهما عَلَى نسَقِ آخَرَ؛ فقال: أحد الوجهين أنَّ نصيبَ الميِّت لصاحبه.
والثاني: أنَّهُ لأقرب النَّاسِ إلَى الواقف، وهذا إِشارةٌ إلَى ما ذكرنا أنَّهُ القياسُ في تلْكَ الصُّورة، ثم رأيتُ لصاحب "الإفصاح" أنَّهُ يُصْرَفُ إلَى أقربِ النَّاسِ إلى الواقف ذَكَرَهُ في "كتاب الشهادات" 1. ولو قال: علَى أولادي، وأولادِ أولادِي الأعلَى فالأعلَى، أو الأقربِ فالأقْرَبِ، أو الأوَّلِ فالأوَّلِ، فيقْتَضِيه التَّرتيبُ أيْضاً، وكذا لو قال: عَلَى أولادي، وأَولادِ أوْلادَي عَلَى أنْ يبدأ بالأعلَى منْهم، أو على ألا حقَّ لبطنِ، وهناك معّ فوقهُمْ.
ولو قال: فَمَنْ مات من أولادِي، [فنصيبه لولده، اتُّبع شرطه.
ولو قال: عَلَى أولادِي]، ثم عَلَى أولادِ أولادِي وأولادِ أوْلادِ أوْلاَدِي، فيقتضيه الترتيب، بين البَطْن الأوَّل ومَنْ دونَهم والجمع بين من دونهم.
= قال في الخادم: إن الذي جزم به المارودي والبندنيجي والقاضي حسين في فتاويه والروياني والإمام والغزالي وصاحب الذخائر أن ذلك للترتيب.
قال الأسنوي: والرافعي لم يمحن النظر في هذه المسألة، فإنه نقل الترتيب عن بعض أصحاب الإمام وهو مقطوع به في كلام الإمام نفسه.
ثم قال الأسنوي: وما ذكره الشيخان من اقتضاء التسوية باطل من جهة البحث أيضاً، فإن لفظه بعد في اقتضاء الترتيب أصرح من ثم والفاء وغيرهما وقد جزما فيهما باقتضاء الترتيب، فما نحن فيه أولى.
قال ابن العماد: ما قاله الأسنوي من أن بعد أصرح من ثم والفاء في الترتيب خطأ مخالف لنص القرآن العظيم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾.
قال المفسرون: أي مع ما ذكر من أوصافه زنيم، واستدل بغير ذلك من القرآن ومن كلام العرب.
والمقصود من ذلك إنما هو إظهار الحق؛ لأن العلماء أئمة الهدى وبهم نقتدي فلا يظن فيهم غير ذلك، فظهر بهذا أن ما جرى عليه الشيخان هو المعتمد.

ولو قال: عَلَى أولادِي وأوْلاَدِ أوْلادِي، ثم عَلَى أولادِ أوْلاَدِ أولادِي، مقتضَاه الجمعُ أولاً، والترتيبُ ثانياً.
ولو قال: علَى أولادِي، وأوْلاَدِ أَوْلاَدِي، ومن، ماتَ منْهم، فنصيبُه لأولادِهِ، فإذا ماتَ واحدٌ، كان نصيبُهُ لأولاده خاصَّةً، ويشاركون الباقِين فيما عدا نصيبَ أبِيهِمْ 1. ومن الصّور المذكورةِ في الكتَاب: إذا وقَفَ عَلَى الأَوْلاد، هل، يدخل فيه أَوْلاَدُ الأولادِ؟ فيه وجهان: أصحُّهُمَا: وهو، المذكور في الكتابِ لا؛ لأنَّهُ يقع حقيقةً عَلَى أولاد الصُّلْب؛ ألا تَرى أنَّه ينتظم أن يُقَال: ليْسَ هذا وَلَدَه، وإنَّما هُوَ وَلَدُ وَلَدِهِ؟ والثاني: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: 27].
وفي "النهاية" ترتيب الخلاف في أولاد البنات علَى الخلاف في أولادِ البَنِينَ، وأولَى بعدم الدُّخُول؛ لأنَّ انتسابَهَم إلَى آبائهم، وهذا الخلافُ عند الإطْلاَق، وقد يقترن باللفظ ما يقتضي الجزمَ بخُرُوجهم، كما إذا قال: وقفتُ عَلَى أولادي، فإذا انقرضوا، فلأحفادِي الثُّلُثُ، والباقي للفقراءِ.
وكذا لو وَقَفَ علَى الأولاد، ولم يكنْ له إلاَّ أولادُ الأَوْلاَدِ.
ففي "التتمة" وغيرِها أنَّه يَجْعَلُ اللفْظُ عليهم؛ صيانةً لكلامِ المكلَّف عن الإلْغَاء 2، ويجْرِي الخلافُ فيما إذا وقَف عَلَى أولاده، وأولادِ أولادِه، هل يدخل أولاد

أولادُ الأولادِ؟ ويدخل في الوقْفِ علَى الأولاد البنُونَ والبناتُ والخَنَاثَى المُشْكِلُونَ، ولا يدْخُل الخناثَى في الوقْف على البَنِينَ، وفي دخول بني البنينَ والبَنَاتِ الوجهانِ، ويوجَّه دخولُ بني البناتِ بقَوْله -صلى الله عليه وسلم-[في الحسن] بن عليٍّ -رضي الله عنهما-: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ" 1 ومنهم من خصَّص الوجْهين ببني البَنِينَ، وجزم بأنَّ بني البناتِ لا يدْخُلُون فيه، ولو وقَف على البناتِ لَمْ يدخل الخَنَاثَى، وفي دخُول بناتِ الأوْلاَد وجهان.
ولو وقَف علَى البنينَ والبَنَاتِ، فأصحُّ الوجْهَيْن دُخُولُ الخُنْثَى في مثْل هذا لأنَّهُ لا يَخْرُج عن الصنفين.
والثاني: المنعُ؛ لأنَّه لا يُعدُّ من هؤلاء، ولا مِنْ هؤلاء.
ولو وقَف عَلَى بني تميمٍ، وصحَّحنا مثْل هذا الوقْف، ففي دخول نسائِهِم وجهان: أحدُهُمَا: المَنْعُ، كما لو وقَف عَلَى بني زيد.
وأشبههما: الدُّخُول؛ لأنَّه يُعَبَّرُ به عن القبيلة والمستحِقُّون في هذه الألفاظ، لو كَانَ أحَدُهُمْ حملاً عند الوقْف، هل يدْخُلُ حتى يُوقَفَ له شيْءٌ؟ حكَى صَاحِبُ "التتمة" فيه وجهَيْنِ: أحدُهُمَا: نعمَ، كما في الميراثِ، وَيَستحق الغلَّة لمدة الحمل.
وأصحْهُمَا: لاَ؛ لأنَّهُ قبل الانفصالِ لا يُسَمَّى ولداً، وهذا ما ذكَرَه في الكتاب.
وأمَّا غلَّةُ ما بعد الانفصالِ، فإنَّهُ يستحقُّها وكذا الأولاد، الحادث علوقُهُمْ بعْد الوقْف يستحقُّون إذا انفصلوا.
هذا هو المشهورُ في الكُتُب، وفي "أَمَالي" أبي الفرج السَّرْخَسِيُّ خلافٌ 2، والمنفيُّ باللعان لا يَسْتَحِقُّ شيئاً؛ لانقطاع نسَبِهِ وخروجِهِ عَنْ أن يكون وَلداً.
وعن أبي إِسْحَاقَ أنَّه يستحقُّ، وأثر اللعان مقْصورٌ على الملاعِنِ 3.

ولو وقَفَ عَلَى أولادِهِ وأولادِ أولادِهِ، دخل فيه أولادُ البَنِينَ والبَنَاتِ، خلافاً لمالك وأحمد في أولاد البنات.
فإن قال عَلَى من يُنْتَسَبُ إِلَيَّ مِنْ أولاد أولادِي، خرج أولاد البناتِ، وحكَى القاضي ابْنُ كجٍّ وجْهاً آخَرَ؛ أنَّهُمْ يدخلون؛ لِمَا مَرَّ من حديث الحسن -رضي الله عنه-.
ومنها: لو قال: وقَفْتُ على ذرِّيَّتي أو عَقِبِي أو نَسْلِي، دخل فيه أولادُ البنينَ والبناتِ قريبُهمْ وبعيدهمْ.
وعن مَالِكٍ وأحْمَدَ: أنَّ أولادَ البناتِ لا يدْخُلُون.
لنا قولُه تعالَى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: 84] إلى أن ذكرِ عيسَى، وليس هو إلاَّ ولد البنْتِ، وإذا حَدَثَ حمْلٌ، قال في "التتمة": يوقَفُ نصيبه؛ لأنَّهُ من نسْلِه وعَقِبِهِ لا محالَةَ.
ومنها: اسمُ المولَى يقع علَى المُعْتِقِ، ويقال: له المولَى الأَعْلَى، وعلى المُعْتَقِ ويقال له: المَوْلَى الأسْفَلُ، وإذا وقف علَى مواليه، وليس له إلا أحدهما فالوقف علَيْه، وإن وجدا جميعاً، ففيه أوجه: أحَدُهُمَا: ويُحْكَى عن أبي حنيفةَ واختيار ابنِ القَطَّان: أنَّه يصحُّ، ويقسم بينهما؛ لتناولِ الاسم لهما، وذكر في "التتمة" أنَّ هذا أَصَحُّ.
والثاني: أنَّه يَبطُل الوقْفُ؛ لما في المَصْرَف من الإبهام والإجْمَال، وامْتناع حمل اللفْظِ الواحِدِ علَى المعنَيَيْنِ المختلفَيْنِ، وهذا أرجَحُ عند صاحبِ الكتابِ.
والثالث: أنَّهُ للمُعْتِقِ؛ لأنَّهُ أنْعَمَ عَليه بالإعْتَاق، فهو أحقُّ بالمكافأة.
والرابع: حكاه المتولِّي: أنَّه للمعتق لاِطراد العادَة بإحْسَان السادة إلى العتقاء، ومِنْ أخواتها أنَّه لو وقَفَ عَلَى عِتْرته، فعَنِ ابْنِ الأعرابيِّ وثعلب أنهم ذرِّيَّته، وعن القتيبي أنهم عشيرتُه، ففيه وجهان للأصْحَاب: أظهرْهُمَا: الثاني، وقد رُوِيَ ذلك عن زَيدِ بْنِ أَرْقَمَ -رضي الله عنه 1 - ولو قال: عَلَى عشيرَتِي، فهو كما لو قال: قَرَابَتِي، وإذا قال: عَلَى قرابتي أو أقْرَبِ النَّاسِ إِلَيَّ، فعلى ما سَيَأْتي في الوصيَّة إنَّ شاء الله.

وفي "التتمة" أنَّه إذا قال: على قبيلتي أو عشيرَتِي، لم يدخُلْ فيه إلاَّ قرابةُ الأبِ، ثم إذا كانُوا غير محصُورِينَ في العادَةِ، فقد سبَق حكايةُ الخلافِ فيه.
والحادِثُون بعْد الوقْف يشاركون الموْجُودين عند الوَقْف.
وعنِ البُوَيْطِيِّ مَنْعُهُ، وُيرْعَى شرط الواقِف في الأقْدار وصفات المستحِقِّين، وزمان الاستحقاق، فلو وقَفَ على أولاده وشرط التَّسْوية، وتفضيل الذكْر على الأنْثَى كما في الميراث، أو بالعَكْس أو لتسوية، اتُّبع شرْطُه، وكذا لو وقَف على العُلَماء بشرط أن يكونوا عَلَى مذْهب كذا، أو على الفُقَراء بشَرْط الغُرْبة 1 أو الشَّيْخُوخة.
ولو قال: وقَفْتُ عَلَى بني الفقراء، أو عَلَى بناتِي الأَرَامِل، فمَنِ استغْنَى منهم، وتزوَّج منْهنَّ، خرج عن الاستحقاق، فإذا عاد فقيراً، أو طلَّقها زوْجُها، عاد الاستحقاق 2. وفي "الزيادات" للعبَّادِيِّ أنَّهُ لو وقف على أمهاتِ أَوْلاَده إلاَّ من تتزوَّج منْهن، فتزوجت، خرجَتْ، ولا يعود [على] الاستحقاق إذا طُلِّقَتْ، وُيشْبِه أنْ يُقَال: ليْسَ هذا وجْهاً مُخَالِفًا للأوَّل، وُيفْرَق بينهما، إمَّا من جهة اللفظ بأنَّ هناكَ أثبت الاستحقاق لبناتِهِ، إذا كنَّ أراملَ، وإذا طُلِّقَت، حصلت الصفة، وههنا أثبت الاستحقاق لها إلاَّ أن تتزوَّجَ، وهذه، طُلِّقَتْ، صَدق عليها أنَّها تزوَّجت.
وإمَّا من جهة المعنى، فإن غرض الواقف ههنا، إنَّ بقيَ له أمهاتُ أولاده ولا يختلف عليهنَّ غيره، فمنْ تزوَّجَتْ منْهِنِ، لم تكُنْ وافيةً، طُلِّقَتْ أو لم تُطَلَّقْ.
ولو شَرَطَ صرْفَ غلَّة السنة الأُولَى: إلى قوم، وغلة السنة الثانية إلَى آخرين، وهكذا ما بَقُوا، اتُّبعَ شرْطُه.
ولو قال: وقَفْتُ عَلَى أولادِي، فإذا انقرضَ أوْلاَدِي، وأولادِ أوْلاَدِي، فعلى الفُقَراء، فهذا وقْفٌ منقطِعُ الوسَط؛ لأنَّه لم يَجْعَلْ لأولاد الأولاد شيئاً، وإنَّما شرَطَ انقراضَهُم؛ لاستحقاق الفقراء، وفيه وجه: أنَّهُمْ يستحقُّون بعد انقراض أولادِ الصَّلْب؛ لأن اشتراط انقراضِهِمْ يشعر بإثبات الاستحقاق لهم.
ولو وقَف عَلَى بنيه الأربعة على أنَّ مَنْ مات منهم، وله عَقِبٌ، فنصيبه لعقبه، ومَنْ مات، ولا عَقِبَ له، فنصيبُهُ لسائر أرباب الوَقْف، ثم مات أَحَدُهم عن ابنٍ وآخر عن ابنين، وثالث، ولا عَقِبَ له، فيُجْعَل نصيب الثالث بيْن الرَّابع وابن الأول وابني الثاني بالسَّوِيَّة.

ولو قال: وقَفْتُ عَلَى بَنِيَّ الخَمْسَةِ، وعلَى مَنْ سيولد لي عَلَى ما سأفَصِّلُهُ، ثم فَصَّلَ وقال: صَنِيْعَة كذا لابْنِي فلان، وضيعة كذا لفُلاَنٍ، إلَى أنْ ذكر الخمسة، ثم قال: وأمَّا مَنْ سيُولَدُ لي، فنصيبُه إن مات من الخَمْسَة، ولا عَقِبَ له فيصرف حقه إلَيْه، فماتَ واحدٌ، ولا عَقِبَ له، وولد للواقف ولد يُصْرَفُ إليه نصيبُ مَنْ مات، ولم يعقب، وليس له أن يطلب شيئاً آخَرَ؛ لقوله أولاً: وَقَفْتُ على بَنيَّ، وعلَى مَنْ سيُولَدُ لي فإنَّ التيفصيل المذكور آخراً بيان لما أجْمَلَه أولاً، وقد جَرَتْ عادةُ الشُّروطِيِّينَ بمثله.
ولو قال: وقَفْتُ عَلَى سُكَّانِ موْضِع كذا، فغابَ بَعْضُهُمْ سنَةً، ولم يبعُ داره، ولا استبدَلَ داراً، لا يَبْطُل حَقُّه هكذا ذكره الَعَبَّادِيُّ.
ولو وَقَفَ عَلَى زيْدٍ بشرط أن يسكن موْضِع كذا، ثمَّ بعده على الفقراء والمساكين، فهذا وقْفٌ فيه انقطاعٌ؛ لأن الفقراء إنَّما يستحِقُّون بعد انقراضه، واستحقاقُهُ مشْروطٌ بشَرْطٍ قد يتخلَّف، والصِّفَةُ والاستثناءُ عَقِيبَ الجُمَلِ المعطوف بَعْضُها عَلَى بعْضِ يَرْجِعَان إلَى الكُلِّ.
مثالُ الصفة: وقفتُ عَلَى أولادي وأحفادِي وإخْوَتي المحاوِيجِ منهم.
ومثالُ الاستثناء: وقفتُ عَلَى أولادي وأحْفادِي وإخْوَتِي إلاَّ أن يفسق واحدٌ منهم، هكذا أطلقوه ورأى الإمام تقييدَهُ بقَيْدَيْن: أحدهما: أنْ يكون العَطْفُ بالواو الجامعةِ، فأمَّا إذا كان العطفُ بكلمةٍ, "ثم" قال: يختصُّ الصفة والاسشاء بالجملة الأَخِيرة.
والثاني: ألاَّ يتخلَّلَ بيْن الجملَتَيْنِ كلامٌ طويلٌ، فإنْ تَخَلَّلَ كما لو قال: وقفتُ عَلَى أولادِي عَلَى أنَّ مَنْ مات منْهم وأعْقَبَ [فنصيبه بيْن أولاده ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، وإنْ لم يُعْقِبْ] 1 فنصيبه للذين من درَجَته، فإِذا انقرضوا، فهو مصْرُوف إلَى إخوتي، إلاَّ أن يَفْسُقَ أحدُهُم، فالاستثناء يختص بالإخوة والصفة المتقدِّمة عَلَى جميع الجُمَل مثل أن يقول: وقفتُ عَلَى محاويج أولادِي، وأولاد أولادِي، وإخْوَتِي كالمتأخرة عنْ جميعها حتَّى يعتبر الحاجةُ في الكُلِّ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الفَصْلُ الثَّانِي في الأَحْكَام المَعْنَوِيَّةِ وَحُكْمُ الوَقْفِ اللُّزُومُ (ح) فِي الحَالِ وإنْ لَمْ يُضَفْ إِلَى مَا بَعْدَ المَوْتِ، وَتَأْثِيرُهُ إِزَالَةُ المِلْكِ وَحَبْسُ التَّصَرُّفِ عَلَى المَوْقُوفَ، ثُمَّ إنْ كَانَ مَسْجِداً فَهُوَ فَكٌّ مِنَ المِلْكِ كَالتَّحْرِيرِ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّن فَهُوَ مِلْكٌ (و) لِلْمَوْقُوفَ عَلَيْه، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةِ فَالمِلْكُ مُضَافٌ إِلَى الله، وَقِيلَ بِإِطْلاَقِ ثَلاَثةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أنَّهُ لِلوَاقِفِ (ح) وَلَمْ يَزَلْ مِلْكُهُ بِدَلِيل اتِّبَاعِ شَرْطِهِ.
وَالثَّانِي:

أنَّهُ لِلَّهِ (م و) إِذْ لاَ تَصَرُّفَ لأَحَدٍ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: أنَّهُ لِلْمَوُقُوفِ عَلَيْهِ (ح م) فإِنَّهُ المُتَصَرِّفُ بِالانْتِفَاع.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأحكام المعنوية: منْها اللزومُ في الحَال، سواءٌ أضافه إلَى ما بعد الموت، أو لم يُضِفْه، وسواءٌ سلَّمة أو لم يسلِّمه، وسواءٌ قَضَى به قاضٍ أو لم يَقْضِ 1، وعن أبي حنيفة -رضي الله عنه- أن الوَقْفَ كالعارية يَرْجِعُ عنْه، متى شاء إلاَّ أنَ يُوحِيَ به، فيلزم بعد الموت أو يَقْضِي به قاضٍ، فيلزم.
وعن أحمد روايةٌ: أنَّه لا يلزم إلاَّ بالتَّسْليم.
وإذا لَزِمَ، امتنعت التصَرُّفات القادحة في عوض الوَقْف، وشرْطُ الواقِفِ على الوَاقِف وعلَى غيره.
وأمَّا رقبةُ الوقْف، فالنصُّ هاهنا أنَّه مِلْكَ الواقِفِ يزُولُ عَنْها، وأنَّ الموقوف عليه لا يَملِكُها، وإنَّما يَمْلِكُ المنفعةَ، وذكَر في "الشَّهادات" أنَّ مدَّعِيَ الوقْفُ، إذا أقام شاهداً واحداً، حلف معه، وهذا يدلُّ على أنَّه يملك الوقْفَ، فللأصحاب في المسألة طُرُقٌ؛ اختصارها أن في طُرُقُ الواقف قولَيْن: أصحُّهُمَا: وهو المنصوصُ: أنَّه مِلْكَهُ يزولُ؛ لأنَّه تصرُّف يقطْعِ تصرُّفه في الرقبة، واستحقاقه المنفعةَ، فأشْبه العِتْقَ والصَّدَقة.
والثاني: وبه قال مالك: أنَّهُ لا يزولُ مِلْكُهُ؛ لأنَّ شرْطَهَ مُتَّبَعٌ، ولو زال، لَمَا اتَّبع، ويُحْكَى هذا عن اختيار القاضي الحُسَيْن، وأن ابن سُرَيْجٍ خرَّجه من نص الشافعيِّ -رضي الله عنه- في الوقْف المنْقَطِعِ؛ أنَّه يُصْرَفُ إلى أقربِ النَّاسِ إلى الوَاقِفِ ونَظَائِره.
وإذا قلْنا بالأوَّل، فإلي من ينتقل؟ أظهر الطُّرْق أنَّه عَلَى قولَيْنِ: وأصحُّهُمَا: وبه قال أبو حنيفة -رضي الله عنه- أنَّه ينتقل إلَى اللهِ -تعالى- كالعِتْق، ومعناه أنَّه ينفك عن اختصاصَاتِ الآدمِيِّينَ.
والثاني: وبه قال أَحْمَدُ: أنَّه ينتقلُ إلى المَوْقُوفُ علَيْه كالصَّدقة، وهذا مخرَّجٌ مأخوذٌ من النصِّ المذكور في "الشهادات".

والطريقة الثانية: القطْع بالأول، وثبوتُه بالشَّاهد واليمين؛ لأن المقصودَ منْه إظهارُ استحقاقِ المَنْفَعَة، لا لأنَّ الرقبةَ مِلْكٌ له.
والثالثة: عنْ روايةِ القاضِي أبي الطيِّب: القطْع بالقَوْل الثاني، وحمل ما ذكره هاهنا عَلَى أنَّه لا يملك البيع ونحوه من التصرُّفات، هذا كله فيما إذا وقَف عَلى شخْص معيَّن أو جهةٍ عامَّةٍ.
وأمَّا إذا جَعَلَ البُقْعةَ مَسْجِداً أو مقبرةً، فهو فكٌّ عن المِلْك؛ كتحرير الرقبة، فينقطع عنها اختصاصات الآدمِيِّين، وليْسَ ذلك موْضِعَ الخلاف.
وقوله في الكتاب: "وإنْ كان عَلَى مُعَيَّن... " إلى آخر الأقوال الثلاثة يخرَّج منه طريقتان: إحداهُمَا: أنَّه إذا وقَفَ عَلَى معيَّن، فهو مِلْكُ الموقوف علَيْه بلا خلاف، وإن وقَف على جهةٍ عامَّةٍ، فالمِلْكُ لله -تعالَى- بلا خلاف.
والثانية: أنَّ في الحالَتَيْنِ الأقوالَ الثَّلاثَة، ثم إنَّهُ اختارَ الطَّريقةَ الأُولَى، واستبعد نقل الملْك إِلَى الله -تعالَى- في الموقوف على المعيَّن؛ لأنَّه ليْسَ من القُرُبات، ونقل الملْك إلى الموقوف عليه في الجهات العامَّة؛ لأنَّ الوقف قد يكونُ على الرِّبَاطَاتِ، والقناطِرِ، وما لا يُنْسَب إليه ملْكٌ، هكذا وجِّه 1 في "الوسيط".
واعْلَمْ أنَّ عائشة الأصحاب ساكِتُون عن الطريقة الأُولَى، وعن الفَرْق بيْن أن يوقف على معيَّن أو على جهة عامَّة.
والأظهَرُ عندهم من الأقْوَال إضافةُ المِلْك إلى الله -تعالى- ولهم أنْ يقُولُوا في الجواب أمَّا أنَّ الواقف على المعيَّن، ليس من القُرُبَات، ففيه كلامٌ، وعلى التَّسْلِيم، فليس المعنَى، بكَوْن المِلك لله -تعالَى- سوى انفكاكِ المحلّ عن ملك الآدميِّين، واختصاصهم، وذلك لا يَتوقَّف على القُرْبة، وقصدها؛ ألا تَرَى أن الكافر إذا أعْتَقَ، صار العتق لله -تعالى- وإن لم يكنْ منه قربةً.
وأمَّا الثاني: فقد قدَّمنا أنَّ المسجد، والرِّباط قد يكون لهما مِلْكٌ، كما يكون عليهما وقْفٌ.
وقوله في الكتاب: "وقيل بإطلاق ثلاثة أقوال" لا يتعلَّق بقوله: "ثم إن قال مسْجِداً" بل الغرضُ منْه الإشارة إلَى حالَتَي الوقْف على المعيَّن، على الجِهَةِ العامَّة.
وقوله في أَوَّل الفَصْل: "وتأثيره إزالة المِلْك" الأشبهُ أن تعود الكتابة إلى اللُّزوم، يعني أنَّ تأثيرَ اللزومِ إزالةُ المِلْك، ثمَّ إنْ كان المرادُ منه ملك [الرقبة، ففيه الخلافُ المذكور من بعْدُ، وإن كان المرادُ ملْكَ] التصرُّف والمنفعة، فهو قريبٌ من قوله بعده:

"وحبس التصرُّف على الموْقُوف ويجوز أن يفسر قوله "وحبس التصرف على الموقوف" بقصر التصرُّف على ما يلائمُ غرَضَ الوَقْف، وينفع الموْقُوف عليه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَمْلِكُ المَوْقُوفُ عَلَيْهِ الغَلَّةَ وَالثَّمَرَةَ وَالصُّوفَ وَالوَبَرَ مِنَ الحَيَوَانِ وبَدَلَ مَنْفَعَةِ البُضْعِ وَالبَدَنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الوَطْءُ للشُّبْهَةِ، وَهَلْ يَمْلِكُ نَتَاجَهُ؟ فِيهِ خَلاَفٌ لأَنَّهُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ وَلَدِ الضَّحِيَّةِ وَهُوَ ضَحِيَّةٌ وَبَيْنَ لَبَنِ الحَيَوَانِ المَوْقُوفِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قاعدةُ الفَصْل أنَّ فوائدَ الوقْف ومنافَعه للموْقُوف علَيْه يتصرَّف فيها تصرُّفَ المُلاَّكِ في الأملاك، فإنَّ الوقْفَ كذلك يَنْشَأُ، ويفصِّلُها أنَّ الوقْفَ، إنْ كان شجرةً، ملَكَ الموقُوفُ علَيْه ثمارَهَا، لا يَمْلِكُ أغصانها، إلا فيما يعتادُ قَطْعَه؛ كشَجَرة الخلاف فأغصانها كثمارِ غيرها 1. وإن كان الوقْفُ بهيمةً، مَلَكَ الصوفَ والوَبَر واللَّبَن، وفي النِّتَاج وجهان: أظْهَرُهُمَا: أنَّ يملكه أيضاً؛ كاللبن والثمرة.
الثاني: لا، بل يكون وَقْفاً؛ تَبَعاً للأُمِّ، كما أن ولد الأضحيَّة يكون أضحيَّة، وبالأول قطعَ أبو الفَرجِ السَّرْخَسِيُّ في النّعم.
وقال: فإنَّ المطلوب منْها الدَّر والنَّسْل، والوجهان في ولَد الفَرَس والحِمَار.
وحكى فيه وجهاً ثالثاً ضَعِيفاً؛ أنَّهُ لا حقَّ فيه للموقوف علَيْه، بل يُصْرَفُ إلَى أقْرَبِ النَّاسِ إلى الواقف إلاَّ إذا صرَّح بخلافه، وهذا الخلافُ في النِّتَاج الحادث بعْد الوقْف، فإن وقف البهيمةَ، وهي حاملٌ، وقلْنا: إنَّ الحادثَ بعْد الوقْف وقْفُ، فههنا أَوْلَى، إلاَّ، فوجهان بنَاءً عَلَى أنَّ الحمل، هَلْ له حُكْمٌ؟ وما ذكَرْناه في الدَّر والنسل مفروضٌ فيما إذا أطْلَقَ، أو شرطهما للمَوْقُوف عليه أمَّا إذا وقَفَ الدَّابَّةَ عَلَى ركوب إنْسَانٍ، ولم يشترط له الدّر والنّسل.
قيل: حكم الذّرّ والنسل حكم وقف منقطع الآخر.
وقال صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ": ينْبَغِي أن يكون للواقِفِ، وهذا أَوْجَهُ؛ لأنَّ الدَّر وَالنسلَ

لا مَصْرَفَ لهما أوَّلاً ولا آخِرَاً، بلْ هما غَيْرُ داخلَيْنَ في الوقْف، ونظيرُ المسألة في أنَّ الوقْف لبَعْضِ المنافع، والفوائد خاصَّةً، هل يجوز؟ لجوازه شواهدُ نذْكُرها علَى الأثر، وأيْضاً، فقد ذكروا أنَّه لو وقِفَ ثور؛ للإنزاء، جاز، ولا يجوز استعمالُهُ في الحراثة.
ولا يجُوز ذَبْحُ البهيمةِ المَوْقُوفةِ المأكولةِ، وإنْ خرجَت عن الانتفاع، كما لا يجوزُ إعتاق العَبْد، لكن إذا صارت بحيث يَقْطَع بمَوْتها, لو لم يُذْبَح.
قال في "التتمة": يجُوزُ ذبْحُها للضرورة، ويباعُ اللَّحْمُ في أحد الطريقَيْن، وَيشْتَرِيَ بثمنه 1 بهيمةً من جنْسِها وتُوقَفُ.
وفي الثاني: إنْ قُلْنا: إنَّ المِلْكَ في الوَقْف لله -تعالَى- فعلى الحاكم ما يرى فيه المصْلحة.
وإن قلْنا: للواقف أو للموقوف علَيْه، صرف إليْهما، وإذا ماتت البهيمةُ الموقوفةُ فالمَوْقُوفُ علَيْه أَوْلَى بجلدها، وإذا دبغه، ففي عَوْدِهِ وقْفاً وجْهَانِ.
قال في "التتمة": الظاهرُ العَوْدُ.
والمنافعُ المستحَقَّة للموْقُوف علَيْه يجوز أنْ يستَوْفِيَها بنَفْسه، ويجوز أن يقيم غيره مقامَه بإعارة منْه، أو بإجارةِ، وتُصْرَف الأُجْرَةُ إِلَيْه, هذا إذا كان الوَقْفُ مُطْلَقاً.
أمَّا إذا قال: وقَفْتُ دارِي؛ ليسكُنَها من يُعَلِّم الصبيانَ في هذه القَرْيَة، فللمعلِّم أن يسكنها, وليس له أنْ يُسْكِنَ غيره بأُجْرَةٍ، ولا بغَيْر أُجْرةٍ 2. ولو قال: وقفْتُ داري عَلَى أنْ تستغل، وتُصْرَفُ غلَّتُها إلَى فلان، تَعيَّن الاستغلالُ، ولم يجز له أنْ يَسْكُنَهَا كذا ذكرت الصورتان فيما جُمِعَ من فتاوى القَفَّالِ وغَيْره وفيهما تخصيصُ بعْضِ المنافِع والفوائِد بالوَقْف، وفي الوقْفِ المطْلَق، لو قَالَ الموقُوفُ علَيْه؛ أَسْكُنِ الدار، فقال القَيِّمُ: أكريها؛ لأصْرِفَ الغلَّة إلَى مرمتها، فله أنْ يكري 3. ومتى

وجب المَهْرُ بوطْء الجارية المَوْقُوفة، فهو للموقُوفِ علَيْه، كاللبن والثمرة؛ لأنَّهُ من الفوائد، وهو المراد؛ بقَوْله: "وبذل منفعة البُضْعِ وبذل منفعة البدن" هو الأُجْرَة، وقد بيَّناها 1. وأمَّا قوله: "وإن لم يكن الوطء للشبهة"، فاعلم أنَّ وطء الجارية المَوْقُوفة كما لا يجُوز للأجنبيِّ، لا يجوز للواقف، ولا للمَوْقُوف عَلَيْه.
أَمَّا، إذا لم نثبت الملك لهما، فظاهر.
وأمَّا إذا أثبَتْنَاه، فلأنَّهُ مِلْكٌ، ناقص لم يحدث نقصانه بوطءٍ سابق، فلا يفيدُ حِلَّ الوطْءِ, ويخرَّج بالقَيْد المذْكُور وطءُ أمِّ الولد، ولا يلؤمُ وطءٌ العبْدِ الجاريةَ التي ملَكَها السَّيِّد إيَّاه، حيث يجوزُ عَلَى رأْيٍ، تفريعاً على القَدِيم؛ لأنَّ المِلْكَ تم غَيْرُ ناقصٍ، وإنما الناقص المالك، فهي كجارية المَجْنُونِ يطؤها ولا يَتصرَّف فيها؛ لنقصانه، فإن وُطِئَت الموقُوفةُ، لم تَخْلُ عن أحوال: إحداها: أنْ يطَأَهَا أجنبيُّ، فإن لم يكنْ هناك شبهةٌ، فعلَيْه الحدُّ، والولدُ رقيقُ، ثم هو وقْفٌ أو ملْكٌ مطلق على وجهين، كما في نِتَاجِ البهيمة، ويجب المهْرُ، إن كانت مكرَهةً، وإن كانت مطاوِعَةً عالِمةً بالحَالِ، ففيه خلافٌ، وقد سبَق في موْضِعه.
وإنْ كان هناك شبهةٌ فلا حَدَّ، ويجب المَهْرُ، والوَلَدُ حرٌّ وعليه قيمته، ويكون مِلْكاً للموقُوفِ علَيْه، إنْ جعلْنا الولدَ ملكاً، وإلاَّ فيشتري بها عبدٌ ويوقف.
الثانيةُ: أنْ يطأها الموقُوفُ علَيْه، فإن لم تكن، شبهة فقد قيل: لا حَدَّ علَيْه لشبهةٍ الملْك، وهذا ما أورده صَاحِبُ "الشَّامل" والأصحُّ: أنه يُبْنَى على أقوالِ المِلْك، إنْ جعلناه له، فلا حَدَّ، وإلاَّ، فعليه الحدُّ، ولا عِبْرَةِ بِمِلْكِ المنفعة، كما لو وَطِئَ الموَصَى له بالمنفعة الجارية 2، والولَدُ مِلْكٌ أو وقفٌ فيه الوجهان.
وإنْ وطئ بشبهة، فلا حدَّ، والولدُ حرٌّ ولا قيمةَ علَيْه، إنْ ملكناه ولَد الموقوفه، وإن جعلْنَاه وقْفاً، فيشتري به عبداً حرّاً ويوقَفُ، وتصيرُ الجاريةُ أُمَّ ولدِ له، إن قلنا: إنَّ المِلْكَ للموقوفِ علَيْه، فتعتق بموته، وتؤخذ قيقها مِنْ تركته، ثم هِيَ لَمِنْ ينتقل الوقْف إلَيْه بعْده ملكاً أم يشترى، بها جاريةً وتُوقَف؟ فيه خلاف نذكره في قيمة العبْد الموقوف،

جارٍ التحميل