العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 83-122

وقال في "المعتمد": الجواميسُ لا تدْخُل في البقر إلاَّ إذا قال: من بَقَرِي، وليس له إلاَّ الجواميسُ، فوجهان، كما ذكرنا في الظِّبَاء.
الثالثة: الدابَّةُ في اللغة اسْمٌ لما يدِبُّ على وجه الأرض، ثم إنه اشتهر استعماله فيما يُرْكَبُ من البهائم، والوصيةُ تنزل عَلَى هذا الموضع الثاني، فلو قال: أعطُوهُ دابَّةً حمل على الخيل والبغال والحمير، فيما نصَّ عليه الشَّافعيُّ -رضي الله عنه-.
واختلف الأصحابُ -رحمهم الله- فعنِ ابْنِ سُرَيْجٍ أن الشَّافعيَّ -رضي الله عنه- إنما ذكَرَ ذلك عَلَى عادَةِ أهْلِ مصْرَ في ركوبها جميعاً، وباستعمال لفظ "الدابة" فيها، فأما في سائر البلادِ، فحَيْثُ لا يستعمل اللفظُ إلاَّ في الفرس، لا يعطَى إِلاَّ الفرَسَ، وعن أبي إِسحاق، وابن أبي هريرة، وغيرهما أن الحُكْمَ في جميع البلاد، كما نص عليه، هذا ما أشار إليه صاحبُ الكتاب بقوله: "فقد قيل: يُحْكَمُ بالعرف، وقيل: يُنَزَّلُ على الوَضْع" يعني الوضْعَ الثاني، وهذا أظهر عند الأئمة، وعلى هذا؛ فلو قال: دابَّةً من دَوَابِّي، وله جنْسَانِ من الأجناس الثلاثة، يخير الوارث، فإن لم يكن له إلاَّ جنْسٌ واحِدٌ، تعيَّن، وإن لم يكن له شيء منها، فالوصية باطلةٌ.
ويدخل في لفظ "الدابَّة" الذكر والأنثَى، والسليم والمعيب، والصغير والكبير، هذا عند الإطلاق.
أما إذا قيد؛ فقال: دَابَّةً للكَرِّ، والفَرِّ أو للقتال، حُمِلَ على الفَرس، ولو قال: لينتفع بظهرها ونَسلِها [ودَرِّها]، فكذلك، ولو قال: يظَهْرِها، ونَسْلِها، حُمِلَ على الفرس، والحمار، ولو قال: للحَمْل، حُمِل على البغَال والحَمير، إِلاَّ أن يكون في بلد [حرث] جرت عادتهم بالحَمْل على البراذين، فيدخُلُ الكُلُّ.
قال في "التتمة": بل لو كان المعهودُ في ذلك البلد الحَمْلَ على الجمال والبقَرِ، فيجوز أن يُعطَى حَمَلاً أو بقَرَةً، ولك أن تقول: هذا كلامٌ لم يصدُرْ عن تأمُّل، فإنا إِذا نزَّلنا الدابَّةَ عَلَى الأجناس الثلاثةِ، لا ينتظم منَّا حمْلُها عَلَى غير هذه الأجناس، بل نصفها بصفة، أو تقييدها بقَيْدٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالرَّقِيقُ يَتَنَاوَلُ الصَّغِيرَ وَالكَبِيرَ وَالمَعِيبَ وَالسَّلِيمِ وَالذَّكَرَ وَالأُنْثَى وَالخُنْثَى، وَإِنْ قَالَ: أَعْطُوهُ رَأْساً مِنْ رَقِيقِي وَمَاتَ وَلَهُ وَاحِدٌ تَعَيَّنَ، وَإِنْ مَاتُوا أَوْ قُتِلُوا قَبْلَ مَوْتِهِ انْفَسَخَتِ الوَصِيَّةُ، وَإِنْ قُتِلُوا بَعْدَ مَوْتِهِ انْتَقَلَ حَقُّ الوَصِيَّةِ إلى القِيمَةِ، وَلَوْ قَالَ: أَعْتِقُوا عَنِّي عَبْدًا جَازَ المَعِيبُ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالسَّلِيمِ لِعُرْفِ الشَّرْعِ في العِتْقِ، وَإِنْ قَالَ: أَعْتِقُوا عَنِّي رِقَابًا فَأقَلُّهُ ثَلاَثةٌ، فَإنْ وَفَّى الثُّلُثُ بِاثْنَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ اشْتَرَيْنَا البَعْضَ عَلَى الأظْهَرِ (و)، وَإِنْ وَفَّى بِنَفِيسَيْنِ أَوْ خَسِيسَيْنِ وَبَعْضِ الثّالِثِ فَفِي الأوْلَى تَرَدُّدٌ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: اسْمُ الرقيقِ بالوضع يتناول الصَّغير، والكَبِيرَ، والسَّليم، والمَعِيبَ والمسلَم، والكافِرَ، والذَّكَر، والأُنْثَى، والخنثَى، وفيه مسائل: إحداها: إذا قال: أوصيتُ برأْسٍ من رقيقي، أو أعْطُوه رأْسًا من رقيقي، نُظِر؛ إن لم يكن له رقيقٌ يوم الوصية، ولا حدَثَ من بَعْدُ، فالوصية باطلةٌ، وكذا لو قال: أعطُوه عبْدِي الحَبَشِيَّ، أو العبد الذي صفته كيت وكيت، [ولا عبد له بتلك الصفة يوم الوصية ولا حدث بعده، وإن حدث له أرقَّاءُ] 1 له إرثًا بعد الوصية، ففيه الوجهان السابقان في أن الاعتبار بيَوْمِ الوصية، أو بيَوْم المَوْت، وعليهما يُخرَّج ما إذا كان له أرقاءُ يوم الوصيَّة وحدث آخرُونَ بعْده؛ هلْ للوارث أن يُعْطِيَه رقيقاً من الحادثين، أم يتعين الأولون؟ ولو لم يملك إلا رقيقًا واحداً، وقال: أعطُوه رأسَيْنِ من رقيقي، فتبطل الوصيةُ، أم تصحُّ ويُدْفَعُ إليه ذلك الواحِدُ؟ فيه وجهان مذكوران في "التتمة" والمذهبُ عَلَى ما حكاه من تلقَّف عَن الإمام هو الثاني.
وإن كان له أرقاءُ أعطاه الوارثُ منْهم مَنْ شاء، نعم، في الخنثَى وجهان: أصحهما: الجواز أيضاً؛ لوقوع الاسمِ عَلَيْه، فإنه إمَّا ذكرٌ أو أنثى.
والثاني: المنع؛ لانصرافِ اللفْظ إلى الغالب المعْهُود، ويشبه ذلك بما لو أوصَى بدابَّة ينْصَرِفُ إِلى الَمعهود دون ما يَدِبُّ عَلَى وجه الأرض، ولا يجوز أن يُعْطَى غير أرقائه بدلاً إلا برضَى الموصَى له، ولا دون رضاه، أما دون رضاه، فظاهِرٌ، وأما بالرضَى؛ فلأِنَّ حقه غير متعيَّن، والمصالَحَةُ عن المجِهول غيرُ جائزة.
الثانية: له أرقاء، وأوصَى بواحدة منهم، فماتوا، أو قُتِلُوا قبل موت المُوصِي، بطَلَتِ الوصيَّةُ، وإن بَقِيَ واحدٌ، تعيَّنَ ذلك الواحِدُ، وكذا لو أعتقهم إلاَّ وَاحِدًا؛ وليس للوارثِ أن يُمْسك الذي بَقِيَ، ويدفع إِليهِ قيمةَ واحِدٍ من المقتولين، وإن قتلوا بعد موته، وبعد قَبُول الموصَى له، انتقل، حتى الوصية إِلى القيمة، فيصرف الوارثُ قيمةَ مَنْ شاء منهم إليه، وإِنْ قتلوا بعد الموت، وقبل القبول، فكذلك إنْ قلْنا بالوقف أو قلنا تملك الوصيَّة بالموت، وإن قلْنا إِنَّها تُمْلَكُ بالقبول، بطَلَتِ الوصية، وإن ماتَ واحدٌ منهم، أو قُتِلَ بعد موت المُوصِي، وقَبُول الموصَى له, فللوارث التَّعْيِينُ فيه حتى يجب [التجهيز] 2 على الموصَى له، وتكون القيمة له، إِذا قتل، وإن كان ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ، وَقَبْلَ القبول، فكذلك أيضاً، إن قُلْنا: تُمْلَكُ الوصيَّة بالموت، أو توقَّفْنا، وإن قلنا: تملك بالقبول، فيُعْطَى واحداً من الباقِينَ، كما لو كان ذَلِك قبل موت المُوصِي.
الثالثة: لو أوصَى برقيقٍ من ماله، ولم يضف إلَى أَرقائه، فإن لم يكُنْ له رقيق،

يشتري من ماله، وإن كان فللوارث أن يعطيه واحداً من أَرقائه، وَيشْتَرِيَ له كما يشاء، وإن قال: اشْتَرُوا له مملوكًا، فكما ذكَرْنا في قوله "اشْتَرُوا له شاةً" ولو قال: أعطوه شاة، ولم يَقُلْ من مالي، فالجواب في "التهذيب" أنَّ ذلك لا يكُونُ وصيَّةً، وحكى المتولِّي فيه وجْهَيْنِ؛ هذا أحدهما.
والثاني: تصحيحُ الوصيَّة، وجعْلُها كما لو قَالَ: مِنْ مالي؛ لأنه المرادُ ظاهراً، وهذا هو المَذهب.
الرابعة؛ لو قال: أعْطُوه عبداً، لم يُعْطَ أمةً ولا خُنْثَى مشكلًا ولو قال: أَعْطوهُ أمةً، لم يُعْطَ عبداً، ولا خنثَى مشكلًا وفي الواضح الوجْهان المذْكُوران من قَبل، ولو قال: رقيقًا يستمتع به، أو يَحْضنُ ولده، فهو كما لو قال: أمةً، ولو قال: رقيقاً يخْدمه، فهو كما لو أطْلَقَ.
الخامسة: أَوْصَى بأَن يعتق عنه عبداً، فأظهر الوجْهَيْن: أنه يعتق عنه ما يَقع علَيْه الاسم، كما لو قال: أعطو فلاناً رقيقًا.
والثاني: واختاره الماسرجسيُّ: أنه لا يعتق إلاَّ ما يجْرِي في الكفارة؛ لأن للشَّرْع عرفاً معْلُومًا في العتق، فَينزَّل لفظ الموصِي علَيْه بخلاف العَطَايا والتمليكات فإِنه لا عرف فيها.
فرع: قال اشتَرُوا بثُلُثِي عبداً، وأعتقُوهُ عنِّي فامتثل الوارث ما رَسَمُهُ، ثم ظَهَر عليه دَيْنٌ مستغرِقٌ، قال الأئِمةِ: إن اشتراه في الذمَّة، وقع عنه، ولزمه الثمن، ويكون العتْقُ عن الميت؛ لأنه أعتق عنه، وإن اشتراه بَعَيْنِ التركة، بَطَل الشراء، والعتق؛ لأنه تبين أنَّهُ تُصْرَفُ فيما يتعلَّق به حق الغير، فأشبه التصرُّف في المرهون، هكذا أطلقوه، ولم يذْكُروا فيه خلافاً؛ لكنه قد سبَقَ تفْصِيلٌ في تصرف الوارث في التركة مع قيام الدَّيْن، وذكرنا على تقدير البُطْلان خلافاً في أنه إذا تَصرَّف فيه، ثُمَّ ظَهَر دَيْنٌ، تبيَّن بطلانه، أم لا؟ وهذا ينبغي أن يكون على ذلك الخِلاَفِ.
السادسةُ: إذا قال: أعتِقُوا عنِّي رقابًا، أو قال: اشترُوا بثُلُثِ مالي رِقَابًا، وأعتقُوهُمْ، فأقلُّ عدد يَقَع علَيْهِ اسمُ الرِّقَاب ثلاثةٌ، فَيُنْظَرُ؛ إن تيسَّر شراءُ ثلاثِ رقابٍ فصاعدًا، بثلثه فعل، قال الشَّافعيُّ -رضي الله عنه-: والاستكثارُ مع الاسترْخَاص أولَى من الاستقلال مع الاستغْلاَءِ؛ ومعناه أن إعتاقَ خَمْسِ رقاب قليلةِ القيمة، أولَى من إعتاق أربعِ كثيرةِ القيمةِ؛ لما فيه من تخْلِيصِ رقبةٍ زائدةٍ عنَ الرِّقِّ، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة أَعْتَقَ اللهُ بِكُل عُضْوٍ مِنْهَا عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ" 1 ولا يجوزُ صرْفُ الثلث،

والحَالَة هذه، إلى رقبتَيْنِ، أو رقبة، فإن صرفه إلَى رقبتَيْن، قال الشيخ أبو الفرج الزاز: يضمن الوصيُّ الرقبةَ الثالثَةَ، وضمانُهُ ثلثُ ما نفذ فيه الوصية، أو أقلُّ ما يَجِدُ به رقبةً؟ فيه خلافٌ، كما لو دفع نصيب أحد أصناف الزكاة إلى اثنين، وإن لم يتيسَّر شراءُ ثلاثِ رقابِ بالثلث، فيُنْظَرُ؛ إن لم يوجَدْ به إلاَّ رقبتان، اشتريناهُمَا، وأعتقناهما، وإن وجدْنا رقبتين، وفضل شيء، فهل يشتري بالفَاضِل شِقْصًا؟ فيه وجهان: أحدهما: وَيُحْكى عن أَبي إِسحاق: نعم؛ تكثيرًا للعتق؛ ولأنه أقرب إلَى غرض المُوصِي.
والثاني: وبه قال ابن سُرَيْجٍ: لا؛ لأن الشِّقْص ليْسَ برقبة، فصار كما لو قال: اشتَرُوا بثُلُثِي رقبةً وأعتقوه، فلمَ يجد به رقبةً، لا يشتري الشقص ولأن نفاسة الرقبة مرْغُوبٌ فيها، رُوي أنه -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عن أفْضَل الرِّقَاب، فَقَالَ: "أَكْثَرُهَا ثَمَنًا، وأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا" 1 فيراعيها إذا ألزمنا محذور التَّشقيصَ، والوجه الأولُ أظهرُ عند صَاحِبِ الكتاب، والثاني أظُهَرْ عند عامَّة الأصْحَاب، وهو ظاهر النَّصِّ، فإن قلْنا: لا يشتري الشَّقْص، اشترينا رقبتين نفيسَتَيْنِ، يستغرق ثمنهما الثلث، فإنْ فَضَلَ عن أَنْفس رقبتينِ، وجدناهما، بطلت الوصية فيه، ويرد على الورثة، وإن قُلْنَا: يشتري الشِّقْص، فذاك، إذا وجد شقْص يشتري بالفَاضِل، وزاد عَلَى ثمن أنفس رقبتين شيء.
أما إذا لم يكُنْ شراء شقُصٍ بالفاضل، إما لقلَّتِه، أو لِفِقْدَانِ الشِّقْص، فيشتري رقبتان نفيستان، فإن فَضَل شيءٌ عن أنفس رقَبَتَيْنِ وجدناهما، بطَلَتِ الوصيةُ فيه، وفيه وجه أنَّه يُوقَفُ إلَى أن يوجد شِقْص، وإن لم يزد على ثمن أنفس رقبتين شَيْءٌ؛ بل أمكن شراءُ رقبتَيْنِ نفيسَتَيْنِ، وأمكن شراءُ خسيستين، وشِقْصٌ من ثالثة فأيُّ الطريقتين أولَى؟ فيه وجهان: أحدهما: الأوَّل لمعنَى النَّفَاسَة.
وثانيهما: الثاني؛ لما فيه من كَثْرةِ العِتْق، وهذا أشبه بمأْخَذَ الوَجْه الذي عليه نفرع، ولو كان لفظ الموصِي: اصْرِفُوا ثُلُثِي إلى العتق، فلا خلاف في أنَّا نشتري الشِّقْصَ، ولو قال: اشْتَرُوا عبداً بألف، وأعتقوه، فلم يخْرُج الألف من ثلثه، وأمكن شراءُ عبْدٍ بالقدْر الذي يخرج، فيشتري وُيعْتَقُ كما لو أوصَىَ بإعتاق عبد، فلم يخرج جميعُهُ من الثلث فيتعين، إعتاق القدر الذي يخرج، وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: لا يشتري وتَبْطُلُ الوصية.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ في المُوصَى لَهُ فَإذَا قَالَ: لِحَمْلِ فُلاَنةٍ، كَذَا فَأتَتْ

بِوَلَدَينِ وُزَّعَ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَاسْتَوَى الذَّكَرُ وَالأُنْثَى فِي المِقْدَارِ، فَلَوْ خَرَجَ حَيٌّ وَمَيِّتٌ فَالْكُلُّ لِلْحَيِّ، وَقيلَ يَسْقُطُ الشَّطْرُ، وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ حَمْلُهَا غُلاَمًا فَأَعْطُوهُ فَوَلَدَتْ غُلاَمَيْنِ أَوْ غُلاَمًا وَجَارِيَةً لَمْ يَسْتَحِقَّ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ في بَطْنِهَا غُلاَمٌ فأَعْطُوهُ اسْتَحَق الغُلاَم دُونَ الجَارِيةِ، وإنْ كانَا غُلاَمَينِ فَثَلاَثةُ أَوْجُهٍ، قِيلَ: يُوَزَّع عَلَيْهِمَا، وَقِيلَ: خِيَارُ التَّعْيِينِ إِلَى الوَارِثِ، وَقِيلَ: يُوقَفُ بَيْنَهُمَا إلى الصُّلْحِ بَعْدَ البُلُوغِ، وَكَذَا الحكْمُ إِذَا أَوْصَى لِأَحَدِ الشَّخْصَيْنِ وَمَاتَ قَبْلَ البَيَانِ إنْ جَوَّزنَا الإِبهَامَ في المُوصَى لَه وَصَحَّحْنَا هَذِهِ الوَصِيَّةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من المواضِع التي يُبْحَثُ فيها عن اللَّفْظ المستعْمَل في المُوصَى له والوصيَّة للحَمْل، وقد سبق شرطُ صحَّتِها، والنَّظَرُ الآن في قضية اللَّفْظُ باعتبار العدد، والذُّكُورة، والأنَوثَة، وفيه صورتان: إحداهما: إذا قال: أَوْصَيْتُ لحملِ فلانَة بكذا، فأتت بولدَيْنِ، وُزِّعَ عليهما بالسَّوِيَّة، ولا يفضل الذكر على الأُنْثَى، كما لو وَهَبَ من رجُلٍ وامرأةٍ شيئاً، وإنما التفضيلُ في التَّوْريث بالعُصُوبة، نعم، لو فضل صريحًا فقال: إن كان في بطنها ذَكَرٌ فله كذا، وإن كان في بطْنِها أنثى فكذا، كان الأمر عَلَى ما ذكر، ولو خرج حيٌّ وميِّتٌ، فوجهان: أظهرهما: أن الكلَّ للحيِّ والميت كالمعدوم؛ ألا ترى أن الواحد، إذا انفصل مَيّتاً، تبطل الوصيةُ، ولا يُصْرَفُ إلَى ورثته شيء، وصار كالميراث الموقُوف للحَمْل؟ وفيه وجهٌ؛ أنَّه يسْقُط الشطْرُ، ويكون للوارث، ويصرف النصفُ إلى الحيِّ أخْذاً بالأسوأ في حقِّه.
الثانية: لو قال: إنْ كان حملُها غلامًا، فأعطوه كذا، وإن كان جاريةً فكذا، أو اقتصر على أحد الطرَفَيْنِ، فإن ولدتْ غلامًا، أو جاريةً، فعلَى ما ذكرنا، وإن ولدتْ غلامًا وجارية، فلا شيء لواحدٍ منهما؛ لأنَّه شَرَطَ صفة الذكورة أو الأنوثة في جُمْلة الحَمْل، ولم يحْصُل، وإن ولدت غلامَيْن، فالجوابُ في الكتاب أنه لا شَيْءَ لهما؛ لأن التنكير يُشْعِر بالتوحيد.
وَيصْدُق أن يُقَالَ: بأن حملها غلامان، لا غلام، لكنه ذكر في "الطَّلاق"؛ أنه لو قال: إن كان حملُكِ ذَكَراً، فأنتِ طالقٌ طلقةٌ، وإن كان أنثَى، فأنت طالقٌ طلقَتَينِ، فولدَتْ ذكَرَيْن، وجْهَيْن: أحدهما: أنها [لا] 1 تُطلَّقُ؛ لهذا المعنَى.
والثاني: تُطلَّقُ واحدةً والمعنَى، إن كان جنس حملِكِ ذَكَرًا، ولا فرْقَ بين البابَيْنِ،

فيجيء وجه آخُر؛ أنه يقسم المذكور بينهما، وهذا ما أجاب به الشيخ أبو الفرج الزاز، قال: وبمثله لو قال: إن كان حملها ابناً، فله كذا، وإن كان بنتاً فكذا، فولدَتِ ابنين، فلا شيء، لهما، [وفرق] بأن الذكر والأنثى أسماء جنس، فيقع على الوَاحِد والعَدَد، بخلاف الابن والبنت، وهذا ليس بمتضح، والقياسُ ألاَّ 1 فَرْق.
ولو قال: إنْ كان ما في بَطْنِهَا غلاماً، والذي في بطنها، فهو كما لو قال: إن كان حمْلُها غلاماً.
ولو قال: إنْ كانَ فِي بَطْنِهَا غلامٌ، فأعطوه كذا، فولدَتْ غلاماً وجاريةً، استحق الغلامُ ما ذكره؛ وإن ولدَتْ غلامَيْن، فوجهان منقولان في "التتمة": أحدهما: بُطْلاَنُ الوصية، وهذا يخرَّج على قولنا: "إن التنكير يقتضي التوحِيدَ".
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب: أنها [لا] 2 تبطُلُ، وعلَى هذا؛ فثلاثة أوجه: أحدها: أنه يوزَّع عليهما، فليس أحدهما أولَى من الآخر.
وأشبههما: أن الوارِثَ يتخيَّر، فيصرفه إلَى من شاء منهما، كما لو وقع الإبهام في المُوصَى به يرجع إلى الوارث.
والثالث: أنه يوقَفُ بينهما إلَى أن يبلغا، فيصطَلِحَا، وتجري الأوْجُه فيما إذا أوصَى لأحد الشخصين، وجوَّزنا الإبهام في الموصَى له ومات قبل البيان ففي وجّهٍ: يُوَزَّعُ، وفي آخر تَعْيِينِ الوارث، وفي آخر يوقَفُ بينهما إلى أن يصطلحا.
ولو قال: إن كانتْ حاملاً بغلام، أو إن ولدَتْ غلاماً، فهو كما لو قال: إن كان في بطْنِها غلامٌ، ولو قال: إن ولدت ذكراً، فله مائتان، وإن ولدت أنثَى، فلها مائة، فولدت خنَثَى، دُفِعَ إلَيْه الأقلُّ، وإِن ولدت ذَكَراً وأنْثَى 3، فلكل واحد منهما ما ذُكِرَ، ولو ولدَتْ ذكَرَيْن وأنثيين جاءَ الوجهان، ثم الوجوهُ الثلاثةُ في كلِّ واحدٍ من الصنفين، وقد عرفتَ ممَّا بيَّنَّا أن جوابَ صاحب الكتاب، فيما إذا قال: إن كان حَمْلُها غلاماً فأعطوه كذا، فولدَتْ غلامَيْن، لا يلائم جوابه فيما إذا قال: إنْ كان في بَطْنِها غلامٌ، فولدَتْ غلاَميْن.
وقوله: "إن جوَّزنا الإبهامَ في المُوصَى به، وصحَّحنا هذه الوصية" بَسْطٌ في العبارة، وأحدُهُمَا مغْنٍ عن الآخر، والله أعلم.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا أَوْصَى لِجِيرَانِهِ أُعْطِيَ لِأَرْبَعِينَ (ح و) جاراً مِنْ أَرْبَعَةِ جَوَانِبَ قُدَّامٍ وَخَلْفٍ وَيَمينٍ وَشِمَالٍ لِلحَدِيثِ، وَاسْمُ القُرَّاءِ لِمَنْ يَحْفَظُ جَمِيعَ القُرْآنِ، فَإنْ لَمْ يَحْفَظْ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ فَوَجْهَانٍ، وَالعُلَمَاءُ يُنَزَّلُ عَلَى العُلَمَاءِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّفْسِيرُ وَالحَدِيثُ وَالفِقْهُ، وَلاَ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يَسْمَعُ الحَدِيثَ فَقَطْ وَلاَ عِلْمَ لَهُ بِطَرِيقِ الحَدِيثِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل صور: إحداها: لو أوصَى لجيرانه، فالمشهورُ من المذْهَب أنه يُصْرَفُ إلى أربعين داراً مِن كل جانب من الجوانب الأربعةِ؛ لِمَا رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "حَقُّ الْجِوَارِ أَرْبَعُونَ دَارَاً هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا وأَشَارَ قُدَّاماً، وَخَلْفاً، وَيميناً، وَشِمَالاً" 1. وعند أبي حنيفة -رحمه الله- الجار هو الذي يلاصق دارُه دارَهُ، وحَكاه بعضُهم وجهاً لنا.
وقال الأستاذ أبو منصورٍ: من يلاصق دارُه دارَهُ من الجوانب جارٌ، وفيمن ليس بملاصقٍ كالذي بابُ دارِهِ حذاء بابِ دارِهِ، والذين هم في زقاقٍ واحدٍ غير نافذ -اختلافٌ للأصحاب 2. وقال أحمد -رحمه الله- فيما روى صاحب "التهذيب" وغيره: إن جيرانه الَّذين يحْضُرُون مسْجِدَه، والمشْهُور عنه كالمَشْهور من مذْهَبِنا.
الثانية: إذا أوصَى للقُرَّاء، لم يُصْرَفْ إلَى من يقرأ بعْضَ القرآن، بل إلى الَّذينَ يقرؤون الجميع؛ لأنهم الذين يقع الاسم عليهم في العَادَةِ، وهلْ يدْخُلُ فيه من لا يحْفَظ، ويقرأ من المُصْحَف؟ فيه وجهان؛ يُنْظَرُ في أحدهما إلى الوضع، وفي الثاني إلى العُرْف، وهو الأظهر، ولك أن تقول: اسم القراء، والمقرِئِينَ في هذه الأعْصَارِ يُطْلَقُ على الحُفَّاظ، وعلى الذين يَقْرَؤُونَ بالألحان.
وبالمعنَى الثاني لا يُشْتَرطُ لإطلاق اللَّفْظ الحِفْظُ، ولا قراءة جميع القرآن، فيجوز أن يُقَالَ: إنْ كان هناك قرينةٌ تُفْهِمَ أحد المعنَيَينِ، فذاك، وإلاَّ، فهُوَ كما لو أوصَى

للموالِي 1. الثالثةُ: إذا أوصَى للعلماء، أو لأهل العلْم صُرِفَ إلى العُلَماء بعُلوم الشرع التفسير والحديث والفقه، ولا يدخل في هذا الاسم الذين يَسْمَعُون الحديثَ، ولا علْم لهم بطُرُقِه لا بأسامي الرواة، ولا بالمُتُون، فإنَّ السماع المجرَّد ليس بعْلم، وكذلك لا يدْخُل فيه المقرئون، والمعبّرون، والأُدَبَاء، والأَطِبَّاء، والمَنجِّمُون، والحُسَّاب، والمُهَنْدِسُون، وهكذا ذكر أكثرهم في المتكلِّمين، وفي "التتمة" أن الكلام يدْخُلُ في العلوم الشرعية، وهذا قريبٌ 2؛ لأن إطلاق اسم العلماء في الفُقُهَاء عُرْفٌ مشهور، وهو بالفارسيَّة في

لفظ دَانَسُمَنَدانَ 1 أظهر لكن لا يُعْرفُ في العُرْف فَرْقٌ بين المفسِّىر، والمحدِّث، وبين المتكلِّم، فليدخل الكلُّ، أو ليخرُجِ الكلُّ.
ولو أوصَى للمتفقهة، أو الفقهاءِ, أو الصُّوفية، فعلَى ما ذكرنا في الوقْفِ؛ لكن لفظ صاحب "التهذيب" لا يقنع؛ بما مر في تفسير الفقهاء؛ لأنَّه قال: ولو أوصَى للفقهاء، فهو لِمَنْ يُعْلَم أحكام الشَّرْع من كلِّ نوعٍ شيئاً، وفي "التتمة": أن الرجوع فيه إلى العادة فمن يُسمَّى فقيهاً يدخل فيه، ثم حكى وجهاً في أَن مَنْ حَفِظ أربعينَ مسألةً، فهو فقيهٌ؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ حَفِظ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثاً، كُتِبَ فَقِيها" 2 ولا يقْوَى هذا لِلاحتجاج؛ لأن حفظ الشيء غيرُ حفْظِهِ على الغَيْر، وأيضاً، فلا دلالة لَهُ على اعتبار أربعين مسألةً، فقد تجتمع أحاديث كثيرة في المسألة 3 الواحِدَةِ.
ولو أوصَى لأعقل النَّاس في البلد، صُرِفَ إلَى أزهدهم في الدُّنْيا، حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم عن الرَّبيع، عن نصِّه، ولو أوصَى لأجهلِ النَّاس، روى القاضي الرُّويانىُّ أنه يُصْرَفُ إلى عبدة الأوثان، فإن قال: من المسلمين، قال: مَنْ يسبُّ الصحابة -رضي الله عنهم- وفي "التتمة" أنه يُصْرَفُ إلى الإماميَّة المنتظرة للقائم، وإلَى المشبِّهَة الذين يثبتون لله تعالَى الجوارحَ والأعْضَاءَ 4. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى لِلْفُقَرَاءِ دَخَلَ المَسَاكِينُ، وَلِلمَسَاكِينِ دَخَلَ الفُقَرَاء إذْ يُطْلَقُ الاسْمَان عَلَى الفَرِيقَيْنِ، وَلَوْ أَوْصَى للفُقَرَاءِ وَالمَسَاكينِ وَجَبَ الجَمْعُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، = المتولي والرافعي ولا ينبغي خلاف، وقد صرح بذلك الصيمري في شرح الكفاية وألحق الفارسي في تعليقه علم المنطق بعلم الكلام، وقد جعله الغزالي في الإحياء منه فقال: والمنطق هو بحث عن وجه الدليل وشروطه ووجه الحد وشروطه وهما داخلان في علم الكلام.

وَإِنْ أَوْصَى لِسَبِيلِ اللهِ فَهُوَ لِلغُزَاةِ، وَلِلرِّقَابِ فَهُوَ لِلمُكَاتَبِينَ (م) بِعْرفِ الشَّرْعِ، ثُمَّ لاَ يَجِبُ الاسْتِيعَابُ، وَأَقَلُّ مَا يَكْفِي مِنْ كُلِّ جِنْسٍ ثَلاَثةٌ (ح)، وَلاَ يَجِبُ التَّسْوَيةُ بَينَ الثَّلاَثِ إِلاَّ إِذَا أَوْصَى لِثَلاَثةِ مُعَيَّنِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يدْخُل في الوصيَّة للفقراءِ المساكينُ، حتَّى يجوز الصرفُ إلَى هؤلاء، وإلى هؤلاءِ، وكذلك يدخل في الوصية للمساكين الفقراءُ، ويجوز الصَّرْفُ إلى الصِّنْفَيْنِ؛ لأنَّ كلَّ واحد من الاسمَيْنِ يقع على الفَرِيقَيْنِ عنْد الانْفِرَادِ؛ وعن أبي إسحاق المَرْوَزِيُّ روايةُ قَوْلٍ: أنَّ ما أوصَى به للفقراءِ, لا يجوز صرْفُه إلى المساكين، وبالعَكْس، يجوز؛ لأن حاجة الفقراء أشدُّ، وهذا في "الرقْم" منسوبٌ إلَى رواية عصام ابن يوسُفَ عن الشَافعيِّ -رضي الله عنه- ولو جمع بينهما، فأوصَى للفقراء والمساكينِ، يجب الجمع بينهما، كما في الزكاة.
ولو أوصَى لسبيل الله؛ وقال ضَعُوا ثُلُثِي في سبيل الله، فهو للغزاةِ الَّذين تُصْرَفُ إليهم الزكاةُ، ولو أوصَى للرقاب أو قال: ضَعُوا ثُلُثِي في الرقاب، فللماكتَبِينَ، فإن دُفِعَ إلَى مكاتَبٍ، فعاد إلى الرِّقِّ، والمالُ باقٍ في يده، أو في يد السيِّد، استرد، ولو أوصَى للغارمين، أو لابن السبيل، فلمن تُصرَفُ إليه الزكاة منهم؟ وبالجملة فالحُكْمُ في هذه المسائلِ كما في الزكاة؛ أخذاً بعْرَفِ الشرع فيها؛ ولذلك يقول: لو أوصَى للفقراء والمساكين، يُجْعَلُ المالُ بين الصنفَيْنِ نصْفَيْنِ، ولا يُجْعَلُ، كما لو أوصَى لبني زَيْدٍ، بني عمْرو؛ حيث يقسم [المال] 1 عَلَى عدَدِهِمْ، ولا ينصَّف، ولا يجب الاستيعاب.
ويكفي الصَّرْف من كلِّ صنْفٍ إلى ثلاثة، ولا يجب التسويةُ بين الثلاثة، ولو صرف إلى اثنَيْنِ، غرم، إما الثلث، أو أقلَّ ما يُتَمَوَّل؛ على الخلاف المذكُورِ في "قسم الصدقات" ثم ليس له دفْعُ ما يغرمه إلى ثالث، بل يسلِّمه إلى القاضي؛ ليدفع بنفسه، أو يردَّه إليه، ويأتمنه في الدفع.
والوصيةُ للعلماء وسائر الموصُوفِينَ كالوصيَّة لأصناف الزكَاة في أنه لا يجِبُ الاستيعابُ، ويقتصر على ثلاثةٍ، والأَولَى استيعابُ الموجُودِينَ عند الإمكان كما في الزَّكَاة.
ولو أوصَى لفقراءِ بلدةٍ بعينها، وهُمْ عددٌ محصُورُون، فيشترط استيعابُهم، والتسويةُ بينهم؛ لتعيُّنهم بل يشترط القبول [في] هذه الوصية بخلاف الوصية لمطلق الفقراء، ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، واعلم أنا سنذكر الخلافَ في أنَّ ما أوْصَى به للفقراء أو المساكينِ، هل يجوز نقلُهُ من بلدةِ المَال إلى غيره؟ فإذا قلْنا: لا يجوز،

وجب أن يكون قولُه "أوصيت للفقراء" وفقراءُ البلدة محصورُونَ، بمثابة قَوْلِهِ "أوصيت لفقراءِ هَذِهِ البلدة وهم محصُورُونَ" ويدلُّ عليه أن الأستاذ أبا منصورٍ ذَكَر في الوصيَّة للغارمين أنه يعطَى لثلاثة منهم، إن كانوا غَيْرَ محصُورِين.
وإن كانوا محصورين، استوعبوا، فإن اقتصر الوصيُّ على ثلاثة، فيجزئه أم يضمن حصَّة الباقين؟ جعله على جوابَيْنِ، إن قلْنا بالثاني، فالحساب عَلَى ديونهم، أم على عدد رؤوسهم؟ فيه وجهان 1. ولو أوصَى لثلاثةٍ معينين، وجب التسوية بينهم، بخلاف الثلاثة المصْروفِ إلَيْهم من الفُقَراء وسائر الأصناف، فإنا عرفْنا ذلك من معْهُود الشَّرْع في الزكاة، وهاهنا الاستحقاق مضافٌ إلَى أعيانهم.
ويجوز أن يُعلَمَ قولهِ: "دخل فيه المَسَاكِين" بالواو، وقوله: "فهو للمكاتَبِين" بالميم، وقوله: "وأقل ما يكفي من كلِّ جنسٍ ثلاثة" بالحاء والألفِ, لأن الحُكْم هاهنا كما في الزَّكَاة، وسنذكر مذْهَبَهُم في "قسم الصدقات".
ولو أوصَى لسبيل البر، أو الخَيْر، أو الثَّواب؛ فعلَى ما ذكرنا في الوَقْف؛ ولو قال: ضعْ ثُلِثي حيث رأيْتَ، أو فيما أراكَ الله، لا يضَعُه في نفْسِهِ، كما لو قال بعْ بكذا، لا يبيعه من نَفْسِهِ، والأَولَى صرفُهُ إلى أقارب المُوصِي الذين لا يَرِثُون منه ثم إلَى محارمه من الرِّضَاع، ثم إلَى جيرانه 2 والله أعلم.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ وَلِلفُقَرَاءِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ القِيَاسُ أنَّهُ كَأَحَدِهِمْ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أنَّهُ لَوْ أَعْطَى أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً فَيُعْطِيهِ الخُمُسَ أَوِ السُّدُسَ فَيَكُونُ كَأَحَدِهِمْ (و)، وَقِيلَ: يَكْفِيهِ (م ح) أَقَلُّ مَا يُتَمَوَّلُ إِذْ لَهُ ذَلِكَ في آحَادِ الفُقَرَاءِ، وَقِيلَ: يُعْطِيهِ الرُّبُع (خ) إِذْ أَقَلُّ عَدَدِ الفُقَرَاءِ ثَلاَثَةً، وَقِيلَ: النِّصْفَ (م) لِزَيْدٍ وَالنِّصْفَ لِلفُقَرَاءِ لِلمُقَابَلَةِ في الذِّكْرِ وَهُوَ خِلاَفُ النَّصِّ، وَلَوْ أَوْصَى لِلعَلَوِيِّينَ أَوْ الهَاشِمِيِّينَ أَوْ قَبِيلَةٍ عَظِيمَةٍ فَفِي صِحَّةِ الوَصِيَّةِ قَوْلاَنِ، وَوَجْهُ الإبْطَالِ عُسْرُ الاسْتِعَابِ، مَعَ أَنَّهُ لاَ عُرْفَ في الشَّرْعِ يُخَصِّصُ بِثَلاَثَةٍ بِخِلاَفِ الفُقَرَاءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الفصْلُ، والذي بعْدَه، ليس لهما كثير اختصاص [بهذا الموضع]، ولعل ركْنَ الموصَى له، أو ركْنَ الصيغة، أحقُّ بهما، ثم فِقْه الفصْل مسألتان: إحداهما: إذا أوصى لزيد، ولجماعةٍ معه؛ فإما أن يكونوا موصوفين أو معينِينَ: القسم الأول: إذا كانُوا موصُوفينَ غيْرَ محْصُورِينَ، كالفقراءِ والمساكينِ، ففي المسألة وجه أن الوصيَّةِ في حقِّ زيد باطلةٌ؛ لجهالةِ ما أُضِيفَ إليه، حكاه أبو الفرج [الزاز] 1 في "الأمالي" وهو ضعيف بمرَّةٍ، والصَّحيحُ صحَّتُها، وعلَى هذا، فوجهان، وُيقال: قولان: أظهرهما: ما روى المُزَنِيُّ عن الشافعيِّ -رضي الله عنه- في بعْض كتبه: أنه قال: القياسُ أنه كأحدهم ووجه التشبيه بما إذا أوصَى لزيد، ولأولاد عَمْرٍو، فإن زيداً يكون كأحدهم، ثم اختلفوا في تَفْسِير ما ذكَرَهُ على وجوه: أحدها: أن معناه أن الوصِىَّ يعطيه سهماً من سهام القِسْمَة، إنْ قَسَّم المالَ على أربعة من الفقراء، أعطاه الخمس؛ لأن جملة المصْرُوف إليهم خمسةٌ، وإن قسَّمه علَى خمسةٍ منهم، أعطاه السدُس، وعلَى هذا القياس، وهذا ما قرره الأستاذ أبو منْصُور.
= وجزم به الصيمري والماوردي وصاحب البيان وغيره لأن الوصية للوارث لا تصح، وحكاه صاحب التقريب عن ابن سريج.
الثاني: قضية إلحاق هذه المسألة بالوكيل في البيع كما سبق من كلام الشَّافعي أنه لا يجوز للوصي أن يدفع منه شيئاً لولده كما لا يبيع له، وهو ما حكاه الهروي في الإشراف فقال: إذا قال ضع ثلثي حيث شئت قال الشَّافعي: لا يضعه في نفسه وابنه وزوجته ولا ورثة الموصي إلا فيما لا مصلحة فيه للميت.

وأظهرهما: أنه كواحدٍ منهم في أنه يجوز أن يُعْطَى أقلَّ ما يُتَموَّلُ إلاَّ أنه لا يجوز حرمانُهُ للنصَّ عليه، ويُعطَى غنياً كان، أو فقيراً.
والثالث: وبه قال مالك [رحمه الله]: أنَّ لزيدٍ الربع، والباقي للفقراء؛ لأن أقلَّ مَنْ يقع عليه اسمُ الفقراء ثلاثةٌ، فكأنه أوصَى لزيد، ولثلاثةٍ معَهُ، ثم نصيبُ الفقراء يقسَّم بينهم على ما يراه الوصىُّ من تَسَاوٍ وتفاوُتٍ، ولا بدَّ على اختلاف الأوجُهِ من الصَّرْف إلَى ثلاثةٍ من الفقراء، وربما أفهم لفظ صاحب "الشامل" تفريعاً على الوجه الأوسط وجوز الاقتصار على اثنين منْهم، إذا كان زيدٌ فقيراً.
والوجه الثاني: وبه قال أبو حنيفة، وأحمد -رحمهما الله -: أن النصف لزيد، والنصف للفقراء؛ لأنه قابل بينه وبينهم في الذِّكْر، فأشبه ما إذا أوصَى لزيد وعمرو، وعن أبي إسحاق أن زيداً إن كان فقيراً، فهو كأحدهم، وإلاَّ، فله النصفُ، حكى البندنيجي عنه؛ أنه ذكره في الدَّرْس، ونقله إِلى الشَّرْح، فهذا وجه ثالثٌ.
وفي "التَّتمة" أنه إن كان غنياً، فله الربع؛ لأنه يدخل في الفقراء، فهم ثلاثة، وهو رابِعُهم، وإن كان فقيراً، فله الثُلُث؛ لدُخُوله فيهم، وهذا وجهٌ رابعٌ.
هذا كلُّه فيما إذا أطلق ذكْر زَيدٍ، أما إذا وصَفَه بمثل صفة الجماعة، فقال: لزيد الفقيرِ، وللفقراءَ، جرى الخلاف فيما لزيد، إن كان فقيراً، ومنهم من خصص الأوجه بهذه الحالة، ونفى القول بكونه كأحدِهِمْ عند الإطلاق، وإن كان غنيّاً، لم يُصْرَفْ إلَيْه شيءٌ، ونصيبه للفقراء، إن قلنا: إنَّه كأحدهم، وإلاَّ، فهو لورثة المُوصِي، وإن وصف زيداً بغير صفة الجماعة؛ فقال: لزيدٍ الكاتبِ، وللفقراءِ.
قال الأستاذِ أبو منصور: له النصْفُ قولاً واحداً، ويشبه أن يجيءَ فيه القوْلُ بأن له الربُعُ إن لم تجئْ باقي الاختلافات.
ولو أوصَى لزيدٍ بدينارٍ، للفقراءِ بثُلُثِ مالِهِ، لم يُصْرَفْ إلى زيد غَيْر الدينار، وإن كان فقيراً؛ لأنه قطع اجتهاد الوصيِّ بالتقدير، ولك أن تقول: إذا جاز أن يكون التنصيص علَى زَيْدٍ في قوله: "لزيد وللفقراء؛ لئلا يُحْرَمَ زيدٌ، جاز أن يكون التقدير هاهنا: لئلا ينقص المصروف إلَيْه عن دينار، وأيضاً، فيجوز أن يقصد عيْن زيد بالدينار، وَجهه الفقراء بالباقي، فيستَوِي في غرضه الصَّرْف إلى زيد وغيره.
ولو أوصَى لزيد، وللفقراء، والمساكين، فإن جعلناه كأحدهم في الصورة السابقةِ، فكذلك هاهنا، وإن جعلْنا له النصْفَ هناك، فله الثلثُ هاهنا، وإن جعلْنا له الربُعَ هناك، فله السبُعُ هاهنا.
القسم الثاني: إذا كانوا معينين، نُظِر؛ إن لم يكونوا محصُورِينَ كالعَلَوِيِّينَ

والطَّالِبِيِّينَ، فسنذكر الخلافَ في صحَّة الوصيَّة لهم وإن صحَّحنا، فالحُكْم كما إذا كانوا موصُوفِينَ، وإن لم نصحح، قال المسعوديُّ: هو كما لو أوصَى لرجل وللملائكة، وإن كانوا محصُورِينَ، فهو كأحدهم أم له النصف قال الأستاذ أبو منصور: فيه احتمالان أظهرهما الثاني، ثم حكى اختلافاً للأصحاب في أن النصْفَ الذي هو لهم 1 يُقَسَّمُ بين جميعهم، أم يجُوزُ صرْفُه إلى ثلاثة منهم؟ والمشهورُ لزومُ القسْمة على الجَمِيعِ.
فَرْعٌ: له ثلاثُ أمهاتِ أولادٍ، وأوصى لأمهاتِ أولادِهِ، وللفقراءِ، والمساكين.
قال المتولِّي: ظاهر المذْهَب قسمةُ المال علَى الأصنام أثلاثاً، وعن أبي علي الثقفيِّ: أنه يُقسَّمُ على خمسة؛ لأن أمهاتِ الأولادِ محصوراتٌ، ويجب استيعابُهُنَّ، والفقراءُ، والمساكينُ غيرُ محصورين، فَيُجْعَلُ كلُّ واحد من الصنْفَيْنِ مصرفاً وكلُّ واحدةٍ من أمهات الأولاد مصرفاً، [والله أعلم].
المسألة الثانيةُ: في الوصية لجماعةٍ معينين غيرِ محصُورين؛ كالعلوِيَّة، والهَاشِمِيَّة، والطالِبِيَّة، قولان، ويُقَال: وجهان: أصحُّهما: وبه قال أحمد -رحمه الله- أنها صحيحةٌ كالوصية للفقراء، والمساكين.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- أنها باطلة؛ لأن التعميم يَقْتَضِي الاستيعاب، وأنَّه ممتنعٌ بخلاف الفقراء، فإنا عرَفْنَا هناك عرفاً مخصصاً للشرع بثلاثة، فاتَّبَعْناه.
ومَنْ نَصَرَ الأول، قال: ذلك العرف إنَّمَا يثبت في الفقراء، وأصناف الزكاة، ثم ألحق به العلماء ونحوْهم بالاتفاق، فجاز أن يلحق به العَلَوِيَّة، ومن في معناهم لتعذُّر الاستيعاب، فإن قلنا بالأول، لم يجب الاستيعابُ، ويجوز الاقتصارُ عَلَى ثلاثةٍ منهم، ولا يجبُ التسوية، كما في الفقراء، ولا يُشْتَرَطُ القبول.
ومهْما أوصَى لبني فلان، فإن عدوا قبيلة كبني تميم، وبني هاشم، فهي كالوصيَّة للعلَوِيَّة، وفي جواز الصرف إلى [أبنائهم] 2 وجْهان، ذكرناهما في "الوقْف" عَلَى بني تميم؛ والأظهرُ الجوازُ: فإن لم يُعَدُّوا قبيلةً؛ كبني زيْدٍ، وبني عَمْرٍو، فيشترط القبول، والاستيعابُ، والتسويةُ، ولا يجوزُ الصَّرْف إلى الإناث.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "وإذا أوصَى لزيْد، وللفقراء"، أجرى ذكر زيد من غَيْر وصْف بالفَقْر، ولا غيره، فيجوز أن يريد به المشترك بين صورة تجريد ذكْر زيد، ووصفه ويجوز أن يريد صورةَ التجْريد علَى التقْدِيرَيْنِ، فيجوز أن يُعْلَم قولُهِ: "قال

الشافعيُّ -رضي الله عنه-: "القِيَاسُ أنَّهُ كَأَحَدِهِمْ" لما ذكرنا أن بعضهم لمْ يُثْبِتْ هذا القول في صورةِ التجريد، وحَمَلَ لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- على ما إذا أوصَى لزيد الفقير، وللفقراءِ، ويجوز أن يُعْلَمَ ما سوَى وجه "النصْف" بالحاء والألف؛ لأنهما يقولان بذلك الوجه، وما سوى وجه "الربع" بالميم؛ لأن مالكاً يقول به، وقوله: "أو قبيلة عظيمة" يعني التي تنحصر، لا التي تكثر.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ وَلِجِبْرِيلَ فَالنِّصْفُ (و) لِزَيْدٍ وَالبَاقِيَ بَاطِلٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لِزَيْدٍ ولِلرِّيحِ، وَقِيلَ: الكُلُّ لَهُ إِذْ الْإضَافْةُ إِلَى الرِّيحِ لاَغِيَةٌ بِخِلاَفِ جِبْرِيلَ، وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدِ وَلِلَّهِ قِيلَ: الكُلُّ لِزَيْدٍ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى تَأَكِيدٌ لِقُرْبَةِ الوَصِيَّةِ، وَقِيلَ: المُضَافُ إِلَى اللَّهِ لِلفُقَرَاءِ فَإِنَّهُمْ مَصَبُّ الحُقُوقِ.
قَال الرَّافِعِيُّ: إذا أوصَى لزيد وجبريل عليه السلام فوجهان: أصحهما: أن النصْفَ لزيد، وتبطُلُ الوصية في الباقي، كما لو أوصَى لزيد، ولأحد ابْنَيْهِ، يكون لزيد النصْفُ، وتبطل في الباقي، إن لم نصحح الوصيَّةَ للوارث، أو صحَّحناها، ورُدَّ بسائر الورثة كما لو أوصَى لابْنِ زيدٍ، وابْنِ عمْرٍو، ولم يكن لعمرٍو ابْنٌ، أو لزيدٍ وعَمْرٍو، وابْنَيْ بَكْرٍ، ولم يكن لبكرٍ إلاَّ ابنٌ، يسمى زيداً يكون النصفُ للموجود، ويبطل الباقي.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أن الكلَّ لزيد، ويلْغُو ذكْرُ من لا يثبت له الملك ويفارِقُ تلك الصورة؛ فإن المذكور هناك ممَّن يثبت له الملْكُ، ولم يذكر صاحب الكتاب في المسألة سِوَى الوجه الأول، وذكر الوجْهَيْن فيما إِذا قال: لزيد وللرِّيح، وأوهم القطْعَ بما ذكر في الصُّورة الأولى؛ فرقاً بأن جبريل حيٌّ قادرٌ، والإضافة إلى الرِّيح لاغيةٌ مِنْ كل وجه، والأكثرون نقلوا فيهما وجْهَيْن بلا فرق، وطردُوهما في كلِّ صورة.
أَوْصَى لزيدٍ، ولمَنْ لا يُوصَفُ بالملك؛ كالشيطان 1، والبهيمة، والحائط، وغيرها, ولو أوصَى لزيد وللملائكة، أو لزَيْدٍ وللرياحِ، أوله وللحيطانِ، فإن جعلنا الكلَّ لزيدٍ، فذاك، وإلا، فله النصف، أو الربعُ، أو للموصِي أن يعطِيَهُ أقلَّ ما يُتَمَوَّلُ على الخلافِ المذكورِ فيما إذا أوصَى لزيد، وللفقراء، أو لو أوصَى لزيد وللَّهِ تعالَى، فوجهان: أحدهما: أن الكلَّ لزيد، وذكْرُ اللَّه تعالَى للتَّبَرُّك؛ كقوله تعالَى في آيتَي الفَيْءِ،

والغَنِيمَةِ: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال- 41].
والثاني: أن النصفَ لزيد، والباقي للفقراء؛ فإنَّهم مَصَبُّ الحقوق المضافة إلى اللَّهِ تعالَى.
قال الأستاذ أبو منصور: وهذا أصحُّ الوجهَيْن، لكنه لم يخصَّص النصف الباقي بالفقراء، بل [لو] قال: إنه في سَبِيل اللَّه، يُصْرَفُ إلَى وجوه القُرْب، وفيه وجه ثالثٌ عن ابن القاصِّ، أن النصفَ يُرْجَعُ إلَى ورثة الموصِي.
واعلم أنا حكَيْنا فيما إذا أوصَى لأجنبي، ووارث يطلب الوصيةُ في حقِّ الوارث وجهاً أنها تبطل في حقِّ الأجنبيِّ أيضاً، بناءً على أن تفريق الصفقة لا يجوز، وذلك الوجهُ علَى ضعْفه يلزم طَرْدُه في نَصِيبِ زيْدٍ في هذه الصُّورة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِ زَيْدٍ دَخَلَ فِيهِ الوَارِثُ وَالمَحْرَمُ وَغَيْرُ المَحْرَمِ (ح)، وَلاَ يَدْخُلُ الأَبُ وَالابْنُ فَلاَ يُعَرَّفَانِ بِالقَرِيبِ، وَيدْخُلُ الأَحْفَادُ وَالأَجْدَادُ، وَقِيلَ: لاَ يَدْخُلُ (ح) الأُصُولُ وَالفُرُوعُ، وَقِيلَ: يَدْخُلُ (ح)، وَلاَ يُرْتَقَى فِي بَنِي الأَعْمَامِ مِنَ الأَقَارِبِ إِلاَّ إلى أَقْرَبِ جدٍّ يُنْسَبُ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، حَتَّى لَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِ الشَّافِعِيِّ في زَمَانِهِ ارْتَقَيْنَا إلى بَنِي شَافِع لاَ إلى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِي المُطَّلِبِ، وَفِي زَمَانِنَا لاَ يُصرَفُ إِلاَّ إِلَى أَوْلاَدِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ لاَ إِلَى بَنِي شَافِعٍ، وَقَرَابَةُ الأُمِّ تَدْخُلُ فِي وَصِيَّةِ العَجَم، وَلاَ تَدْخُلُ في وَصِيَّةِ العَرَبِ عَلَى الأَظْهَرِ لِأَنَّهُمْ لاَ يَعُدُّونَ ذَلِكَ قَرَابَةً، إِلاَّ إِذَا أَوْصَى لِلأَرْحَامِ فَإِنَّ لَفْظَ الرَّحِمِ لاَ يُخَصُّونَ بِهِ، وَلَوْ أَوْصَي لِأَقَارِبِ نَفْسِهِ خَرَجَ وَرَثَتُهُ لِقَرِينَةِ الشَّرْعِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ كُلُّهَا لِلآخَرِينَ، وَقِيلَ: يُوَزَّعُ فَيَبْطُلُ نَصِيبُ الوَارِثِ وَيَصِحُّ البَاقِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلامُ في هذا الموضِعِ إلَى آخر الطَّرَف في الوصيَّة للقرابة، وتشتمل مسألتَيْنِ: إحداهما: إذا أَوْصَى لأقارِب زَيْدٍ، فيتضح الحكم بذِكْرِ جُمَلٍ: إحداها: يدخل في هذا اللفظ الذكَرُ والأنْثَى، والفقيرُ والغنيُّ، والوارثُ وغيرُ الوارثِ، والمحرمُ وغير المحرم، والقريبُ والبعيدُ، والمسلمُ والكافرُ, لأن الاسم ينتظم الجميع.
وقال أبو حنيفة: لا يدْخُل الغنيُّ، ولا غيرُ المَحْرَمِ، ولا يسوى بين القريبِ والبَعِيدِ، بل يُقدَّمُ الأقربُ، فالأقربُ، ولا يصرف إلى العَمِّ شيءٌ مع ولَدِ الأخِ، ولا إلى ابن العم مع العمّ.
وقال مالِكٌ -رحمه الله-: لا يدخل غير الوارث، وعن أحمَد -رحمه الله- أنه لا يدخلُ الكافر، ولو أوصَى لأقارب نفسه، ففِي دخول الورثة وجهَان.

أحدهما: أنهم لا يدْخُلون لقَرينَة الشَّرْع، لأنَّ الوارث لا يُوصَى له، خاصَّة، ولا يدخُلُ في عموم اللفظ، فعلَى هذا تختصُّ الوصية بالباقين، هذا ما يُحْكَى عن الصَّيْدَلانِيِّ، ولفظ الكتاب يقتضي ترجيحَهُ، ولم يذكر في "التتمة" غيره.
والثاني: يدخُلُونَ؛ لوقوع الاسْمِ عليهم، ثم يبطل نصيبهم، ويصحُّ الباقي لغير الورثة.
ولك أن تقولَ: وجَبَ أن يختص الوجهان بقولنا: إنَّ الوصيةَ للوارِث باطلةٌ، أما إذا قلْنَا: إنَّها موقوفةٌ على الإجازة، فليُقْطَعْ بالوجّهِ الثاني.
الثانية: في دخول الأصُولِ والفُرُوعِ أوجُهٌ: أحدها: وبه قال أبو حنيفة وأبو إسحاق -رحمهما الله-: إن الاُبَوَيْنِ، والأولادَ لا يدْخُلون، ويدخل الأحفادُ، والأجدادُ؛ لأن الولد والوالد لا يُعَرَّفَانِ بالقريب في العُرْف، بل القريب من ينتمي إلَيْهِ بواسِطَةٍ.
[والثاني: أنه لا يدخلُ واحدٌ منْ الأصول والفروع؛ إذ: لا يُسَمُّوْنَ أقارِب] 1. والثالث: يدخلُ الكلُّ وهذا ما أورده المتولِّي، ورجَّحه الشيخ [أبو الفرج] الزاز، ولهما أن يمنعا ما زَعَمَهُ صاحب الوجّه الأوَّل في تفسير القَرِيب، وأنْ يحتجا بأنَّ الأب والابن يدخلان فيما إذا أوصَى لأقرب الأقارب، فكيف يكون الشخص أقْرَبَ الأقارب، ولا يكون من الأقارب، وعلى هذا؛ فالأوَّلُ أظهرُ من جهة النقل، كما يشعر به نظْمُ الكتاب، حتى أن الأستاذ أبا مَنْصُورٍ ادَّعَى إجماع الأصحاب عَلَى أنه لا يدْخُلُ الأبوان والأوْلاَد.
الثالثة: يعتبر أقربُ جدٍّ يُنْسَبُ إليه الرجُلُ، ويعدُّ أصلاً، وقبيلة في نفسه، فيرتقي في بني الأعمام إليه، ولا يعتبر من فوقه حتَّى لو أوصَى لأقارب حَسَنِيٍّ، أو أوصى حَسَنِيٌّ لأقارب نفسه، لم يدخُلِ الحسينيون.
وكذلك وصيَّة المأموني لأقاربه، والوصية لأقارب المأمونيِّ لا يدخل فيها أولاد المعتصم، وسائر العباسية، والوصية لأقارب الشافعيِّ -رضي الله عنه- في زمَانِهِ يُصْرَفُ إلَى أولاد شافِعٍ، ولا يدخل فيها أولادُ عَلِيٍّ، والعبَّاسِ، وإن كان شافعٌ, وعليٌّ، وعبَّاسٌ، كلُّهم أولادُ السائِبِ بنِ عُبَيْدِ، والشافعيُّ هو مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ بْنِ العَبَّاسِ، بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شَافِعِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
ولو أوصَى مُوصٍ لأقارِبَ بَعْض أولادِ الشافعيِّ -رضي الله عنه- في هذه الأزمنة، دخَلَ فيه أولادُ الشافعيِّ -رضي الله عنه- دون غيرهم منْ أولاد شافِعٍ، وعلَى هذا القياس.

وعن أَحمد -رحمه الله- أنه يُنْظَرُ إلَى الأب الثالث، فتُصرَفُ الوصيةُ إلى أولاده، دون أولاد الأب الرابع، ومن فوقه.
الرابعة: وصية العجَمِ، يدْخُلُ فيها قرابةُ الأب، والأمِّ في وصية العَرَبِ وجهان: أظهرهما: عند المصنِّف وصاحب "التهذيب": أن قرابة الأمُّ لا تدخلُ، وبه قال أحمد -رحمه الله- لأن العرب لا تعدُّها قرابةَ، ولا تفتخر بها، وإنما تفتخر بمَنْ ينتمي إلَيْهم منْ جهة الأبِ.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- وهو ظاهر النص في "المختصر": الدخولُ كما في وصية العجم، والذي ادعاه صاحبُ الوجه الأول ممنوعٌ؛ ألا تَرَى إِلى ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "سَعْدٌ خَالِي فَلْيُرِني امْرُؤٌ خَالَهُ" 1 وبهذا أَجَاب أَصحابُنا العراقيُّون، وهو الأقوى.
الخامسةُ: لا فَرْقَ بين أن يقول: أوصيتُ لأقاربي، أو لقرابتي، أو لذِي قرابَتِي، أو ذي رَحِمِي، أو ذَوِي قرابَتِي، أو ذَوِي رَحِمي، في جميع ما ذكرنا، لكن قرابة الأمِّ عَلَى ما هو ظاهرُ النصِّ يدخل في لفظ الرَّحِم، بلا خلاف، في وصية العرب والعَجَم، جميعاً؛ لأن لفظ الرحِم لا يختص بطرف الأب، وإذا لم يوجَدْ إلاَّ قريبٌ واحدٌ، صُرِفَ المال إليه، إن أوصَى لذوي قرابته، أو ذي 2 رحمه، أو لقرابته، فإن القرابة مصدرٌ يوصَفُ بها الواحدُ والجميعُ، أما إذا كان اللفظ: لأقارِبِي، أو أقربائي، أو ذوي قَرَابَتِي، أو ذوي رحمي، فوجهان في أنه، هل يكون له الكُلُّ: أظهرهما: نعم؛ لأن الجميع ليْسَ مقصوداً هاهنا، وإنما المقصود الصَّرْف إلَى جهة القرابة، هكذا وجه الإمام، لكنه لو كان كذلك، لَمَا وجب الاستيعابُ؛ كالوصية للفقراء، وإذا قلْنا: لا يكونُ الكلُّ لذلك الواحد، فله الثلثُ، ويبطُلُ الباقي، وحكى الأستاذ أبو منصور وجّهاً آخَرَ؛ أنَّه يكون له النصفُ، إن كان هناك جماعةٌ محصُورون، فَيُقَسَّمُ المالُ بينهم بالسوية، ولا بد منْ استيعابهم، خلافاً لأبي حنيفة - رحمه الله- حيث جَوَّزَ صرْفَ المال إلَى ثلاثة منهم.
وحكَى الحناطيُّ وجهاً مثْلَهُ، وقد مضَى نحوٌ منه عن رواية الأستاذ أبي منصور،

وإن كانُوا غيْرَ محصُورَيْنَ؛ كالوصية للعَلَوِيَّة، والقَبَائِلِ العظيمة، وقوله في الكتاب "ارْتَقَيْنَا إلى بَنِي شَافِعٍ، لا إِلَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَبَنِي المُطَّلِبِ" هؤلاء كلهم أجدادُ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- عَلَى ما ذكرنا نسبه، لكن شافعاً أقربهم منْه، وإليه انتسابه.
وقوله "وفي زماننا لا يُصْرَفُ إِلاَّ إلَى أولادِ الشافعيِّ" أي: إذا أوصَى لأقارب بعض أولاد الشافعيِّ، وقولهِ: "لأن لفظ الرَّحِم لا يخصِّصُونه" يعني أنهم لا يخصِّصون هذا اللفظ بقرابة الأبِ، بخلاف لفْظ القَرِيب واَللَّه أعْلمُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أوْصَى لِأَقْرَبِ أَقَارِبِهِ دَخَلَ فِيهِ الأَبُ وَالابْنُ، ثُمَّ لاَ تَرْجِيحِ بِالذُّكُورَةِ، فَيَسْتَوِي الأَبُ وَالأُمُّ، وَالأَخُ وَالأُخْتُ، وَالأَخُ مِنَ الجَانِبَيْنِ أَوْلَى مِنَ الأَخِ مِنْ جهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالأَحْفَادُ وإِنْ سَفَلُوا يُقَدَّمُونَ عَلَى الإِخْوَةِ، وَكَذَا بَنُو الإِخْوَةِ عَلَى الأَعْمَامِ لِقُوَّةِ الْجِهَةِ، وَلاَ يُقَدَّمُ ابْنُ ابْنِ الأَخِ لِلْأَبِ وَالأُمِّ عَلَى الأخِ لِلْأَبِ، وَلاَ عَلَى ابْنِهِ لِأَنَّ جِهَةَ الأُخُوَّةِ وَاحِدَةٌ فَيُرَاعَى قُرْبُ الدَّرَجَةِ، وَيُقَدَّمُ ابْنُ البِنْتِ عَلَى حَفَدَةِ الابْنِ لِلْقُرْبِ وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى الْوِرَاثةَ، وَفِي الجَدِّ مَعَ الأَخِ لِلْأَبِ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَوِيَانِ، وَالثَّانِي: الأَخُ أَوْلَى لِقُوَّتِهِ، وَفِي الجَدِّ مَعَ ابْنِ الأَخِ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: الجَدُّ أَوْلَى لِقُرْبِهِ، والآخَر: ابْنُ الأَخِ أَوْلَى لِقُوَّةِ البُنُوَّةِ، وَالجَدُّ أَبُ الأُمِّ مَعَ الأَخِ لِلْأُم كَأَبِ الأَبِ مَعَ الأَخِ لِلْأَبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألة الثانية: إذا أوصَى لأقرب أقارب زَيْدٍ، دَخَلَ فيه الأبوانِ، ثم في الأب والابنِ، إذا اجتمعا وجّهَانِ، وعن رواية القاضِي أبَي الطَّيِّب قولان: أحدهما: أنه يسوَّي بينهما؛ لاستوائهما في الرتبة، وعلى هذا؛ يُقدَّم [الأب على ابن الابن.
وأظهرهما: ولم يورد طوائف سواه: أنه يُقدَّم] 1 الابن لقوة إرْثِهِ وعصوبته، وعلَى هذا؛ فالأولادُ يُقَدَّمُونَ عَلَى مَنْ عداهم، ويليهم البطْنُ الثاني، ثم الثالثُ إلى حيث انْتَهَوْا ويستوي أولادُ البنين، وأولادُ البنات.
وقد يُقَالُ: إذا اقتضَتْ قوَّةُ الإرث، والعُصُوبَةِ في الابن، تقدمه على الأبِ، فهلاَّ اقتضى أصْلُ الإرث بالعُصُوبة في أولادِ البَنِينَ تقدُّمَهم على أولاد البنات فإنْ لم يكُنْ أحد من الأولاد والأحفادِ، فيُقدَّمُ الأبوان، وبعدهما الأجدادُ والجداتُ، إن لم تُوجَدِ الإِخْوَةُ والأخواتُ، عَلَى شرط تقديم الأقرب فالأقرب منْهم، أو الإِخوة والأخوات، إن لم تُوجد الأصول.

وإذا اجتمع الجدُّ والأخ.
فأظهر الطريقَيْنِ أن المسألة على قَوْلَيْنِ: أحدهما: أنهما يستويان؛ لاستوائهما في الدرجة.
وأصحهما: تقديمُ الأخ؛ لِقُوَّة البنوُّة وهما كالقولَيْنِ فيما إذا اجتمع جَدُّ المعتق، وأخوه.
والطريق الثاني: القطْع بالقول الثاني، فإن قلنا بالتسوية، فالجد أولَى من ابن الأخ؛ لقربه، وإن قدمنا الأخ؛ فكذلك يُقدَّم ابن الأخ، وإن سَفَل، وأُجْرِيَ الخلاف في ابن الأخ مِنْ أبِ الجَدِّ، والظاهرُ تقديمُ ابن الأخِ، ثم يقدم بعدهم أولادُ الأخوةِ والأخَوَاتِ، ثم الأعمامُ والعَمَّات، ويُساويهم الأخوالُ والخالاتُ، ثم أولادُ هؤلاءِ, والأخ من الجهتين يُقدَّم على الأخ من جهةٍ واحدةٍ؛ لزيادة قرابته.
وحكى الإمامُ في "باب النكاح" أنَّ بعض الأصْحَاب أثبت في تقدمه 1 قولَيْنِ؛ كما في ولاية التزْويج، وهكذا نذكر الحناطيُّ، والأخ من الأب والأم، والأخُ من الأمِّ يستويان فيه، وكذا القولُ في أولاد الإخوة، والأعمام، والأخوال، وأولادِهِمْ، وفي تقدم الجدَّة من الجهتَيْنِ، على الجَدّ منْ جهةٍ واحدةٍ وجهان، وهما كالوجهَيْنِ في الميراث؛ أنَّ السدس بينهما أم تفضل صاحب الجهتين ويخرَّج مما ذكرنا أنه إذا اجتمع أولادُ إِخْوة مفترقين 2، وأولاد أخوات مفترقات، فالمالُ لولدِ الأخ من الأبوَيْنِ، وولد الأختِ من الأبوَيْنِ، وإن لم يوجَدْ أولادُ الإخوة والأخوات من الأبَويْنِ، وأولادُهُمْ من الأب، وأولادُهُمْ منْ الأمِّ سواءٌ، هذا إذا استوَتِ الدرجة، فإن اختلفت، قُدِّم الأقربُ منهم مِنْ أي جهة كان، حتى لا يُقدَّم ابنُ ابْنِ الأخ من الأبوين عَلَى الأخ من الأب، ولا على ابنه، بل يُقدَّمان عليه، وكذا يُقدَّم الأخ من الأم، وابنه؛ لأن جهة الأخُوَّة واحدةٌ، فيراعَى من قرب الدرجة، فإذا 3 اختلفتِ الجهة البعيدةُ من الجهة القَرِيبَةِ، تُقدَّم على القَرِيبِ من الجهَة البَعِيدَةِ، حتى يُقدَّم ابنُ ابنِ الابْنِ على الأخ، وابنُ ابنِ الأخِ، وإن سَفَلَ عَلى العم.
ولا ترجيح في هذا الباب بالذُّكُورة، ولا ينظر إلى الورثة بل يستوي في الاستحقاق الأبُ والأمُّ والابنُ والبنتُ، والأخُ والأختُ، كما يستوي المُسْلِم، والكَافِر، ويُقدَّمُ ابْنُ البنتِ على ابن [ابن] 4 الابنِ، وكلُّ ذلك؛ لأن الاستحقاق منوطٌ بزيادة القرب.

فَرْعَانِ: الأولُ: لو أوصَى لجماعةٍ من أقرب أقاربَ زَيْدٍ، فلا بدَّ من الصرف إلى ثلاثةٍ، فإن كان له في الدرجةِ القربَى ثلاثة، كبنين، أو بناتٍ، أو إِخوةٍ، دفعَ إليهم، وإن كانوا أكثر من ثلاثة، ففي وجوب تعميمهم وجّهَان.
أحدهما: أنه لا يجبُ؛ لأن الجماعة تَحْصُل بثلاثة، فيختار الوصيُّ ثلاثة منْهم، كما لو أوصَى للفقراء.
والثاني: وهو الذي اختاره صاحب "الشامل" وحكاه عن القاضي أبي الطيب في "المجرَّد": أنه يجبُ التعميم، وإلاَّ صارَتِ الوصيَّة لغير معيَّن، بخلاف الوصيَّة للفقراء؛ لأن المعتبر هناك جهةُ الفقر، وإن كانُوا دون الثلاثة، تمَّمنَا الثلاثة، ممَّن يليهم، وإن كان له ابنان وابنُ ابنٍ، دُفِعَ إليهم، وإن كان له ابن، وابنُ ابنِ، وابنُ ابنِ ابنٍ، دُفِعَ إليهم، وإن كان له ابنٌ وابنا ابْنٍ، فكذلك، وفي ابنٍ، وابنِ ابنٍ، وابْنَي ابنِ ابنٍ، يُدْفَعُ إلَى الابنْ، وابْنِ الابنِ، وواحد من الذين هم في الدرجة الثالثة، أم يعممون؟ فيه الوجهان، وإذا قلنا: يعممون، فالقياس التسويةُ بين كلِّ المدفوع إليهم، وفي "تعليق" الشيخ أبي حامد أن الثُّلُثَ لِمَنْ في الدرجة الأُولَى، والثلث لمن في الثانية، والثلث لِلَّذِينَ هم في الثالثة، هذا ما نقل عن النَّصِّ وكلام الأصحاب في الفَرْع، وكان الأشبه أن يُقَالَ: إنَّها وصيةٌ لغير معيَّنٍ؛ لأنَّ لفظ الجماعةِ منكر فصار كما لو أَوْصَى لأحد الرجُلَيْنِ، أو لثلاثةٍ لا على التعيين من جماعة معيَّنِين.
الثاني: لو أوصَى لأقربِ أقاربِ نَفْسِه، فالترتيبُ عَلَى ما بينا، لكن لو كان الأقربُ وارثاً، صُرِفَ إلى من يليه ممَّن ليس بوارث، إن لم نصحح الوصية للوارث، أو صححناها, ولم يُجزْ سائرُ الوَرَثَةِ، هكذا نقل صاحب "التهذيب" 1 وغيره، وهو جواب عَلَى قولنا: إنه لو أوصَى لأقارب نفسه، لم تُدْخُلِ الورثةُ بقرينة الشَّرْع، أما إذا قلْنا: إنهم يَدْخُلُون، ويوزَّع المال عليهم، وعلَى من ليس بورثة، فهاهنا تبطُلُ الوصية، إلاَّ أن يتعدَّد الأقربون، ويكون فيهم وارثٌ، وغَيْرُ وارثٍ.
وأما لفظ الكتاب، فقد تغير ترتيب بعض مسائل الكتاب 2 فيما ذكَرْناه ولا بأسَ بمثله عند الحاجَةِ، وقوله: "فيستوي الأبُ والأُمُّ" وكذا قوله: "والأخ من الجانبين أولَى من الأخ من جهة واحدة" فإنَّ هذا اللفظ ينتظم الأخَ من الأبِ، والأخَ من الأمِّ وكلاهما جواب على أنَّ قرابة الأم يدْخُلُون في الوصية مطلقاً، وعلَى ذلك؛ يتفرَّع ما بيناه في شرح الفَصْل، فإنْ قلنا: إنهم لا يدْخُلُون في وصيَّة القرب، فلا استحقاق للأخ من الأم بحال، وقوله: "وفي الجَدِّ مع الأخ للأبِ قولان" يجوز إعلام لفظ القولَيْن بالواو؛

للطريقة القاطعة، بتقديم الأخ، ويمكن إعلام قولُه "يستويان" وقوله: "الأخ أولَى" بالحاء؛ لما ذكر الأستاذ أبو منصور أن قياس قول أبِي حَنِيْفَةَ -رحمه الله- في الميراث تقديمُ الجَدِّ على الأخ، وذلك خلافُ القولَيْنِ جميعاً، وعلى هذا، يمكن إعلام قوله: "ابنْ الأخِ أولَى" بالحاء أيضاً.
وأما قوله: "والجدُّ أبُ الأمِّ مع الأخ للأمِّ كالجَدُّ أبِ الأبِ مع الأخِ للأبِ" فينبغي أن يُعْلَمَ بالواو لأنه يتفرع عَلَى إدخال قرابة الأمِّ في الوصيَّة، ثم لا شَكَّ عَلَى هذا الوجْه في مجيء القولَيْن في الأخ للأم مع الجد للأم لكنَّ إيرادَ الكتَابِ مع التقييد أولاً في قوله وفي الجَدِّ مع الأخ للأبِ يشعر إشعاراً ظاهراً بتقديم الجِدِّ أَبِ الأبِ على الأخِ للأمِّ جَزْماً، كما في الإرث، لكن الذي ذكره أصحابُنا العراقيُّون، وصاحب "التهذيب"، و"التتمة" -رحمهم الله- أنه لا فَرْقَ وَيجْرِي القولان في الجَدِّ أبِ الأبِ مع الأخِ للأَمِّ، وفي الجدِّ أبِ الأمِّ مع الأخِ للأبِ، وهذا هو قياس الباب.
ثم إنَّا نخْتُم هذا القسم بفُرَوع تليق به [ونوردها أتباعاً] 1 بتوفيق اللَّه تعالَى، مقْتَصِرِينَ عَلَى بيان الألفاظ المستعملة في الموصَى لهم، فنقول: آل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو المُطَّلِبِ أمْ جَمِيعُ أمته.
فيه وجهان ذكَرْنَاهما في "الصلاة"، والأصحُّ الأولُ، وعن مالك: آله أصحابُهُ ولو أوصَى لآلِ غَيْرِهِ، فوجهان: أحدهما: بطلانُ الوصية؛ لإبهام اللفظ؛ وتردُّدِه بين القرابة وأهل الدِّين وغيرهما.
وأشبههما: الصحَّةُ؛ لظهور أَصْلٍ له في الشَّرِيعَةِ؛ وعلى هذا قال الأستاذ أبو منْصُور: يُحتمل أن يكون كالوصيَّة للقرابة، ويُحْتَملُ أن يُفَوَّضَ إلى اجتهادِ الحَاكِم، فإن كان هناك وصيٌّ فالمتبع رأيُ الحاكم، أو الوصيِّ؟ حكى الإمام: فيه وجهين، ولم يذكروا أن الحاكم والوصيَّ يَتَحَرَّيَانِ مُرَادَ الموصِي، أم أظهر معاني اللفظ بالوَضْع، أو الاستعمالِ، وينبَغِي أن يُقَالَ: المرعِيُّ مرادُهُ، إن أمكن العثُورُ علَيْه بقرينةٍ، وإلاَّ فأظهر المعاني 2. وفي أهل بَيْت الرَّجُل وجهان: أحدهما: الحمْلُ على ما يُحْمَلُ عليه الآلِ.
والثاني: دخولُ الزوجة أيضاً، وكأنه أشبه، وفي أهله دون لفظ البَيت وجهان أيْضاً:

أحدهما: الحَمْلُ على الزوجة خاصَّةً، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
والثاني: عَلَى كلِّ مَنْ تلزُمُه نفقتُهُ، فعلى الأول؛ لو صدَرَتِ الوصيةُ منْ امرأة بطلت 1. وآباء فلان: أجداده منْ الجهتين، وأمهاته جدَّاته منْ الجهتين، هكذا ذكره الأستاذ أبو منصور وغيره، وحكى الأستاذ عن أصحاب الرأْيِ أن الأجّدَادَ منْ جهة الأمِّ لا يدْخُلُون في الآباءِ والجَدَّاتُ من جهة الأب لا يدْخُلْنَ في الأمهات.
وجعل الإمام المذْهَبَيْنِ وجّهَيْن، ورأى الأظهر ما نسب إلَى أهل الرأْي، ولا خلافَ في شُمُول الأجدادِ والجَدَّاتِ منْ الجهتين، ولا يدخل في الإِخْوَة والأَخَوَاتِ والأحفاد.
والأَخْتَانُ أزواج البنات، ولا يدخل في أزواجُ العَمَّات، والخالاَتِ، وفي أزواج الأخوات وجهان: أصحُّهما: عند الإمامِ المنْعُ، ويدخلُ أزواج الحوافد، وإن قُلْنَا بدُخُول الأحفاد في الوصيَّة للأولاد، عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه يدخل زَوْج كلِّ ذات رَحِمٍ محرم، وللأصحاب وجه مثله، ثم الاعتبارُ بكونه زوجاً عند الموت، فلو كانت خليَّةً يوم الوصية، منكوحةً يوم الموت، استحَقَّ زوجُها.
ولو كانتْ مزوَّجةَ يوم الوصية، مطلَّقةً يوم الموت فإن كان الطَّلاَقُ رجعياً، فالاستحقاقُ بحاله، وإلاَّ، فلا شَيْء له، وإنْ طلق بيْن المَوْت والقَبُول، استحق، إن قلنا: إن المِلْكَ في الوصيَّة يحْصُل بالموت، أو توقفنا فإن قلنا: يحصل بالقبول، فعلى وجهين.
ويجْري الخلافُ فيمن تزوَّجت بعد مَوْت المُوصِي، ثم قتل زوجها.
وأحماء الرَّجُل أَبوا زوجته، وفي دخول أجدادها وجَدَّاتها تردُّد، حكاه الإمام -رحمه الله -، ولا يدْخُل أبوا زوْجَةِ الأب، وأَبَوا زَوَجَةِ الابْنِ، والأصهارُ كالأحماءِ، هذا ما نقله الأستاذ أبو منْصُور، وتابعه إمام الحَرَمَيْنِ.
وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسيِّ: أن كلَّ رجُلٍ من رجال المحارم، وأبو زوجته حَمُو، وأن الأصهار تشمل الأختان والأحماء 2. ويدخل في المحارم كُلُّ محَرَّمٍ بالنَّسَب، وبالرِّضَاع، أو بالمُصَاهَرة، والأولاد، والذُّرِّيَّة، والنَّسْل، والعَقِب، والعِتْرَة، عَلَى ما ذكرنا في الوَقْف.

ولو قال: لورثةِ فُلاَنٍ، فلمن وَرِثَهُ مِنْ ذَكَرِ، وأنثَى ينسب أو سبَبٍ بالسوية، لا على مقادير الإرْثِ، فإن لم يكُنْ له وارثٌ خاصٌّ، وصرف ماله إلَى بيت المال، بَطَلتِ الوصيَّة.
وإِن ورثته بنتُ واحدةٌ ولم يحكم بالرد، فتستحق جميع الوصية، أم بعضها؟ فيه وجهان: أصحهما: عند الأستاذ: أوَّلُهما, ولو مات الموصي، والذي أوصَى لورثته، أو لعَقِبِهِ حىٌّ؟ فالحكايةُ عن بعض الأصحاب بُطْلاَنُ الوصية, لأن الإنسان لا يرثه، ولا يعقبه أحدٌ، وهو حىٌّ، وقال صاحب "النِّهاية" الظاهرُ عِنْدي صحَّةُ الوصيَّة في لفظ العَقِب، إن كان له أولادٌ؛ لأنهم يسمون أعقاب الشَّخْص في حياته.
قال: ومثل هذا محتمل 1 في لفظ الورثة، وعلَى هذا؛ فيوقَفُ إلى أن يموتَ، فيتبين من يرثه 2. ولو أوصَى لعصبة فلانٍ، لم يُشْتَرطْ في الاستحقاق كون فُلاَنٍ ميتاً يوم موت الموصِي، بخلاف ما ذكَرُوه في لفظ الورثة، والعَقِب، ثم أَوْلاَهم بالتَّعْصيب أولاهم بالوصيَّة.
للمَوَالِي؛ على ما ذكرنا في "الوقْف"، ولو كان له موالٍ من الأعلى والأسفل، ففيه الوجوه، وعن رواية البُوَيْطِىِّ قولٌ آخر؛ أنه يوقَفُ إلَى الاصْطلاَحِ؛ وإن لم يكن إلا أحدُهُما، فيُصرَفُ المال إليه، وهاهنا كلامان: أحدهما: قد يبحث عَنْ موضع الأوْجُه، فنَقُول: إن قصد أحدهما، وجب أن يُحْمَلَ اللفظُ عليه، ولا يجيء فيه الخلافُ، وإن فرض الكلام، فيما إذا لم يَقْصِدْ واحداً منهما، فلا معنى لقولنا: إن الظاهر الإحْسَانُ إلى المُعْتَقِ مكافأَة، أو أن العادة الإحسانُ إلى المَمَالِيكِ، بل لا تتجه إلاَّ القسْمَةُ عليهما، أو الإبْطَالُ.
والثاني: إذا لم يوجَدْ إلاَّ أحدُهما، فينقدِحُ أن يُفَرَّعَ على الأوجه فيُقَالَ: إنْ قلْنا بالقسمة، فينبغي أن يُصْرَفَ الآن إلَى الذي وَجَدَ النِّصْف، وإن قلنا بالحمل على المعتق، أو العتيق فإن كان المَوْجُود، هُوَ المحْمُولَ عليه، فذاك، وإلاَّ، بطَلَتِ الوصية، وإن قلْنا بالبطلان، فكذلك هاهنا؛ لأن إبهام اللَّفْظ لا يختلِفُ بين أن يوجد مجاملة، أو

لا يوجد، ثم إذا اقتضَى الحالُ الحَمْل على الموالي من الأسفل، أو صَرَّحَ الموصى به، ثبت الاستحقاق لكل منْ عَتَقَ عليه، سواءٌ تبرَّع بإعتاقه، أو أَدَّى به كفارة أو نَذْراً أو أُعْتِقَ علَيْه بالملك.
وفي أُمهاتِ أولادِهِ، ومدِّبريه وهم الذين يُعْتَقُون بموته وجهان 1. ويتامى القبيلة الصبيانُ الفاقِدُون لآبائهم، وهل يُشْتَرَطُ الفَقر للاستحقاق؟ فيه وجهان.
أشبههما: ما قيل في سهم الفَيْء والغنيمة: نعم، ولا بدَّ منْ تعميم المستحِقِّين، هذا إذا انحصَرُوا، [وأما] إذا لم ينْحَصِرُوا، فيجوز الاقتصارُ حينئذ على ثلاثةٍ، وجزم الأُستاذُ باشتراط الفقر فيهم، لكن الوجهين مشهورانِ في خُمْس الخمس مع عدم الانْحِصَار.
والعمْيَانُ والزَّمَنى كالأيتام في التفْضيل والخِلاَف 2. واسمُ الأراملِ يقَعُ على اللواتِي ماتَ عنْهُنَّ الأزوَاجُ، وعلى المختلعات، والمبتُوتَاتِ دُون الرجْعِيَّات، والأيامَى غير ذوات الأزواج، هذه عبارة الأستاذ [أبي منصور]، وبها أخذ الإمام -رحمه الله- وقال: الفَرْقُ أنَّ الأرملةَ التي كانتْ لها زوجٌ والأيِّمُ لا يُشْتَرَطُ فيها تقدُّم زوج، ويشتركان في اعتبار الخُلُوِّ عن الزوج في الحال، وعبارة صاحب "المهذب" والشيخ القراء لا يُعْتَبَرُ تقدُّم الزوج في تفسير الأرامل، وذكروا في دُخول مَنْ لا زَوجَة له من الرجال في لَفَظِ الأرامل 3 وجّهَيْنِ؛ لأن الاسم في العُرْف للنساء، لكن الشاعر قال [البسيط]: كُلُّ الأَرَامِلِ قَدْ قضيَتْ حَاجَتَهُمْ... فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الأرْمَلِ الذَّكَرِ وفي اشتراط الفقر الوجّهَان المذكُورَان في الأيتام، وبالاشتراط أجاب الأستاذ هاهنا.
والمعتَبَرُون من الأقارب الَّذين يعترَّضون، ولا يسألون، وذو القنوع الذين، يسألون.

وثيب القبيلة: النساء دُون الرِّجَالِ على أظهر الوجّهَيْن، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
والثاني: أنه يدْخُل الرجَالُ الذي أصابُوا، وفي الأبكار هذا الخلافُ.
وغِلْمَان القَوْم وصبيانُهُمْ، وكذا الأطفال، والذَّرَارِي، واختلف الجوابُ في الشيوخ، والفتيان، والشبان ففي "المهذب" و"التهذيب" أن الشيوخَ الذين جاوَزُوا الأربَعِينَ، والفتيان والشُّبَّان الذين جاوَزُوا البلُوغَ إلى الثلاثين، والمفهومُ منه أنَّ الكُهُول هم بين الثلاثِينَ والأربَعِينَ، فرواية الأستاذ عن الأصْحَابِ الرُّجُوع في ذلك إلى اللُّغَة، واعتبارُ كَوْن الشَّعْر في السواد، والبياض، والاختلاط، ويختلف ذلك باختلاف أمزجة الأبدان 1.

[القسم الثاني: في المسائل المعنوية]

قَالَ الْغَزَالِيُّ: القِسمُ الثَّانِي في الْمَسَائِلِ المَعْنَوِيَّةِ: أَوَّلُهَا الوَصِيَّةُ بِمَنَافِعِ الدَّارِ وَغَلَّةِ البُسْتَانِ وَثَمَرَتِهِ نَصَّ الشافِعِيُّ -رضي الله عنه- عَلَى صِحَّتِهِ، وَكَذَا مَنَافِعُ العَبْدِ وَهُوَ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ بَعْدَ المَوتِ لاَ مُجَرَّدُ (ح) إِبَاحَةٍ حَتَّى إِذَا مَاتَ المُوصَى لَهُ وُرِثَ (ح) عَنْهُ، وَيصِحُّ (ح) إِجَارَتُهُ، وَلاَ يَضْمَنُ إِذَا تَلِفَ العَبْدُ في يَدِهِ، وَيَمْلِكُ جَمِيعَ اكْتِسَابِ العَبْدِ مِنَ الاصْطِيَادِ وَالاختِطَابِ، ولا يَمْلِكُ وَلَدَ الجَارِيةِ وَلاَ عُقْرَهَا، وَلاَ مَا يَمْلِكُهُ العَبْدُ بِالاتِّهَابِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَهَل يَمْلِكُ المُسَافَرَةَ بِهَا دُونَ رِضَا المَالِكِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد سبق أنَّ الوصيَّة بمنافع العبْد والدَّار صحيحةٌ مؤبَّدةً، ومؤقتةً، وكذا بِغَلَّة الدار، والحانوت، وكذا بثمار البستانِ الَّتِي ستحدُثُ على الأصحِّ، ولو أوصَى بخدمة عبد سنةً من السنين، ولم يعيِّن، [فيجعل] التعيين إلى الوارث [وصحت الوصية]؛ قاله الخُضَرِيُّ، وغيره ويجوز أن يجعل له ثمرة بستانه [فإن لم تثمر فثمرة] 1 العام القابل، أو خدمة عبْده العَام، فإن مرض، فخدمة العام الثاني، وكذا يجوز أن يُوصِيَ بخدمة عبده لإنسان مدةَ حياةِ زيد.
إذا تقرَّر ذلك، فالغرض الآن الكلامُ في فروع الوصية بالمنافع، ويبنى علَى أصل، وهو أن هذه الوصيَّة تمليكٌ للمنافع بعد المَوْت، وليست مجرَّد إباحة.
كما أن الوصيَّة بالأعيان تمليكٌ لها بعد الموت، فلو مات الموصَى له، وَرُثْتُ عنه؛ كسائر حقوقه، وله الإجارة، والإعارةُ، والوصية بها, ولو تلف العبد في يَدِه، لم يضمَنْه، كما لا يضمَنُ المستأجر.
قال في "التهذيب" وليس عليه مؤنةُ الرَّدِّ.
وعن أبي حنيفة: أنها عاريَّةٌ لازمةٌ لا مِلْكَ فيها, ولا يُورَثُ عنه، وليس له الإجارة، هذا إذا أطلق الوصيَّة بالمنافع، أو قيَّدها بالتأبيد، والمرادُ من التأبيد استيعابُ

الوصيَّة بمنفعة العبد مدةَ حياتِهِ، وكذا الحكمُ فيما إذا أوصَى بمنفعته مدةً مقدرةً من شهر أو سنةٍ، وحُكِيَ عن رواية أبي علي الطبريِّ؛ وغيره وجّهٌ آخرُ؛ أنها لا تنتقل إلَى وَارث الموصَى له لا عند الإطلاق ولا إذا قدر بمدَّة معْلُومَة، ومات الموصَى له قبل انقضائها، والمذهبُ المشهورُ الأوَّلُ.
أما إذا قال: أوصيتُ لك بمنافعه مدة حياتِكَ، فهو إباحةٌ، وليس بتمليكٍ، فليس له الإجارة، وفي الإعارة وجهان 1. وإذا مات الموصَى له، رجع الحقُّ إلى ورثة الموصِي، ولو قال: أوصيتُ لك أن تَسْكُنَ هذه الدار، أو بأن يخدمك هذا العبْدُ، فهو إباحةٌ أيضاً، لا تمليكٌ؛ بخلاف قوله: "أوصيتُ لكَ بسُكْنَاها أو خدمته" هكذا ذكره القَفَّال وغيره، لكنا ذكرنا وجهَيْن فيما إذا قال: اسْتَأْجَرْتُكَ لتَفْعَلَ كذا، أنَّ العقْدَ الحاصلَ إجارةُ عَيْنٍ، أم إجارةٌ في الذِّمَّة؟ فإنْ قلنا: إنه إجارة في الذِّمَّة، فينبغي ألا يفرق هاهنا بين قوله: "بأن يسْكُنَهَا، أو بِسُكْنَاهَا".
وفي "فتاوى القفَّال": أنه لو قال: أطعموا فلاناً كذا مَنَّاً منْ الخبزِ منْ مَالِي، اقتضى تمليكَهُ، كما في إطعام الكفارة، ولو قال: اشتَرُوا الخُبْزَ، واصرفوه إلَى أهْل محلتي، فسبيله الإباحةُ، هذا هو الأصل.
وأما الفروع: فمنها ما يتعلق بجانب الموصَى له فيملك إثبات اليد على العبد الموصَى بمنفعته أو منافعه، وإكسابه المعتادَةِ من الاحتطاب والاصطياد، وأجرة الحِرْفَة؛ فإنها أبدال منافعه، وفي الأكساب النادرة؛ كالموهوب والملتقط وجهان: أظهرهما: المنع، فإنَّها لا تقصد بالوصية، وذكر الحناطيُّ، أبو الحسنِ العباديُّ الوجهَيْنِ في مطلق الأكساب، وسيأتي في آخر الفصل ما يحقِّق روايتهما.

ولو أتت الجاريةُ الموصَى بمنفعتها بولدٍ منْ زوج، أو زنًى، فوجهان: أحدهما: أنه يملكه الموصَى له؛ كالأكساب، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- سَمَّى وَلَدَ الرَّجُلِ كَسْبه.
وأصحهما: أنه لا يملكه، وعلَى هذا، فوجهان: أحدهما: أنه ملك لورثة الموصِي؛ لأن استحقاق المنفعة لا يتعدَّى إلَى الولد، كما في الإجارة.
والثاني: أن حكمه حكم الأمِّ, رقبته للورثة، ومنفعته للموصَى له؛ لأنه جزء من الأمِّ, فيجري مجراها، وبهذا أجاب العراقيُّون، وصاحب "التهذيب" وإذا وُطِئَتْ بشبهة، أو زُوِّجَتْ، فلِمَنِ المهْرُ؟ فيه وجهان؛ جواب العراقيين بأسرهم: أنه للموصَى له، توجُّهاً بأن المهر من نماء الرَّقَبَة وغلتها، فكان كالأكساب، وتابعهم عليه صاحب "التهذيب".
والمنسوبُ إلى المرَاوِزَةِ: أنه لورثة الموصِي؛ لأنه بدل منفعةِ البُضْع، ومنفعةُ البُضْع لا تجوز الوصية بها، فبدلها لا يستحق بالوصية، وإذا تَعَذَّر ذلك كان تابعاً للرقبة؛ وهذا أشبه وأظهرُ عَلَى ما ذكره صاحب الكتاب، وهو الذي أورده أبو سعدٍ المتولِّي، ولا خلاف أنه ليس له وطؤها, لكن لو وطئها, لم يُجَدَّ للشبهة، وفيه وجه: أنه يُحَدُّ، كما لو وطئ المستأجر، ولو أولدها بالوطء لم تَصِرْ أمَّ ولد له، لكن الولد حرٌّ للشبهة.
وحكى العباديُّ وجْهَاً؛ أنه يكون رقيقاً، فإذا قلنا بحريته، فإنْ جعلنا الولد المملوك كالكسب، فلا قيمة عليه، وإلاَّ، فعلَيه القيمة، ثم هل هي لمالك الرقَبَة أم يشتري بها عبداً تكون رقبته لمالك الرقبة ومنفتُهُ للموصَى له فيه وجهان، هذا ما ذكروه في هذه الصورة، ولم يَفْرِقُوا بين أن يقول: أوصَيْتُ بمنفعة العبد، أو بغلته، أو بكسبه، أو بخدمته، أو بمنفعة الدار، أو سكناها، أو غلَّتِهَا، وكان الأحسن أن يُقَالَ: الوصيةُ بالمنفعة تُفِيدُ استحقاق الخدمة في العبد، والسكنى في الدار، والوصية بالخدمة، والسكنى لا تفيد استحقاق سائر المنافع؛ ألا ترى أنه إذا استأجَرَ عبداً للخدمة، لم يملك تكليفه البناء، والغراس، والكتابة؟ وإذا استأجر دَاراً للسُّكْنَى لم يكن له أن يعمل فيها عمل الحدَّادِين، والقصَّارين، ولا أن يطرح الزيل فيها؟ ولا يبعْدُ أن يكون المرادُ هذا.
وإن أطلقوا الكلام إطلاقاً، وأجرَوُا الصُّوَرَ مُجْرًى واحداً، بل ينبغي أن يُقَالَ: الوصيةُ بالغَلَّة، والكَسْبِ، لا تفيدُ استحقاق السكْنَى، والركوب، والاستخدام، والوصية بواحد منها لا تُفيد استحقاقَ الغلَّةِ، والكسْبِ، والغَلَّةُ، فائدةُ عينيةٌ، والمنفعة تُطْلَقُ في مقابلة العَيْن، فيُقَالُ: الأموالُ تنقسم إلى الأعيان والمنافعِ، وهذا يوافق ما حكاه وجّهاً؛ أن الموصَى له بالمنفعة لا يستحقُّ مطلق الكسب.

وهل ينفرد الموصَى له بالمسافرة بالمُوصى بمنفعته؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كما لا يجوز لزوج الأمةِ أنْ يُسَافِر بها، رعايةً لحق المالك.
وأظهرهما: نعم، وإلا، فيتبعض عليه الانتفاع، وليس كالزَّوْج مع السيد، فإن المنفعة هناك للسيد، ولذلك يستقلُّ بالمسافرة وملك الرقبة، هاهنا لا يستقل.
وقوله في الكتاب في مبدأ الفصل "الوصيةُ بمنافعِ الدارِ، وغلَّةِ البُسْتَانِ، وثمرتِهِ لفظ الغلَّة" بالدار أليق منه بالبستان، فلو قال: بمنافع الدار، وغلَّتها، وثمرة البُسْتَانِ كان أولَى، وهكذا هو لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- في "المختصر" قال: "ولو أوصَى بخدمة عبده، أو بِغَلَّةِ دارِهِ أو ثمرة بستانه".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالوَارِثُ يَمْلِكُ إِعْتَاقَهُ، ثُمَّ يَبْقَى (و) مُسْتَحِقَّ المَنَافِعِ بَعْدَ العِتْقِ، وَيَلْزَمُهُ (ح) الإِنْفَاقُ قبْلَ العِتْقِ، فَإِنْ أَرَادَ الخَلاَصَ فَلْيُعْتِقْ، وَقِيل الإِنْفَاقُ عَلَى المُوصَى لَهُ، كَمَا أَنَّهَا عَلَى الزَّوجِ، وَقِيلَ: إنَّهَا في كَسْبِهِ، وَلاَ يَمْلِكُ الوَارِثُ بَيْعَهُ إن أَوصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُؤَبَّداً، وَإِنْ كَانَ مُؤقَّتاً فَهُوَ كَبَيْعِ المُسْتَأْجِرِ، وَهَلْ يَمْلِكِ كِتَابَتَهُ وَلاَ كَسْبَ لَهُ إلاَّ الصَّدَقَاتُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالمَاشِيَةُ المُوصَى بِنِتَاجِهَا لِلغَيْرِ يَجُوزُ بَيْعُهَا لِبَقَاءِ بَعْضِ المَنَافِعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن الفروع ما تتعلق بجانب وارِثِ المُوصِي، وهي أربعة: إحداها: الوارثُ يملك إعتاقَ العَبْدِ المُوصَى بمنفعته؛ لأن رقبته خالصةٌ له، وأشار صاحب "الرقم" وغيره إلَى خلاف 1 فيه؛ والمذهب الأول؛ وحكى الإمام وجهَيْن في جواز إعتاقه عن الكفارة.
وأصحهما: المنع؛ لأنه عاجزٌ عن الكسب لنفسه، فأشبه الزَّمَنِ، ثم إذا أُعْتِقَ، فوجهان: أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: بل في معْظَم كتب الأصحاب: أن الوصيَّةَ تبقَى بحالها، وتكونُ المنافعُ مستحقَّة للموصَى له، كما كانت؛ كما إذا أعتق العبد المستأجر، ولا يرجع العتيق على المعتق بقيمة المنفعة، بخلاف ما إذا آجر عبده، ثم أعتقه، حيث قلنا: عَلَى رأيٍ: إنه يرجع بقيمة المنفعة للمدَّة الباقية؛ لأنه أتلف عليه منفعتَهُ بعْد العتق، بعقد قبله، وأخذ عوضَهَا، وهاهنا مِلْكُ الرقبة مسلوب المنفعة، ولم يفوت عليه شيئاً.
والثاني: نقله أبو الفرج الزاز أن الوصيَّةَ تَبْطُلُ، ويبعُدُ أنْ يكون الحُرُّ مستحِقَّ

المنفعة أبد الدهْرِ، وعلى هذا؛ فهل يرجع الموصَى له على المعْتِقِ ببدل المَنَافِع؟ فيه وجهان، وهل للوارِثِ كتابةُ هذا العبد؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا؛ لأن أكسابه مستحَقَّةٌ للغير فلا تنصرف إلَى جهة الكتابة.
والثاني: نعم؛ اعتماداً على ما يأخذه من الزكاة.
الثاني: إن كانت الوصيةُ بمنفعةٍ مدةً معلومةً، فنفقته على الوارث؛ لأنه مالك الرقبة.
كما إذا آجر عبده، وإن كانت الوصية بها على التأبيد، لثلاثة أوجه: أصحهما: أن الجواب كذلك، فإن كان يتضرَّر بذلك فخلاصُهُ في أن يعتقه.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رضي الله عنه- والإِصطخريُّ: أنها على الموصَى له؛ لأنه ملك منفعته عَلَى التأبيد، فأشبه الزَّوْجَ.
والثالث: أنَّها في كسبه، فإن لم يكُنْ له كسْبٌ، أو لم يَفِ بها، ففي بيت المال 1؛ لأن الإيجاب على الوارث، ولا فائدة له في العبد وإجحافٌ به، والموصَى له، لا يملك الرقَبَةَ، حتى نوجب عليه، فتعيَّن ما ذكرناه، والفطرة عَلَى ما ذكره أبو الفرج السرخسيُّ، وطائفة، كالنفقة، ففيها الخلاف.
وعلى ما أورده صاحب "التهذيب" القطعُ بوجوبها عَلَى مالك الرقبة، وهو كما حَكَيْنَا عن أبي الفضل بنْ عبدان في "باب الفطرة" فيما إذا أوصَى برقبة عبده لرجل، وبمنفعته لآخر، وعلفُ البهيمةِ كنفقة العبد، وعمارة الدار الموصَى بمنافعها وسقي البستان الموصى بثماره، إنْ تراضيا عليه، أو تطوَّع به أحدهما، فذاك، وليس للآخر منعه، وإن تنازعا، لم يُجْبَرْ واحدٌ منهما، بخلاف النفقة؛ لحرمة الحيوان.
وأشار بعضُهم إلَى طرد الخلاف المذكور، في العمارة، وسائر المؤنات 2. الثالث: بيع الموصَى بمنفعته مدةً؛ كبيع المستأجر، وإن كان مَوَصًى بمنفعته عَلَى التأبيد، ففي بيع الوارِثِ الرقبَةَ وجوه: أحدها: الصحة؛ لكمال المِلْكِ فيها.

والثاني: المنْعُ؛ لاستغراقِ المنفعةِ بحَقِّ الغير.
والثالث: أنه يصحُّ بيع العبد، والأمة، دون البهائم والجمادات؛ لأنه يُتَقَرَّبُ إلى الله تعالَى بإعتاقها.
والرابع: أنه يصحُّ البيع من الموصَى له، ولا يصحُّ البيع من غيره؛ إذْ لا فائدة [له] فيه، وهذا أرجح عَلَى ما يدُلُّ عليه كلام الأئمة -رحمهم الله-؛ ومنهم منْ قَطَعَ بالمنع، إذا باع منْ غير الموصَى له.
والماشية الموصَى بنتاجها للغير، يجوز بيعها؛ لبقاء بعض الفوائد، والمنافع؛ كالصوف واللبن والظهر، وإنما الخلافُ فيما إذا استغرقت الوصيةُ المنافع، وهذه الفروع الثلاثةُ هي المذكورةُ في الكتاب، والمواضعُ المحتاجَةُ إلى العَلاَمَاتِ منها غيرُ خَافِيَةٍ.
وقوله: "ولا يملك الوارث بيعه إن أوصَى بمنفعته مؤبداً ظاهره الجوابُ بنَفْي الصحَّة مطلقاً، لكنه عَلَى ما يدل عليه كلامُهُ في "الوسيط" أراد الوجه الفارِقَ بين ما إذا بَاعَ من الموصَى له، أو من غيره؛ والمعنى إلاَّ أن يبيع منْ الموصَى له.
وقوله: "ولا كسب له إلاَّ ما يأخذ من الصدقات" فيه إشارة إلى توجيه الوجْهَيْن، ويمكْنُ أن تجعل مجموعةً وجْهاً للمنع، أي لا كسب له إلاَّ ما يأخُذُ مِن الصَّدقاتِ، وأنها عارضةٌ لا اعتماد عليها، فلا للتصحيح.
الفرع الرابع: ليس للوارث وطء الجارية الموصَى بمنفعتها، إن كانَتْ ممن تَحْبَلُ؛ لما فيه من خوف الهلاك بالطَّلق، والنُّقصان والضَّعْف بالولادة والحَمْل، وقد يوجه أيضاً بأنه غير تامِّ الملك فيها، وإن كانت ممَّنْ لا تحمل، فعلَى وجهين، كما ذكرنا في وطء المراهق الجارِيَةَ المرهونةَ.
وقطع صاحب التَّتِمَّةِ بالجواز، وإن كانت ممَّنْ لا تحبل، وذكر وجهين فيما إذا كانت ممَّنْ تَحْبَلُ، فيحصل من ذلك ثلاثة أوجُهٍ في المسألة؛ فإن حرمنا الوطء، فوطئ، فلا حد؛ لظهور الشبهة، ووجوب المهر يُبْنَى عَلَى أنها لو وُطِئَت بالشبهة؛ لمن يكون المَهر؟ إنْ جعلناه للوارِثِ، لم يجب عليه المهْرُ هاهنا، وإلاَّ، وجب.
فإن أولدها، فالولدُ حرٌّ، وعليه قيمته، وتكون القيمةُ للموصَى له، أم يشترى بها عبداً يخدم الموصَى له، ورقبتُهُ للوارِثِ؟ فيه وجهانِ كالوجهَيْن فيما إذا ولدَتْ ولداً رقيقاً، وتصير الجاريةُ أمَّ ولد له، وتعتق بموته، مسلوبة المنفعة، وفيه وجهٌ ضعيف؛ أنها لا تصيرُ أمَّ وَلَدٍ.
قَالَ الغَزَاليُّ: إِذَا قُتِلَ العَبد فَلِلوَارِثِ اسْتِيفَاءُ القِصَاص، وَيَحْبُطُ حَقُّ المُوصَى لَهُ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى القِيمَةِ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الوَارِثَ يَختَصُّ بِهَا، وَقِيلَ: يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ فَيَقُومُ

مَقَامَهُ، وَقِيلَ: يُوَزَّعُ عَلَى الرَّقَبَةِ مَسْلُوَبةَ المَنْفَعَةِ وَعَلَى المَنْفَعَةِ، وَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الاعْتِبَار، وَإِنْ جَنَى هُوَ تَعَلَّقَ الأَرْشُ بِرَقَبَتِهِ، فَإذَا بِيعَ بَطَلَ حَقُّ المُوصَى لَهُ، وَإِنْ فَدَاهُ الشَّيِّ، اسْتَمَرَّ حَقُّهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ طَرِيقَ احْتِسَابِهِ مِنَ الثُّلُثِ أن يُعتَبَرَ مَا نَقَصَ منْ قِيمَتِهِ بِسَبَب الوَصيَّةِ بِمَنْفَعَنِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البقيَّة ثلاثُ مسائلَ: إحداها: في الجناية على العبد الموصَى بمنفعته، فإن قُتِلَ، نُظِر؛ إنْ كان قتلاً يوجب القصاص، فلمالك الرقبة الاقتصاص، وإذا اقتصَّ، حبط حق الموصَى له، كما لو مات، أو انهدمَتِ الدار، وبطَلَتْ منافعها، وإن كان مما يوجب المال، أو رجع إلَيْه، ففي القيمة المأخوذةِ أوجه: أحدها: أنه للوارث، بحق ملك الرقبة، ولا شيء لمستحِقِّ المنفعة، كما لا حَقَّ للمستأجر في بدل المستأجر، ولا لزوج الأمة في بدَلِها.
والثاني: ويُحْكَى عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه يشترَى بها عبدٌ يقوم مقامه، فتكون رقبته للوارِثِ، ومنفعته للموصَى له؛ لأن القيمة بدلُ الرقبة ومنافعها، فتقوم مقامها، وهذا أصحُّ عند الشيخ أبي حامد والإمام -رحمهما الله تعالى-.
والثالث: أنها توزع على الرقبة مسلوبة المنافع، وعلى المنفعة وحدها وطريقه أن يُقومَ الرَّقبة بنافعها، ثم تقوم بلا منفعة، ولا بدُ، وأن يكون لها قيمة؛ لما في إعتاقها من الثواب، وجَلْب الولاء، فقدر التفاوتِ هو قيمةِ المنفعة، فما هو حصَّةُ الرقبة من القيمة، فهو للوارث، وما هو حصَّةُ المنفعةِ، فللموصَى له، وهذا الوجه والذي قبله مأخذهما واحدٌ، وافتراقهما في أن القيمة تُصْرَفُ إلى عبدٍ آخَرَ، أو تُقَسَّمُ بحالها.
ولولا ما سنذكره من الإشكال في تقويم المنفعة، لاقتضى القياسُ ترجيحُ الثاني، كما في غرامة سائر المتلفات، وإنما يتوجَّه تحصيل عبد آخر في "الوقف".
والرابع: أنها للموصَى له خاصَّةَ؛ لأن تقويمه بمنافعه، والمنافع حقُّه؛ ويخرج على هذا الخلاف [فيما] إذا قتله الوارث، أو الموصَى له؛ فلا شيء على مَنْ لو كان القاتل غيره، لكَانَتِ القيمةُ مصروفة إليه، وإن جنَى عليه بقَطْع بعض أطرافه؛ فمنهم منْ طرد الأوجه الثلاثة الأُوَلَ في الأرش، وذكر أنه يُشتَرَى به على الوجه الثاني، ولا يَبْعُدُ تخريجُ الوجْه الرابع عَلَى هذه الطريقة؛ تشبيهاً له بالولد، والزيادات العينية، ومنهم مَنْ قَطَعَ هاهنا، يكون الأرش للوارث، واتفقوا على ترجيحه، وإنْ ثَبْتَ الخلافُ، وكان سببه أن العبْدَ بقي منتفعاً به، ومقادير المنفعة لا تنضبط، وتختلِفُ بالمرض والكبر، وكأنَّ حقُّ الموصَى له باقياً بحاله.

الثانية: في جنايته، فإنْ أتَى بما يوجِبُ القصاص، واقتُصَّ منه، فقد ضاع حقُّ المالك، والموصَى له جميعاً، وإن وجب المال، تعلَّق برقبته، فإن لم يفدياه، بِيعَ في الجناية، وبَطَل حقهما، ويتقدم حق المجنيِّ عليه علَى حقهما، فإنْ زاد الثمن على الأرش، قال أبو الفرَجَ السرخسيُّ: يُقَسَّمُ بينهما على نسْبَة حقِّهما، وينبغي أن يجيءَ فيه الخلافُ السابِقُ، وإن فدياه، استمر الحقَّان، وإن فداه مالك الرقبة فكذلك، وإن فداه الموصَى له، فوجهان في لزوم الإجابة على المجنيِّ عليه: أحدهما: لا يلزم؛ لأنه أجنبىٌّ عن الرقبة.
وأشبههما: اللزوم؛ لظهور غرضه فيه، وهذا فيما إذا فَدَى أحدهما العبْدَ بمنافعه، فإن فدَى حصته، قال أبو عبد الله الحناطىُّ: يُبَاعُ نصيب صاحبه، وفيه إشكال؛ لأنه إنْ فدَى مالك الرقبة، فكيف تباع المنافع وحْدَها؟ وإنِ فدَى الموصَى له، واستمر حقُّه فَبَيْعُ الرقبة يكُونُ على الخلاف الذي مَرَّ في أن الوارث، هلْ يبيح الرقبة؟ وقوله في الكتاب: "فإن فداه السيد اسْتمرَّ حقُّه" يعني حقَّ الموصَى له، وتخصيص السيد بالذِّكْر يمكن أن يكون إشارةً إلى الخلاف في أن فداء الموصَى له، هل تلزم إجابته، أو والاختيار أنها لا تلزم.
الثالثة: كيف يُحْسَبُ الوصية بالمنفعة منْ الثُّلُث؟ إن أوصَى بالمنفعة أبداً، فوجهان، ويُقَال: قولان: أحدهما: أنه يُعتبر الرقبةُ بتمام منافِعِها من الثلث، كما لو باع بثَمَنٍ مؤجَّلٍ يعتبر قيمته من الثلث، وهذا؛ لأنه حَالَ بينها وبين الوارث، والحيلولة كالإتلاف؛ ألا تَرَى أن الغاصِبَ يضمن بها؟ وأيضاً فإن منافع الرقبة وفوائِدَها قد بطَلَتْ على الوارث، فكأنه قد فوَّتها بالكلية.
والثاني: خرَّجه ابن سُرَيْجٍ: أن المعتبر ما بين قيمتها بمنافعها وقيمتها مسلوبة المنفعة؛ لأن الرقبة باقيةٌ للوارث، فلا معنى لاحتسابها على الموصَى له، وهذا أصحُّ عند صاحب الكتاب وطائفة، والأولُ أصحُّ عند الأكثرين، وهو نصه في اختلاف العراقِيِّينَ في "الإملاء"، وبه أجاب ابن الحدَّاد، ووجه أيضاً بأن المنفعة أبداً هي التي أوصَى بها، والمنفعة أبداً لا يمكن تقويمُها؛ لأن المنفعة أبداً يُعْنَى بها منفعةُ مدة العمر، ومدةُ العمْرِ غَيْرُ معلومةٍ، فمنفعة مدةِ العُمْرِ غيرُ معلومةٍ، وما لم يُعْلَمْ ولا يضبط لا يمكن تقويمُهُ.
وإذا تعذَّر تقويم المنافع وحدها، تعيَّن تقويم الرقبة؛ وحُكِيَ هذا الوجهُ عن أبي إسحاق.

واعلم أنَّا ذكرنا ما قيل في طريق تقويم المنفعة من قبل، ويشبه أن يُقَالَ: إنَّه غيرُ صَالحٍ لتقويم منفعة الموصَى بها 1 كما ذكره أبو إسحاق، لكنه صالح المعرفة ما فات على الورثة، أمَّا الأول؛ فلأنَّا إذا قوَّمنا الرقبةَ مع منافعها، فلا يُعْتَبَرُ فيه إلاَّ صفاتُ الرقبة في الحال، ولا ينظر إلى تأبدها, ولا تأقتها، كما لا يُنْظَرُ في الذَّات إلَى مدة بقائها، والموصَى به ليس له مجرَّدُ المنفعة، بل منفعة مدة العمر، فإِذنِ الطريق المذكور، لو أفاد، إنما يُفِيدُ معرفة قيمة المنفعة، لا قيمة المنفعة أبداً، وهي التي أوصَى بها.
وأما أنه صالِحُ المعرفة ما فات على الورثة؛ فلأنا إِذا قوَّمناه منتفعاً به، ومسلوب المنفعة، عَرَفْنا أن ما نَقَصَ هو الذي فوته على الورثة، فأمكن أنْ يقال: إنه المعتبرُ منْ الثلث، ويجوز أن يفوت على الورثة بوصيته ما لاَ يَحْصُل للموصَى له، كما لو أوصَى بأحد مصراعَي الباب، وزوْجَيِ الخُفِّ.
والذي ينبَغِي أن يُعْتَبَرَ منْ الثُّلُثِ هو الذي نقص من قيمتها، فإن قلنا: إن المحسوب منْ الثُّلُثِ قدر التفاوت، فهل يُحْسَبُ قيمة الرقبة منْ التركة أم لا تُحْسب على الوَارِثِ، كما لا تُحسب على الموصَى له؟ فيه وجهان: أظهرهما: الأول، ولنوضِّحْ ذلك بالمثال: أوصَى بمنفعة عبد، قيمته بتمام منَافِعِه مائة، ودون المنافع عَشَرةٌ، فعلى المنصوص يُعْتَبَرُ منْ الثلث المائة، ويشترطَ أن يكون له سوى العبد مائتان، وعلى الثاني المعتبر التسْعُونَ، فيشترط أن يبقَى للورثة ضعْفُ التسعين مع العَشَرة على وجه، ودونها على وجه، هذا إذا أوصَى بمنفعته أبداً، وإن أوصَى بها سنة أو شهراً، ففيه طرق: أحدها: أن الحكم كما في الوصية المؤبَّدة، نقله بعض الشارِحِينَ.
والثاني: عن الخُضَرِيِّ: إنِ اعتبرنا تفاوُتَ ما بين القيمتَيْنِ هناك، فهاهنا أَولَى، وإن اعتبرنا قيمة الرقبة، فهاهنا وجهانِ؛ بناءٌ على جواز بيع المستأجر.
إن جوزناه، اعتبرنا منْ الثلث قدر التفاوت، وإلاَّ، اعتبرنا قيمة الرقبة؛ لأنها كالتالفة، ويمكن على هذا القياس أن يُبْنَى الخلاف فيما إذا أوْصَى بمنفعته أبداً على الخلاف في أنَّ الوارث، هل يتمكَّنُ منْ بيعه؟ والثالث: أن المعتبر الثُّلُثُ منْ قيمة منفعةِ تلْكَ المدة، وهي أجرة المثل، واستبعده في "الوسيط" لأن المنافع تحدُثُ بعد الموت، فليس الموصي مفوتاً لها مِنْ ملَكه.

والرابع: وهو الأظهر: أنه يقوم العبد بمنافعه، ثم يقوم مسلوبَ المنفعة في تلْكَ المدة فما نقص، فهو المعتبرُ منْ الثلث، وقيمة الرقبة في هذه الحالة محسوبةٌ من التركة بلا خلاف.
ويتفرَّع على الخلاف المذْكُور صُوَرٌ: إِحداها: إذا أوصَى بمنفعةِ عبدِهِ ثلاثَ سِنِينَ، ولا مالَ له سواه، إن اعتبرنا قيمة الرقَبَة منْ الثلث، صحَّت الوصية في منافع الثلث، ورُدَّتْ في الباقي، وإن اعتبرنا ما نقَصَ بسَبَب الوصية، وكان النقصان نصف القيمة، فتُرَدُّ الوصية في سُدُسِ العبد، أو ينقص منْ آخِرِ المدَّة سدُسُها؟ فيه وجهان.
أظهرهما الأول؛ لأن قيمة المنافع تختلفُ باختلاف الأوقات.
والثانية: أوصَى برقبته لإنسان، وبمنفعته لآخَر، إن قلنا: يُعْتَبَرُ منْ الثلث كمال القيمة، فَيُنْظَرُ فيما سواه من التَّركة، ويسلم إلَى كلَّ واحد حقُّه كاملاً أو غَيْرَ كامل، وإنْ قلنا: المعتبر التفاوتُ، فإن حسبنا الرقبة على الوارث [إذا بقيت له هاهنا يحسب كمال القيمة عليهما وإن لم تحسب الرقبةُ على الوارث] 1، فكذلك لا تحسب على الموصَى له بها، وتصحُّ وصيته من غير اعتبار الثلث، كذلك ذكره في "التتمة".
والثالثة: أوصى بالرقبة لإنسان، واستبقى المنفعة للورثة، فإن قلنا: المعتبر منْ الثُّلُث كمال القيمة، لم تعتبر هذه الوصية من الثلث، لجعلنا الرقبة الخالية عن المنفعة كالتالفة، وإن قلنا: المعتَبَرُ التفاوُتُ فإن حسبنا قيمة الرقَبَةِ على الوَارِثِ، فهاهنا تُحْسَبُ قيمة الرقَبَةِ على أرباب الوَصَايَا، وندخلها في الثلث، وإن لم تحسب قيمة الرقبة على الوارث، فهاهنا يحسب قدر التفاوت على الوارث، ولا يحسب قيمة الرقبة على أرباب الوصايا.
الرابعة: العبد الموصَى بمنفعته، لو غصبه غاصب، فلمن تكون أجرة المدة التي كانَتْ في يد الغاصب؟ قال في "التتمة": إن قلنا: المعتَبَرُ منْ الثلث جميعُ القيمة، فهي للموصى له، فكأنه فَوَّت الرقبة على الوَارِثِ، وإن قلنا: المعتَبَرُ التفاوُتُ، فوجهان: أحدهما: الأجرة لمالك الرقبة، كما لو غَصَبَ العبد المستأجر.
وأظهرهما: أنها للموصَى له؛ لأنها بدل ملكه، وتخالف الإجارة لأن الإجارة تنفسِخُ في تلك المدَّة، فتعود المنافع إلَى ملك مالك الرقبة.
والخامسة: لو أوصَى بثمرة بستانه، خرج على الخلاف، ففي وجهِ: تُعْتَبَرُ جميع قيمة البستان منْ الثلث، وفي وجهٍ: ما بين قيمته بمنافعه وفوائده، وبين قيمته مسلوب

المنفعة 1، فإنِ احتمله الثُّلُث، فذاك، وإلاَّ، فللموصَى له القدرُ الذي يحتمله والباقي للوارث، فإن لم يحتمل إلاَّ النصف، فله منْ ثمرة كُلِّ عام النصف، والباقي للوارث.
فَرعٌ: لابْنِ الحَدَّادِ -رحمه الله- إذا أوصَى لرجلٍ بدينارٍ كلِّ شَهر منْ غلة داره، أو كسب عَبْدِهِ، وجعله بعده لوارثه، أو للفقراءِ والمساكينِ، والغلةُ، والكَسْبُ عَشَرَةٌ مثلاً؛ فاعتبَارُ هذه الوصية منْ الثلث كاعتبارِ الوصيَّة بالمنافع مدَّةً معلومةً؛ لبقاء بعض المنافع لمالِكِ الرقبة، فيكون الظاهر فيهما أنَّ المعتَبَرَ قدرُ التفاوت بين القيمتَيْنِ، ثم يُنْظَرُ؛ إن خرجتِ الوصيةُ منْ الثلث، قال ابن الحدَّاد: ليس للورثة أن يبيعوا بعض الدار، ويدعوا ما يحْصُل منه دينار؛ لأنَّ الأجرة تتفاوت؛ فقد تتراجَعُ، وتعود إلى دينار وأقل، وحينئذ، فيكون الجميع للموصى له، وهذا إذا أرادُوا بيع بعضها عَلَى أن تكون الغلَّةُ للمشتَرِي، فأما بيع مجرَّد الرقبة، فعلَى ما سبق منْ الخلاف في بيع الوارثِ الموصَى بمنفعته، وإن لم يخرج منْ الثلث، فالزائد على الثُّلُث رقبة، وغلة للوارث يتصرَّف فيه كيف يشاء، وإن كانت الوصية بعُشْرِ الغلة في كلِّ سنة، فما سوى العُشْر يخلص للوارث، يتصرَّف فيه كما يشاء، والفَرْقُ ظاهر 2. فَرْعٌ: أوصَى لإنسانٍ بدينارٍ كلَّ سنة، حكَى الإمام أنَّ الوصيَّةَ تصحُّ في السنة الأولى بدينار، وفيما بعدها قولان: أحدهما: الصحة؛ لأن غاية ما فيها الجَهَالَةُ، وأنها لا تمنعُ صحَّة الوصيَّة، وأيضاً، فالوصيَّةُ بالمنافع صحيحةٌ لا إلَى نهايةٍ، فكذلك هاهنا.

وأظهرَهُمَا: البطلانُ؛ لأنه لا يعرف قَدْر الموصَى به حتَّى يخرج من الثلث؛ فإنْ صحَّحناها 1، فإن لم يكُنْ هناك وصيَّة أخْرَى، فللورثة التصرُّف في ثُلُثَيِ المال لا مَحَالة، وفي ثلثه وجهان: أحدهما: نفوذُ التصرُّف بعد إخراج الدِّينار الواحِدِ؛ لأنا لا ندْرِي استحقاق الموصَى له في المستقبل.
والثاني: أنه يوقف؛ لأن الاستحقاقَ قد يثبت بقبول الوصية، إلَى أن يظهر قاطع، وإن قلنا بالتوقف، وبقى الموصَى له إلى أن استوعب الدنانير الثلث، فذاك، وإن مات، فعن صاحِبُ "التَّقْريب" أن بقية الثلث تُسلَّم للورثة.
قال الإمام: وفيه نَظَر؛ لأن هذه الوصية، إذا صحَّحناها كالوصيَّة بالثمار بلا نهاية، فوجب أن ينتقل الحقُّ إلى الورثة، وإن نفَّذنا تصرفهم فَكُلَّمَا انقضت سنة، طالب الموصَى له الورثَة بدينار، وكان ذلك كوصية تظهر بعد قسمةِ الورثةِ التركة، وإن كان هناك وصايا أُخَرُ، قال صاحب "التقريب" يغض الثلث بعد الدينار الوَاحِد على أَرباب الوصايا, ولا يتوقف فإذا انقضت سنةٌ أخرَى، استرد منهم بدينار ما يقتضيه التقسيط.
قال الإمام: وهذا بيِّنٌ، إذا كانت الوصية مقيَّدةٌ بحياة الموصَى له، أما إذا لم نقيد وأقمنا ورثته مقامَهُ، فهو مشكلٌ لا يهتدى إليه.
فَرْعٌ: لو انهدَمَتِ الدَّارُ الموصَى بمنافعها، فأعادها الوارِثُ بآلاتها، هل يعود حقُّ الموصَى له؟ فيه وجهانِ محكيَّان في "المعتمد".
ولو أراد الموصَى له إعادَتَهَا بآلاتها، فعلى الوَجْهَيْن 2. قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: إِذا أوْصَى بِالحَجِّ عَنْهُ نُظِرَ، إِنْ كَانَ تَطَوُّعاً صَحَّتْ إن جَوَّزْنَا الاسْتِنَابَةَ بِتطَوُّعِ الحَجِّ، ثُمَّ هُوَ مَحْسُوبٌ مِنَ الثُّلُثِ، وَلَكِنْ يَتنَزَّلُ مُطْلَقُهُ عَلَى حَجِّهِ مِنَ المِيقَاتِ، أَوْ منْ دُوَيرَةِ أهْلِهِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ حَجَّةَ الإِسْلاَمِ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الوَصِيَّةِ فإنَّه دَيْنٌ يَخْرُجُ منْ رَأْسِ المَالِ وَإِنْ لَمْ يُوصَ بِهِ كَالزَّكَوَاتِ وَسَائرِ الدُّيُونِ، وَلَكِنْ إِنْ قَالَ: حُجُّوا مِنْ ثُلُثِي كَانَ فَائِدَتُهُ زَحْمَةَ الوَصَايَا بالمُضَارَبةِ، وَلاَ يُقَدَّمُ الحَجُّ عَلَى الوَصَايَا في الثُّلُثِ عَلَى الصَّحيحِ (و)، ثُمَّ إِنْ لَمْ يُتَمَّمِ الحَجُّ بِمَا حَصَلَ مِنَ المُضَارَبَةِ كُمِّلَ مِنْ رَأْسِ المَالِ، أَمَّا الحَجَّةُ المَنْذُورَةُ فَفِيهَا وَفِي الصَّدَقَةِ المَنذُورَةِ وَفِي الكَفَّارَاتِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا) أَنَّهَا دَيُونٌ كَالزَّكَوَاتِ (وَالثَّانِي) أَنَّهَا كَالتَّطَوُّعَاتِ لِأَنَّهُ مُتَبَرَّعٌ بِالتِزَامِهَا، فَإِنْ أَوْصَى

احْتُسِبَ مِنَ الثُّلُثِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّ الْتِزَامَهَا كَالوَصِيَّةِ فَيُؤَدِّى مِنَ الثلُثِ وَإِنْ لَمْ يُوصَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحجُّ ضَرْبَانِ: متطوَّع به، ومفرُوُضٌ: الضرب الأوَّل: المتطوَّع به، وصحة الوصية [به] مبنيةٌ عَلَى دخول النيابة فيه، وفيه قولانِ مذكُورانِ في "كتاب الحج"، أصحُّهما الجواز، ثم هو محسوبٌ من الثُّلُث 1؛ كسائر التبرعات، وُيحجُّ عنه منْ الميقات، إنْ قيد به، ومن بلده، إنْ قيد به، وعند الإطلاق فيه وجهان: أحدهما: من الميقات؛ حَملاً عَلى أقل الدَّرَجَات.
والثاني: منْ بَلَدِهِ؛ لأن الغالبَ التجّهِيزُ للحَجِّ، والنهوض له من البلد، وإلى الأول ميل أكثرهم؛ لكن في "عيون المسائل" عن نصَّه: أنه إذا أوصَى أن يحج عنه متطوعاً، فبلغ ثلثه الحج منْ بلده، أحج عنه من بلده، وإن لم يبلغ أحج عنه من حيث بلغ ثلثه؟ وربَّما حُمِلَ ذلك على ما إذا قيد به، وهل يقدم حجُّ التطوُّع في الثلث على سائر الوصايا [عن القفَّال: أنه على القولين في تقديم العتق على سائر الوصايا] 2 لأن الحج قربةٌ كالعتق.
قال الشيخ أبو على -رحمه الله-: ولم أرَ هَذَا لأحدٍ منْ أصحابنا، وجعلوا الوصيَّة به مع سائر الوصَايَا على الخلافِ فيما إذا اجتمع حقُّ اللهِ تعالَى وحقوق الآدميين 3. وإذا لم يف الثلث، أو حصة الحَجِّ منه بالحج، بَطَلَتِ الوصية.
وكذا لو قال: أحجوا عني بمائة من ثلثي، ولم يمكن أن يحج بها, ولو قال: أَحجُّوا عني بثُلُثي، صُرِفَ ثلثه إلى ما يُمْكِنُ منْ حجتين، وثلاث فصاعداً، فإن فَضَلَ مَا

لا يُمكِنُ أن يَحُجَّ به، فهو للورثة 1. ولو قال: أحِجُّوا عني بثلثي، حجةً صُرفَ ثلثه إلَى حجةٍ واحدةٍ، ثم إن كان الثلُث قدْرَ أجرة المثل، أو دُونَها، فسواءٌ رغب وارث، أو أجنبيٌّ، وإن كان أكثر من أجرةِ المِثْلِ، لم يستأْجِرْ به الأجنبيُّ؛ لأن الزيادةَ محاباةٌ، فلا تجوز للوارث.
الضرب الثاني: المفروضُ، وهو حجَّة الإِسلام أو غيرها.
أما حجَّة الإِسلامِ، فمن مات، وهي في ذمته، قُضِيَتْ من ماله، وإن لم يوص بها، كالزكوات، وسائر الديون، ويجوز أن يُعْلَم بالواو [قوله في الكتاب] "فإنه دين يخرج منْ رأس المال" بالحاء والميم؛ لما ذكرنا في "باب الحج" أن أبا حنيفة ومالكاً -رحمهما الله تعالى- قالا بأنَّهَا تسقطُ بالموت، ولو أوصَى بحجة الإِسلام، نُظِرَ: إن إضافها إلى رأس المال، فهي تأكيدٌ وتذكير منه، وكذلك يفعل، لو لم يوص، وإن أضاف إلى الثلث، قضى منه، كما لو أوصَى بقضاء دينه منْ ثلثه، وتتضمن هذه الوصية ترفيه الورثة بتوفير الثلثين علَيْهم.
وفي تقديم الحجِّ عَلَى سائر الوصايا وجّهَان.
وقال الشيخ أَبو عليٍّ: قولان للشافعيِّ -رضي الله عنه- يجريان فيما لو أوصَى بقضاء دَيْنِهِ منْ الثلث: أحدهما: التقدُّم؛ لأنه لو لم يُوص، كان الحجُّ مقدَّماً في جميع المال على الوَصَايَا، وإذا جعَلَهُ في الثلث، تقدَّم فيه على الوصايا.
والثاني: لا يتقدَّم، بل يزاحمهما بالمضاربة؛ لأنه لما علَّقه بالثُّلُث الذي هو محلُّ الوصايا، كان سبيلُهُ [سبيلها] 2 وهذا أصحُّ عند صاحب الكتاب، ثم إن لم يفِ الثلُثُ بالحَجِّ على الوجه الأول، أو الحاصل منْ المضاربة علَى الوجْه الثاني، كُمِّلَ منْ رأس المال، كما لو قال: اقْضُوا دَينِي منْ ثُلُثِي، فلم يف الثلث به، وحينئذ فالمسألة تَدُورُ وسنوضِّح في الفصل مِثَالَ ذلك.
وإنْ أطلق، ولم يضف إلى الثلث، ولا إلَى رأس المال، فالجوابُ عَلَى الاختصار، أنه يُحَجُّ عنه منْ رأس المال عَلَى المذهَب، وقيل منْ الثلث، وفي "البسيط"

جارٍ التحميل