إحداها: إذا أَدَّى العَبْدُ المَسَمَّى في الكتابة الفَاسِدَةِ، وحصل العِتْقُ، فيرجع السيد بما أَدَّى؛ لأنه لم يَمْتَلِكْهُ، ويرجع السيد عليه بِقِيمَةِ رَقَبَتهِ؛ لأن فيها معنى المُعَاوَضَةِ، وقد تَلِفَ المعقود عليه بالعِتْقِ، فهو كما لو تَلِفَ المبيع بَيْعاً فَاسِداً في يَدِ المشتري، يرجع على البائع بما أَدَّى، ويرجع البَائِعُ عليه بالقِيمَةِ، وكذا لو خَالَعَ على عِوَضٍ فاسد، إلاَّ أن الخُلْعَ لا مُسْتَدْرَكَ له، والكتابية تَقْبَلُ الرَّفْعَ، وإن كانت صَحِيحَةً، والاعتبار بقيمة يوم العِتْقِ، فإنه يوم التَّلَفِ.
وعن رواية ابن خَيْرَانَ قول: أنَّه يعتبر قِيمَةُ يَوْمَ العَقْدِ.
[كما في الكتابة الصحيحة، فأما إذا احتجنا إلى قسمة العِوَضِ عن العبد يُرَاعى قيمتهم يوم العقد] والظاهر المشهور: الأوَّل، وإنما اعتبرنا فيه يوم العقد في الكتابة الصَّحِيحَةِ؛ لأنه وَقْتُ الحَيْلُولَةِ، وهاهنا تحصل الحَيْلُولَةُ بالعِتْقِ، وإذا هلك المسَمَّى في يَدِ السَّيِّدِ، رجع العَتِيقُ بِمِثْلِهِ أو قيمته، فإن كان الوَاجِبُ على السَّيِّدِ من جِنْسِ القيمة بأن كان غَالِبُ نَقْدِ البلد فهو على أَقْوَالِ التَّقَاصِّ، وسيأتي ذِكْرُهَا في الكتاب إن شاء الله تعالى.
وإذا حصل التَّقَاصُّ، وفضل لأحدهما شَيْءٌ رجع بالفَاضِل.
وما ذكرنا من التراجع 1 فيما إذا كان المُسَمَّى مِمَّا له قِيمَةٌ، فإن كان خَمْراً أو خِنْزِيراً، فلا يرجع العتيق على السَّيِّدِ بشيء، وهو يرجع على العَتِيقِ بقيمة رَقَبَتِهِ.
الثَّانِيَةُ: للسيد فَسْخُ الكِتَابَةِ الفاسدة؛ لأن المُسَمَّى فيها لا يسلم للسَّيِّدِ، فإن لِلْعَبْدِ اسْتِرْدَادَهُ، بخلاف الكتابة الصحيحة، ثم إن شاء فَسَخَ بنفسه، وإن شاء رَفَعَ 2 الأَمْرَ 3 إلى الحَاكِمِ، حتى يحكم بِإِبْطَالهَا أو بِفَسْخِهَا.
قال القاضي الرُّوَيانِيُّ: وهو كما لو وَجَدَ المُشْتَرِي بالمَبِيعِ عَيْباً، له أن يفسخ البيع بنفسه، وله أن يرفع الأَمْرَ إلى الحاكم، حتى يفسخه ولا يبطلها الحاكم من غَيْرِ طَلَبِ السيد.
ذكره في "التهذيب".
ويجوز أن يُعَلمَ قوله في الكتاب: "فله فسخها" بالواو.
لأن القاضي ابْنُ كَجٍّ ذَكَرَ أن ابن القَطَّانِ حكى عن ابن سَلَمَةَ وَجْهاً آخر: أنَّه لا سَبِيلَ إلى إِبْطَالِ الكِتَابَةِ الفاسدة بالقول؛ لأن العِتْقَ فيها يَحْصُلُ بحكم التَّعْلِيقِ، والتعليق لا يجوز إِبْطَالُهُ، والظَّاهِرُ الأوَّلُ.
وإذا فسخها، أو حكم الحاكم بِإِبْطَالِهَا، ثم أَدَّى المُسَمَّى لم يعتق.
وَوُجِّهَ بأنه -وإن كان تَعْلِيقاً- فهو تَعْلِيقٌ في ضمن معاوضة، وإنما عقد طالباً
لِلْعِوَضِ، وكأنه قال: إن أَدَّيْتَ كذا في ضمن معاوضة فأنت حُرٌّ، فإذا ارتفعت المُعَاوَضَةُ ارتفِع التَّعْلِيقُ الذي تَضَمَّنَتهُ، وكأنه قال: إن أَدَّيْتَ فأنت حُرٌّ ما لم أرجع، فالعِتْقُ يَتَعَلَّقُ بِالأدَاءِ، وعدم الرجوع، وقد بَطَلَتْ إحدى الصِّفَتَيْنِ.
وليشهد السيد على الفَسْخِ فإن وجد أَدَاءُ المسمى، واختلفا فقال العبد: أَدَّيْتُهُ قبل أن فسخت، وقال السيد: بَلْ بعده.
فالمُصَدَّقُ العَبْدُ؛ لأن الأصل عَدَمُ الفسخ، وعلى السيد البَيِّنَةُ.
الثالث إذا أعتق المُكَاتَبُ كِتَابَةً فَاسِدَةً، عُتِقَ، لا عن جِهَةِ الكتابة، وكان إِعْتَاقُهُ فَسْخاً للكتابة، وليكن الحكم كذلك لو بَاعَهُ أو وَهَبَهُ، وعلى هذا فلو أَعْتَقَهُ عند كَفَّارَتِهِ فيجْزِيهِ، وقد سبق ذِكْرُ هذا مَرَّةً في "الكَفَّارَاتِ" وحكاه الشيخ أبو عَلِيٍّ عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- ثم قال: إذا عُتِقَ لا عن جِهَةِ الكتابة لم يَتْبَعْهُ الكَسْبُ والأَوْلاَدُ بخلاف الكتابة الصحيحة؛ لأن المُكَاتَبَ هناك اسْتَحَقَّ العِتْقَ على السيد بعقد 1 لاَزِم، واستحق [استتباع] 2 الأَكْسَابِ والأولاد فليس للسَّيِّدِ إِبْطَالُهُ، وهاهنا لا اسْتِحْقَاقَ على السيد، فجعل فَاسِخاً للكتابة.
قال: وَعَرَضْتُ هذا على الشيخ القَفَّالِ، فَاسْتَحْسَنَهُ، وأَقَرَّني عليه ولم يَرَ غيره.
وهذا ظاهر المذهب، والمذكور في الكتاب ولْيُعْلَمْ مع ذلك قوله في الكتاب: "لأبرئت ذمته"، [وقوله] 3: "وكان فاسخاً للكتابة".
وقوله: "حتى لا يتبعه الكسب" كلها بالواو، لا كما ذكرنا في الكَفَّارَةِ: إن الإِمام قال: إجْزَاؤُهُ عن الكَفَّارَةِ مرتب على أنَّه إذا أَعْتَقَهُ السيد، هل يَسْتَتْبعُ عِتْقُهُ الأَكْسَابَ والأَوْلاَدَ؟ فيه خلاف مُحَالٌ على هذا الباب، فإن لم يستتبع كان إِعْتَاقُهُ فَسْخاً وإِجْزَاءً عن الكَفَّارَةِ، وإلاَّ ففي الإِجْزَاءِ وجهان.
وقوله: "فإنها تمنع الإِجْزَاءَ عن الكفَّارة" يجوز أن يُعَلَمَ بالحاء والألف؛ لما ذكرنا في الكَفَّارَاتِ.
"الرابعة": تبطل الكتابة الفاسدة بمَوْتِ السَّيِّدِ، فلا يحصل العِتْقُ بالأَدَاءِ إلى الوَارِثِ بعد الموت.
وعن أبي حَنِيْفَةَ وأحمد: أنَّه يَحْصُلُ، كما في الكِتَابَةِ الصحيحة.
لنا: أنها جَائِزَةٌ من الجَانِبَيْنِ، فتبطل بالموت كالوِكَالَةِ.
وأيضاً؛ فإنا قد ذَكَرْنَا أن العِتْقَ فيها يَحْصُلُ بِحُكْمِ التعليق، فيبطل بالموت كسائر التعليقات.
نعم، لو قال: لو أديت إلى ذُرِّيَّتِي كذا بعد موتي، فأنت حُرٌّ.
عتق بالأَدَاءِ إليهم،
كما لو قال: إن دخَلْتَ الدار بعد موتي.
ولا يَخْفى أن الكِتَابَةَ الفَاسِدَةَ مُفَارِقَةٌ للصحيحة في المَسَائِل الأربع جميعاً، وقد نُنَاقِشُ لذلك في قوله في الكتاب: "ويفارقه في أمرين" فإنه يفهم (1) الحصر، وليس بين المَسَائِلِ الثلاث بين الأخيرة رَبْطٌ حتى يجعل إفراد الرابع (2) المذكور أولاً إفراد أيضاً.
فلا يجب الإِيتاء في الكتابة الفَاسِدَة على ما سَيَأْتِي إن شاء الله تعالى.
وإذا كاتب جَارِيَةً كِتَابَةً فَاسِدَةً، وعجزت عن الأَدَاءِ فارقها، أو فسخ الكتابة لم يجب الاسْتِبْرَاءُ، بخلاف ما في الكِتَابَةِ الصحيحة.
ولو عَجَّلَ النُّجُومَ في الكتابة الفاسدة؛ فهل يُعْتَقُ كما في الكِتَابَةِ الصحيحة، أو لا يعتق؛ لأن الصِّفَةَ لم توجد على وَجْهِهَا؟
فيه وجهان (3) هذا تَمَامُ الكلام في أَرْكَانِ الكتابة بِتَوَابِعِهِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: النَّظَرُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِهَا، وَهِيَ خَمسَة: الأَوَّل مَا يَحْصُلُ بِهِ العِتْقُ وَفِيهِ مَسَائِلُ سِتَّةٌ: الأُولَى أنَّهُ يَحْصُلُ فِي الصَّحِيحَةِ بِأدَاءِ النُّجُوم، وَبِالإبْرَاءِ، وَبالاعْتِيَاضِ، وَلاَ يَحْصُلُ بِجُزْءٍ مِنَ النُّجُوم جُزْءٌ مِنَ الحُرِّيَّةِ حَتَّى يُؤَدِّي الكُلَّ، وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَيْنِ دُفْعَةً عُتِقَ أَحَدُهُمَا بِأدَاءِ نَصِيبِهِ قَبْلَ أَدَاءِ الثَّانِي، وَلَوْ كَاتَبَا عَبْداً لَمْ يُعْتَق نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مَا لَمْ يُؤَدِّ جَمِيعَ النُّجُومِ إلَيْهمَا، إلاَّ أَنْ يُكاَتَبَ وَاحِدٌ، وَيُخَلَّفَ ابْنَيْنِ، فَيُعْتَقَ نَصِيبُ أَحَد الابْنَيْنِ بِأدَاءِ نَصِيبِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قوله: "في
أحكامها
" يرجع إلى الكتابة المُسْتَجْمِعَةِ الأركان بِشَرَائِطِهَا، وهي الصحيحة، هذا هو المَعْهُودُ من تَرْتِيبِ صاحب الكتاب في المقدمة.
وحينئذ فقوله في الصحيحة حيث قال: "يحصل في الَصحيحة بأداء النجوم" مُسْتَغنى عنه.
واعْلَمْ أنَّه جعل أحكام الكتابة الصحيحة خَمْسَةَ أَنْوَاعٍ، وأَدْرَجَ فيها ما يحتاج إلى مَعْرِفَتِهِ في هذا النَّظَرِ:
أحدها: أن العتق بم يحصل، ولا شَكَّ في حصوله بأَدَاءِ النجوم بِتَمَامِهَا، وكذلك بالإِبْرَاءِ عنها على قَضِيَّةِ الإِبْرَاءِ عن الثَّمَنِ والأُجْرَةِ.
وأما قوله: "وبالاعتياض"؛ فهذا قد أَرْسَلَهُ إِرْسَالاً، والمفهوم منه إذا أخذ عن النجوم عِوَضاً حصل العِتْقُ لِبَرَاءَةِ الذمة عن النجوم، لكن في جَوَازِ الاستبدال عن النُّجُومِ123
خِلاَفٌ قد [صرح] 1 به من بَعْدُ وإنما يستمر ما أَطْلَقَهُ هاهنا على تَجْوِيزِ الاسْتِبْدَالِ، وقد أجرى مِثْلَ هذا من خلاف أحكام الكتابة الفاسدة.
وإذا جوزنا الحِوَالَةَ بالنُّجُوم، أو عليها، فيحصل العتق بِجَرَيَانِ الحِوَالَةِ أيضاً، ولا يحصل بأدَاءِ بَعْضِ النجوم، أو بالإِبْرَاءِ عن بعضها عن بعض العَبْدِ، بل يتوقف على أَدَاءِ الكل، والإِبراء عن الكُلِّ؛ لما روي عن عَمْرِو بنِ شُعَيْب، عن أبيه، عن جَدِّهِ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ من كِتَابَتِهِ" 2.
ولو كاتب عَبْدَيْنِ أو عَبيداً دُفْعَةً واحدة، فقد ذكرنا خِلاَفاً في صِحَّةِ هذه الكتابة، وإذا صَحَّحْنَاهَا -وهو الأَظْهَرُ- فقد بَيَّنَّا أنَّه إذا أدَّى بَعْضُهُم حِصَّتَهُ عُتِقَ، وإن لم يُؤَدِّ الآخر، وحكينا خِلاَفَ أبي حنيفة، ومالك -رحمهما الله- فيه، فَلْيُعَلمْ قوله: "عتق أحدهما" [بالحاء والميم، ويجوز أن يُعَلَمَ بالواو أيضاً؛ لأن عِتْقَ أحدهما] بأداء نصيبه إنما يَسْتَمِرُّ على قَوْلِنَا بِصِحَّةِ الكتابة.
فأما إذا حَكَمْنَا بِفَسَادِهَا فقد مَرَّ هناك أن الأَقْيَسَ أنَّه لا يعتق بعضهم بأداء حِصَّتِهِ خَاصَّةً.
ولو كاتب اثْنَانِ عَبْداً مُشْتَركاً بينهما معاً، فينبغي أن يسوى بينهما في الأَداءِ، ولا يعتق نصيب أحدهما بأدَاءِ نصيبه من النجوم على ما سيأتي.
ولو كاتب إنسان عَبْداً ومات، وخَلَفَ ابنين، فَأدَّى نصيب أحد الابنين بغير إذْنِ الآخَرِ، لم يعتق نَصِيبُهُ، وإن أدَّاهَ بالإِذْنِ ففي عَتْقِ نصيبه خِلاَفٌ سنشرحه من بَعْدُ إن شاء الله تعالى.
والذي أَطْلَقَهُ هاهنا جَوَابٌ على أحد القَوْلَيْنِ، وليعلم بالواو لما سيأتي.
وقوله: "إلا أن يكاتب واحداً ويخلف ابنين" لا يخفى أنَّه ليس باسْتِثنَاءٍ مُحَقّقٍ، ولما ذكر أن العِتْقَ لا يَتَبَعَّضُ بِبَعْضِ النجوم أَدَاءً أو إِبْرَاءً.
أَشَارَ بِذِكْر هذه الصورة إلى أن ذلك فيما إذا اتَّحَدَ المُكَاتَبُ والمالك، فأما إذا
تَعَدَّدَ المُكَاتَبُ فقد تَتَبَعَّضُ، وكذلك إذا تعدد المالك مما في مَسْأَلَةِ الوَارِثينَ على رَأْيٍ.
واعلم أن المسائل والصُّوَرَ المتعلقةُ بقاعدة واحدة كثيراً مَا وَقَعَتْ مُتَبَدِّدَةً في الكتاب، وتَوَلَّدَ من ذلك بَعْضُ التطويل والتَّكْرَارِ، ولو وقعت مَجْمُوعَةَ لكانت أَقْرَبَ إلى الفَهْمِ والاختصار، وكِتَابَةُ الشريكين العَبْدَ المُشْتَرَكَ من هذا القَبِيلِ، فَتَأمَّلْ صورها.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةَ إِذَا جُنَّ السَّيِّدُ وَقَبَضَ النُّجُومَ لَمْ يُعْتَق حَتَّى يُسَلِّمَ إِلَى القَيِّمِ، وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ السَّيِّدِ فَلاَ ضَمَانَ لِلتَّقْصِيرِ بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، وَلَوْ جُنَّ العَبْدُ فَقَبَضَ مِنْهُ السَّيِّدُ عُتِقَ لأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِشْرطٍ أَمَّا الكِتَابَةُ الفَاسِدَةُ فَتَنْفَسِخُ بِجُنُونِهِمَا عَلَى وَجْهٍ لِجَوَازِهَا، وَلاَ تَنْفَسِخُ عَلَى وَجهٍ؛ لأَنَّ مَصِيرَهَا إلى اللُّزُومِ، وَتَنْفَسِخُ عَلَى وَجْهٍ بِجُنُونِ المَالِكِ دُونَ جُنُونِ العَبْدِ، لأَنَّ الصَّحِيْحَةَ أَيْضَاً جَائِزَةٌ فِي حَقِّ العَبْدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا تنفسخ الكِتَابَةُ بجُنُونِ السيد، ولا تنفسخ بِجُنُونِ العبد، ولا بإِغْمَائِهِمَا؛ لأن الكِتَابَةَ لاَزِمَةٌ من أَحَدِ الطرفين فَأَشْبَهَتِ الرَّهْنَ، وإنما تَنْفَسِخُ بالجُنُونِ العُقُودُ الجَائِزَةُ من الطرفين كالشَّرِكَةِ والوِكَالَةِ.
ثم إذا جُنَّ السَّيِّدُ، فعلى المُكَاتَب تَسْلِيمُ المال إلى قَيِّمِهِ، فإن سلم إليه لم يُعْتَقْ؛ لأن قَبْضَهُ فَاسِدٌ، ولو 1 تَلِفَ في يَدِهِ، فلا ضَمَانَ، لتقصيره بالتسليم إليه.
ثم إن لم يكن في يَدِ المُكَاتَب شيء آخر يُؤَدِّيهِ في الكتابة فِلِلْقَيِّم تَعْجِيزُهُ، فلو حُجِرَ عليه بالسَّفَهِ فهو كالوَجْهَيْنِ، فإذا أَدَّى المُكَاتَبُ إليه في حال الحَجْرِ وعجزه الولي ثم رُفِعَ الحَجْرُ عنه لم يَلْغُ التَّعْجِيزُ.
ومنهم من أَثْبَتَ فيه قولين، كما سبق في المُرْتَدِّ، إذا أَخَّرَ 2 النجوم وعجز الحاكم المُكَاتَبَ، ثم أسلم المُرْتَدِّ.
والظاهر الأَوَّل، وفرق بينهما بأن حَجْرَ السَّفِيهِ أَقْوَى؛ ألا ترى أن تَصَرُّفَهُ لا ينفذ، وتصرف المُرْتَدِّ يَنْفُذُ في قول، وبأن الحجر على السفيه لحفظ 3 ماله، فلو حُسِبَ عليه ما أَخَذَهُ وأَتْلَفَهُ في حال الحَجْرِ لم يحصل حِفْظُ المال.
والحَجْرُ على المُرْتَدِّ لِرِعَايَةِ حَقِّ المسلمين؛ فإذا عَادَ إلى الإِسْلاَمِ، فلا حَقَّ لهم في ماله ولا يَضُرُّهُمْ احْتِسَابُ ما أخذه عليه.
وإذا جُنَّ العَبْدُ فَأَدى في جُنُونِهِ، أو أخذه السيد من غير 4 أَدَاءٍ منه يُعْتَقُ.
ووجه ذلك بأن قَبْضَ النجوم مُسْتَحَقٌّ، ولو أخذها المولى من غير إِقْبَاضٍ من المُكَاتَب، وقع موقعه 1، وإذا كان الأَمْرُ بهذه المَثَابَةِ، فبالأخذ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ، وإذا بَرِئَ عُتِقَ.
هَذا هو المشهور المذكور في الكتاب.
وقال الإِمام: إن عَسِرَ وُصُولُ السَّيِّدِ إلى حَقِّهِ إلا من جِهَةِ قبض ما يصادف، فله ذلك، وإن [أَمْكَنَ] 2 مُرَاجَعَةُ من ينصبه القاضي نَاظِراً لِلْمُكَاتَب، فلا وَجْهَ لاسْتِبْدَادِهِ بالقَبْضِ عندنا، ولو اسْتَبَدَّ لم يَصِحَّ، وإذا لم يَصِحَّ؛ فلو أقبضَ المَجْنُون لم يكن لإِقْبَاضِهِ حُكْمٌ.
وفي خلال كَلاَمِ الإِمام إِثْبَاتُ قول أو وجه في أن الكِتَابَةَ تَنْفَسِخُ بجنون المُكَاتَب، وقد تَعَرَّضَ له صَاحِبُ الكتاب من بَعْدُ، فإن ثبت ذلك رُخِّصَ في إِعلام قوله هاهنا: "عتق" بالواو وهذا في الكتابة الصحيحة وأما الفَاسِدَةُ؛ فهل تَبْطُلُ بجنونهما وإغمائهما؟
فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: نعم؛ لِجَوَازِهَا من الطرفين كالشَّرِكةِ والوِكَالَةِ.
والثاني: لا؛ لأن المُغَلَّبَ فيها التَّعْلِيقُ، والتعليق لا يَبْطُلُ بالجنون، ويحكى هذا عن الشيخ أَبِي حَامِدٍ، وهو الأَصَحُّ عند الإِمَامِ ووجهه بأنها -وإن كانت جَائِزَةً- فَمَصيرُهَا إلى اللُّزُومِ كالبيع في زمان الخِيَارِ.
وأصحها عند الأكثرين -وهو ظَاهِرُ النَّصِّ- أنها تبطل بِجُنُونِ السَّيِّدِ وإغمائه بالحَجْرِ عليه، ولا تبطل بِجُنُونِ العبد وإِغْمَائِهِ.
والفَرْقُ أن الحَظَّ في الكتابة للعبد، لا للسيد؛ لما سبق أنها تَبَرُّعٌ، فيؤثر اختلال عقل السيد، ولا يُؤَثِّرُ اخْتِلاَلُ عَقْل العبد.
وأيضاً فإن العَبْدَ لا يَتَمَكَّنُ من فَسْخِ الكتابة، ورفعها صحيحة كانت أو فاسدة، وإنما يعجز نفسه، ثم السيد يَفْسَخُ إن شاء، وإذا لم يملك الفَسْخَ لم يُؤَثِّرْ جُنُونُهُ.
وأيضاً فإن الكِتَابَةَ الصحيحة أيضاً جائزة في حَقِّ العَبْدِ، وجوازها لا يقتضي بُطْلانَهَا بجنونه؛ فكذلك الكِتَابَةُ الفاسدة، فإن قلنا: إنها لا تبطل، فلو أَفَاقَ وأَدَّى المسمى عُتِقَ، وثبت التَّرَاجُعٌ، وبمثله أجابوا فيما إذا أخذ السَّيِّدُ في جُنُونِهِ، وقالوا: ينصب الحاكم مَنْ يرجع له.
وينبغي أن يقال: لا يُعْتَقُ هاهنا بِأَخْذِ السيد وإن قلنا في الكِتَابَةِ الصحيحة: إنه يُعْتَقُ؛ لأن المُغَلَّبَ هاهنا التَّعْلِيقُ، والصفة المعلق عليها الأَدَاء من العبد، ولم يوجد
وإذا قلنا: إنها تَبْطُلُ؛ فلو أَدَّى المُسَمَّى، ففي حصول العِتْقِ وجهان:
أظهرهما: أنَّه لا يَحْصُلُ؛ لأن العِتْقَ بالتعليق في الكِتَابَةِ الفاسدة يَتْبَعُ الكِتَابَةَ، فإذا ارْتَفَعَتِ ارتفع التَّعْلِيقُ، كما لو فسخها السَّيِّدُ.
والثاني: يحصل؛ لوجود الصِّفَةِ المُعَلَّقِ عليها، ويخالف ما لو فَسَخَ السيد، فإن فَسْخَهُ رَفْعٌ للتعليق من جِهَتِهِ.
وعلى هذا قال الإمَامُ: الوَجْهُ القَطْعُ بأنه لا تَرَاجُعَ؛ لأن التَّرَاجُعَ قَضِيَّةُ الكتابة الفَاسِدَةِ، وقد زَالَتْ وبقي التعليق المَحْضُ.
ومن أصحابنا من أَثْبَتَ الرُّجُوعَ على العَبْدِ بالقيمة قال: وَمَسَاقُهُ أن يتبعه الكَسْبُ، وهذا كالنَّدَمِ على الحكم بارتفاع الكِتَابَةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ إِذَا كَاتَبَا عَبْداً ثم أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عُتِقَ وَسَرَى فِي الحَالِ عَلَى قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: لاَ يَسْرِي إِلاَّ أنْ يُرَقَّ النَّصِيبُ الثَّاني بِالعَجْزِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَسْرِي فِي الحَالِ، فَتَنْفَسِخُ الكِتَابَةُ في مَحَلِّ السِّرَايَةِ، وَيَنْتَقِلُ مُكَاتَباً ويُعْتَقُ حَتَّى يَكُونَ الوَلاَءُ لِلشَّرِيكِ لاَ لِمَنْ سَرَى عَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إنَّ كَوْنَهُ مُكَاتَباً يَمْنَعُ السِّرَايَةَ، ثُمَّ إِبرَاءُ أَحَدِهِمَا يَجْرِي مَجْرَى إِعْتَاقِهِ فِي السِّرَايَةِ وَكَذَا قَبْضُ نَصِيبِ نَفْسِهِ بِرِضَا صَاحِبِهِ إِنْ قَضَيْنَا بِأنَّهُ يُوجِبُ العِتْقَ، فَيَسْرِي وَلاَ نَقُولُ: هُوَ مُجْبَرٌ عَلَى القَبُولِ؛ لأنَّهُ اخْتَارَ أَصْلَ العَقْدِ، نَعَمْ أَحَدُ الابْنَيْنِ إِذَا قَبَضَ نَصِيبَهُ عُتِقَ (و) وَلَمْ يَسِرْ (و) لأَنَّهُ مَقْهُورٌ في القَبْضِ، وَلَمْ يَصْدُرِ العَقْدُ مِنْهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كاتب الشَّرِيكَانِ العَبْدَ المشترك معاً، ثم أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عُتِقَ، وهل يَسْرِي إلى نصيب الشَّرِيكِ إن كان مُوسِراً؟
عن حكاية صاحب "التقريب" وَجْهٌ أو قَوْلٌ مُخَرَّجٌ: أنَّه لا يَسْرِي.
وقد ذكرناه بتوجيهه في كتاب "العِتْقِ"، وهذا ما ذكره آخِراً في الكتاب.
فقال: "وقيل: إن كَوْنَهُ مُكَاتَباً يمنع السِّرَايَةَ"، والمذهب المشهور ثُبُوتُ أَصْلِ السِّرَايَةِ، وفي وقتها قَوْلاَنِ:
أحدهما: أنها تَثْبُتُ في الحال؛ لأنه قد عُتِقَ بعضه، والمقصود من شرع السِّرَايَةِ ألا تَتَبَعَّضَ الحُرِّيَّةُ.
وأظهرهما: أنها لا تَثْبُتُ في الحَالِ؛ لأنه قد انعقد سَبَبُ الحرية للنصيب الآخر، وقد يؤدي ويعتق.
ولأن العبد يَتَضَرَّرُ به من حيث إنه ينقطع عنه الوَلَدُ والكَسْبُ.
وعن أبي الطَّيِّبِ بن سلمة: القَطْعُ بالقول الثاني.
فإن قلنا بالسِّرَايَةِ في الحال، فَتَنْفَسِخُ الكِتَابَةُ في نَصِيبِ الشريك فيسري 1 العِتْقُ مع بقاء الكِتَابَةِ؟
فيه وجهان:
أظهرهما: -ولم يُورِدْ أَكثرهم غَيْرَهُ- أنها تَنْفَسِخُ؛ لأن الإِعْتَاقَ أَقْوَى من الكتابة، فعلى هذا يُعْتَقُ كُلُّهُ على الشَّرِيكِ المعتق، ويكون الوَلاَءُ له.
والثاني: يَسْرِي العِتْقُ إليه، مع بَقَاءِ الكتابة لئلا تَتَبَعَّضَ الحُرِّيَّةُ، ولا يبطل حق الآخر، وعلى هذا فَوَلاءُ النِّصْفِ الآخر للشريك، لا للذي أعتق نَصِيبَهُ.
وإن قلنا: لا تثبت السِّرَايَةُ في الحَالِ؛ فإن أَدَّى نَصِيبَ الآخر من النجوم، عُتِقَ عن الكتابة، وكان الوَلاء بينهما.
فإن عَجَزَ وعاد إلى الرِّقِّ، تثبت السِّرَايَةُ حينئذ، ويكون الوَلاَءُ كله للشريك المُعْتِقِ، ويجيء الخِلاَفُ في أنها تَثْبُتُ بنفس العجز، أو بأداء القيمة، أو يَتَبَيَّنُ بأَدَاءِ القيمة حُصُولُ العتق من وقت العَجْزِ، ويجري هذا الخِلاَفُ على قولنا بثبوت السِّرَايَةِ في الحال.
وأيضاً: وإن مات قبل الأَدَاءِ أو العجز، فقد مات [حراً] 2 وَبَعْضُهُ رَقِيقاً.
وهل يورث عنه؟
فيه الخلاف المذكور في "الفَرَائِضِ".
ولو أَبْرَأَ أَحَدُ الشريكين عن نَصِيبهِ من النجوم، فهو كما لو أَعْتَقَهُ والقول في السِّرَايَةِ، وفي وقتها، كما ذكرنا فيما لوَ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نصيبه، فلو قبض أحدهما نَصِيبَهُ من النجوم بِرِضَا صاحبه، فهل يعتق نصيبه؟
فيه خلاف يأتي شَرْحُهُ إن شاء الله -تعالى- في المسألة الخَامِسَةِ من الحكم الثاني.
فإن قلنا: يُعْتَقُ، فهو كالإِعْتَاقِ في السِّرَايَةِ وَوَقْتِهَا.
قال الإِمام: ولا نقول: هو مُجْبَرٌ على القَبْضِ، فلا يَسْرِي؛ لأنه مختار في إِنْشَاءِ الكِتَابَةِ التي اقْتَضَتْ إِجْبَارَهُ على القبض، فهو كما لو قال أَحَدُ الشَّرِيكين: إذا طلعت الشَّمْسُ فَنَصِيبي منك حُرٌّ.
فإذا طلعت عُتِقَ نصيبه، وسَرَى؛ لأنه مُخْتَارٌ في التعليق.
نعم: إذا كاتب عَبْداً، ومات عن ابْنَيْنِ، فقبض أحدهما نَصِيبَهُ وقلنا: إنه يُعْتَقُ نصيبه على ما سَيَأْتِي إن شاء الله -تعالى- فلا يَسْرِي؛ لأنه مُجْبَرٌ على القَبْضِ، وابتداء الكِتَابَةِ لم تصدر منه ويجوز أن يُعْلَمَ قوله: "عتق" بالواو، وكذا قوله: "ولم يسر" لما سنذكر من بَعْدُ إن شاء الله تعالى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: لَوِ ادَّعَى العَبْدُ عَلَى الشَّرِيكيْنِ أنَّهُ وَفَّاهُمَا بِالنُّجُومِ فَصَدَّقَهُ
أَحَدُهُمَا عُتِقَ نَصِيبُ المُصَدِّقِ وَيَجْرِي الخِلاَفُ فِي السِّرَايَةِ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ مُخْتَارٌ في التَّصْدِيقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال العبد لمالكيه -وقد كَاتَبَاهُ-: قد وَفَّيْتُ عليكما النُّجُومَ.
وأَنْكَرَا، فهما المُصَدَّقَانِ باليمين، وإن صَدَّقَهُ أحدهما، وكَذَّبَهُ الآخَرُ، عُتِقَ المُصَدِّقُ، والمُكَذِّبُ مُصَدَّقٌ بِيَمِينِهِ، وهل يَسْرِي العِتْقُ من نصيب المُصَدِّقِ إلى نصيب المُكَذِّب؟ فيه اخْتِلاَفٌ سيظهر في الفصل، والظاهر: المنع.
والاختلاف في غير [النجم] 1 الأَخِيرِ، كالاختلاف فيه، إِلاَّ أن العِتْقَ لا يحصل بما سِوَّى النجم الأخير.
ولو قال المُكَاتَبُ لأحدهما: دَفَعْتُ إليك جَمِيعَ النجوم، لِتَأْخُذَ نَصِيبَكَ، وتدفع نَصِيبَ الآخر إليه، فقال: دَفَعْتَ إِلَيَّ نصيبي ودفعت نصيب الآخر إليه بنفسك، وأنكر الآخَرُ القَبْضَ؛ عتق نصيب المُقِرِّ، وصُدِّقَ في أنَّه لم يَقْبضْ نَصِيبَ الآخر باليمين، وصُدِّقَ الآخر في أنَّه لم يَقْبِضْ نَصِيبَهُ، ولا حَاجَةَ إلى اليمَين؛ لأن المُكَاتَبَ لا يَدَّعِي عليه شَيْئًا، ثم يَتَخَيَّرُ المُنْكِرْ بين أن يأخذ حِصَّتَهُ من النجوم من العَبْدِ، وبين أَنْ يَأْخُذَ من المُقِرِّ نِصْفَ ما أخذ؛ لأن كَسْبَ المُكَاتَب مُتَعَلِّقُ حقهما بالشركة، ويأخذ الباقي من العَبْدِ.
ولا تُقْبَلُ شَهَادَةُ المقر عليه؛ لأنه مُتَّهَمٌ بدفع الشركة عن نفسه، ولأن المُكَاتَبَ لا يَدَّعِي عليه شَيْئًا.
وإذا عَجَزَ المُكَاتَبُ عما طالبه المُنْكِرُ به، فله تَعْجِيزُهُ وإرْقَاقُ نَصِيبِهِ، ثم عن نَصِّهِ في "الإملاء" أنه يُقَوَّمُ ما أَرَقَّهُ على المقر 2 وروى أن ابن سلمة، وابن خَيْرَانَ نَقَلاَهُ إلى الصُّورَةِ السابقة، وجعلوا التقويم 3 عند التعجيز في الصُّوَرَتَينِ على قولين.
ووجه المَنْع بأن المقر لم ينشئ إِعْتَاقاً، وإنما اسْتَوْفَى ما ثبت له بحكم الكِتَابَةِ، فصار كما لو اسْتَوفَى أَحَدُ ابْنَي المُكَاتَبِ حِصَّتَهُ من النجوم، ولا يُقَوَّمُ عليه نَصِيبُ أخيه.
والثاني: بأن العِتْقَ مضاف إليه، ألا ترى أنَّه يَثْبُتُ له الوَلاَءُ؟ وفي مسألة الابنين الوَلاَءُ للمورث.
وامتنع الأَكْثَرُونَ من نَقْلِهِ إلى تلك الصُّورَةِ، وفَرَّقُوا بأن العَبْدَ هناك يقول: أنا حُرٌّ كَامِلُ الحَالِ، فلا يستحق التقويم.
وها هنا يعترف بأن نَصِيبَ المنكر منه لم يُعْتَقْ.
وفي كتاب الصَّيدَلاَنِيِّ طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ بالتَّقْوِيمِ في الصورتين.
واعلم أن ما ذَكَرْنَاهُ من أنَّه: هل يُقَوَّمُ مَا رُقَّ عند العجز يشبه أن يكون تَفْرِيعاً على أن السِّرَايَةِ تَثْبُتُ عند العجز، وإنَّا إذا أثبتنا السِّرَايَةَ هاهنا يجيء القَوْلُ الآخَرُ في أنها تَثْبُتُ في الحال.
وقد أَطْلَقَ الإِمَامُ والمُصَنِّفُ في مسألة الكتابة قَوْلَيْنِ في أنَّه إذا عتق نصيب المُصَدّقِ؛ هل يَسْرِي العِتْقُ إلى نصيب المكذب؟
أحدهما: نعم؛ لأنه عتق نَصِيبُهُ.
والثاني: لا؛ لأنه يقول: عُتِقَ النصيبان معاً، فلا معنى لإلْزَامِهِ السِّرَايَةَ، وتَمَامُ التَّفْرِيع على هذا الإِيراد أن يقال: إن قلنا: لا سِرَايَةَ فذاك، وإن أَثْبَتنَاهَا فتثبت في الحال، أو عند العجز؟ فيه القولان.
وقوله في الكتاب: "ويجري الخلاف في السِّرَايَةِ عليه؛ لأنه مختار في التصديق" مَحْمُولٌ على القولين اللَّذَيْنِ أَطلَقَهُمَا الإِمُامُ على ما بَيَّنهُ في "الوسيط"، لكن ذكر الخلاف بالألف واللام ليس بِحَسَنِ المَوْقِع؛ لأن الخِلاَفِ في [أنَّه] 1 هل يَسْرِي؟ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ حتى يُعَرَّفَ بالألف واللام، ورَده إلى ما ذكر من قبل أن الكتابة هل تمنع السراية؟ بعيد، وكان الأَوْلَى أن يقول: وفي السِّرَايَةِ عليه خِلاَفٌ.
وقوله: "لأنه مُخْتَارٌ في التَّصْدِيقِ" توجيه السِّرَايَةِ، كأنه يقول: هو بالتصديق مختار لِلْعِتْقِ، فَأشْبَهَ ما إذا أَعْتَقَ أو أبْرَأَ عن النجوم.
ولو قال المُكَاتَبُ لأحدهما: دفعت النُّجُومَ إليك لِتَأْخُذَ نَصِيبَكَ، وتدفع نَصِيبَ الآخر إليه -كما صورنا- فقال في الجَوَاب: قد فَعَلْتُ ما أَمَرْتَ به، وأنت عَتِيقٌ فأنكر الآخر، عُتِقَ نصيب المُقِرِّ، وصدق المُنْكرُ بيَمِينِهِ، فإذا حلف، بَقِيَ نَصِيبُهُ مُكَاتباً، وله الخِيَارُ بين أخذ حِصَّتِهِ من المكاتب، وبين أَخْذِهِ من المقر لإقراره بأخذها، ومن أَيِّهِمَا أخذ عُتِقَ نصيبه، ثم إن أخذها من المكاتب، فله الرُّجُوعُ على المِقِرِّ؛ لأنه وإن صَدَّقَهُ في الدفع إلى الشريك -فإنه كان ينبغي أن يُشْهِدَ عليه.
وإن أخذها من المقر، فلا رُجُوعَ له على المُكَاتَب لاعْتِرَافه بأنه مَظْلُومٌ، وإذا اختار الرُّجُوعَ على المُكَاتَبِ، فله يأخذ حِصَّتَهُ من المقرَ، ولم يَدْفَعْهَا إلى المنكر، وعَجَّزَ نفسه، فَنِصْفُهُ حُرٌّ، ونصفه رقيق، فَيُقَوَّمُ على المُقِرِّ، فيأخذ المنكر منه قِيمَةَ النصف، ويأخذ أيضاً ما أقر له بقبضه، فإنه كسب النصف الذي كان مَلِكَهُ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ: أَحَدُ الابْنَيْنِ الوَارِثَيْنِ إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ نَفَذَ، وَيَسْرِي عَلَى
قَوْلٍ، إمَّا فِي الحَالِ، وَإمَّا عِنْدَ العَجْزِ، وَإِنْ قُلنَا: لاَ يَسْرِي، وَرُقَّ النَّصِيبُ الآخَرُ فَهَلْ يُتَبَيَّنُ انْفِسَاخُ الكِتَابَةِ فِي النِّصْفِ الَّذِي أُعْتِقَ حَتَّى يَكُونَ الوَلاَءُ لِلمُعْتِقِ خَاصَّةً، أَوْ نَقُولَ: لَمْ تَنْفَسِخْ، وَالوَلاَءُ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا كاتب عَبْداً، ومات عن ابنين، فهما قَائِمَانِ مَقَامَهُ، في أنهما إذا أَعْتَقَاهُ، أو أَبْرَأهُ عن النجوم عُتِقَ، وكذا لو اسْتَوْفَيَاهَا، ولو أَعْتَقَهُ أحدهما، أو أَعْتَقَ نصيبه عتق نصيبه وكذا لو أَبْرَأَهُ أحدهما عن نَصِيبِهِ من النجوم.
وعند أبي حَنِيْفَةَ والمُزَنِيِّ: لاَ يُعْتَقُ نَصِيبُهُ بالإبراء حتى يشتريه الآخر أو يَسْتَوْفِيَ نصيبه، كما لو كان الأَبُ حَيّاً، فَأبْرَأَهُ عن بعض النجوم.
وأجاب الأَصْحَابُ -رحمهم الله- بأنه هناك لم يبرئه عن جَمِيع ما له عليه، واحد الابنين إذا أَبْرَأَهُ عن نَصِيبِهِ من النجوم، فقد أَبْرَأَهُ عن جَمِيع مَالِهِ عليه، فَصَارَ كما لو أَبْرَأَهُ أحد الشريكين عن نصيبه من النجوم.
وربما طُرِدَ خِلاَفُ أبي حَنِيْفَةَ في إِعْتَاقِ أحدهما نَصِيبَهُ.
والذي ذكرنا أنَّه إذا أعتق نَصِيبَهُ، أو أَبْرَأَهُ عن نصيبه من النجوم يُعْتَقُ نصيبه.
هو المشهور الذي أَطْلَقَهُ عامَّةُ الأصحاب -رحمهم الله-.
وقال صاحب "التهذيب": قضية سِيَاقِ "المختصر" حُصُولُ قَوْلَيْنِ في عتق نصيبه:
أحدهما: العِتْقُ.
وأصحُّهما: المَنْعُ، بل يُوقَفُ، فإن أدَّى نصيب الآخر عُتِقَ كله والوَلاَء لِلأَب، وإن عَجَزَ؛ فإن كان قد أعتق نصيبه، عُتِقَ الآن نَصِيبُهُ، ثم إن كان مُعْسِراً، فله وَلاَءُ ما عتق، والباقي للآخر، وإن كان مُوسِراً، قُوِّمَ عليه الباقي وبطلت كِتَابَةُ الأب، وكان وَلاَءُ الكل له.
وإن كان قد أَبْرَأَهُ عن نَصِيبِهِ من النجوم، فلا يُعْتَق شَيْءٌ منه بالعجز؛ لأن الكِتَابَةَ تبطل بالعَجزِ والعِتْقُ في غير الكتابة لا يَحْصُلُ بالإبراء.
ويجوز أن يُعلَمَ لما تبين قوله في الكتاب: "نفذ" بالحاء والواو.
وإذا أجرينا على المَشْهُورِ، وقلنا: يُعْتَق نَصِيبُهُ؛ فإن كان الذي أعتق نصيبه، أو أبرأه مُعْسِراً، بَقِيَتِ الكِتَابَة في نصيب الآخر، فإن عجز عاد قِنّاً، وإن أَدَّى وعُتِقَ، فَوَلاَؤُهُ للأب، وأما وَلاَءُ نصيب الأَوَّل، فقد حكى القاصي ابْنُ كَجٍّ فيه وجهين في صورة الإِعْتَاقِ:
أحدهما: [أن] 1 الجواب، كذلك وهو الأَصَحُّ.
والثاني: عن أبي الطَّيِّبِ بن سلمة أنَّه للابن، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" 2.
ولأنه عُتِقَ بِإِعْتَاقِهِ؛ لأن الأدَاءَ على مُوجَبِ الكِتَابَةِ، وطريقين في صورة الإبراء:
أحدهما: القَطْعُ بأنه لِلأَبِ.
وأظهرهما: طَرْدُ الوجهين.
وإن كان مُوسِراً، فهل يَسْرِي العتق إلى نصيب الشَّرِيكِ؟
إذا قلنا بالأصح، وهو أن الكِتَابَةَ لا تمنع السِّرَايَةَ، فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ ويحكى عن اخْتِيَارِ الشيخ أبي حَامِدٍ، كما لو كاتب الشَّرِيكَانِ العَبْدَ، ثم أَعْتَقَهُ أحدهما.
وأصحهما: ونقله المُزَنِيُّ في "الجامع الكبير" ونصره في "المختصر": لا؛ لأن الكتابة السابقة تَقْتَضِي حُصُولَ العِتْقِ حُكْماً لها، والمَيِّتُ لا يقوم عليه وكان [الابن] 1 يعتق علي سبيل النيابة، وبنى القولان على أن المُكَاتَبَ: هل يورث؟
إن قلنا: نعم، سَرَى، وإن قلنا: لا، فالعِتْقُ بحكم كِتَابَةِ الأب ولا سِرَايَةَ وعن القاضي [الحسين] 2 بِنَاءُ هذا الخِلاَفِ، على أن الدَّيْنَ؛ هل يمنع حُصُولَ مِلْكِ الورثة في أَعْيانِ التَّرِكَةِ؛ لأن المكاتب يستحق الصرف إلى العتق، كما أن [أعيان] 3 التركة تستحق الصرف إلى الدَّيْنِ.
التفريع: إن قلنا بالسِّرَايَةِ، فتثبت السِّرايَةُ في الحال، أو عند العجز؟ فيه قولان كما ذكرنا في الشَّرِيكَيْنِ إذا أعتق أحدهما والأَظْهَرُ الثَّاني، وهو اختيار أبي إِسْحَاقَ.
وقوله في الكتاب: "إما في الحال، أو عند العَجْزِ" إِشَارَةٌ إلى هذين القولين، ويجوز أن يُعَلما بالواو؛ لأنه حَكَى هاهنا طريقتان أخريان:
إحداهما: القَطْعُ بثبوت السِّرَايَةِ في الحال.
والثانية: القَطْعُ بتأخيرها إلى العَجْزِ؛ لأن أَحَدَ الوارثين ليس بِمُعْتِقٍ حَقِيقَةً، وأحد الشريكين مُعْتِقٌ.
وإن قلنا بالسِّرَايَةِ في الحال، فقد حكى الإِمَامُ وَجْهَيْن في انْفِسَاخ الكتابة فيما سَرَى العِتقُ إليه كما حَكَاهُمَا في صورة الشَّرِيكَيْنِ، والذي أَوْرَدَهُ معظمهم الانفساخ فيه وإثبات وَلاَئِهِ للمعتق، وفي وَلاَءِ النِّصْفِ الأول وجهان:
أحدهما: أنه للمعتق خَاصَّةً؛ لأن نصيب الآخر بَقِيَ رَقِيقًا.
وأصحهما: أنه لهما؛ لأنه عُتِقَ بحكم كِتَابَةِ الأب، ويثبت له الوَلاَءُ وينتقل إليهما بالعصوبة.
وإذا قلنا: لا تَنْفَسِخُ الكتابة فيما سَرَى إليه، فيكون وَلاَءُ الجميع للأب، وإن قلنا بأن السِّرَايَة تثبت عند العَجْزِ، فإن أَدَّى نصيب الابن الآخر عُتِقَ كله، وَوَلاَؤُهُ للأب.
وإن عَجَزَ فطريقان:
أحدهما: إن الكتابة تبطل، ويكون وَلاءُ الجميع له.
وأشبههما: أن وَلاَءَ مَا سَرَى العِتْقُ إليه، وقُوِّمَ عليه له.
وفي وَلاءِ النصف الأَوَّلِ الوجهان، ومنهم من خَصَّصَ الوَجْهَيْنِ بصورة الإعْتَاقِ، وقَطَعَ في صورة الإبْرَاءِ بأن وَلاَءَ النصف الأول للأب ينتقل إليهما.
أما إِذا قلنا: بأنه لا سِرَايَةَ، فنصيب [الآخر] 1 مُكَاتَبٌ، كما كان، فإن عتق بأداء أو إعتاق، أو إبراء، فَوَلاءُ الكل للأب، كان عَجَزَ بقي نِصْفُهُ رَقِيقًا.
وفي وَلاَءِ النصف الأول؛ أهو للأول أو بينهما؟
فيه ما سَبَقَ من الوجهين، ورَتَّبَهُمَا الإِمَامُ على أن الكِتَابَةَ إذا انفسخت في نصيب الثاني بالعَجْزِ، فهل تَنْفَسِخُ في نصيب الأولَ؛ لأن الكِتَابَةَ لا تقبل التَّبْعِيضَ؟ فيه وجهان:
أصحهما: المنع؛ ويحتمل التَّبْعِيض لانْقِسَام المُكَاتَب بين الوارثين.
إن قلنا: تَنْفَسِخُ، فَوَلاءُ الأَوَّلِ للمعتق.
وإن قلنا: لا تَنْفَسِخُ فوجهان:
أحدهما: أن الجَوَابَ كذلك؛ لأنه يبعد أن يَسْتَوْفِيَ أحد الابنين حَقَّهُ من الرَّقَبَةِ رِقًا، ويشارك الآخر في الوَلاَءِ.
وأصحهما: أن الوَلاَءَ للأب، ويتلقيانه بالعصوبة، ويخرج ذلك على مَنْ بعضه حُرٌّ، وبعضه رَقِيقٌّ يورث.
ولو قبض أَحَدُ الابنين نَصِيبَهُ من النجوم، فهذا [على] 2 ما سيأتي إن شاء الله -تعالى- في الشريكين؛ إذا كَاتَبَا، إن كان بغير إِذْنٍ، فهو فاسد لا يحصل به العِتْقُ، وإن كان بِإذْنِ الآخر؛ فقولان؛ فإن صَحَّحْنَاة فقد قال الإِمَام: لا سِرَايَةَ بلا خِلاَفٍ؛ لأنه يجبر عَلى القَبْضِ، ولا سِرَايَةَ، حيث حصل العِتْقُ بلا اختيار.
ألا ترى أنه إذا ورث بعض من يعتق عليه، عُتِقَ ذلك البعض، ولم يَسْرِ وهذا ما
ذكره صاحب الكتاب في آخر المَسْأَلَةِ الثالثة، فقال: "نعم، أَحَدُ الابنين، إذا قبض نَصِيبَهُ عُتِقَ، ولم يَسْرِ".
وفي "التهذيب": أنا إذا جَوَّزْنَا القَبْضَ بإذْنِ الآخر، فالقول في عِتْقِ نصيبه، وفي السِّرَايَةِ على ما ذكرنا فيما إذا أعتق نَصِيبَهُ، أوَ أَبرأ عن نصيبه من النجوم بلا فَرْقٍ، ولمن ذهب إليه أن يَمْنَعَ كونه مجبراً على القبض، ويقول: هو بسبيل من الإِعْتَاقِ والإِبْرَاءِ، وبتقرير: إلاَّ يعتق ولا يبرأ، فَيُشبِة أن يقال: لا يجبر على الانفراد بالقَبْضِ، وإن جَوَّزنَاهُ؛ لأنه لو عجز عن أَدَاءِ نَصِيبِ الثاني، [فيناظره] 1 الثاني فيما أخذ، فإنه يَمْتَنِعُ عن قَبْضِ ما عَسَى الثاني يزاحمه فيه.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: لَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَبْدًا؛ فَادَّعَىَ العَبْدُ كِتَابَةَ المُورِّثَ لَهُ، فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، وَكَذَّبَهُ الآخَرُ، وَحَلَفَ، فَنَصِيبُ المُصدِّقِ مُكَاتبٌ (و) فَإِنْ أَعْتَقَهُ سَرَى إِلَى البَاقِي، وَلَمْ يُخرَّجْ عَلَى الخِلاَفِ، لِأَنَّهُ رَقِيقٌ بِقَوْلِ الشَّرِيكِ، وَإِنْ أَبْرَأَ لَمْ يَسْرِ؛ لِأنَّ الشَّرِيكَ يَقولُ: إِبْرَاؤُهُ لاغٍ؛ إِذْ لا كِتَابَةَ، فَإِنْ عُتِقَ بِأَدَاءِ النُّجُومِ لَمْ يَسر؛ لِأَنَّه مَقْهُورٌ عَلَى القَبُولِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: خَلَّفَ ابنين وعَبْداً، فادَّعَى العبد أن أَبَاهُمَا كَاتبهُ، فإن كذَّبَاهُ فهما المُصَدَّقَانِ باليمين، ويكون حلفهما على نَفْي العلم بكتابة الأب، فإن حلفا فَذَاك، وإن نَكَلاَ وحَلَفَ العَبْدُ اليمين المَرْدُودَةَ تثبت الكتابة، وإن حَلَفَ أحدهما دُونَ الآخر، ثَبَتَ الرِّقُّ في نصيب الحالف، وتُرَدُّ اليمين في نَصِيب النَّاكِلِ، وإذا أراد إقَامَةَ البَيِّنَةِ احْتَاجَ إلى إِقَامَةِ عَدْلَينِ؛ لأن مقصود الكتابة العِتْقُ دون المال.
[وإن صدقاه، أو قامت البينة، فالحكم ما مَرَّ في الفصل السَّابِقِ] 2 وإن صَدَّقَهُ أحدهما، وكَذَّبَهُ الآخر، فالمُكَذِّبُ مُصَدَّق بِيَمِينِهِ وأما نصيب المصدق؛ ففي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ أن بَعْضَهُمْ خَرَّجَ قَوْلاً أنه لا تثبت الكِتَابَةُ فيه؛ لأن الكِتَابَةَ لا تَتَبَعَّضُ، والصحيح المَشْهُورُ ثُبُوتُهَا، وهذا التَّبْعِيضُ لضرورة أَدَّتْ إليه، بخلاف التَّبْعِيضِ في الابتداء، وأَطْلَقُوا القَوْلَ بِشَهَادَةِ المُصَدِّقِ على المُكَذِّبِ.
وقال الإِمَامُ: إنه يُثْبِتُ بِشَهَادَتِهِ لنفسه حُقُوقاً في الكتابة؛ إذ النجوم مَوْرُوثَةٌ فقبول شهادته بعَقْدٍ عوضه للشاهد مُحَالٌ، فإن فرضت شَهَادَتُهُ بعد الإِبراء عن النجوم، فله أغراض في السِّرَايَةِ، فإن نفينا السراية اتَّجَهَ القَبُولُ، وإذا وقع الحكم بأن نَصِيبَ المصدق مُكَاتَبٌ، ونصيب الآخر قِنٌّ، فنصف الكَسْبِ له يصرفه إلى جهة النجوم، ونِصْفُهُ للمكذب.
وإن اتَّفَقَا على مُهَايَأةٍ ليكتسب يَوْماً لنفسه، ويوماً للمكذب، أو بخدمة جاز، ولا
إجْبَارَ عليها على الأَظْهَرِ خِلاَفاً لأبي حَنيفَةَ، ولا تقدير للنَّوْبَتَيْنِ في المُهَايَأةِ.
وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ: أنه يجوز المُهَايَأةُ يومين يومين، وثلاثة ثلاثة، فإن زادت كَسَنَةٍ وَسَنَةٍ؛ ففي الجَوَازِ وَجْهَانِ، وإذا أَدَّى النجوم، وفَضَلَ شَيْءٌ بما اكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ، فهو له.
ثم إن أعتق المُصَدِّقُ نَصِيبَ نَفْسِهِ، عُتِقَ.
وهل يَسْرِي؟ فيه طريقان:
قال أكثرهم: في السراية قولان، كما لو صَدَّقَاهُ معاً، إلاَّ أَنَّا إذا قلنا بالسِّرَايَةِ، فها هنا تَثْبُتُ السِّرَايَةُ في الحال، [ولا يجيء فيه القول الآخر؛ لأن صَاحِبَهُ ينكر الكتابة، فلا يمكن التَّوَقُّفُ إلى العمد، وقال بعضهم -وهو المذكور في الكتاب-: تثبت السِّرَايَة بلا خلاف في الحال] 1 لأن منكر الكتابة يقول: إنه رَقِيقٌ لهما، فإذا أعتق صاحبه نصيبه ثَبَتَتِ السِّرَايَةُ بقوله، فإن قلنا: لا سِرَايَةَ، فَوَلاَءُ ما عتق يكون بينهما، أو ينفرد به المُصَدِّقُ؟ فيه وجهان:
وجه الأوَّل: أنه عُتِقَ بحكم كتابة الأَبِ.
ووجه الثاني: وهو الأَشْبَهُ؛ أن المنكر أَبْطَلَ حَقَّهُ بالإِنكار، فيسلم للمصدق النصف، كما لو ادَّعَى وَارِثَانِ دَيْنَاً، وأقاما شاهداً، وحلف أحدهما معه، ولم يحلف الآخر -يأخذ الحالف نصفه، ويسلم له.
وإذا جعلناه بينهما، فلو مات هذا العَبْدُ، ونصفه رقيق، وقلنا: إن مثله يورث، فتوقف حِصَّةُ المنكر.
وإن قلنا بالسِّرَايَةِ، فَوَلاءُ النصف الذي سَرَى العِتقُ إليه للمعتق، وفي وَلاَءِ النصف الأول الوَجْهَانِ.
ولو أَبْرَأَهُ المصدق عن نصيبه من النجوم، فالظَّاهر أنه لا سِرَايَةَ؛ لأن منكر الكتابة لا يعترف بِعِتْقِ نصيبه، ويعد الإِبْرَاءُ لَغْوًا.
قال الإِمَام: ويجيء مع هذا الخِلاَف في السِّرَايَةِ؛ لأن قَوْلَ المصدق مَقْبُولٌ في نصيبه، فإذا أتى بما يَقْتَضِي العِتْقَ، فالسِّرَايَةُ بعده قَهْرِيَّةٌ لا تربط بالرِّضَا، وإن أدى نصيب المُصَدِّق من النجوم بلا سِرَايَةٍ.
قال الإِمام وصاحب الكتاب: لأنه يُجْبَرُ على القَبُولِ لا مَحِيصَ له عنه.
وقال غيرهما: لأنه عتق بحكم كِتَابَةِ الأب، ولا سِرَايَةِ على الميت، فصار كما لو أَقَرَّ أحد الابْنَيْنِ بأن أَبَاهُمَا أَعْتَقَ هذا العبد، وأنكر الآخر يعتق نصيب المقر، ولا يَسْرِي، وَوَلاءُ ما عتق بالأداء بينهما، أو للمصدق خَاصَّةً، فيه الوجهان.
ولو عَجَّزَهُ المصدق عاد قِنّاً، والكَسْبُ الذي في يَدِهِ يكون للمصدق؛ لأن
المكذب قد أخذ حِصَّتَهُ، فلو اختلفا في شيء من أَكْسَابِهِ، فقال المصدق: اكتسبته بعد الكتابة، وقد أَخَذْتَ نصيبك فهو لي، وقال المكذب: بل قبلها وكان لِلأَبِ، فهو بَيْنَنَا، فالمُصَدَّق المُصَدِّقُ؛ لأن الأَصْلَ أنه لم يكتسب قبل الكتابة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَامِسَة: إِذَا قَبَضَ النُّجُومَ فَوَجَدَهَا نَاقِصَةً فَلَهُ رَدُّهَا وَرَدَّ العِتْقِ إِذْ تَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ أَوْ حَصَلَ حُصُولاً غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ بِحَسَبِ العِوَضِ، وَإِنْ رَضِيَ اسْتَمَرَّ العِتْقُ وَلَكِنْ مِنْ حِينِ الرِّضَا أَوْ مِنْ حِيْنِ القَبْضِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوِ اطَّلَعَ عَلَى النُّقْصَانِ بَعْدَ تَلَفِ النُّجُومِ جَازَ لَهُ رَدُّ العِتْقِ إِلَى أَنْ يُسَلَّمَ الأَرْشَ، فَإِنْ عَجَزَ كَانَ لَهُ الإرْقَاقُ وَالفَسْخُ كَالعَجْزِ بِبَعْضِ النُّجُومِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: نذكر في ابْتِدَاءِ المَسْأَلَةِ أَصْلَيْنِ:
أحدهما: أن العِوَضَ في الكتابة لا يكون إلاَّ دَيْناً، ويجوز أن يكون نَقْداً، وأن يكون عِوَضًا.
والثاني: مستحق الدَّين في ذمة الغير، إذا اسْتَوْفَاهُ، فلم يجده على الصِّفَةِ المشروطة، فله رَدُّهُ، وطلب ما استحقه، ولا يرتفع العقد إن كان المَقْبُوض من غير جِنْس حَقّه، لم يملكه إلاَّ أن يَعْتَاضَ حيث يجوز الاعتياض.
وإن اطلَعَ على عَيْبٍ به، فينظر إن رَضِيَ به؟ فهل نقول: ملكه بالرضا أو نقول: ملكه بالقَبْضِ، وتَأَكَّدَ المُلْكَ بالرِّضَا؟ فيه قولان:
وإن رَدَّة، فهل نقول: مَلَكَهُ بالقبض، ثم انْتَقَضَ الملك بالرد، أو نقول: إذا رد تبين أنه لم يملكه؟ فيه قولان؟ ويبنى على هذا الخِلاَفِ مَسَائِلُ لعلها قد سَبَقَتْ:
منها: أن عقد الصَّرْفِ إذا وَرَدَ على مَوْصُوفٍ في الذمة، ثم جرى التقابض، وتَفَرَّقَا، ثم وجد أحدهما بما قبض عَيْباً، وَرَدَّهُ، فإن قلنا: إنه ملك بالقبض صَحَّ العَقْدُ.
وإن قلنا: تَبَّينَ أنه لم يملك، فالعَقْدُ فَاسِدٌ؛ لأنهما تَفَرَّقا قبل التَّقَابُضِ.
ومنها: إذا أسلم في جَارِيَةٍ، وقبض جارية، فوجد بها عَيْباً، ورَدَّهَا فهل على المسلم إليه اسْتِبْرَاءُ هذه الجارية؟ يبنى على هذا الخلاف.
ومنها: قال الإِمَامُ: المَوْصُوفُ والمقبوض إذا وجد مَعِيباً، فإن قلنا: إنه يملكه بالرِّضَا، فلا شك أن الرَّدَّ ليس على الفَوْرِ، والملك موقوف على الرِّضَا.
وإن قلنا: يحصل المِلْكُ عند القَبْضِ، فيجوز أن يقال: الرَّدُّ على الفَوْرِ، كما في شراء الأَعْيَانِ.
والأوجه: المنع؛ لأنه ليس مَعْقُودًا عليه، وإنما يثبت الفَوْرُ فيما يُؤَدِّي رَدُّهُ إلى رفع العَقْدِ؛ إِبْقَاءً للعقد.
إذا عرف ذلك، فلو وجد السَّيِّدُ ببعض النجوم المَقْبُوضَةِ، أو جميعها عَيْباً، فله الخِيَارُ بين أن يرضى به، وبين أن يَرُدَّهُ، ويطالب ببدله، ولا فَرْقَ بين العَيْبِ اليسير والفَاحِشِ، خلافاً لأبي حنيفة في اليَسِيرِ، فإن كان العَيْبُ في النَّجْمِ الأخير الذي يَتَعَلَّقُ به العِتْقُ فإما أن يرضى به، أو يريد الرد، فإن رضي به، فالعِتْقُ نافذ لا مَحَالَةَ، ويجعل رِضَاهُ بالعَيْبِ كالإبراء عن بعض الحَقِّ، ولكن يحصل العِتقُ عند الرَّضَا، أو نقول: حصل من وَقْتِ القبض؟
فيه وجهان، ويشبه أن يرجع الثاني، وبه قال أبو إِسْحَاقَ، وصاحب "التقريب" وغيرهما.
وإن أراد الرد والاسْتِبْدَالَ؛ فان قلنا: يتبين بالرَّدِّ أن الملك لم يحصل بالقَبْضِ، فالعتق غير حَاصِلٍ، فإن أَدَّى على الصفة المُسْتَحَقّةِ بعد ذلك، فحينئذ يحصل العِتْقُ.
وإن قلنا: يَحْصُلُ المِلْكُ في المقبوض، وبالرد يرتفع، فَوَجْهَانِ:
أحدهما: أن العِتقَ كان حَاصِلاً، إلاَّ أنه كان بِصِفَةِ الجَوَازِ، فإذا رَدَّ العِوَضَ ارْتدَّ.
وأصحهما: أن العِتْقَ لم يحصل، إذ لَيْسَ العِتْق من التَّصَرُّفَاتِ التي يَتَطَرَّقُ النَّقْصُ إليها، فلو حَصَلَ لَمَا ارْتَفَعَ، ولا ثَبَتَ العِتْقُ بصفة اللزوم باتفاق الأَصْحَابِ.
وعن أحمد: أنه يَثْبُتُ، ولا يبطل العِتْقُ برد العِوَضِ.
واحتج الأَصحَابُ بأن الكِتَابَةَ عقد مُعَاوَضَةٍ، يلحقه الفَسْخُ بالتَّرَاضِي، فوجب أن يفسخ بالعَيْب كالبيع.
ولو تَلِفَ عند السيدِ ما قبضه، ثم عرف أنه كان مَعِيباً؛ فقد قَدَّمَ الإِمام عليه أَنه إن اتَّفَقَ ذلك في عَيْنٍ، فإن رَضِيَ، فالذي يَدُلُّ عليه فَحْوَى كلام الأئمة أن الرِّضَا كَافٍ، ولا حَاجَةَ إلى إِنْشَاءِ إِبْرَاءٍ.
ووجهه: أن الأَرْشَ كالعِوَضِ عن حَقِّ الرَّدِّ، والرَّدُّ يَكْفِي في سُقُوطِهِ الرِّضَا، فكذا الأَرْشُ، فإن طلبه تفرد، ولم يسقط إلاَّ بالإِسْقَاطِ.
وأما النجوم؛ فإن رَضِيَ، فالعِتْقُ نَافِذٌ، ويعود الوَجْهَانِ في أنه يحصل عند الرِّضَا، ويستند إلى القَبْضِ.
وإن طلب الأَرْشَ يتبين أن العِتْقَ لم يحصل، فإذا أَدَّى الأَرْشَ حصل حينئذ، وإن عَجَزَ، فَلِلسَّيِّدِ إِرْقَاقُهُ، كما لو عَجَزَ ببعض النُّجُوم، ويجيء الوَجْهُ الآخر، وهو أن يرتفع العَقْدُ بعد حُصُوله، ويوافقه لَفْظُ صاحب "الشامل" حيث قال: ويعود حكم الرِّقِّ في العَبْدِ، حتى يُؤَدِّيَهُ، والأول هو المذكور في "الوسيط".
وقوله هاهنا: "جاز رَدُّ العِتْقِ إلى أن يسلم الأَرْش".
مَحْمُولٌ عليه، وتأويله أن
ليس له أن يَتَوَسَّلَ إلى الحكْمِ بانْتِفَائِهِ أَصْلاً، أو ما أشبه ذلك، وأما الأَرْشُ فيه وجهان:
أحدهما: ما ينقص من قِيمَةِ رَقَبَةِ العبد، بحسب نُقْصَانِ العَيْبِ من قيمة النجوم على ما هو قِيَاسُ المُعَاوَضَاتِ.
وهذا ما أَوْرَدَهُ أبو الفَرَجِ السَّرَخْسِىُّ.
والثاني: ما ينتقص من النجوم المَقْبُوضَةِ بسبب العَيْبِ.
وَوُجِّهَ بأن المقبوض عن المُلْتَزَمِ في الذمةِ ليس كما في العَقْدِ، ولذلك لا يَرْتَدُّ العَقْدُ برَدِّهِ، فلا يسترد في مُقَابَلَةِ نقصانه جزءاً من العوض كما لا يسترد العوض 1 إذا كان بَاقِياً فيرد 2 بالعيب.
وهذا ما نَقَلَ القاضي الرُّوَيانِيُّ رُجْحَانَهُ، وأُجْرِيَ الوَجْهَانِ في كل عقد، ورد على موصوف في الذِّمَّةِ.
قال الإِمَامُ: وأمثل منهما أن يُقَال: يُغَرَّمُ السَّيِّدُ ما قَبَضَ، ويطالب بالمُسَمَّى بالصفات المشروطة.
وقوله في الكتاب: "فوجدها نَاقِصَةً"، يريد به النُّقصَانَ بالعَيْب، فأما إذا ظهر نُقْصَانٌ في الكَيْلِ، أو الوَزْنِ، فالعِتْقُ غير حاصل بلا خِلاَفٍ، سواء بقيَ المَقْبُوضُ في يَدِ السِّيِّدِ أو تلف، فإن رَضِيَ بالنَّاقِصِ، فيعتق حينئذ بالإِبْرَاءِ عن الباقي.
وقوله: "ورد العتق"، يريد رَفْعَ الحُكْمِ بالعتق، أو غيره مما ينتظم على قولنا: إنه ما حَصَلَ العِتْقُ، وعلى قولنا: إنه حصل، ثم ارتفع؛ ألا تراه قال: إذ يتبين أنه لم يَحْصُلْ، أو حصل حُصُولاً غير مُسْتَقِرٍّ بحسب العِوَضِ؛ أي حصل غَيْرَ لاَزِمٍ مَوْقُوفاً حَالُهُ على تَبَيُّنِ حَالِ العِوَضِ سَلاَمَةً وَتَعَيُّبًا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: السَّادِسَةُ: إِذَا خَرَجَتِ النُّجُومُ مُسْتَحَقَّةً تَبَيَّنَ أَنْ لاَ عِتْقَ، فَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ عِنْدَ القَبْضِ: اذْهَب فَأنْتَ حُرٌّ أَوْ عُتِقْتَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يُؤَاخَدُ به كَمَا لِلمُشْتَرِي الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الصَّحِيحِ إِذَا خَرَجَ المَبِيعُ مُسْتَحَقاً وَإِنِ ادَّعَى المِلْكَ لِلبَائِعِ لِأَنَّ قَوْلَهُ كَانَ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالطَّلاَقِ ثُمَّ قَال: كُنْتُ أَطْلَقْتُ لَفْظَةً ظَنَتتُهَا طَلاَقاً ثُمَّ رَاجَعْتُ المُفْتي فَأخْبَرَني بأَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ أنَّهُ يُقْبَلُ وَقَدْ قيلَ به، وَكَذَا فِي العِتْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا خرج بَعْضُ النجوم، أو جَمِيعُهَا مستَحَقًا تَبَيَّنَ أنه لا عِتْقَ؛ لأن الأدَاءَ لم يَصِحَّ، وإن ظهر الاسْتِحْقَاقُ بعد مَوْتِ المكاتب بَانَ أنه مَات رَقِيقًا، وأن ما تركه للسَّيِّدِ دون الوَرَثَةِ.
ولو قال السَّيِّدُ عند الأخذ: اذهب فأنت حُرٌّ، أو فقد عتقت، ثم تَبَيَّنَ الاستحقاق؛ ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحكم بالحرية مُؤَاخَذة له بِإِقرَارِهِ.
وأصحهما -وقد نص عليه-: أنه لا يُؤَاخَذُ به، ويحمل قوله على ظَاهِرِ الحال؛ وهو صِحَّةُ الأَدَاءِ.
والوجهان كالوجْهَيْنِ فيما إذا خرج المبيع مُسْتَحَقًا، وكان قد قال في مُخَاصَمَةِ المدعي: إنه كان مِلْكاً لفلان إلى أن ابتعته منه أنه: هل يرجع بالثمن على بائعه؟
واقتصر صاحب "التهذيب" علىَ إِيرَادِ الوَجْهِ الأَصَحِّ في المسألتين، ثم قال: ولو [اختلفا] 1 فقال المُكَاتَبُ: أعتقتني بقولك: أنت حُرٌّ، وقال السيد: أردت أنك حُرٌّ بما أَدَّيْتَ، وبَانَ أنه لم يَصِحَّ الأَدَاءُ، فالقول قَوْلُ السيد مع يَمِينِهِ.
وهذا السِّيَاقُ يَدُلُّ على أن مُطْلَقَ كَلاَمِ السيد مَحْمُولٌ على أنه حُرٌّ بما أدى؛ وإن لم يخبر عن 2 إرادته.
وذكر الصَّيدلاَنِيُّ أن قِيَاسَ تَصْدِيقِ السيد في المسألة أنه لو قيل لرجل: طلقت امرأتك؟ فقال: نعم طَلَّقْتُهَا.
ثم قال: إنما قلت ذلك على ظَنِّ أن اللَّفْظَ الذي جرى بيننا طَلاَقُهُ، ثم راجعت المفتيين فقالوا لا يَقَعُ بها شَيْءٌ، وقالت المَرْأَةُ: بل أردت إنشاء الطَّلاَقِ.
والإقرار بِطَلاَقٍ آخر أنه يقبل قوله مع يَمِينِهِ.
وكذا الحُكْمُ في مثله في العِتْقِ، وهذا قد ذَكَرَهُ غيره، ونقله القاضي الرُّوَيانِيُّ، ولم يعترض عليه.
ولكن قال الإِمَامُ: هذا عندي وَهْمٌ وغَلَطٌ، فإن الإِقْرَارَ جرى بصريح الطَّلاَقِ، فَقَبُولُ قوله بِنَاءً على ما يَدَّعِيهِ، ويتعارض فيه صِدْقُهُ، وكذبه مُحَالٌ، ولو فتح هذا البَابَ لما استَقَرَّ إقْرَارُ المقر به، وليس ذلك كإطلاق لفظ الحرية على أنه قَبَضَ النجوم، فإنه مَحْمُولٌ على الإِخْبَارِ عما يقتضيه القَبْضُ.
وفي مسألة الطَّلاَقِ لم توجد الإِشَارَة إلى واقعة، وإنما وجد سؤال مطلق، وجواب مُطْلَق 3.
واعلم أن في كلام الإِمَامِ إِشْعَاراً بأن قوله: أنت حُرٌ، إنما يقبل تنزيله على الحُرِّيَّةِ بموجب القَبْضِ إذا رَتَّبَهُ علَى القَبْض، كما صور في الكتاب، فلو قال له عند القَبْضِ: اذهب فأنت حُرٌّ.
وإن في مسألة الطَّلاَقِ لو وجدت قَرِينَةً عند الإِقْرَارِ بأن كانا يَتَخَاصَمَانِ في لفظة "أَطْلَقَهَا"، فقال ذلك، ثم أَبْدَى التأويل المذكور، يقبل أيضاً، فإن في الصورتين لو انْفَصَلَ قوله عن القَرَائِنِ لم يقبل التأويل.
وهذا التفصيل قَوِيمٌ لا بَأْسَ بالأَخْذِ به.
لكن قال في "الوسيط": لا فَرْقَ بين أن يكون (1) قوله: أنت حُرٌّ جَوَاباً عن سؤال حُرِّيَّتِهِ أو ابتداء، وبين أن يكون متصلاً (2) بقبض النُّجُومِ أو غير مُتَّصِلٍ لشمول العُذْرِ، ومَالَ كذلك إلى قَبُولِ التأويل في الإقرار بالطلاق وغيره.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الحُكْمُ الثَّانِي حُكْمُ الأَدَاءِ،
وَفِيهِ سَبعُ مَسَائِلَ: (الأُولَى) أنَّهُ يَجِبُ الإِيتَاءُ بحَطِّ شَيْءٍ مِنَ النُّجُومِ أَوْ بَذْلُ شَيْءٍ، وَلاَ يَجِبُ فِي الكِتَابَةِ الفَاسِدَةِ عَلَى الأَظْهَرِ (و) لاَ يَجِبُ فِي الإِعْتَاقِ بعَوَضِ، وَلاَ فِي بَيْعِ العَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ، وَلاَ فِي الإِعْتَاقِ مَجَّاناً، وَفِي وُجُوبِ تَقْدِيمِهِ عَلَى وَقْتِ العِتْقِ وَجْهَانِ، وَيَكْفِي أَقَلُّ مَا يُتَمَوَّلُ، وَقِيلَ: بَلْ مَا يَلِيقُ بِالحَالِ إلاَّ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ الإِيتَاءِ فَتَكونَ الزِّيَادَةُ فِي التَّرِكَةِ كوَصِيَّةٍ يُضَاربُ بِهَا الوَصَايَا لاَ كَدَيْنٍ، وَلَوْ بَقِيَ مِنَ النُّجُومِ قَدْرٌ لاَ يُقْبَلُ فِي الإِيتَاءِ أَقَلُّ مِنْهُ إِذَا قُلنَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِمَّا يُتَمَوَّلُ فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ تَعْجِيزُهُ، وَلاَ يَحْصُلُ التَّقَاصُّ لِأنَّ الإِيتَاءَ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ مَالِ الكِتَابَةِ وَلَكِنْ يَنْبَغي أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ، فَلَوْ عَدَلَ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ فَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لاَ يَجْوزُ تَعَبُّداُ كَمَا فِي الزَّكَاةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب على السَّيِّدِ إيتاء المُكَاتَبِ 3؛ بقوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ12 = المذهب المنع؛ لأنه إذا لم يعلم الدين فهو مجهول، قال وعلى هذا الخلاف إذا اعتقدت قبض مهرها فقالت أبرأتك عن مهري ثم بان بقاؤه عليه أو قال أبرأتك بما استحقه عليك من الشفعة وله الشفعة في الباطن وهو لا يعرفها في الظاهر هل يبرأ أم لا، وهكذا لو طلق امرأة ثم بانت زوجته وأعتق جارية ونسي أن له جارية فبانت جاريته وكان اعقاده أنه يطلق ويعتق أجنبية، وجهان.
انتهى.
اللهِ الَّذِي آتاكُمْ} [النور: 33] وذهب أبو حَنِيْفَةَ ومالك: إلى أن الإيتَاءَ يُسْتَحَبُّ، وليس بِوَاجِبٍ، واختاره القاضي الرُّويَانِيُّ في "الحلية".
والإيتاء بأن يَحُطَّ عنه شيئاً من النُّجُومِ، أو يبذل شيئاً، ويأخذ النُّجُومَ.
أما الثاني فظاهر، فإن البَذْلَ إيتاء؛ وهو المَأْمُورُ به في الآيَةِ وأما الحَطُّ فقد روي ذلك عن الصَّحَابَةِ -رضي الله عنهم- قَوْلاً وفِعْلاً منهم: علي وابن عمر -رضي اللهُ عنهم-.
وحكي خلاف عن الأصحاب -رحمهم الله- في أن الأَصْلَ في الإيتَاءِ البَذْلُ، والحَطُّ بدل عنه أو الأمر بالعكس.
وجه الأول: أن ظاهر الآيَةِ يُشْعِرُ به.
ووجه الثاني: أن المَقْصُودَ إِعَانَتُهُ ليعتق، والإِعَانَةُ في الحَطِّ محققة، وفي البَذْلِ مَوْهُومَةٌ؛ فإنه قد ينفق المال في جِهَةٍ أخرى.
وهذا أَظهر، ويحكى عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في "الأم"، ولذلك نقول: الحَطُّ أَوْلَى من البَذْلِ.
ثم في الإِيتَاءِ مَسَائِلُ:
إحداها: في مَحَلِّ الإيتاء، وهي الكِتَابَةُ الصَّحِيحَةُ، وفي وجوبه في الفاسدة وَجْهَانِ:
أظهرهما: المنع؛ وبَنَاهُمَا بَعْضُهُمْ على أن الأَصْلَ الحَطُّ، أو البذل، إن قلنا بالأَوَّلِ لم يجب؛ فإن النجوم غَيْرُ ثَابتَةٍ فيها حتى يجب الحَطُّ، وإذا لم يثبت الأَصْلُ لم يثبت البدل وهو البذل وإن قلنا: الأَصْلُ البَذْلُ؛ فلا يمتنع إيجَابُ شيء على السَّيِّدِ تشبيهاً 1 للكتابة الفَاسِدَةِ بالصحيحة, كما شَابَهَتْهَا في حُصُولِ العِتْقِ وغيره.
وإذا أوجبنا فيها الإيتَاءَ، فمن قَضَايَاهَا: استِحْقَاقُ السيد قيمة الرقبة، فلو حَطَّ شيئاً منها عن جِهَةِ الإِيتَاءِ كَفَىَ.
ومن أعتق عَبْدَهُ على عِوَضٍ، أو باعه من نفسه فلا إِيتَاءَ عليه في ظاهر المذهب، وهو المَذْكُورُ في الكتاب.
وعن رِوَايَةِ الشيخ أبي محمد وَجْهٌ: أنه يجب الإِيتَاءُ في كل عَقْد عتاقة على عِوَضٍ، ولا خِلاَفَ في أنه لا يجب في الإعتاق 2 بغير عوض.
والثانية: في وقته ومتى يجب؟
فيه وجهان:
أحدهما: بعد العتق لتكون بُلْغَةً له؛ كما تجب المُتْعَةُ بعد الطَّلاَقِ.
وأصحهما -وبه قال أبو إِسْحَاقَ-: أنه يجب قبل العِتْقِ ليستعين به على تحصيل
العِتْقِ، كما يُدْفَعُ إليهم سَهْمُ الرِّقَابِ قبل العِتْقِ.
وعلى هذا فإنما يَتَعيَّنُ في النَّجْمِ الأخير.
وأما وقت الجَوَازِ، فمن أول عَقْدِ الكتابة، ويجوز بعد الأَدَاءِ، أو حصول العِتْقِ أيضاً، ولكنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ القضاء إذا أوجبنا التَّقْدِيمَ على العتق.
وفي طريقة الصَّيدَلاَنِيِّ -نقل وَجْهٍ: أنه لا يجوز الإيتَاءُ بما قبل النَّجْم الأَخِيرِ؛ بل يجب أن يحط منه ليرتب عليه العِتْق، أو يُؤْتيه بعد العِتْقِ؛ ليحصل التمليك الكَامِلُ، وقد يشعر قوله في الكتاب: "وفي وجوب تقديمه على وقت العِتْقِ وجهان"؛ فإنَّا إِذا لم نُوجِبِ التقديم يجوز 1 التقديم والتَّأْخِيرِ جَميعاً.
ومنهم من يُشْعِرُ إِيرَادُهُ بوجوب التأخير كما قَدَّمْنَا.
والثالثة: في قَدْرِهِ؛ وفيه وجهان:
أصحهما -وهو المنصوص في "الأم"-: أنه لا يتقدر 2 بل يكفي ما يتمول، ويقع عليه الاسْمُ؛ لأنه لم يَرِدْ فيه تَقْدِيرٌ.
وقوله: "مِنْ مَالِ اللهِ"؛ يتناول القَلِيلَ والكَثيرَ.
والثاني -ويحكى عن أبي إِسْحَاقَ-: أنه يَنْبَغِي أن يكون قَدْراً يَلِيقُ بالحال، ويستعين به على العِتْقِ، دون القليل الذي لا وَقْعَ له.
وعلى هذا، فيختلف الحال بقِلَّةِ المال وكثرته، فإن لم يَتَّفِقَا على شيء قَدَّرَهُ الحاكم بالاجتهاد، وينظر فيه إلى قُوَّةِ العبد واكتسابه.
وعن رواية ابن القَطَّانِ وَجْهٌ: أنه يُعتَبَرُ حَالُ السَّيِّدِ في اليسار والإعسار 3.
وعن الأَصْطَخْرِيِّ: أنه يحتمل أن يُقَدَّرَ بِرُبْعِ العُشْرِ، والمُسْتَحَبُّ قَدْرُ الربع، روي ذلك عن علي -كرم الله وجهه-.
وفي وجه ضعيف: الثُّلُث، فإن لم تسمح نَفْسُهُ بذلك، فالسُّبع مَحْبُوبٌ؛ لما روي أن ابن عمر -رضي الله عنهما- كَاتَبَ عَبْداً له بخمسة وثلاثين ألف درهم، وَحَطَّ عنه خمسة آلاف 4، وخمسة سُبْع خمسة وثلاثين.
قال في "الوسيط": وكان السُّبْع إلى العشر لائقاً.
والرابعة: في جِنْسِهِ.
والإِيتَاءُ بِالحَطِّ لا يكون إلاَّ من عَيْنِ مَالِ الكتابة.
وأما البَذْلُ؛ فإن كان المَبْذُولُ من جنْسِ مال الكتابة كَبَذْلِ الدَّرَاهِم عن الدنانير، فلا يُلْزَمُ المُكَاتَبُ قَبُولَهُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] يريد مَالَ الكتابة.
قال الإمَامُ: ووجدت في كَلاَمِ بَعْضِ الأئمة -رحمهم الله- مَا يَدُلُّ على أن غير الجنس مجزئ.
وقوله في الكتاب: "ففيه وجه: أنه لا يجوز تَعَبُّداً كما في الزكاة"، يشير إلى ترجيح الجَوَازِ.
وقد صرح به في "الوسيط".
والظاهر الذي أَوْرَدَهُ الأكثرون: المَنْعُ.
والمقصود من الجَوَازِ وعدمه أنه هل يُجْبَرُ المُكَاتَبُ على قَبُولهِ أو لا يجبر؟ فأما إذا رَضِيَ المُكَاتَبُ بغير الجِنْسِ، فيجوز لا مَحَالَةَ، نص عليه.
فإن الكِتَابَةَ من قبيل المُعَامَلاَتِ، فلا [يُنْحَى] 1 بها على نَحْو العبادات، على أن الإِمام قال: إذا منعنا نقل الصَّدَقَة [وانحصر] 2 المُسْتَحِقُّونَ، فقد نقول لهم: أن يَعْتَاضُوا عُرُوضاً عن حقوقهم.
ولو كان المَبْذُولُ من غَيْرِ مال الكتابة، ولكن من جِنْسِهِ، فهل عليه القَبُولِ؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا؟ لظاهر الآية.
والأظهر -وهو المَذْكُورُ في الكتاب-: نعم؛ كما في الزَّكَاةِ، ولأن المَقْصُودَ الإِعَانَةُ، وهي حاصلة.
وفي الفصل وَرَاءَ ما أَورَدنَاهُ فَرْعَانِ:
أحدهما: إذا مات السَّيِّدُ بعد أَخْذِ النجوم، وقبل الإِيتَاءِ, فعلى الوَرَثَةِ الإِيتَاءُ, فإن كانوا صِغَارَاً تَولاَّهُ الذي يلي أَمْرَهُمْ، ثم لا يخلو إما أن يَكون مَالُ الكتابة أو بَعْضُهُ باقياً [بحاله] 3 أو لم يكن إن كان باقياً، فيؤخذ القَدْرُ الوَاجِبُ منه، ولا يزاحم المُكَاتَبُ فيه أَرْبَابَ الديون، ولا أَرْبَابَ الوصايا، [لأن حقه] 4 في عَيْنِهِ، أو هو كالمرهون بحقه هكذا ذكره القَفَّالُ، وحكاه القاضي ابن كَجٍّ عن نصه -رضي الله عنه- في "المبسوط".
وإن لم يكن بَاقِياً؛ فعن أبي إِسْحَاقَ، وغيره وجه: أن الواجب 1 الإيتاء لكونه غير مُقَدَّرٍ ضعيف، فيؤخر عن الدَّيْنِ، ويجعل في مَرْتَبَةِ الوَصَايَا.
وذكر وجه آخر: أن على قولنا: إن القاضي يُقَدِّرُهُ باجتهاده، فَقَدَّرَهُ أقل ما يتمول منه في مرتبة الدُّيُونِ، والزيادة عليه في مَرْتَبَةِ الوصايا لضعفه وهذا ما أَوْرَدَهُ في الكتاب مُسْتَثْنى عن قولنا: إن الوَاجِبَ ما يُقَدِّرُهُ القاضي، ويليق بالحَالِ، فقال: "إلا أن يموت قبل الإيتاء... " إلى آخره.
وكأن مَنْ قَالَ به يقول: الزِّيَادَة على أَقَلِّ ما يتمول لا يليق بحال الميت؛ لأَنه مُعْسِرٌ.
وظَاهِرُ المَذْهَبِ أن ما يحكم بوجوبه على اخْتِلاَفِ الوجهين كَسَائِرِ الدُّيُونِ يُقَدَّمُ على الوَصَايَا، فإن أَوْصَى بِزِيَادَةٍ على الواجب، فتلك الزِّيَادَةُ من الوَصَايَا.
واعلم أن الحِكَايَةَ عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" أن المُكَاتَبَ يُحَاصّ بالذي له أَهْلَ الدِّيْنِ والوَصَايَا.
واعترض المُزَنِيُّ وقال: يلزمه أن يقدمه على الوَصَايَا، وكيف يُحَاصّ الفريقين، والدُّيُونُ مقَدَّمَةٌ على الوَصَايَا، فإن حَاصَّ أَهْلَ الدُّيُونِ يقدم على الوصايا، وإن حَاصَّ أَهْلَ الوصايا تَقَدَّمَتِ الديون عليه.
واختلف الأَصْحَابُ -رحمهم الله- في الجَوَابِ على وجوه:
أحدها: أن الكاتب غلط، وإنما قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- يُحَاصّ أَهْلَ الديون دون الوَصَايَا.
والثاني: عن ابن سُرَيْجٍ تَنْزِيلُ 2 النَّصِّ على ما إذا أوصى أن يكون الإيتاء والدُّيُونُ من الثلث، وكان الثلث يحتملهما، والوَصَايَا أيضاً؛ فيتحاصُّون 3 جميعاً في الثُّلُثِ.
والثالث: تنزيله على ما إذا قدر القاضي شيئاً باجْتِهَادِهِ فَيُحَاصّ أرْبَابَ 4 الديون بأقل ما يتمول منه، وأَرْبَاب الوَصَايَا بالزيادة.
وهو الوجه الذي قَدَّمْنَاهُ.
والرابع: تَنْزِيلُهُ على ما إذا أَوْصَى السَّيِّدُ بزيادة على القَدْرِ الواجب، فيحاص أَرْبَابَ الديون بالواجب، وأَرْبَابَ الوَصَايَا بالزيادة.
وبهذا قال ابن خَيْرَانَ، وشَبَّهَ ذلك بما أَوْصَى بأن يمح عنه بالحجة الواجبة من بلده، فَقَدَّرَ أُجْرَةَ الحج من المِيقَاتِ من رَأْسِ المال، والزيادة تُعْتَبَرُ من الثلث.
الفَرْعُ الثَّانِي:
إذا لم يبق من النجوم إلاَّ القَدْرُ الواجب في الإِيتَاءِ فلا تسقط ولا يَحْصُلُ
التَّقَاصٌّ؛ لأنا -وإن جعلنا الحَطَّ أصلاً- فلِلسَّيِّدِ أن يُؤْتِيَهُ بَدَلاً عنه، ولا يجوز للسَّيِّدِ تعجيزه؛ لأن عليه مِثْلَهُ، ولكن يرفعه المُكَاتَبُ إلى الحاكم حتى يرى رَأْيَهُ، ويفصل الأَمْرَ بينهما.
وإن جعلنا الإيتَاءَ أَصْلاً؛ فعن القاضي الحُسَيْن أنّ له تَعْجيزَهُ بالباقي إذا لم يجبره، وإذا عَجَّزَهُ سقط الإِيتَاءُ وارتفع العَقْدُ من أَصْلِهِ.
قال الإِمام: وهذا عندي غَيْرُ صحيح، وإنما شرع الإيتاء لئلاَّ يَعْجَزَ العَبْدُ بقدره ولا يَفُوتَ العِتْقُ.
وَلْيُعَلَمْ ما ذكرنا قوله في الكتاب: "وليس للسيد تعجيزه" بالواو.
" فرع":
إذا قلنا: أيجتهد القاضي في القَدْرِ؟
فقد قال الإِمَامُ: ما يستيقن 1 أن له وقع له بالإضافة إلى مَالِ الكتابة فهو غير كَافٍ، وما [يستيقن أن له وقعاً] 2 فهو كَافٍ.
وإذا تَرَدَّدَ فعند الترَدْدِ يَتَعَارَضُ فيه أَصْلاَنِ:
أحدهما: بَرَاءَةُ ذِمَّةِ السَّيِّدِ.
والثاني: بقاء الأَمْرِ بالإيتاء، ويلتحق بأَطْرَافِ تقابل الأصلين والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: لَوْ عَجَّلَ النُّجُومَ قَبلَ المَحَلِّ أُجْبِرَ عَلَى القَبُولِ كَمَا لَوْ عَجَّلَ دَيْناً بِهِ رَهْنٌ، وَفِي سَائِرِ الدُّيُونِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ ضَرَرٌ أَوْ كَانَ وَقْتَ غَارَةٍ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ كَانَ العَقْدُ أُنْشِئَ فِي وَقْتِ الغَارَةِ فَوَجْهَانِ، فَلَوْ كَانَ غَائِباً قَبَضَ القَاضِي عَنْهُ، وَلَوْ قَالَ لاَ آخُذُ فَإنَّهُ حَرَامٌ أُجْبِرَ عَلَى القَبُولِ وَالقَوْلُ قَوْلُ المُكَاتَبِ، وَلَكِنْ هَلْ يُنْتَزَعُ من يَدِهِ بَعْدَ القَبُولِ لِأَجْلِ إِقْرَارِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ينْتَزَعُ وَيُحْفَظُ فِي بَيْتِ المَالِ أَوْ يُسَلَّمُ إِلَى مَالِكِهِ إِنْ أَقَرَّ لِمَالِكٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُنْتَزَعُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إِذَا كَذَّبَ نَفْسَهُ، وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ: إنْ عَجَّلْتَ بَعْضَ النُّجُومِ فَقَدْ أَبْرَأتُكَ عَنِ البَاقِي لَمْ يَصِحَّ (ح و) الإِبْرَاءُ، وَلَوْ عَجَّلَ البَعْضَ بِشَرْطٍ لَمْ يَصِحَّ (ح و) الأَدَاءُ، فَإِنْ وَفَّى السَّيِّدُ وَأَبْرَأَ فَهَلْ يَنْقَلِبُ القَبْضُ صَحِيحَاً بِرِضَاهُ السَّابِقِ المُعَلَّقِ عَلَى الأدَاءِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ أَنْشَأَ رِضاً جَدِيدَاً فَلاَ شَكَّ أنَّهُ يَنْقَلِبُ مِنْ حِينِهِ لِأَنَّ دَوَامَ القَبْضِ كَابْتِدَائِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في المسألة قَوَاعِدُ يَتْلُوهَا فروع:
إِحْدَى القَوَاعِدِ: إِذا عجل المُكَاتَبُ النُّجُومَ قبل المَحَلِّ، نُظِرَ: إن لم يلحق السَّيِّدَ
ضَرَرٌ في القَبُولِ؛ أجبر عليه 1؛ لأن للمكاتب غَرَضاً ظاهراً فيه، وهو تنجيز العتق، أو تقريبه، ولا ضَرَرَ على السَّيِّدِ من قبوله 2، ولأن المحل حَقُّ مَنْ عليه الدَّيْنُ، فإذا أَسْقَطَهُ ينبغي أن يسقط، وقد ورد فيه الأَثَرُ عن عمر -رضي اللهُ عنه-؛ كان لحق السَّيِّدَ ضَرَرٌ بأن كان لا يبقى بحاله إلى وَقْتِ الحُلُولِ، كالطَّعَامِ الرَّطْبِ، أو كان يلزمه مُؤنَةٌ كَعَلَفِ الحيوان، وما يحتاج إليه لِلْحِفْظِ، أو كان في أيام فِتْنَةٍ وغَارَةٍ؛ فلا يُحْبَرُ على القَبُولِ.
نعم؛ لو أُنْشِئَ العَقْدُ في وقت الفِتْنَةِ والغَارَةِ، ففيه وجهان:
أحدهما: يُجْبَرُ؛ لاستواء الحَالَتَيْنِ، كما لو 3 استويا في الأمن.
وأصحهما: المنع؛ لأنها قد تَزُولُ عند المَحَلِّ.
ولو أتى بالنجوم في غير بَلَدِ العَقْدِ؛ فإن كان في النَّقْلِ مُؤنَةٌ، أو كان الطريق، أو ذلك البَلَدُ مَخُوفاً لم يُجْبَرْ على القبول وإلاَّ فَيُجْبَرْ.
وقوله في الكتاب: "وفي سائر الديون المؤجلة وجهان"، لا يمكن حَمْلُهُ على ما سوى النُّجُومِ مُطْلَقاً، وكيف وقد ذكر أنه لو عَجَّلَ دَيْناً به رهن يُجْبَرُ على القَبُولِ لفكِّ الرَّهْنِ.
وقد سبق ذلك في "باب السَّلَمِ"، وبَيَّنَّا هناك أنه إذا لم يكن للتعجيل غَرَضٌ سوى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ؛ ففي إِجْبَارِ المستحق على القَبُولِ قولان:
أظهرهما: الإجْبَارُ، فليحمل قوله: "وفي سائر الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ" على ذلك، أي الديون التي لا يَتَعَلَّق بتعجيلها غَرَضُ عتق 4 وفك رَهْنٍ، وغيرهما.
الثانية: إذا أَتَى المُكَاتَبُ بالنجوم في مَحَلِّهِ، والسَّيِّدُ غَائِبٌ، فيقبض القاضي عنه، وكذا يقبض عنه إذا امتنع وهو حَاضِرٌ، ويعتق العَبْدُ.
ولو أتى بالنجم قبل المَحَلِّ والسَّيِّد غائب؟ فكذلك يقبض عنه إذا عرف أنه لا ضَرَرَ على السَّيِّدِ في أَخْذِهِ.
قال الصَّيْدَلاَنِيُّ: وبمثله لو كان لِغَائِبٍ دَيْنٌ على آخر، فأتى به الحاكم؛ هل يقبضه للغائب؟ فيه وجهان:
أظهرهما: المنع؛ لأنه ليس للمؤدى غَرَضٌ إلاَّ سُقُوطُ الدَّيْنِ عنه، والنظر للغائب
أن يترك المَالَ في ذِمَّةِ الملئ فإنه خَيْرٌ من أن يصير أَمَانَةً في يد الحاكم 1.
الثالثة: إذا أتى المُكَاتَبُ بالنجوم، فقال السَّيِّدُ: هذا حَرَامٌ أو مغصوب؛ نُظِرَ: إن أقام على ما يقوله بَيِّنَةَ لم يُجْبَرْ على قَبُولِهِ [وتسمع هذه البَيِّنَةُ؛ لأن له في إقامتها غَرَضًا ظاهراً، وهو الامْتِنَاعُ عن الحرام.
هكذا أطلقه كثيرون.
وقال الصَّيْدَلاَنِيُّ: إنما يقيم البَيِّنَةَ] 2 ويسمع إذا عَيَّنَ له مَالِكاً، أما إذا لم يُعيِّنْ فلا تُتَصَوَّرُ البَيِّنَةُ للمجهول، ولا معنى لقولهم: إنه مَغْصُوبٌ.
وللمطلقين أن يقولوا: إذا كان مَقْصُودُ هذه البَيِّنَةِ الامْتِنَاعُ عن الحرام لم يبعد قَبُولُهَا على الإِطْلاَقِ، وإن لم تكن بَيِّنَةٌ، فالقول قول المُكَاتَب: إنه له مع يَمِينِهِ؛ لظاهر اليَدِ، فإن نَكَلَ حَلَفَ السَّيِّدُ، وكان كما لو أقام البَيِّنَةَ.
وعن ابن أبي هُرَيْرَةَ وَجْهٌ حكاه القاضي ابْنُ كَجٍّ أن المُكَاتَبَ يحتاج إلى البينة.
والمشهور الأَوَّلُ، ولا يثبت بِبَيِّنَةِ السَّيِّدِ حَقُّ المالك الذي عَيَّنَهُ، ولا يسقط بحَلِفِ المكاتب حقه.
ثم إذا حَلَفَ العبد، فظاهر المَذْهَب أنه يجبر السَّيِّدُ على قَبُولِهِ، أو إِبْرَائِهِ عن ذلك القَدْرِ، فإن امتنع منهما أخذ الحاكم النُّجُوَمَ، وعُتِقَ العبد.
وقد نص الشافعي -رضي الله عنه- فيما إذا اشْتَرَى نَخِيلاً، وأَفْلَسَ، ورجع البائع في النَّخِيلِ، وعليها ثمرة؛ فقال المُشْتَرِي: حدثت في مِلْكِي، وقال البائع: بل كانت على النَّخِيلِ وقت 3 البيع، وصدق بعض الغُرَمَاءِ المشتري دون بعض، أنه يُصَدَّقُ المشتري.
وأنه إذا حَلَفَ تُدْفَعُ الثمرة إِلى مَنْ صَدَّقَهُ دون من كَذَّبَهُ.
فحكى الشيخ أبو حَامِدٍ أن من الأَصْحَاب من قال: قَضِيَّةُ قوله: لا تدفع الثمرة إلى المكذب ألاَّ يجبر السَّيِّدُ على القَبُولِ هاهنا، وأن فيهما 4 قولين بالنَّقْلِ والتخريج، والأكثرون امْتَنَعُوا منه.
وقالوا في الفَرْقِ إذا دفعت الثَّمْرَةُ إلى من صَدَّقَهُ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ عن الدَّيْنِ بقدرها، ولم يتضرر.
وهاهنا لو لم يُجْبَرِ السَّيِّدُ على الأَخْذِ تَضَرَّرَ ببقاء الرِّقِّ.
ويجوز أن يُعَلمَ لما بَيَّنَّا قوله في الكتاب: "أجبر على القبول" بالواو واللفظة
تحتاج إلى ضَمِيمَةِ المعنى أُجْبِرَ على القَبُولِ، أو الإِبْرَاءِ عن ذلك القدر، أو أُجْبِرَ على القَبُولِ إن لم يبرئ عنه.
ثم إذا أخذه السَّيِّدُ، نُظِر إن عَيَّنَ له مَالِكَاً أُمِرَ بِتَسْلِيمِهِ إليه مُؤَاخَذَةً له بإقراره، وإن لم يقبل قوله على المُكَاتَبِ -وإن لم يعين مالكاً، واقتصر على قوله: "إنه حرام"، "أو مَغْصُوبٌ"، "أو مَسْرُوق"، فوجهان:
أحدهما: أنه يَنْتَزِعُهُ الحاكم، ويحفظه في بَيْتِ المال إلى أن يَظْهَرَ مالكه.
وأظهرهما: المَنْعُ؛ فإنه لم يقر لمعين.
وذكر الرُّوَيانِيُّ وغيره -رحمهم الله- على هذا أنه يُقَالُ: له إمساكه إلى أن يَتَبَيَّنَ صَاحِبُهُ، ويمنع من التَّصَرُّفِ فيه.
ولو كَذَّبَ نَفسَهُ، وقال: هو لِلْمُكَاتَبِ، كما ادَّعَاهُ.
قال الإمَامُ: المذهب أنه يقبل وينفذ تَصَرُّفُهُ.
بحسبه، ويجوز أن يُوَجَّهَ الآخر بأنه أَقَرَّ بأنه حَرَامٌ عليه، فلا يتمكن من الرجوع عنه.
قال: وإن قلنا: إن الحاكم يزيل يَدَهُ، فالظَّاهِرُ أنه لو كَذَّبَ نفسه لا يقبل.
وقوله في الكتاب: "فيه وجهان أحدهما أنه يُنْزَعُ، ويحفظ في بيت المال، أو يسلم إلى مالكه إن أقر لمالك معين" يشعر بِإِثْبَاتِ الخلاف في الانْتِزَاعِ مع الإقرار لِمُعَيَّنٍ ليسلم إليه، ولا خِلاَفَ في أنه يُؤْمَرُ بالتسليم إليه، لكن لا يجوز 1 فَرْض الخلاف في أَنَّا هل [ننزعه لنسلمه] 2 إليه إذا كان غَائِباَ مَثَلاً.
هذه هي القَوَاعِدُ.
وأما الفروع 3: فلو جاء المُكَاتَبُ بالنَّجْمِ عند المَحَلِّ، وشرط على السيد أن يُبْرِئَهُ، فالشرط لَغْوٌ، وللسيدِ أَخْذُهُ، ولا يلزمه الإِبْرَاءُ عن الباقي.
ولو عَجَّلَ قبل المَحَلِّ على أن يُبْرِئَهُ عن الباقي؛ فأخذه وأَبْرَأَهُ لم يَصِحَّ القَبْضُ ولا الإِبْرَاءُ، خلافاً لأبي حَنِيفَةَ وأحمد.
ولو قال السيد: أَبْرَأْتُكَ عن كذا بِشَرْطِ أن تُعَجِّلَ لي الباقي، وإذا عَجَّلتَ كذا، فقد أَبْرَأتُكَ عن الباقي، فَعَجَّلَ لم يَصِحَّ القَبْضُ ولا الإِبْرَاء أيضاً، وإذا لم يَصِحَّا لم يَحْصُلِ العِتْقُ، وعلى السيد رَدُّ المأْخُوذِ.
هذا ظاهر المذهب.
وأشار المزَنِيُّ إلى تَرَدُّدِ قول في صِحَّةِ القَبْضِ والإِبْرَاء, ولم يسلم له جمهور الأصحاب اخْتِلاَفَ القَوْلِ في المَسْأَلَةِ، وحملوا التَّجْوِيَزَ على ما إذا لم يَجْرِ شرط ابتدائه.
وردَّدَ صاحب [الكتاب في "الوسيط"] 1 تَرَدُّدَ القول إلى أنه إذا عَجَّلَ بشرط الإبراء وفي السيد فأبرأ؛ هل يَنْقَلِب القَبضُ صحيحاً [ففي قول: ينقلب صحيحًا] 2 لأنه رضي بالأداء بشرط الإِبْرَاءِ، فإذا حصل الشَّرْطُ كان القبض مَرْضِيّاً به، وعلى هذا جَرَى في الكتاب.
ولو أَنْشَأَ رِضاً جديداً، فقبضه عما عليه يحكم بِصِحَّتِهِ، كما لو أذن للمشتري في أن يَقْبِضَ ما في يَدِهِ عن جهة الشِّرَاءِ، وللمرتهن 3 في قبضه عن جهة الرَّهْنِ.
ويجوز أن يُعَلمَ قوله في الكتاب: "لم يصح الإبراء" مع الحاء والألف بالواو؛ لما أَشَارَ إليه المزني.
وأيضاً ففي تَعْلِيقِ الإبْرَاءِ مُطْلَقاً خِلاَفٌ مَذْكُورٌ في "الضَّمَانِ"، ولو أخذ السيد ما عَجَّلَهُ المُكَاتَب أو أبرأه عن الباقي من غير شَرْطٍ لو عَجَّزَ العَبْدُ نَفسَهُ، فَأخَذَ السَّيِّدُ ما معه وأَبْرَأَهُ عن الباقي، أو أَعْتَقَهُ جاز 4.
وذكر الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- مُشِيراً إلى حِلِّهِ بقيد حرية المُكَاتَبِ بما عَجَّله أنه 5 إن أَحَبَّ أن يصح فَلْيَرْضَ المُكَاتَبُ بالعَجْزِ، ولْيَرْضَ السَّيِّدُ بأن يأخذ ما معه ويعتقه، ولكن في هذا 6 مُخَاطَرَةٌ على العبد، فإنه لا يؤمن ألاَّ يفي السَّيِّدُ بما وَعَدَ وَيَرِقّهُ، ويأخذ ما في يَدِهِ من الأَكْسَاب، فالطريق على ما حكى عن صاحب "الإفصاح" والأئمة -رحمهم الله- أن يقول: إذاَ عَجَّزْتَ نفسك، وأَدَّيْتَ إِلَيَّ كذا، فأنت حُرٌّ، فإذا وجدت الصِّفَتَانِ يعتق، ويكون العِتْقُ على الكتابة.
قال في "التهذيب": لأنه لا ترتفع الكِتَابَةُ بِمُجَرَّدِ تعجيزه نفسه، وإنما يرتفع إذا فَسَخَهَا بعد التَّعْجِيزِ، وإذا عُتِقَ عن الكِتَابَةِ، كانت الأَكْسَابُ له، ثم يَتَرَاجَعَانِ، فيرجع العبد على السَّيِّدِ بما أخذه ويرجع السَّيِّدُ على العَبْدِ بقيمته؛ لأنه أَعْتَقَهُ على عِوَضِ التَّعْجِيزِ، والمال المذكور، والتعجيز لا يصلح عِوَضاً، وكأنه أُعْتِقَ على عِوَضٍ فَاسِدٍ.
وقال في "الشامل": لو لم يُعَلّقْ هكذا, ولكن قال: إن أَعْطَيْتَنِي كذا فأنت حُرٌّ،
فأعطاه عُتِقَ، ولكنه عِوَضٌ فَاسِدٌ؛ لأن المُكَاتَبَ لا تَصِحُّ المُعَاوَضَةُ عليه، فَعُتِقَ بالصفة، ويجب عليه تَمَامُ قيمته.
واعلم أن الإمَامُ أَطْنَبَ في إِيرَادِ الإِشْكَالِ في هذا الفصل وفيما أَوْرَدْنَاهُ يحِصل به الانْفِصَالُ عن أكثرها.
" فرع":
لو عَجَّلَ المُكَاتَبُ النجم 1 على أن يُعْتِقَهُ، ويُبْرِئَهُ عن الباقي ففعل السيد ذلك، عُتِقَ المُكَاتَبُ، ورجع السيد عليه بقيمته، ويرجع المُكَاتَبُ على السيد بما أَدَّاهُ؛ لأنه أعْتَقَهُ بِعَوَضٍ فَاسِدٍ.
حكاه القَاضِي عن النَّصِّ 2.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ لِتَعَذُّرِ النُّجُومِ خَمْسَةُ أَسْبَابٍ: إِذَا أَفْلَسَ بِجَمِيعِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا فَلَهُ فَسْخُ الكِتَابَةِ وَيُسَلَّمُ لَهُ مَا أَخَذَ إلاَّ مَا كَانَ مِنَ الصَّدَقَةِ فَيَجِبُ رَدُّهَا عَلَى مَالِكهَا، وَلَيْسَ هَذَا الفَسْخُ عَلَى الفَوْرِ بَلْ لَهُ التَّأْخِيرُ، وَلاَ يَلْزَمُهُ الإِنْظَارُ إلاَّ بِقَدْرِ مَا يَخْرُجُ المَالُ مِنَ المَخْزَنَ، فَإنْ كَانَ مَالُهُ غَائِباً فَلَهُ الفَسْخُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عُرُوضٌ لاَ يُشْتَرَى إلاَّ فِي زَمَانٍ فَلَهُ الفَسْخُ عَلَى الأَظْهَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ المسألة الكَلاَمُ فيما إذا تَعَذَّرَ تَحْصِيلُ النجوم عند مَحَلِّهَا، وله أسباب منها:
الإِفْلاَسُ: فإذا حَلَّ نَجْمٌ على المُكَاتَب، وهو عاجز عن أَدَائِهِ، أو أَدَاءِ بَعْضِهِ، فَلِلسَّيِّدِ فَسْخُ الكتابة [فإن شاء فسخ بنفسه] 3؛ لأنه فسخ مُجْمَعٌ عليه كَفَسْخِ النِّكَاحِ بالعِتْقِ، وإن شاء رَفَعَ الأمَرَ للحاكم لَيَفْسِخَ.
وفي "تَعْلِيق الشيخ أبي حَامِدٍ": أنه إذا ثَبَتَ عَجْزُهُ بِإقْرَارِهِ أو بالبَيِّنَةِ فللسيد فسْخُ الكتابة، ولا يَنْبَغِي أن يشترط إقراره بالعَجْزِ، ولا قيام البينة عليه؛ لأنا سنذكر أنه إذا امْتَنَعَ عن الأَدَاءِ، ثَبَتَ حَقُّ الفَسْخِ للسيد، وإذا لم يُؤَدِّ، فهو مُمْتَنِعٌ إن لم يكن عَاجِزاً، وإذا رفع الأمر إلى الحاكم 4 فلا بد من ثُبُوتِ الكِتَابَةِ، وحُلُولِ النَّجْمِ عنده ومهما فسخت الكتابة سَلَّمَ للسيد ما أَخَذَهُ؛ لأنه كَسْبُ عبده 5 نعم؛ ما أخذه من الصَّدَقَاتِ
فَيَسْتَرِدُّهُ مُؤَدِّيهِ.
وهذا قد سَبَقَ ذِكرُهُ في "قَسْمِ الصَّدَقَاتِ".
ويجوز أن يُعَلَمَ قَوْلُهُ في الكتاب: "فيجب ردها" لخلاف بَيَّنَاهُ هناك، وليس هذا الفَسْخُ على الفَوْرِ، بل له تَأْخِيرُهُ إلى أن يَشَاءَ، كالفَسْخِ بالإِعْسَارِ 1.
وإذا استنظره المُكَاتَبُ، فَيُسْتَحَبُّ له أن يُنْظِرَهُ.
ثم لا يُلْزَمُ الإِمْهَال؛ بل له الرُّجُوعُ إلى الفَسْخِ مهما بَدَا له، خِلاَفاً لأبي حنيفة.
وإذا طالبه بالمَالِ، فَلاَ بُدَّ من الإِمْهَالِ بِقَدْرِ ما يَخْرُجُ من المَالِ من الصنْدُوقِ والدُّكَّانِ وَالمَخْزَنِ ويزن 2، وإن كان مَالُهُ غائباً، فقد أَطْلَقَ الإمَامُ وصاحب الكتاب: للسيد الفَسْخُ، ولْيُحْمَلْ على تَفْصِيلٍ، ذكره ابن الصَّبَّاغ، وصاحب "التهذيب" وغيرهما -رحمهم الله- وهو أنه إن كان على مَسَافَةِ القَصْرِ، لَم يَلْزَمْهُ التأخير إلى أن يُحْضِرَهُ؛ لِطُولِ المُدَّةِ، وإن كان على مَا دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ، لَزِمَ التَّأْخِيرُ إلى أن يحضره، وإن كان له دَيْنٌ على إِنْسَانٍ فإن كان حَلاًّ، ومن عليه مَلِيٌّ، وجب التَّأْخِيرُ إلى اسْتِيفَائِهِ، كما لو كانت له وَدِيعَةٌ عند غيره؛ فإن كان مُؤَجّلاً، أو على مُعْسِرٍ، فلا يجب التَّأْخِيرُ.
وإن كان الدَّيْنُ على السَّيِّدِ، وهو من جِنْسِ النجوم، ففيه الخِلاَفُ في التَّقَاصِّ، وإن كان مِنْ غير جِنْسِهِ أَدَّاهُ لِيَصْرفَهُ المُكَاتَبُ إلى جنس النجوم، ولو حَلَّ النَّجْمُ وهو نَقْدٌ، وللمكاتب عُرُوضٌ، فإن تأتَّى بيعها على الفَوْرِ، فلا يَفْسِخُ السيد وتُبَاعُ، وإن احْتَاجَ البَيْعُ إلى مُدَّةٍ لكسادٍ وَغَيْرِهِ، فَقَضِيَّةُ ما أَطْلَقَهُ الصَّيْدَلاَنِيُّ أنه لا يَفْسِخُ أيضاً.
ورأى الإِمام جَوَازَ الفَسْخِ، ونَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ غيبة المال، وهذا أظهر وضبط في "التهذيب" مُدَّة التأخير 3 للبيع بثلاثة أَيَّامٍ، وقال: لا يلزم أَكْثَرُ من ذلك.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): إِذَا غَابَ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ فَلَهُ الفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى الرَّفْعِ إِلَى القَاضِي، وَإِنْ كَانَ بِإذْنِهِ بَعْدَ المَحَلِّ فَلَيْسَ لَهُ الفَسْخُ حَتَّى يُخْبِرَهُ مُخْبِرٌ أنَّهُ قَدْ نَدِمَ عَلَى الإِنْظَارِ، فَإنْ قَصَّرَ فِي الإِيَابِ فَلَهُ الفَسْخُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا حَلَّ النجم، والمُكَاتَبُ غائب، أو غَابَ بعد الحُلولِ بغير إِذْنِ السيد، فَلِلسَّيِّدِ فَسْخُ الكتابة إن شاء بِنَفْسِهِ، وإن شاء بالحاكم؛ لأن المُكَاتَبَ كان ينبغي
أن يحضر، أو يبعث المَالَ إليه عند المَحَلِّ، ولا يجب على السَّيِّدِ تأخير الفَسْخِ بكون 1 الطريق مَخُوفاً، أو المُكَاتَبِ مَرِيضاً.
وفيه وَجْهٌ، ويُنْسَبُ إلى أبي إِسْحَاقَ: أنه لا يفسخ بنفسه عند العَقْدِ؛ بل لا بد من الرَّفْع إلى القَاضِي، فإنه نَائِبُ [الغيّب] 2، وقد سَبَقَ ذِكْرُ هذين الوجهين فيما إذا أُمِرَ المُكَاتَبُ.
والظاهر الأول.
وإلى الوجه المذكور أَشَارَ بقوله في الكتاب: "من غَيْرِ حَاجَةٍ إلى الرفع"، فإن فسخ بنفسه، فليشهد عليه لئلا يُكَذِّبَهُ المُكَاتَبُ.
وإن رفع الأمر إلى الحاكم، فَلاَ بُدّ وأن يثبت عنده حُلُول النجم، وتعذر التحصيل، ويُحَلِّفهُ الحَاكِمُ مع ذلك؛ لأنه قَضَاءٌ على الغائب.
قال الصَّيْدَلاَنِيُّ: يُحَلِّفُهُ أنه ما قَبَضَ من النجم منه، ولا من وَكِيلِهِ، ولا أَبْرَأَهُ ولا أَحَالَ به، ولا يَعْلَمُ له مَالاً حَاضِراً.
وذِكْرُ الحَوَالَةِ [يَتَفَرَّعُ] 3 على جَوَازِ الحِوَالَةِ بالنُّجُومِ.
ولو كان مَالُ المكاتب الغائب حاضرًا، لم يُؤَدّ الحاكم النُّجُومَ منه، ويمكن السيد من الفَسْخِ؛ لأنه ربما عَجَّزَ نَفْسَهُ لو كان حَاضِراً، ولم يُؤَدِّ المَالَ.
ولو أنظر المُكَاتب بعد حُلُولِ النَّجْمِ، وأَذِنَ له في السَّفَرِ، ثم بَدَا له في الإِنْظَارِ لم يكن له الفَسْخُ في الحَال 4 لأن المُكَاتَبَ غير مُقَصِّرِ هاهنا، وربما اكْتَسَبَ في السَّفَرِ ما يَفِي بالوَاجِب، ولكن يَرْفَعُ السيد الأَمْرَ إلى الحاكم، ويقيم البَيِّنَةَ على الحُلُولِ والغيبة وَيحْلِفُ مع ذَلك، ويذكر أنه رَجَعَ عن الإنظَارِ، فيكتب الحَاكِمُ إلى حَاكم بَلَدِ المُكَاتَب ليعرفه الحال؛ فإن أظهر العَجْزَ كتب به إلى حَاكِم بَلَدِ السَّيِّدِ ليفسخ إن شَاءَ.
وإن قال: أُؤَدِّي الوَاجبَ، فإن كان لسَّيِّد وَكِيلٌ هناك أمره 5 بالتسليم، فإن أبَى ثَبَتَ حَقُّ الفَسْخ [بالامتناع] 6 للسيد، وللوكيل الفَسْخُ أيضاً إن كان وَكِيلاً به.
وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ قَوْلاً آخر: أنه لا يَثْبُتُ حَقُّ الفَسْخ بالامْتِنَاع من التسليم إلى الوَكِيلِ، لاحتمال العَزْلِ، وإن لم يكن هناك وَكِيلٌ أمره الحاكم بإِيصَالَهِ إليه، إِما بنفسه أو بغيره، وَيَلْزَمَهُ ذلك في أول رفقة تَخْرُجُ، أو في الحال إن كان لا يَحْتَاجُ إلى رُفْقَةٍ في ذلك الطريق، وعلى السَّيِّدِ الصبر 7 إلى أن تَمْضِي مُدَّةُ إِمكَانِ الوُصُولِ، فإن مَضَتِ المُدَّةُ ولم يوصله مقصّراً فللسَّيِّدِ الفَسْخُ.
ويخرج بما ذكرنا: إنه لا يعتبر مُضِيُّ مُدَّةِ إِمْكَانِ المَسِيرِ إلى السَّيِّدِ إن كان له وَكِيلٌ هناك، وأنه يُعْتبَرُ مُضِيُّهَا إن لم يكن وَكيلٌ وكذلك نَقلَهُ الرَّبِيعُ.
وعن رواية المُزَنِيِّ أنه لا يَفْسِخَ حتى تَمْضِيَ مُدَّةُ إِمْكَانِ المسير، سواء كان هناك وَكِيلٌ، أو لم يَكُنْ وعدّ ذلك سهواً منه.
وقوله في الكتاب: "فَلَيْسَ له الفَسْخُ حتى يخبره أنه نَدِمَ على الإِنْظَارِ ليس في ظَاهِرِهِ تَعَرُّضٌ للرفع إلى الحَاكِم، ولكتاب الحاكم، لكنه الذي ذكره الشَّافِعِىُّ -رضي الله عنه- والأَصْحَابُ -رحمهم الله- بل لا بد من الحَمْلِ عليه.
نعم؛ قال القاضي ابْنُ كَجٍّ: لو لم يكن في بَلَدِ السَّيِّدِ حَاكِمٌ، فكتب السيد إلى العبد، وأعلم الحال، وأمره بالتَّسْلِيمِ إلى رَجُلٍ عَيَّنَهُ، فامتنع، فَعِنْدِي: أنه كما لو امْتَنَعَ بَعْدَ كتاب القَاضِي، إذا وقع له العِلْمُ به.
وذكر أبو الحُسَيْنِ فيه وجهين، وحكى وجهين فيما لو سَلَّمَ المُكَاتَبُ إلى وكيل السيد، وبَانَ [أن] السَّيِّدَ عَزَلَهُ؛ هل يَبْرَأُ المُكَاتَبُ؟
قال: وعندي أن الوجهين مَخْصُوصَانِ بما إذا قال الحاكم: إن فلاناً وَكَّلَهُ، ولم يأمره بالتَّسْلِيمِ إليه، فَيَبْرَأُ بلا خِلاَفٍ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: أَنْ يَمْتَنِعَ مَعَ القُدْرَةِ فَلَهُ الفَسْخُ إذِ الكتَابَةُ جَائِزَةٌ (ح و) مِنْ جَانِبِ العَبْدِ، وَلَهُ أن يُعَجِّزَ نَفْسَهُ وَأَنْ يَفْسَخَ مَهْمَا شَاءَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وإذا امتنع العَبْدُ من أَدَاءِ النُّجُومِ مع القُدْرَةِ لم يُجْبَرْ عليه؛ لأن الكتابة جَائِزَةٌ من جانب العَبْدِ، فله تَعْجِيزُ نَفْسِهِ إذا شاء.
قال الأَصْحَابُ -رحمهم الله-: وإنما كانت الكتَابَةُ جَائِزَةً من جانب العَبْدِ، بخلاف جانب السَّيِّدِ؛ لأن الخَطَّ في الكتابة للعبد، فلا يَتَمَكَّنُ السَّيِّدُ من إِسْقَاطِ ما أَثْبَتَهُ من الخَطِّ والحَقِّ، وصاحب الخط بالخِيَارِ في حقه.
وهذا كما أن الرَّهْنَ جَائِزٌ من جانب المُرْتَهِنِ، لاَزِمٌ من جِهَةِ الرَّاهِنِ، وأيضاً فالكتابة تتضمن تَعْلِيقَ العِتْقِ بصفة في العَبْدِ، والتعليق يلزم من جهة المُعَلّقِ، والعَبْدُ لا يلزمه الإِتْيَانُ بالصفة المعلق عليها.
وإذا عَجَّزَ نَفْسَهُ، فالسيد بالخِيَارِ بين أن يفسخ، أو يجيز، وإذا اختار الفَسْحَ، فله الفَسْخُ بنفسه، ولا يحتاج إلى الرَّفْعِ إلى القاضي.
وهل لِلْمُكَاتَبِ الفَسْخُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ إذ لا ضَرَرَ عليه في بَقَاءِ الكِتَابَةِ.
وأظهرهما -وهو المذكور في الكتاب-: نعم؛ كما أن للمرتهن أن يَفْسَخَ الرَّهْنَ أيضاً.
قال الإِمام: تَجْوِيزُ الامْتِنَاعِ عن أَدَاءِ النجوم، مع أنه لا يملك الفَسْخَ بعيد 1.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ ومالك: إن كان في يَدِهِ وَفَاءٌ بالنجوم، لم يَجُزْ له تَعْجِيزُ نفسه، بل يُجْبرُ على الأَدَاءِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابعُ إِذَا جُنَّ العَبْدُ وَقُلْنَا: لاَ يَنْفَسِخُ فَلهُ الفَسْخُ إلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ فَللقَاضِي أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ لِيُعْتَقَ إِنْ رَأَى المَصْلَحَةَ لَهُ فِي الحُرِّيَّةِ، وَللسِّيِّدِ أَيْضاً أنْ يَسْتَقِلَّ بأَخْذِ النُّجُومِ إِذْ تمْكِينُهُ مِنْ هَذَا أَوْلَى مِنْ مَنْعِهِ حَتَّى يَفْسَخَ وَيأَخُذَ المَالَ مَجَّاناً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد مَرّ أن الكتابة لا تَنْفَسِخُ بِجُنُونِ العَبْدِ، فإن حَاوَلَ السَّيِّدُ الفَسْخَ، فلا بد وأن يأتي الحَاكِمُ فَيُثْبِتُ عَقْدَ الكتابة، وحُلُولَ النجم ويبدي المطالبة به، ويحلفه الحاكم على بَقَاءِ الاسْتِحْقَاقِ، ثم يبحث فإن وجد للْمُكَاتَبِ مَالاً أَدَّاهُ عن الواجب عليه ليعتق، ويخالف ما إذا كان المكَاتَبُ غَائِباً، وله مالٌ حاضر، حيث قال: لا يُؤَدِّيهِ عنه، وفرق بينهما بأن الغَائِبَ من أَهْلِ النَّظَرِ لنفسه، ولو كان حَاضراً فربما امتنع وعَجَّزَ نَفْسَهُ، وربما فسخ الكتابة في غيبته.
والمجنون ليس من أَهلِ النَّظَرِ، فينوب عنه الحَاكِمُ.
ثم عَامَّةُ الأصحاب أَطْلَقُوا القَوْلَ بأن الحاكم يُؤَدِّي عنه.
وذكر صاحب الكتاب هاهنا وفي"الوسيط" أنه يُؤَدِّيهِ إن رأى المَصْلَحَةَ له في الحرية، وإن رأى أنه يضيع إذا عُتِقَ فلا يُؤَدِّيِهِ، وهذا جَيِّدٌ، ولكنه قليل النفع، مع قولنا: إن السَّيِّدَ إذا وجد له مَالاً يَسْتَقِلُّ بأخذه، إلاَّ أن يقال: إن الحاكم يمنعه من الأخذ، والحالة هذه، وإن لم يجد الحاكم له 2 مَالاً، فَيُمَكنُ السَّيِّدُ من الفَسْخُ؛ فإذا فسخ عاد المُكَاتَبُ قِنًّا له، وعليه نَفَقَتُهُ.
ثم إن ظهر له مَالٌ، أو أفاق، وأتي بمال كان قد حَصَّلَهُ قبل الفَسْخِ دفع إلى السيد [و] حكم بعتقه، ونقص التعجيز هكذا أَطْلَقُوهُ.
وأَحْسَنَ الإِمَامُ فقال: إن ظهر المَالُ في يَدِ السَّيِّدِ رد التعجيز، وإلاَّ فهو نافد؛ لأنه فسخ حين تَعَذَّرَ عليه الوُصُولُ إلى حَقِّهِ، فأشبه ما لو كان مَالُهُ غائباً، فحضر بعد الفَسْخِ.
وإذا حَكَمْنَا بِبُطْلاَنِ التعجيز، وكان السيد جَاهِلاً بِحَالِ المال، فعلى المُكَاتَبِ رد
ما أنفق السَّيِّدُ عليه؛ لأنه لا يتبرع به، وإنما أنفق على أنه عَبْدُهُ.
ولو أقام المُكَاتَبُ بعد ما أَفَاقَ بَيِّنَةً، على أنه كان قد أَدَّى النَّجُومَ، حكم بِعِتْقِهِ، ولا رُجُوعَ للسيد عليه؛ لأنه لبس وأَنْفَقَ على عِلْمٍ بحريته فيجعل 1 مُتَبَرِّعاً، فلو قال: نسيت 2 الأدَاءَ، فهل يقبل ليرجع؟ فيه وجهان:
وإن وجد السَّيِّدُ لِلْمُكَاتَب في جُنُونهِ مَالاً، فقد تَقَدَّمَ أن له أن يَسْتَقلَّ بِأَخْذِهِ، وحكينا عن الإِمَامِ -رحمه الله- تَفْصِيلاً فيه.
وقوله في الكتاب: "إِذْ تمكينه من هذا أَوْلَى من منعه حتى يفسخ ويأخذ المال مَجّاناً"، ليس المَقْصُودُ منه ما لو مَنَعْنَاهُ من الاسْتِقلاَلِ بالأَخْذِ، فيفسخ، ويأخذ المال من جِهَةِ أنه كَسْبُ عَبدِهِ، فإنه لا يفسخ إن 3 كان هناك مال، ولكن يراجع الحاكم ليسلمه إليه، ولكنه أراد أنه لو لم يرض المُكَاتَبُ إذا أفاق بالعِتْقِ والأَدَاءِ، فإن السَّيِّدِ يفسخ، ويأخذ المَالَ من جهَةِ أنه كَسْبُ عَبْدِهِ، ثمل الإعْتَاقُ بِيَدِهِ لا مَدْفَعَ له، وإذا كان كذلك، فَتَمْكِينُهُ من الأخْذِ، وعِتقُهُ من جهة الكتابة أوْلَى، فقد يفضل شَيْءٌ من أَكْسَابِهِ ويسلم له.
وعبارة "الوسيط" تُفْهِمُ ذلك.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَامِسُ: المَوْتُ وَتَنْفَسِخُ الكِتَابَةُ بِمَوْتِ العَبْدِ وَإِنْ خَلَّفَ وَفَاءً لِتَعَذُّرِ العِتْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا مات المُكَاتَبُ قبل أن يُؤَدِّيَ النُّجُومَ، انْفَسَخَتِ الكِتَابَةُ، ومات رَقِيقاً حتى لا يورث، وتكون أكْسَابُهُ للسيد، وتَجْهِيزُهُ عليه؛ لأن مورد العَقْدِ الرَّقَبَةُ، والمقصود مُرْتَقَبٌ فيها، فإذا فاتت كان فَوَاتُهَا كَتَلَفِ المبيع قبل القَبْضِ، ولا فَرْقَ بين أن يخلف وفاءً بالنجوم أو لا يخلف، ولا بين أن يكون البَاقِي من النُّجُومِ قَلِيلاً أو كثيراً، وسواء حَطَّ شيئاً، أو لم يحط.
وإن كان الإيتَاءُ وَاجِباً؛ قال في "الشامل": لأن الإِيتَاءَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فلا يسقط به شيء معلوم.
وعن نصه في "الأم" -رضي الله عنه- أنه لَو أَحْضَرَ المُكَاتبُ؛ المَالَ ليدفعه إلى السيد، أو دفع المَالَ إلى رَسُولِهِ؛ لِيُوَصِّلَهُ إليه، فمات قبل أن يَقْبِضَهُ السَّيِّدُ، مات رقيقاً أيضاً.
وأنه لو وَكَّلَ المُكَاتَبُ بدفع النجم الأخير إلى السَّيِّدِ، ومات المكاتب، فقال أولاده الأحرار: إن الوَكِيلَ دَفَعَهُ قبل موته، وإن مات حُراً.
وكذبهم السيد فهو
المُصَدَّقُ، فإن أَقَامُوا بَيِّنَةَ على الدَّفْعِ يوم الاثنين، وكان قد مات يوم الاثنين، لم يَنْفَعْهُمْ إلاَّ أن يقول الشهود: إنه دفع قبل موته، أو يقولوا: [إنه] 1 دفع قبل طُلُوعِ الشمس، ويكون السَّيِّدُ مُقِراً بأنه مات بعد الطُّلُوعِ.
وإنه لو شهد وَكِيلُ المُكَاتَبِ بقبض السيد النجوم 2 قبل موت المُكَاتَب لم تقبل شَهَادَتُهُ، ولو شَهِدَ وكيل السيد بقبضه تقبل شَهَادَتُهُ، ووجه ذلك بأن وَكِيل المُكَاتَبِ يشهد لموكله فهو مُتَّهَمٌ، ووكيل السيد يشهد على مُوَكِّلِهِ، فهو غير مُتَّهَمٍ.
ولْيُعَلَمْ قوله في الكتاب: "وإن خلف وفاء" بالحاء والميم؛ لأن عند أبي حَنِيفَة: إذا مات، وخلف وفاء، مات حُرّاً، كان لم يخلف وفاء، وله وَلَدٌ يَسْتَسْعِي الولد حتى يُؤَدِّيَ النُّجُومَ.
كان لم يكن له وَلَدٌ أيضاً مات رَقِيقاً.
وعن مالك: إن خلف وفاءً، مات حرًا، وإلاَّ فإن لم يخلف ولداً أو خلف ولداً حرًا، أو مملوكاً [ولو قبل عَقْدِ الكتابة، انفسخت الكِتَابَةُ.
وإن خلف وَلَداً مَمْلُوكَاً]، 3 ولد بعد عقد الكتابة كلف 4 أن يُؤَدِّيَ المال الذي كان على أَبيهِ، فيعتق ويتبعه 5 الوَلَدُ في الحرية.
ويحكى عن مذهبهما غَيْرُ هذا التفصيل:
" فروع تَتَعَلَّقُ بالفسخ والانفساخ":
يحصل الفسخ بقول السَّيِّدِ: فَسَخْتُ الكتابة، ونَقَضْتُهَا، ورَفَعْتُهَا، وأَبْطَلْتُهَا وَعَجَّزْتُ العَبْدَ.
ولو لم يطالبه السَّيِّدُ بعد حُلُولِ النَّجْم مُدَّةَ، ثم أحضر المُكاتَبُ المَالَ؛ لم يكن للسيد الامْتِنَاعُ من قَبْضِهِ.
وعن نصه في "الأم" -رضي الله عنه- أنه لو قال بعد التَّعْجِيزِ: قد قررتك على الكتابة؛ لم يكن عليها حتى يُجَدِّدَ له كتابة، وقد مَرَّ في "القراض" ما يقتضي إثْبَاتَ خِلاَف فيه.
ولو تَطَوَّعَ رَجُلٌ بأدَاءِ مَالِ الكتابة؛ فهل يُجْبَرُ السَّيِّدُ على القبول؟ أو يُمَكَّنُ من الفَسْخِ؟ حكى القاضي ابْنُ كَجٍّ فيه وجهين؛ والذي أَوْرَدَهُ الإِمَامُ -رحمه الله، منهما أنه لا يُجْبَرُ، ولو قبل ففي وُقُوعِهِ عن المُكَاتَب -إذا كان بغير إِذْنِهِ- وَجْهَانِ عن رِوَايَةِ صاحب "التقريب": القياس القَبُولُ.
وإذا مات المكاتب رَقِيقاً، أو فسخ السَّيِّدُ الكِتَابَةَ لعجزه، رُقَّ كُلُّ من يكاتب عليه
من وَالِدٍ وَوَلَدٍ، وصاروا جميعاً للسَّيِّدِ، وما في يَدِهِ من المال للسيد، على ما مَرَّ إن لم يكن عليه دَيْنٌ وإن كان 1 فسيأتي.
إن شاء الله تعالى.
قَالَ الْغَزَالِىُّ: فَرْعٌ: لَوْ كَانَ اسْتَسْخَرَ المُكَاتَبَ شَهْراً وَغُرِّمَ الأُجْرَةَ فَيَلْزَمُهُ إنْظَارُ شَهْرٍ بَعْدَ المَحَلِّ فَعَسَاة يَكْتَسِبُ مَالاً، وَقِيلَ: لَه تَعْجِيزُهُ مِنْ غَيْرِ إنْظَارٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قَهَرَ السَّيِّدُ المُكَاتَبَ، واسْتَسْخَرَهُ في بعض أَعْمَالِهِ مُدَّةً، فعليه أُجْرَةُ مثله، ثم إذا جاء المَحَل، فعليه إِمْهَالُهُ مِثْلَ تلك المُدَّةِ، أو له التَّعْجِيزُ والفسخ؟ فيه قولان:
أحدهما -ونظم الكتاب يقتضي تَرْجِيحَهُ- أن على السيد أن يُمْهِلَهُ مثل تلك المدة؛ لأن حَقَّ السيد أن يمكنه من الاكتساب، فإذا لم يفعل لم يكن له أن يعتد عليه بتلك المُدَّةِ، وقد يتفق له فتوح في مدة القَهْرِ والحَبْسِ وان قصرت.
وأصحهما -أنه لا يَلْزَمُهُ الإِمْهَالُ 2، كما إذا حبس مستحق الدَّيْنِ المؤجل مدة [الأجل] لا يلزمه تأخير القضاء بعد المَحَلِّ، وما فوت عليه من المنافع صار مَجْبُوراً بالأُجْرَةِ.
ولو حبسه غير السيد؛ فقد حَكَى الإِمَامُ عن العِرَاقِيِّينَ إِجْرَاءَ 3 الخلاف فيه، وفيه طريقان ذكرناهما 4 فيما إذا أسر الكُفَّارُ المُكَاتَبَ مُدَّةً، ثم استنقذ وقوله في الكتاب: "وقيل له تعجيزه من غير إنظار"؛ لفظة "قيل" في وجوه الأصحاب أكثر اسْتِعْمَالاً، والمسألة مَشْهُورَةٌ بالقولين على ما بَيَّنَّا، فليحمل اللفظ عليه.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (المَسْاَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي ازْدِحَامِ الدُّيُونِ) وَلَهُ صُوَرٌ: الأُولَى: إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ إلاَّ لِلسَّيِّدِ وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنُ مُعَامَلَةٍ مَعَ النُّجُومِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا فِي يَدِهِ بِالدَّيْنِ وَيُعَجِّزَهُ إِذَا لَمْ يَمْلِكْ إلاَّ مَا يَفِي بِأَحَدِهِمَا، وَإنْ أَرَادَ تَعجِيزَهُ قَبْلَ إِخْلاَءِ يَدِهِ عَنِ المَالِ يَأْخُذُهُ بِالدَّيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ المسْأَلَةِ؛ القَوْلُ فيما إذا انْضَمَّتْ إلى النجوم دُيُونٌ على المُكَاتَبِ؛ إِما للسيد وَحْدَهُ، أو لغيره، أو لهما؛ وأنها كيف تُؤَدَّى في حال بَقَاءِ الكِتَابَةِ، وبعد ارتفاعها؟
ومقصود الصُّورَةِ الأُولَى القَوْلُ فيما إذا كانت الدُّيُونُ للسيد وَحْدَهُ، وكانت الكتابة بَاقِيَةً؛ فإذا كان للسيد مع النُّجُومِ دَيْنُ معاملة على المكاتب، أو أَرْشُ جِنَايَةٍ عليه، أو على ماله؛ فإن تَرَاضَيَا على تَقْدِيم الدَّيْنِ الآخر وتَأَخُّر النجوم فذاك، وإن تَرَاضَيَا على تقديم النُّجُومِ عُتِقَ ثم الظاهر أن الدَّيْنَ الآخر يسقط، فللسيد مُطَالَبَتُهُ به.
ولو كان ما في يَدِهِ وافياً بالنجوم، ولم يَفِ بالدين الآخر؛ فإن أَدَّاهَا عن النجوم برضا السيد، فالحكم ما بَيَّنَّا, وللسيد أن يَمْنَعَهُ من تَقْدِيم النجومِ؛ لأنه لا يَجِدُ مَرْجَعاً لِلدَّيْنِ الآخر، إذا تَقَدَّمت النجوم عُتِقَ؛ فيأخذ ما في يَدِهِ عَن الدَّيْنِ، ثم يعجزه.
وهل له تعجيزه قَبْلَ أَخْذِ ما في يَدِهِ؟ فيه وجهان:
أحدهما -لا؛ لأنه قادر على أَدَاءِ النجوم فيما لم يخل يده عنها لا يحصل العَجْزُ.
ويُنْسَبُ هذا إلى اختيار الصَّيْدَلاَنِيِّ.
وأوجههما -عند الإِمام وغيره رحمهم الله- نَعَم؛ لأنه يتمكن من مُطَالَبَتِهِ بالدَّيْنَيْنِ معاً وأخذ ما في يَدِهِ عنهما؛ وحينئذ فيعجز عن قِسْطٍ من النجوم.
ولو دَفَعَ المُكَاتَبُ ما في يَدِهِ إلى السَّيِّدِ، ولم يتعرضا للجهة، ثم قال المكاتب: قصدت النُّجُومَ، وأنكر السَّيِّدُ، فعن القَفَّالِ: أن المُصَدَّقَ المُكَاتَبُ.
كما لو كان على الرجل دَيْنَانِ، وكان قد رهن بأحدهما، فَأَدَّى، فقال: أردت ذلك الدَّيْن.
وقال الصَّيْدَلاَنِيُّ: ينبغي أن يصدق السيد؛ لأن الاختيار هاهنا إلى السَّيِّدِ، بخلاف سائر الديون.
ولو قال المكاتب: قَصَدْتُ النُّجُومَ، وسلم له السَّيِّدُ قصده، ولكن قال: قَصَدْتُ الدَّيْنَ الآخر؛ فعلى ما ذكره القَفَّالُ: يُحْكَمُ بِقَوْلِ المُكَاتَب.
وعلى ما ذكره الصَّيْدَلاَنِيُّ: بِقَوْلِ السيد.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ لِلأَجَانِبِ دَيْنُ مُعَامَلَةِ وَأَرْشُ جِنَايَةٍ فَقَوْلاَنِ، النَّصُّ أَنْ يُوَزَّعَ مَا فِي يَدِهِ عَلَيْهِمْ إِنْ ضَاقَ عَنْ جَمِبعِهِمْ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُقَدَّمُ دَيْنُ المُعَامَلَةِ لِأنَّ الأَرْشَ لَهُ مُتَعَلقٌ بِالرَّقَبَةِ، ثُمَّ الأَرْشُ يُقَدَّمُ عَلَى النُّجُومِ كَمَا يُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ المَالِكِ هَذَا إِذَا كَانَ قَدْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِالْتِمَاسِ الغُرَمَاءِ، فَأمَّا قَبْلَ الحَجْرِ فَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ أَرَادَ مِنْهُم الثَّالِثَةُ: أَنْ يُعَجِّزَ نَفْسَهُ وَعَلَيْهِ أَرْشٌ وَدَيْنُ مُعَامَلَةٍ فَقَدْ سَقَطَ النُّجُومُ وَمَا فِي يَدِهِ يُوَزَّعُ عَلَى الدَّيْنَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ دَيْنُ المُعَامَلَةِ لِيَرْجِعَ الأرْشُ إِلَى الرَّقَبَةِ، وَقِيلَ: يُؤَخَّرُ دَيْنُ المُعَامَلَةِ لِأنَّ صَاحِبَهُ رَضِيَ بِذمَّتِهِ، ثُمَّ لِمُسْتَحِقِّ الأَرْشِ تَعْجِيزُ المُكَاتَبِ حَتَّى يَبِيعَ رَقَبَتَهُ، فَلَوْ أَرَادَ السَّيِّدُ فِدَاءَهُ لِتَبْقى الكِتَابَةُ فَالصَّحِيحُ أنَّهُ لاَ يَجِبُ قَبُولُهُ، وَأَمَّا صَاحِبُ دَيْنِ
المُعَامَلَةِ فَلَيْسَ لَهُ التَّعْجِيزُ إذْ لاَ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِالرَّقَبَةِ، وَلَوْ كَانَ لِلسَّيِّدِ دَيْنُ مُعَامَلَةٍ فَلاَ يُضَارِبُ الغُرَمَاء بِالنَّجْمِ وَيُضَارِبُ بِدَيْنِ المُعَامَلَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع على المُكَاتَب النُّجُومُ وَدُيُونُ المُعَامَلاَتِ؛ كالأثمان، والقروض، وأَرْش الجنَايَاتِ؛ إما للسيد، أوَ لغيره، أو لهما؛ فهو كالحُرِّ في الحَجْرِ عليه، وقسمة ماله بينَ أَرْبَابِ الديون.
وهل يَحلُّ بالحَجْرِ عليه الدُّيُون المؤجلة؟ فيه طريقان:
أظهرهما: أن فيه قَوْلَيْنِ، كما ذكرنا في الحُرِّ إذا أَفْلَسَ.
والثاني: القَطْعُ بالحُلُولِ؛ لأن هاهنا يجتمع الحَجْرُ والرِّقُّ، وللرِّقِّ أَثَرٌ ظاهر في إبطال الأَجَلِ.
ألا ترى أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- قال: إذا اسْترقَّ الحَرْبيُّ، وعليه دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ يحل الأَجَل، فإن حَلَّتْ، فَيُقَسَّمُ المال على الجميع، وإلاَّ فعلى الدُّيُونِ الحالة.
إذا عرف ذلك فإن كان ما في يَدِ المكاتب وَافِياً بما عليه من الدُّيُونِ، وفيت جميعاً، وإلا فإن لم يُحْجَرْ عليه بعد لعدم التماس الغرماء أو غيره فله تقديم ما شاء من النجوم وغيرها كالحُرِّ المُعْسِرِ يقدم ما شاء من الدُّيُونِ.
وله تَعْجِيلُ النجوم قبل المَحَلِّ، ولا يجوز تَعْجِيلُ الديون المُؤَجَّلَةِ لغير السَّيِّدِ بغير إِذْنِهِ وفي جوازه بالإذْنِ الخِلاَفُ في تَبَرُّعَاتِ المُكَاتَبِ بإذن السَّيِّدِ، وفي معناه ما إذا عجل سائر الديون للسَّيِّدِ.
ومنهم من أجرى الخِلاَفَ في تعجيل النجوم، وكذلك أَوْرَدَهُ القاضي الرُّوَيانِيُّ، وقال: هو بمنزلة الهِبَةِ: بإِذْنِهِ، وفيه قولان؟ إلاَّ أنه لا يؤدي مال الكتابة من العبد الجاني؛ لأن الأَرْشَ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهِ، وهو مُرْتَهِنٌ به.
وإذا أدى النجوم عُتِقَ، ويبقى دَيْنُ الأَجَانِب عليه.
قال في "الشامل": ولا يجيء فيه الخِلاَفُ في إِعْتَاقِ العَبْدِ الجاني؛ لأن العِتْقَ يحصل بالصِّفَةِ السَّابِقَةِ على الجِنَايَةِ؛ فهو كما لو عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بصفة، ثم جنى، فإن الجِنَايَةَ لا تمنع حُصُولَ العِتْقِ بِمُقْتَضَى التَّعْلِيقِ السابق بلا خلاف، والأولى أن يُقَدِّمَ دَيْنَ المُعَامَلَةِ؛ فإن فَضَلَ شَيْءٌ جعله في الأَرْشِ، فإن فَضَلَ شَيْءٌ صَرَفَهُ إلى النجوم.
وسيظهر وَجْهُ هذا الترتيب.
وإن حَجَرَ الحاكم عليه، تَوَلَّى قِسْمَةَ ما في يَدِهِ، وفي كيفية القِسْمَةِ وجهان -ويقال قولان-:
أحدهما -وهو ظاهر نَصِّهِ في "المختصر"- أنه يُقَسِّمُهُ على أَقْدَارِ الدُّيُونِ، ولا
يُقَدِّمْ بَعْضَهَا على بعضِ؛ لأن جَمِيعَ الدُّيُونِ مُتَعَلِّقَةٌ بما في يَدِهِ؛ ألا ترى أن ما انْفَرَدَ منها يَتَعَلَّقُ به؟ وهذا ما أوْرَدَهُ في "التهذيب"، ويحكى عن أبي إِسْحَاقَ، واختيار صاحب "التقريب".
وأصحهما: وبه قال ابن أبي هُرَيْرَةَ، والقَفَّالُ، وهو الذي أَوْرَدَهُ القاضي ابن كجٍّ -أنه يُقَدِّمُ دَيْنَ المُعَامَلَةِ؛ لأنه يَتَعَلَّقُ بما في بَدِهِ لا غير، ولِأَرْشِ الجناية مُتَعَلّقٌ آخر، وهو الرَّقَبَةُ، وكذلك حَقُّ السَّيِّدِ بتقدير العَجْزِ يعود إلى الرَّقَبَةِ، ويسوى بين الأَثْمَانِ والقُرُوضِ، ثم يُقَدِّمُ أَرْشَ الجناية على النجوم؛ لأن الأَرْشَ مُسْتَقِرٌّ، والنجوم عُرْضَةُ السُّقُوطِ، إذا شاء المُكَاتَبُ، ولأن حَقَّ المجني عليه يُقَدَّمُ على حَقِّ المالك في القِنِّ؛ فكذلك في المكَاتَبِ.
وعن القاضي أبي الطَّيِّبِ: أنه لا يَخْتَلِفُ الأَصْحَابُ في أن ذلك مذهب الشَّافعي -رضي الله عنه- وحَمَلُوا ما في "المختصر" على ما إذا رَضِيَا جَمِيعاً بالتَّسْوِية وقوله في الكتاب: "إِذا ضاق عن جميعهم" يشير إلى أن مَوْضِعَ الخِلاَفِ ما إذا لم يَفِ ما في يَدِهِ بالدُّيُونِ جميعاً، فإن وَفَى فيؤدى 1 الكل.
وقوله: [هنا] 2 كان قد حُجِرَ عليه بالْتِمَاسِ الغُرَمَاءِ"؛ يعني المُسْتَحِقِّينَ للديون سوى السيد؛ فإنه صور فيما إذا كانت الديون للأجانب.
وقد ذكر في "الشامل" أنه لا يُحْجَرُ عليه بالْتِمَاسِ السيد النُّجُومَ؛ لأنها غير مُسْتَقِرَّةٍ، والعَبْدُ مُتَمَكّنٌ من إسْقَاطِهَا.
ثم في الفصل صُوَرٌ:
إحداها: إذا عَجَّزَ المُكَاتَبُ نَفْسَهُ، سقطت النُّجُومُ، وفي دَيْنِ المعاملة للسيد وَجْهَانِ، الذي ذكره الإِمَامُ منهما: أنه يسقط أيضاً، ويَصْرِفُ ما في يَدِهِ إلى دُيُونِ الأجانب من المُعَامَلاَتِ والأَرْشِ، فإن لم يَفِ بالنَّوْعَيْنِ؛ ففيه ثلاثة أوجه:
أرجحها: عند الشيخ أبي مُحَمَّدٍ، وصاحب الكتاب وغيرهما -رحمهم الله- أنه يُسَوْى بينهما.
والثاني: تقديم دَيْنِ المُعَامَلَةِ؛ لأن لِلأَرْشَ مُتَعَلِّقاً آخَرَ، وهو الرَّقَبَةُ، وقضية ما قدمنا تَرْجِيحُ الوَجْهِ، وقد وفي الإِمام بهذه القضية 3.
والثالث: عن صاحب "التقريب": تقديم دَيْنِ الأَرْشِ؛ لأنها تَثبُتُ من غير رضا أَرْبَابِهَا، وفي دُيُونِ المُعَامَلَةِ قد رَضِيَ أَرْبَابُهَا بِذِمَّتِهِ.