العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الحِوَالَةِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

1 قال الغزالي: وَهِي مُعَامَلَةٌ صَحِيْحَةٌ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيِّ فَلْيَحْتَلْ" وَالنَّظَرُ فِي شَرَائِطِهَا وَأَحْكَامِهَا، أَمَّا الشَّرَاِئطُ: فَالأوَّل -رِضَا المُسْتَحِقِّ لِلدَّيْنِ وَالمُسْتَحِقِّ عَلَيْهِ (و) إِيْجَاباً وَقَبُولاً، وَرِضَا المُحَالِ عَلَيْهِ لاَ يُشْتَرطُ (ح)، لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّصَرُّفِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَلَى المُحَالِ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِيْهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فَحَقِيْقَتُهُ تَجْوِيزُ الضَّمَانِ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَصِيْلِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يُشْتَرَطُ رِضَاهُ لاَ مَحَالَةُ.
قال الرَّافِعِىُّ: أصل الحوالة مجمع عليه، ويدل عليه من جِهَةِ الخبر، ما روى الشَّافعي -رضي الله عنه- عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِىِّ فلْيَتَّبعْ" 2. ويروى "وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِىِّ فلْيَحْتَلْ" 3 وهو معنى اللفظ الأول، قال في الصَّحَاح: ويقول أتبع فلان بفلان، إذا أحيل له عليه، والتبيع الذي لك عليه مال، ثم الأشهر من الرواية "فَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ" بالفاء فعلى التقدير الأول هو مع قوله: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ" جملتان لا تعلق للثانية بالأولى لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "العَارِيَةُ مرْدُودَةٌ وَالزَّعِيمُ

الجزء: 5 - الصفحة: 125

الْغَارِمُ" 4 وعلى الثاني: يجوز أن يكون المعنى في الترتيب، أنه إذا كان المطل ظلماً من الغنى، فهذا أحيل بدينه فإن الظاهر أنه يحترز عن الظُّلْمِ ولا يمطل، ثم الأمر في قوله: فليتبع أو فليحتل أمر استحباب، وعن أحمد -رضي الله عنه- أنه للوجوب.
واعلم أنه إذا كان لزيد عليك عشرة، ولك على عمرو مثلها، فأحلت زيداً على عمروٍ، فأنت مُحِيلٌ، وزيدٌ مُحْتَالٌ، وعمرو مُحَالٌ عَلَيْهِ، وقد كان لِزَيْدِ عليك دَيْنٌ، ولك على عَمْرو دَيْنٌ، وجرت بينك وبين زيد مراضاة بها، انتقل حقُّه إلى عَمْروٍ، فهذه ستة أمور لا بد منها في وجود الحوالة، ويشترط في صحتها أمور: منها: ما يرجع للدينين.
ومنها: ما يتعلق بالأشْخَاص الثلاثة، وصاحب الكتاب حَاوَلَ جَمْعَ الشروط، وأعرض عن تفصيل ما يفتقر إليه وجود الحَوَالة لِوُضُوحِهِ، واكتفى بما بينه في سَائِر العقود، وأول ما نذكره أصل شديد التوغل في مسائل الكتاب، وهو أن الحوالة استيفاء حق أو بيع أو اعتياض وفيه وجهان، أو قولان منسوبان إلى ابْنِ سُرَيْج وغيره أحدهما أنها استيفاء حق كأن المحتال استوفى ما كان له على المحيل، وأقرضه المحال عليه، ووجهه أنها لو كانت معاوضة لجاز أن يحيل بالشَّيْءِ على أكثر منه، أو أقل، ولما جاز التفريق قبل القَبْضِ، إذا كانَا طَعَامَيْنِ أو نقدين.
وأظهرهما: وقد نَصّ عليه في باب بيع الطعام: أنها بيع؛ لأنها تبديلُ مَالٍ بِمَالٍ، فإن كل واحد من المُحِيل والمُحْتَال، يملك بِهَا مَا لَمْ يملكه، وهذا حقيقة المعاوضة، وليس فيها استيفاء حَقِّ، ولا إقراض محقق فلا يُقَدَّرَانِ، وعلى هذا فهو بيع ماذا بماذا؟ في كتاب القاضي ابْنِ كِجٍّ، أن القاضيَ أَبا حَامِدٍ خرجه على وجهين.
أحدهما: أنها بيع عَيْنٍ بِعَيْنِ، وإلا لبطلت "لِلنَّهْي عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ" 5 وكأن هذا القائل نزل استحقاق الدين على الشخص منزلة استحقاق منفعة تتعلق بعينه، كالمنافع في إجارات الأعيان.
والثاني: وهو المنقول أنها بيع الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، فإن حق الدين لا يستوفى من غير الشخص، ولغيره أن يؤديه عنه، واستثنى هذا العقد عن النهي لحاجة النَّاس إليه مسامحة وإرفاقاً، ولهذا المعنى لم يعتبر فيه التقابض، كما في القرض، ولم يجز فيه الزيادة والنقصان؛ لأنه ليس بعقد مماكسة كالقَرْضِ، وقال الإِمَام وشَيْخُه: لا خِلاَفَ في اشتمال

الجزء: 5 - الصفحة: 126

الحوالة على المعنيين الاستيفاء والاعتياض والخلاف في أن أيهما أغلب.
إذا عرفت ذلك فشرح الشَّرْطِ الأول أن تقول: لا تصح الحوَالة إلا برضى المستحق للدَّيْنِ، وهو المحتال، وللمستحق عليه وهو المُحِيل.
أما: رضي المُحْتَال عَلَيْه فلأن حقّه في ذمة المحيل، فلا ينفك إلا برضاه، كما أن الأعيان المستحقة للشَّخْصِ لا تبدل إلا بِرضَاه.
وأما رضي المُحِيل، فلأن له إيفاء الحقّ من حيث شَاء ولا نعين عليه بعض الجِهَات قهراً، وهل يشترط رضي المُحَالِ عليه ينظر إن كان الحوَالة على من عليه دين المُحِيل فوجهان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: يشترط رضاه؛ لأنه أحدُ أركانِ الحوَالة، فأشبه المُحِيل والمُحْتَال؛ لأن النَّاس يختلفون في الإيفاء والاستيفاء، وبهذا قال الإصْطَخْرِي والزُّبَيْرِيُّ، وعن ابْنِ القَاصّ أنه منصوص عليه في "الأم".
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب وبه قال مَالِكٌ وأحمد: لا حاجة إلى رِضَى المُحالِ عَلَيْهِ؛ لأنه محل الحق والتصرف، فصار كما إذا باع عبداً لا يشترط رِضَاه؛ لأن الحَقَّ للمحيل عليه، فله أن يستوفِيَه بنفسه وبِغَيْرِه، كما لو وَكَّلَ في الاستيفاء وكيلاً، وبنوا الوجهين على أن الحوالة اعتياض أو استيفاء.
فإن قلنا: بالأول فلا يشترط؛ لأنه حق المُحِيل فلا يحتاج فيه إلى رِضَى الغَيْرِ.
وإن قلنا: بالثاني، فيشترط تَعَذُّر إقراضه من غير رِضَاه، وإن كانت الحوالة على مَنْ لاَ دَيْنَ عليه لم تصح دون رضاه؛ لأنا لو صححناها لألزمناه قضاء دين الغير قهراً، وإن رضي فَفِي صحة الحوالة وَجْهَان بناهما الجُمْهُور عَلَى الأَصْلِ المذكور.
وإن قلنا: إنها اعتياض لم تصح؛ لأنه ليس على المُحَال عليه شَيْء حتى نجعله عوضاً عَنْ حق المُحِيل.
وإن قلنا: استيفاء فتصح، كأنه أخذ المُحْتال حقه، وأقرضه من المُحال عليه؛ وبهذا قال ابْنُ الحدَّادِ وقال الإمَام: الصحيح: عندي تخريجه على الخِلاَف، في أنه هل يَصِح الضمَّان بشرط براءة الأصِيل؟ بل هذه الصُّورة عين تلك الصُّورة، فإن الحوالةَ تقتضي بَرَاءَةَ المُحِيل، فإذا قَبِل الحوالة فقد التزم على أن يبرئ المُحِيل، وهذا ذهاب منه إلى براءة المُحِيل، وجعلها أصلاً مفروغاً عنه، لكن فيه وجهان نقلهما القاضي ابْنُ كِجٍّ.
أحدهما: أنه يبرأ على قِيَاس الحوالاَت، وهذا ما أورده الصَّيْدَلاَنِيُّ، وأخذ به الإمام.
والثاني: هو الذي أورده الأكثرون: أنه لا يبرأ، وقبول الحوالة مِمَّنْ لاَ دَيْنَ عليه ضَمَانٌ مجرد، ثم فرعوا فقالوا:

الجزء: 5 - الصفحة: 127

إن قلنا: لا تصح هذه الحوالة فلا شيء على المحال عليه، فإن تَطَوَّع وأدَّاه كان كما لو قَضَى دَيْنَ الغير.
وإن قلنا: يصح، فهو كما لو ضَمِن، فيرجع على المُحِيل أن أدى بِإذْنِهِ، وكذلك إن أدى بغير إذْنِهِ على أظهر الوجهين؛ لجريان الحوالة بِإِذنه، وقبل الأداء هَلْ يرجعُ على المُحِيل؟ فيه وجهان، بناء على أن المُحِيلَ هل يبرأ؟ إن قلنا: يبرأ فنعم؛ لانتقال الملك إلى ذمته بمجرد الحوالة.
وإن قلنا: لا يبرأ فلا ضَمَان كما أن الضَّامِنَ لا يرجع على المضمونِ عَنْهُ قَبْلَ الأَدَاء، وإن طالبه المحتال بالأداء فله مطالبة المحيل بتخليصه، وهل له ذلك قبل مُطَالبة المُحْتَال؟ فيه وجهان كالوجهين في مطالبة الضَّامن، ولو أبرأ المحتال لم يرجع على المُحِيل بِشَيْءٍ، ولو قبضه المُحْتال ثم وهبه منه ففي الرجوع وَجْهَان 6: ينظر في أحدهما إلى أن الغُرْمَ لم يستقر عليه، وفي الثاني إلى أنه عاد إليه بِتَصَرُّف مبتدأ وهما مأخوذان من القولين فيما إذا وهبت منه الصداق بعد القبض ثم طلقها قَبْلَ الدخول، ولو ضمن عنه ضامن لم يرجع على المحيل، حتى يأخذ المُحْتال منه المَال أو من ضَامِنِه، ولو أحال المُحتالُ على غيره نظر إن أحاله على من عليه دَيْن رجع على محيله بنفس الحوالة؛ لحصول الأداء بها، وإن أحال على من لا دَيْنَ عليه لم يرجع ما لم يرجع عليه الذي أحال عليه.
وأما لفظ صاحب الكتاب فقوله: (والمستحق عليه) أعلمه بعضهم بالواو، لأنا إذا جوزنا الحوالة على من لا دَيْنَ عليه فلو قال من لا دين عليه للمستحق: أحلتُ بالدَّيْنِ الذي لك على فلان عَلَى نَفْسِي فقبلت صَحَّت الحوالة، فإذن لا يشترط هاهنا رضى المُحِيل، وإنما يشترط رِضَى المُحْتال والمُحَالِ عَلَيْهِ.
وقوله: (إيجاباً) أشار به إلى أن المعتبر وإن كان هو الرضى إلا أن طريق الوَقْفِ على تراضيهما إنما هو الإيجاب والقبول على مَا مَرَّ في البيع، ولو قال المحتال: أحلني على فلان، فقال: أحلت، ففيه الخِلاَف المذكور في نَظِيره في بيان الاستحباب والإيجاب في البيع، وفي "جرجانيات" أبي العَبَّاسِ الرّويَانِي طريقةٌ أخرى قاطعةٌ بالانعقاد، لأن الحوالة أجيزت رفقاً بالنَّاس، فيتسامح فيها بما لا يتسامح في غَيْرِها، (ورضا المُحَال عَلَيْهِ لا يشترط) مُعَلَّم بالحاء والواو.
وقوله: (فإن لم يشترط فحقيقته تجويز الضمان بشرط براءة الأصيل إلى حقيقة

الجزء: 5 - الصفحة: 128

عدم الاشتراط فلو صرفنا الكتابة إلى هذا العقد، لكان الوجه: أن يقال: فحقيقته الضَّمان بشرط براءة الأصيل؛ لأن حقيقة العقد لا تكون تجويز الضَّمان، بل لو كانت لكانت نَفْس الضَّمان.
قال الغزالي: الثَّانِي -أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ لاِزِماً أَوْ مَصِيْرُهُ إِلَى اللُّزُومِ، فَتَصِحُّ (و) الحِوَالَةُ عَلَى الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الخِيَارِ فَإِنْ فَسَخَ البَيْعَ انْقَطَعَت الحِوَالَةُ، وَفِي نُجُومِ الكِتَابَةِ خِلاَفٌ، قِيْلَ: يُحَالُ بِهَا وَلاَ يُحَالُ عَلَيْهَا.
قال الرَّافِعِىُّ: الدَّيْن ينقسم إلى ما ليس بِلاَزِمٍ وإلى ما هو لاَزِمٌ.
أما غير اللازم، ففيه مسألتان مذكورتان في الكتاب.
إحداهما: الثَّمَنُ في مدة الخِيَار هل تجوز الحوالة به بأن يحيل المُشْتَرِي البائعَ عَلَى رَجُلٍ، وعليه بأن يحيل البائع رجلاً على المشتري؟ فيه وجهان: أحدهما: ويحكى عن القاضي أَبِي حَامِد: أنه لا يجوز لأنه ليس بِلاَزِمٍ.
وأصحهما: الجواز؛ لأنه صائِرٌ إلى اللزوم، والخيار عَارِضٌ فيه، فيعطى حُكْمُ اللاّزِمِ، وفي "التتمة" أن هذا الخلاف مبني على أن الحوالة مُعَاوَضة أو استيفاء.
إن قلنا: معاوضة، فهي كالتصرف في المَبِيع في زَمَانِ الخِيَارِ، وإن قلنا: استيفاء فتجوز.
وإن قلنا: بالمنع، فهل ينقطع به الخيار؟ فيه وجهان نقلهما الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ في "شرح الفروع".
أحدهما: لا؛ لحكمنا بِبُطْلاَنِهِ وبتنزيلنا إياه منزلة العَدَمِ.
وثانيهما: نعم؛ لأن التصرف في عوض العقد يتضمن الرِّضَا وإبطال الخيار.
وإن قلنا: بالجواز فالذي أورده الإمام وصَاحِبَ الكِتَاب أنه لا يبطل الخِيَار، ولو اتفق فسخ البيع انقطعت الحوالةِ لأنها إنما صحت على تقدير اقتضاء البيع إلى اللّزوم، فهذا لم يقصد إليه ارتدت الحوالة، ومنقول الشَّيْخِ ومختاره بطلان الخِيَارِ؛ لأن قضية الحوالة اللزوم، فلو بقي الخِيارُ لَمَا صادفت الحوالة مُقْتَضَاهَا، وكانت هذه الحوالة كالحوالة على النُّجُوم.
واعلم أنا إذا قضينا ببطلان الخيار، ففيما إذا أحال البَائِعُ المشتري على ثَالِثٍ بطَل خيارهما جميعاً لتراضيهما، وفيما إذا أحال البائعُ رجلاً على المشتري لا يبطل خِيَار المشتري إلا إذا فرض منه قول 7 وَرِضَى.
الثانية: إذا أحال السيد غريماً له على مكاتبه بالنجوم ففيه وجهان:

الجزء: 5 - الصفحة: 129

أحدهما: وبه قال الحليمي: إن الحوالة جَائِزَةٌ؛ لأن النجوم دَيْنٌ ثَابِتٌ على المُكَاتَبِ، فأشبه سَائِر الديون.
وأصحهما: المنع؛ لأن النُّجُومَ غير لازمة على المُكَاتَبِ، وله إسقاطها مَتَى شَاء، فلا يمكن إلزامه الدفع إلى المُحْتَالِ، ولو أحال المكاتب السيد على إِنْسَان فجواب الأكثرين صِحّة الحوالة؛ لأن ما أحاله عليه مستقر، والكتابةُ لاَزِمة من جِهَة السيد، فمتى أَدَّى المُحَالُ عَلَيْهِ وجب على السيد القبول، وقيل: بالمنع من هذا الطَّرف أيضاً.
إذا جمعت بين الصورتين حصلت ثلاثة أوجه على ما ذكر في الكتاب.
أحدها: جواز إحالة المُكَاتَبِ بالنجوم، وإحالة السَّيِد على النّجوم، وهذا منسوب في "النهاية" إلى ابْنِ سُرَيْجٍ.
وثانيهما: منعهما جميعاً، وبه قال القَاضِي، ولم يذكر في "التهذيب" غيره.
وأظهرهما: جواز إحَالَة المُكَاتَب بِهَا، ومنع إحالة السَّيِّد عليها، ولو كانت للسَّيد على مكاتبه دَيْن معاملة فأحاله عليه.
قال في "التتمة": ينبني على أنه لو عجزّ نفسه هل يسقط ذلك الدَّيْن؟ إن قلنا: نعم لم يصح، وإلا صحت، ومما يدخل في هذا القسم الجُعْل في الجَعَالة، والقياس أن يجيء في الحوالة به وعليه، ولا فرق بين أن ينفق الدينان في سَبَب الوُجوب أو يختلفان كما إذا كان أحدهما ثمناً والآخر أجرة أو قرضاً أو بدل مُتْلَف 8، وكلّ دَيْنِ جوزنا الحوالة به وعليه من القسمين فذلك إذا كان مثلياً كالأثمان والحُبوب وإن كان متقوماً كالثياب والعبيد فوجهان: أصحهما: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ: أنه كالمِثْلي لثبوته في الذِّمة ولزومه والثاني: المنع؛ لأن المقصود من الحوالة إيصال الحق إلى المستحق من غير تفاوت، وهَذَا الغرض لا يتحقق فِيمَا لاَ مِثْلَ له، ولا بد من العِلْم بقدر المُحالِ بِهِ، وعليه وصفتهما، نعم، لو أحال بأقل الدِّية أو عليها وفرعنا على جواز الحوالة في المتقومات فوجهان، أو قولان بناءً على جواز المُصَالحةِ والاعتياض عنها، والأصَحُّ المَنْعُ للجهل بصفاتها.
= بالغزالي، وليس كذلك، فإن دين السلم لازم، ولا تصح الحوالة به، ولا عليه على الصحيح، وبه قطع أكثرون.
وحكى وجه في "الحاوي" و"التتمة" وغيرهما: أنه يجوز، بناء على أنها استيفاء، وسبقت هذه المسألة في باب حكم المبيع قبل القبض.
فكان ينبغي أن يقول: الدين المستقر، ليخرج هذا.
ينظر الروضة 3/ 465.

الجزء: 5 - الصفحة: 130

قال الغزالي: الثَّالِثُ -أَنْ يَكُونَ مَا عَلَى المُحَالِ عَلَيْهِ مُجَانِساً لِمَا عَلَى المَحِيْلِ قَدْراً وَوَصْفاً، فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ يَفْتَقِرُ فِي أَدَائِهِ عَنْهُ إِلَى المُعَاوَضَةِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرْ بَلْ أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ كَأَدَاءِ الجَيِّدِ عَنِ الرَّدِيءِ جَازَ (و)، وَإِنِ افْتَقَرَ إِلَى الرِّضَا دُونَ المُعَاوَضَةِ فَفِيْهِ خِلاَفٌ (و).
قال الرَّافِعِىُّ: كان الفصل السابق مسوقاً لبيان الصِّفات المشروطة في كل واحد من الدينان، فالغرض الآن بَيَان الشروط بالدَّيْنين وفيه صور: إحداها: يجب أن يكون الدينَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، ولو أحال بالدَّرَاهِمِ على الدنانير أو بالعكس لم يصح.
أما إذا جَعَلْنَا الحوالة استيفاءً، فلأن مستحق الدّراهم إذا استوفاها وأقرضها فمحال أن ينتقل حقه إلى الدَّنَانِير.
وأما إذا جعلناها مُعَاوضة، فلأنها وإن كانت معاوضة فليس هِيَ على حقيقة المُعَاوضات التي يقصد بها تحصيل ما ليس بحاصل من جنس مَالٍ أو زيادة قَدْرٍ أو صِفَةٍ، وإنما هي معاوضة إرفاق ومسامحة للحاجة، فاشترط فيها التجانس والتساوي في القدر والصِّفَة كما في القرض، قال صاحب "التتمة": ونعني بقولنا: إن هذه الحوالة غَيْرُ صَحِيحة أن الحَقَّ لا يتحول بها من الدنانير إلى الدَّراهم وبالعكس، ولكنها إذا جرت فَهِيَ حوالة عَلَى مَنْ لاَ دَيْنَ عَلَيْهِ، والحُكْمُ فِيهَا مَا مَرَّ.
والثانية: يجب أن يتساويا في القَدْرِ فلا يحال بخمسة على عَشْرة ولا بعشرة على خَمْسَةٍ، لما ذكرنا أن هذا العقد لم يوضع لتحصيل زيادة أو حَطِّ شيء، وإنما وضع لِيَصِل كل واحد من المستحقين إلى حقه، وفي الإحالة بالقليل على الكثير وجه أنها جائزة، وكأن المحيل تبرع بالزِّيادة.
والثالثة: في اشتراط تساويهما في الحُلُولِ والتأجيل وجهان: أصحهما: الاشتراط إلحاقاً للوَصْفِ بالقدر.
والثاني: يجوز أن يُحيِل المُؤَجَّلِ على الحَالِّ، لأن للمحيل أن يعجل ما علَيْهِ، فإذا أحال به على الحَالِّ فقد عَجَّل، ولا يجوز أن يحيل بالحَالِّ على المؤجل؛ لأن حق المُحْتَالِ حَالٌّ، وتأجيل الحَالِّ لا يلزم، ولو كانا متأجلين بأجلين مُخْتلفين، لم تجز الحوالة بينهما على الوجه الأول، وعلى الثاني يجوز أن يحال بالأبعد على الأقرب دون العكس، ولو كان أحدهما صحيحاً والآخر مكسراً فلا حوالة بينهما على الوجه الأول يحال بالمكسر على الصَّحِيح، ويكون المُحِيلُ متبرعاً بِقَيْدِ الصِّحة، ولا يحال بالصحيح على المكسر، وإلا كان المُحْتَالُ تاركاً صفة الصِّحة، رتبوه ليحيله المُحِيل، ويخرج على

الجزء: 5 - الصفحة: 131

هذا حوالة الأردأ على الأجود، وبالعكس في كُلِّ جنس.
وقوله في الكتاب: (فلو كان بينهما تفاوت إلى آخره) تفصيل ما أجمله بقوله: (أن يكون ما على المحال عليه مجانساً لما على المحيل قدراً ووصفاً).
ومثال ما يفتقر في أدائه عنه إلى المعاوضة: أن يختلف الجِنْس، فيكون على أحدهما دَرَاهم، وعلى الآخر دَنَانير، فإن الاستبدال بأحد الجنسين عن الآخر اعتياضٌ محض.
وقوله: (وإن لم يفتقر بل أجبر على قبوله كأداء الجَيِّدِ عن الرديء) فهو مثل أداء الصحيح عن المكسر، وتعجيل المُؤَجَّل، حيث يجبر المستحق على القَبُول، وهذا الكلام يتفرع على الصَّحِيح في أن المديون إذا أتى بِأَجْوَد مما عليه من ذَلِكَ النوع يجبر المستحق على قبوله، وفيه خلاف قَدْ سبق في بَابِ السَّلَمِ.
وقوله: (وإن افتقر إلى الرضا دون المعاوضة) فهو كأداء الرديء عن الجَيّد، فإنه يجوز قبوله، ولا يكون ذلك معاوضة هذا بيان مَا ذَكره، وفيه رواية خِلاَف للأصحاب في جواز الحوالة بالجيد على الرديء، والإشارة إلى الجَزْم، تجوز حوالة الرَّدِيء على الجَيِّد وهو يخالف نقل الجمهور في الطرق، وربما تجد في كتاب ما يوافقه.
قال الغزالي: أَمَّا حُكْمُهَا فَبَرَاءَةُ المَحِيْلِ (ح) عَنْ دَيْنِ المُحَالِ وَتَحوُّل الحَقّ إِلَى المُحَالِ عَلَيْهِ وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ المُحَالِ عَلَيْهِ من دَيْنِ المُحيلِ، فَلَوْ أَفْلَسَ المُحَالَ (ح) عَلَيْهِ أَوْ جَحَدَ لَمْ يَكُنْ (ح) لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى المُحِيلِ إِذْ حَصَلَتِ البَرَاءَةُ مُطْلَقَةً، وَلَوْ كَانَ الإِفْلاَسُ مَقْرُوناً بِالحِوَالَةِ وَهُوَ جَاهِلٌ فَالأَظْهَرُ ثُبُوتُ الخِيَارِ.
قال الرَّافِعِىُّ: إذا جرت الحوالة بشرطها بَرِئَ المحيل عن دَيْنِ المُحْتَال، وتحول حتى المحتال إلى ذِمَّة المُحِيل عَلَيْهِ، وبرئ المُحَال عَلَيهِ عن دَيْنِ المُحِيل، حتى لو أفلس المُحَال عَلَيْه ومات أو لم يَمُت أو جَحَد وَحَلَف لم يكن للمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى المُحِيل، كما لو أخذ عوضاً عن الديْنِ وتلف فِي يَدِهِ، وبهذا قَالَ مَالِكٌ وأحمد، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يرجع فيما إذا مَاتَ مِفْلساً، وفيما إذا جَحَد وحلف.
واحتج الشَّافعي -رضي الله عنه- بوجهين: أحدهما: إِنَّ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المروي في أول الباب تعرض للملاءة فقال: "إِذَا أحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِئٍ فَلْيَحْتَلْ" 9 ولو تمكن المحتال من الرّجوع لما كان للتعرض للملاءة كبير فائدة.

الجزء: 5 - الصفحة: 132

والثاني: أن الحوالة إما أن يتحول بها الحَقّ على المُحِيل أو لا يَتَحَوَّل، إن تحول فقد بَرِئت ذِمَّته فوجب ألا يعود إليه كما لو أبرأه، وإن لم يتحول فلتدم المطالبة كما في الضَّمَانِ، فلو شرط في الحوالة الرجوع بتقدير الإفلاس والجُحُودِ، ففي صحة الحوالة وَجْهَان، وإن صحت ففي صِحّة الشَّرْطِ وَجْهَان، حكاهما القاضي ابْنِ كَجٍّ.
هذا إذا طرأ الإفلاس، أما إذا كان مقروناً بالحوالة وجهله المحتال نظر إن لم تجرِ بَشْرطِ الملاءة، فالمشهور أنه لا رِجوعَ للمحتالِ ولا خِيارَ لَهُ، وما يلحقه من الضَّرَرِ فهو نتيجة ترك التفحيص، فصار كما لو اشترى شيئاً وكان مغبوناً فيه، ونقل الإمام وجهاً أنه يثبت له الخيار تداركاً، لما لحقه من الخُسْرَان، كما لو اشترى شيئاً فَبَانَ معيباً، وبهذا قال مَالِك، وإن شرط ملاءة المُحَالِ عَلَيْهِ فبان مفلساً، فإن قلنا: بثبوت الخيار عند الإطلاق فهاهنا أولى، وإن منعنا ثُمَّ فما الحكم؟ نقل المُزَنِيُّ: أنه لا يرجع فأنكره ابْنُ سُرَيْجٍ من قول الشَّافعي -رضي الله عنه- وقال: يرجع كما لو اشترى عبداً بشرط أنه كاتب فبان خلافه ثبت له الخيار، وعامة الأصحاب على صِحِّة نَقْل المُزَنِي، واختاروا عدم الرجوع؛ لأنه لو ثبت الرجوع بالخلف في شرط اليسار، لثبت الرجوع عند الإطْلاَق؛ لأن الإعسار نقص في الذمة كالعيب في المبيع يثبت الخِيار، سواء شرطت السّلامة عنه أو لم تشترط، ويخالف شَرْط الكتابة، فإن فواتها ليس بنقيصة، وإنما هو عَدَم فضيلة، وإذا جمع بين صورتي الإطْلاَق والاشتراط، حصل في ثبوت الخيار ثلاثة أوجه.
ثالثها: الفرق بين الصّورتين، وقد جمع الإمام الوجوه هكذا، وقرب التردد في المسألة من التردد في أن الحوالة استيفاء أو اعتياض، فقولُ صَاحِب الكتاب: (فالأظهر ثبوت الخِيار) أراد من هذه الوجوه على ما هو مبين في "الوسيط"، وترجيح الوَجْه الصَّائر إلى ثبوت الخِيَار يخالف اختيار عامة الأصحاب، سِيَما في حالة الإطْلاَق فاعرف ذلك.
فرعان: أحدهما: صَالَح مع أجنبي عَنْ دين علَى عَيْن، ثم جحد الأجنبىُّ وَحَلَفَ، هل يعود إلى من كان عليه الدين؟ قال القَاضِي حسين: نعم، ويفسخ الصُّلْح، وعن حكاية الشيخ أَبي عَاصِمٍ أنه لا يعود 10. الثاني: خرج المحال عليه عبداً فإن كان لأجنبي وللمحيل دين في ذمته صحت الحوالة، كما لو أحال على معسر وتبعه المحتال بعد العِتْقِ، وهل له الرجوع على المُحِيل؟ فيه خلاف مرتب على ما إذا بَانَ مُعسراً، وأولى بأن يرجع، وإن كان عبداً

الجزء: 5 - الصفحة: 133

للمُحِيل، فإن كان له في ذِمَّتِهِ دَيْنٌ بأن ثبت قبل أن يملكه وفرعنا على أنه لا يسقط إذا مَلَكه فهو كما لو أن لأَجّنَبِيِّ، وإن لم يكن في ذمته، فالحوالة عليه حوالة على منْ لاَ دَيْنَ عليه، فإن صححناها وقلنا: إنها ضَمَانٌ فهذ ضمان العبد عن سيده بإذنه، وسيأتي حكمه في الضَّمَان، ولا يخفى فيم ذكرنا حكم ما لو كان لِأَجنبي ولم يكن للمحيل عليه دَيْن.
قال الغزالي: وَلَو أَحَالَ المُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى إنْسَانٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ المَبِيعَ فَفِي انْفِسَاخِ الحِوَالَةِ قَوْلاَنِ: (و) أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهَا تَنْقَطِعُ، فَإنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضْ المَبِيعِ فَأَوْلَى بِأَنْ تَنْقَطِعَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ قَبْضِ المُحْتَالِ مَالَ الحِوَالَةِ فَأَوْلَى بِأَنْ لاَ تَنْقَطِعَ، فَلَوْ أَحَالَ البَائِعُ عَلَى المُشْتَرِي فَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَنْقَطِعَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ الحَقُّ بِثَالِثٍ، وَمَنْشَأُ الخِلاَفِ تَرَدُّدَ الحِوَالَةِ بَيْنَ مَشَابِهِ الاسْتِيفَاءِ وَالاعْتِيَاضِ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ ينْفَسِخُ فَلِلمُشْتَرِي (و) مُطَالَبَةُ البَائِعِ بِتَحْصِيلِهِ لِيَغْرَمَ لَهُ بَدَلَهُ، أَوْ بِتَسْلِيم بَدَلِهِ إِلَيْهِ فِي الحَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ قَبَضَ البَائِعُ بَعْدَ مَالَ الحِوَالَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْفَسِخُ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ قَبَضَ فَلَيْسَ لَهُ القَبْضُ، فَإِنْ فَعَلَ فالأَصَحُّ (و) أَنهُ لاَ يَقَعُ عَنِ المُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الحِوَالَةَ انْفَسَخَتْ والإِذْنَ الَّذِي كَانَ ضِمْناً لَهُ لاَ يَقُومُ بِنَفْسِهِ.
قال الرَّافِعِىُّ: المسائل المذكورة في هذا الموضع، إلى آخر الباب من تخريجات المُزَنِي على أصول الشَّافعي -رضي الله عنه- وتحريه.
وصورة مسألة الفصل ما إذا اشترى عبداً بِمِائةٍ مثلاً، وأحال المشتري البائع بالثمن على رَجُلٍ، ثم اطلع على عَيْبٍ قديم بالعبد فَردَّه.
قال المزني في "المختصر": تبطل الحوالة، ونقل عنه في "الجامع الكبير" أنها لا تبطل، وللأصحاب ثلاثة طرق: أحدها: أن في بطلان الحوالة قولين: أظهرهما: عند القاضي ابْنِ كجٍّ وصاحب الكتاب وغيرهما: أنها تبطل وتنقطع وهما مبنيان على أن الحوالة استيفاء أو اعتياض.
إن قلنا: إنها استيفاء انقطَعَت؛ لأن الحوالة على هذا التقدير نوع إرفاق ومسامحة، فإذا بَطَل الأَصْلُ بطل هبة الإرفاق التَّابعة له، كما لو اشترى شيئاً بدراهم مكسرة وتطوع بأداء الصّحاح ثم رده بالعيب، فإنه يسترد الصّحاح، ولا يقال: يطالب بِمِثْلِ الكسر ليبقى التبرع بصفة الصحة.
فإن قلنا: إنها اعتياض لم تبطل 11، كما لو استبدل من الثَّمَنِ ثوباً ثم رد المبيعَ

الجزء: 5 - الصفحة: 134

بالعيبِ فإنه لا يبطل الاستبدال، بل يرجع بمثل الثمن على أن القاضيين أبا الطَّيِّبِ والرّويَانِي منعَا هذه المسألة، وجعلاها كمسألة الحوالَة، وقد تقدَّمَت المسألة في فُصُولِ الرد بالعيب.
والطريق الثاني وبه قال أبو إسحاق وابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وأَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ: القطع بالبطلان، وتكلم هؤلاء فيما نقل عن "الجامع الكبير"، فعن القَاضِيَ أَبِي حَامِدٍ أنه قال: نظرت في نسخ منه فلم أجد خلاف ما في "المختصر".
والثالث: وبه قال صاحب "الإفصاح": القطع بعدم البُطْلاَن، وربما أوَّلَ أصحاب الطريقين الآخرين، وجمعوا بين نَصَّيِ المزني بوجوه: أحدها: حمل ما في "المختصر" على ما إذا كان العيب بحيث لا يمكن حدوثه في يَدِ المُشْتَرِي، أو كان يمكن حدوثُه إلا أن إلبائع أَقرَّ بِقَدِمِهِ، وحمل ما في "الجَامِع" على ما إذا ثبت قِدَمُه بالبينة وَرَدَّه، والفرق أن في الحالة الأولى اعترف البائع بسقوط الثَّمَنِ عِنْد الفسخ.
وأما في الحالة الثانية، فإنه يزعم بقاء حقه واستمرار الحوالة، فلا يمنع من مطالبة المُحَالِ عَلَيْهِ بدعوى المشتري.
والثاني: حمل الأولى على ما إذا ذكر للمحال عليه أنه يحيله عن جهة الثمن، وحمل الثاني على ما إذا لم يذكر ذلك، فإنه إذا لم يذكر لا يَنْبَغِي أن يعود إليه؛ لبراءة ذمته عن حقه ظاهراً.
والثالث: أن نَصَّ البُطْلاَن مفرع على أن الحوالة تفتقر إلى رضي المُحَالِ عَلَيْهِ، فإن الحوالة له حينئذ تتم بالثَّلاثة، فلا تنقطع بموافقة اثنين.
والرَّابع: حَمْلُ نَصِّ البُطْلاَن على ما إذا كانت الحوالة على من لاَ دَيْن عليه، ورضى المُحَال عَلَيْهِ، فإنه إذا سقط الثمن انقطع تطوعه، وسقطت المطالبة عنه، ثم هاهنا نظران: أحدهما: هل تفترق الحال بين ما إذا كان الرد بالعيب بعد قبض المبيع أو قبله؟ حكى صاحب "النهاية" عن بعض الأصْحَاب أن محل الخِلاَف ما إذا كان الرد بعد قبض المبيع فإن كان قبله انقطعت الحوالة بلا خِلاَفٍ، لِكون المبيع معرض للانفساخ وعدم تأكده، ولهذا جعلنا الفَسْخَ قبل القَبْضِ، رداً للعقد من أصله عَلَى رأي، ثم زيف ذلك وقضى بطرد القَوْلَيْنِ في الحالين.
وهذا قضية إطلاق عامة الأَصْحَاب، واعلم أن قضية الطريقين معاً تجويز الإحالة بالثمن قبل قبض المبيع لكنه قبل قبض البيع غير مستقر، وقد اشتهر في كتب السَّلَفِ من

الجزء: 5 - الصفحة: 135

أئمتنا أن من شرط الحوالة استقرار ما يحال به ويحال عليه، وللمسعودي إشارة إلى مَنْعِ الحوالة بالثمن قبل قَبْض المبيع؛ لأنه غير مستقر، واستشهد عليه أن المزني تعرض في صورة المسألة للمبيع واشتراطه، وإنما فعل ذلك لِهَذا المعنى والله أعلم.
النظر الثاني: هل تفترق الحال بين أن ينفق الرَّد بعد قبض المُحْتَالِ مَالَ الحَوَالَةِ، أو قبله؟ فيه طريقان: أحدهما: أن الحوالة لا تنقطع إذا اتفق الرد بعد القَبْضِ جزماً، والخلاف مخصوص بما إذا كان ذلك قَبْلَ القَبْضِ، والفرق تكد الأمر بالقَبْضِ، فتبرأ ذمة المَحَالِ عَلَيْهِ، وهذا ما أورده أصحابنا العراقيون، والشَيْخُ أَبُو عَلِيّ.
والثاني: طرد القولين في الحالين، وهو اختيار صاحبي "التهذيب" و"التتمة" والأكثرين، وهذا كله فيما إذا أحال المُشْترِي البائعَ على رَجُلٍ، ولو أحال البائعُ رجلاً على المُشْتَرِي، فمنهم من طرد القولين، وقطع الجمهور بأنه لا تنقطع الحوالة؛ وسواء قبض المحتال مال الحوالة من المُشْتَرِي أو لم يقبضه، والفرق أن الحوالة هاهنا تعلق بها حق غير المتعاقدين فبعد ارتفاعها يفسخ من المتعاقدين، وصار كلما لو اشترى عبداً بجارية وقبضه وباعه، ثم وجد بائع العبد بالجارية عيباً فردها لا ينفسخ البيع الثاني لأنه تعلق به حق ثالث، فإذن القولان مَخْصُوصَانِ بالصورة السَّابقة، ولنفرع عليهما.
إن قلنا: لا تبطل الحوالة، فلا يطالب المُشْتَرِي أن يحال عليه بِحَالٍ، ولكن يرجع على البَائِع فيطالبه إن كان قد قبض مال الحوالة، ولا يتعين حقه فيما أخذ، بل له إبداله لبقاء الحَوالة صحِيحة، وإن لم يقبضه، فله أن يقبضه، وهل للمشتري الرجوع عَلَيْهِ قبل قبضه؟ فيه وَجْهَان: نَعَم؛ لأن الحوالة كالمقبوض، ألا ترى أن المشتري إذا أحال البَائِع بالثمن سقط حق الحبس، والزّوج إذا أحال المرأة بالصَّداق سقط حق حبسها، وأصحهما عند الصَّيْدَلاَنِيِّ وغيره: أنه لا يرجع؛ لأنه لم توجد حقيقة القبض، وإن كان للحوالة حُكْم القبض والغرامة إنما تكون بِحَسَبِ القبض.
فإن قلنا: لا يرجع المشتري عليه قبل أن يَقْبِض فله مطالبته بتحصيل مَالِ الحوالة ليرجع عليه؛ لأن البائعَ إنما يملك مُطَالَبَة المُحَالِ عَلَيْهِ من جهةٍ، فكيف يمنعه من المطالبة مطلقاً؟ وفيه وجه بعيد أنه لا يملك المُطَالبة بالتحصيل أيضاً.
وإن قلنا: تبطل الحوالة فإن كان قد قبض المالَ من المحالِ عَلَيْهِ فليس له رَدَّهُ عَلَيْهِ؛ لأنه قبض بإذن المُشْتَرِي، ولو رده لم تسقط مُطَالبة المشتري عنه، بل حقه الرد على المُشْتَرِي، ويتعين حقه فيما قبضه فإن كان تالفاً فعليه بدله، وإن لم يكن قبضه

الجزء: 5 - الصفحة: 136

فليس له قَبْضُه؛ لأنه عاد إلى ملك المُشْتَرِي كما كان، ولو خالف وقبض لم يقع عنه، وفي وقوعه عن المشتري وَجْهَانِ عن الشَّيخ أبي مُحَمَّدٍ.
أحدهما: يقع؛ لأنه كان مأذوناً في القَبْضِ بجهة، فإن بطلت تِلْك الجهة بقي أصْلُ الإِذْنِ.
وأصحهما: المنع؛ لأن الحوالة قد بَطُلت، والوكالة عقد آخر يخالفها، وإذا بطل عقد لم يبطل 12 عَقْد آخر، وقرب الشَّيْخُ هَذَا الخِلاَف من الخلاف الذي مَرّ في أن من يحرم بالظُّهْرِ قبل الزوال هل تنعقد صلاته نَفْلاً؟ وأما في صورة إحالة البَائِع على المُشْتَرِي إذا فرعنا على الصَّحِيح وهو أن الحوالة لا تبطل برد المُشْتَرِي المبيع بالعيب، فإن كان المحتال قد قبض الحَقَّ من المُشْتَرِي رجع المشتري على البَائِعِ وإن لم يقبضه يرجع المشتري عليه أم لا يرجع إلا بعد القبض؟ فيه الوَجْهَانِ السَّابِقَانِ.
ثم نتكلم فيما نحتاج إليه من ألفاظ الكتاب، قوله في صورة المسألة: (فَرَد عليه المبيع) يشمل الرد بالعيب والمخالف، والاقالة وغيرها وهو مستمر على إِطْلاقِهِ، فلا فرق بين الرَّدِّ بالعيب وَغَيْرِهِ، وقيل (قولان): يجوز إعلامه بالواو للطريقين النافيين للخِلاَف.
وقوله: (فأولى بأن لا ينقطع)، أشار بالترتيب المذكور في الصورتين إلى ما شرحنا من الطَّريقين.
وقوله: فيما إذا أحال البائع على المشتري: (فأولى بأن لا ينقطع) وهو الظاهر مع قوله (فأولى بأن لا ينقطع) لما قدمنا في مواضع؛ لأن أولوية الترتيب لا تفيد الرُّجْحَان على الإطلاق، وإنما تفيد كون الحكم الموصوف بالأولوية أرجح منه في الصُّورة المرتب عليها.
وقوله: (ومنشأ الخلاف تردد الحوالة بين مشابه الاستيفاء والاعتياض) يوافق ما ذكره الإمام: أن فيها شبهاً من كل واحدٍ منهما، والكلام في التَّغْلِيب.
وقوله: (فإن قلنا: لا ينفسخ) أي في المسألة الأولى، وهو إحالة المُشْتَرِي البائع بالثمن.
وقوله: (فللمشتري مطالبة البائع بتحصيله) إلى آخره يمكن تفسيره 13. أن يقال: المعنى أن له أن يطالبه بأحد أمرين: إما التحصيل ليغرم، وإما الغرم في الحَالِ، وهذا يخرج متفقاً عليه من الخلاف الذي رويناه.

الجزء: 5 - الصفحة: 137

فإن قلنا: له الرجوع قبل أن يقبض البَائِع مال الحوالة [ممن له أن يقول: اغرم لي وله، أو يقول تسهيلاً خذه ثم اغرم لي، فإن قلنا: لا رجوع له قبل أن يقبض مال الحوالة فله] 14 أن يقول: خذه لتغرم لِي، وإن رضيت بذمته فشأنك، فاغرم لي.
والثاني: هو الأشبه أن معناه أن له مطالبته بتحصيله.
إن قلنا: لا رجوع عليه قبض أن يقبض.
أو يتسلم بَدَله إليه في الحال.
إن قلنا: إنه يرجع إليه قبل القبض.
وعلى التقديرين فيصح إعلام قوله: (فللمشتري مطالبة البائع) بالواو لما قَدَّمْنَا من الوَجْهِ البعيد.
وقوله: (لأن الحوالة انفسخت والإذن الذي كان ضمناً له لا يقوم بنفسه) ظاهر هذا التوجيه ربما يشكل بما إذا فسدت الشَّرِكة، أو الوكالة فالإذن الضمني يبقى، ويصح التصرف على ما سيأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى- ويمكن أن يقال: الحوالة تنقل الحَقّ إلى المُحْتَال، فإذا صَارَ الحق له مِلْكاً قبضه لنفسه بالاستحقاق، لا للمحيل بالإذْنِ، وهما عقدان مختلفان فَبُطْلاَن أحدهما لا يفيد حصول الآخر بخلاف الشركة والوكالة فإن التصرف هُنَاك واقع للإِذْنِ، فإن بطل بخصوص الإذْنِ، جاز أن يبقى عُمُومه، وهذا ما سبقت الإِشَارَةُ إليه.
فرع: قال ابْنُ الحَدَّادِ في "المولدات": إذا أحال الزوج زوجته على غريمه بالصداق ثم طلق قبل الدُّخُولِ لم تبطل الحَوَالة، وللزوج أخذها بنصف المَهْرِ، قال من شرح كتابه: المسألة تترتب على ما إذا أحال المُشْتَرِي البائع على غريمه.
إن قلنا: لا تبطل الحوالة هناك، فهاهنا أولى، وإن قلنا: تبطل، ففي البطلان في نِصْفِ الصداق هاهنا وجهان، والفرق أن الطلاق سبب حادث، ولا استناد له إلى ما تقدم، بخلاف الفَسْخُ والصَّدَاقِ أثبت من غيره، ولهذا لو زاد الصَّدَاقُ زيادةً مُتَّصِلَة لم يرجع في نصفه إلا بِرضَاهَا، بخلاف ما إذا كانت في البيع، ولو أحالها ثم ارتدت قبل الدّخُولِ أو فسخ أحدهما النكاح بعيب آخر ففي بطلان الحوالة هذان الوَجْهَان، والأظهر أنها لا تبطل، ويرجع الزَّوْجُ عليها بنصف الصَّدَاقِ في صورة الطَّلاَقِ، وبجميعه في الردة، والفسخ بالعيب، وإذا قلنا: بالبطلان، فليس لها مطالبة المحال عليه وتطالب الزوج بالنِّصْفِ في الطَّلاق، أي ولا تطالب بشيء في الرّدَّة ولا بالعيب، كذا قاله الشِّيْخُ أَبُو عَلِي، والمسألة جميعها من كلامه.

الجزء: 5 - الصفحة: 138

قال الغزالي: وَلَوْ كَانَ المَبِيعُ عَبْداً فَأُحِيلَ بِالثَّمَنِ عَلَى المُشْتَرِي فَقَالَ العَبْدُ: أَنَا حُرُّ الأَصْلِ وَصَدَّقُوهُ جَمِيعاً بَطُلَتِ الحِوَالَةُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ البَائِعُ وَالمُشْتَرِي دُونَ المُحْتَالِ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُمَا حُجَّةً عَلَيْهِ فَتَبْقَى الحِوَالَةُ في حَقِّهِ.
قال الرَّافِعِىُّ: صورتها: أن يبيع عبداً، ويحيل غريمه بالثمن على المُشْتَرِي، ثم يتصادق المتبايعان على أنه حُرُّ الأَصْلِ، إما ابتداءً أو يزعم العبد أنه حُرٌّ فصدقاه، نظر إن وافقهما المُحْتَال بطلت الحوالة لاتفاقهم على بُطْلاَنِ البَيْعِ وإذا لم يكن بيع لم يكن على المشتري ثَمَنٌ، وإذا بطلت الحوالة رد المحتالُ ما أخذ على المُشْتَرِي، وبقي حقه على البَائِع كَمَا كَانَ، وإن كَذَّبَهُمَا المحتال فأما أن تقوم بينة على الحرية أولاً تَقَوم، فإن قَامَتْ بطلت الحوالَة، كما لو تقارروا، وهذه البينة يتصور أن يقيمها العبد، ويتصور أن تبتدئ الشُّهُود على سبيل الحسبة، قال صاحب "التهذيب": ولا يتصور أن يقيمها المتبايعان؛ لأنهما كذباها بالدّخُولِ في البيع، وكذلك ذكر القَاضِي الرّويَانِي، وإن لم تكن بينة فلهما تَحْلِيف المُحْتَال على نفي العِلْمِ، فإن حلف بقيت الحَوالَة فِي حَقِّه، ولم يكن تصادقهما عليه حجة، فإذا نفيت الحوالة فله أَخْذُ المَالِ من المُشْتَرِي، وهل يَرْجِعُ المُشْتَرِي على البَائِع المُحِيل؟ في "التهذيب" أنه لا يرجع؛ لأنه يقول: ظلمني المُحْتَال بما أخذ، والمَظْلُوم لا يرجع إلَّا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ، وقال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ والقَاضِي ابْنُ كِجٍّ والشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: يرجع؛ لأنه قضى دَيْنَه بِإِذْنِه، وعلى هذا فيرجع إذا دفع المال إلى المُحْتَالِ، وهل يرجع قبله؟ فيه الوَجْهَان السَّابقان، فإن نكل المحتال حَلَفَ المُشْتَرِي، ثم إن جَعَلْنَا اليمين المردودة كالإقْرَار بطلت الحوالة، وإن جعلناها كالبينة فالحكم كما لو حلف؛ لأنه ليس للمُشْتَرِي إقامة البينة، وما ذكرناه في صورة اقرار المحتال، وقيام البينة من بطلان الحوالة مفروضٌ فِيمَا إذا وقع التعارض لكون الحوالة بالثمن، فإن لم يقع وزعم البائع أن الحوالة بِدَيْنٍ آخر لهَ عَلَى المُشْتَرِي نظر إن أنكر المُشْتَرِي أصل الدَّيْنِ فالقول قوله مع يمينه، وإن سلمه وأنكر الحوالة به فإن لم نعتبر رضي المحال عليه، فلا عبرة بانكاره، وإن اعتبرناه فهل القول من يدعي جريان الحوالة على الصِّحّة، أو قول من يدعي فَسَادَهَا؟ فيه خِلاَفٌ مذكور في نظائره.
قال الغزالي: فَرْعٌ -إِذَا جَرَى لَفْظُ الحِوَالَةِ وَتَنَازَعَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَرَدْنَا بِهِ الوَكَالَةَ وَقَالَ الآخَرُ: بَلِ الحِوَالَةَ، فَقَوْلاَنِ فِي أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ مَنْ، يُنْظَرُ فِي أَحَدِهِمَا إلَى ظَاهِرِ اللّفْظِ، وَفِي الثَّانِي إِلَى تصْديقِ مَنْ يَدَّعِي إرَادَةَ نَفْسِهِ ونَيَّتَهُ فَإِنَّه أَعْلَمُ بِهَا، وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى جَرَيَانِ لَفْظِ وَلَكِنْ قَالَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ: أَحَلْتَنِي وَقَالَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ: وَكَّلْتُكَ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنِي مِنْهُ فَالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي نَفْيِ الحِوَالَةِ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَبَضَ

الجزء: 5 - الصفحة: 139

فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لأنَّهُ انْعَزَلَ بِإِنْكَارِ الوِكَالَةِ وَانْدَفَعَتِ الحِوَالَةُ بِإِنْكَارِ مَن عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالمَالِ إِذَا انْدَفَعَتِ الحِوَالَةُ حَتَّى لاَ يَضِيعَ حَقُّهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ لاَ يُطَالَبُ لأِنَّهُ اعْتَرَفَ بِبَرَاءَتِهِ بِدَعْوَى الحِوَالَةِ، أَمَّا إِذَا قَالَ المُسْتَحِقِّ: وَكَّلْتَنِي فَقَالَ: لاَ بَلْ أَحَلْتُكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَبَضَ فَقَدِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ القَبْضُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ القَبْضِ فَالصَّحِيحُ (و) أَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ الآنَ وإِن لَمْ يَمْلِكْ عِنْدَ القَبْضِ.
قال الرَّافِعِىُّ: إذا كان لزيد عليك مِائَة، ولك عَلَى عَمْروٍ مِثْلها، فوجد زيْدٌ منك ما يمكنه من قبض مَا عَلَى عَمْروٍ، ثم اختلفتما فله صورتان: أحدهما أن تقول لزيد: وكلتك بقبضه لي، وقال زيد: بل أحلتني عليه، فينظر إن اختلفتما في أَصْلِ اللفظ، فزعمت الوكالة بلفظها، وزعم زيد الحوالة بلفظها، فالقول قَوْلُكَ مَعَ يَمِينِكَ؛ لأن الأصْلَ استمرار حَقِّ زَيْدٍ عَلَيْك، وَحقِّكَ عَلَى عَمْروٍ، وإن اتفقتما على جريان لفظ الحوالة، وقلت: أردت به التسليط بالوكالة فوجهان: المنسوب إلى ابْنِ سُرَيْجٍ أن القولَ قولُ زَيْدٍ مع يمينه لشهادة لَفْظِ الحوالة.
وقال المُزَنِي -وساعده عليه أكثر الأصْحَاب-: أن القول قَوْلُكَ مَعَ يمِينِكَ، ويحكى هذا عن أَبِي حنيفة، ووجهه ما ذكرناه في الصُّورة الأولى، وأيضاً فإن اللفظ محتمل لما يقوله، وأنت أعرف بنيتك، فأشبه ما إذا قُلْتَ له: اقبض ثم اختلفتما في المُرَادِ، فإن القول قولُك، وعن القَاضِي حسين: القطع بالوجه الأول، وحمل كلام المُزَنِي على ما إذا اختلفتما في أصْلِ اللَّفْظِ، وذكرهما إذا قلت له: اقبض، وفسرته بالوكَالة أنك لا تَحْتَاج إلى اليَمِين؛ لإشْعَارِ اللفظ بالنَّيَابَةِ.
قال الأئمة: وموضع الوجهين ما إذا كان اللفظ الجَارِي بينكما: أحلتك بمائة عَلَى عَمْروٍ، فأما إذا قُلْت بالمائة التي لك عليّ بالمائة التي على عمرو، فهذا لا يحتمل إلا حقيقة الحوَالة، فالقول قَوْلُ زَيْدٍ بِلاَ خِلاَفٍ.
التفريع: إن جعلنا القولَ قولَ زَيْدٍ، فإذَا حلف ثبتت الحَوالة وبرئت ذمته، وإذا جعلنا القَولَ قولَكَ في الصُّورة الأُولى أو تفريعاً على الوجه الثاني في الصورة الثانية، فحلفت نظر أَقَبِضَ زَيْدٌ مَا عَلَى عَمْروٍ أَمْ لاَ؟ إن قبضه برئت ذمة عمرو، لتسليمه ما عليه إلى الوَكِيل أو المُحْتَالِ، وحكى الإمام وجهاً ضعيفاً عن رواية صاحب "التقريب": أنه لا يبرؤ في صورة اتفاقكما، على جريان لفظ الحوالة، والمشهور الأول، ثم ينظر إن كان المقبوض باقياً فعليه تسليمه إليك، وهل له أن يطالبك بِحَقِّه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ واختاره الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ لاعترافه ببراءتك بدعوى الحوالة.

الجزء: 5 - الصفحة: 140

وأصحهما: عن ابْنِ الصَّبَّاغِ وَصَاحِب "التتمة" وغيرهما، أن له المطالبة؛ لأنه إن كان وكيلاً فحقه بَاقٍ عليه، وإن كان محتالاً فقد استرجعت مالَه ظُلْماً، فلا وجه لتضييع حَقّه، قال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وما ذكرنا من وجوب التسليبم والوجهين في الرّجُوعِ من حيث الظَّاهِرِ، فأما بينه وبين الله -تعالى- فإنه إذا لم يَصِلْ إلى حَقِّه منك فله إمْسَاكُ المَأْخُوذِ؛ لأنه ظفر بجنس حقه من مِلْكِكَ، وأنت ظَالِمٌ لَه، وإن كان المقبوض تالفاً، فنقول الأكثرين: أنه إذا لم يكن التلف بتقصير مِنْكَ لا يضمن؛ لأنه وكيل بقولك، والوكيل أَمِين، وليس له أن يُطَالِبَكَ بحقه؛ لأنه قد استوفاه بزعمه وهلك عنده، وقال في "التهذيب": إنه يضمن؛ لأنه قد ثبتت وكالته، والوكيل إذا أخذ المال لنفسه ضمن، وإن لم يقبض زيد ما على عمرو فليس له القبض بعد حَلفك؛ لأن الجوالة قد اندفعت بيمينك، وصار زيدٌ معزولاً عن الوكالة بإنكاره، ولك أن تطالب عَمْراً بما كان لَكَ عليه، وهل لِزَيْدٍ مطالبتك بِحَقِّه؟ فيه الوجهان المذكوران فيما إذا كان قد قبض وسلم المقبوض إليك، واستدرك صاحب "البيان" فقال: ينبغي أن لا يطالب هنا وجهاً واحداً، لاعترافه بأن حقه على عَمْروٍ، وأن ما تقبضه أَنْتَ مِن عمرو وليس حقاً له بخلاف ما إذا كان قَدْ قبض، فإن حقه قد تعين في المقبوض، فإذًا أخذته أخذتَ ماله.
الصورة الثانية: أن تفول لزيد: أحلتُكَ عَلَى عَمْروٍ، ويقول زيد: بل وكلتني بقبض ما عليه وَحَقِّي بَاقٍ عليك، ويظهر تصوير هذا الاختلاف عند إفْلاَسِ عَمْروٍ، فينظر إن اختلفتما في أصل اللفظ، فالقولُ قولُ زيدٍ مع يمينه، وإن اتفقتما على لفظ الحوالة، جرى الوجهان المذكوران في الصّورة الأولى هاهنا على العَكْسِ، فعلى المنسوب إلى ابنِ سُرَيْجٍ: القول قولك مَعَ يمينك، وعلى القول المنسوب إلى المُزَنِي وغيره: القول قَوْلُ زَيْدٍ والتوجيه مَا مَرَّ، فإذا قلنا: إن القولَ قوْلُكَ، فحلفت برئت ذِمَّتُكَ مِنْ دَيْنِ زَيْدٍ، ولزيد مطالبة عمرو إما بالوكالة أو الحَوَالة، وما يأخذه يكون له؛ لأنك تقول: إنه حقه، وعلى زعمه هو لك، وحقه عليك فيأخذه بِحَقه، وحيث قلنا: إن القولَ قولُ زَيْدٍ، فحلف نظر إن لم يكن قبض المال من عَمْروٍ فليس له القبض؛ لأن قول الموكل: ما وكلتك، يتضمن عزله لو كان وَكِيلاً، وله مطالبتك بِحَقِّه، وهل لَكَ الرجوع إلى عمْروٍ؟ فيه وجهان؛ لأنك اعترفت بتحول ما كان عليه إلى زيد، ووجه قولنا: نعم، وهو اختيار القَاضِي ابْنِ كِجٍّ أن زيداً إن كان وكيلاً فإن لم يقبض بقي حقك، وإن كان محتالاً فقد ظلمك بأخذ المال مِنْك، وما على عَمْرو حقه ذلك أن تأخذه عوضاً عما ظلمك به، وإن كان قد قبض المال من عَمْروٍ فقد برئت ذِمَّة عَمْرو، ثم إن كان المقبوض باقياً فقد حكى في "الوسيط" هاهنا وجهين: أحدهما: أنه يطالبك بحقه ورد المقبوض عليك.
والثاني -وهو الصحيح-: أنه يملك الآن، وإن لم يملكه عند القبض لأنه حبس

الجزء: 5 - الصفحة: 141

حقه، وصاحبه يزعم أنه ملكه، ويشبه أن لا يكون فيه خِلاَفٌ محقق، بل له أن يرده وُيطالب بحقه، وله أن يأخذه بحقه، وإن كان تلفاً نظر إن كان قد تلف بتفريط منه فلك عليه الضَّمَان ولَهُ عليك حقه، وربما يقع في التقاص، وإن لم يكن منه تقصير فلا ضمان؛ لأنا إذا صَدَّقْنَاهُ في نفي الحوالة كانت يده يد وكالة، والوكيل أمين، وروى الإمام وَجْهاً آخر: أنه يضمن؛ لأن الأصل فيما يتلف في يَدِ الإنسان من ملك غيره الضَّمان، ولا يلزم من تصديقه في نفي الحوالة ليبقى حقه تصديقه في تثبيت الوكالة ليسقط عنه الضمان، وهذا كما أنه إذا اختلف المتبايعان في قدم العيب وحدوثه، وصدقنا البائع بيمينه السَّابقة والله أعلم.
وقوله في الكتاب في أول الفرع: (إذا جرى لفظ الحوالة) إلى قوله: (فقولان) يتضمن الصورتين جميعاً فعلى رأي يتبع فيهما ظاهر اللفظ، وعلى رأي يصدق من أخبر عن نيته وإرادته، إما في طرف الإيجاب أو القبول، ويجوز أن يعلم قوله: (فقولان) بالواو كما سبق عن القَاضِي حسين، وقد حكى في الصورة الثانية أيضاً القطع بمقتضى من تمسك بمطابقة اللفظ ثم قوله: (فقولان) أي للأصحاب، وليس للشافعي في المسألتين نص.
وقوله في آخره: (أما إذا قال المستحق: وكلتني، فقال: لا، بل أحلتك فإن لم يكن قد قبض) فالقول قول المستحق، ثم في تفريعه أنه إن لم يكن قبض إلى آخره.
ونختم الباب بصور وفروع: منها: إذا أحلت زيداً على عَمْروٍ، ثم أحال عمرو زيداً على بَكْرٍ، ثم أحال بكر على آخر، جاز وقد تعدد المُحَالُ عليهم، وزيد المحتال واحد، ولو أحلت زيداً على عمرو، ثم أحال زَيْدٌ بَكراً على عمرو، جاز، والتعدد هاهنا في المحتالين وعمرو المُحَالُ عَلَيْهِ وَاحِد، ولو أحلت زيداً على عمرو، ثم ثبت لعمرو عليك مثل ذلك الدين فأحال زَيْداً عليك جاز.
ومنها: لك على رجلين مِائَة على كل واحد خمسون، وكل واحد ضَامِن عن صاحبه فأحالك أحدهما بالمائة على إنسان برئا جميعاً، وإن أحلت على أحدهما بالمائة برئ الثَّانِي؛ لأن الحوالة كالقبض، وإن أحلت عليهما على أن يأخذ المحتال من كل واحدٍ خمسون جَاز، ويبرأ كل واحد مِمَّا ضَمِن، وإن أَحلْتَ عليهما على أن يأخذ المِائَة من أيهما شَاء، فعن ابْنِ سُرَيْجٍ فيه وجهان: وَجْهُ المنع، أنه لم يكن له إلا مطالبة واحد، فلا يستفيد بالحوالة زيادة، كما لا يستفيد بها زيادة قدر وصفة.
ومنها: لك على رَجُلٍ دين، فلما طالبته به قال: قد أحلت فلاناً عَلَىَّ، وفلان غائب فأنكرت، فالقول قولُك مع يمينك، فلو أقام بينة سمعت وسقطت مطالبتك عنه، وهل تثبت الحوالة في حق الغائب حتى لا يحتاج إلى إقامة بينة إذا قَدِم؟ فيه وجهان.

الجزء: 5 - الصفحة: 142

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل