ونقل عن مالك أنه يستثني الجمعة فلا يكتفي فيها بذلك.
وقوله: (كقدر غلوة سهم) ليس للتمثيل المحض، وإنما المراد تقدير القرب كما سبق.
وقوله: (يسمع فيها صوت الإمام) ليس اشتراط ذلك في الغلوة، وإنما هو إشارة إلى أن القدر المذكور يبلغ فيه صوت الإمام إذا جهر لتبليغ المأموم الجهر المعتاد في مثله، وإذا كان كذلك كانا مجتمعين متواصلين، فلذلك قدر القرب به.
وقوله: (ملكاً) معلم بالواو لما تقدم.
وقوله: (مبنياً أو غير مبني) أي: محوطاً أو غير محوطٍ، ويجوز أن يريد المسقف وغير المسقف، فإن الصفة الكبيرة والبيوت الواسعة داخلة في هذه.
الحالة الثانية: أن لا يكون في فضاء واحد.
وقوله: "وإما باتصال محسوس... " إلى رأس الفرع كلام في هذه الحالة فنقول: إذا وقف الإمام في صحن الدار أو في صلتها والمأموم في بيت أو بالعكس، فموقف المأموم قد يكون على يمين موقف الإمام أو يساره، وقد يكون خلفه، وفيهما طريقان للأصحاب:
أحدهما: أن في الصورة الأولى يشترط في جواز الاقتداء أن يكون الصف مُتَّصِلاً مِنَ الْبِنَاءِ الذي فيه الإمام إلى البناء الذي فيه المأموم، بحيث لا تبقى فرجة تسع واقفاً؛ لأن اختلاف البناء يوجب كونهما مفترقين، فلا بد من رابطة يحصل بها الاتصال، فإن بقيت فرجة لا تسع واقفاً فوجهان:
أصحهما: أنه لا يضر؛ لأنه معدود صفاً واحداً، فلو كان بينهما عتبة عريضة يمكن أن يقف عليها رجل وجب أن يقف عليها واحد واثنان من جانبيها، وإن كانت بحيث لا يمكن الوقوف عليها فعلى الوجهين في الفرجة اليسيرة.
وأما في الصورة الثانية ففي جواز الاقتداء وجهان:
أحدهما: المنع؛ لما ذكرنا أن اختلاف البناء يوجب افتراقهما، وإنما جوزنا في اليمين واليسار؛ لأن الاحتمال المحسوس بتواصل المناكب فيه ممكن.
وأظهرهما: الجواز إذا اتصلت الصفوف، وتلاحقت؛ لأن هذا هو القدر الممكن فيه، وكما تمس الحاجة إلى الاقتداء في بناء آخر على اليمين واليسار، تمس إليه في بناء آخر خَلْفَه، فيكتفي فيه بالمُمْكِن، ومعنى اتصال الصُّفُوفِ: أن يقف رجل أو صف في آخر البناء الذي فيه الإمام، ورجل أو صَفٌ في أول البناء الذي فيه المأموم، بحيث لا يكون بينهما أكثر من ثلاثة أذرع، وهذا القدر هو المشروع بين الصَّفَّيْنِ، وإذا وجد هذا
الشرط فلو كان في بناء المأموم بيت على اليمين، أو اليسار اعتبر الاتصال بتواصل المناكب، فهذه طريقة، وبها قال القفال وأصحابه، وكلام القاضي ابن كج يوافقها، وقد حكي أصلها أبو علي صاحب "الإفصاح" عن بعض الأصحاب، لكنه اختار الثانية التي نذكرها.
والثالثة: أنه لا يشترط اتصال الصَّفِّ الواحد، ولا اتصال الصفوف في الصورة الثانية؛ بل المعتبر القرب والبعد على الضبط المذكور في الصحراء، وهذا إذا كان بين البنائين باب نافذ، فوقف بحذائه صف أو رجل، أو لم يكن جدارٌ أصلاً، كالصفة مع الصحن، ولو كان بينهما حائل يمنح الاستطراق دون المشاهدة [كالمشبكات فقد ذكروا فيه وجهين، وإن كان يمنع الاستطراق والمشاهدة] 1 جميعاً لم يجز الاقتداء باتفاق الطريقين؛ نعم، إذا صح اقتداء الواقف في البناء الآخر، إما بشرط الاتصال، أو دونه، فتصح صلاة الصفوف خلفه، وإن كان بينهم وبين البناء الذي فيه الإمام جدار تبعاً له وهم معه كالمأمومين مع الإمام، حق لا يجوز الصَّلاةِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وإن كان متأخراً عن سمت مَوْقِف الإمام إذا لم نجوز التقدم على الإمام، وهو الصحيح، وعن القاضي الحسين تفريعاً على هذا الأصل: أنه لا يجوز أن يتقدم تكبيرهم على تكبيره، وهذه الطريقة الثَّانية حكاها الشَّيخ أبو محمد عن أصحاب أبي إسحاق المروزي، وهي التي يوافقها كلام معظم أصحابنا العراقيين.
ولو وقف الإمام في صحن الدًار والمأموم في مكان عالٍ من سطح، أو طرف صفة مرتفعة، أو بالعكس منه، فبماذا يحصل الاتصال؟ ذكر الشيخ أبو محمد: أنه إن كان رأس الواقف في السُّفل يحاذي ركبة الواقف في العلو جاز الاقتداء، وإن زاد عليه امتنع.
وقال الأكثرون: إن حاذى رأس من في السفل قدم على من على العلو حصل الغرض، وجاز الاقتداء، قال إمام الحرمين: وهذا هو المقطوع به، ولست أرى لذكر الركبة وجهاً؛ أما اعتبار محاذاة شيء من بدن هذا شيئاً من بدن ذاك فمعقول، وإذا كان الانخفاض والارتفاع قدر ما لا يمنع القدور، فلو كان بعض الدين يحصل بهم الاتصال عند اختلاف البنائين على سرير أو متاع، وبعضهم على الأرض لم يضر، ولو كانوا في البحر والمأموم في سفينة والإمام في أخرى، وهما مكشوفتان فظاهر المذهب: أنه يصح الاقتداء إذا لم يزد ما بين الإمام والمأموم على ثلاثمائة ذراع، كما في الصَّحَرَاء، والسفينتان كدكتين في الصَّحَرَاء، يقف الإمام على إحداهما، والمأموم على الأخرى.
وقال الإصطخري: يشترط أن تكون سفينة المأموم مشدودة بسفينة الإمام، ليؤمن من تقدمها عليه، وإن كانت السفينتان مسقوفتين فهما كالدارين، والسفينة التي فيها بيوت كالدار التي فيها ييوت، وحكم المدارس والخانات والرباطات حكم الدور والسرادقات في الصحراء، كالسفن المكشوفة، والخيام كالبيوت.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن قوله: (فيما إذا وقف على يمين الإمام فلا بد من تواصل المناكب).
جواب: على الطريقة الأولى، وينبغي أن يعلم بالواو لمكان الثانية، وبالميم لما سبق حكايته عن مالك، وبالحاء؛ لأنه عند أبي حنيفة فيما حكى الشيخ أبو محمد وغيره: لا يشترط اتصال الصفوف.
وقوله: "فيما إذا وقف أحدهما في علو، والآخر في سفل" الاتصال بموازاة رأس المتسفل ركبة العالي.
جواب على ما سبق نقله عن الشيخ أبي محمد، وقد عزاه الشيخ إلى نص الشافعي -رضي الله عنه- ويجب إعلامه بالواو، لما تقدم، وزيد في بعض النسخ: "لو قدر لكل واحد منهما قامة معتدلة" وهذه إشارة إلى أنه لو كان قصيراً أو قاعداً؛ لكن لو قام فيه رجل معتدل القامة تحصل المحاذاة كفى ذلك، واعتبار القامة المعتدلة لكل واحد منهما إنما ينتظم على الوجه الناظر إلى الركبعة، فأما إذا نظرنا إلى القدم فلا يعتبر ذلك في حق العالي.
وقوله: فالاتصال بهذا ليس على معنى أن كل الاتصال المطلوب يحصل بهذا القدر، وإنما المراد أن هذا لا بد منه حق لو وقف المأموم على صفة مرتفعة والإمام في الصحن، فلا بد على الطريقة المذكورة في الكتاب من وقوف رجل على طرف الصفة، ووقوف آخر في الصحن متصلاً به.
وقوله: "فالاتصال بتلاحق الصفوف" يعني: أن القدر الممكن فيما إذا كان البيت خلف الإمام، هذا النوع من الاتصال وهل هو كافٍ أم لا ويمتنع الاقتداء رأساً؟ فيه الوجهان؛ والأذرع الثلاث معتبرة بالتقريب، فلو زاد شيء لا يتبين في الحس ما لم يدرع فلا بأس به.
وقوله: (وإن زاد على ثلاثة أذرع لم تصح القدوة على أظهر الوجهين).
الوجه الثاني: هو الطريقة الثانية التي شرحناها، وقد تعرض لها في هذه الصورة، ولم يتعرض لها فيما إذا كان البيت على يمين الإمام، فاعرف ذلك.
القسم الثالث: أن يكون أحدهما في المسجد، والآخر خارجه، والفرع الباقي من
الفصل يشتمل على بعض صوره، وهو ما لو وقف الإمام في مسجد والمأموم في موات متصل به فينظر، إن لم يكن بين الإمام والمأموم حائل فلا يشترط اتصال الصف لصحة الاقتداء، ولكن يجب أن يقف في حد القرب، وهو ما دون ثلاثمائة ذراع على ما سبق في الصحراء، ومن أين تعتبر المسافة؟ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال صاحب "التلخيص": إنها تعتبر من آخر صف في المسجد، فإن لم يكن فيه إلا الإمام فمن موقف الإمام؛ لأن الاتصال مرعي بينه وبين الإمام (لا بينه وبين المسجد).
وأظهرهما: أنها معتبرة من آخر المسجد؛ لأن المسجد مبنى للصلاة، فلا يدخل في الحد الفاصل؛ ولهذا لو بَعُد موقف المأموم فيه لم يضر.
وفيه وجه ثالث: أنه لو كان للمسجد حريم، والموات وراءه، فالمسافة تعتبر من الحريم، وحريم المسجد هو الموضع المتصل به المهيأ لمصلحته، كانصباب الماء إليه، وطرح الثلج والقمامات فيه.
وقوله: (فإن لم يكن الحائل) يدخل فيه ما إذا لم يكن بين المسجد والموات جدار أصلاً، وما إذا كان بينهما جدار، لكن الباب النافذ بينهما مفتوح، فوقف بحذائه، والحكم في الحالتين واحد، ثم لو اتصل الصف بمن وقف في المحاذاة وخرجوا عن المحاذاة جاز، ولو لم يكن في الجدار باب نافذ، أو كان ولم يقف بحذائه؛ بل عدل عنه ففيه وجهان عن الشيخ أبي إسحاق المروزي: أنه لا يمتنع الاقتداء، فإنه من جملة أجزاء المسجد.
وقال الْجُمْهُورُ: يمنع؛ لافتراقهما بسبب الحائل، والوجهان في جدار المسجد، فأما غيره فيمنع الاقتداء بلا خلاف.
وقوله: (وإن كان بينهما جدار لم يصح) يجوز أن يريد بين المسجد والموات، ويجب تقييده بما إذا لم يكن بينهما باب نافذ، ويجوز أن يريد بين الإمام والمأموم، وحينئذ يجب تقييده بما إذا لم يكن باب نَافِذ، أو كان ولم يقف بحذائه أحد، وإلاَّ فالاقتداء صحيح، وعلى التقديرين فقوله: (لم يصح) معلم بالواو؛ لما نقل عن أبي إسحاق وبالميم؛ لما سبق عن مالك، ولو كان بينهما باب مردود مغلق فهو كالجدار؛ لأنه يمنع الاستطراق والمشاهدة، ولو كان غير مغلق فهو مانع من المشاهدة دون الاستطراق، ولو كان بينهما مشبك فهو مانع من الاستطراق دون المشاهدة، ففي الصورتين وجهان:
أحدهما: أنه لا يمنع الاقتداء لحصول الاتصال من وجه، وهذا أصح عند إمام الحرمين.
وأظهرهما عند صاحب "التهذيب" والرُّوياني، والأكثرين: أنه يمنع لحصول الحائل من وجه، وجانب المنع أولى بالتغليب، هذا كله في الموات المتصل بالمسجد.
ولو وقف في شارع متصل بالمسجد فهو كالموات، كذلك ذكره الشيخ أبو محمد.
وفيه وجه [آخر] أنه يشترط اتصال الصف بين المسجد والطريق، ولو وقف في حريم المسجد فقد ذكر في "التهذيب": أنه كالموات؛ لأنه ليس بمسجد، وذكر أيضاً أن الفضاء المتصل بالمسجد لو كان مملوكًا فوقف المأموم فيه لم يجز الاقتداء به، حتى يتصل الصَّف من المسجد بالقضاء، وكذلك يشترط اتصال الصف من سطح المسجد بالسطح المملوك، وكذا لو وقف في دار مملوكة متصلة بجنب المسجد يشترط اتصال الصف بأن يقف رجل في آخر المسجد متصلاً بعتبة الدار، وآخر في الدار متصلاً بالعتبة بحيث لا يكون بينهما موقف رجل، وهذا الذي ذكره في الفضاء غير صَافٍ عن الإشكال؛ لأن حكم الفضاء المملوك والموات واحد في ظاهر المذهب كما سبق، فليكن الفضاء المملوك المُتَّصِل بالمسجد كالمَوَاتِ.
وأما في الدور فالذي ذكره مثل الطريقة المذكورة في الكتاب في البنائين المملوكين، وحكى العراقيون عن أبي إسحاق: أنه إذا صلى الرجل في بيته وبينه وبين المسجد جدار المسجد صح، كما سبق في الموات.
وقال أبو علي الطبري في "الإفصاح": لا يشترط اتصال الصفوف إذا لم يكن حائل، ويجوز الاقتداء إذا وقف في حد القرب.
وأما قوله في الكتاب: (ولو كان بينهما شارع إلى آخره) فهذه المسألة لا تختص بما إذا وقف الإمام في المسجد، والمأموم في الموات، بل يجري فيه، وفيما إذا كان في الصحراء وغيرها ما لم يكونا في المسجد على ما تقدم، والمحكى عن مالك أنهما لا يمنعان الاقتداء، وعن أبي حنيفه وأحمد: أنهما يمنعان، وصورة الوجهين فيما إذا كان الإمام في المسجد والمأموم في الموات أن يكون النهر في الموات.
أما إذا كان في المسجد فقد سبق بيانه والله أعلم.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) نِيَّةُ الاقْتِدَاءِ فَلَوْ تَابَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ بَطُلَتْ صَلاتُهُ، وَلاَ يَجبُ تَعْيِينُ الإِمَامِ، ولكِنْ لَوْ عَيَّنَ فَأخْطَأ بَطُلَتْ صَلاتُهُ، وَلاَ يَجِبُ مُوَافَقَةُ نِيَّةِ الإِمَامِ وَالمَأْمُومِ بَلْ يَقْتَدِي (ح م و) فِي الفَرْضِ بِالنَّفْلِ، وَفِي الأَدَاءِ بِالقَضَاءِ وَعَكْسِهِمَا، ولاَ تَجِبُ نِيَّةُ الإِمَامَةِ عَلَى الإِمَامِ وإن اقْتَدَى (ح) بِهِ النِّسَاءُ، فَلَوْ أَخْطَأَ فِي تَعْيِينِ الْمُقْتَدِي لَمْ يَضُرَّ، لِأَنَّ أَصْلَ النَّيَّةِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ.
قال الرافعي: في الفصل ثلاث مسائل:
إحداها: أن من شروط الاقتداء أن ينوي المأموم الجماعة أو الاقتداء 1، وإلا فلا تكون صلاته صلاة جماعة، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نَوَاه، وينبغي أن تكون مقرونةً بالتكبير، كسائر ما ينويه من صفات الصَّلاَة، وإذا ترك نِيَّةَ الاقتداء انعقدت صلاته منفرداً، ثم لو تابع الإمام في أفعاله فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان، نقلهما صاحب "التتمة" وغيره.
أحدهما: لا؛ لأنه أتى بواجبات الصَّلاَة، وليس فيه إلا أنه قارن فعله فعل غيره.
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: نعم: لأنه وقف صلاته على صلاة غيره، لا لاكتساب فضيلة الجماعة، وفيه ما يشغل القلب، وما يسلب الخشوع فيمنع منه، وإذا فرعنا على هذا الوجه فلو شك في نية الاقتداء في أثناء الصلاة نظر، إن تذكر قبل إن أحدث فعلاً على متابعة الإمام لم يضر، وإن تذكر بعد ما أحدث فعلاً على متابعته بطلت صلاتُه؛ لأنه في حالة الشَّكِّ في حكم المنفرد، وليس للمنفرد أن يتابعِ غيره في الأفعال، حتى لو عرض هذا الشك في التّشهد الأخير، لا يجوز أن يقف سلامه على سَلام الإمام، هكذا نقل صاحب "التهذيب" وغيره، وهو مقيس بما إذا شك في أصل النية، وقياس ما ذكره في الكتاب في تلك المسألة أن يفرق بين أن يمضي مع هذا الشك ركن لا يزاد مثله في الصلاة، وبين أن يمضي غيره ويمكنك أن تستفيد من لفظ الكتاب في المسألة فائدتان:
إحداهما: أن تبحث فتقول: اللفظ مطلق يشمل صلاة الجمعة وغيرها، فهل تجب فيها نية الجماعة أيضاً جرياً على إطلاق اللفظ أم لا؟ والجواب: اْنهم حكوا فيه وجهين:
أحدهما: لا؛ لأن صلاة الجمعة لا تصح إلا بالجماعة، فلا حاجة إلى التعرض لها.
وأصحهما: نعم؛ لتتعلق صلاته بصلاة الإمام، فعلى هذا الأصح اللفظ مجرى على إطلاقه.
الثانية: في قوله: "فلو تابع من غير نية" ما ينبه على أن الحكم بالبطلان فيما إذا انتظره ليركع عند ركوعه، ويسجد عند سجوده، فأما إذا اتفق انقضاء أفعاله مع انقضاء أفعال الإمام، ولم ينتظره فهذا لا يسمى 1 متابعة، وهو غير مبطل للصَّلاَةِ، ذكره في "العدة" وشيئاً آخر وهو أن الوجهين في البُطْلاَن فيما إذا طال الانتظار، فأما الانتظار اليسير فلا يؤثر، ثم لا يجب على المأموم أن يعين في نيته الإمام 2، بل يكفي نية الاقتداء بالإمام الحاضر 3، فإن مقصود الجماعة لا يختلف، ولو عين وأخطأ بأن نوى الاقتداء يزيد، فبان أنه عمرو بطلت صلاته، كما لو عين الميت في صلاة الجنازة وأخطأ لا تَصِحّ صلاته، ولو نوى الاقتداء بالحاضر واعتقده زيداً فكان غيره، رأى إمام الحرمين تخريجه على الوجهين فيما إذا قال: بعتك هذا الفرس، وأشار إلى الحمار.
الثانية: اختلاف نية الإمام والمأموم فيما يأتيان به من الصلاة لا يمنع صحة الاقتداء؛ بل يجوز للمؤدي أن يقتدي بالقاضي، وبالعكس، وللمفترض أن يقتدي بالمتنفل وبالعكس، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض، وبه قال أحمد في أصح الروايتين، وكذلك مالك ويروى عنه المنع مطلقاً.
واحتج الشافعي -رضي الله عنه- بما روي عن جابر -رضي الله عنه- قال: "كَانَ مُعَاذَ -رَضِيَ الله عَنْهُ- يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- الْعِشَاءَ؛ ثُمَّ يَنْطَلِقُ إِلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّيهَا بِهِمْ، هِيَ لَهُ تَطَوَّعٌ وَلَهُمْ مَكتُوبَةٌ" 4.
واحتج المزني بأنه إذا جاز النفل خلف من يصلي الفرض جاز الفرض خلف من يصلي النفل، قال الأصحاب: والجامع أنهما صلاتان متفقتان في الأفعال الظاهرة.
الثالثة: لا يشترط لصحة الاقتداء أن ينوي الإمام الإمامة، سواء اقتدى به الرجال أو النساء، خلافاً لأحمد حيث اشترط ذلك، ولأبي حنيفة حيث قال: إن أمَّ نساء لا تصح صلاتهن ما لم ينو إمامتهن، وإنما قصد حجة الإسلام بقوله: وإن اقتدت به النساء التعرض لمذهبه.
لنا على أحمد ما روي عن أنس -رضي الله عنه- قال: "أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يُصَلِّي فَوَقَفْتُ خَلْفَهُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ حَتَّى صِرْنَا رَهْطاً كَثِيراً، فَلَمَّا أَحَسَّ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بنَا أَوْجَزَ في صَلاَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا فَعَلْتُ هذَا لَكُمْ" 1.
ويروى: أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَدْخُلُ فَيَرَى أَبَا بَكْرِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي الصَّلاَةِ فَيَقْتَدِي بِهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَفْعَلُ مِثْلَ ذلِكَ إِذَا رَأَى عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يُصَلِّي" 2 وعلى أبي حنيفة: القياس على ما إذا أمَّ رجلاً، وإذا لم ينو الإمام الإمامة صحت صلاته، بخلاف المأموم، فإن صلاته إنما تبطل بتوقيفه إياها على أفعال من ليس إماماً له، وهاهنا أفعال الإمام غير مربوطة بغيره، وهل تكون صلاته جماعة حتى ينال بها فضيلة الجماعة، فيه وجهان:
أحدهما: نعم لتأدي شعار الجماعة 3 بما جرى، وإن لم يكن عن قصد منه.
وأصحهما: لا، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نَوَى، ويقال: إن القَفَّال سُئِل عمن كان يصلي منفرداً فاقتدى به قوم وهو لا يدري، هل ينال فضيلة الجماعة فقال: الذي يجاب به على فضل الله تعالى: أنه ينالها؛ لأنهم بسببه نَالُوهَا، وهذا كالتوسط بين الوجهين، ومن فوائد الوجهين: أنه إذا لم ينو الإمامة في صلاة الجمعة هل تصح جمعته؛ والأصح أنهما لا تصح، وبه قال القاضي الحسين، وعلى هذا فقوله في الكتاب: (ولا تجب نية الإمامة على الإمام) غير مجرى على إطلاقه، بل الجمعة مستثناه عنه واعلم أن أبا الحسن العبادي حكى عن أبي حفص، وعن القفال: أنه تجب نية الإمامة على الإمام، وأشعر كلامه بأنهما يشترطانها في صحة الاقتداء، فإن كان كذلك فليكن قوله: (ولا تجب نية الإمام [على الإمام] [مع الألف] 4 معلماً بالواو، ولو نوى الإمام الإمامة، وعين في نيته المقتدي فبان خلافه لم يضر، لأن غلطه في النية لا يزيد
على تركها أصلاً، ورأساً، ولو تركها لم يقدح على ما سبق، بخلاف ما إذا أخطأ المأموم في تعيين الإمام، فإن أصل النية واجب عليه.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) تَوَافُقُ نَظْمِ الصَّلاَتيْنِ فَلاَ يَقْتَدِي فِي الظُّهْرِ بِصَلاَةِ الجَنَازَةِ وَصَلاَةِ الخُسُوفِ وَيَقْتَدِي فِي الظُّهْرِ بِالصُّبْحِ، ثُمَّ يَقُومُ عِنْدَ سلاَمِ الإِمَامِ كَالمَسْبُوقِ، فَإِنْ اقْتَدى فِي الصُّبْحِ بِالظُّهْرِ صَحَّ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ عِنْدَ قِيَامِ الإمَامِ إِلَى الثَّالِثَةِ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ أَوْ يَنْتظَرَ الإمَامَ إِلَى الآخِرِ.
قال الرافعي: لو اختلف صلاتا الإمام والمأموم في الأفعال الظاهرة، كما لو اقتدى في فريضة بمن يصلي الجنازة، أو الخسوف هل يجوز؟ فيه وجهان:
أصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه لا يجوز لتعذر المتابعة مع المخالفة في الأفعال.
والثاني -ويحكى عن القفال-: أنه يجوز؛ لأن المقصود من الاقتداء اكتساب الفضيلة، وكل يراعي واجبات صلاته، فعلى هذا إذا اقتدى بمن يصلي الجنازة لا يتابعه في التكبيرات والأذكار بينها؟ بل إذا كبر الإمام الثانية، يخير بين أن يخرج نفسه عن المتابعة، وبين أن ينتظر سلام الإمام، وإذا اقتدى بمن يصلي صلاة الخسوف يتابعه في الركوع الأول، ثم إن شاء رفع رأسه معه [وفارقه] 1 وإن شاء انتظره.
قال إمام الحرمين: وإنما ينتظره في الركوع إلى أن يعود إليه الإمام (ثم يعتدل معه عن الركوع الثاني، ولا ينتظره بعد الرفع؟ لما فيه من تطويل الركن القصير، وإن اتفقت الصلاتان في الأفعال نظر إن توافقت عدد الركعات كالاقتداء في الظهر بالعصر أو بالعشاء جاز وإن كان عدد ركعات الإمام أقل، كما لو اقتدى في الظهر بالصبح جاز أيضاً؛ لأن متابعة الإمام فيما يأتي به متيسرة، ثم إذا تمت صلاة الإمام قام المأموم وأتم صلاته، كما يفعله المسبوق، وبتابع الإمام القنوت كما لو أدرك الإمام في الصُّبْحِ في الركعة الثانية يتابعه في القنوت، ولو أراد أن يفارقه إذا اشتغل بالقنوت فله ذلك، ولو اقتدى في الظهر بالمغرب، فإذا أنتهى الإمام إلى الجلسة الأخيرة يخير المأموم بين المتابعة والمفارقة، كما في القنوت، وإن كان عدد ركعات الإمام أكثر كالاقتداء في الصبح بالظهر، ففي المسألة طريقان:
أحدهما: وهو المذكور في الكتاب أن فيها قولين:
أحدهما: أنه لا يصح الاقتداء؛ لأنه يحتاج إلى الخروج عن صلاة الإمام قبل فراغه، بخلاف ما إذا كانت صلاته أطول، فإنه لا يفارق الإمام ما دام في صلاته.
وأصحهما: أنه يصح كما في الصورة السابقة، والجامع أنهما صلاتان متفقتان في النَّظْمِ، والطريق الثاني القطع بهذا القول الثاني.
قال في "التهذيب"، وهو الأصح-: وإذا فرعنا عليه فإذا قام الإمام إلى الركعة الثالثة فهو بالخيار، إن شاء فارقه وسلّم، وإن شاء انتظره حتى يسلم معه، وإن أمكنه أن يقنت في الركعة الثانية فإن وقف الإمام يسيراً فذاك، وإلا تركه ولا شيء عليه وله أن يخرج عن متابعته ويقنت، ولو اقتدى في المغرب بالظهر، فإذا قام الإمام إلى الرابعة لم يتابعه المأموم، بل يجلس للتشهد ويفارقه، فإذا تشهد سلم، وهل له أن ينتظره؟.
قال في "النهاية": ظاهر المذهب أنه ليس له ذلك، لأنه أحدث تشهداً لم يفعله الإمام بخلاف الصورة السابقة، فإنه وافق الإمام في تشهده ثم استدامه، ومنهم من أطلق وجوب الانتظار في الصورتين، ولو صلَّى العشاء خلف من يصلي التراويح جاز، كما في اقتداء الظهر بالصبح، وقد نقله الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- عن فعل عطاء بن أبي رباح -رضي الله عنه-، ثم إذا سلم الإمام قام إلى باقي صلاته، والأولى أن يتم منفرداً، فلو قام الإمام إلى ركعتين أخريين من التراويح فاقتدى به مرة أخرى هل يجوز؟ فيه القولان اللذان نذكرهما فيمن أحرم منفرداً بالصلاة؟ ثم اقتدى في أثنائها.
وقوله في الكتاب: (توافق نظم الصلاتين) أراد في الأفعال والأركان لا في عدد الركعات، على ما تبين، وصلاة العيدين والاستسقاء كصلاة الخسوف والجنازة أم لا؟ اختلف الأصحاب فيه.
وقوله: (يقتدى في الظهر بالصبح) معلم بالحاء والميم والألف، وكذا قوله: (صح) في المسألة التي بعدها؛ لأنه لا بد وأن يكون أحدهما قضاء، وهم يمنعون من الاقتداء في انقضاء بالأداء، وبالعكس كما سبق، وقوله: (على أحد القولين): معلم بالواو للطريق الأخرى، وفي نسخ "الوسيط" ذكر وجهين بدل القولين، والأول أشهر، ولا يخفى أن قوله: (ثم يتخير) تفريع على صحة الاقتداء.
قال الغزالي: (الخَامِسُ) المُوَافَقَةُ وَهُوَ أَنْ لاَ يَشْتَغِلَ بِمَا تَرَكَهُ الإمَامُ مِنْ سُجُودِ التَّلاَوَةِ أَوْ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ، وَلاَ بَأسَ بِانْفِرَادِهِ بِجَلْسَةِ الاسْتِرَاحَةِ وَالقُنُوتِ إِنْ لَحِقَ الإمَامَ فِي السُّجُودِ.
قال الرافعي: إذا ترك الإمام شيئاً من أفعال الصلاة نظر، إن كان فرضاً كما إذا قام في موضع القعود، أو بالعَكْس، ولم يرجع بعد ما سَبَّحَ به المأموم، فليس للمأموم أن
يتابعه؛ لأنه إما عامداً فصلاته باطله أو ساهٍ فذلك الفعل غير معدود من الصَّلاَةِ وإن لم يكن مبطلاً، وإنما يتابعه في أفعال الصَّلاَةِ، لا في غيرها وإن ترك سنة نظر، إن كان في الاشتغال بها تخلف فاحش، كسجود التلاوة والتشهد الأول، فلا يأتي بهما المأموم قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" 1 ولو اشتغل بهما بطلت صلاته؛ لعدوله من فرض المتابعة إلى السُّنة، ويخرج عن هذا جود السَّهْوِ، يأتي به وإن تركه الإمام؛ لأنه يفعله بعد خروج الإمام من الصلاة فلا مخالفة، وكذا يسلم التسليمة الثَّانية إذا تركها الإمام، وإن لم يكن فيه إلا تخلف يسير كجلسة الاستراحة فلا بأس بانفراده بها كما لا بأس بزيادتها في غير موضعها، وكذلك لا بأس بانفراده بالقنوت إذا لحقه على القرب.
وقوله: (إن لحق الإمام في السجود) يعني في السجدة الأولى، فأما إذا كان اللحوق في الثانية فيكثر التخلف وسيأتي بيان التخلف المبطل في الفصل التَّالي لِهَذَا.
قال الغزالي: (السَّادِسُ) المُتَابَعَةُ فلَا يَتَقَدَّمُهُ وَلاَ بَأْسَ بِالمُسَاوَقَةِ إِلاَّ فِي التَّكْبِيرِ فَإِنَّهُ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأخِيرِ، وَالأَحَبُّ التَّخَلُّفُ فِي الكُلِّ مَعَ سُرْعَةِ اللُّحُوقِ، فَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْن لَمْ يَبْطُلْ وَإنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنَيْنِ مِنْ غيرِ عُذرِ بَطُلَ (ز).
وَالأَصَحُّ بِأنَّه إِذَا رَكَعَ قَبْل أَنْ يَبْتَدِئَ الإِمَامُ الهَوِيَّ إلَى السُّجُودِ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ ابْتَدَأَ الهُوِيَّ لَمْ تَبْطُلْ أَيْضًا عَلَى وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الاعتِدَالَ لَيْسَ رُكْناً مَقْصُودًا، فَإِنْ لاَبَسَ الإِمَامُ السُّجُودَ قَبْلَ رُكُوعِهِ بَطُلَ، وَالتَّقَدُّمُ كَالتَّخَلُّفِ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ وإنْ كَانَ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ.
قال الرافعي: يجب على المأموم أن يتابع الإمام، ولا يتقدم عليه في الأفعال؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَبَادِرُوا الإمَامَ، إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وإذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا" 2.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَالْإمَامُ سَاجِدٌ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ" 3 والمراد من المتابعة أن يجري على أثر الإمام، بحيث يكون ابتداؤه بكل واحدٍ منها متأخراً، عن ابتداء الإمام، ومتقدمًا على فراغه.
روي عن البراء بن عازب قال: "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَإِذَا قَالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهرُهُ، حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ" 4 فلو خالف
وترك المتابعة على التفسير المذكور لم يخل إما أن يساوق فعله فعل الإمام، وإما أن يتخلف عنه، أو يتقدم عليه.
الحالة الأولى: أن يساوق فعله فعل الإمام، أما التكبير فالمساوقة فيه تمنع انعقاد صلاة المأموم، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا ظاهر قوله: "فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا"، ويخالف الركوع وسائر الأركان، حيث تحتمل المساوقة فيها؛ لأن الإمام حينئذ في الصَّلاَةِ فينتظم الاقْتِدَاء به ولو شَكَّ في أن تكبيره هل وقع مساوقاً لم تنعقد صلاته أيضاً، ولو ظن أنه لاحق فبان خلافه فلا صلاة له، ويشترط تأخير جميع التكبير عن جميع تكبيرات الإمام، ويستحب للإمام أن لا يكبر حتى تستوي الصفوف، ويأمرهم بذلك مُتَلَفِّتًا يَمِيناً وشمالاً، وإذا فرغ المؤذن من الإقامة قَام النَّاسَ واشتغلوا بتسوية الصُّفوف.
وقال أبو حنيفة: يشتغلون به عند قوله: حَيَّ على الصَّلاة، وأما ما عدا التكبير، فغير السَّلام يجوز فيه المساوقة، وفي السَّلام وجهان:
أحدهما: أنه لا يجوز فيه المساوقة اعتباراً للتحلل بالتحرم.
والثاني: يجوز كسائر الأركان، وذكر بعضهم أن الوجهين مبنيان على أن نية الخروج هل تشترط؟ إن قلنا: نعم، فالسَّلام كالتكبير وإن قلنا: لا، فهو كسائر الأركان، والأصح من الوجهين أن المساوقة لا تضر، وهو المذكور في الكتاب.
وقوله: (لا بأس بالمساوقة إلا في التكبير) معلم بالواو؛ للوجه الصائر إلى إلحاق السلام بالتكبير، وليس المراد من قوله: (لا بأس) التسويغ المطلق، فإن صاحب "التهذيب" وغيره ذكروا أنه يكره الإتيان بالأفعال مع الإمام، وتفوت به فضيلة الجماعة، وإنما المراد: أنها لا تفسد الصلاة.
وقوله: (فإنه لا بد فيه من التأخير) معلم بالحاء.
وقوله: (والأحب التخلف في الكل مع سرعة اللحوق) المراد منه ما ذكرنا في تفسير المتابعة.
الحالة الثانية: أن يتخلف عن الإمام، وذلك إما أن يكون بغير عذر، أو بعذر، فإن تخلف من غير عُذْرٍ نظر، إن تخلف بركن واحد فقد حكى صاحب "النهاية" فيه وجهين:
أحدهما: أنه مبطل للصَّلاةِ؛ لما فيه من مخالفة الإمام.
وأظهرهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه غير مُبْطِلٍ.
واحتج له بعضهم بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تُبَادِرُوني بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَمَهْمَا أسْبِقكُمْ بِهِ إِذَا رَكَعْتُ تُدْرِكُونِي
إِذَا رَفَعتُ، وَمَهْمَا أَسْبِقكُمْ بِهِ حِينَ سَجَدْتُ تُدرِكُونِي حِينَ رَفَعْتُ" 1.
وإن تخلف بركنين بطلت صلاته؛ لكثرة المخالفة.
ومن صور التخلف بغير عذر: أن يركع الإمام وهو في قراءة السورة بعد الفاتحة، فيشتغل بإتمامها، وكذا التخلف للاشتغال بتسبيحات الركوع والسجود، ومن المهمات في هذا المقام البحث عن شيئين:
أحدهما: معنى التخلف بالركن والركنين.
والثاني: أن الحكم هل يعم جميع الأركان أم يفرق بين ركن وركن.
واعلم أن في قوله: (والأصح [أنه] 2 إذا ركع...) إلى آخره تعرضاً لهما جميعاً، فنشرحه ونقول: من أركان [الصلاة] (3) ما هو قصير، ومنها ما هو طويل، أما القصير فالاعتدال عن الركوع، وكذا الجلوس بين السجدتين على الأظهر كما تقدَّم، وأما الطَّويل فما عداهما، وما هو طويل فهو مقصود في نفسه، والقصير هل هو مقصود في نفسه؟ أشار في "النهاية" إلى ترددٍ فيه لِلأصْحَابِ، فَمِنْ قَائِلٍ: نعم كالطويل، وَمِنْ قَائِلٍ: لا، فإن الغرض منه الفَصْل، فهو إذا تابع لغيره، وهذا ما ذكره في "التهذيب"، ثم نقول بعد هذه المقدمة: إذا ركع الإمام قبل المأموم ثم ركع المأموم، وأدركه في ركوعه، فليس هذا تخلفاً بركن، ولا تبطل به الصلاة وفاقاً لأنه لحق الإمامَ قبل تمام الرُّكنِ الذي سبقه به.
ولو اعتدل الإمام والمأموم بعد قائم، فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان: واختلفوا في مأخذهما [فقيل: مأخذهما] (4) التردّد في أن الاعتدال هَلْ هُوَ مقصودٌ أم لا؟ إن قلنا: نعم، فقد فارق الإمام ركناً، واشتغل بركن آخر مقصود؛ فتبطل صلاة المتخلف، وإن قلنا: إنه ليس بمقصود، فهو كما لو لم يفرغ من الركوع، لأن الذي فيه تبع له، فلا تبطل صلاته وقيل: إن مأخذهما الوجهان اللذان سبقا في أن التخلف بركن واحد، هل يبطل أم لا؟ إن قلنا: نعم فقد تخلف بركن الركوع تاماً فتبطل صلاته، وإن قلنا: لا، فما دام في الاعتدال لم يكن الركن الثاني تاماً، فلا تبطل صلاته، وإذا هوى إلى السجود، ولم يَنْتَهِ إليه والمأموم بعد قائم، فعلى المأخذ الأول لا تبطل صلاته؛ لأنه يشرع في ركن مقصود، وعلى المأخذ الثاني تبطل، لأن ركن الاعتدال قد تم، هكذا ذكره إمام الحرمين، والمصنف في "الوسيط"، وقياسه.
أن يقال: إذا ارتفع عن حد
الركوع، والمأموم بعد في القيام فقد حصل التخلف بركن واحد، وإن لم يعتدل حتى تبطل الصلاة عند من يجعل المتقدم بركن واحد مبطلاً.
أما إذا انتهى الإمام إلى السجود، والمأموم في قيامه بطلت صلاته وفاقاً.
واعرف بعد هذا أمرين:
أحدهما: أنا إن اكتفينا بابتداء الهَوِيّ عند الاعتدال، وابتداء الارتفاع عند حد الركوع، فالتخلف بركنين هو أن يتم للإمام ركنين، والمأموم بعد فيما قبلهما، وبركن واحدٍ هو أن يتم الإمام الركن الذي سبق إليه، والمأموم فيما قبله، وإن لم يكتف بذلك فللتخلف شرط آخر وهو أن لا يلابس مع تمامهما أو تمامه ركناً آخر، فحصل خلاف في تفسير التخلف كما ترى.
والثاني: أن قوله: (وإن تخلف بركن لم تبطل) ينبغي أن يعلم بالواو؛ لما سبق نقله من الوجهين، وإيراد صاحب "التهذيب" يشعر بترجيح وجه البطلان، فيما إذا تخلف بركنٍ كاملٍ مقصود، ويصرح بترجيح عدم البطلان، فيما إذا تخلف بركن غير مقصود، كما إذا استمر في الركوع حتى اعتدل الإمام وسجد.
وقوله: (وإن تخلف بركنين من غير عذر بطل) يبين أن التخلف بالعذر بخلافه، وإن لم يذكر حكمه في الكتاب.
وقوله: (فيما إذا ركع المأموم قبل أن يبتدئ الإمام بالهوي إلى السجود: أن الأصح عدم البطلان، ليس بناء على المأخذ الأول، وهو أن الاعتدال غير مقصود؛ لأن الأكثرين سووا بينه وبين سائر الأركان، والإمام استبعد التردد فيه، ومال إلى الجزم بكونه مقصوداً، والمصنف يساعده في الأكثر، ويوضحه أنه أطلق البطلان في التخلف بركنين، ولم يفرق بين ركن وركن، فإذا هو بناء على المأخذ الثاني، ويصير إلى أن التخلف بالركنين إنما يحصل إذا شرع في ركن ثالث فاعرف ذلك.
وقوله: (فإن ابتدأ بالهوي لم تبطل أيضاً على وجه) إشارة إلى المأخذ الأول، ولم يذكر هاهنا أن الأصح عدم البطلان؛ بل في سياق الكلام ما يشعر بأنه لا يرتضيه، هذا تمام الكلام فيما إذا تخلف بغير عذر.
وأما العذر.
فأنواع:
منها: الخوف، وسنذكره في صلاة الخوف.
ومنها: أن يكون المأموم بطيء القراءة 1، والإمام سريعها، فيركع قبل أن يتم المأموم الفاتحة، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يتابعه ويسقط عنه الباقي، فعلى هذا لو اشتغل بإتمامها كان متخلفاً بغير عذر.
وأصحهما: وهو الذي ذكره صاحب "التهذيب"، وإبراهيم المروزي: أنه لا يسقط، وعليه أن يتمها، ويسعى خلف الإمام على نظم صلاته ما لم يسبقه بأكثر من ثلاثة أركان مقصودة، فإن زاد على ثلاثة أركان فوجهان:
أحدهما: أنه يخرج عن متابعته؛ لتعذر الموافقة.
وأظهرهما: أن له أن يدوم على متابعته وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: أنه يراعي نظم صلاته، ويجري على إثره، وهو معذور، وبهذا أفتى القفال.
وأظهرهما: أنه يوافقه فيما هو فيه، ثم يقضي ما فاته بعد سلام الإمام، وهذان الوجهان كالقولين في مسألة الزحام.
ومنها أخذ التقدير بثلاثة أركان مقصود، فإنه إنما يَحْصُل القولان في تلك المسألة إذا ركع الإمام في الثانية، وقبل ذلك لا يوافقه، وإنما يكون التخلف قبله بالسَّجْدَتَيْنِ والقِيَام، ولم يعتبر الجُلوس بين السَّجدتين على مذهب من يقول: إنه غير مقصود، ولا يجعل التخلف بغير المقصود مؤثراً، وأما من لا يفرق بين المقصود وغير المقصود أو يفرق ويجعل الجلوس مقصوداً؛ لأنه ركن طويل، وهو المرضي عند صاحب الكتاب، والقياس على أصله، التقدير بأربعة أركان أخذاً من مسألة الزِّحَامِ.
ولو اشتغل المأموم بدعاء الاستفتاح، ولم يتم الفاتحة لذلك، وركع الإمام فيتم الفاتحة كما في بطيء القراءة، وهو معذور في التخلف، ذكره في "التهذيب"، وكل هذا في المأموم الموافق، فأما المسبوق إذا أدرك الإمام في القيام، وخاف ركوعه فينبغي أن لا يقرأ دعاء الاستفتاح؛ بل يبادر إلى قراءة الفاتحة، فإن الاهتمام بشأن الفرض أولى، ثم إن ركع الإمام في أثناء الفاتحة ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يسقط عنه ما بقي من الفاتحة، ويركع معه.
والثاني: أن يتم الفاتحة؛ لأنه أدرك القيام الذي هو محلها.
والثالث -وبه قال أبو زيد، وهو الأصح عند القفال والمعتبرين-: بأنه إن لم يقرأ شيئاً من دعاء الاستفتاح يقطع القراءة ويركع معه، ويكون مدركاً للركعة؛ لأنه لم يدرك إلا ما يقرأ فيه بعض الفاتحة، فلا يلزمه فوق ذلك كما إنه إذا لم يدرك شيئاً من القيام لا يلزمه شيء من الفاتحة، وإن قرأ شيئاً من دعاء الاستفتاح لزمه بقدره من الفاتحة لتقصيره بالعدول من الفريضة إلى غيرها.
فإن قلنا: عليه إتمام الفاتحة فتخلّفه ليقرأ تخلف بالعُذر 1، ولو لم يتم ورَكَعَ مع الإمام بَطَلَتْ صَلاتُه.
وإن قلنا: إنه يركع فلو اشتغل بقراءة البَقِيَّة، كان هذا تَخَلُّفاً بِغَيْرِ عُذْرٍ، فإن سبقه الإمام بالركوع وقرأ هذا المسبوق الفاتحة، ثم لحقه في الاعتدال، فلا يكون مُدْرِكاً للركعة، وأصح الوجهين أنه لا تبطل صلاته، إذا فرعنا على أن التقدم بركن واحدٍ لا يبطل كما في حق غير المسبوق.
والثاني: تبطل؛ لأنه ترك متابعة الإمام، فيما فاتت به الركعة، وكانت بمثابة السبق بركعة.
ومنها: الزحام، وسيأتي في الجمعة.
ومنها: النسيان، فلو ركع مع الإمام، ثم تذكر أنه نسي الفاتحة، أو شك في قراءتها، فلا يجوز أن يعود؛ لأنه فات محل القراءة، فإذا سلم الإمام قام، وتدارك ما فاته، ولو تذكر أو شَكَّ بعد ما رَكَعَ الإمامُ، وهو لم يركع بعد، لم تسقط القراءة بالنِّسيان، وماذا يفعل؟ فيه وجهان منقولان في "التهذيب":
أحدهما: أنه يركع معه، فإذا سلم الإمام قام وقضى الركعة.
والثاني: أنه يتمها أولاً، وهذا أشبه وبه أفتى القفال، وعلى هذا فتخلفه ليقرأ تَخَلُّفُ مَعْذُورٍ أم لا؟ فيه وجهان حكاهما صاحب "التتمة".
وأظهرهما: أنه تَخَلُّفُ مَعْذُورٍ.
والثاني: لا لتقصيره بالنسيان.
الحالة الثالثة: أن يتقدم على الإمام إما في الركوع والسجود وغيرهما من الأفعال الظاهرة، فينظر: إن كان لم يسبق بركن كامل لم تبطل صلاته؛ لأنه مخالفة يسيرة.
مثاله: ما إذا ركع قبل الإمام ولم يرفع حتى ركع الإمام، وعن بعض الأصحاب أنه تبطل إذا تعمد، وحكاه الإمام عن الشيخ أبي محمد، ووجهه أن التقدم يناقض
الاقتداء بخلاف التخلف، وعلى الصحيح لو فعل ذلك عمداً لم يجز أن يعود، ولو عاد بطلت صلاتُه؛ لأنه زادَ ركناً، هكذا ذكره صاحب "النهاية" و"التهذيب" وحكى العراقيون على النَّصِّ أنه يستحب أن يعود إلى موافقته وركع معه، وقد مر ذكر هذه المسألة، ولو فعله سهواً فوجهان:
أحدهما: أنه يجب العود، ولو لم يعد بطلت صلاته.
وأظهرهما: أنه لا يجب، وإنما هو بالخيار، إن شاء عاد وإلا فلا، وإن سبق الإمام بركنين فصاعداً بطلت صلاته، إن كان عامداً عالماً بأنه لا يجوز؛ لتفاحش المخالفة، وإن كان ساهياً أو جاهلاً لم تبطُل، لكن لا يُعْتَد بتلك الرَّكْعَة فيتداركها بعد سَلاَمِ الإمام، والتقدم بركنين لا يخفى قياسه، مما مر في التخلف 1، ومثَّل أئمتنا العراقيون ذلك بما إذا ركع قبل الإمام، فلما أراد الإمام أن يركع رفع، فلما أراد أن يرفع سجد، فلم يجتمع معه في الركوع ولا في الاعتدال، وهذا يخالف ذلك القياس، فيجوز أن يقدر مثله في التخلف، ويجوز أن يخصص ذلك بالتقدم؛ لأن المخالفة فيه أفحش، وإن سبقه بركن واحد، كما إذا ركع قبل الإمام ورفع رأسه، والإمام في القيام، ثم وقف حق رفع الإمام، واجتمعا في الاعتدال فالذي ذَكَرَه الصيدلاني وقوم: أنه تبطل صلاته؛ لتعمد المخالفة، وبعد هذه المخالفة عما يناسب حال المقتدي.
قالوا وهذا في التقدم بالركن المقصود، فأما إذا سبق الاعتدال بأن اعتدل وسجد والإمام بعد في الركوع، أو سبق بالجلوس بين السجدتين، كما إذا رفع رأسه عن السجدة الأولى وجلس وسجد الثَّانية، والإمام بعد في الأولى فوجهان كما ذكرناهما في حالة التَّخَلُّفِ.
وقال أصحابنا العراقيون وأخرون: إن التقدم بركن واحد لا يبطل الصَّلاة؛ لأنه مخالفة يسيرة فهي بمثابة التخلف، وهذا أظهر وأشهر، ويحكى عن نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه-، هذا في الأفعال الظاهرة، وأما التكبير فالسبق به غير محتمل على ما قدمناه.
وأما قراءة الفاتحة وفي معناها التشهد، فالسبق بها على الإمام غير مبطل، وإن
قلنا إن السَّبْقَ بتمام الركوع مُبْطِلٌ لأنه لا تظهر به المخالفة، وفي "التتمة" حكاية وجه ضعيف أنه يبطل كالركوع، وعلى هنا المذهب هل تقع محسوبة أو يجب إعادتها مع قراءة الإمام أو بعدها؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنها تقع محسوبة.
إذا عرفت ما ذكرناه ونظرت في قوله: (والتقدم كالتخلف) سبق إلى فهمك أنه جواب على ما ذكره العراقيون، وحكوه عن النَّصِّ وهو أن التقدم بركن واحد لم يبطل، وهذا هو الذي أورده في التخلف، وحمل قوله: (وقيل: إنه يبطل، وإن كان بركن واحد) على ما رواه الصيدلاني، وغيره هذا تنزيل صحيح لكنه نقل الوجه الثاني، في "الوسيط" عن الشيخ أبي محمد، وليس في "النهاية" تعرض لذلك، والمشهور عنه 1 ما قدمناه أن المبادرة إلى الركن مبطلة 2، أن لم يسبق بتمامه، فإن لم يثبت عن الشيخ إلاَّ ذا وإن كان القول به قولاً بالبطلان عند السبق بتمام الركن فإن كان المراد ما اشتهر عن الشيخ فالتقدم في لفظ الكتاب، وفي "الوسيط" محمول على المبادرة إلى الركن، من غير أن يسبق بتمام -والله أعلم-.
قال الغزالي: فُرُوعٌ المَسْبُوقُ يَنْبَغِي أَنْ يُكَبِّر لِلْعَقْدِ ثُمَّ لِلْهَويَ، فَإنْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ جَازَ، إِلاَّ إِذَا قَصَدَ بِهِ الهَوِيَّ، فَإِنْ أَطْلَقَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِتَعَارِضُ القَرِينَةِ.
قال الرافعي: المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع يكبر للافتتاح، وليس له أن يشتغل بقراءة الفاتحة، بل يهوي للركوع ويُكَبِّرُ له تكبيرةً أخرى؛ وكذلك الحكم لو أدركه قائماً فكبر، وركع الإمام كما كَبَّر، ولو اقتصر على تكبيرة واحدة، فلا يخلو من إحدى أحوال أربع:
الأول: أن ينوي بها تكبيرة الافتتاح فتصح صلاته؛ لأن تكبيرة الركوع سُنَّة، ويشترط وقوعها في حال القيام كما تقدم.
الثاني: وأن ينوي بها تكبيرة الركوع، فلا تصح.
الثالث: وأن ينوي بهما جميعاً، فظاهر المذهب أنها لا تصح أيضاً؛ لأنه يشرك بين الفرض وغيره، الذي لو اقتصر على قصد الفرض لم يحصل به ذلك الغير، فأشبه ما لو تحرم بفريضة ونافلة، ويخالف ما إذا اغتسل للجنابة والجمعة ونظائره.
وفيه وجه أن صلاته تنعقد نفلاً، نقله القاضي ابن كج عن حكاية أبي حامد القَاضِي.
والرابعة: أن لا ينوي هذا ولا ذاك بل يطلق التكبيرة.
قال بعض الأصحاب: تنعقد صَلاتُه؛ لأن قرينة الافتتاح تصرفها إليه، والظاهر أنه لا يقصد الهَوِيّ ما لم يتحرم، وحكى أصحابنا العراقيون عن نصه في: "الأم": أنها لا تنعقد؛ لأن قرينة الهَوِيّ تصرفها إليه، وإذا تعارضَتِ القرينتان فلا بُدَّ من قَصْدٍ صَارِفٍ، وإلا فَهِي بمثابة ما لو قصد التشريك بينهما، ومَيْلَ إمام الحرمين إلى الوجه الأول، وظاهر المذهب عند الجمهور الثاني.
وقوله في الكتاب: (جاز إلا إذا قصد به الهَوِيَّ) ليس العصر للاستثناء فيه، بل قوله: (فإن أطلق) في معنى المستثنى، وكأنه قال: وإلا إذا أطلق نعم، هذا مختلف فيه وذاك متفق عليه، ثم لا بد من استثناء الحالة الثالثة أيضاً، وإن لم يتعرض لها، والمراد من التردد الذي أطلقه القول المنصوص، والوجه المقابل له.
وقوله: (لتعارض القرينة) يجوز أن يكون إشارةً إلى توجيه الخلاف، ويجوز أن يكون علة لعدم الانعقاد، أي: إذا تعارضتَا فلا بُدَّ من قصدٍ مُخَصَّصٍ.
قال الغزالي: وَلَوْ نَوَى قَطْعَ القُدْوَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ فَفِي بُطْلاَنِ صَلاَتِهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ يُفَرِّقُ الثَّالِثُ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغيْرَ الْمَعْذُورِ، وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ إِذَا أَحْدَثَ الإِمامُ لَمْ تَبْطُلْ (ح) صَلاةُ الْمَأْمُومِ.
قال الرافعي: إذا أخرج المأموم نفسه عن متابعة الإمام، ففي بطلان صلاته قولان:
أحدهما: أنها تبطل لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ" 1.
وأيضاً فإنه التزم بالاقتداء، وانعقدت صلاته على حكم المتابعة، فكيف بها.
والثاني: لا تبطل؛ لما روي "أَنَّ مُعَاذًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَمَّ قَوْمَهُ لَيْلَةً فِي صَلاَةِ الْعِشَاءِ بَعْدَ مَا صَلاَّهَا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَافْتَتَحَ سُوَرَةَ الْبَقَرَةِ فَتَنَحَّى مِنْ خَلْفِهِ رَجُلٌ، وَصَلَّى وَحْدَهُ فَقِيلَ لَهُ: نَافَقْتَ ثُمَّ ذَكَرَ ذلِكَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ أَخَّرْتَ الْعِشَاءَ، وَإِنَّ مُعَاذاً صَلَّى مَعَكَ، ثُمَّ أَمَّنَا وافْتَتَح سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّمَا نَحْنُ أَصْحَابُ نَوَاضِح، نَعْمَل بِأَيْدِينَا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذلِكَ تَأَخَّرْتُ، وَصَلَّيْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَفُتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ اقرَأ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا، وَلَمْ يَأْمُرِ الرَّجُلَ بِالإعَادَةِ" 2.
وأيضاً فإن الجماعة سُّنة، والتطوعات لا تلزم بالشروع، وهذا أصح القولين.
وعن الإصطخري أنه قطع به، ولم يثبت في المسألة قولين، والأشهر إثباتهما، ثم اختلفوا في محلها على طرق.
أصحها: أن القولين فيمن خرج عن متابعة الإمام بغير عذر، فأما المعذور فيجوز له الخروج بلا خلاف، "وَلهذَا فَارَقَتِ الْفِرْقَةُ الأُولَى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في صَلاَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، بَعْدَ مَا صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً" 1.
قال إمام الحرمين: والأعذار كثيرة والأقرب المعتبر فيها أن يقال: كل ما يجوز ترك الجماعة به ابتداء يجوز ترك الجماعة به بعد الشروع فيها، وألحقوا بها ما إذا ترك الإمام سُنَّة مقصودةٌ كالتشهد الأول، والقنوت وما إذا لم يصبر على طول القراءة لضعف، أو شغل، وعن الشيخ أبي حامد: ما ينازع في هذا الأخير؛ لأنه حكي في "البيان" عنه أنه جعل انفراد الرجل عن معاذ انفراداً بغير عذر.
والطريق الثاني: أن القولين فيما إذا خرج بغير عذر، فأما غير المعذور لو خرج بطلت صلاتُه قولاً واحداً.
والثالث: أن القولين في الكُلُّ، ويحكى أنه اختيار الحليمي، ونظم الكتاب يوافق هذه الطريقة؛ لأنه جمع بين الحالتين، وأطلق ثلاثة أقوال، وإنما ينتظم ذلك عند من يثبت الخلاف في الحالتين، وإذا كان كذلك فيجوز أن يعلم قوله: (ثلاثة أقوال) بالواو؛ للطريقة الأولى والثانية، فإن كل واحدة منهما لا يثبت الخلاف إلا في حالة؛ ولما نقل عن الإصطخري فإنه نفى الخلاف فيهما.
وعند أبي حنيفة: تبطل صلاته بالمخالفة سواء كان بعذر أو بغير عذر، وعند أحمد: يجوز بالعُذْرِ، ولا يجوز بغير عُذْر في أَصَّحِّ الروايتين.
وقوله: (وعلى كل قول...) إلى آخره فالغرض منه بيان أن الخلاف فيما إذا قطع المأموم القدوة والإمام في صلاته، فأما إذا انقطعت القدوة لحدث الإمام فليس هذا موضع الخلاف، ولا تبطل صلاة المأموم بحال؛ لأنه لم يحدث شيئاً.
وقوله: (لم تبطل صلاة المأموم) معلم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة: لو تعمد الحدث بطلت صلاة المأمومين، وكذا لو سبقه الحدث ولم يستخلف.
قال الغزالي: وَالمُنْفَرِدُ إِذَا اقْتَدَى فِي أَثْنَاءِ صَلاَتِهِ لَمْ يَجُزْ فِي الجَدِيدِ.
قال الرافعي: لو أقيمت الجماعة وهو في الصلاة منفرداً نظر، إن كان في فريضة الوقت فقد قال الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر": أحببت أن يكمل ركعتين، ويسلم ويكونان له نافلة، ويبتدي بالصلاة مع الإمام.
ومعناه؛ أن يقطع نِيَّةَ الفريضة وَيقْلِبُهَا نَفْلاً، وفيه وفي نظائره خلاف قدمناه في مسائل النية في "باب صفة الصَّلاَة" ثم ما ذكره فيما إذا كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية ولم يكمل بعد ركعتين، فأما إذا كانت ذات ركعتين أو أكثر وقد قام إلى الثالثة فيتمها ثم يدخل في الجماعة، وإن كان في فائتة فقد قال القاضي الحسين -رحمه الله-: لا يستحب أن يقتصر على ركعتين، ليصلي تلك الصلاة بالجماعة، لأن الفائتة لا تشرع لها الجماعة بخلاف ما لو شرع في الفائتة في يوم غَيْم فانكشف الغيم، وخاف فوات الحاضرة يسلم عن ركعتين، ويشتغل بالحاضرة؛ لأن مراعاة الوقت أولى من مراعاة الجماعة، وإن كان في نافلة وأقيمت الجماعة فإن لم يخش فوتها أتمها، وإن خشيه قطعها ودخل في الجماعة، فأما إذا لم يسلم عن الصَّلاة التي أحرم بها منفرداً واقتدى في خلالها ففيه طريقان:
أصحهما: أن فيه قولين:
أحدهما: لا يجوز وتبطل صلاتُه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وكذلك أحمد في أصح الروايتين؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَخْتَلِفُوا عَلَى إِمَامِكُمْ".
وهذا يقضي إلى الاختلاف، وأيضاً قال: "فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا" أمر المأموم بأن يكبر إذا كَبَّر الإمام، وهذا كَبَّر قبله.
وأصحهما: أنه يجوز، وبه قال المُزني؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "صَلَّى بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي صَلاَتِهِ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ: كَمَا أَنْتُمْ، وَخَرَجَ وَاغْتَسَلَ وَعَادَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ وَتَحَرَّمَ بِهِمْ" 1.
ومعلوم أنهم أنشأوا اقتداءً جديداً إذ تبين أن الأول لم يكن صحيحاً، وأيضاً فإنه يجوز أن يصلي بعض الصلاة منفرداً ثم يقتدي به جماعةً فيصير إماماً، وكذلك يجوز أن يصير مأموماً بعد ما كان منفرداً.
والطريق الثاني: القطع بالمنع، حكى الطريقين الشيخان أبو محمد، والصيدلاني، وغيرهما، والمشهور إثبات القولين، ثم اختلفوا في محلهما على طرق:
أحدها -وبه قال القاضي أبو حامد-: أن القولين فيما إذا لم يركع المنفرد بعد في
صلاته، فأما بعده فلا يجوز الاقتداء قولاً واحداً؛ لأنه يخالف الإمام في الترتيب وموضع القيام والقعود، فلا تَتَأتَى المتابعة.
وثانيهما: أن القولين فيما إذا اقتدى بعد الركوع، فأما قبله فيجوز قولاً واحداً، وبه قال أبو إسحاق واختاره القاضي أبو الطيب.
وأصحهما: أن القولين يطردان في الحالتين، وحكي في "التهذيب" طريقة الفرق بعبارة أخرى، فقال: منهم من قال: والقولان فيما إذا اتفقا في الرَّكْعَةِ، فإن اختلفا وكان الإمام في ركعة، والمأموم في أخرى متقدماً، أو متأخراً لا يجوز، وهذا هو الوفاء بالنظر إلى اختلاف الترتيب، وإذا جوزنا الاقتداء على الإطلاق، واختلفا في الركعة قعد المأموم في موضع قعود الإمام، وقام في موضع قيامه، وإذا تم صلاة المأموم أولاً لم يوافق الإمام في الزيادة، بل إن شاء فارقه وإن شاء انتظره في التشهد، وطَوَّلَ الدعاءَ ليتم صلاته فيسلم معه، وإن تم صلاة الإمام أولاً قام المأموم وأتمَّ صلاتَه، كما يفعل المسبوق، وإذا سَهَا المأمومُ قبل الاقتداء لم يتحمل عن الإمام، [بل إذا سلَّم الإمام سجد هو لسهوه، وإن سَهَا بعد الاقتداء تحمل عنه الإمام] 1 وإن سَهَا الإمام قبل الاقتداء أو بعده لحق المأموم، ويسجد مع الإمام، ويعيد في آخر صلاته على الأصح على ما ذكرناه في المسبوق.
وقوله في الكتاب: (لم يجز على الجديد) جواب على الطريقة المشهورة [وهي إثبات الخلاف في المسألة، وظاهره يوافق الطريقة المشهورة بعد إثبات الخلاف] 2 وهي طرده في الأحوال كلّها.
وأما تعبيره عن قول المنع بالجديد، فهكذا ذكره الشيخ أبو محمد، والمسعودي، وغيرهما.
وقالوا: قوله في "المختصر": "وكرهت أن يفتتحها صلاة انفراداً، ثم يجعلها صلاة جماعة" أراد به أني لا أجوزه، وجعلوا الجواز قوله القديم.
وقال صاحب "المهذب" وشيخه أبو القاسم الكرخي، وآخرون: يجوز ذلك في القديم والجديد معاً، وحكوا قول المنع عن "الإملاء" وأرادوا بالجديد "الأم" ونقلوا الجواز عنه.
واعلم أن "الإملاء" محسوب من الكتب الجديدة، فيحصل عما نقلوه عنه وعن "الأم" قولان في الجديد، ويمكن تنزيل التعبيرين عليهما، وبتقدير انحصار المنع في (1)، (2) سقط من (ب).
الجديد على ما يشعر به لفظ الكتاب، فالمسألة مما يفتي فيها على القديم (1)؛ لأن الأصح عند جمهور الأصحاب جواز الاقتداء، ويجوز أن يعلم قوله: [(لم يجز) بالزاي؛ لما ذكرنا من مذهب المزني.
وقوله: (على الجديد) بالواو] (2) لأمرين:
أحدهما: الطريق الثاني للخلاف في بعض الأحوال.
والثاني: الطريق الثاني للخلاف في المسألة أصلاً ورأساً.
قال الغزالي: وَإِذَا شَكَّ المَسْبُوقُ أَنَّ الاِمَامَ هَلْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ رُكُوعِهِ؟ فَفِي إِدْرَاكِهِ قَوْلاَنِ لأَنَّ الأَصْلَ كَوْنُهُ لَمْ يُدْرِكْ، وَيُعَارِضُهُ أَنَّ الأَصْلَ أنَّهُ لَمْ يَرْفعَ رَأْسَهُ.
قال الرافعي: الأصل الذي تتفرع عليه المسألة: أن من أدرك الإمام في الركوع كان مدركاً للركعة، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مِنَ الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَليُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ الرُّكُوعَ عَنِ الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ فَلْيُصَلِّ الظُّهْرَ أَرْبَعاً" 3. وروي أن أبا بَكْرَة دخل المسجد، والنبي -صلى الله عليه وسلم- رَاكِعٌ، فركع ثم دخل الصف، وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك 4، ووقعت ركعته معتداً بها، وذكر في "التتمة" أن أبا عاصم العبادي حكى عن محمد بن إسحاق بن خزيمة من أصحابنا أنه قال: لا تدرك الركعة بإدراك الركوع ويجب تداركها.
واحتج بما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُّوعِ فَلْيَرْكَع مَعَهُ، وَلْيُعِدِ الرَّكْعَةُ" 5.
وروى الحاكم أبو عبد الله في "تاريخ نيسابور"، ومثله عن أبي بكر الصِبْغي 6،
والمذهب المشهور الأول وعليه جرى النَّاس في الأعصار، ويعتبر فيه أن يكون ذلك الركوع محسوباً للإمام، فإن لم يكن ففيه كلام قد تعرض له في "كتاب الجمعة" وسنشرحه ثَمَّ إن شاء الله تعالى.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن معنى إدراكه في الركوع أن يكتفي هو وإمامه في حد أقل الركوع، حق لو كان هو في الهَوِيُّ والإمام في الارتفاع وقد بلغ من هويُّه حد الأقل قبل أن يرتفع الإمام عنه، كان مدركاً، وإن لم يلتقيا فيه فلا، هذه عبارة الأصحاب على طبقاتهم.
وهل يشترط أن يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن الحد المعتبر؟ الأكثرون لم يتعرضوا له، ورأيت في "الييان" اشتراط ذلك صريحاً، وبه يشعر كلام كثير من النَّقَلَةِ وهو الوجه -والله أعلم-.
ولو كَبَّر وانحنى وشك في أنه هل بلغ الحد المعتبر قبل ارتفاع الإمام عنه أم لا؟ فهذه مسألة الكتاب، وقد نقل فيها قولين، وحكاهما في "النهاية" على وجهين:
أحدهما: أنه غير مُدْرِك للركعة، لأن الأصل عَدَم إدراك الركوع.
والثاني: أنه مدرك لها؛ لأن الأصل بقاء الإمام في الركوع في زمان الشَّكِّ، والأول أظهر؛ لأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع بإدراك الركوع على خلاف الحقيقة لا يصار إليه إلا عند تَيَقُّنِ الركوع، وإن إدراكه فيما بعد الركوع من الأركان لا يكون مدركاً للركعة، وعليه أن يتابعه في الركن الذي أدركه فيه، وإن لم يكن محسوباً؛ لما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلاةَ، وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَليَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإمَامُ" 1.
قال الغزالي: وَالمَسْبُوقُ عِنْدَ سَلاَمِ الإِمَامِ يَقُومُ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرٍ عَلَى النَّصِّ.
قال الرافعي: المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع، فقد ذكرنا أنه يكبر لِلْهَوِيِّ بعدد تكبيرة الافتتاح، ولو أدركه في السجدة الأولى أو الثانية أو في التشهدِ، فهل يكبر للانتقال إليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم كالركوع.
وأظهرهما: لا؛ لأن الركوع محسوب له فيكبر للانتقال إليه، وهاهنا بخلافه، ويخالف أيضاً ما لو أدركه في الاعتدال، فما بعده فإنه ينتقل مع الإمام من ركن إلى ركن، مكبراً وإن لم تكن محسوبةً له؛ لأن ذلك لموافقة الإمام، ولذلك نقول: يوافقه
في قراءة التشهد، وفي التسبيحات على أصح الوجهين، فهذا حكم تكبيره إذا لحق الإمام.
أما إذا سلَّم الإمام فقام المسبوق ليتدارك فقد قال في الكتاب: "إِنَّه يقوم من غير تكبير" وأسنده إلى النص، وهكذا فعل في "الوسيط" وذكر أن الشيخ أبا محمد قال: إنه يكبر للانتقال، ولم يرسل جمهور الأئمة الخلاف في المسألة، وهكذا، وحيث أثبتوا الخلاف لم يسندوا نفي التكبير إلى النَّصِّ، ولكن قالوا: ينظر إن كان الجلوس الذي سلم من الإمام موضع الجلوس المسبوق كما لو أدركه في الثالثة من الصلوات الرباعية، أو في الثانية من المغرب، فيقوم مكبراً، فإنه لو كان وحده لكان هكذا يفعل، وإن لم يكن موضع جلوسه كما إذا أدركه في الثانية أو الرابعة من الرباعيات أو في الثالثة من المغرب ففيه وجهان:
أظهرهما: وبه قال القفال: أنه لا يُكَبِّرُ عند قيامه؛ لأنه ليس موضع تكبيره، وليس فيه موافقة الإمام.
والثاني: ويحكى عن أبي حامد: أنه يُكَبِّر كَيْلاَ يَخْلُو الانتقال عن ذكره، ومتى لم يكن الموضع جلوسه لم يجز له المكث بعد سلاَم الإمام، ولو مكث بطلت صلاته، وإن كان موضع جلوسه لم يضر المُكْث.
وقوله: (والمسبوق عند سلام الإمام) لك أن تبحث فتقول الاعتبار بالتسليمة الأولى، أو بالثانية، فاعلم أن السنة أن يقوم عقيب تسليمتي الإمام فإن الثانية من الصلاة وإن لم تكن مفروضة، ويجوز أن يقوم عقيب الأولى، ولو قام قبل تمامها بطلت صلاته، إن تعمد القيام، وهذا يبين أنه ليست كلمة "عند" للحصر -أعني في قوله: (عند سلام الإمام) ومن الأصول في المسبوق أن ما يدركه مع الإمام أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإمام آخر صلاته، حق لو أدرك ركعةً من المغرب، فإذا قام لإتمام الباقي يجهر في الثانية ويسر في الثالثة، ولو أدرك ركعةً من الصبح وقنت مع الإمام، يعيد القنوت في الركعة التي يتداركها بعد سلام الإمام، ونص الشافعي: أنه لو أدرك ركعتين من صلاة رباعية ثم قام للتدارك يقرأ السورة بعد الفاتحة في الركعتين، وهذا يخالف قياس الأصل الذي ذكرناه، فمن الأصحاب من قال: إنه جواز على قوله: (يستحب قراءة السورة في الركعات) ومنهم من قال: وإنما أمره بقراءة السورة؛ لأن إمامه لم يقرأ السُّورة في الركعتين اللتين أدركهما، المسبوق وفاتته فضيلتها، فيتداركها في الركعتين الباقيتين، فصار كما لو ترك "سورة الجمعة" في الركعة الأولى من صلاة الجمعة يقرؤها مع "سورة المنافقين" في الثانية.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: ما أدرك المسبوق مع الإمام آخر صلاته الإمام، وما
يتداركه بعد سلام الإمام أول صلاته، ووافقنا على أنه لو أدرك ركعة من المغرب، وقام بعد سلام الإمام للتدارك يقعد في الثانية، ولو كان ما يتداركه أول صلاته لما قعد 1.