العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الظِّهَارِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

1 وَفِيهِ بَابَانِ (الأَوَّلُ فِي أَرْكانِهِ) وَهِيَ ثَلاَثةٌ: (الأَوَّلُ المُظَاهِرُ وَالمُظَاهَرُ عَنْهَا* وَكُلُّ مَنْ يَصِحُّ

الجزء: 9 - الصفحة: 251

الطَّلاَقُ بَيْنَهُمَا يَصِحُّ الظِّهَارُ فَيَصِحُّ ظِهَارُ الذِّمِّيِّ (ح) وَالظِّهَارُ عَنِ الرَّجْعِيَّةِ وَتَكُونُ الرَّجْعَةُ عَوْدًا* وَيَصِحُّ ظِهَارُ المَجْبُوبِ بِخِلاَفِ الإِيلاَءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ظاهَرَ أوس بن الصَّامِتَ -رضي الله عنه- عن زوجته خولة بنت ثَعْلَبَة على اختلاف في اسمها، ونسبها، فأتَتْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مشتكيةً منه، فأنزل الله تعالى [فيها] قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة: 1] إلى آخر الآية .. ، وصورة الظهار الأصلية: أن يقول لامرأته: أنْتِ عليَّ كظهر أمِّي، ومن لفظ الظَّهْر أُخِذ الظِّهار، ويقال: ظَاهَرَ من امرأته، وتظهَّر وظَهَّر تظهيرًا، كلُّها بمعنى، وكان الظِّهار طلاقًا في الجاهلية كالإيلاء، ويقال: كان أحدهم إذا كره صُحْبة امرأته، ولم يرد أن تتزوج بغيره، آلَى عنها أو ظاهر، فتبقى محبوسةً عنده لا ذات زوج يستمتع بها ولا خليَّة تنكح غيره، وهذا يُشْعِر بأنَّه كان كلُّ واحد من الإيلاء والظِّهار عنْدهم طلاقًا من وجْه دون وجْه، وكيفما كان، فقد غيَّر المشرع حُكْمه على ما سيأتي بيانه، والظِّهار حرامٌ، قال: الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2] قال الأئمَّة: وليس قولُه: "أنتِ عليَّ حرامٌ" محرمًا؛ وإنما هو مكروه؛ لأن الظهار علّق به الكفارة العظمى، والمعلّق بالحرام كفارة اليمين، واليمين والحنث ليسا محرمَيْن، وأيْضًا، فالتحريم مع الزوجية قد يجتمعان، والتحريم الذي هو كتحريم الأم = وكان الظهار معروفًا في الجاهلية، وكانوا يعتبرون قول الرجل لمن تحل له "أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي" محرَّمًا لها على الأبد لا تحل له أصلاً بعد ذلك، فلما جاء الإِسلام، وَظَاهَرَ أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ من امرأته خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، ودعاها إليه بعد ظهاره، فقالت له: والذي نفس خولة بيده لا تَصِلْ إليَّ، وقد قلت ما قلت، حتى يحكم اللهُ وَرَسُولُهُ، وأتت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت له: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَوسًا تَزَوَّجَنِي، وأَنَا شَابَّةٌ مَرْغُوبٌ فيَّ، فَلَمَّا خَلاَ سِنِّي، وَنَثرتْ بَطْنِي جَعَلَنِي عَلَيْهِ كَأُمِّهِ، وَتَرَكَنِي إِلَى غَيرِ أَحَد، فإن كنت تجد لي رخصة تنعشني بها، وإياه، فحدثني بها.
فَقَالَ لَهَا عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "مَا أَرَاكِ إِلاَّ قَدْ حُرِّمْتِ عَلَيْهِ".
فَجَادَلَتِ النبي -صلى الله عليه وسلم- وقالت له ما ذكر طلاقًا، وقعدت بعد ذلك مرارًا.
ثم قال: اللَّهُمَّ إني أشكو إليك فاقتي، وشدة مالي، فأنزل على لسان نبيك.
فأنزل الله -سبحانه وتعالى-: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ...﴾ الآيات إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ..﴾ الآية.
فكانت هذه الآيات حَدًا فاصلاً بين ما كان عليه أهل الجاهلية من جعل الظهار طلاقًا مؤبدًا، وما عليه الإِسلام من اعتبار الحرمة فيه مؤقتة تزول بفعل الكفارة؛ ولقد بين الله -سبحانه وتعالى- كفارة الظهار، وذكر لها أنواعًا ثلاثة مرتبة لا يتنقل المكفر فيها من الخصلة الأولى إلى الثانية، إلا بعد العجز عن الأولى، ولا من الثانية إلى الثالثة، إلا بعدم استطاعة الثانية.

الجزء: 9 - الصفحة: 252

مع الزوجية لا يجتمعان، وفقْه الكتاب يحويه بابَانِ: أحدهما: في أركان الظهار [والثاني في أحكامه؛ أما الأرْكان فقد 2 عَلِمْتَ أن الظهار] تشبيهُ الزوجِ زوجَتَه، في الحُرْمة، بمحرمة، وهذه الحقيقة تعتمد الزوجين، ولفظ التشبيه والمشبه بها، فهي ثلاثة أركان 3: الأوَّل: الزوجان، فيصح الظهار من كل زوج مكلَّف حرًّا كان أو عبدًا، مسلمًا كان أو ذمِّيّاً، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- ومالك: لا يصحُّ ظهار الذمي، واحتج الأصحاب بأنَّه زوج يصح طلاقه 4، فيصحُّ ظهاره كالمسلم، وهذا لأن الظِّهار يقْتَضِي التحريم، كالطلاق، ويتصور منه الإعتاق عن الكفارة، بأن يَرِثَ عَبْدًا مسلمًا، أو يكون له عبْد كافرٌ، فيُسْلِم، وبأن يشتري عبْدًا مسلمًا، أو يقول لمسلم: أعْتِقْ عبْدك عن كفارتي، فيجيبه، إن جوَّزناهما 5، وإن لم نجوز الشراء، وتعذَّر تحصيله، فما دام موسرًا، لا يباح له الوطء، ويقال له: إن أردتَّ الوطء، فأسْلِم، وأعتق؛ لأن الرقبة موجودة، والتعذر لمعنى فيه، وكذا لو كان مُعْسِرًا، وهو قادر على الصوم، لا يجوز له العدول إلى الإطعام؛ لأنه يمكنه أن يسلم، فيصوم، فإن كان عاجزًا عنْه؛ لمرض أو هرم، فحينئذ يطعم في كفره هكذا أورده صاحب "التهذيب" والتتمة وحكاه الإِمام عن القاضي الحُسَيْن -رحمه الله- وتردَّد فيه، من حَيْث الذمي مقرَّر على دينه، فحَمْله على الإِسلام بعيدٌ، وأيضًا، فالخطاب بالعبادة البدنية لا يتوجَّه على الكافر الأصْلي، فكان الصَّوْمُ مخرجًا عن كفارة الذمي، وقد يجاب عنْه بأنا لا نَحْمِل الذمي على الإِسلام، ولا نخاطبه بالصوم، ولكن نقول: لا نمكنك من الوطء إلاَّ هكذا، فإمَّا أن تتركه أو تسلك طريق الحلِّ، وأيضًا فالإطعام يُدلُّ عن الصيام، وتقدير البَدَل في حقِّ من لا يَتحقَّق في حقِّه المبدل مستبعدٌ 6، وهكذا الجواب الثاني قَدْ أجراه الإمَامُ وفي تردُّده يصحُّ ظهار الصبيِّ والمجنون، كالطلاق، ولا يجيْء فيه الخلافُ، كطلاقهما، وظهار السكران

الجزء: 9 - الصفحة: 253

كطلاقه، وقد سَبَق الكلام فيه في "الطلاق"، وبيَّنَّا أن السكرانَ منْ هو، وذكر الشيخ أبو حامد وابن الصَّبَّاغ أن السَّكْران الذي لا يَعْقِل من أموره، وله تنفيذ ما ينفذ طلاقه، وظهاره في الظاهر والباطن، وإن كان سَاقِطَ التمييز بالكليَّة، فوجهان عن ابن سُرَيْج، وأبي إسحاق: أن الجواب كذلك، وعنْ غيرهما: أنَّه لا ينفُذ في الباطن إلاَّ أنَّه لا يُقْبَلُ في الظاهر قوله لم يكن منه تمييز وكل من يلحقها الطَّلاق من الزَّوْجَات يصحُّ الظهار منها، وتستوي فيه الصغيرة، والمجنونة، والأمة، والذمية، والرتقاء، والحائض، والنفساء، والمعتدة عن الشبهة، وغيرهن، وليست حُرْمَة مَنْ هي حرامٌ منهن كحرمة الأمة، ويصحُّ ظهَارُ الرَّجعية، ولا يصح الظِّهَار عن الأجنبية، سواء أطْلَقَه أو عَلَّقه بالنكاح، فقال: إذا نكحتك، فأنت عليَّ كظَهْر أُمِّي، وأبو حنيفة ومالك يخالفان فيما إذا علَّق بالنكاح، كما في الطلاق، ويجيء فيه القَوْل المحكيُّ هناك، ولا يصحُّ الظهار عن الأَمة وأمِّ الوَلَد، وقال مالك: يصحُّ الظهار عن كلِّ أمة؛ واحتج الأصحابُ بأنَّه لفظ يتعلَّق به تحريم الزوجةُ فلا تحرم به الأمة، كالطلاق.
وقوله في الكتاب "وتكون الرَّجْعَةُ عَوْدًا" هذا غيْرُ محتاجٍ إلى ذكْره في هذا الموضع، فهو يفَصْل العَوْد ألْيَقُ، ونذكره هناك مع ما يناسبه، ويجوز أن يُعْلَم بالواو؛ لما سيأتي.
والقول في أن ظهار الرجعية صحيحٌ قد سَبَق مرَّةً في "باب الرَّجعة" وقوله "ويصحُّ ظهار المجْبُوب 7 بخلافِ الإِيلاَءِ" فهو على الخلاف السابق.
قَالَ الغَزَلِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي: اللَّفْظُ) وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ كَأمِّي أَوْ مَعِي أَوْ عِنْدِي أَوْ مِنِّي كَظَهْرِ أُمِّي وَالكُلُّ صَرِيحٌ* وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ الصِّلَةَ* وَقَالَ: أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي فَهُوَ كَمَا لَوْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَقُلْ: مِنِّي* أمَّا لَوْ قَالَ: كَشَعْرِ أُمِّي أَوْ يَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا فَهُوَ ظِهَارٌ عَلَى الجَدِيدِ* وَلَوْ قَالَ: كَعَيْنِ أُمِّي وَرُوحِهَا أَوْ كَأُمِّي وَأَرَادَ الكَرَامَةَ فَلَيْسَ بِظِهَارٍ* وَإِنْ قَصَدَ الظِّهَارِ فَظَهَارٌ* وَإِنْ أَطْلَقَ فَوَجْهَانِ* وَالرَّأْسُ كَالعَيْنِ أَوْ كَاليَدِ فِيهِ وَجْهَانِ لأَنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ لِلْكَرَامَةِ أَيْضًا* وَلَوْ قَالَ يَدُكِ أَوْ نِصْفُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَهُوَ ظِهَارٌ عَلَى الجَدِيدِ* وَكَذَا الإِيلاَءُ إِذَا أَضَافَهُ إِلَى بَعْضِهَا انْعَقَدَ* وَكُلُّ مَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ يُكَمِّلُ بَعْضَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: صريح لفْظ الظِّهار: أنتِ عليَّ كظَهْر أُمِّي، وفي معناه سائر الصلات كقوله: أنتِ مَعِي أو عنْدِي أو مني أوْ لِي كَظَهْر أُمِّي، وكذا لو ترك الصلة، فقال: أنتِ

الجزء: 9 - الصفحة: 254

كظَهْر أمِّي، وهذا كما أن قوله: أنتِ طالقٌ صريحٌ وإن لم يقل مني، وعن الداركي أنه إذا ترك الصلة، كان كنايةً، لاحتمال أن يُريد أنَّها محرمة على غيره حُرْمة ظهر أمّه عليه، بخلاف الطَّلاق، فإن 8 للإطْلاق، وهي في حبْسه دون حبس غيره، وهذا أرجح عنْد الشيخ أبي حاتم القَزْوِينِيِّ، والمشهور الأول ومهما أتى بصرائح لفْظ الظهار، ثم قال: أردتُّ غيره [لم يُقْبَل،] [كما لو أتى بصريح الطلاق وادعى غيره] وحكى القاضي ابن كج وجْهَاً، أنه يُقْبَل، وفرَّق بأن الظهار حقُّ الله تعالى، والطلاق حقُّ الآدميِّ، وقوله جملتك أو نفسك أو ذاتك أو جسمك أو بدنك عليَّ كظَهْر أمي، كقوله أنت علىَّ، وكذا قوله: أنتِ عليَّ كبدن أُمِّى، أو لجسمها أو جملتها أو ذاتها؛ لدخول الظَّهْر فيها 9، ثم فيه مسألتان: إحداهما: إذا شبَّهها ببَعْض أجزاء الأم سِوَى الظَّهْر، نُظِرَ؛ إن كان ذلك فيما لا يُذْكَر في مَعْرِض الكرامة والإعزاز، كاليد والرجل والصدر والبطن والفرج والشَّعَر، ففيه قولان: الجديد، وأحَد قولَي القديم: أنه ظهار، وبه قال مالك وأحمد -رحمه الله-؛ لأنه يُشبه الزوجة ببَعْض أعضاءَ الأمِّ، فكان كالمُشبِّهِ بالظَّهْر.
والثاني: المنع؛ لأنه ليس على صورة الظِّهار المعهودة في الجاهلية، ويُقَال: إنَّه مخرَّج من قول في القديم؛ أن التَّشْبيه بغير الأم من المحارم لَيْس بظهار؛ لعُدُوله عن الصورة المعهودة، وربما شبّه الخلاف بالخلاف في أن الإيلاء هل يختص باليمين باللهِ تعالى؟ فعَلَى الجديد: لا يخْتَصُّ؛ اتِّباعًا للمعنى، وعلى القديم: يختص اتِّباعًا للمعهود، ويجوز أن يُعْلَم قوله "فهو ظهار" بالحاء؛ لأن عنْد أبي حنيفة: إنْ شبَّهها بعضو يحْرُم النظر إلَيْه من الأم؛ كالفرج والفَخِد، كان ظهارًا، وإن كان مما لا يحْرُم النظر إليه؛ كالرأس والوجه واليد، لم يكن ظهارًا، وأن يُعْلَم قوله " [على] 10 الجديد" بالواو؛ لأن في "المهذَّب" طريقةً قاطعةً بأن ذلك ظهارٌ، وعن الشيخ أبي عليٍّ تخصيص هذه الطريقة بما إذا قال: كفَرْجِ أمِّي؛ لما فيه من التصريح بمقصود الكلام، والتشبيه بعضو آخر ليس كالتشبيه به، وحكى أبو الفرج الزاز مثْلَه، وقال: ما يصحُّ إضافة الطَّلاق إلَيْه، فيصح إضافة الظِّهار إليه والإيلاء، وإن كان مما يُذْكَر في معرض الإعزاز والإكرام، كما لو قال: أنت عليَّ كعَيْنِ أمِّي، فإن أراد الكرامة، لم يكن ظهارًا، وإن أراد الظِّهَار، فهُو

الجزء: 9 - الصفحة: 255

ظِهارٌ إذا فرَّعنا على الجديد في الصَّدْر والبطن، وإن أطْلَق، فيحمل على الكرامة؛ لاحتمالها، أو يَكُون ظِهَارًا؛ لأن اللَّفْظ صريحٌ في التشبيه ببَعْض أجزاء الأمِّ، فيه وجْهَانِ، ويحكى الأول عن اختيار القفَّال، ونظم "التهذيب" يُشْعِر بترجيح الثاني، وهو اختيار القاضي الحُسَيْن، ولو قال: كرُوح أمِّي، فعلى ما نقله جماعة منهم صاحب "التهذيب" هو كما لو قال: كعَيْن أمِّي وعن ابن أبي هريرة أنَّه لا يكون ظهارًا، ولا تصْلُح هذه اللفظة كنايةٌ عنه؛ لأن الرّوح ليس مما يحله التحريم، وهذا الخلاف ينْطَبِق على خلاف قدمناه فيما إذا قال: رُوحُكِ طالقٌ، وبيَّنَّا هناك أن الأشْبَه وقوع الطلاق، والتشبيه برأْس الأم كهو باليد والرجل، أو كالتشبيه بالعين حتى يكون على التَّفْصيل، فيه وجهان جواب 11 العراقيين الأول 12: والأقرب أنَّه كالعَيْن؛ لأنه يذكر في معرض الكرامة أيضًا، وبه أجاب الشيخ أبو الفَرَج، ولو قال: أنتِ عليَّ كأميِّ أو مثل أمِّي، فإن أراد الكرامة، لم يكن ظِهَارًا، وان أراد الظِّهار، فهو ظهار، وان أطْلَق، فوجهان: أحدهما: أنَّه ظهارٌ كما لو قَالَ: كجملة أمي أو بدنها، وُيرْوَى هذا عن مالك وأحمد، رحمهما الله.
والثاني: المَنْع، وبه قال أبو حنيفة، وهو جواب ابن الصبَّاغ وصاحب "التهذيب" وغيرهما، والوجهان قريبان مِنَ الوجهَيْن فيما إذا قَالَ: كعَيْن أمِّي وأطْلق أوهُمَا هما، ويشبه أن يُرجح في الصُّورتَيْن المَنْع، ويجوز أن يُعْلَم قوله "وإن قصد الظهار، [فظهارٌ] " للوجه المذكور في الرُّوح.
المسألة الثانية: لو شبَّه بعْض زوجته بظَهْر الأم، كما إذا قال: رأْسُك أو يَدَك أو ظَهْرك أو فَرْجُك أو جِلْدك أو شَعْرك علىَّ كظَهْر أمي، كان مظاهرًا، أو كذا لو ذَكَر جزءًا شائعًا؛ كالنصف والثلث، ويجيء فيه القَوْل المنسوب إلى القَدِيم؛ للعدول عن معْهود الجاهلية، وتعود الطريقة القاطعة، فيجوز أن يُعْلَم لها قوْلُه "على الجديد" بالواو، وليعْلَم قوله "فهو ظهار" بالحاء؛ لأن عن أبي حنيفة إنَّه إن شَبَّه رأْسَها أو عنقها أو عُضْوًا يُعبَّر به عن جميع البَدَن يَظْهر الأم، فهُو ظهارٌ، وإن شبَّه بسائر الأعضاء فلا، نقله صاحب "التهذيب"، ولو شبَّه بعْض أجزاء الزَّوْجة ببَعْض أجزاء الأمِّ، فقال: رأسُك وظَهْرك عليَّ كيد أمي أو رِجْلها، صحَّ الظهار، وفيه الخلاف المنسوب إلى القديم، وأمَّا

الجزء: 9 - الصفحة: 256

قوله "وكذا الإيلاء إذا أضافه إلى بعْضِها، انعقد" إلى آخره، فهذا ضَابْطٌ ذَكَره الأئمة، وقالوا: ما يَقْبَل التعليق منَ التصرفات، تَصِحُّ إضافته إلى بَعْض محل ذلك التصرف؛ كالطلاق والعتاق، وما لا يَقْبَل التعليق، لا يصِحُّ إضافته إلى بعض المحل؛ كالنكاح والرجْعَة والإيلاَء ممَّا يَقْبَل التعليق على ما مَرَّ، وقد أطْلَق في الكتاب أنَّه إذا أضافه إلى بعْض الزوجةَ، انْعَقَد، لكِن فيه تفصيلٌ، إن أضافه إلى عضو معيَّن؛ كاليد والرجل، لم ينعقد إلا أن يضيفه إلى الفَرْج، فيقول: لا أجامِعُ فَرْجَك، ولو قال: لا أجامع بعْضَكِ، لم يكن مُولِيًا إلا أن يريد بالبعض الفَرْجَ، ولو قال: لا أجامع نِصْفَك فعن الشيخ أبي عليٍّ: إطلاقُ القول بأنه لا يكون مُولِيًا، وقال الإِمام -رحمه الله-: إن كان المراد أنَّه ليس بصريح، فالأمر كذلك؛ لأن الجماع لَفْظ مستعارٌ جُعِلَ كناية عن أصْله المعلوم، فاستفاض وشَاع حتَّى التحق بالصريح، وشَرْطُ الالتحاق أن يُسْتعمل على الوجْه المعهود، والإضافة إلى الجزء الشائع غير معهودة، فأمَّا إذا نَوَى، ففيه احتمالٌ؛ لأن ترك الجِمَاع في النِّصْف منْ ضرورته التّرك في الكُلِّ، فصَار كما لو أضاف الطَّلاق إلى النِّصْف، يقع على الكل، ويجوز أن يقال 13: إضَافَةُ الطَّلاق إلى النِّصْف، كإضافة العِتْق والبيع والرَّهْن، أما الجماع، فهُو فِعْل محْسُوسٌ لا يُعْقَل وقوعه في الجُزْء الشائع، فلا يَصْلُح إضافَتُه إلَيْهُ والله أَعْلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ: المُشَبَّهُ بِهَا) وَهِيَ الأُمُّ وَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا في القَوْلِ القَدِيمِ* وَعَلَى قَوْلٍ آخَرَ لاَ يَلْحَقُ بِهَا إِلاَّ الجَدَّاتُ* وَعَلَى قَوْلٍ آخَرَ يَلْحَقُ بِهَا كُلُّ مُحَرَّمَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ* وَعَلَى قَوْلٍ رَابعٍ لاَ يَلْحَقُ الصِّهْرُ وَلاَ مِنَ الرَّضَاعِ مَنْ عُهِدَتْ مُحَلَّلَةً* وَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَي كَأجْنَبِيَّةٍ لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا لأَنَّ التَّحْرِيمَ غَيْرُ مُؤَبَّدٍ* وَكَذَلِكَ المُلاَعَنَةُ وَإِنْ تَأبَّدَ تَحْرِيمُهَا فَلَيْسَتْ كَالأُمِّ إذْ لاَ مَحْرَمِيِّة* أَمَّا قَوْلُهُ: أَنْتِ كَظَهْرِ أَبِي فَهُوَ لاَغٍ لأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلاًّ لِلاسْتِحْلاَلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأصْل المعهود في الظِّهار تشبيه الزوجة بظهر الأم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [المجادلة: 2] الآية، ولو قال: أنتِ عليَّ كظهر جَدَّتي، فهو ظهار أيضًا؛ تستَوي فيه الجدة من قبل الأب والجدة من قبل الأم؛ لأن الجدات كلّهن أمهاتٌ ولدنه، ويشاركن الأم [في] 14 حصول العِتْق، وسقوط القصاص، ولزوم النفقة، ومن الأصحاب من جَعَل الجدَّات على الخلاف الذي يذْكره في

الجزء: 9 - الصفحة: 257

البَنَات والأخَوَات، والأشهر القَطْع بالتحاقهن بالأم، وأمَّا سائر المَحَارِم، فقسمان: أحدهما: المحرَّمات بالنَّسَب كالبَنَات والأَخَوات والعَمَّات والخَالاَت وبَنَات الأَخِ والأُخْت، فإذا شَبَّه الزوجة بظَهْرِ واحدةٍ منهن، ففيه قولان: الجديد، واحد قولَي القديم: أنَّه ظهارٌ؛ لأنه شبَّهها بظهر امرأة لم تحل ولا تحل له بحال، فأشبه التشبيه بالأم.
والآخر: المَنْعُ؛ للعدول عن المعهود.
والقسم الثاني: المحرَّمات بالسبب، وهن ضربان: أحدهما: المحرمات بالرَّضَاع، وفي التشبيه بهنَّ قولان؛ تفريعًا على الجديد في المحرَّمات بالنسب، ويقال وجهان: أظهرهما: أنَّه ظهار؛ لأن حُرْمة الرضاع كحرمة النَّسَب؛ ولذلك نسوي بينهما في جواز الخَلْوة والمُسَافرة.
والثاني: المَنْعُ؛ لأن الرَّضاع مكتسبٌ لا يساوي النَّسَب في القوة، ولذلك لا يَتعلَّق به النفقة والميراث والولاية، وفي محل القولَيْن طرُقٌ: أحدها: أن القولَيْن في التي لم تَزَلْ محرَّمة علَيْه بالرضاع كالمولودة بعد أن ارتضع أما التي كانَتْ تحلُّ له، ثُمَّ حُرِّمت بالرضاع، كالتي أرضعته، فصارَتْ أمًّا وكأمها وابنتها المولودة قَبْل أن ارتضع، فالتشبيه بها ليْس بظهار بلا خلاف، وبهذه الطريقة قال راويا المذهب الرَّبيعُ والمُزَنِيُّ وشيْخَا وابن سُرَيْج وأبو إسحاق، -رحمهما الله- كذلك حكاه الشيخ أبو عليٍّ وغيره.
والثَّاني: أن القولَيْن في التي كانَتْ تحِلُّ، ثمَّ حُرِّمت بالرضاع، وأمَّا الَّتي لم تَزَل محرَّمةً علَيْه، فالتشبيه بظَهْرها كالتشبيه بظَهْر الأخت بلا خلاف، والفَرْق على الطريقتَيْن أنَّ التي لم تَزَلْ محرَّمة عليه تُشْبِه الأخْت والبنت، والتي كانت حلالاً ثم حُرِّمت تشبه الملاعنة والمطلقة ثلاثًا.
والثالث: طرد القولَيْن في النوعين جميعًا، ويُحْكى هذا عن أبي الطيِّب بن سلمة.
والضرب الثاني: المحرَّمات بالمُصَاهرة، وفي التشبيه بظَهْرهن طريقَان: أحدهما: القطْع بأنَّه ليْس بظهار، بخلاف المحرمَّات بالرضاع؛ لأن الرضَّاع أقْرب إلى النَّسَب منْ حيْث إنَّه يُؤَثِّر في إنْبَات اللَّحْم؛ ولذلك يَتعدَّى تحْريم الرضاع إلى الأمهات والأولاد، وفي المصاهرة لا يَتعدَّى التحريم في حليلة الأب والابن 15 إلى أهلهما وولدهما.

الجزء: 9 - الصفحة: 258

وأظْهَرهما أن الحكْم كما في المحرَّمات بالرضاع لاستواء النوعين في المَحْرَمِيَّة والحرمة المؤبدة، وكون التشبيه بهنَّ مبتكرًا من القَوْل وزورًا، وعلى هذا فتعود الطُّرق في الفَرْق والتسوية بيْن التي لم تَزَل محرَّمة بالمصاهرة، كحليلة الأب التي نكحها الأبُ قبل ولادته وَرَبيبَتُهُ الحاصلةُ بعْد دخوله بأمها مثل أن نكح امرأةً، ودخَل بها، وطَلَّقها، فنَكَحَت غيرُهُ، وولدت منه بنتًا وبيْن التي كانَت حلالاً، ثم حُرِّمت بالمصاهرة، كحليلة الأب وأم الزوجة وربيبته الحاصلة قبْل دخوله بامها، والظاهر عنْد الأئمة في النوعَيْن، كيف رتبت الطرق أن التشبيه بالَّتي لم تَزَلْ محرمةٌ ظهارٌ، وبالتي كانَتْ حلالاً ثمَّ حُرِّمت، ليْس بظهار، ويخرج من الاختلافات المذكورة عنْد الاختصار أقوالٌ ووجوهٌ: أحدها: اقتصار الظَّهار على التشبيه بالأم.
والثاني: إلحاق الجدَّات بها لا غير.
والثالث: إلحاق محارم النَّسَب بها.
والرابع: إلحاق مَحَارم الرِّضَاع أيضًا إذا لمْ يعْهَدْن محللات.
والخامس: إلحاقهن من غير اعتبار هذا الشرط.
السادس: إلحاق مَحَارم المصاهرة أيضًا بالشرط المذكور.
السابع: إلحاقهن من غير اعتبار هذَا الشَّرْط المذكور في الكِتَاب، [منها] 16 الأول والثاني والسادس والسابع ويجوز أن يُعْلَم من هذه الأربعة المذكورة في الكتاب ما سوى الثالث بالميم والألف؛ لأن عند مالك وأحمد -رحمهما الله-: التشبيه بجميعهن ظِهارٌ، وأن يُعْلَم قوله "في القول القديم" بالواو، لقطع من قطع بإلحاق الجدات بالأم في الجديد والقديم جميعًا.
ولو شبه زوجته بامرأة، لا تَحْرُم عليه على التأبيد، كالأجنبية والمطلَّقة والمعْتَدَّة والمجوسية والمرتدة وأخت المرأة، لم تَكنْ ظهارًا؛ لأنهن لا يُشْبِهْن الأمَّ ولا فرْق بيْن أن يطرأ بعد ذلك ما يُوجب التحريم المُؤبَّد، كما لو نكح بنت الأجنبية أو شبه امرأته بربيبة امرأة غير مدخول بها، ثم دخل بها، وبين إلاَّ يطرأ، ولو شبَّهها بملاعنته، فكذلك؛ لأن تحريمها، وإن كان مؤبَّدًا، لكنه ليس للمحرمية والوصلة، وكذا لو شبَّهها بزوجات النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ولو قال: أنتِ عليَّ كظَهْر ابْنِي أو أبِي أو غُلاَمي، فهو لَغْوٌ؛ لأن الرَّجُل ليس محَلَّ الاستمتاع، ولا في معرض الاستحلال.
وقال أحمد في إحدى الروايتين: التشبيه بمحارم الرجال ظهارٌ.

الجزء: 9 - الصفحة: 259

ولو قالت المرأة لزوجها: أنْتِ عليَّ كظَهْر أمي [أو أنا عليْكِ كظَهْر أُمِّك]، لم يلْزَم به شيْء، بل يختص الظهار بالرجال 17 كالطَّلاق، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَقْبَلُ الظِّهَارُ التَّعْلِيقَ* فَلَوْ قَالَ: إِذَا ظَاهَرْتُ مِنْ فُلاَنَةٍ الأَجْنَبِيَّة فأنْتِ عَلَيَّ كظَهْرِ أُمِّي صَحَّ* فَإذَا نَكَحَ الأَجْنَبِيَّةَ وَظَاهَرَ عَنْهَا حَنِثَ* وَإنْ قَالَ: ظَاهَرْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ فَهُوَ لَغْوٌ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: إنْ بِعْتُ الخَمْرَ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تعليق الظِّهار صحيح، واحتج له بما رُوي أنَّ سلمة بْن صخر -رضي الله عنه- جَعَل امرأته على نَفْسه، كظهر أمِّه إنْ غشِيَها، حتى ينتصف رمضان، فذكَرَ ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فقال: "أعْتِقْ 18 رقَبَةً"، وأيضًا، فإن الظِّهار كان طَلاقًا في الجاهليَّة، وهو يشبه الطلاق من حيْث إنه لفْظ يتعلَّق بالتحريم واليمين من حيْث إنه يتعلَّق به الكفَّارة، وفي المُغَلَّب من الشبهين اختلافُ قَوْلٍ سيأتي، وكل واحد من الطلاق واليمين قابلٌ للتعْليق، فكذلك الظِّهار، فإذا قال: إن دخَلْتُ الدار، وإذا جاء رأس الشهر، فأنْتِ عليَّ كظهر أمي، فوجدت الصفة، صار مظاهرًا عَنْها، ولو قال: إنْ ظاهَرْتُ عنْ حفْصة، فعمرة عليّ كظَهْر أمي، وهما في نكاحه، ثم ظاهر عن حفصة، صار مظاهرًا عنهما جميعًا، أما عن عمرة، فموجب التعليق، وأما عن حفصة فتنجيزًا.

الجزء: 9 - الصفحة: 260

ولو قال: إن ظاهَرْتُ عن إحداكما أو أيكما ظاهَرْت عنها، فالأُخْرَى عليَّ كظَهْر أُمِّي، ثمَّ ظاهر عن إحداهما، صار مُظَاهِرًا عن الأخْرَى أيضًا.
ولو قال: إن ظاهَرْتُ عن فلانَة، فأنتِ عليَّ كظهر أمي، وفلانة أجنبية عنه، ثم خاطب: فلانة بلَفْظ الظهار، لم يصر مظاهرًا عن زوجته؛ لأن الظهار عن الأجنبية غيْر منعقدٍ إلا أن يريد التلَفُّظ بلفظ الظهار، فيصير بالتلفظ مظاهرًا عن زوجته، ولو نَكَح فلانة، ثم ظاهر منها، صار مظاهرًا عن زوجته الأولى بحُكْم التعليق، ولو قال: إنْ ظاهَرْتُ عن فلانة الأجنبية، فأنْتِ عليَّ كظهر أُمِّي، فتعرض لفظه لكونها أجنبيةً، فيُنْظَر؛ إن خاطبها بلَفْظ الظهار قبْل أن ينْكَحِها، فالحكمْ كما في الصورة السابقة، وإنْ نَكَحَها، فظَاهر عنْها، يَصِير مظاهرًا عن الزوجة الأوَلى، فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه إذا نَكَحَها، خَرجَت عن كوْنِها أجنبيةً.
وأصحهما، وهو المذكور في الكتاب: نَعَمْ؛ لأن ظهارها معلَّق بظهار فلانة، وذكر الأجنبية في مثْل ذلك للتعريف دون الشرط، كما لو قال: لا أدخُل دار زَيْدٍ هذه، فباعها زيْد، ثم دخَلَها، يَحْنَث.
والوجهان [كالوجهين] 19 فيما إذا قال: لا أكلِّم هذا الصبيِّ، فكلَّمه بعْدما صار شيْخاً، ونظائره، ولو قال: إن ظاهَرْتُ من فلانةٍ أجنبيةً أو وَهِيَ أجْنبيةٌ، فأنتِ عليَّ كظهر أمي، فسواء نكحها، وظاهَرَ عنْها أو خاطَبَها بلفظ الظهار قبْل أن ينْكِحَها، لا يصير مظاهرًا عن زوجته الَّتي علَّق ظهارها؛ لأنه شَرَط وقوع الظهار في حال كونها أجنبيَّةٌ وما دامت أجنبيةً، فلا ينعقد الظهار، إذا انعقد الظهار، لمْ تكُنْ هي أجنبيةً؛ فكان التعليق بشَيْءٍ مُحَالٍ، وهو كما إذا قال: إن بِعْتُ الخَمْرة، فأنتِ طالقٌ أو فأنْتِ عليَّ كظَهْر أمي فأتى بلفظ البَيْع، لا يقع الطلاق، ولا يَحْصل 20 الظهار؛ تنزيلاً لألفاظ العقود على الصحة؛ وعند المزنيِّ ينزل في مثْل ذلك على صُورة الظِّهَار والبيع، فيجوز أن يُعْلَم قوله "فهو لَغْو" بالزاي؛ لذلك، ويجوز أن يعلم بالواو أيضًا؛ لأن الإِمام ذَكَر من الأصحاب مَنْ نُسب لموافقته، وسيأتي ذلك في الأيمان -إن شاء الله تعالى- وأيضًا، فإنَّ في التعْلِيق بالمستحيلات 21 خلافًا، قد تقدَّم في "الطلاق".
فرْعٌ: لو قال: إن دخَلْتِ الدار، فأنتِ عليَّ كظهر أمي، فدخَلَتْ، وهو مجنونٌ أو ناسٍ، فعن أبي الحُسَيْن بن القطَّان: أن في حصُول العَوْد ولزوم الكفَّارة قولين.
قال القاضي ابن كج: وعنْدي أنَّها تلزم بلا خلاف، كما لو علَّق طلاقها

الجزء: 9 - الصفحة: 261

بالدخول، فدخلت، وهو مجنونٌ، وإنما يؤثر الإكراه والنسيان في فِعْل المَعْلوف على فِعْله، وهذا هو الوجه 22. قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي وَأَرَادَ التَّأْكِيدَ لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا* وَإنْ أَرَادَ الظِّهَارَ بِآخِرِ كَلاَمِهِ نَفَذَ إنْ كَانَ رَجْعِيًّا* وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ حَرَامٌ عَلَى كَظَهْرِ أُمِّي وَأَرَادَ مُجَرَّدَ الطَّلاَقِ أَوْ مُجَرَّدَ الظِّهَارِ كَانَ كَمَا نَوَى* وَلَوْ نَوَاهُمَا جَمِيعًا فَلاَ سَبِيلَ إِلَى الجَمْعِ فيُغَلّبُ الطَّلاَقُ لِقُوَّتِهِ عَلَى وَجْهٍ* وَيُغَلَّبُ الظِّهَارُ؛ لأنَّ لَفْظَهُ صَرِيحٌ عَلَى وَجْهٍ* ويُخَيَّرُ بَيَنَهُمَا يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا عَلَى وَجْهٍ* وَلَوْ قَالَ أَرَدتُّ الطَّلاَقَ بالحَرَامِ والظِّهَارِ بآخِرِ الكَلاَمِ كَانَ كَمَا نَوَى* وَلَوْ عَكَسَ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلِ الطَّلاَقُ بِلَفْظِ الظِّهَارِ لأَنَّهُ صَرِيحٌ* وَيَحْصُلُ الظِّهَارُ* وَلَوْ قَالَ: لَمْ أَقْصِدْ إِلاَّ تَحْرِيمَ عَيْنهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ وَيلْزَمُهُ كَفَّارَةُ اليَمِينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد مرَّ أنَّ كل واحِدٍ من لفْظَي الطَّلاق والظهار لا يَجُوز أن يُجْعل كنايةً عن الآخر، وأنَّ قوْل الزوج لزوْجته: أنت علي حرام، يصْلُح كنايةً عن الطَّلاق والظهار جميعًا، والفصْل يشتمل على مسألتين يتعلَّقان بهذَيْن الأصلَيْنِ: الأولى: إذ قال لامرأته: أنتِ طالقٌ كظهر أُمِّي، فله أحوال: إحداها: أن لا ينوي شيئًا فيقع الطَّلاق؛ لإتيانه بلفظه الصريح، ولا يصح الظهار؛ لأن قوله "كظهر أمي" لا استقلال له، وقوإنقطع عن قوله "أنت" بالفاصل الحاصل بينهما، فخرج عن الصَّراحة، ولم يقصد به الظهار.
الثانية: إذا قصد بمجْمُوع كلامه الطَّلاق وحْده، وجعل قوله "كظهر أمي" تأكيدًا لتحريم الطَّلاق، وقع الطَّلاق ولا ظِهَار.
الثالثة: إذا قَصَد بالجميع الظِّهَار حَصَل 23 الطَّلاق دون الظهار؛ [أما حصول الطَّلاق فللفظ الصريح، وأما عدم حصول الظهار] فلأن لفْظ الطَّلاق لا ينْصَرف إلى الظهار، والثاني: ليس بصريح كما بيَّناه، وهو لم ينْو به الظهار، وإنما نواه بالجميع، وعن أبي عليٍّ الطبَريِّ وأبي الحُسَيْن فيما رواه القاضي ابن كج أنَّه يلزمه الظهار أيضًا بإقراره.
والرابعة: إذا قصد الطَّلاق والظهار جميعًا، نُظِرَ؛ إن قَصَدَهما بمجموع كلاَمه، حصل الطَّلاق دون الظِّهَار؛ لما تبيَّن، وإن قصد الطَّلاق بقَوْله: أنْتِ طالقٌ، والظهار بقوله: كظَهْر أمي، فإن كانت تَبِين بالطَّلاق، لم يصحَّ الظهار وإن كانَتْ رجعيَّةً، يصح

الجزء: 9 - الصفحة: 262

الظِّهار مع وُقوع الطَّلاق، وفيه وجْه حكاه أبو الفَرَج السرخسي عن القَفَّال أنه لا يصحُّ الظِّهار؛ لأنا إذا استعملْنا قوله: أنتِ طالقٌ في إيقاع الطَّلاق، لم يَبْق إلا قوله: كظهر أُمِّي، وأنه لا يصحُّ كنايةً؛ إذ لا خطاب فيه، والظاهرالأول، ومَنْ نَصَره قال: كلمة الخطَاب السابقة تعود في الظِّهار، إذا نَوَى، ويصير كأنه قال: أنتِ طالقٌ، أنتِ كظَهْر أُمِّي، والوجْه المنقول عن الطَّبَري وأبي الحُسَيْن عائدٌ هاهنا لإقراره بالظهار، حيْث قال: أردتُّ الطَّلاق والظهار، ولو عَكَس؛ وقال: أردتُّ بقولي: أنْتِ طالقٌ الظِّهارَ، وبقوله: كظهر أمي الطَّلاق، وقع الطَّلاق بقوله: أنتِ طالقٌ، ولا يصح الظِّهار؛ لِمَا ذَكَرْنا أن قوله: كظهر أمي خَرَج عن الصراحة، ولم يُقْصَد به الظِّهار، ويمكن أن يقال: إذا خَرَج عن كونه صَرِيحًا في الظِّهار، وقد نوى به 24 الطَّلاق، يَقَع به طلقة أُخْرَى، إن كانت الأولى رجعيَّةً، ولو قال: أنت [علي] 25 كظَهْر أمي طَالِقٌ.
قال القاضي ابن كج: إن أراد الظِّهار والطلاق، حَصَلاَ، ولا يكون عائدًا؛ لتعقيبه الظِّهار بالطلاق، فإن راجَعَ، كان عائدًا، وإن لم يرد شيئًا، صحَّ الظِّهار، وفي وقوع الطَّلاق وجْهَان؛ لأنه ليس في لفْظ الطَّلاق مخاطبةٌ.
المسألة الثانية: إذا قال: أنتِ عليَّ حرامٌ كظَهْر أُمِّي، فله أحوال: إحداها: أن يريد بكلامه مجرَّد الطَّلاق، ففي بعْض نسخ المختصر: أنه يكون ظهارًا، وفي أكثرها أنه يكون طلاقًا، وكذلك نقل الرَّبيع والبُوَيْطِيُّ والأصحاب طريقان: أظهرهما: أن المسألة على قولَيْن: أحدهما، وبه قال أبو حنيفة: أن يكون ظهارًا؛ لأن لفْظ الحرام صالحٌ للظهار، وقد اقترن به لفْظ الظِّهار ونية الطَّلاق، واللفظ الظاهر أقْوَى من النية الخفية.
وأصحهما: أنه طلاقٌ؛ لأن قوله: أنْتِ عليَّ حرامٌ، مع نيَّة الطَّلاق بمنزلة صريح الطَّلاق، ولو قال: أنْتِ طالقٌ كظهر أمِّي، كان طلاقًا، فكذلك الكناية مع النيَّة.
الثاني: القطع بكونه طلاقًا والامتناع من إثبات قولِ آخَر حكاه أبو الفرج السرخسي، وفي كتاب القاضي ابن كج طريقةٌ قاطعةٌ بحصول الظِّهار رادَّةٌ للخلاف إلى أنَّه هل يَقَع الطَّلاق معَ الظِّهَار؟ والثانية: أن يريد به الظَّهار، فهو ظهار؛ لأن قوله: أنْتِ عليَّ حرامٌ، ظهارٌ إن أراد به الظِّهار فإذا 26 أراده وانضم إلَيْه اللفظ كان أوْلَى.

الجزء: 9 - الصفحة: 263

وقوله في الكتاب "وأراد مجرَّد الطَّلاق أو مجرد الظِّهار كان كما نوى" مُعْلَم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- إذا نوى به الطَّلاق، لمْ يَكُن كما نوى، وبالواو؛ للقول الموافق له.
وأيضًا فقد حكَيْنا في قوله "أنْتِ عليَّ حرامٌ" وجهًا أنه لا يصلُح كناية عن الطَّلاق، إذا فرَّعنا على أنَّه صريحٌ في التزام الكفارة، وذلك الوجْه عائد هاهنا، وقضية ذلك الوجْه أن لا يُجْعَل كنايةً عن الظِّهار أيضًا، والله أعلم.
الثالثة: إذا نوى الطَّلاق والظهار جميعًا، فيُنْظر؛ إن أرادهما بمجموع الكلام أو بقوله "أنتِ عليَّ حرامٌ" لم يثبتا جميعًا؛ لاختلاف توجيههما، وفيما يثبت ثلاثة أوجه: أحدها، وبه قال ابن الحدَّاد قال الشيخ أبو علي، ووافقه الجمهور: أنه يُخيَّر؛ فما اختاره ثَبَت، والثاني: أنه يقع الطَّلاق؛ لأنه لا سبيل إلى إبطالهما جميعًا، كما لا سبيل إلى إثباتهما جميعًا، فيثبت ما هو أقوى، وهو الطَّلاق، والثالث: أنه يَثْبُت الظِّهار؛ لأن قوله: أنت عليَّ حرامٌ، يحتملها جميعًا، فهذا نواهما تعارضَا وتَسَاقَطَا وقوله بعد ذلك "كظهر أمي" لا صريحُ لفْظ الظِّهار، فثَبَت.
وإن أراد بقوله: أنتِ عليّ حرام، الطلاَق، وبقوله: كظهر أُمِّي الظِّهار، وقع الطَّلاق، ويصح الظِّهار أيضًا إن كان الطَّلاق رجعيًّا، وإن كان بائنًا، لم يصِحَّ، ولفظ الحرام مع نيَّة الطَّلاق كقوله: أنتِ 27 طالقٌ كظَهْر أمي، والوجه المذكور هناك -أن الظِّهار لا يَحْصُل؛ لأن قوله: كظهر أمي، غيْر مفيد وحْده- عائدٌ هاهنا، ولو عَكَس فقال: أردتُّ بقولي: أنْتِ عليَّ حرامٌ، الظِّهَارَ، وبقوله: كظهر أمي، الطَّلاق، صحَّ الظِّهار، ولم يقع الطَّلاق؛ لأن لفْظ الظِّهار صريحٌ في معناه، لا يُجْعل كنايةً عن الطَّلاق، وعن الشيخ أبي محمَّد وغيره: أنه يقع الطَّلاق؛ لأن قوله: كظهر أمي، لعدم الاستقلال قَدْ خَرَج عن كونه صريحًا في الظِّهار، كما تقدَّم، فأمكن 28 أن يُجْعل كنايةً عن الطَّلاق، وليُعْلَمْ؛ لما حكينا قوْله في الكتاب "لم يحصل الطَّلاق" بالواو، وكذا قوله "كان كما نوى" فيما إذا قال: أردتُّ بالحرام الطَّلاق، وبآخر الكلام الظِّهار؛ لأن على الوجه الذاهب إلى أنَّه لا يَصِحُّ الظِّهار، لا يكون الأمْرُ كما نَوَى، ثم قوله "كان كما نوى" محمول على ما إذا كان الطَّلاق رجعيًّا غَيْر مُجْرى على إطلاقه، وفي "تعليق" الشيخ أبي حامد -رحمه الله- وغيره؛ أنه إذا نوى الطَّلاق والظهار جميعًا، فيبنى على ما إذا نوى الطَّلاق وحْده، إن قلْنا: إنه يكون ظهارًا، فكذلك هاهنا، وإن قلنا: إنَّه يكون طلاقًا هناك، فهاهنا يكُون مطلّقًا مظاهرًا، وذكر في "المهذب" مثل ذلك، إن كان الطَّلاق بائنًا، فإن كان رجعيًّا، قال: يكون مطلِّقًا ومظاهرًا، فإن كان ما ذكروه شاملاً لما

الجزء: 9 - الصفحة: 264

إذا نواهما بجُمْلة الكلام، أو بقوله: أنْتِ عليَّ حرامٌ، أحوج إلى إعلام قوله في الكتاب "فلا سبيل إلى الجمع" بالواو، وهذا قضيَّة إطلاقهم، وان أرادوا ما إذا نوى بالحرام الطلاق، وبآخر الكلام الظهار، كان قوله "كما نوى" معلمًا بالواو، لشيء آخَر، وهو قول من قال: إنه يكون ظهارًا لا طلاقًا.
الرابعة: إذا قال: أردتُّ بقولي: أنْتِ عليَّ حرامٌ، تحريمَ ذاتها الذي موجبُهُ الكفَّارة، ففيه وجْهان: أظهرهما: أنه يُقبل؛ لموافقته لفْظ الحرام.
والثاني: لا يقبل، ويكون مظاهرًا؛ لأنه وصف التحريم بما يوجب الكفارة العُظْمَى؛ فلا يُقْبل في الرد إلى الصغرى، وإذا قلنا بالأول، فإن لم ينو بقوله: كظهر أمي، الظهار، لم يلزمْه شيْء سوى كفَّارة اليمين، وكان قوله: كظهر أمي، تأْكيدًا لتحريم الذات، وإن نوى به الظِّهار، لزمته الكفَّارة، وكان مظاهرًا، وقوله في الكتاب "لم تحرم عليه" غير محتاج إلَيْه في هذا الموضع، وقد سَبَق ذلك في كتاب الطلاق، وقوله "ويلزمه كفارة اليمين" معلم بالواو؛ للوجه الذاهب إلى أنّه مظاهرٌ، وهذا التفسير غير مقبول.
الخامسة، وهِيَ غيْر مذكورة في الكتاب: إذا أطْلَق اللفظ، ولم ينو شيئًا أصْلاً، فلا طَّلاق؛ لأنه لا يوجَدْ صريح لفظه ولا نيته، وفي الظهار وجْهَان: أظهرهما، ويُحْكى عن نصه في "الأم": أنه يثْبُت؛ لأن لفظ الحرام يكون ظهارًا بانضمام نية الظهار إلَيْه، فَلأَنْ يكونَ ظهارًا بانضمام لفظه إلَيْه كان أولى، فإن اللفْظ فوق النيَّة.
والثاني، وهو المذكور الذي أورده الشيخ أبو عليٍّ: أنه لا يثبت، بناء على أن قوله: أنتِ عليَّ حرامٌ، صريح في التزام الكفارة، فيكون قوله: أنت علي حرام [كظهر أمي، هذا كقوله: أنت طالق أمي من غير نية، وقد] 29 ذكرنا في هذه الصورة أنَّه يقع الطَّلاق، ولا يحْصُل الظهار؛ كذلك هاهنا، تجِبُ الكفارة ولا يحصل الظهار، ومن نصر الأول قال: إنما يكُون قوْله: أنْتِ عليَّ حرام، صريحًا في الكفارة، إذا تجرَّد، فأما مع قوله "أمي" فهو تأكيد لمقصود الظهار.
والله أعلم.
فرْعٌ: لو قال: أنْت [عليَّ] 30 كظهر أمي حرامٌ، كان مظاهرًا؛ لصريح لفظه، ثم قال في "التتمة": إن لم يَنْو بقوله "احرام" شيئًا، كان تأكيدًا للظهار، وإن نوى تحريم عينها، فكذلك، ومقتضى التَّحْريم، وهو الكفارة الصُّغْرى، يدخل في مقتضى الظهار، وهو الكفارة العظْمَى، وإن نوى بالحرام الطلاق، فقد عقَّب الظهار بالطلاق، فلا عود

الجزء: 9 - الصفحة: 265

آخر في "اللطيف" لأبي الحُسَيْن بن خيران: أنه لو قال: أنْتِ مثْل أمِّي، ونوى الطلاق، كان طلاقًا بخلاف قوله: أنت عليَّ كظَهْر أمي؛ وهذا لِمَا مرَّ أن قوله "مثل أمي" ليس صريحًا في الظهار، وعلى هذا قياسُ قوله "كعين أمي وروحها" (1).

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (البَابُ الثانِي في حُكمِ الظِّهَارِ):

وَلَهُ حُكْمَانِ: (أَحَدُهُمَا): أنَّهُ يُحَرَّمُ الجِمَاعُ عِنْدَ العَوْدِ تَحْرِيمًا مَمْدُودًا إِلَى التَّكُفِيرِ سَوَاءٌ كَانَتِ الكَفَّارَةُ بِالإِطْعَامِ (ح) أَوْ بِغَيْرِهِ* وَهَلْ يَحرُمُ اللَّمْسُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ: (أَحَدُهُمَا): نَعَمْ كَمَا تَحْرُمُ الرَّجْعِيَّةُ وَالمُحَرَّمَةُ وَالمُعتَدَّةُ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ وَالمُسْتَبْرَأَةُ بِمِلْكِ اليَمِينِ (وَالثَّانِي): لاَ كَمَا لاَ تَحْرُمُ الحَائضُ والصَّائِمَةُ* وَعَلَى هَذَا هَلْ يَحْرُمُ الاسْتِمْتَاعُ بِمَا تَحْتَ السُّرةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ كَمَا في الحَائِضِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من حكم الظهار الصحيح تحْريم الوطء، إذا وجبَ الكفَّارة إلى أن يُكَفِّر، فلو وَطِئَ قبْل التكفير، ويحرم عليه العود ثانيًا إلى أن يُكَفِّر، قال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] ثم قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 4] وكذلك الحُكْم لو كان يكفر بالإطعام، لا يجوز له أن يطأَها، حتَّى يُطْعِم، وإن لَمْ تتعرَّض الآية في الإطعام للتَّمَاسِّ، بل قال: فإطعام ستين مسكيناً؛ حمْلاً للمُطْلَق على المُقَيَّد عنْد اتِّحَاد الواقعة، وروي عن أبي حنيفة أنَّه إذا كان يُكَفِّر بالإطعام، فلا يحرم الوطء قبْله، ومن الأصحاب من يَنْسُب هذا المَذْهَب إلى مالك، وقد يحتج للتحريم قبْل التكفير، وللتسوية بين الإطعام وغيره بما رُوِيَ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لرَجُلٍ ظَاهَرَ من امْرَأَته وواقعها: "لاَ تَقْرَبْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ" وُيرْوى اعْتَزلْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ 32، وهل31

الجزء: 9 - الصفحة: 266

تحرم القبلة واللمس بالشهوة وسائر الاستمتاعات؟ فيه قولان، ويُقَال وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنها تدْعو إلى الوطء، وتفضي إليه؟ ولأن لفْظ الظِّهار لفْظٌ يوجب تحريم الوطء، فيحرم سائر الاستمتاعات، كالطلاق، وأيْضًا فقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] يشْمَل الوطء والاستمتاعات، وبهذا القول قال أبو حنيفة ومالك.
والثاني: المنع لأن الظِّهار معنى لا يخل بالملك، فأشبه الصوم والحيض، ولأنه وطء حرام، لا يتعلق به مال ولا تشاركه في التحريم مقدماته؛ كوطء الحائض.
والقصْد بقولنا "لا يتعلَّق به مال" الاحْترازُ عن وطء المحرم وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] محمولٌ على الوطء كقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] وعن أحمد روايتان كالقولين وما الأظهر من الخلاف؟، قال ابْن الصَّبَّاغ والإمام وصاحب "التتمة" إلى ترجيح التحريم.
والأكثرون رجَّحوا القول الآخر؛ يؤيِّده أن التحريم منسوبٌ إلى القديم، ومقابل إلى الجديد، وحكى القاضي ابن كج طريقةً [أخرى] 33 قاطعةً بعدم التحريم، ثم عد الإِمام هاهنا الصُّور التي يحرم فيها القُبْلة وسائر الاستمتاعات مع الوطء، والصور الَّتي يختص فيها التحريم بالوطء، فقال: ما يحرم الوطء، لتأثيره في الملك، كالطلاق الرجعي وغير الرجعي والردة.، فإنه يحرم كل استمتاع، وكذا لو حَلَّت الأَمَّةُ للغير كالأمة المزوَّجة أو حرم الوطء لاستبراء الرَّحِم عن الغير، كالمعتدة عن وطء الشبهة في صلْبِ النكاح، يحرم الاستمتاع، وكذا المستبرأة بِمِلْك اليمين بشراء ونحوه؛ لأنَّها لو كانَتْ مستولدة الغَيْر، كانت محرَّمة من كل وجه.
وما يحرم الوطء بسبب الأذى، فإنه لا يحرم كلُّ استمتاع.
وأمَّا العِبَادَات المحرَّمة للوطء؛ فالإحرامُ 34 يُحَرِّم كل استمتاع تعبُّدًا 35، والصَّوْم والاعتكاف يحَرِّمانْ كلَّ ما يُخْشَى منْه الإنزال؛ لتأثرهما بالإنزال، فإذا قلْنا في الظهار: لا تحرم القبلة واللمس، ففيما بين السُّرَّة والركبة احتمالان: أقواهما: أنَّه على الخلاف في حقِّ الحائض، والثاني: أنه كسائر الاستمتاعات، والاحتمالان مبنيَّان على أن التحريم في = أن كفر، قال: كفر، ولا تعد، وفي الباب عن سلمة بن صخر عند الترمذي أيضًا باختصار، ولفظه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في المظاهر يواقع قبل أن يكفر، قال: كفارة واحدة، وقال: حسن غريب، وبالغ أبو بكر بن العربي فقال: ليس في الظهار حديث صحيح.

الجزء: 9 - الصفحة: 267

حقِّ الحائض لأنه يحوم حول الحمى أو لأنه لا يُؤْمَن انتشار الأذَى إلى ذلك المَوْضِع.
وقوله في الكتاب "سواء كانت الكفارة بالاطعام أو بغيره" قَصَد به التعرُّض للمذهب المذكور وقوله "فيه قولان" يجوز إعْلاَمُه بالواو؛ للطريقة القاطعة، وقوله: "والمعتدة مِنْ وطُءِ الشبهة" عدها في اللواتي يَحْرُم الاستمتاع بهن مع الوطء، اتباعًا لما حَكَيْناه عن الإِمام، لكن يجُوز إعْلامه بالواو، ففي "التهذيب" حكايةُ وَجْهَيْن في جواز الاستمتاع بها، ذكرهما في "باب الاستبراء".
وقوله "والمستبرأة بمِلْك اليمين" المراد ما سوى المسببة ففي المسببة خلافٌ مذكورٌ في "الاستبراء".
وقوله "وعلى هذا هل يحرم الاستمتاع .... " إلى آخره، جواب على إلحاقها بالحائض في مجيء ذلك الخلاف، وبجوز إعلام قوله "فيه خلاف" بالواو؛ للاحتمال الآخر، ويشبه أن يجيْء في الاستمتاع بالجارية المرهونة 36 خلافٌ والله أعْلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي) وُجُوبُ الكَفَّارَةِ بِالعَوْدِ وَالعَوْدُ هُوَ إِمْسَاكُهَا عَقِيبَ الظِّهَارِ وَلَوْ لَحْظَةً وَذَلِكَ بِأَنْ لاَ يَنْقَطِعَ نِكَاحُهَا* فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ جُنَّ الزَّوْجُ أَوْ قَطَعَ بِطَلاَقٍ بَائِنٍ أَوْ رَجْعِيِّ مِنْ غَيْرِ رَجْعَةٍ أَوْ بِشِرَائِهَا (و) وَهِيَ رَقِيقَةٌ أَوْ بِاللِّعَانِ عَنْهَا عَقِيبَةُ أَوْ بِالبِدَارِ إِلَى فِعْلٍ كَانَ قَدْ عَلَّقَ عَلَيْهِ الطَّلاَقَ مِنْ قَبْلُ فَلَيْسَ بِعَائِدٍ وَلاَ كَفَّارَةَ* وَالاشْتِغَالُ بِأسْبَابِ الشِّرَاءِ أَوْ رَفْعِ الأَمْرِ إِلَى القَاضِي فِي اللِّعَانِ هَلْ يَرْفَعُ العَوْدَ؟ فيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكفَّارة الواجبةُ في الظِّهَار تتعلَّق بالعَوْد 37؛ قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ

الجزء: 9 - الصفحة: 268

يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 2] والعَوْد هو أن يُمْسكها في النكاح بقَدْر ما يمكنه مفارقتها فيه، واحتج له بأنَّ العَوْد للقَوْل عبارة عن مخالفته، فيقال قال فلانٌ قولاً، ثم عاد فيه، وعادله، أي خالفه ونَقَضه، وهو = لأن العود للقول مخالفة، يقال قال فلان قولاً، ثم عاد له، وعاد فيه.
أي: خالفه، وهو قريب من قولهم عاد في هبته إذا رجع فيها ونقضها.
وقالت المالكية: هو العزم على الوطء مع نية الإمساك، أو هو الوطء نفسه.
ووجهة المالكية أن العزم قول نفس، والمظاهر قال قولاً يقتضي التحليل، وهو النكاح، وقال قولاً يقتضي التحريم، وهو الظهار، ثم عاد لما قال، وهو قول التحليل، ولا يصح أن يكون ذلك القول عقد النكاح؛ لأنه بَاقٍ، فلم يبق إلا أنه قول عزم يخالف ما اعتقده، وقاله في نفسه من الظهار الذي أخبر عنه بقوله: "أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أِمِّي" وإذا كان كذلك كفَّر، وعاد إلى أهله ولا يكون ذلك إلا بعد بقاء إمساكها.
وقالت الحنفية: هو العزم على الوطء فقط.
ودليلهم ما تقدم للمالكية، ويؤيد ذلك ما ثبت من حديث أوس بن الصامت أما دعا امرأته إليه بعد ظهاره منها، فقالت له: والذي نفس خولة بيده لا تصل إلي، وقد قلت ما قلت حتى يحكم اللهُ ورسوله.
وقالت الحنابلة: هو الوطء نفسه؛ لأن الكفارة في الظهار كفارة يمين، فلا تجب بغير الحنث كسائر الأيمان، والحنث فيها هو العود، وهو فعل ما حلف على تركه، وهو الجماع؛ ولسان الظهار يمين يقتضي ترك الوطء، فلا تجب الكفارة إلا به كالإيلاء.
وقالت الظاهرية: هو تكرير اللفظ الذي قاله؛ لانه لا يعقل من اللغة غير هذا؛ وبهذا جاءت السنة عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: إِنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ امرأة أوس بن الصامت، وكان به لمم، فكان إذا اشتد لممه ظاهر منها، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ فيه آية الظهار، فهذا يقتضي التكرار ولا بد.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن الحق مع من يقول إن العود هو العزم على الوطء مع بقاء الإمساك لأن الله -سبحانه وتعالى- ذكر العود بكلمة "ثُمَّ" "ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوْا" وهي تقتضي التراخي الزماني، والإمساك معقب لا متراخي الذي قالت به الشافعية، وليس هو الوطء، كما قالت الحنابلة؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فلو كان العود هو الوطء لما كان لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ معنى، وأيضًا فإن تعلق الحكم بالموصول دليل على عليَّة ما في حيِّز الصلة، وما في حيِّز الصلة هو الظهار والعود، فلو كان المراد من العود الوطء لما كان لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ موقع؛ لأن الوطء محرم قبل التكفير، فلا يصح أن يراد من العود، وإلا كان مأمورًا به قبل التكفير مَنْهِيًّا عنه قبله، وهو باطل، كما لا يصح أن يراد منه العزم فقط إذ لو كان هو العود لما سقطت الكفارة بعد الطلاق بعد العزم على الوطء، كما لا يصح أن يراد به إعادة اللفظ؛ لأن العود يقتضي أمرين: أمرًا يعود إليه، وأمرًا يعود عنه، ولا بد منهما، فالذي يعود عنه يتضمن نقضه وإبطاله، والذي يعود إليه يتضمن إيثاره وارادته، فعود المظاهر يقتضي نقض الظهار وإبطاله، كما يقتضي رجوعه إلى الحالة التي كان عليها قبل الظهار، وهي: حِلُّ الاسْتِمْتَاعِ.

الجزء: 9 - الصفحة: 269

قريبٌ من قولهم: عاد في هبته، ومقصود الظِّهار ومعناه وصْف المرأة بالتحريم، فكان 38 بالإمساك عائدًا.
وقال مالك وأحمد -رحمهما الله-: العَوْد هو العَزْم على الوطء، وهو رواية عن أبي حنيفة، ويُرْوَى عن مالك أن العَوْد هو الوطء، فليُعْلَم قوله في الكتاب "والعود هو إمساكها عقيب الظِّهار" بعلاماتهم وبالواو أيضًا؛ لأن الشيخ أبا حاتم القزوينيَّ حكى عن القديم قولاً أن العَوْد هو العزم على الوطء، ونقل الأمام وغيْره عن القديم أن العَوْد هو الوطء.
واعلم قوله "وجوب الكفارة" بالحاء؛ لأن المشهور عن أبي حنيفة أنَّ الكفَّارة لا تجب على المُظَاهر، وإنما هي شَرْط حل الوطء، فيكفر إن أراد الاستباحة.
وقوله "بالعود" يقتضي كون العَوْد سبب الكفارة، واختلف عبارات الأصحاب [فيه] 39 بعد الاتفاق على أن العَوْد إنما يَجِب إذا ظاهَرَ، وعاد، فمِنْهم مَنْ قال: سبب الكفارة يتركَّب من العَوْد والظهار، ومنهم منْ يضيفها إلى العَوْد؛ لأنه الخبر الأخير، ومنهم مَنْ يقول: تجِب الكفَّارة بالظهار، والعود شرط له، إذا تقرر ذلك، فلَوْ مَات أحد الزوجين عقيب الظِّهار، فلا عَوْد لفوات الإمساك على النكاح، وكذا لو فَسَخ أحدهما النكاح بسبب يقتضيه أو جُنَّ الزوج؛ لأنه تعذَّر عليه الفراق، ولو قطع النكاح بطلقة بائنة أو رجعية، ولم يراجع، لم يكن عائدًا ولم تلزمه الكفَّارة.
ثم في الفصْل صوَرٌ: إحداها: لو كانت الزوجَة رقيقةً فظاهر منها، ثم اشتراها مِنْ مالكها على الاتصال، ففيه وجهان: أظهرهما، وبه قال أبو إسحاق وابن أبي هريرة، وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يكون عائدًا؛ لأنه قَطَع النكاح بالشراء، فأشبه ما لو طلَّق.
والثاني: [أنه] 40 عائد؛ لأنه لم يحقِّق التحريم، وإنما نقَلَها من حِلٍّ إلى حِلٍّ، وذلك إمْساك لها، وإذا قلنا بالأول، فالاشتغال بأسباب الشراء كالمساومة وتقدير الثمن، هل يمنع العَوْد؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأخذه في المفارقة وتحقيق الوصْف بالتحريم.
والثاني: لا؛ لأنه مُمْسِك إلى أن في يشتري، قادِرٌ على المفارقة، بالأول أجاب صاحب "التهذيب" والأشبه

الجزء: 9 - الصفحة: 270

الثاني، ورجَّحه أبو سعد المتولي وغيره، وهو الحكاية عن ابن الحدَّاد، قال الإِمام: وهذا الخلاف فيما إذا كان الشراء متيسرًا، أما إذا كان متعذِّرًا، فالاشتغال بتسهيله لا ينافي العَوْد عندي.
الثانية: لو لاعن عنْها عقيب الظِّهار، فقد نص -رضي الله عنه- أنه لا يكون عائدًا، واختلفوا في صورة النَّصِّ على ثلاثة أوجهٍ: أحدها، وبه قال ابن الحدَّاد: أن المراد ما إذا سَبَق القذف والمرافعة إلى الحاكم، أو أتى بما قبل الخامسة من كلمات اللِّعَان، ثم ظاهَرَ عنها، وعقَّبها بالكلمة الخامسة؛ لأنَّه، والحالة هذه، فارَقَها بكلمة واحدة، فكان كما لو طلَّقها أو اشتراها، وهي رقيقة.
فأمَّا إذا قذف بعْد الظِّهار أو قَذَف قبْله، وقَعَت المرافعة [و] الإتيان بالكلمات بعده، فيكون عائدًا؛ لأنه أمكنه أن يفارقها بكلمة واحدة، فهذا طول مع إمكان الفراق كان عائدًا.
وأظهرهما، وبه قال أبو إسحاق وابن أبي هريرة وابن الوكيل؛ إن سَبَق القَذْفَ شرْطٌ، ولكن لا يشترط تقدم شيْء من كلمات اللعان بل إذا وصَلَها بالظهار، لم يكن عائدًا؛ لأن الكلمات بمجموعها موقعة للفرقة، وإذا اشتغل بما يوجب الفراق، لم يفترق 41 الحال بين أن يطول أو يقصر؛ ألا ترى أن قوله: أنتِ طالقٌ ثلاثًا أو يا فلانةُ بنْتَ فلانٍ، أنتِ طالقٌ، بمثابة قوله: طلَّقْتُك، وإن كانت هذه الطريقة أقصر، ويفارق القذْف، فإنه ليس موجبًا للفرق، وشَرَط الإِمام وصاحب "التهذيب" -رحمهما الله- على هذا الوجْه سَبْق المرافقة إلى الحاكم أيضًا.
والثالث، وبه قال ابن سلمة، وحكاه المزني في "الجامع الكبير": أنه لا يُشْترط سَبْق القذف أيضًا 42، فلو ظاهر وقذف على الاتصال، واشتغل بالمرافقة وتعهد أسباب اللعان، لم يكن عائدًا، وإن بقي أيامًا فيه؛ لأن القذف لا بُدَّ منه، إذا كان يريد الفراق باللعان، فكان الاشتغال به شروعًا في أسْباب الفرقة، وشبه ذلك بما إذا قال عقيب الظِّهار: أنتِ طالقٌ عَلَى ألْفِ درْهَمٍ، فلم تُقْبَل، فقال [عقيبةُ] 43: أنت طالق بلا عوض

الجزء: 9 - الصفحة: 271

لا يكون عائدًا؛ لأنه كان مشغولاً بسبب الفراق، وقوله في الكتاب "أو باللعان عنها عقيبه" يُشْعر ظاهره بأنَّه لا بأس بتَأَخُّر جميع كلمات اللِّعَان، فإن اللعان يقع على جميعها، وهو الوجْه الأظهر، ويجوز أن يُعْلم بالواو؛ للوجه الصائر إلى أنَّه لا يجوز أن تتأَخَّر جميع الكلمات، وقولها "أو رَفْع الأَمْرِ إِلَى القَاضِي" إلى آخره إشارةٌ إلى الخلاف في أن المرافعة إلى القاضي، هَلْ يشترط تقدُّمها؟ ومن شَرَط تقدُّم المرافعة، فيشترط تقدُّم القذف لا محالة، ومَنْ لم يشترط تقدُّم المرافعة، جوز آخرًا تأخير القذْف أيضًا.
فرْعٌ: لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، يا زانية، أنْتِ طالقٌ، ففيه وجهان: قال ابن الحدَّاد: هو عائدٌ؛ لأنه مُمْسِك لها حالَة القذف، وكان قادرًا على أن يُطلَّقها بدَلاً عنه.
قال الشيخ أبو عليٍّ: هذا صحيحٌ، إن لم يُلاَعِن بعْده، وكذا إن لاَعَن جوابًا على أنَّه يُشْتَرط سبْق القذف، فاما إذا لم يَشْترط، فلا يكون عائدًا؛ لأن الاشتغال بالقَذْف، ثم بالمرافعة واللعان اشتغالٌ بأسباب الفراق.
والوجْه الثاني: أنه لا يكون عائدًا، ويكون قوله "يا زانية، أنتِ طالقٌ" كقوله "يا زينبُ، أنتِ طالقٌ" في منْع العود، وتردَّد الإِمام في أن ابن الحدَّاد هل تَسْلَم [له] 44 هذه الصُّورة 45 الثالثة.
لو علَّق طلاقها عقيب الظِّهار بصفة، كان عائدًا؛ لأنه أخَّر الطلاق مَعَ إمْكان التعجيل، فكان ممسكًا لها إلى أن توجَدَ الصِّفَة، ولو كان قدْ علَّق الطلاق بدخوله الدار، ثم ظاهر، وبادر عقب الظِّهار إلى الدخول، لم يكُنْ عائدًا لتحقيقه الفراق.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ طَلَّقَ طَلاَقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ رَاجَعَ فَعَيْنُ الرَّجْعَةِ عَوْدٌ* وَلَوْ ارْتَدَّ فَعَيْنُ الإِسْلاَمُ لَيْسَ بِعَوْدِ* وَكَذَلِكَ لَوْ أَبَانَهَا ثُمَّ جَدَّد النِّكَاحَ لَمْ يَكُنْ عَائِدًا وَإِنْ قُلْنَا بعَوْدِ الحِنْثِ مَهْمَا طَلَّقَ عَقِيب النِّكَاحِ وَالإِسْلاَمِ* وَفِيهِمَا وَجْهٌ أنَّهُ كَالرَّجْعَةِ* وَلَوْ عَلَّقَ الظِّهَارَ بِفِعْلِ غَيْرِهِ فَفَعَلَ وَلَمْ يَعْرِفْ لاَ يَصِيرُ عَائِدًا حَتَّى يَعْرِفَ وَلاَ يُطَلِّق عَقِيبَهُ* وَإِنْ عَلَّقَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ فَفَعَلَ وَلَمْ يُطَلَّقْ كَانَ عَائِدًا وَإنْ كَانَ قَدْ نَسِيَ الظِّهَارِ؛ لأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي نِسْيَانِ الظِّهَارِ* وَمَهْمَا عَادَ وَلَزِمَتِ الكَفَّارَةُ لَمْ يَسْقُطْ بِالطَّلاَقِ المُبَين بَعْدَهُ* وَلَوْ جَدَّدَ النِّكَاحَ كَانَ التَّحْرِيمُ مُسْتَمرًا وإنْ لَمْ نْقَضْ بِعَوْدِ الحِنْثِ لأَنَّ التَّحْرِيمَ قَدْ سَبَقَ* وَلَوِ اشْتَرَاهَا فَفِي تَحْرِيمهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ خِلاَفٌ.

الجزء: 9 - الصفحة: 272

ّقَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل: إحداها: إذا ظاهر ثُمَّ طلَّق المظاهَرُ منها طلاقًا رجعيًّا، عقبه ثم راجَعَها، فلا خلاف في أنه يعود الظهار وأحكامه، ولو طلَّقها طلاقًا بائنًا أو رجعيًّا، وتركها حتَّى بانَتْ ثم جدَّد نكاحها، ففي عَوْد الظهار الخلافُ في عود اليمين، ويجري الخلاف فيما إذا كانَتِ الزَّوْجة رقيقةً، فاشتراها وأعتقها أو باعها ثم نكحها، وعَوْد النكاح بَعْد الانفساخ بالملْك كعَوْده بعْد البينونة بالثلاث، أو كعَوْده بَعْد البينونة بما دُون الثَّلاث، فيه طريقان، قد سَبَقَ نظيرهما.
ولو ارتد الزوْج عَقِب الظِّهار بعْد الدخول، ثم عاد إلى الإِسلام في مدَّة العِدَّة، فلا خلاف في عَوْد الظهار وأحكامه؛ لأنَّه تبيَّن دوام النكاح، إذا عُرف ذلك، فهل الرَّجعة وتجديدُ النكاح والإِسلام بَعْد الردة نَفْسها عودًا أم لا، وإنما يكون عائدًا إذا أمسكها بَعْد هذه الأمور؟ فيه خلاف، وفي كيفيته طريقان: أشهرهما: أن في صورة الرجعة قولَيْن: أصحُّهما، ويُحْكى عن نصه -رضي الله عنه- في الأم أن نَفْس الرجعة عَوْد؛ لأن العود هو الإمساك، والرجعة إمساكٌ، ولأن الرجعة استحداث حل، وذلك أبْلَغ في مخالفة الوَصْف بالتحريم مِنَ الإمْسَاك على حُكْم الحل السابق.
والثاني: ويُحْكَى عن نصه -رضي الله عنه- في "الإملاء" أنَّه لا يكون عائدًا بنَفْس الرجعة، وإنما يصير عائدًا إذا أمْسَكَها بعْد الرجعة قَدْرَ مَا يتأتى فيه 46 المفارقة؛ لأن الرجْعَة رد [إلى] 47 النكاح، وإنما تَحْصُل المخالفة بالإمساك في النكاح، ويجري الخِلاَف فيما إذا ظاهر عن الرجْعيَّة، ثم راجَعَها، ولا يكون عائدًا قبل الرجْعة بحال؛ لأنها جارية إلى البينونة، وهذا كما أنه يصحُّ الإيلاء عن الرجعيَّة ولا تضرب المدة في الحال 48، وفي صورة تجْديد النكاح المجدَّد خلافٌ، والفرق أن الرجْعة إمساك في ذلك النكاح، والتجديد بخلافه، والإِسلام بعْد الردة كالنكاح المجدَّد، وأَوْلَى بأن لا يكون عائدًا، والطريق الثاني: حكى القاضي أبو الطَّيَّب جماعة، منهم صاحب الكتاب: أن النص في الرجْعة أنَّها عَوْد، [و] في الإِسلام بعد الردة أنه ليس بعود، فمِنَ الأئمة من جعلها على وجهَيْن أو قولَيْن بالنقل والتخريج، ومنهم من اقتصر في كلِّ صورة على النص فيها، والفَرْق أن مقصود الرجعة استباحة البُضْع، وهي تخالف الوصف بالتحريم الذي هو مضمون الظِّهار، ومقصود الإِسلام تَبْدِيل الدِّين الباطل بالحق، والحِلُّ والحُرمة

الجزء: 9 - الصفحة: 273

في تبديل الدِّين يقعان تابعَيْن وأحرى في تجديد النكاح مثْل هذا التصرُّف، لكن الذي حكاه صاحِبُ الكِتَاب وغَيْره عن النَّصِّ أن التجديد ليس بِعَوْد كالإِسلام، وفرق على هذا بأن النكاح يُقْصَد به تجديد الملك، والرجعة لا معْنَى لها إلا إمساك الزوْجَة، وحكى أبو الفرج الزاز عن النَّصِّ أن التجديد عَوْد كالرجعة، وكيفما قُدِّر الخلاف، فالظاهر أن نَفْس الرجعة عَوْد، وهو الذي أورده في الكتاب هاهنا فيما إذا طلَّقها طلقةً رجعيةً، وراجَعَها، وفي أول الباب فيما إذا ظاهر [عن] 49 الرجعية.
وإذا ارتدَّ أحد الزوجين عَقِيب الظِّهَار [و] كان ذلك قبل الدخول، فلا عَوْد؛ لانقطاع النِّكَاح، وكذا لو كان بعْد الدُّخول، وأصر المرتد إلى انقضاء العدة، ولو ظاهر الكافر عن امرأته 50 ثم أسْلَمَا في الحال معًا، أو أسلم الزوج وهي كتابيَّةٌ، فالنكاح دائمٌ؛ ولا أثر لمَا جرى في مَنْع العود، وإن أسلم وهي وثنيةً أو أسْلَمَت المرأة، وتخلَّف الزوج، وهو كتابيٌّ أو وثنيٌّ، نُظِر؛ إن كان ذلك قبْل الدخول، فلا عود؛ لارتفاع النكاح، وإن كان بعْده، فكذلك لا عَوْد في الحال؛ لأنها جارية في البينونة، ثم إن لم يُسْلِم المتخلِّف إلى انقضاء مدة العدة، بَانَ حصول الفراق مِنْ وقت إسلام أسبقهما إسلامًا، ولا عَوْد، فإن نَكَحها بَعْد ذلك، ففي عَوْد الظهار الخِلاَفُ في عود اليمين، وإن أسلم المتخلِّف [في مدة العدة، دام النكاح، ثم إن كان الزَّوْج هو المتخلِّف،] 51 فنَفْس الإِسلام منْه عَوْدٌ، أو إنما يكون عائدًا إذا أمسكها بعْد الإسْلام، وفيه الخلاف السَّابق، وإن كانَتْ هي المتخلفة، فنَفْس إسلامها لا يكون عودًا منْه بحال؛ لأنه لا يتعلَّق باختياره.
نعم، إذا مَضَى زمان إمكان المفارقة بعْد إسلامها، ولم يفارقْها فيَكُون عائدًا، وذلك بعد أن يعْلَم إسلامها.
فرْعٌ: لو جُنَّ عقيب الظهار، ثم أفاق بعْد ذلك، ذكر الشيخ أبو عليٍّ أن بَعْض الأصحاب جَعَل كون الإفاقة في نَفْسها عودًا على الخلاف المذكور في الرجْعَة، وهذا ظاهر الفساد.
الثانية: قد سَبَق أن تعْلِيق الظِّهار صحيحٌ، فلو علَّقه، ووجد المعلَّق عليه، وأمسكها جاهلاً، نُظِرَ؛ إن علَّق على فعْل غيره، فلا يكون عائدًا حتى يَعْلَم، ويمسكها بعد العلم، وإن علَّق على فعْل نفْسه، ونَسِيَ الظهار، فالمشهور أنه يكون عائدًا؛ لأنه بسبيل من أن يَتذكَّر تصَرُّفه؛ فلا يعذر في نسيان الظهار، ورأى صاحب "التهذيب" وغيره تخْريج المسألة في الطرفَيْن على حِنْث الناسي والجاهل، وهذا أحسن، وهو الذي أورده صاحب "التتمة" -رحمه الله-.

الجزء: 9 - الصفحة: 274

الثالثة: مهما عاد المظاهر فلَزِمَت الكفارة، ثم طلَّقها طلاقًا بائنًا أو رجعيًّا، لم تَسْقُط الكفارة، وكذا لو مات أحَدُهما، أو فسخ النِّكَاح، فإن كان لوجود شيْء منْها عقيب الظهار، مُنِع وجوب الكفارة؛ لأنها إذا وجدت عقيب الظهار، لم يحْصُل شرط الوجوب، وهو العَوْد، ولو جدَّد النكاح بَعْد البينونة، استمر التحريم إلى أن يُكَفِّر، سواء حكَمنا بعَوْد الحنث 52، أو لم نحْكم، وليس كما إذا طلَّقها عَقِيب الظِّهار، ثمَّ جدَّد النكاح، فإنَّ عود الظهار وأحكامه يُبْنَى على الخلاف في عود الحنث؛ لأن التحريم هاهنا قَدْ حَصَل في النكاح الأول، وقد قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 2] فلو كانت الزوجة رقيقة، وحَصَل العود، ثم اشتراها، فهل تحِلُّ قبْل التكفير بمِلْك اليمين فيه وجهان: أصحهما: المنع، ووجُّه الثاني، بأن الظهار لا يَصِحُّ في ملْك اليمين، فلا يتعدى 53 تحريمه إليه، وهذا الخلاف كالخلاف فيما إذا طلق زوجته الأمة ثلاثًا، ثم ملكها هل تَحِلُّ له بملك اليمين؟ قَالَ الغَزَالِيُّ: (فرُوعٌ: الأَوَّلُ) لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيّ كَظَهْرِ أُمِّي خَمْسَةَ أَشْهُرَ قِيلَ: إِنَّهُ يَلْغُو التَّأقِيتُ* وقيل: يَصِحُّ مُؤبَّداً كَالطَلاقَ وَقِيلَ: يَصِحُّ مُؤَقتًا وَهُوَ الأصَحُّ* ثُمَّ لاَ يَكُونُ عَائِدًا بِمُجَرَّدِ الإِمْسَاكِ لأَنَّهُ يَنْتَظِرُ حلاً بَعْدَ المُدَّةِ وَلَكِنْ بالوَطْء قَبْلَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ يَصِيرُ عَائِدًا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الوَطْءُ* فَإِنْ وَطِئ فَعَلَيْهِ النَّزْعُ عَقِيبَهُ* وَقِيلَ بِالوَطْءِ يَتَبَيَّنُ العَوْدُ عَقِيبَ الظِّهَارِ فَيَكُونُ الوَطْءُ الأَوَّلُ أَيْضًا حَرَامًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أقَّت الظهار، فقال: أنتِ عليَّ كظَهْر أمِّي يومًا أو شهرًا، أو قال: إلى شَهْر أوْ إلى سَنَةٍ، ففي صحَّته قولان: أصحهما، وبه قال أبو حنيفة وأحمد: [أنه] صحيحٌ؛ لأنه منْكَرٌ من القول وزور، كالظهار المُطْلَق، وأيضًا فرُويَ أن سلمة بْن صَخَرْ -رضي الله عنه- ظاهَرَ من امرأته حتَّى ينسلخ رمضانُ ثُمَّ وطئها في المدَّة، فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بتَحْرير رقبة 54. والثاني: المنع؛ لأنه لم يُؤَيِّد التحريم، فأشبه ما إذا أشبهَها بامرأة لا تَحْرُم عليه على التأبيد.
وبُنِيَ القولان على أنَّهُ يُتْبَع في الظهار المَعْنى أو يُنْظَر معْهُود الجاهلية، وَينْتَسِب الصحَّة إلى الجديد، والمنع إلى القديم، واستحسن الإِمام أن يقال: لا يصحُّ في القديم، وفي الجديد قولان؛ بناءً على أنَّه يغلب في الظهار مشابهة الطلاق أو مشابهة

الجزء: 9 - الصفحة: 275

الأيمان إن غَلَّبْنا مشابه الإيمان صحح، وإلا لُغِيَ؛ لأن الطلاق لا يقع مؤقتًا، بل يؤبَّد مؤقتة؛ لقوته، وليس للظهار تلْك القوة.
التفريع: إن صحَّ، فيصح مؤبدًا أو مؤقتًا وفيه قولان، ويقال وجهان: أحدهما: أنه يصحُّ مؤبدًا؛ إلحاقًا له بالطلاق، وتغليبًا لمشابهته.
وأصحهما، وهو ظاهر نصِّه -رضي الله عنه- في "المختصر": أنه يتأقَّت كما هو قضية اللفظ، ويُلْحَق في ذلك بالأيمان، وإذا اقتصرت، جعلت ثلاثة أقوال، كما في الكتاب، البُطْلاَن، والصِّحة مؤبَّدًا، والصحَّة مؤقتًا.
وروى ابن الصَّبَّاغ عن مالك مثْل القَوْل الثاني، وصاحب "التهذيب" مثْل الأول، وليُعْلَم قوله في الكتاب "يصحُّ مؤبدًا" بالميم، وقوله "يلغو" بالحاء والألف.
التفريع: إن قلْنا يتأبد، فالعَوْد فيه كالعود في الظهار المطلق 55، وإن قلْنا: يتأقت، فلو قال لامرأته: أنتِ عَلَيَّ حرامٌ شهرًا أو سنةً، فالأصحُّ صحَّته؛ لأن التحريم أشبه باليمين من الظهار من حيْثُ إنَّه يوجِبُ كفَّارة اليمين، وفيه وجْه أنَّه يلْغُو؛ لأن التحريم الذي علَّق الشرع الكفارةَ به، هو التحريم المُطْلَق، هكذا رتَّب الإِمام، ويُشْبه أن يُفَرَّع هذا على تأقيت الظِّهار، ويقال في صحة التحريم المؤقَّت خلافٌ كَما في الظهار المؤقَّت، وبم يحْصُل العَوْد في الظِّهار المؤقَّت؟ فيه وجهان: أحدهما، وبه قال المزني: -رحمه الله- العَوْد فيه كالعَوْد في المُطْلَق؛ إلحاقًا لأحد نوعَيِ الظهار بالآخر.
وأصحُّهما، وهو ظاهر النَّصِّ، والمذكور في الكتاب: أنَّه لا يكونُ عائدًا بالإمساك؛ لأنه ينتظر الحِلَّ بعد المدة، فالإمساك يحتمل أن يكُون بعْد المدة، ولا يقع مخالفًا للوصف بالتحريم في تلك المدة، وإنما يكون عائدًا بالوطء في المدَّة، ومَنْ قال بالأول، حَمَل النص على قَوْلٍ قد سبق في الظهار المُطْلَق؛ أن العَوْد هو الوطء، لكن ذلك القَوْل منقولٌ عن القديم، وهذا مذْكور في الجديد.
التفريع: إنْ قُلنَا إنه لا يكون عائدًا بالإمساك، إنما يصير عائدًا إذا وَطِئَ، فلو قال: أنتِ عليَّ كظَهْر أمِّي خمسة أشهر، فهذا شخْص لو وطئ في هذه المدَّة، للزمته الكفارة، وهذه صفة المُولِي، فيكون مُولِيًا معَ كَوْنه مظاهِرًا، وهذا كما ذكرناه في قوله: أنتِ عليَّ حرامٌ، تفريعًا على أن الكفارة إنَّما تلزم بالوطء.
وعن الشيخ أبي محمَّد: أنَّه لا يكون مُولِيًا؛ لأنه ليس بحالف، وليَجْرِ هذا هناك،

الجزء: 9 - الصفحة: 276

ومتى يصير عائدًا إذا جرى الوطء فيه وجهان: أشبههما: أنَّه يصير عائدًا عنْد الوطء، وعلى هذا، فالوطء الذي هو العَوْد، لا يحرم، لكن إذا غَيَّب النَّزْع، كما ذكَرْنا فيما إذا قال: إن وطِئْتُك، فأنت طالقٌ، قد ذكرنا هناك وجْهًا: أنه لا يَحِلُّ له الوطء.
قال الإِمام: ولا شك في جريان ذلك الوَجْه هاهنا.
والثاني: عن الصيدلاني وغيره: أنه إذا وَطِئَ، تبيَّن كونُه عائدًا من وقْت الإمساك عقيب الظِّهار؛ لأنه تبيَّن أن الإمساك لم يكُنْ كما بعد المدة، ومن قال بالأول، قال: يجوز أن يمسك، ولا يقصد شيئًا، ويجوز أن يقْصِد بالأمساك ما بعد المدة، ثم يتفق الوطء، فلا معنى للحكم بانعطاف العَوْد إلى الأول، وعلى هذا الوجه، يحرم ابتداء الوطء أيضًا، كما لو قال: إن وَطِئْتُكِ، فأنت طالق قبْله، لا يجوز الإقدام على الوطء.
ويحرم عليه الوطء بعْد ذلك الوطءَ، بإتفاق الوجهَيْن إلى أن يُكَفِّر أو تمضي المدَّة، فإن مضَت المدة، حَلَّ له الوطء؛ لإرتفاع الظِّهار، وبقيت الكفارة في ذمَّته، ولو لم يطَأْ حتَّى مضَت المدة، فلا شيْء عليه، وتردَّد الإِمام فيما إذا ظاهَرَ ظهارًا مطْلقًا وعاد؛ في أن التحريم يحْصُل بنَفْس الظِّهار أم بالظهار والعود جميعًا؟ قال: والظاهر الثاني؛ لأن الكفَّارة مرتَّبة عليهما جميعًا، والتحريم مرتَّب على وجُوب الكفارة، والخُرُوجُ منْه مرتَّب على أدائها، وتَظْهَر فائدة التردُّد في لمسه، وقبلته بغرض عقيب الظِّهار إلى أن يُتِمَّ زمن لفْظ 56 الطلاق، وإذا حَصَل العَوْد في الظِّهار المؤقت على اختلاف الوجهين، فالواجب كفَّارة الظِّهار على ظَاهِر المَذْهَب، وعليْهِ يتفرع الأحكام المذكورةُ، وفيه وجْه أن الواجب كفَّارة اليمين، وينزل لفْظ الظِّهار منزلة لفظ التحريم، وذكر القاضي ابن كج تفريعًا عليه أنَّه يَجُوز له الوطء قبْل التكفير، ويجوز أن يُعْلم لذلك قوله في الكتاب "ويحرم عليه الوطء" وقوله "فيكون الوطء الأول أيضًا حرامًا" وقوله قبل ذلك "ثم لا يكون عائدًا" معلم بالزاي والواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): لَوْ قَالَ لأَرْبَعِ نِسْوَةٍ: أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَمِّي، فَإِنْ أَمْسَكَ

الجزء: 9 - الصفحة: 277

الكُلَّ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي قَوْلٍ* وَأَرْبَعُ كَفَّارَاتِ فِي قَوْلٍ* فَإِنْ قُلْنَا: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ طَلَّقَ ثَلاَثًا لَزِمَتْهُ الكَفَّارَة لإِمْسَاكِ الرَّابِعَةِ* وَلَوْ ظَاهَرَ عَنْهُنَّ بِأرْبَعِ كَلِمَاتٍ عَلَى التَّوَالِي صَارَ عَائِدًا إلَى الثَّلاَثِ فَعَلَيْهِ ثَلاَثُ كَفَّارَاتٍ إِنْ طَلَّقَ الأَخِيرَةَ عَلَى الاتِّصَالِ وَإِلاَّ فَأرْبَعُ كَفَّارَاتٍ* وَلَو كَرَّرَ لَفْظَ الظِّهَارِ عَلَى وَاحِدَةٍ وَأَرَادَ التَّأْكِيدَ لَمْ يَكُنْ عَائِدًا بِاشْتِغَالِهِ بِلَفْظِ التَّأْكِيدِ عَلَى الأَظْهَرِ* وَإِنْ قَصَدَ تَكْرِيرَ الظِّهَارِ كَانَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ عائِدًا* ثُمَّ في تَعَدُّدِ الكَفَّارَة مَعَ اتِّحَادِ المَحَلِّ خِلاَفٌ* فَإِنْ لَمْ نُعَدِّدْ فَلاَ فَائِدَةَ لِلثَّانِي* وَإِنْ عَدَّدْنَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ إِنْ لَمْ يطلَّق عَقِيبَ الثَّانِي* وَلَوْ كرَّرَ الظِّهَارَ بَعْدَ تَخَلُّلِ فَصْلٍ وَقَالَ: أَردَتُّ التَّأْكِيدَ قُبِلَ عَلَى الأَظْهَرِ لأَنَّهُ إِخْبَارٌ بخِلاَفِ الطَّلاَقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان: إحداهما: إذا ظَاهَر عن أربع نسوة بكلمه واحدة، فقال: أنتُنَّ عَلَيَّ كظَهْر أمِّي، صار مظاهرًا عنْهن، ثم إنْ طلَّقَهُنَّ، فلا كفَّارة 57 علَيْه، وإن أمسكهن جميعًا، فقولان: الجديد، وبه قال أبو حنيفة: أنه يلزمه أربَعُ كفَّارات؛ لأنه وجد الظِّهار والعود في حقِّهن جميعًا.
والقديم، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-: أنه لا يجب إلا كفَّارة واحدةٌ؛ لورود الأثَر عن عُمَر -رضي الله عنه- ولأنَّ الظِّهار كلمةٌ تقتضي مخالفتُها الكفَّارَةَ؛ فإذا تعلَّقت بجماعة، لم تقتض إلاَّ كفارةً واحدةً، كاليمين، والخِلاَف مردودٌ إلى أن المُغَلَّب في الظِّهار مشابهة الطلاق أو الأيمان؛ إن غلَّبْنا مشابهة الطلاق، لَزِمَتْه أربع كفارات، ولم تختلف الحال بين أن يظاهر بكلمة أو كلمات، [كما لا تختلف الحال بيْن أن يطلِّقَهن بكلمة أو كلمات]، وإن غلَّبْنا مشابهة الأيمان، لم تجب إلا كفارةٌ واحدةٌ، كما لو حَلَف أنْ لا يكلِّم جماعةً كلَّهم.
وعن القاضي الحُسَيْن: أن الخلاف في أن المُغلَّب في الظِّهار شبه الطلاق أو اليمين، حاصلٌ من الخلاف في هذه المسألة، وقد يُوجَد الخلاف في الأصول من الخلاف في الفروع، وشُبِّه القولان بالقولين فيما إذا قَذَف جماعة بكلمة واحدة، يَلْزَمه حَدٌّ واحد أو حُدُودٌ لأن الكلمة واحدةٌ والمتعلّق متعدِّد، فإن قلنا: يلزمه أربع كفاراتٍ، لم يحْصُل العود في بعْضهن بالطلاق عقيب الظِّهار أو بالموت، وحَيْث أوجبنا الكفارة، بعدد من حَصَل فيها العَوْد، وإن لم نُوجِب إلاَّ كفَّارة واحدة، كفى العَوْد في بعضهن؛

الجزء: 9 - الصفحة: 278

لوجوب الكفَّارة حتَّى وَلو طلَّق ثلاثًا، وجَبَت الكفارة للرابعة وفي "التتمة" عنهما [لا تجب كما لو حلف ألاَّ يكلم جماعة لا تلزمه الكفارة] 58 .. وإن كلم بعضهم والمشهور المذكور في الكتاب هو الأول، وذكر في الفرق شَيئيْن: أحدهما، عن القَفَّال وغيره: أن الكفارة إنَّما وجَبَت؛ لما في الظِّهار من شبه الطلاق، والشيء إذا نَزعَ 59 إلى شيئين، تَثْبُت فيه بعْض أحكام هذا، وبَعْض أحكام هذا، رعايةٌ للشبهين.
والثاني: قال الإِمام -قدس الله روحه-: كفَّارة اليمين إنَّما تجب بالحِنْث، والحِنْث لا يحْصُل إلا بأن يكلِّم الجميع، وفي الظِّهار إنَّما وجَبَت الكفارة؛ لأنه بالإمساك خَالَف قوْله، والمخالَفَة تحْصُل بإمساك واحدة [كما تحصل بإمساك الجميع، وهذا إذا ظاهر عنهن بكلمة واحدة] 60. أمَّا إذا ظَاهَر عنْهُن بأربع كلمات، فإنْ لم يُوَال بَيْنهن، لم يَخْفَ حكمه إن وَالَى صار بظهار الثانية عائدًا عن الأولَى، وبظهار الثالثة عائدًا عنِ الثَّانِيَة، وبظهار الرابِعَةِ عائدًا عن الثالثة، فإن فارق الرابعة عَقِيبَ ظهارها، فعليه ثلاثُ كفَّاراتٍ للأوليات، وإلا فعلَيْه أرْبَع كفَّارات.
فَرْعٌ: لو قال لأربع نسوة: أنْتُنَّ عليَّ حرام، وقصد تحريم أعيانهن، فالقول في تعدُّد الكفارة واتحادها، كما في الظِّهار، قاله في "النهاية".
الصورة الثالثة: لو كرَّر لفْظ الظِّهار في امرأةٍ واحدةٍ مرَّتَيْن أو أكثر، فإما أن يأتي بها متواصلَة أو مع تخلُّل فَصْل، فإن أتى بها متواصلةً، نُظِرَ؛ إن أراد بالمَرَّة الثانية وما بعدها التَّأْكِيدَ، فالحاصل ظهارٌ واحدٌ فإن 61 أمسكها عقيب المرَّات، فعليه الكفَّارة، وإن فاوقها، ففي لزوم الكفارة وجهان: أحدهما: تلزم؛ لأنَّه كان متمكنًا من الفراق بدَلاً عن التأكيد بالتكرار، فكان بالاشتغال بالتأكيد عائدًا.
وأظهرهما: المَنْع؛ لأن الكلمات المتكرِّرة للتأكيد، حُكْمُها [حكم] 62 الكلمة الواحدة، فإن أراد بالمرة الثانية ظهارًا آخَرَ، ففي تعدُّد الظهار طريقان: أحدهما: أنَّه على قولَيْن:

الجزء: 9 - الصفحة: 279

القديم، وبه قال أحمد -رحمه الله-: أنه ظهارٌ واحد ولا يتعلَّق به إلا كفَّارة واحدة، كما لو كرَّر اليمين على الشيْء الواحد مرَّات.
والجديد: التعدُّد، وبه قال أبو حنيفة ومالك -رحمهما الله-؛ لأنه كلام يتعلَّق به التحريم، فإذا كرَّره يقْصِد إلاستئناف، تكرَّر حُكْمُه كالطلاق، وربَّما أُخِذَ القولان من القولين فيما إذا ظاهر عن نسْوة بكلمة واحدة، اتَّحد بتعدُّد الكلمة، والمَحَلُّ مُتَّحِد بتعدُّد المحل، والكلمة متَّحِدة.
والطريق الثاني: القَطْع بالتعدُّد، فإذا 63 قلنا بالتعدد، فإن فارَقَها عَقِيب المرة الأخيرة، فهل يلْزَمه الكفارة للظهار الأول؟ فيه وجْهَان: أظهرهما: نعم؛ لأنه بالاشتغال بالظهار المجدَّد عائدٌ.
والثاني: لا؛ لأن الظِّهَارَيْن من جنْسٍ واحدٍ، فما لم يُفرَّع مِنْ هذا الجنس، لا يجعل عائدًا، وقد يرتَّب؛ فيقال: إن جعل بالتأكيد عائدًا، ففي التجديد أوْلَى، وإلا فوجهان، والفرق أن التأكيد كالتتمةِ والجُزْءِ منَ الكَلاَم، بخلاف التجديد، فإن أطْلَق، ولم ينو التأكيد ولا التجديد، فيُحْمل على هذا أو ذاك؟ جَعَلُوه على قولَيْن، كما في الطلاق، لكن الأظهر هاهنا المصيرُ إلى الاتِّحَاد، وفي "الشامل" و"التتمة" 64 القَطْع به، وفرق بينهما بأن الطلاق أقْوَى؛ لأنه مُزِيلٌ للمِلْك، وبأن الطَّلاق له عَدَد محصُورٌ، والزوج مالكٌ له، فإذا كرَّره، كان الظاهر استيفاء المَمْلُوك، والظهار ليس بمتعدِّد في وضعه ولا هو مملوك للزوج، وأما إذا تفاصَلَت المرَّات، وقصد بكل واحدة ظهارًا أو طَلَّق، فكل مرةٍ ظهَارٌ برأسه، وفيه قولٌ أنَّه لا يكون [الثاني] 65 ظهارًا آخَرَ، ما لم يُكَفِّر عن الأول، وإذا قال: أردت بالمرَّةِ الثانيةِ إعادةَ الظِّهَار الأول، فعن القَفَّال اختلافُ جواب في قَبُوله، قال الإِمام: وهو بناء على أن المُغلَّب في الظِّهار معْنَى الطلاق أو اليمين؟ إن غلَّبْنا الطلاق، لم يُقْبَل، وإن غَلَّبْنا مشابهة اليمين، فالظاهر قَبُوله، كما ذكَرْنا في الإيلاء، وإلى هذا الأصل يُلْتفت الخلاف المذكور في هذه الصور، والأظهر تغْلِيب مشابهة الطلاق على ما سَبَق؛ فيكون الأظهر فيما إذا قال: أردتُّ التأكيد أنه لا يقبل، وكذلك ذكره صاحب "التهذيب" 66 وغيره على خلاف ما في الكتاب، ولم يستحسن

الجزء: 9 - الصفحة: 280

الإِمام لفْظَة [التأكيد في المسألة، وقال التأكيد إنما يجعل موقعه إذا توالت الألفاظ،] ما 67 [و] قوله "لأنه إخْبَارٌ بخلاف الطلاق" أراد أنه إذا كان إخبارًا كان كالإقرار، ولو كرَّر الإقرار مع طول الفصل، وقال أردت التأكيد، يُقْبَل، لكن هذا ممنوع، والظاهر أنَّه تصرُّف مُنْشِئُ كالطلاق.
وقوله قبل ذلك "وإن قصد تكرير الظِّهار" يعني قصد ظهارًا آخر.
وقوله قبل "ثم في تعدُّد الكفارة مع اتحاد المَحَلِّ خلاف" أراد بالخلاف الطريقَيْن المذكورين، وقوله "فإن لم نعدد فلا فائدة للثاني .... " إلى آخره مبنيٌّ على أنه إذا قَصَد باللفظ الثاني ظِهَارًا آخر، كان عائدًا عن الأول، وهو الظاهر كما تبيَّن.
فرْعٌ: قال في"التهذيب" قال لها: إن دخَلْت الدار، فأنت عليَّ كظَهْر أمي، وكرَّر هذه اللفظة ثلاثًا، فإذا دخَلَتِ الدار، صار مظاهرًا عنها، ثم إن قصد التأكيد، لم يَجِب إلا كفارةٌ واحدةٌ، وإن قالَها متفرِّقة في مجالس، وإن قصد الاستئناف تعدَّدت الكفارة، ويجِب الكُلُّ بِعَوْد واحدٍ بعْد الدخول، فإن طلَّقها عقيب الدُّخول، لم يجب شَيْءٌ، وإن أطلق، فيحمل على التأكيد أو الاستئناف 68؟ فيه قولان، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ) إِذَا قَالَ: إِنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك فَأنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإِنَّمَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا عِنْدَ اليَأْسِ وَذَلِكَ بِالْمَوْتِ فَإِنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أنَّهُ قُبَيْلَ المَوْتِ صَارَ مُظَاهِرًا عَائِدًا فَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ* وَقِيلَ: صَارَ مُظَاهِرًا لاَ عَائِدًا لأَنَّهُ مَاتَ عَقِيبَ صَيْرُورَتهِ مُظَاهِرًا* وَإنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ أَعْتَقَ عَنِ الظِّهَارِ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يُجْزِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَوَاللهِ لاَ أُكَلِّمُكِ ثُمَّ أَعْتَقَ قَبْلَ الدُّخُولِ* وَقِيلَ: يُجْزِئُ لأَنَّ التَّعْلِيقَ أَحَدُ الأَسْبَابِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان مِنْ مولَّدات ابن الحدَّاد: أحداهما: إذا قال: إن لم أتزوَّجْ عليْك، فأنت عليَّ كظهر أمي، فهذه الصورة تتعلَّق بأصْلَيْن: أحدهما: أن تعليق الظِّهار صحيحٌ.

الجزء: 9 - الصفحة: 281

والثاني: أن التعليقُ يبقي الشيء بصيغة تقتضي ذوات ذلك الشَّيْء على الإطلاق، على ظاهر المَذْهَب، وقد ذكرناه في الطلاق، وإذا تذكَّرت الأصلَيْن، ففي الصورة المذكورة؛ لو تزوَّج فلا ظِهَار، ولا عَوْد وإن لم يمكنه التزوُّج عليها؛ بأن مات هو، أو ماتَتْ هي عقيب التعليق، وكذلك لا ظهار ولا عَوْد، وإنما يَصِير مظاهرًا، إذا فات التزوُّج عليْها مع إمْكَانه وحصل الياس عنه بأن تَمُوت هي، أو يموت هو، وحينئذ يُحْكَم بكونه كان مظاهرًا قبيل الموت، وفي لزوم الكفَّارة وحُصُول العَوْد وجْهَان: قال ابن الحدَّاد: [تلزمه الكفارة، ويصير عائدًا عُقيب صيرورته مظاهرًا، وقال الجمهور:] 69 لا كفارة عليه، والعَوْد إنما يَحْصُل إذا أمْسكَها بعْد الظِّهار مدَّة يمكنه الطّلاق فيها، فلم يطلِّق، ولا ضرورة هاهنا إلى تقديم الظِّهار، وتقدير العَوْد، ولو لم يتزوَّج عليها مع الإمكان، حتى جُنَّ، فإن أفاق، ثم مَاتَ قبل التزوُّج، فالحُكْم ما بينَّا، وإن اتصل الموت بالجنون، فتَبَيَّن صيرورته مظاهرًا قبيل الجنون، لتبيُّن الفوات من يومئذ، وحكى الشيخ أبو عليٍّ أنَّا لا نحْكُم بصيرورته مظاهرًا إلا قُبَيْل الموْت، ويجيءْ مثله في تعليق الطَّلاق، ولم يذكره هناك ولا تَظْهَر فائدة هذا الخلاف في الظِّهار، إذا قلْنا بالصحيح؛ وهُوَ أنه لا تجب الكفَّارة، ولا يُحْكم بحصول العَوْد، وعلى جواب ابن الحدَّاد؛ تظهر فائدة الخلاف فيما إذا اختلف حالُهُ في اليَسَار والإعسار، فإن قلْنا: صار مظاهرًا عنْد الموت، نَظَرْنا في يساره وإعساره حينئذ، وإن اعتبرنا قبيل الجنون، فكذلك 70 ولو قال: إذا لم أتزوَّج عليْكِ، فأنتِ عليَّ كظهر أمي، فأذا مضى عقيب التعْليق مدةُ إمْكَان التزوُّج عليها، ولم يتزوَّج، صار مظاهرًا، والفَرْق بين "إن" و"إذا" قد مَرَّ في "كتاب الطلاق"، وقد ذكرنا أن من الأصْحَاب مَنْ خرَّج الجواب من كل صُورة في الأخرى، فيجوز أن يُعْلَم لذلك قوله في الكتاب "فإنما يصير مظاهرًا عند اليأس" لأن على ذلك التخريج يصير مظاهرًا إذا مَضَى زمان يُمْكنه أن يتزوَّج عليها، فلم يتزوَّج، واعلم أن نَظْم الكتاب يشعر بتَرْجيح هذا الوجْه الَّذي قاله ابن الحدَّاد، والظاهر خِلاَفُه.
الثانية: لو قال: إن دخَلْتِ الدار، فأنتِ عليَّ كظهر أمي 71، ثم أعْتَقَ عن كفَّارة الظِّهار، ثم دخلَتِ الدار، هل يُجْزئه إعتاقُه عن الكفَّارة؟ فيه وجهان:

الجزء: 9 - الصفحة: 282

أحدهما، وبه قال ابن الحدَّاد: نعم؛ لأن الحَقَّ الماليَّ إذا تعلَّق وجوبُهُ بكثر من سَبَب واحدٍ، جاز تقديمه على وقْت وجوبِهِ كما تُقدَّم الزكاة على الحول، وكفارة اليمين على الحنث.
والثاني، وهو جواب الأكْثَرين: أنه لا يُجْزئ؛ لأن الأصْل أن لا يُقدَّم الواجب على وقته، وإنما جوَّزنا تقْدِيم الحَقِّ المالي إذا تعلَّق بشيئين، ووجد أحدهما، والكفارة هاهنا تتعلَّق بالظهار والعود، فلا يجوز تقديمها [عليهما،] 72 كما لا يجوز تقديم الزكاة على الحَوْل والنصاب جميعًا، وكفارة اليمين على اليمين والحنث [جميعًا] 73 ويجري الخِلاَف فيما لو أطْعَم عن الظِّهَار قبْل أن يدْخُل الدار، وهو مِنْ أهْل الإطعام، وأما 74 الصوم فهو عبادةٌ بدنيَّةٌ، والظاهر منْع التقديم فيه على الإطْلاق، والوجهان جاريان في تعليق الإيلاء، فإذا قال: إن دخَلْتِ الدَّار، فوالله لا أطاك، ثم أعتق عن كفارة اليمين قتل دُخُول الدار، قال ابن الحدَّاد: يُجْزِئُه، ولو قال: إن دخَلْتِ الدار، فأنتِ عليَّ كظهر أمّي، وقال: متى دخلْتِ الدار، فعَبْدِي فلانٌ حرٌّ عن ظهاري، فدخلَتْ، فعلى قول ابن الحدَّاد؛ يصير مظاهرًا، ويعتق العبد [عن الظِّهار، وكما يصح إعتاقه عند الظِّهار قبل الدخول، يصح التعليق] 75، وعلى الأظهر كما لا يَصحُّ الإعتاق قبْل الدخول، لا يصح تعليقه، وأما الإعتاق عن الظِّهَار بعد الظِّهَار، وقبْل العود، فهُو جائز؛ كالتكفير بعد اليمين وقبل الحنث، وقد ذكره في الكتاب في "باب الأَيْمَان"، وهناك نذكر أنه كيْف تصور تقديم 76 الإعتاق على المَوْت.
ولو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي أعْتقت هذا العبد عن كفارتي، أو أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، وسالم 77 حر عن ظهاري، فهذا إعتاق مع العَوْد 78؛ لصيرورته مُمْسِكًا بكلمة الإعتاق عَقِيب الظِّهار، ويجزئه عن الكفَّارة؛ لتأخره عن الظِّهار.
وقوله "كما لو قال: إنْ دخلْتِ الدارَ، فوالله لا أكلِّمُك، ثم أعتق قبل الدخول" لَيْست [هذه] 79 الصورة متَّفقًا عليها، بل الخلاف في الصورتين واحدٌ، ومَنْ جوَّز الإعتاق عن الظِّهار قبل الدخول، جَوَّز الإعتاق عن كفَّارة اليمين، كما ذكَرْنا في صورة الإيلاء.
وقوله "لأن التعليق أحَدُ الأسباب" يشير إلى أن وجوب الكفارة يتعلَّق بثلاثة أسباب: دخول الدَّار المعلَّق عليه، والظِّهَار، والعَوْد، ثم التقريب ما ذكَرْنا أن الحَقَّ

الجزء: 9 - الصفحة: 283

الماليَّ إذا تعلَّق بأكثر من سببٍ واحدٍ، يجُوز تقديمُه على وجوبه.
وهذا فرْع ثالثٌ عن المولَّدات: لو ظاهر عن زوجته الأمة، وعاد، ثُمَّ قال لمالكها: أعْتِقْها عن ظهاري، ففعل، وَقَعَ عتقها عن كفارته، وانفسخ النِّكاح بينهما؛ لأن إعتاقها عنه يتضمَّن تمليكه، وإذا ملك زوجته، انفسخ النكاح، وكذا لو أعْتَقَها عنْه باستدعائه عن كفَّارةٍ أخرَى، ولو مَلَكها بعْد ما ظاهَرَ عنْها، وعاد فانفسخ النكاح بينهما، ثم أعتقها عن ظهاره منْها، جاز، ولو آلَى عن زوجته الأمة، ووطئها ولزمتَه الكفَّارة، فقال لسيدها: أعْتِقْها عن كفَّارة يميني [ففعل،] 80 جاز وانفسخ النِّكَاح، وَلَوْ آلَى 81 عن زوجته الذِّميَّة، ثم وطئها أو ظاهَرَ منها، وعاد، ثم نقَضَتِ المرأة العهد، فاسترقت، وملكها، الزوْج، وأسْلَمَت، فأعْتَقَهَا عن كفَّارة يمينه وظهاره، جَازَ، والله أعلم.

الجزء: 9 - الصفحة: 284

[بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل