العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 87-126

والقديم: المنع؛ لقوله -عليه السلام-: "إنَّمَا حُرِّمَ مِنَ المَيْتَةِ أكَلَها" 1، وإن كان من غير مأكول، فطريقان: أحدهما: طرد القولين.
وأظهرهما: القطع بالمنع كما في الذَّكَاة 2، وقد أطلق في الكتاب ذكر القولين في الأكل فيجوز أن يريد من المأكول، ويجوز أن يريد المأكول وغيره، على طريقة طرد القولين فيهما، وبها قال القَفَّالُ، ثم الخلاف في الأكل يجوز أن يجعل من فروع = عرفه غيره، عرفه على ابن المديني، وروى عنه الحسن وقتادة، وصحح ابن سعد وابن حزم وغير واحد أن له صحبة، وتعقب أبو بكر بن مفوز ذلك على ابن حزم كما أوضحته في كتابي في الصحابة، وفي الباب عن ابن عباس رواه الدارقطني، وابن شاهين من طريق فليح عن زيد ابن أسلم عن ابن وعلة عنه بلفظ: (دباغ كل إهاب طهوره) وأصله في مسلم من حديث أبي الخير عن ابن وعلة بلفظ: (دباغه طهوره) وفيه قصة لابن وعلة مع ابن عباس في سؤله عن الأسقية التي تأتيهم بها المجوس، ورواه الدولابي في الكنى من حديث إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: قلت لابن عباس الفراء تصنع من جلود الميتة؟ فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ذكاة كل مسك دباغه)، ورواه البزار والطبراني والبيهقي من حديث يعقوب بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس قال: ماتت شاة لميمونة فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ألا استمتعتم بإهابها فإن دباغ الأديم طهوره؟!) وابن عطاء ضعفه يحيى بن معين وأبو زرعة ولابن عباس حديث آخر رواه أحمد، وابن خزيمة والحاكم والبيهقي من طريق سالم بن أبي الجعد عن أخيه عنه (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يتوضأ من سقاء فقيل له: إنه ميتة.
فقال: دباغه يزيل خبثه، أو نجسه أو رجسه) وإسناده صحيح، قاله الحاكم والبيهقي، ورواه النسائي وابن حبان والطبراني والدارقطني، والبيهقي من حديث عائشة فلفظ النسائي: (دباغها طهورها) وفي لفظ ابن حبان (دباغ جلود الميتة طهورها) وفي الباب أيضاً عن المغيرة بن شعبة، وزيد بن ثابت، وأبي أمامة وابن عمر وهي في الطبراني، وحديث ابن عمر عند ابن شاهين بلفظ: (جلود الميتة دباغها طهورها) وحديث قلد بن ثابت في تاريخ نيسابور، وفي الكنى للحاكم أبي أحمد في ترجمة أبي سهل وعن هزيل بن شرحبيل عن بعض أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- أم سلمة أو غيرها وهو عند البيهقي، ولأم سلمة حديث آخر رواه الدارقطني بلفظ: (إن دباغها يحل كما يحل خل الخمر).
وفيه الفرج بن فضالة وهو ضعيف، وعن أنس وجابر وابن مسعود ذكرها أبو القاسم بن منده في مستخرجه.
انظر التلخيص 1/ 49، 50.

الخلاف في طهارة الباطن، وهو قضية إيراده في الأصل، ويجوز أن يجعل خلافاً مستقلاً ويوجه بما سبق، وكذلك جعله بعضهم وجهاً لا قولاً وكذلك، حكاه في الوسيط.

قال الغزالي

###: القِسْمُ الثَّانِي: المُتَّخَذُ مِنَ العِظَامِ،

وَالعَظْمُ يَنُجُسُ (ح) بِالمَوْتِ عَلَى ظَاهِرِ المَذْهَبِ وَقِيلَ قَوْلاَنِ كَمَا فِي الشَّعْرِ، وَلاَ يَنْجُسُ (و) شَعْرُ الآدَمِيَّ بِالمَوْتِ وَالإِبَانَةِ وَلاَ شَعْرُ الحَيَوَانِ المَأكُولِ بِالجَزِّ قَوْلاً وَاحِداً فَإِنْ حُكِمَ بِأَنَّ شَعْراً مَا لاَ يَنْجُسُ بِالمَوْتِ فَالأَصَحُّ أَنَّ شَعْرَ الكَلْبِ وَالخِنْزِيرِ نَجِسٌ لِنَجَاسَةِ المَنبَتِ.
قال الرافعي: الشُّعُورُ هل تنجس بالموت والإبانة؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأنه لا تحلها الحياة، بدليل أنها لا تحس ولا تألم، وإنما يتأثر بالموت ما تحله الحياة.
وأظهرهما: نعم؛ لأنه إن حلها الحياة كانت كسائر الأجزاء، وإلا فهي حادثة من الجملة، فتكون تابعة لها في الطهارة والنجاسة، كما تجعل تابعة لها في حكم الجنابة وغيره، ويجري القولان في الصُّوفِ، وَالوَبَرِ، وَالرِّيْشِ، وأما العظام ففيها طريقان: أظهرهما: القطع بالنجاسة، لأنها تحس وتألم.
والثاني: طرد القولين كما فيها, لأن الظّفْرَ يقلم ولا يألم، والظّلْف 1 تبرد بالمبرد، ولا يحس به الحيوان.
فإن قلنا: الشعر والعظم ينجسان بالموت والإبانة وجعلنا حكمهما حكم سائر الأجزاء.
فيستثنى عنهما موضعان: أحدهما: شعر المأكول إذا أبين في حياته كما سبق.
والثاني: شعر الآدمي وفيه قولان أو وجهان مَبْنيَّانِ على نجاسته بالموت إن قلنا: لا ينجس وهو الأصح، فلا ينجس شعره بالموت والإبانة.
وإن قلنا: ينجس شعره أيضاً بالموت والإبانة، وعلى هذا القول إذا سقطت منه شعرة أو شعرتان وصلى فيها، فلا باس للقلة وتعذر الاحتراز، فإن كثرت لم يحتمل 2

كدم البراغيث، وإن قلنا: ينجس شعره بالموت والإبانة فهل يستثنى شعر الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟ فيه وجهان: وجه الاستثناء: "أَنَّهُ لَمَّا حَلَقَ شَعْرَهُ نَاوَلَهُ أَبَا طَلْحَةَ -رَضِيَ الله عَنْهُ- لِيُفَرِّقَهَ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنِ اسْتِصْحَابِهِ" 1. وإذا كان الصحيح في شعر غيره الطهارة، فما ظنك بشعره -صلى الله عليه وسلم-.
وجلد الميتة إذا دبغ وعليه شعر فهل يطهر على هذا القول؟ فيه قولان: أظهرهما: لا؛ لأن الشعر لا تتأثر بالدباغ؛ بل هي قبله وبعده على هيئة واحدة، بخلاف الجلد.
والثاني: أنها تطهر تبعاً لطهارة الجلد، كما نجست بالموت تبعاً، وإذا فرعنا على أن الشعور لا تنجس بالموت، فهي مُلْحَقَةٌ بِالجَمَادَاتِ، وجميعها طاهر إلا شَعرَ الكَلْبِ وَالخِنْزِيرِ، ففيه وجهان: أصحهما: أنه نجس، ويستثنى هو من الجمادات، كما استثنى صاحبه من الحيوانات.
والثاني: أنه طاهر كشعر غيره والوجهان يشملان حالتي الموت والحياة جميعاً، فهذا فقه هذه المسائل.
وحظ الباب منه أن العَظْمَ إذا كان طاهراً، فاستعمال الإناء المتخذ منه جائز وإلا فلا.
وإنما يكون طاهراً إذا كان من المُذَكَّى المأكول، أو فرعنا على القول الضعيف أن العظام لا تنجس أصلاً 2. واعلم أن القطع في قوله: "ولا ينجس شعر الآدمي بالموت والإبانة ولا شعر المأكول لحمه بالجَزِّ قولاً واحداً"، لا يرجع إلى المسألتين، وإنما يرجع إلى المسألة الأخيرة، وفي شعر الآدمي هل ينجس بالموت والإبانة ما سبق من الخلاف؟ وشعر المأكول قد سبق في الكتاب في فصل النجاسات، وإنما أعاده هاهنا ليتبين أنه ليس موضع القولين.

وقوله: "فإن حكمنا بأن الشعر لا ينجس بالموت" هكذا الصواب، وربما نجد في بعض النسخ، "فإن حكمنا بأن شعر الآدمي لا ينجس بالموت".
وقوله:"فالأصح أن شعر الكلب والخنزير نجس" ليس المعنى أنه نجس بالموت؛ لأنه نجس في الحياة، والموت جميعاً على الأصح.
وظاهر فيهما على الثاني، وعلى التقديرين، فلا يكون نجساً بالموت، وإنما المعنى التعرّض لنفس النجاسة.
وقوله: "لنجاسة المَنْبَتِ" قد يعترض عليه بأن هذا التعليل يقتضي نَجَاسَةَ الزرع النابت على السِّرْقِينِ (1)، وقد نصوا على أنه ليس بنجس العين، لكنه نجس بمُلاَقَاةِ النجاسة، فإذا غسل طهر واذا تَسَنَّبَلَ فالحبات الخارجة منه طاهرة، ويجوز، أو يجاب عنه بأنه أراد بالمَنبَتِ ما منه النبات، والذي ينبت منه الشعر نجس، أما الزرع فإنه ينبت من الحبات المُنْبَثَّةِ في السِّرِقينِ، لا من نفس السِّرْقِينِ.

قال الغزالي

###: القِسْمُ الثَّالِثُ- المُتَّخَذُ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ

وَهُوَ مُحَرَّمٌ الاستِعْمَالِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنَّسَاءِ، وَلاَ يَجُوزُ تَزْيِينُ الحَوَانِيتِ بِهَا عَلَى الأَصَحِّ وَلاَ يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ (و) وَلاَ قِيمَةَ عَلَى كَاسِرِهِ (و) وَلاَ يَتَعَدَّى التَّحرِيمُ إِلَى الفَيْروزَجِ وَاليَاقُوتِ عَلَى الأَصَحِّ لأن نَفَاسَتَهُمَا لاَ يُدرِكُهَا إلاَّ الخَوَاصّ.
قال الرافعي: عن حذيفة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ [وَلاَ تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا" 2. يكره استعمال الأواني المتخذة من الذهب والفضة] 3 وهل ذلك على سبيل التحريم أو هو على سبيل التنزيه؟ فيه قولان: قال: في القديم أنه على التنزيه؛ لأن جهة المنع ما فيه من السَّرَفِ وَالخُيَلاَءِ وانكسار قلوب المساكين، ومثل هذا لا يقتضي التحريم.
وقال في الجديد: إنه على التحريم - وهو الصحيح، وبه قطع بعضهم، لما روى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنيَةِ الفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمُ" 4.1

رتب الوعيد بالنار عليه ويساوي في المنع الرجال والنساء لشمول معنى الخُيَلاَءِ وإن جاز للنساء التَّحَلّي بالذهب والفضة تزينا كما أن افتراش الحرير يحرم عليهن، كما يحرم على الرجال، ولا يحرم اللبس عليهن، ثم الخبر وإن ورد في الأكل والشرب منهما، فسائر وجوه الاستعمال في معناهما، كالتوضي والأكل بملعقة الفضة، والتَّطَيُّبُ بِمَاءِ الوَرْدِ مِنْ قَارُورَةِ الفِضَّةِ، وَالتَّجَمّرُ بِمِجْمَرَةِ الفِضَّةِ، إذا احتوى عليها، ولا حرج في إتيان الرائحة من بعد، وهل يجوز اتخاذ الأواني الذهبية والفضية؟ إن قلنا: لا يحرم استعمالها على القديم فيجوز، وإن قلنا: يحرم فوجهان: أحدهما: يجوز لجمع المال وإحرازه كيلا يتفرق.
والثاني: وهو الأصح والمذكور في الكتاب أنه لا يجوز، لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي فإن قيل آلات الملاهي تتشوف النفس إلى استعمالها، بخلاف الأواني.
قيل: لا نسلم أن الأواني لا تتشوف النفس إلى استعمالها، بل الواجد لها يَلْتَذُّ باستعمالها واحتجوا لهذا الوجه أيضاً: بأنه لا خلاف في وجوب الزكاة فيها ولو كان اتخاذها مُبَاحاً, لكان وجوب الزكاة فيها على القولين في الحُلْى المباح، وعلى الوجهين يبنى جواز الاستئجار على اتخاذها، وغرامة الصنعة على من كسرها، إن قلنا: يجوز اتخاذها جاز الاستئجار ووجب الغرم وإلا فلا وفي جواز تزيين البيوت، والحوانيت، والمجالس بها وجهان؛ لأنه ليس باستعمال، لكن السَّرَفَ وَالخُيَلاَءَ يكاد يكون أبلغ، ثم في كلام بعضهم بناء الخلاف في الاتخاذ على هذا الخلاف ان حرمناه فلا منفعة فيها بحال، فلا يجوز اتخاذها، وإلا فيجوز، ويجوز أن يعكس هذا البناء، فيقال: إن حرمنا الاتخاذ حرم التزيين؛ لأن ما حرم اتخاذه يجب إتلافه، والتزيين يتضمن الإِمْسَاكَ، وإن أبحنا الاتخاذ فلا منع إلا من الاستعمال.
وقال إمام الحرمين -رحمة الله عليه- الوجه عندي تحريم التزيين بها للسرف، مع الخلاف في حرمة الصنعة.
وأما الأواني المتخذة من سائر الجواهر النفيسة كَالفَيْرُوزج وَاليَاقُوتِ والزَّبَرجَدِ وغيرها، فهل هي في معنى المتخذ من الذهب والفضة؟ فيه قولان، بناهما الأئمة على أن تحريم إناء الذهب والفضة لعينهما، أو لمعنى فيهما؟ قالوا: وفيه قولان: الجديد: أن لعينهما؛ اختصاصهما بتقويم الأشياء بهما، ووجوب حق المعدن فيهما وجعلهما رأس مال القراض ونحو ذلك.
والثاني: أنه لمعنى فيهما، وهو السرف والخيلاء، فعلى الأول لا يحرم ما اتخذ من غيرهما من الجواهر النفيسة وعلى الثاني يحرم، واعتبر العراقيون والإمام معنى السرف والخيلاء لا محالة، وقالوا: حسم باب المعنى مع ظهوره بعيد، لكن وجه

الجواز أن التزين بالتبرين يظهر لكافة الناس، والجواهر النفيسة يختص بمعرفتها بعضهم، فيكون السرف والخيلاء في التبرين أكثر، وهذا قضية قول صاحب الكتاب؛ لأن نفاستها لا يدركها إلا الخواص، وكيف ما كان؟ فالأصح أنها ليست في معنى الذهب والفضة ولا خلاف في أن تكون نفاسته بسبب الصّنْعَةِ لا يحرم استعماله، ولا يكره كَلِبْسِ الكِتَّانِ النَّفِيسِ.
قال الغزالي: وَالمُمَوَّهُ لاَ يحْرُمُ عَلَى أَظَهْرَ المَذْهَبَينِ، وَالمُضَبَّبُ في مَحَلٍّ يَلْقَى فَمِ الشَّارِبِ مَحْظُورٌ عَلَى الأَظْهَرِ وَإِنْ لَمْ يَلْقَ فَإنْ كَانَ صَغِيراً لاَ يَلُوحُ مِنَ البُعْدِ أَوْ عَلَى قَدْرِ حَاجَةِ الكَسْرِ فَجَائزٌ (و) فَإِنْ انْتَفَى المَعْنَيَانِ فَحَرامٌ (ح) وَاِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا فَوَجْهَانِ، وَفِي المُكْحَلَةِ الصَّغِيرَةِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: لو اتخذ إناء من حديد، أو غيره، ومَوَّهَهُ بالذهب، أو الفضة، نُظِرَ إن كان يحصل منها شيء بالعرض على النار، منع من استعماله، وليس هذا موضع الخلاف؛ وإن لم يحصل شَيءٌ فهل يمنع من الاستعمال؟ فيه وجهان مبنيان على مثل ما ذكرنا في الجواهر النفيسة.
قال قائلون: إن قلنا: إن التحريم لعين الذهب والفضة فلا منع، وإن قلنا: إنه لمعنى الخُيَلاَء منع منه، وقال آخرون: معنى الخُيَلاَء معْتَبَرٌ، لكن من جوز قال: المُمَوَّه لا يكاد يخفى، ولا يلتبس بالتِّبْرِ، ولو اتُّخِذَ إناء من ذهب أو فضة وَمَوَّهَهُ بنِحاس أو غيره، جرى الخلاف، إن قلنا: التحريم لعين الذهب والفضة يحرم، وإن قلنا: لمعنى الخُيَلاَء فلا.
ولو غشى ظاهره وباطنه جميعاً بالنحاس.
قال الإمام: الذي أراه القطع بجواز استعماله والذي يجيء على قول: من يقول التحريم لعين الذهب والفضة، أن يقول بالتحريم هاهنا أيضاً.
وقوله: في الأصل "على أظهر المذهبين" -بمعنى- الوجهين اللَّذَيْنِ ذكرناهما 1 وأما المُضَبَّبُ، فينظر إن كانت الضَّبَّةُ على شَفَةِ الإناء، بحيث تلقى فم الشارب، فوجهان: أحدهما: التحريم، وبه قال مالك قدس الله روحه سواء كانت صغيرة أو كبيرة على قدر الحاجة، أو فوقها لكونها في موضع الاستعمال.
والثاني: أنها كما لو كانت في موضع آخر، وصاحب الكتاب في آخرين جعلوا الوجه الأول أظهر، ولعل الذي دعاهم إليه أنه أشبه بكلام الشافعي -رضي الله عنه- في المختصر، لكن معظم العراقيين على أنه لا فرق بين أن تكون الضَّبَّة على موضع الشرب

أو غيره، وهو أوفق للمعنى، لأن التحريم إن كان لعين الذهب والفضة، فلا فرق، وإن كان لمعنى الخُيَلاَءِ فكذلك، وقد تكون الزينة في غير موضع الشرب أكثر، وليس لقائل أن يقول: إذا كان شارباً على فضة كان متناولاً بالنص،, لأن لفظ الخبر المنع من الشرب في آنية الفضة، لا على الفضة، والمضبب ليس بآنية الفضة.
ثم من نصر الوجه الأول فمن شرطه أن يقول: لو كان الاستعمال في غير الشرب، وكانت الضَّبَّةُ على الموضع الذي يمسه المستعمل، ولا يلاقيه يحرم أيضاً، ولا ينساغ غير ذلك، وإن كانت الضَّبّة على غير موضع الشرب، نظر إن كانت صغيرة وكانت على قدر الحاجة فلا تحريم، ولا كراهة روي: "أَنَّ حَلْقَةَ قَصْعَةِ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- كَانَتْ مِنْ فِضَةٍ" 1. وكذلك قبيعة 2 سيفه 3 وإن كانت كبيرة وفوق الحاجة حرم الاستعمال لظهور الزينة، ووجود عين الذّهب والفضة وإن كانت صغيرة، لكنها فوق قدر الحاجة، أو كبيرة، لكنها بقدر الحاجة فوجهان: أحدهما: التحريم لظهور معنى الخُيَلاءَ.
أما في الصورة الأولى؛ فلأنه للزينة دون الحاجة.
وأما في الثانية (فَلِكِبَرِ الضِّبَّةِ) 4 وافتتان الناظرين بها، كأصل الإناء، وأصحهما: وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، والعِرَاقِيُّونَ أنه يكره، ولا يحرم أما في الصورة الأولى، فَلِصْغرها وقدرة معظم الناس على مثلها.
وأما في الثانية، فلظهور قصد الحاجة دون الزينة، وبنى بعضهم الوجهين على الأصل الذي سبق إن قلنا: التحريم لعين الذهب والفضة حرم، وإن قلنا: لمعنى الخُيَلاَء فلا.
وفي أصل المسألة وجهان آخران: أحدهما: أن المضبَّب يكره استعماله ولا يحرم بحال، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: أنه يحرم مطلقاً، حكاه الشيخ أبو بحمد 5 تخريجاً على اعتبار العين،

وإذا عرفت ذلك، فليكن قوله: "على قدر حاجة الكسر فجائز" معلماً بالواو للوجه الثاني.
وقوله: "وإن انتفى المعنيان فحرام" بالحاء، والواو، للوجه الأول، ثم هنا مباحثات.
إحداها: هل هذا الخلاف والتفصيل في المُضَبَّب بالفضة خاصة أو يعم المضبب بالفضة والذهب جميعاً؟ ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي -رحمة الله عليه- أنه يحرم التضبيب بالذهب مطلقاً، وهذا الخلات والتفصيل في المضبب بالفضة ووجهه قوله -صلى الله عليه وسلم- في الذهب والحرير: "هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي" 1. وَأيضاً: فقد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ شَرِبَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ أَوْ فِي إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارَ جَهِنَّمَ" 2. قضية هذا الخبر تحريم المضبّب بهما مطلقاً، خالفنا في الفضة؛ لما ورد من خبر القبيعة، والحلقة، فبقي في الذهب على ظاهره، والذي نصّ عليه الجمهور التسوية بين ضَبَّة الذهب وضبة الفضة كأصل الإناء.
الثانية: ما حد الصغير والكبير؟ قال بعضهم: الكبير ما يستوعب جزءاً من الإناء كأسفله، أو جانباً من جوانبه أو تكون عروته، أو شَفَتُهُ أو غيرهما من الأجزاء كله من ذهب أو فضة.
والصغير ما دون ذلك واستبعد إمام الحرمين هذا.
وقال: لعل الوجه أن يقال: ما يلمح على البعد للناظر فهو كبير، وما لا فهو صغير فيكون مأخذ ذلك مدانياً للقليل والكثير من طين الشوارع، وهذا ما أشار إليه في الأصل، حيث قال: "فإن كان صغيراً لا يلوح من البعد" -أراد تفسير الصغير بما لا يلوح من البعد- ولو بحِث باحث عن حد البعد فلا يجد مرجعاً فيه إلا العرف والعادة، وإذا كان كذلك، فلو رجعنا في الفرق بين الصغير والكبير إلى العرف والعادة وطرحنا الواسطة لما كان به بأس، وقد فعل بعض الأصحاب ذلك، وقال: المرجع في الفرق بين الصغير والكبير إلى العرف والعادة 3. الثالثة: هل يُسَوَّى بين الذهب والفضة في الصغير والكبير؟ لم يتعرض الأكثرون = إسرائيل لنقلت إلينا أوصافه وافتخروا به.
توفي بنيسابور في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة قال الحافظ أبو صالح المؤذن: غسلته فلما لففته في الأكفان رأيت يده اليمنى إلى الإبط منيرة كلون القمر، فتحيرت وقلت: هذه بركة فتاويه.
انظر ابن قاضي شهبة 1/ 209، 210 وانظر ابن خلكان 2/ 250، وابن السبكي 3/ 208، وابناه الرواة للقفطي 2/ 152، البداية والنهاية 12/ 55، والنجوم الزاهرة 5/ 42.

لذلك، وعن الشيخ أبي محمد: أنه لا ينبغي أن يسوى بينهما، فإن الخُيَلاَء في قليل الذهب كالخيلاء في كثير الفضة، وأقرب معتبر فيه، أن ينظر إلى قيمة ضبة الذهب إذا قومت بالفضة، وهذا الكلام يقرب مأخذه مما حكيناه عن الشيخ أبي إسحاق، وقياس الباب أن لا فرق 1. الرابعة: ما معنى الحاجة التي أطلقناها في المسألة 2، والجواب يعني- بها الأغراض المتعلقة بالتضبيب سوى التَّزيُّن، كإصلاح موضع الكسر، وكالشد، والتوثيق، فإذا كان على قدر ما يستدعيه الكسر، فهد بقدر الحاجة.
وقوله: في الأصل "على قدر حاجة الكسر" إشارة إلى هذا، ولا يعتبر العجز عن التضبيب بغير الذهب والفضة، فإن الاضطرار يبيح استعمال أصل الإناء من الذهب والفضة.
الخامسة: قدر الضبة المجوّزة، لو اتخذ منه إناء صغير، كالمِكْحَلة وَطَرْفِ الغَالِية، هل يجوز؟ حكى فيه وجهان للشيخ أبي محمد: أحدهما: نعم؛ كما لو ضبب به غيره.
وأظهرهما: لا، لأنه الآن يقع علين اسم الآنية، فيندرج تحته النهي، وخصوا هذا التردد بالفضة، وقياس ما سبق التسوية بين الذهب والفضة.
وذكر في "التهذيب" أنه لو اتخذ للإناء حَلَقَةٌ من فضة، أو سِلسِلَةٌ، أو رأساً يجوز؛ لأنه منفصل عن الإناء لا يستعمله، ولك أن تقول: لا نسلم أنه لا يستعمله؛ بل هو مستعمل بحسبه تبعًا للإناء 3 هب أنه لا يستعمله؛ لكن في اتخاذ الأواني من غير استعمال خلاف سبق، فليكن هذا على ذلك الخلاف أيضاً، ويجوز أن يوجه التجويز بالمضبب، أو تجعل هذه الأشياء كالظروف الصغيرة، كما سبق والله أعلم.

قال الغزالي: هَذَا قِسْمُ المُقَدِّمَاتِ أَمَّا المَقَاصِدُ فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ:

الْبَابُ الأَوَّلُ في صِفَةِ الوُضُوءِ

وَفَرَائِضُهُ سِتَّةَ: الأَوَّلُ: النِّيَّةُ فَهِيَ شَرْطٌ فِي كُلِّ طَهَارَةٍ عَنْ حَدَثٍ (ح و) وَلاَ تَجِبُ (و) في إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَلاَ يَصِحُّ (و) وُضوءُ الكَافِرِ وَغُسْلُهُ إِذ لاَ عِبرَةَ بِنَيَّتِهِ إِلاَّ الذِّمِّيَّةَ تَحْتَ المُسْلِمِ تَغْتَسِلُ عَنِ الحَيْضِ لَحَقِّ الزَّوْجِ فَلا يَلْزمُهَا الإعَادَة بَعْدَ الإِسْلاَمِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَالرِّدَّةُ بَعْدَ الوُضُوءِ لاَ تُبْطِلُهُ (و) وَبَعْدَ التَّيَمُّمِ تُبْطِلُهُ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِضَعْفِ التَّيَمُّمِ.
قال الرافعي: ذكرنا في أول الكتاب أَنَّ أحكام الطهارة على قسمين مقدمات ومقاصد.
وجعل قسم المقاصد على أربعة أبواب: أحدهما: في صفة الوضوء، وله فرائض وسنن، أما الفرائض فهي.
ست: الفرض الأول منها النية، فهي واجبة في طهارات الأحداث، خلافاً لأبي حنيفة، إلا في التيمم.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" 1. واعتبار ما عدا التيمم بالتيمم وأما إزالة النجاسة، فلا يعتبر فيها النية، لأنها من قبيل المتروك، والمقصود، هُجْرَانُ النجاسة، والمتروك لا تعتبر فيها النية، كترك الشرب، والزنا وغيرهما.
وطهارات الأحداث عبادات، فأشبهت سائر العبادات، ويحكى عن ابن سريج اشتراط النية فيها، وبه قال أبو سهل الصعلوكي 2، فيما حكاه صاحب "التتمة"، وإذا عرفت ذلك فاعلم أنه بني على اعتبار النية في الطهارات امتناع صحتها من الكافر، فلو اغتسل الكافر في كفره، أو توضأ، ثم أسلم - لم يعتد بما فعله في الكفر؛ لأنه ليس أهلاً للنية، فيلزم الإعادة بعد الإسلام، ولأن الطهارة عبادة،

والكافر ليس أهلاً للعبادات، ولهذا لا يصح منه الصلاة والصوم.
ولعل هذا أولى من التعليل، بأنه لا يصح منه النية؛ لأن النية المعتبرة في الوضوء نية رفع الحدث، وهي متصورة من الكافر.
وقال أبو بكر الفارسي 1: لا يجب إعادة الغسل ويجب إعادة الوضوء؛ لأن الغسل يصح من الكافر في بعض الأحيان، بدليل غسل الذِّمّيةِ عن الحيض لزوجها المسلم، والوضوء لا يصح منه بحال.
وحكى وجه آخر: أنه لا يجب إعادة الغسل ولا الوضوء وبه قال أبو حنيفة.
وأما مسألة الذمية، فإنها إذا طهرت من الحَيْضِ وَالنَّفَاسِ فلا يحل لزوجها المسلم غِشْيَانُهَا حتى تغتسل، كالمسلمة المجنونة تطهر من الحيض، ثم لو أسلمت الذمية بعد ذلك الغسل، أو أفاقت المجنونة، فهل يلزمها الإعادة؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أبو بكر الفارسي لا يلزم، لأنه غسل صح في حق حل الوطء، فيصح في حكم الصلاة وغيره.
وأصحهما: أنه يلزم الاعادة، لأنه ليس للكافر والمجنون أهلية العبادة، وإنما صح في حل الوطء لضرورة حق الزوج.
ولهذا تُجْبَرُ الزوجة على الغُسْلِ من الحيض -مسلمة كانت أو ذمية- لحقه هذا حكم الكافر الأصلي.
أما المرتد فلا تصح منه الطهارة بحال ولم يجروا فيه الخلاف المذكور في الكافر الأصلي؛ لأن من قال: ثم لا حاجة إلى الإعادة أخذ ذلك من غسل الذمية يحل الوَطْءِ، أو من التخفيف والعفو عند الإسلام، ولا يفرض واحد منهما في المرتد.
ولو توضأ المسلم ثم ارتد، هل يبطل وضوءه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لأن ابتداء الوضوء لا يصح مع الردة، فإذا طرأت في دوامه أبطله، كالصلاة لا يصح ابتداؤها مع الردة، وتبطل إذا طرأت في دوامها.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يبطل، حتى لا تجب الإعادة، إذا عاد إلى الإسلام؛ لأنه بعد الفراغ من الوضوء، مستديم حكمه لا فعله، وإذا كان كذلك لم يتأثر ما سبق بالردة.
ألا ترى أنه إذا ارتد لم يبطل ما معنى من صومه وصلاته، حتى لا تجب إعادته بعد الإسلام! وهل يجرى هذا الخلاف في الغسل؟

المشهور: إنه لا يجري، لأن الغسل بجامع الكفر، بدليل مسألة الذمية، والوضوء بخلافة، ومنهم من أجرى الخلاف فيه أيضاً، والتوجيه ما ذكرنا في الوضوء.
وأما التيمم ففي بطلانه بعروض الردة وجهان أيضاً: لكن الأصح فيه البطلان؛ لأن التيمم لاستباحة الصلاة، وإذا ارتد خرج عن أهلية الاستباحة، فلا يفيد تيممه الإباحة بعد ذلك؛ كما إذا تيمم قبل الوقت، لا يستبيح به الصلاة بعد دخول الوقت ومنهم من يرتب فيقول: إن بطل الوضوء بالردة فالتيمم أولى، وإن لم يبطل، ففي التيمم وجهان، والفرق ضعف [التيمم] 1 وتقاعده عن إفادة الإباحة بعد تَعَذُّرِ الاسْتِبَاحة.
قال الغزالي: ثُمَّ وَقْتُ النِّيَّةِ حَالَةُ غَسْلِ الوَجهِ وَلاَ يَضُرُّ الغُرُوبُ بَعْدَهُ، وَلَو اقْتَرَنَتْ بِأوَّلِ سُنَنِ الوُضُوءِ وَعَزُبَتْ قَبْلِ غَسْلِ الوَجْهِ فَوَجْهَان.
قال الرافعي: لا يجوز أن تتأخر النية عن أول غسل الوجه؛ لأنها لو تأخرت لخلا أول الفرض عن النية، وصار كالصلاة، يشترط فيها المقارنة بأولها بخلاف الصوم، يحتمل فيه المتقدم تارة والتأخر أخرى، لعسر مراقبة طلوع الفجر وتطبيق النية عليه، ثم إذا لم تتأخر، فإما أن يحدث مقارنة لأول غسل الوجه أو يتقدم عليه، فإن حدثت مقارنة لأول غسل الوجه صح الوضوء ولا يجب الاستصحاب إلى آخر الوضوء، لما فيه من العسر، ولكن لا يحصل له ثواب ما قبله من السنن، إذ ليس للمؤمن من عمله إلا ما نوى 2 وإن تقدمت عليه، نظر إن استصحبها إلى أن ابتدأ بغسل الوجه صح الوضوء.
وحصل ثواب السنن المَنْوِيَّة قبله، وإن قارنت ما قبله من السنن، وعزبت قبل غسل الوجه، ففي الوضوء وجهان: أحدهما: الصحة؛ لأن تلك السنن من جملة الوضوء فإذا اقترنت النية بها، فقد اقترنت بأول العبادة.
وإن لم تكن فرضاً وأصحهما: المنع، لأن المقصود من العبادة واجباتها والمندوبات توابع وتزينات، فلا يكفي اقتران النية بها، ولأنها أمور سابقة على فرض الوضوء، فلا يكفي اقتران النية بها، كالاستنجاء ثم لا خلاف في أن المضمضة، والاستنشاق من سنن الوضوء، واختلفوا فيما قبل ذلك، كغسل اليدين، والسواك، والتَّسْمِيَّة، فلم يعدها كثيرون من سننه.
وإن كانت مندوبة في ابتدائه، وعدها آخرون من سننه، وهو الوجه، ولهذا تقع معتداً بها مثاباً عليها إذا نوى مطلق الوضوء، ولو لم تكن معدودة من أفعاله لما اعتد بها بنية الوضوء.
وفي لفظ الكتاب أشياء، ينبغي أن يتنبه لمثلها.

الأول: إن قوله: "وقت النية حالة غسل الوجه" مؤول، لأن إطلاق غسل الوجه يتناول جميعه والجميع ليس بوقت النية، لا بمعنى أنه يجب اقتران النية بالكل، كقولنا: وقت الصوم النهار؛ لأنه يجوز أن يغسل الوجه على التدريج، ولا تقترن النِّيَّة بما سوى الجزء الأول، ولا بمعنى أنه تجزى النية في أي بعض من أبعاضه اتفقت، كقولنا: وقت الصلاة كذا؛ لأن اقترانها بما سوى الجزء الأول لا يغني فإذاً المراد أول غسل الوجه.
والثاني: أن قوله: لا يضر العُزُوبُ بعده ليس على إطلاقه.
لأن الذي لا يضر ليس مطلق العزوب؛ بل العزوب بشرط أن لا تحدث نية أخرى، حتى لو عزبت نيته المعتبرة، وحدثت له نية تبرد، أو تنظف، لم يصح وضوءه في أصح الوجهين؛ لأن النية الأولى غير باقية حقيقة، والثانية حاصلة حقيقة، فتكون أقوى.
والثالث: قوله: "ولو اقترنت بأول سُنَنِ الوضوء"، ليس من شرط هذه الصورة أن يكون الاقتران بالسنة الأولى؛ بل سواء اقترنت النية بالأولى أو بغيرها وعزبت قبل الشروع في غسل الوجه - حصل الوجهان وبالله التوفيق.
قال الغزالي: وَكَيْفيَّتُهَا أَنْ يَنْوي رَفْعَ الحَدَثِ أَو استِبَاحَةَ الصَّلاةِ أَوْ مَا لاَ يُبَاحُ إِلاَّ بالطَّهَارَةِ أَوْ أَدَاءَ فَرْضِ الوُضُوءِ، فَإِنْ نَوَى رَفعَ بَعَضْ الحَدَثِ دُونَ البَعْضِ فَسَدَتْ نِيَّتُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجهَينِ، وَإِنْ نَوَى استِبَاحَةَ صَلاَةٍ لاَ بِعَيْنِهَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ تَفْسَدُ فِي الكُلِّ، وَقِيلَ يُبَاحُ لَهُ مَا نَوى، وَلَوْ نَوَى مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الوُضُوءُ كَقِرَاءَةِ القُرْآنِ لِلْمُحْدِثِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ شَكَّ فِي الحَدَثِ بَعْدَ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ احْتِيَاطاً ثُمَّ تَبيَّنَ الحَدَثَ فَفِي وُجُوبِ الإِعَادَةِ وَجهَانِ لِلتَّرَدْدِ فِي النِّيَّةِ، وَإِنْ نَوِى بِوْضُوئِهِ رَفْعَ الحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ لَمْ يَضُرَّ عَلَى الأَظْهَرِ وَكَذَا إِنْ نَوَى غُسْلَ الجَنَابَةِ مَعَ غُسْلِ الجُمُعَةِ حَصَلاَ مَعاً.
قال الرافعي: الوضوء نوعان، وضوء رفاهية، ووضوء ضرورة، أما وضوء الرَّفاهِية فعلى صاحبه أن ينوي أحد أمور ثلاثة: أولها: رفع الحدث، أو الطهارة عنه، فإن أطلق كفاه؛ لأن المقصود من الوضوء رفع مانع الصلاة ونحوها، فإذا نواه فقد تعرض لما هو المطلوب بالفعل.
وحكى وجه: أنه إن كان يمسح على الخف لم يجزه نية رفع الحدث؛ بل ينوي استباحة الصلاة، كالمتيمم، ولو نوى رفع بعض الأحداث دون بعض، بأن كان قد نام وبال ومسّ، فنوى رفع حدث منها، ففيه وجوه أصحها: أنه يصح وضوءه؛ لأنه نوى رفع البعض، فوجب أن يرتفع، والحدث لا يتجزأ، فإذا ارتفع البعض ارتفع الكل.
والثاني: لا يصح؛ لأن مَا لَمْ يَنْوِ رفعه يبقى، والأحداث لا تتجزَّأُ، فإذا بقي البعض بقي الكل، ويكاد هذان الكلامان يتقاومان، لكن من نصر الأول قال: نفس النوم

والبول لا يرفع، وإنما يرفع حكمهما، وهو شيء واحد تعددت أسبابه، والتعرض لها ليس بشرط، فإذا تعرض له مضافاً إلى سبب واحد - لغت الإضافة إلى السبب، وارتفع.
والثالث: إن لم ينف رفع ما عداه صح وضوءه، وإن نفاه فلا، لأن نيته حينئذ تتضمن رفع الحدث وإبقاءه فصار، كما لو قال: أرفع الحدث لا أرفع الحدث.
والرابع: إن نوى رفع الحدث الأول صح وضوءه، وإن نوى غيره فلا؛ لأن الأول هو الذي أثر في المنع ونقض الطهارة.
والخامس: إن نوى رفع الحدث الأخير صح، وإن نوى غيره فلا، لأن الأخير أقرب، وذكر بعضهم: أن الخلاف فيما إذا نواه، ونفى غيره، فإن لم يَنْفِ صح بلا خلاف، وهذا إذا كان الحدث الذي خصه بالرفع واقعاً له، فإن لم يكن، كما إذا نوى رفع حدث النوم ولم ينم، وإنما بال، نظر إن كان غَالِطاً صح وضوءه؛ لأن التعرض لها ليس بشرط، فلا يضر الغلط فيها، وإن كان عامداً لم يصح في أصح الوجهين، لأنه متلاعب بطهارته.
الثاني: استباحة الصلاة أو غيرها، مما لا يباح إلا بالطهارة، كالطواف، وسجدة التِّلاوة، والشكر، ومس المصحف، فإذا نواها وأطلق أجزأه، لأن رفع الحدث إنما يطلب لهذه الأشياء، فإذا نواها فقد نوى غاية المَقْصَدِ، وروى وجه: أنه لا يصح الوضوء بنية الاستباحة، لأن الصلاة ونحوها قد تُسْتَبَاحُ مع بقاء الحدث بدليل المُتيمِّم وإن نوى اسْتِبَاحَةَ صلاة معينة، فإن لم يتعرض لما عداها بالنفي والإثبات صح أيضاً وإن نفى غيرها فثلاثة أوجه: أصحها: الصحة؛ لأن المَنْوِيَّةَ ينبغي أن تباح، ولا تباح إلا إذا ارتفع الحدث، والحدث لا يتبعض.
والثاني: المنع، لأن نيته تضمنت رفع الحدث، وإبقاءه كما سبق.
والثالث: يباح له المنوي دون غيره، لظاهر قوله- صلّى الله عليه وآله وسلّم: "وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".
وإن نوى ما يستحب له الوضوء كقراءة القرآن لِلْمُحْدِثِ، وسماع الحديث وروايته، والقعود في المسجد وغيرها، فوجهان: أظهرهما: لا يصح وضوءه؛ لأن هذه الأفعال مباحة مع الحدث، فلا يتضمن قصدهما قصد رفع الحدث.
والثاني: يصح؛ لأنه قصد أن يكون ذلك [الفعل على أكمل أحواله، ولن يكون كذلك إلا إذا ارتفع الحدث:

والوجهان جاريان فيما إذا كان] 1 الوضوء مستحباً في ذلك الفعل لمكان الحدث، كما ذكرنا من الأمثلة، وفيما إذا كان الاستحباب لا باعتبار الحَدَثِ كتجديد الوضوء، فإن المقصد منه زيادة النَّظَافَةِ، لكن المنع في القسم الثاني أظهر منه في الأول، ولذلك قطع بعضهم بنفي الصحة فيه.
ولو شك في الحدث بعد يقين الطهارة، فتوضأ احتياطاً، ثم تَبَيَّنَ أنه كان محدثاً، فهل يعتد بهذا الوضوء؟ فيه هذان الوجهان؛ لأن الوضوء والحالة هذه محبوب للاحتياط لا للحدث؛ وفي المسألة معنى آخر، وهو أنه الوضوء متردد في الحدث، فيكون متردداً في نِيَّةِ رفع الحدث، وإذا كان كذلك وجب أن لا يعتد بوضوئه لاخْتِلال النية، وهذا بخلاف ما إذا شك في الطهارة بعد يَقِينِ الحدث، حيث يُؤْمَرُ بالوضوء، ويحكم بصحته مع التردُّد، لأن الأصل بقاء الحدث، والتردد الذي يعتضد أحد طرفيه بالأصل لا يضر لحصول الرُّجحَان والظهور.
وهذا المعنى على العكس هاهنا، أما إذا كان الفعل، بحيث لا يتوقف على الوضوء، ولا يستحب الوضوء له كدخول السوق، فتوضأ له لم يصح.
الثالث: أداء فرض الوضوء، فيصح الوضوء بهذه النية؛ كما إذا نوى المصلِّي أداء فرض الصلاة، وهذا لأن النية معتبرة في الوضوء لجهة كونه قُرْبَة، فأشبه سائر القربات، ولهذا ذكروا وجهين في اشتراط الإضافة إلى الله تعالى كما في الصوم، والصلاة وسائر العبادات.
والأولى: أن لا يجعل اعتبار النية في الوضوء على سبيل القربات بل يعتبرها للتمييز ولو كان الاعتبار على وجه القربة لما جاز الاقتصار على أداء الوضوء وحذف الفرضية، لأن الصحيح أنه يشترط التعرض للفرضية في الصلاة وسائر العبادات، وقد نَصُّوا على أنه لو نوى أداء الوضوء كفاه، بل يلزم أن يجب التعرض للفرضية ولو نوى رفع الحدث أو الاسْتِبَاحَة والله أعلم.
فإن قيل: إذا لم يدخل وقت الصلاة، فليس عليه وضوء ولا صلاة، فكيف ينوي فرض الوضوء؟ فالجواب أن الشيخ أبا على ذكر أن الموجب للطهارة هو الحدث، وقد وجد، إلا أن وقتها لا يتضيَّقُ عليه، ما لم يدخل وقت الصلاة، فلذلك صح الوضوء بنية الفرضية قبل دخول الوقت، لكن هذا الجواب مبني على أن الموجب للطهارة هو الحدث، وقد صار بعض الأصحاب: إلى أن الموجب هو دخول الوقت أو أحدهما بشرط الآخر، ويجوز أن يقال: لا تعنى بالفرضية 2 أنه يلزمه الإتيان به، وإلا لامتنع أن يتوضأ الصبي المميز بهذه النية، ولكن المراد أنه ينوي إقامة طهارة الحدث المشروطة في الصلاة،

وشروط الشيء تسمى فروضه، وربما نذكر في معنى فرضية الصلاة التي ينويها المصلي ما يقارب هذا، ونبين ما فيه من الإشكال في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.
ثم إذا نوى بوضوئه أحد الأمور الثلاثة، وقصد معه شيئاً آخر يحصل ذلك الشيء من غير قصد ونية، كما لو نوى بوضوئه رفع الحدث والتبرُّد أو استباحة الصلاة والتبرد، ففي صحة الوضوء وجهان: أحدهما: ويحكى عن ابن سريح: أنه لا يصح؛ لأن الاشتراك في النية بين القربة وغيرها مما لا يخل بالإخلاص، وأصحهما: أنه يصح، لأن التبرُّدَ حاصل وإن لم يَنْوِ فنيته لاغية؛ وصار كما لو كبر الإمام وقصد مع التحريم إعْلاَمَ القوم لا يضر، ولو اغتسل بنية رفع الجنابة والتبَرُّد فعلى هذين الوجهين.
ولو كانَ يغتسل ضَحْوَةَ الجمعة، فنوى رفع الجنابة وغسل الجمعة، فهذا يُبْنَى على أنه لو اقتصر على نية رفع الجنابة، هل يتأدى به سُنَّةُ غسل الجمعة أم لا؟ فيه قولان: إن قلنا: لا، فقضيته أنه لا يصح الغسل أصلاً؛ كما لو نوى بصلاته الفرض والنفل جميعاً.
لمان قلنا: يتأدّى به وهو الأصح فوجهان، كالوجهين في ضَمِّ نية التبرد إلى رفع الحدث، أصحهما: أنه لا يضر، كما لو صلى الفرض عند دخول المسجد، ونوى التحِيَّةَ أيضاً لا يضرُّ، لأن التحية تحصل، وإن يَنْوِها ولا فرق في جَرَيَان الوجهين -في مسألة التبرُّد- بين أن يضم قصد التبرد إلى النية المعتبرة في الابتداء، وبين أن يحدثها في الأثناء وهو ذاكر للنية المعتبرة، أما إذا كان غافلاً عنها لم يصح ما أتى به بعد ذلك في أصح الوجهين، وقد قدمنا هذا.
هذا شرح مسائل الفصل على الاختصار، ونعود إلى ما يتعلق بخصوص الكتاب.
قوله: "وكيفيته أن ينوي رفع الحدث"، يجوز أن يعلم رفع الحدث بالواو، إشَارَةً إِلَى الوَجْهِ الذي ذكرنا، في حق الماسح على الخُفِّ، فإن ذلك القائل لا يصحح الوضوء بنية رفع الحدث على الإطلاق؛ بل في حق غَيْرِ المَاسِحِ.
وقوله: "أو استباحة الصَّلاَة" ينبغي أن يعلم أيضاً بالواو، للوجه الذي رويناه.
وقوله: "أو أداء فرض الوضوء" ليس ذكر الفرضية على سبيل الاعتبار والاشتراط كما سبق، وقد أوضح ذلك في "الوسيط".
فقال: ينوي أداء الوضوء أو فريضة الوضوء.
وقوله: "ولو نوى رفع بعض الحدث دون البعض"، يشمل ما إذا لم يتعرض للباقي أصلاً، وما إذا نفى رفع الباقي والخلاف جارٍ في الحالتين على أظهر الطريقين كما سبق -فهو مجرى على إطلاقه، لكن قوله: "وإن نوى استباحة صلاة بعينها"- المراد منه: ما إذا عَيِّنَهَا؛ ونفى غيرها، لأنه لا خلاف فيما إذا لم يتعرض لما سواها.
وقوله: في مسألة الشك "للتردُّدِ في النيّة" إشارة إلى المعنى الثاني، لوجه عدم الإجزاء، لكن المناسب لا يراد المسألة

مقرونة بما إذا نوى بوضوئه الأفعال المستحبة المعنى الأول.
وقوله: "كذا لو نوى غسل الجنابة والجمعة حصلا"، يجوز أن يريد به العطف على الأظهر في مسألة التبرد، بناء على أنه يحصل غسل الجمعة وإن اقتصر على رفع الجنابة، وعلى هذا فاللفظ يشعر بالخلاف في المسألة ولا حاجة إلى إعلامه بالواو، ويجوز أن يحمل على الابتداء، وعلى هذا يحتاج إلى العلامة بالواو، وعلى التقديرين وهو مُعْلَّمٌ بالميم، لأن صاحب "البيان" حَكَى عن مالك أنه لا يجزئه الغسل الواحد عنهما.
قال الغزالي: وَالمُسْتَحَاضَةُ لاَ يَكْفِيهَا نِيَّة رَفْعِ الحَدَثِ بَلْ تَنْوي اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ وَرَفْعَ الحَدَثِ وَلَو اقْتَصَرَتْ عَلَى نِيَّةِ الاسْتِبَاحَةِ جَازَ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: تكلمنا في كَيْفِيَّةِ النية في وضوء الرَّفَاهِية، أما النوع الثاني في وضوء الضرورة وهو وضوء من به حَدَثَّ دائم، كَالمُسْتَحَاضَةِ، وَسَلَسِ البول ونحوهما.
فنقول: لو اقتصرت المُسْتَحَاضَةُ على نية رفع الحدث، فهل يصح وضوءها؟ فيه وجهان: أصحهما: وهو المذكور في الكتاب، أنه لا يصح؛ لأن حدثها لا يرتفع بالوضوء، وكيف يرتفع؟ ومنه ما يقارن وضوءها ويتأخر عنه.
والثاني: يصح؛ لأن رفع الحدث يتضمن استباحة الصلاة، فقصد رفع الحدث يؤثر بمتضمنه وإن لم يؤثر بخصوصه، ولو اقتصرت على نية الاستباحة فوجهان: أصحهما: أنه يصح وضوءها، كما يصح التيمُّم بهذه النية.
والثاني: لا يصح يُحْكَى ذلك عن أبي بكر الفارسيِّ، والخضريِّ؛ لأن لها أحداثاً سابقة وأخرى لاحقة، فتنوي الرفع لما تقدم، والاستباحة لما تأخر، وإن جمعت بينهما، فهو الغاية، لم لو نوت استباحة فريضة واحدة لا غير جاز بلا خلاف، بخلاف ما إذا فعل ذلك صاحب طهارة الرفاهية، لأن طهارتها لا تفيد إلا فريضة واحدة.
ولو نوت استباحة نافلة بعينها، عاد ذلك الخلاف، ثم النَّظر في كون المُسْتَبَاح فرضاً أو نفلاً أو مطلق الصلاة، وفيما يباح لها إذا نوت النفل، كما سيأتي في التيمُّم.
قال الغزالي: وَلَوْ أَغْفَلَ لُمْعَةً فِي الأولَى فَانْغَسَلَتْ فِي الكَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى قَصْدِ التَّنَفُّلِ فَفِي ارْتفَاعِ الحَدَثِ وَجْهَانِ، وَلَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى أَعْضَاءِ الوُضُوءِ لَمْ يَجُزْ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان: إحداهما: لو كان يتوضأ ثلاثاً كما هو السُّنَّة وترك لُمْعَة في المرة الأولى غافلاً،

وانغسلت في الغسلة الثانية أو الثالثة، وهو يقصد التنفل بهما، فهل يعتد بغسل تلك اللُّمْعَة أم يحتاج إلى إعادته؟ فيه وجهان مخرجان على أصلين سبق ذكرهما.
أحدهما: أنه إذا لم تبق نيته الأولى، وحدثت نِيَّةٌ أخرى؛ كما إذا عزبت نية رفع الحدث، وقصد التبرد أو التنطف، فقد حكينا فيه وجهين، وهاهنا كذلك لأنه لم يبق له في المرة الثانية والثالثة نية رفع الحدث ضرورة اعتقاده ارتفاع الحدث بالمرة الأولى.
والثاني: أن تلك اللّمْعَة ما صارت مغسولة بنية رفع الحدث، وما في معناه؛ بل على قصد التنفل، فيكون كما لو نوى بوضوئه ما يستحب له الطهارة 1 ولو أغفل لمعة في وضوئه، وانغسلت في تجديد الوضوء بعد ذلك، فعلى هذين الوجهين، لكن الأصح الاعتداد بالمُنْغَسِلِ في المرة الثانية والثالثة، وعدم الاعتداد بالمنغسل في التجديد، والفرق أن الغسلات في المرات الثلاث طهارة واحدة، وقضية نية الأولى أن تحصل الغسلة الثانية بعد الأولى، مما لم ينغسل عن الأولى لا يقع عن الثانية، وتوهمه الغسل عن الثانية لا يمنع الوقوع عن الأولى، كما لو ترك سجدة من الأولى ناسياً وسجد في الثانية تتم بها الأولى، وإن كان تَوَهَّمَ خلاف ذلك، وأما التجديد فهو طهارة مستقلة منفردة بنية لم تتوجه إلى رفع الحدث أصلاً.
المسألة الثانية: إذا فرَّق النية على أعضاء الوضوء، فنوى عند غسل الوجه رفع الحدث عنه، وعند غسل اليدين رفع الحدث عنهما، وهكذا، ففي صحة وضوئه وجهان: أظهرهما: عند صاحب الكتاب المنع؛ لأن الوضوء عِبَادَةٌ واحدة، فلا يجوز تفريق النية على أبعاضها كالصوم، والصلاة.
والثاني: وهو الأصح عند المعظم، أنه يصح؛ لأنه يجوز تفريق أفعاله على الصحيح ولا يشترط فيه الموالاة وإن كان عبادة واحدة، فكذلك يجوز تفريق النية على أفعاله بخلاف الصلاة وغيرها لا يجوز التفريق في أبعاضها، ثم من الأصحاب من يبني تفريق النية على تفريق الأفعال إن جوزتا تفريق الأفعال جوزنا تفريق النية وإلا فلا، ومنهم من رَتَّبَ، فيقول: إن لم يَجُزِ التفريق في الأفعال ففي النية أولى، وإن جوزنا ذلك ففي هذا وجهان.
والفرق أنه وإن فرق أفعاله، فهو عبادة واحدة يرتبط بعضها ببعض، ألا ترى أنه لو أراد مَسَّ المصحف بوجهه المغسول قبل غسل باقي الأعضاء لا يجوز، وإذا كان كذلك

فليشملها نية واحدة، بخلاف الأفعال فإنها لا تَتَأَتَّى إلا متفرقة، ثم الخلاف في مطلق تفريق النية أم فيما إذا نوى رفع الحدث عن العضو المغسول، ونفى غسل سائر الأعضاء دون ما إذا اقتصر على رفع الحدث عنه، والمشهور الأول، وحكى عن بعض الأصحاب الثاني، وإذا قلنا في المسألة الأولى: إنه لا يُعْتَدُّ بغسل اللّمْعَة في الكَرَّةِ الثانية والثالثة، فهل يبطل ما مضى من طهارته، أم يجوز البناء؟ فيه وجها تفريق النية: إن قلنا: لا يجوز التفريق يمتنع البناء؛ لأنه محتاج عند البناء إلى تجديد النية للباقي، وإن قلنا: يجوز البناء ويبقى النظر في طول الفصل وعدمه، فإن اعتبرنا الموالاة لم يُحْتَمَلْ طول الفصل.
قال الغزالي: الفَرْضُ الثَّانِي: اسْتِيعَابُ غَسْلِ الوَجهِ مِنْ مُبْتَدَا تسْطِيحِ الجَبْهَةِ إلَى مُنْتَهَى الذّقنِ وَمِنَ الأُذُنِ إِلَى الأُذُنِ وَاجِبٌ، وَلاَ تَدْخُلُ النَّزَعَتَانِ وَلاَ مَوْضِعُ الصَّلَعِ فِي التحْدِيدِ، وَمَوْضِعُ التَّحْذِيفِ (3) مِنَ الوَجهِ عَلَى الأظْهَرِ، وَالغَمَمُ إِن اسْتَوْعَبَ جَمِيعَ الجَبْهَةِ وَجَبَ إِيصَالُ المَاءِ إِلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْ فَوَجْهَان.
قال الرافعي: غسل الوجه أول الأركان الظاهرة في الوضوء، قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ 1، وَحَدُّ الوجه على ما اختاره صاحب الكتاب من مُبْتَدَا تَسْطِيحِ الجبهة إلى منتهى الذَّقْنِ في الطول، ومن الأُذُن إلى الأُذُن في العرض، ومعنى ذلك: أن ميل الرأس إلى التَّدْوِيرِ، ومن أول الجَبْهَةِ يأخذ الموضع في التَّسْطِيح، وتقع به المُحَاذَاةُ والمواجهة، فَحَدُّ الوجه في الطول من حيث يبتدئ التسطيح، وما فوق ذلك من الرأس.
وإذا عرفت ذلك فمما يخرج عن الحد النَّزَعَتَانِ، وهما البَيَاضَانِ المُكْتَنِفَانِ للنَّاصِيَةِ أعلى الجَبِيْنَينِ، لأنهما في سَمْتِ الناصية، وهما جميعاً في حدِّ التَّدْوِيرِ، ومما يخرج عنه موضع الصَّلَعِ، لأنه فوق ابتداء التسطيح، ولا عبرة بانحسار الشعر عنه، نظراً إلى الأعَمِّ الأغلب، ومما يخرج عنه موضعا الصُّدْغَيْن، وهما في جانبي الأذن يتصلان بِالعِذَارَيْنِ من فوق؛ لأنهما خارجان عما بين الأذنين 2 لكونهما فوق الأذنين، وحكى في الصُّدْغَيْنِ وجه: أنهما من الوجه، ومما يدخل في الحَدِّ موضع الغَمَم 3؛ لأنه في تسطيح الجَبهَةِ، ولا عِبْرَةَ بنبات الشعر على خلاف الغالب، كما لا عبرةَ بانحساره عن موضع الصَّلَعِ على خلاف الغالب، هذا إذا استوعب الغَمَمُ جميع الجَبْهَةِ، وإلا فوجهان: أصحهما: أن الأمر لا يختلف، وهو من الوجه لما ذكرنا.

والثاني: أنه من الرأس؛ لأنه على هيئته، والباقي المكشوف هو من الجبهة، بخلاف ما إذا أخذ الغمم جميع الجبهة، فإن العادة لم تَجْرِ بأن لا يكون للإنسان جبهة أصلاً، وربما وجه أحد هذين الوجهين، أنه مقبل في صَفْحَةِ الوجه.
والثاني بأنه في تدوير الرأس، ومعناه أن الأَغَمَّ ينتأُ من أوائل جبهته شيء، ولا ينقطع شكل تدوير رأسه حيث ينقطع من غيره، فذلك الموضع متصل بتدوير الرأس، لكنه مقبل في صفحة الوجه.
وأما موضع التَّحْذِيفِ؛ وهو الذي ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العِذَارِ والنَّزَعَةِ، وربما يقال: بين الصُّدْغِ والنَزَعَة؛ والمعنى لا يختلف لأن الصدغ والعذار متلاصقان، وهل هو من الوجه، أو الرأس؟ فيه وجهان.
قال ابن سريج وغيره: هو من الوجه لمحاذاته بَيَاضُ الوجه، ولذلك تعتاد النساء والأشراف إزالة الشعر عنه ولهذا سمى موضع التًحْذِيفِ.
وقال أبو إسحاق وغيره: هو من الرأس لنبات الشعر عليه متصلاًّ بسائر شعر الرأس، والأول: هو الأظهر عند المصنف، والذي عليه الأكثرون.
الثاني وهو الذي يوافق نص الشافعي -رضي الله عنه- في حَدِّ الوجه، وحاول إمام الحرمين تقدير موضع التحذيف، فقال: إذا وضع طرف خيط على رأس الأذن، والطرف الثاني على زاوية الجبين فما يقع منه في جانب الوجه فهو من الوجه، ولك أن تقول بتوجيه من يجعله من الوجه لا يقتضي التقدير بهذا المقدار، فإن من يحذف قد يحذف أكثر من ذلك، أو أقل، ولا يراعى هذا الضبط فلا بد للتقدير من دليل.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "استيعاب غسل الوجه".
كان الأحسن أن يقول: استيعاب الوجه بالغسل.
وقوله: "من مبتدأ تَسْطِيحِ الجبهة" إلى آخره، تحديد للوجه، وكلمتا "من" و"إلى" إذا دخلتا في مثل هذا الكلام قَدْ يُرَادُ بهما دخول ما وردتا عليه في الحَدِّ، وقد يُرَادُ خروجه.
نظير الأول: حضر القوم من فلان إلى فلان.
ونظير الثاني: من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة كذا ذراعاً، وهما في قوله: "من مبتدأ تَسْطِيحِ الجبهة إلى منتهى الذَّقْنِ مستعملتان بالمعنى الأول، إذ لا يراد بمتبدأ التسطيح إلا أوله، وبمنتهى الذقن إلا آخره، ومعلوم أنهما داخلان في الوجه، وفي قوله: من الأذن إلى الأذن مستعملتان بالمعنى الثاني، لأن الأذنين خارجتان من الوجه.
واعلم قوله: "من الأذن إلى الأذن" بالميم؛ لأن مالكاً يعتبر من العِذَارِ إلى العِذَارِ، ويخرج البَيَاضَ الذي بين العذار والأذن عن حد الوجه، فإن قيل: يدخل في

هذا الحد ما ليس من الوجه ويخرج منه ما هو من الوجه أما الأول فلأنه يدخل فيه داخل الفم، والأنف فإنه بين تسطيح الجبهة ومنتهى الذقن، وليس من الوجه، وأما الثاني؛ فلأنه تخرج عنه اللِّحيَةُ المُسْتَرسَلَةُ وهي من الوجه، لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً غطى لحيته، وهو في الصلاة فقال: "اكْشِفْ لِحْيَتَكَ، فَإِنَّهَا مِنَ الوَجهِ" 1. قلنا: أما الأول فَلِلْكَلاَم تأويل.
المعنى ظاهر ما بين تَسْطِيحِ الجبهة ومنتهى الذَّقْنِ؛ ولهذا لو بطن جزء بالالتحام وظهر جزء خرج الظاهر عن أن يكون من الوجه وصار الباطن من الوجه نقيم الشَّعْرَ مقام البَشْرَةِ من صاحب اللحية الكَثَّةِ، وأما الثاني فتسمية اللِّحْيَة وجهاً على سبيل التبعية والمجاز؛ لأمرين: أحدهما: أنه لولا ذلك لكانت وجوه المُرْدِ وَالنِّسْوَانِ ناقصة، ولصح أن يقال: لمن حلقت لحيته: قطع بعض وجهه، معلوم أنه ليس كذلك.
والثاني: أنَّه يصح قول القائل اللِّحْية من الشعور النابتة على الوجه وفي المسترسلة: أنها نازلة عن حَدِّ الوجه، وذلك يدل على ما ذكرنا.
قال الغزالي: وَيجِبُ إِيصَالُ المَاءِ إِلَى مَنَابِتِ الشُّعْورِ الخَفِيفَةِ غَالِبًا كَالحَاجِبَيْنِ وَالأهْدَابِ وَالشَّارِبَيْنِ وَالعِذَارَينِ، فَأَمَّا شَعْرُ الذَّقَنِ فَإِنْ كَثُفَ بِحَيْثُ لاَ تَتَراءَى البَشَرَةُ لِلنَّاظِرِ لَمْ يَجِب إِيصَالُ المَاءِ إِلَى مَنَابِتِهَا إلاَّ المَرأَةَ فَإِنْ لِحْيَتَهَا نَادِرَةٌ، وَفِي العَنْفَقَةِ وَجْهَانِ لأَنَّ كَثَافَتَهَا قَد تُعَدُّ نَادِراً، وَيَجِبُ إِفَاضَةُ المَاءِ عَلَى ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ الخَارِجَةِ عَنْ حَدِّ الوَجْهِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: لما تكلم في حدِّ الوجه عاد إلى الشعور النابتة عليه، وهي: قسمان حاصلة في حَدِّ الوجه، وخارجة عنه.
والقسم الأول على ضربين: أحدهما: ما يندر فيه الكثافة كَالحَاجِبَيْنِ وَالأهْدَابِ، وَالشَّارِبَيْنِ وَالعِذَارَيْنِ.
والعِذَارُ: هو القدر المُحَاذِي لِلأُذُنِ يتصل من الأعلى بالصدغ ومن الأسفل بِالعَارِضِ، فهذه الشُّعُورُ يَجِبُ غَسْلُهَا ظاهراً وباطناً، كَالسَّلْعَةِ 2 النابتة على محل الفرض، ويجب غَسْلُ البَشَرَةِ تحتها؛ لأنها من الوجه ولا عِبْرَةَ بَحَيْلُولَةِ الشعر لأمرين: أظهرهما: أن الغالب في هذه الشعور الخفة، فيسهل إيصال الماء إلى مَنَابِتِهَا فإن

فرضت فيها الكَثَافَةُ على سبيل النُّدْرَةِ، فالنادر ملحق بالغالب.
والثاني: أن بَيَاض الوجه محيط بها إما من جميع الجوانب 1 كالحاجبين والأَهْدَاب، أو من جانبين كالعذارين والشاربين، فيجعل موضعها تبعاً لما يُحِيطُ به، ويعطى حَكمه، وفي كلام بعض الأئمة حكاية وجه أنها: إذا كثفت لا يجب غسل مَنَابِتِهَا كاللِّحْيَة، فلك أن تعلم قوله: "ويجب إيصال الماء إلى منابت الشعور الخفيفة غالباً" [بالواو] 2 إشارة إلى هذا الوجه، واقتصاره على ذكر المنابت ليس لأن الشعور لا تغسل؛ بل إذا وجب غسل المنابت وجب غسل الشعور بطريق الأولى، ففي ذكر المَنَابِتِ تنبيه عليها.
والضرب الثاني: ما لا يندر فيه الكثافة وهو شعر الذقن والعَارِضَيْنِ، والعَارِضُ ما ينحطُّ عن القدر المحاذي للأذن، فينظر فيه إن كان خفيفاً وجب غسله مع البشرة تحته كالشعور الخفيفة غالباً، وإن كان كثيفاً وجب غسل ظاهره، ولم يجب غسل البشرة تحته.
لما روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "تَوَضَّأَ فَغَرَفَ غَرْفَةً غَسَلَ بِهَا وَجهَهُ، وَكَانَ -صلى الله عليه وسلم- كَثَّ اللِّحْيَةِ" 3 ولا يبلغ ماء الغرفة الواحدة أصول الشعر مع الكثافة، والمعنى فيه: عسر إيصال الماء إلى المَنَابتِ مع الكثافة غير النادرة، وحكى فيه قول قديم: أنه يجب غسل البشرة تحته؛ لأنها الوجه وهذا شعر نابت عليه ومنهم من يحكيه وجهاً وهو قول المزني -رحمه الله-.
وليكن قوله: "لم يجب إيصال الماء إلى منابتها"، معلماً بالزاي والواو لهذا الخلاف والمذهب الأول.
ويستثنى عن اللِّحْيَة الكثيفة ما إذا خرجت للمرأة لحية كثيفة، فيجب إيصال الماء إلى منابتها؛ لأن أصل اللحية لها نادر فكيف بصفة الكثافة، وكذلك لحية الخُنْثَى المشكل إذا لم يكن نبات اللحية مزيلاً للإشكال، وفيه خلاف يأتي ذكره فإذا اللحية في حقها من الضرب الأول، وعَنْفَقةُ الرجل من الضرب الأول، أو من الضرب الثاني؟ فيه وجهان مبنيان على المعنيين المذكورين في الحَاجِبَيْن ونحوهما، إن عللنا بالمعنى الأول وهو ندرة الكثافة في تلك الشعور، فَالعَنْفَقَةُ مُلحَقَةٌ بها.
وإن عللنا بإحاطة البَيَاضِ فلا، بل هي كاللحية، والمعنى الأول أظهر، لأنهم حكوا عن نص الشافعي -رضي الله عنه- التعليل بأن هذه الشعور لا تستر ما تحتها غالباً، ويدل عليه لحية المرأة والله أعلم.
ثم هاهنا سؤالان: أحدهما: ما الفرق بين الخَفِيْفِ وَالكَثِيْفِ؟ والجواب عبارة أكثر الأصحاب أن

الخفيف ما تترآى: البشرة من خلاله في مجلس التَّخَاطُب، والكثيف ما يستر ويمنع الرؤية، وهذا ما شعر به لفظ الشافعي -رضي الله عنه- وهو الذي حكاه المصنف، وقال بعض الأصحاب الخفيف ما يصل الماء إلى منبته من غير مبالغة واستقصاء والكثيف ما يفتقر إليه، ورأيت الشيخ أبا محمد، والمسعودي 1 وطبقة المحققين يقربون كل واحدة من العبارتين من الأخرى 2، ويقولون: إنهما يرجعان إلى معنى واحد لكن بينهما تفاوت مع التقارب الذي ذكروه، لأن لهيئة النبات وكيفية الشعر في السُّبُوطَةِ وَالجُعُودَةِ تأثيراً في السَتْرِ وفي وصول الماء إلى المَنْبَتِ، وقد يؤثر شعره في أحد الأمرين دون الآخر، وإذا ظهر الاختلاف ذلك أن ترجح العبارة الثانية وتقول: الشارب معدود من الشعور الخفيفة، وليس كونه مانعًا من رؤية البشرة تحته بأمر نادر.
الثاني: لو كان بعضه خفيفاً وبعضه كثيفاَ ما حكمه؟ الجواب فيه وجهان: أصحهما: أن للخفيف حكم الخفيف وللكثيف حكم الكثيف توفيراً لمقتضى كل واحد منهما عليه.
والثاني: للكل حكم الخفيف وهو الذي ذكره في التهذيب، وعلله بأن كثافة البعض مع خفة البعض نادر فصار كشعر الذِّرَاعِ إذا كثف، ولك أن تمنع ما ذكره وتدعي أن الكثافة في البعض والخفة في البعض أغلب من كثافة الكل، وهذه المسألة يحتاج الناظر في الكتاب إلى معرفتها، لأنه قال: "أما شعر الذَّقْنِ فإن كثف" إلى آخره فظاهره يتناول ما إذا كثفت اللحية كلها ولم يبين حكم ما إذا لم تكثف كلها، ويفرض ذلك على وجهين: أحدهما: أن تخف كلها ولا يخفى حكمه.
والثاني: أن يخف البعض ويكثف البعض، وهو هذه المسألة.
هذا كله في الشعور الحاصلة في حد الوجه.
القسم الثاني: الخارجة عن حد الوجه ففيما خرج عن حد الوجه من اللحية طولاً وعرضاً قولان: أحدهما: لا يجب غسله، وبه قال أبو حنيفة والمُزَنِيُّ، لأن الشعر النازل عن حد الرأس لا يثبت له حكم الرأس حتى لا يجوز المَسْحُ عليه، فكذلك الشعر النازل عن حد الوجه لا يثبت له حكم الوجه.

وأصحهما: يجب، لأنه من الوجه بحكم التَّبَعِيَّةِ لما سبق من الخَبَرِ؛ ولأن الوجه ما تقع به المُخَاطَبَةُ والمواجهة، ولأن متدلٍّ من محل الفرض فأشبه الجِلْدَةَ المتدلية، وهذا الخلاف يجري أيضاً في الخارج عن حد الوجه من الشعور الخفيفة كالعِذَارِ والسِّبَالِ إذا طال ولا فرق، وذكر بعضهم في السِّبَالِ: أنه يجب غسله قولاً واحداً والظاهر الأول فإن قلت: قد عرفت المسألة فلماذا اشتهرت بالإفاضة؟ فالناقلون يقولون: تجب الإفَاضَةُ في قول ولا تجب في قول، وكذلك ذكر المصنف ولم يتكلموا في الغسل، فاعلم أن لفظ الإفاضة في اصْطِلاحِ الأئمة المتقدمين إذا استعمل في الشعر لإمرار الماء على الظاهر، ولفظ الغسل للإمرار على الظاهر مع الإِدْخَالِ في الباطن، ولذلك اعترضوا على أبي عبد الله الزبيري 1 -رضي الله عنه- لما قال في هذه المسألة: يجب الغسل في قولِ، والإفاضة في قولٍ، وقالوا: الغسل غير واجب قولاً واحداً وإنما الخلاف في الإفاضة، وإذا تبين ذلك فقصدهم بهذه اللَّفظة بيان أن داخل المسترسل لا يجب غسله قولاً واحداً كالشعور النَّابِتَةِ تحت الذَّقْنِ، لكن المصنف تعرض لظاهر اللحية في لفظه، والإفاضة على هذا الاصطلاح مغنية عن التقييد بالظاهر، ثم مع هذا كله فقد حُكِيَ وَجْهٌ: إنه يجب غسل الوجه الباطن من الطَّبَقَةِ العُلْيَا من المسترسل، إذا أوجبنا غسل الوجه البَادِي منه وهو بعيد عند علماء المذهب 2. قال الغزالي: الفَرْضُ الثَّالِثُ: غَسْلُ اليَدَيْنِ مَعَ المِرْفَقَينِ فَلَوْ قُطِعَ يَدُهُ مِنَ السَّاعِدِ غُسِلَ البَاقي، وَإِنْ قُطِعَ مِنَ العَضُدِ اسْتُحِبَّ غَسْلُ البَاقي لِتَطْوِيلِ الغُرَّةِ، وَاِنْ كَانَ مِنَ المَفْصِلِ يَجِبُ غَسْلُ رَأْسِ العَظْمِ البَاقِي عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ لأَنَّهُ مِنَ المِرْفَقِ، وَلَوْ نَبَتَتْ يَدٌ زَائِدَةٌ مِنْ سَاعِدِهِ وَجَبَ غَسْلُهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزِ الزَّائِدُ عَنِ الأَصْلِيِّ وَجَبَ غَسْلُهُمَا، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنَ العَضُدِ لاَ تُغْسَلُ إلاَّ إذَا حَاذَتْ مَحَلَّ الفَرْضِ فَيُغْسَلُ القَدْرُ المحَاذِي هَذَا نَصُّهُ.

قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكَمْ إلَى الْمَرَافِقِ﴾ 1 وكلمة إلى قد تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ 2، وقوله عز اسمه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ 3، وهو المراد هاهنا، لما روى "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم-: كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيهِ" 4. وروى: "أنَّهُ أمرَّ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ ثمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لاَ يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاةَ إلاَّ بِهِ".
ثم اليد إن كانت واحدة من كل جانب على ما هو الغالب، وكانت كاملة فذاك، وإن قطع بعضها فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون القطع مما تحت المِرْفَقِ كَالكُوع وَالذِّرَاع فغسل الباقي واجب فالمَيسُور لا يسقط بالمَعسُور.
والثانية: لا يكون مما فوق المِرْفق، فلا فرض لسقوط محله ولكن الباقي من العَضُدِ يستحب غسله لتطويل الغِرَّةِ؛ كما لو كان سليم اليد يستحب له غسل ذلك الموضع لهذا المعنى.
فإن قيل: غسل ذلك الموضع مستحب تبعاً، فإذا سقط المتبوع فهلا سقط التابع كمن فاتته صلوات في أيام الجُنُونِ لما سقط قضاء الأصل سقط قضاء الرَّوَاتِبِ التي هي اتباع.
قلنا: سقوط القضاء ثم مسامحة ورخصة، وإلا فهو ممكن والتبع أَولى بالمسامحة، وسقوط الأصل هاهنا ليس على سبيل الترخُّص؛ بل هو متعذر في نفسه فحسن الإتيان بالتبع محافظة على العبادة بقدر الإمكان، كالمحرم إذا لم يكن على رأسه شعر يستحب له إمرار المُوسى على الرأس وقت الحَلْقِ.
فإن قيل: تطويل الغُرَّةِ إنما يفرض في الوجه، والذي في اليد تطويل التَّحْجِيلِ فكيف قال: يغسل الباقي لتطويل الغُرَّةِ، قلنا: تطويل الغرة والتحجيل نوع واحد من السنن، فيجوز أن يكون قوله: "التطويل الغرة" إشارة إلى النوع على أن أكثرهم لا يفرق بينهما، ويطلق تطويل الغرة في اليد، ورأيت بعضهم احتج عليه بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" 5 قال: وإنما يمكن الإطَالَةُ في اليد, لأن استيعاب الوجه بالغسل واجب وليس هذا الاحتجاج بشيء, لأن لِلْمُعْتَرِض أن يقول: الإطالة في الوجه أن يغسل إلى الليث وَصَفْحة العُنُق، وهو مستحب نص عليه الأئمة.
والثالثة: أن يكون القطع من مِفْصَل المرفق، فهل يجب غسل رأس العظم الباقي؟ فيه طريقان: أحدهما: القطع بالوجوب؛ لأنه من محل الرفض وقد بقي فأشبه الساعد إذا كان القطع من الكُوعِ.

والثاني: وهو الذي ذكره في الكتاب فيه قولان: القديم: ومنقول المزني أنه لا يجب، والأصح: وهو منقول الربيع.
أنه يجب، واختلفوا في مأخذ القولين، منهم من قال: مأخذهما أن المرفق في اليَدِ السَّلِيمَةِ يغسل تبعاً أم مقصوداً.
فمن قائل تبعاً وضرورة لاستيعاب غسل اليدين إلى المرافق كما يغسل شيء من الرأس تبعاً، وضرورة لاستيعاب الوجه بالغسل.
ومن قائل يغسل مقصوداً كسائر أجزاء محل الفرض وكأطراف الوجه، بالإضافة إلى وسط ومنهم من قال: بل مأخذهما الخلاف في حقيقة المرفق.
فمن قائل المرفق عبارة عن: طرف عظم السَّاعِدِ ولم يَبْقَ، ومن قائل المرفق: مجموع العظمين وقد بقي أحدهما فيغسل، وهذا ما أشار إليه بقوله لأنه من المرفق هذا كله في اليد الواحدة.
أما إذا خلقت لشخصٍ واحدٍ من جانب واحد يَدَانِ، فلا يَخْلُو إما أن تتميز الزائدة منهما عن الأصلية أو تشتبه 1 الحال، فإن تميزت الزائدة عن الأصلية نظر إن خرجت الزائدة [من محل الفرض كالسَّاعِدِ والمرفق، وجب غسلها، مع الأصلية كالأُصْبُعِ الزائدة] 2، والسَّلعة النابتة، ولا فرق بين أن يجاوز طولها الأصلية أو لا يجاوز، وإن خرجت مما فوق محل الفرض فإن لم تبلغ إلى مُحَاذَاةِ محل الفرض لم يجب غسل شيء منها، وإن بلغت إلى محاذاة محل الفرض فالمنقول عن نصه في "الأم": أنه يجب غسل القدر المُحَاذِي دون ما فوقه، لوقوع اسم اليد عليها، وحصول ذلك القدر في محل الفرض، بخلاف الجِلْدَة المنكشطة من العَضُدِ لا يغسل منها لا المحاذي ولا غيره؛ لأن اسم اليد لا يقع عليها، وفيه وجه صار إليه كثير من المعتبرين وقرروه: إنه لا يجب غسل المحاذي ولا غيره؛ لأن هذه الزائدة ليست على محل الفرض، فتجعل تبعاً ولا هي أصلية حتى تكون مقصودة بالخطاب، وحملوا نصه في الأم على ما إذا التصق شيء منها بمحل الفرض، أما إذا لم تتميز الزائدة عن الأصلية، وجب غسلهما جميعاً سواء خرجتا من المنكب، أو من المِرْفق، أو الكُوع، لكن إذا خرجتا من المنكب يغسلان ضرروة أداء الواجب منهما، وإذا خرجتا من المرفق والكوع غسلتا حتماً، ومن الأمَارَاتِ المميزة للزائدة عن الأصلية أن تكون إحداها قصيرة فاحشة القصر، والأخرى في حد الاعتدال فالزائدة القصيرة، ومنها: نقصان الأصابع.
ومنها: فقد البطَشْ وضعفه 3.

قال الغزالي: الفَرْضُ الرَّابعُ: مَسْحُ الرَّأَسِ وَأَقَلُّهُ مَا يُسَمَّى (ح) مَسْحاً (م ز) وَلَوْ عَلَى شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ (و) بِشَرْطِ أَنْ لا يَخْرُجَ مَحَلُّ المَسْحِ عَنْ حَدِّ الرأس، وَلاَ يُسْتَحَبُّ الغَسْلُ، وَلاَ يُكرَهُ عَلَى الأَظْهَرِ وَفِي الإِبْلاَلِ دُونَ المُدِّ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُم﴾ 1، وليس من الواجب استيعاب الرأس بالمسح، بل الواجب ما ينطلق عليه الاسم، لأن من أمرَّ يده على هَامَةِ اليتيم صَحَّ أن يقال: مسح رأسه، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "مَسَحَ فِي وُضُوئِهِ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ" 2، ولم يستوعب.
وقال مالك: يجب الاستيعاب، وهو اختيار المُزَنِيُّ وإحدى الروايتين عن أحمد والثانية: إنه يجب مسح أكثر الرأس.
وقال أبو حنيفة: يتقدر بالربع، ثم إن كان يمسح على بَشْرَةِ الرأس فذاك، ولا يضر كونها تحت الشعر.
وقال الروياني: في التجربة لا يجوز لانتقال الفرض إلى الشعر، وإن كان يمسح على الشَّعْرِ، فكذلك يجوز، وإن اقتصر على مسح شعرة واحدة أو بعضها، ولا تقدير.
وعن ابن القاص: إنه لا أقل من ثلاث شعرات كما يعتبر إزالتها في التحلُّلِ عن النسك، وفي إيجاب الدَّم على المحرِم، وهل يختص هذا الوجه بما إذا كان يمسح على الشعر أم يجري في مسح البشرة؟ ويشترط المسح على موضع ثلاث شعرات، في كلام النقلة ما يشعر بالاحتمالين جميعاً، والأول أظهر، ثم شرط الشعر الممسوح أن لا يخرج عن حَدِّ الرأس، فلو كان مسترسلاً خارجاً عن حده وكان جعداً كائناً في حَدِّ الرأس لكنه بحيث لو مدّ لخرج عن حده لم يَجُزِ المسح عليه؛ لأن الماسح عليه غير ماسح على الرأس، واعلم أن كل شعر مد في جهة النبات يكون خارجاً عن حد الرأس، وإن كان في غاية القِصَرِ، وكان المراد المد في جهة الرقبة والمَنْكِبَيْنِ وهي جهة النزول، ثم بعد حصول هذا الشرط هل يشترط أن لا يجاوز منبته؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط ذلك فلا يجوز المَسْحُ على ما جاور منبته وإن كان في حَدِّ الرأس فإنه كالغِطَاءِ لما تحته كالعِمَامة.
= غسل باطنه، لأنه صار ظاهراً، وإن لم يقدر الأقطع والمريض على الوضوء لزمه تحصيل من يوضئه، إما متبرعاً وإما بأجرة المثل إذا وجدها.
فإن لم يجد من يوضئه أو وجده، ولم يجد الأجرة أو وجدها فطلب أكثر من أجرة المثل لزمه أن يصلي بالتيمم، ويعيد لندوره، فإن لم يقدر على التيمم، صلى على حاله وأعاد.
والله أعلم.
الروضة 1/ 164.

وأصحهما: أنه لا يشترط لوقوع اسم الرأس عليه.
ولو غسل الرأس بدلاً عن المسح، ففي إجزائه وجهان: أحدهما: لا يجزئه؛ لأنه مأمور بالمسح، والغسل ليس بمسح.
وأصحهما: أنه يجزئه؛ لأن الغسل مسح وزيادة وهو أبلغ من المسح؛ فكان مجزئاً بطريق الأولى، وهذا قضية ما ذكره في الكتاب، لأنه نفى الاستحباب والكراهية عنه، وهو مشعر بالإجزاء، وهل يكره الغسل بدلاً عن المسح وإن أجزأ؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه سرف كغسل الخف بدلاً عن مسحه، وكالغسلة الرابعة.
وأظهرهما: لا يكره؛ لأن الأصل هو الغسل إذ به تحصل النظافة والمسح تخفيف من الشرع نازل منزلة الرخص، فإذا عدل إلى الأصل لم يكن مكروهاً؛ لكن لا يستحب ذلك لما أشار إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- في باب الرخص بقوله: "إن اللهَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ فَاقبَلُوا صَدَقَتَهُ" 1. وقوله: "لا يستحب الغسل ولا يكره على الأظهر" ربما أوهم عَوْد الخلاف إليهما، وليس كذلك وإنما الخلاف في الكراهية وحدها، ولو بل رأسه ولم يعد اليد أو غيرها ما يمسح به على الموضع، فهل يجزئه ذلك؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأن المقصود وصول الماء فلا ينظر إلى كيفية الإيصال كما في الغسل لا يفترق الحال بين أن يجري الماء على الأَعْضَاءِ أو يخوض ببدنه في الماء.
والثاني: وهو اختيار القَفَّال: لا يجزئ؛ لأنه لا يسمى مسحاً، وهو مأمور بالمسح، ولو قطر على رأسه قطرة ولم تَجْرِ هي على الموضع، فعلى الخلاف فإن جرت كفى، وهذا يدل على أنَّ المقصود الوصول ولا عبرة باسم المسح هذا إن سلم أن الإمساس والوضع ليس بمسح 2. قال الغزالي: الفَرْضُ الخَامِسُ: غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الكَعْبَيْنِ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ 3، وحكم الرجل على

انقسامها إلى الكاملة والناقصة كما سبق في اليد.
والكَعْبَانِ: هما العَظْمَانِ النَّاتَئَانِ من الجانبين عند مفصل الساق والقدم، وروى القاضي ابن كج وغيره عن بعض الأصحاب: أن الكعب هو الذي فوق مُشْطِ القدم 1. وجه الأول: ما روى النُّعْمَان بْنُ بشير -رضي الله عنه- قال: "أَمَرنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِإِقَامَةِ الصُّفُوفِ، فَرَأَيتُ الرَّجُلَ يَلْزُقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ أَخِيهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ" 2. والذي يتصور فيه التزاق القائمين في الصفِّ ما ذكرنا دون ظهر القدم، وقد يمتحن فيسأل عن وضوء ليس فيه غسل الرجلين وصورته: ما إذا غسل الجنب جميع بدنه إلا رجليه، ثم أحدث والأصل في المسألة على الاختصار أن من اجتمع في حق الحدث أكبر والأصغر، هل يكفيه الغسل أم يحتاج معه إلى الوضوء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يكفيه؛ لأن الطَّهَارَتَينِ عبادتان مختلفتان، فلا تتداخلان كالصَّلاتين، ولأنهما مختلفتا السبب والأثر والفعل، وهذه الاختلافات تمنع التداخل.
وأصحهما: أنه يكفيه الغَسْل لظاهر الأخبار، نحو ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَمَّا أَنَا فَأَحْثِي عَلَى رَأسِي ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ فَإِذَا أَنَا قَدْ طَهُرْتُ" 3. ولم يفصل بين الجنابة المجردة والجنابة مع الحدث، مع أن الغالب أن الجنابة لا تتجرد، فعلى الأول يجب الوضوء والغسل ولا ترتيب بينهما، وعلى الثاني وهو الأصح: هل من شرط الغسل ليكفي مراعاة الترتيب في أعضاء الوضوء، فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن الترتيب خاصية الوضوء، والتداخل إنما يجري فيما يشترك المتداخلان فيه من الأفعال دون خواصهما، فعلى هذا يكفي غسل البدن مرة واحدة، ولكن يشترط أن تكون أعضاء الوضوء مغسولة على الترتيب، وزاد بعضهم على هذا الوجه شرطاً آخر: وهو أن يمسح الرأس؛ لأنه من خاصية الوضوء أيضاً بناء على أن الغسل لا يقوم مقام المسح.
والثاني: وهو الأصح، لا يشترط رعاية الترتيب لما أشرنا إليه من الظواهر، ولا

يبعد أن يدخل الأصغر في أكبر فلا تبقى خاصيته، ألا ترى أن العُمْرَةَ تفوت بما يفوت به الحج إذا دخلت تحته بِالقرَانِ ولو انفردت لا تفوت.
فقد بطلت خاصيتها حين ما دخلت في الأكبر، فعلى هذا هل يحتاج إلى أن ينويهما جميعاً بغسله أم يكفيه نية الأكبر؟ فيه وجهان: أحدهما: يحتاج إلى الجمع، كالحج والعمرة يتداخلان في الأفعال دون النِيَّة.
وأصحهما: لا حاجة إليه؛ لأن الطهارات موضوعة على التداخل فعلاً ونية، ألا ترى أنه إذا اجتمعت الأحداث كفى فعل واحد ونية واحدة، هذا كله إذا اتفق وقوع الأكبر والأصغر معاً، أو سبق الأصغر أكبر.
أما إذا سبق الاكبر الأصغر فطريقان: أطهرهما: طرد الخلاف.
والثاني: الاكتفاء بالغسل بلا خلاف؛ لأن الأكبر إذا تقدم تأثر به جميع البدن، فلا يؤثر فيه الأصغر بعد ذلك، والأصغر إذا تقدم جاز أن يؤثر الأكبر فيه بعده لعظمه وزيادة آثاره.
إذا عرفت هذا الأصل فنعود إلى الصورة المذكورة، ونقول: إن قلنا: يجب وضوء وغسل عند اجتماع حدثين، وجب غسل الرجلين عن الجنابة ووضوء كامل عن الحدث يقدم منهما ما شاء ويؤخر ما شاء، وتكون الرجل مغسولة مرتين، وإن قلنا: يكفي الغسل، ثم يشترط الترتيب في أعضاء الوضوء، وجب غسل الرجلين مؤخراً عن سائر أعضاء الوضوء، ويكون غسلهما واقعاً عن الجهتين: الجنابة والحدث جميعاً.
وإن قلنا: يكفي الغسل من غير اشتراط الترتيب، فعلية غسل الرِّجْلَيْنِ عن جهة الجَنَابة، إما قبل سائر أعضاء الوضوء أو بعدها أو في خلالها، ويغسل سائر الأعضاء عن الحَدَثِ على الترتيب، وهذا هو الأصح واختيار ابن سريج وابن الحدَّاد 1، وعلى هذا الوجه يكون المَأتِيُّ به وضوءاً خالياً عن غسل الرجلين؛ لأن الرجلين قد اجتمع فيهما الحَدَثَانِ ونحن على هذا الوجه نحكم باضْمِحلاَلِ الأصغر في جنب الأكبر،

فليست الرجلان مغسولتين عن جهة الوضوء، فهذه هي صورة الامتحان، وَيَنْبَغِي أن يعلم أن هذا لا يختص بغسل الرجلين بل لو غسل الجنب من بدنه ما سوى الرأس والرجلين، ثم أحدث كان الكلام في الرأس والرّجلين على ما ذكرنا في الرجلين، ولزم أن نقول على الوجه الصحيح هذا وضوء خالٍ عن مسح الرأس والرجلين، وعلى هذا القياس لو غسل جميع بدنه سوى اليدين والرأس والرجلين 1 فلهذا لا نتيح المحصل بأمثال هذه الامتحانات.
فائدة: عدوا غسل الرجلين أحد فروض الوضوء وأركانه لكن المتوضئ غير مكلف بغسل الرجلين بعينه، بل الذي يلزمه أحد أمرين إما غسل الرجلين أو المسح على الخفين بشرطه، فلو عبر معبر عن هذا الركن هكذا لكان مصيباً، والمراد عند الإطلاق ما إذا كان لا يمسح أو أن الأصل الغسل والمسح بدل.
قال الغزالي: الفَرْضُ السَّادِسُ: التَّرتِيبُ (ح م ز) إِلاَّ إِذَا اغْتَسَلَ سَقَطَ التَّرتِيبُ فِي أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ فَإنَّه يُكْفِي لِلجَنَابَةِ فَلِلأَصْغْرِ أَوْلَى، وَالنِّسْيَانُ لَيْسَ بِعُذْرٍ فِي تَرْكِ التَّرْتِيبِ (ح) عَلَى الجَدِيدِ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ بَلَلٌ وَاحْتَمَلَ الجَنَابَةَ وَالحَدَثَ فإن شَاءَ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَغْسِلِ الثَّوْبَ وَإِنْ شَاءَ تَوَضَّأَ وَضُوءاً مُرَتَّباً وَغَسَلَ الثَّوْبَ.
قال الرافعي: روى أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطُّهُورَ مَوَاضِعَهُ" 2، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يُغْسِلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ، ثم يغسل رجليه وهذا ونحوه ظاهر في اعتبار الترتيب، وخلاف أبي حنيفة، ومالك فيه مشهور وقد تكلم في هذا الركن في أمور: أحدها: لو اغتسل المحدث بدلاً عن الوضوء هل يجزئه ذلك: نظر إن أتى بالغسل بحيث يتأتى فيه تقدير الترتيب في لحظات متعاقبة كما إذا انغمس في الماء ومكث فيه زماناً، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجزئه, لأن الترتيب من واجبات الوضوء، والواجب لا يسقط بفعل ما ليس بواجب، وأصحهما: يجزئه لمعنيين:

أحدهما: أن الغسل أكمل من الوضوء، فإنه يكفي لرفع أعلى الحدثين فللأصغر أولى، كيف والأصل هو الغسل وإنما حط تخفيفاً.
والثاني: أن الترتيب حاصل في الحالة المفروضة، فإنه إذا لاقى الماء وجهه, وقد نوى يرتفع الحدث عن وجهه وبعده عن اليدين لدخول وقت غسلهما وهكذا إلى آخر الأعضاء، فعلى المعنى الأول وهو الذي ذكره في الكتاب إِيْثار الغسل على الوضوء يسقط الترتيب.
وعلى الثاني: الترتيب حاصل والرافع للحدث هو الوضوء المندرج تحت الغسل، كما لو اغتسل مراعياً للترتيب في أعضاء الوضوء حقيقة يرتفع حدثه بلا خلاف، وإن يتأت فيه تقدير الترتيب بإن انغمس وخرج على الفور أو غسل الأسافل قبل الأعالي ففيه وجهان مبنيان على الوجهين في الحالة الأولى: إن قلنا: لا يجزئ ثَمَّ فهنا أولى، وإن قلنا: يجزئ فيبنى على المعنيين إن قلنا: الترتيب ساقط والرافع للحدث هو الغسل أجزأه هاهنا أيضاً، وإن قلنا: بالمعنى الثاني فلا والمعنى الثاني أصح، فلا جرم الأصح في هذه الحالة أنه لا يجزئه، ولا خلاف في الاعتداد بغسل الوجه في الحالتين جميعاً إذا قارنته النية، والكلام فيما عداه، ومنهم من قال: في الحالة الأولى يجزئه ما أتى به بلا خلاف، والخلاف في الحالة الثانية وهذا إذا نوى رفع الحدث، فإن نوى رفع الجَنَابَة إن قلنا: لا يجزئه إذا نوى رفع الحدث فهاهنا أولى، وإن قلنا: يجزئه فوجهان هاهنا: أحدهما: لا يجزئه لأنه إذا نوى رفع الجنابة نوى طهارة غير مرتبة.
وأصحهما: الجواز، والنية لا تتعلق بخصوص الترتيب نفياً وإثباتاً، وهذا كله في المحدث المَحْضِ يغتسل.
إما إذا أجنب وأحدث فالظاهر أنه يكفيه الغسل كما تقدم، والأصغر يتلاشى في جنب الأكبر وإذا عرفت ما ذكرناه، ونظرت في لفظ الكتاب، وجدته يعم الحالتين ما إذا اغتسل بحيث يَتَأَتَّى فيه تقدير الترتيب، وما إذا اغتسل بِحَيْثُ لا يتأتى فيه ذلك، فإن أرادهما جميعاً فالخلاف شامل، لكن الأظهر عند الجمهور أنه لا يجزئه الغسل في الحالة الثانية على خلاف ما ذكره.
وإن أراد الحالة الأولى فالنقل والاختيار كما ذكره غيره.
الثاني: لو ترك الترتيب عامداً لم يَجْزِهِ وضوءه لكن يعتدُّ بغسل الوجه وبما بعده على الانتظام فلو استعان بأربعة غسلوا أعضاءه دفعة واحدة لم يَجْزِهِ الوضوء، كما لو نكس لأن المَعِيَّةَ تنافي الترتيب أيضاً، وفيه وجه: أن الشرط عدم التَّنْكيس، ويجزئه الوضوء هاهنا، وان ترك الترتيب ناسياً فقولان: الجديد: أنه كما لو ترك عامداً كما لو ترك سائر الأركان ناسياً، وفي القديم قول: أنه يعذر بالنسيان، وذكر الأئمة أنه مخرج من القول القديم في ترك الفاتحة ناسياً، ووجه

الشبه أن قراءة الفاتحة وإن كانت ركنا لكنها ليست قائمة بنفسها كالرُّكُوعِ والقيام ونحوهما وإنما هي زينة وتتمة للقيام.
كذلك الترتيب زينة وهيئة في سائر الأركان.
الثالث: الوضوء نوعان: أحدهما: وضوء من يتقن أن حدثه الأصغر، فيعتبر فيه الترتيب.
والثاني: وضوء من يجوز أن يكون حدثه الأكبر، ونظيره ما إذا خرج منه بلل واحتمل أن يكون مَنِيّاً، واحتمل أن يكون مَذْياً ففيما يلزمه وجوه: أحدها: أنه يجب عليه الوضوء؛ لأن غسل ما زاد على الأعضاء الأربعة مشكوك فيه، والمستيقن هذا القدر؛ وعلى هذا الوجه لو عدل إلى الغسل كان كالمحدث يغتسل بدلاً عن الوضوء.
والثاني: يجب عليه الوضوء وغسل سائر البدن وغسل ما أصابه ذلك البلل؛ لأن شغل ذمته بإحدى الطهارتين معلوم وصلاته موقوفة على الطهارة التي لزمته فعليه الإتيان بهما ليخرج عن العهدة بيقين.
والثالث: وهو الأصح أنه يتخير بين أن يغتسل أخذاً بأنه مني، أو يتوضأ أخذاً بأنه مَذيٌ, لأن كل واحد منهما محتمل، فإذا أتى بموجب أحدهما وجب أن تصح صلاته؛ لأن لزوم الآخر مشكوك فيه، والأصل العدم، وهذا الوجه هو الذي ذكره في الكتاب.
وليكن قوله: "فإن شاء" "وإن شاء" مُعْلَمَيْنِ بالواو؛ إشارة إلى ما روينا من الوجهين، ثم على الوجه الأظهر لو توضأ وجب أن يغسل ما أصابه ذلك البَلَل من ثوب وغيره؛ لأنه على التقدير الذي يجب الوضوء، يكون ذلك الخارج نجساً، وفيه وجه: أنه لا يجب غسل الثوب، وهو ضعيف، ولا بد أن يكون الوضوء المَأْتِيُّ به مرتباً.
وفيه وجه: أنه لا يجب الترتيب؛ لأنه إذا شك في كونه منياً، أو غيره فقد شك في أن الواجب الطهارة الصغرى أو الكبرى، والترتيب من خاصية الطهارة الصغرى، فلا يجب بالشك؛ كما لا يجب ما يختص بالطهارة الكبرى، وإنما يجب المشترك بينهما، ويقال: كان القفال يقول بهذا الوجه، ثم رجع إلى الأول، وهو المذهب؛ لأنه إما مَنِي، فموجبه الغسل، أو غيره فموجبه الوضوء بأركانه، فإذا لم يرتب الوضوء، ولا اغتسل، فقد صلى مع أحد المحدثين يقيناً.
ويجري هذا الخلاف فيما إذا أوْلَج خُنْثَى مشكل في دبر رجل، فهما بتقدير ذكورة الخنثى جنبان، وإلا فمحدثان، فالجَنَابَةُ محتملة غير مُسْتَيقَنةٍ، فإذا توضأ وجب عليهما المحافظة على الترتيب في ظاهر المذهب.
وفي وجه: لا يجب؛ لأن لزوم الترتيب مشكوك فيه، وهذا الوجه هو الذي دعا إلى إيراد مسألة البلل هاهنا وإن لم يذكره في لفظ الكتاب، والله أعلم.

الْقَوْلُ فِي سُنَنِ الوُضُوءِ وَهِيَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ

قال الغزالي: أَنْ يَسْتَاكَ بِقُضْبَانِ الأَشْجَارِ عَرَضاً، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ صَلاَة وَعِنْدَ تَغَيُّرِ النَّكْهَةِ، وَلاَ يُكْرَهُ إلا بَعْدَ الزَّوَالِ (ح م) لِلصَّائِمِ.
قال الرافعي: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَم مَرْضَاةً لِلرَّبِ" 1 إلى أخبار كثيرة فيستحب الاستياك مطلقاً ولا يكره إلاَّ بعد الزوال للصَّائم خلافاً لأبي حنيفة ومالك وأحمد -رحمهم الله- وسنذكر تفصيل مذاهبهم في الصوم إن شاء الله تعالى.
لنا أنه يزيل أثر العبادة وهو خُلُوفُ الفَم، وأنه مشهود له بِالطِّيبِ قال -صلى الله عليه وسلم-: "لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيح الْمِسْكِ" 2. وإذا كان كذلك فيكره إزالته كَدَمِ الشَّهداءِ وَإنما خص بما بعد الزوال؛ لأنه تغير الفم بسبب الصوم، وحينئذ يطهر، وفي غير هذه الحالة يطرد الاستحباب، لكنه آكَدُ في مواضع: منها: عند الصلاة، وإن كان على الطهارة، سواء كان متغير الفم، أو لم يكن لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ" 3. ومنها: عند تغيير النَّكْهَة، وذلك قد يكون للنوم، فيستحب عند الاستيقاظ الاستياك، كان النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا اسْتَيْقَظَ اسْتَّاكَ" 4 وروى "أَنَّهُ كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بالسِّوَاكِ" 5 وقد يكون لطول السكوت، وقد يكون لترك الأكل، وقد يكون لأكل ماله رائحة كريهة، فَيُسْتَحَبَّ الاستياك عندها جميعاً؛ لأنها أسباب تغير الفم، فتشبه النوم.
ومنها: اصْفِرَارُ الأسنان، وقد يفرض ذلك من غير تغير النَّكْهَة.
ومنها: قراءة القرآن، تعظيماً, وتطهيراً له.
ومنها: عند الوضوء، وإن لم يصلّ في الحال: روي في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأَخِيرِ الْعِشَاءِ وَالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءِ" 6.

وقد حَكَيْنَا فيما تقدم عن بعض الأصحاب: أن السواك لا يعد من سنن الوضوء فلك أن تعلم قوله: "إن يستاك" بالواو، وإشارة إلى ذلك الوجه.
وقوله: "بقضبان الأشجار" ليس على سبيل الاشتراط، لكنها أولى من غيرها، والأولى منها الآراك، والأحب أن يكون يابساً، لين بالماء دون ما لم يلين، فإنه يقرح اللَّثَةَ، ودون الرطب فإنه لا ينقى اللُّزُوجة، وأصل السنة تَتَأَدَّى بكل خشن، يصلح لإزالة القِلْحِ، كالخِرْقَةِ الخشنة ونحوها، نعم لو كان جزءاً منه كَأُصبُعِهِ الخشنة، ففيه ثلاثة أوجه: أظهرها: لا يجزئ؛ لأنه لا يسمى استياكاً.
والثاني: يجزئ لحصول مقصود الاستياك به.
والثالث: إن قدر على العود ونحوه فلا يجزئ، وإلا فيجزئ, لمكان العُذْرِ.
وأما قوله: "عرضاً" فقد ذكر إمام الحرمين: أنه يمد السواك على طول الأسنان وعرضها، فإن اقتصر على إحدى الجِهَتَيْنِ، فالعرض أولى؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اسْتَاكُوا عَرْضاً" 1 وهكذا أورده المصنف في الوسيط، وذكر آخرون منهم صاحب "التتمة": أن يستاك في عرض الأسنان لا في طولها.
ورووا في الخبر: "أَنَّه قَالَ: "اسْتَاكوا عَرْضاً لاَ طُولاً" فعلى الأول قوله: "عرضاً" ليس لأنه متعين في إقامة هذه السنة، بل خصه بالذكر لأنه أولى، وعلى الثاني هو تعيين 2. قال الغزالي: وَأَنْ يَقُولَ: بِسْم اللهِ فِي الابْتِدَاءِ، وَأَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلاَثاً قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ.
قال الرافعي: ومن سنن الوضوء أن يقول في ابتدائه: بسم الله على سبيل التَّبَرُّكِ والتَّيَمُّن، وذهب أحمد إلى أن التسمية واجبة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللهَ عَلَيْهِ" 3.

قلنا: المعنى لا وضوء كاملاً، كذلك روى في بعض الروايات، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَر اسْمَ اللهِ كَانَ طَهُوراً لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، كَانَ طَهُوراً لأَعْضَاءِ وَضُوئِهِ" 1. ولو كانت التسمية واجبة لما طَهُرَ شيء، ثم لو نسي التسمية في الابتداء، وتذكرها في أثناء الوضوء أتى بها, كما لو نسي التسمية في ابتداء الأكل يأتي بها إذا تذكر في الأثناء، ولو تركها في الابتداء عمداً، فهل يشرع له التدارك في الأثناء؟ هذا محتمل 2. ولك أن تعلم قوله: "وأن يقول بسم الله" بالألف، والواو، "فالألف", لأن أحمد عَدَّها من الواجبات.
"والواو"؛ لأن بعض الأصحاب لم يعدها من سنن الوضوء، وقال: هي محبوبة في كل أمر ذي بال، فلا اختصاص لها بالوضوء.
ومن سننه غسل اليدين إلى الكُوعَينِ قبل غسل الوجه: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي وُضُوئِهِ" 3 ولا فرق في استحبابه بين القائم من النوم، وغيره، ولا بين أن يتردَّد في طهارة يديه، أو يتيقنها، ولا بين من يدخل يديه في الإناء من توضئه وبين من لا يفعل ذلك ولفظ الكتاب لا يقتضي إلا الاستحباب في حق من يدخل يديه في الإناء ثم مَنْ يدخل يديه في الإناء، ولم يتيقن طهارة يديه بأن قام من النوم، واحتمل تنجس يديه في طوافهما، وهو نائم يختص بشيء، وهو أنه يكره له ذلك قبل الغسل، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذَا اسْتَيقَظَ أحَدكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يِغْسِلَهَا ثَلاثاً، فَإِنَّهُ لاَ يَدرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" 4 وكذلك لو كان مستيقظاً ولم يستيقن طهارة اليدين، وإن تيقن طهارة يديه، فهل يكره له الغمس قبل الغسل؟ فيه وجهان: أظهرها: لا، بل بتخير بين تقديم الغمس وتأخيره؛ لأن سبب المنع ثم الاحتياط للماء؛ لاحتمال نجاسة اليد.
وهذا مفقود هاهنا.

والثاني: يكره، لأن المتيقن والمتردِّد يستويان في أصل استحباب الغسل، فكذلك في استحباب تقديم الغسل على الغَمْس 1. وليكن قوله: "وأن يغسل يديه" مُعْلماً بالألف والواو أيضاً، أما "الألف" فلأن عند أحمد إن قام من نَوْمِ الليل يجب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وإن قام من نوم النهار لا يجب.
وأما "الواو" فلأن بعضهم لا يعده من سنن الوضوء على ما سبق.
وأما قوله: "ثلاثاً"، فليس ذلك من خاصية هذه السنة، بل التَّثْلِيثُ مُسْتَحَبٌّ في جميع أفعال الوضوء، كما سيأتي.
قال الغزالي: وَأَنْ يَتَمَضْمَضَ ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ فَيَأخُذَ غرْفَةً لِفيهِ وَغرْفَةً لأَنْفِهِ عَلى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَفي الثَّانِى يَأَخُذُ غرْفَةَ لَهِمَا ثُمَّ يَخْلِطُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَينِ إِذَا كَانَتِ الغرْفَةَ وَاحِدَةً وَيُقَدِّمِ المَضْمَضَةَ فِي الوَجْهِ الثَّاني وَأَنْ يُبَالِغَ فِيهِمَا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَائِماً فَيَرْفُقُ.
قال الرافعي: "كَانَ رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فِي وُضُوئِهِ" 2 فهما مستحبان فيه، خلافاً لأحمد حيث قال بوجوبهما.
لنا: ما روى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "عَشْرٌ مِنَ السُّنَّةِ" 3. وَعَدَّ مِنْهَا المَضْمَضَةَ، وَالاسْتِنْشَاقَ ثم أصل الاستحباب يتأدَّى بإيصال الماء إلى الفم والأنف، سواء كان بغرفة واحدة، أو أكثر، لكن اختلفوا في الكيفية التي هي أفضل على طريقين: أصحهما: أن فيه قولين.
أصحهما: أن الفصل بين المضمضة والاستنشاق أفضل لما روى عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ" 4. ويقال: إن عثمان وعلياً -رضي الله عنهما- كذلك روياه 5؛ ولأنه أقرب إلى النظافة.
والثاني: أن الجمع بينهما أفضل؛ لما روى عن علي -رضي الله عنه- في وصف

وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَنَّهُ يَتَمَضْمَضُ مَعَ الاِسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ" 1، ونقل مثله عن وصَفِ عبد الله بن زيد 2، والرواية عنه وعن عثمان وعلي -رضي الله عنهم- في الباب مختلفة.
والطريق الثاني: أن الفصل أفضل بلا خلاف، وحيث ذكر الجمع أراد بيان الجَوَازِ.
فإن قلنا: بالفصل ففي كيفيته وجهان: أصحهما: "أَنَّهُ يَأخُذُ غَرْفَةً يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثَلاَثًا وَغَرْفَةً أُخْرَى يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثَلاَثاً, لأَن عَلِيّاً- رَضِي الله عَنْهُ- كَذَلِكَ رَواهُ" 3. والثاني: أنه يأخذ ثلاث غَرَفَاتِ لِلْمَضْمَضَةِ، وثلاثاً للاستنشاق؛ لأنه أقرب إلى النظافة، وأيسر ثم على هذا القول يقدم المضمضة على الاستنشاق، وهذا التقديم مستحق على أظهر الوجهين؛ لأنهما عضوان فَيَتَعَيَّنُ الترتيب بينهما، كما في سائر الأعضاء.
والثاني: أنه مُسْتَحَبٌّ؛ لأنهما لتقاربهما بمنزلة العضو الواحد كاليمين مع اليسار.
وإن قلنا: بالجمع، ففي كيفيته وجهان أيضاً: أظهرهما: أنه يأخذ غرفة يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يأخذ غرفة أخرى يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يأخذ ثالثة؛ فيفعل بها مثل ذلك، كذلك روى عن وصف عبد الله بن زيد 4. والثاني: أنه يأخذ غَرْفَةً واحدة، يتمضمض منها ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً، روى ذلك في بعض الروايات أيضاً.
ثم على هذا الوجه، وهو اتِّحْادُ الغرفة هل يخلط المضمضة بالاستنشاق؟ أم يقدم المضمضة؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يخلط، فيتمضمض ويستنشق مرة بما معه، ثم يفعل ذلك ثانية، وثالثة، لأن اتحاد الغرفة يدل على أنهما في حكم عضو واحد.
والثاني: يقدم المضمضة على الاستنشاق، فإن ذلك أقرب إلى النَّظَافَة 5. ولنبين

ما يشتمل عليه الكتاب من هذه الاختلافات.
أما قوله: "فيأخذ غَرْفَة لفيه، وغرفة لأنفه على أحد القولين"، فهو قول الفصل بالكَيْفِيّة المذكورة في الوجه الأول من الوجهين المذكورين على هذا القول.
وأما قوله: "وفي الثاني يأخذ غَرْفَة لهما" فهو قول الجمع بالكَيْفِيَّة المذكورة في الوجه الثاني على هذا القول.
وقوله: "ثم يخلط على أحد الوجهين" إلى آخره هما الوجهان المذكوران أخيراً.
ومن سنن الوضوء: المبالغة في المَضْمَضَة والاستنشاق، ففي المضمضة يبلغ الماء أقصى الحَنَكِ، وَوَجْهَي الأسنان واللَّثَات مع إمرار الإصبع عليها، وفي الاستنشاق يصعد الماء بالنفس إلى الخَيْشُوم مع إدخال الإصبع، وازالة ما فيه من الأَذَى، لكن لو كان صائماً لا يبالغ فيهما، كيلا يصل الماء إلى الدماغ، أو البطن، وقد روى "عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبَرَةَ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ.
قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "أَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابعِ، وَبَالَغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِماً 1 " 2. قال الغزالي: وَأَن يُكَرِّرَ الغَسْلَ وَالمَسْحَ (ح م و) فِي الجَمِيع وَإِن شَكَّ أَخَذَ بِالأَقَلِّ.
قال الرافعي: "توَضَّأَ رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ثَلاَثاً ثَلاَثاً، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَوُضُوءُ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ" 3. وروى: "أَنَّه تَوَضَّأَ ثَلاَثاً ثَلاَثاً، وَقَالَ: مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَد أَسَاءَ وَظَلَم" 4. ولا فرق بين المَغْسُولِ من الأعضاء والممسوح المفروض منهما، وغير المفروض؛ لأن لفظ الخبر مطلق يتناول المغسول والممسوح.

وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله-: لا يستحب التَّكْرار في مَسْحِ الرأس وحكاه أبو عيسى التِّرْمذي في جامعة عن الشافعي -رضي الله عنه- ونقله أبو عبد الله الحناطي وجهاً للأصحاب فيه، وفي مسح الأذنين.
واحتجوا عليه بما روى: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً" 1 وعن علي وعثمان -رضي الله عنهما- أنهما في وَصْفِ وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "مَسَحَا رُؤُوسَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً".
قلنا: ورد في رواية الرُّبَيِّع بنت معوذ: "أَنَّهُ مَسَحَ رَأسَهُ مَرَّتَيْنِ 2 "، وعن عثمان "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ رَأسَهُ ثَلاَثاً" 3، على أن ما رويتموه يَجْوزُ أن يكون فعله في بعض الأحوال؛ لبيان الجواز.
وهذا لبيان الفضيلة، فلو شك في أنه غسل، أو مسح مرة، أو مرتين، أو شك في أنه فعل ذلك مرتين، أو ثلاثاً؛ فوجهان: أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يأخذ بالأقل؛ كما لو شك في عدد رَكَعَاتِ الصلاة.
والثاني: ذكره الشيخ أبو محمد: أنه يأخذ بالأكثر؛ حذراً من أن يزيد غسلة رابعة، فإنها بِدْعَةٌ وترك السنة أهون من اقتحام البدعة، لكن من قال بالأول لا يسلم أن الرابعة بدعة على الإطلاق؛ بل البدعة: إتيانه بالرَّابِعَة عن علم منه بحقيقة الحال 4. قال الغزالي: وأنْ يُخَلِّلَ اللَّحْيَةَ إِذَا كَانَتْ كَثِيفَةً.
قال الرافعي: ما لا يجب إيصال الماء إلى باطنه ومنابته من شَعرِ الوجه، يستحب تَخْلِيلُه بالأصابع، روى عن عثمان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يخلِّلُ لِحْيَتَه 5 وروى: أنه كان يُخَلل لحيته، وَيدْلُكُ

جارٍ التحميل