العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 320-359

لِتَرْكِهِ الإِحرَامَ من الميقَاتِ، وعلى المستأجر دَمٌ آخر؛ لأن القرآن الذي أمر به يتضمنه، واستبعده ابْنُ الصَّبَّاح وغيره.
المسألة الثانية: إذا أمره بالتمتع فامتثل فالحكم كما لو أمره بالقران فامتثل، وإن أفرد نظر أن قدم العُمْرَة وعاد للحج إلى الميقات فقد زاد خيراً، وإن أخرَّ العُمْرة فإن كانت الاجارة إجارة عَيْنٍ انفسخت فيها لفوات الوقت المُعَيَّنِ للعمرة فيود حصتَهَا مِنَ المسمى، وإن كانت الإجارةُ عَلَى الذِّمَّةِ وعاد للعمرة إلى الميقات لم يلزمه شَيْءٌ، وإن لم يعد فعليه دَمٌ لترك الإحرام بالعمرة من الميقات، وفي حَطِّ شَيْءٍ من الأجرة الخلاف السَّابق، وإن قرن فالمنقول عن النصِّ أنه قد زاد خيراً لأنه أحرم بالنُّسُكَينِ من الميقات وكان مأموراً بأن يحرم بالعُمْرَةِ مِنْهُ وَبَالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثم إن عَدَّد الأفعال فَلاَ شَيْء عَلَيْهِ، وإلا فَقَدْ نَقَلُوا وَجْهَيْنِ في أنه هَلْ يَحُطُّ شيئاً من الأُجْرَة للاختصار في الأفعال، وفي أن الدم على المستأجر لأمره بما يتضمن الدّم أم على الأَجير لنُقْصَانِ الأفعال؟ وكل ذلك مُخَرَّجٌ على الخلاف المُقَدَّمِ في عكسه وهو ما إذا تَمتَّع الَمأَمور بالقَرَانِ.
المسألة الثالثة: لو أمره بالإِفْرَاد وامتثل فذاك وإن قَرَن نظر إن كانت الإجارةُ عَلَى العَيْنِ فالعمرة واقعة لاَ فِي وَقْتِهَا فهو كما لو استأجره للحج وحده فَقَرن، وإن كانت في الذِّمة وقعَا عن المستأجر؛ لأن القران كالإفراد شرعاً في أخراج النَّفْسِ عَنِ العَهْدَ، ويجب على الأَجِير الدم، وهل يحط شيئاً من الأُجرة أم ينجبر الخَلَلُ بالدَّمِ؟ فيه الخلاف السَّابق.
وإن تمتع فإن كانت الإجارة على العَيْنِ وقد أمره بتأخير العُمْرةَ فقد وقعت في غَيْر وَقْتِهَا فيرد ما يخصها من الأجرة، وإن أمره بتقديمها أو كانت الإجارةُ على الذِّمة وقعَا عن المُسْتَأْجِرِ، وعلى الأَجِير دَمٌ إن لم يعد للحج إلى الميقات، وفي حَطِّ شَيْءٍ من الأجرة الخِلاَف السَّابق.
وقوله في الكتاب (وفي حظ شيء من الأجرة مع جبره بالدم) ظاهره يقتضي كَوْنَ الجبر مجزوماً به، وليس كذلك بل التردد في الحَطِّ تردد في أن خلل المُخَالَفَةِ هل ينجبر بالدَّمِ أم لا على ما تَقَرَّرَ وَتَكَرَّرَ.
واعلم: أن المسائل مشتركة في أن العُدُولَ عن الجِهَةِ المأمور بها إلى غيرها غَيْر قَادِحٍ في وُقُوع النُّسُكَيْنِ عن المستأجر، وفيه إشكال؛ لأن ما يراعى الإذن في أصْلِهِ يُراعَى فِي تَفَاصِيلِهِ المقصود، فإذا خالف كان المَأْتِيُّ بِهِ غَيْرَ المأذونِ فِيهِ.
وأجاب الإمام -رحمه الله- عنه بأن مُخَالَفَةَ المُسْتَأْجِرِ مشبهة بمخالفة الشَّرْع في ترك المأمورات وارتكاب المَحْظُورَاتِ التي لا تفسد وهي لا تمنع الاعتداد بأصْلِ النُّسُكَيْنِ، وهذا لأن المستأجر لا يحصل الحَجَّ لنفسه، وإنما يحصله ليقع للهِ تَعَالى، فجعلت مخالفته كمخالفة الشَّرع.

ولك أن تقول: لم تشبه مخالفة المستأجر بمخالفة الشّرع، ولا نسلم أن المستأجر لا يحصله لنفسه، بل يحصله ليخرج النفس عن عهدة الواجب، وللفعل المخرج كيفيات مخصوصة بعضها أفضل من بعض، فاليراع غرضه فيه، ثم الفارق أن مخالفةَ الشَّرْع فيما لا يفسد يستحيل أن يؤثر في الإفساد، وإذا صَحَّ فمحال أن يصح لغيره، وقد أتَى به لنفسه.
وأما النسك الذي خالف فيه المستأجر فلا ضرورة في وقوعه عنه، بل أمكن صرفه إلى الْمُبَاشَرَةِ على المعهود في نظائرة، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ إِذَا جَامَعَ الأَجِيرُ فَسَدَ حَجُّهُ وانفَسَخَتِ الإِجَارَةُ إِنْ وَرَدَتْ عَلَى عَينِهِ وَلَزَمَهُ القَضَاءُ لنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى ذِمَّتِهِ لم تَنفَسِخْ، وَهِلْ يَقَعُ قَضَاؤُهُ عَنِ المُسْتَأجِرِ أَوْ تَجِبُ حَجَّةٌ أُخرى سَوى القَضَاءِ لَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: إذا جامع الأجير فَسَد حَجُّه.
وانقلب إلى الأجير فيلزمه الكَفَّارة، والمضي في الفَاسِدِ وَالْقَضَاءِ، ووجهه أنه أتى بغير ما أُمِر بِهِ، فإن المأمورَ بِهِ الحَجُّ الصَّحِيح، والمأتى بهِ الحَجُّ الفَاسِدُ، فينصرف إِلَيْهِ كما لو أمره بشراء شَيْء بصفة فاشترى على غير تلك الصِّفة يقع عن المأمور، وقد ينقلب الحجُّ عن الحالة التي انعقد عليها إلى غيرها ألا ترى أن حج الصَّبِيّ ينعقد نَفْلاً، ثم إذا بلغ قبل الوقوف ينقلب فرضاً.
فإن قيل: إنه موقوفٌ في الابتداء.
قلنا: بمثله هاهنا: وروى صاحب "التهذيب" -رضي الله عنه- عن المزني -رحمه الله- إنه لا يَنْقَلِبُ إلى الأَجِيرِ، بَلْ يَقَعُ الفَاسِدُ والقَضَاءُ جَمِيعاً عن المُسْتأْجِرِ، وفي هذا تسليم لوجوب القَضَاء، لكن لرواية المَشْهُورة عنه أنه لا انقلاب ولا قَضَاء أما أنه لا انقلاب، فلأن الإحرام قد انعقد عن المستأجر فلا ينقلب إلى غيره، وأما أنه لا قضاء فلأن من له الحَجُّ لم يفسده فلا يؤثر فِعْل غيره فيه، ولم يعز الحَنّاطِي هذا المذهب إلى المزني لكن قال: إنه حَكَاه قولاً، وإذا قلنا بظاهر المذهب فإن كانت الإجارةُ على العَيْنِ انفسخت، والقضاء الذي يأتي به الأجير يقع عنه، وإن كانت في الذمة لم تنفسخ وعمن يقع القَضَاء؟ فيه وجهان، وقيل: قولان: أحدهما: عن المستأجرِ، لأنه قضاء الأول، وَلوْلا فسادة ولوقع عنه.
وأصحهما: عن الأجير، القضاء يحكى الأداء، والأداء وَاقِعٌ عن الأجير، فعلى هذا يلزمه سوى القضاء حجَةٌ أخرى للمُسْتَأجِرِ، فيقضى عَنْ نَفْسِهِ ثم عن المُسْتَأجر في سَنَةٍ أَخْرَى، أو ينيسب من يحج عنه في تِلْكَ السَّنَة، وحيث لا تنفسخ الإجارة، فللمستأجر خِيَار الفَسْخ، لتأخر المقصود وفرق أصحابنا العراقيون بين أن يَسْتَاجِر

المَعْضُوب وبين أن تكون الإجارة لمَيُتٍ في ثبوت الخِيَار وقد سبق نظيرة والكلام عليه والمواضع المحتاجة إلى العلامة بالزَّاي تثبته.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ لَوْ أَحْرَمَ عَنْهُ ثُمَّ نَوىَ الصَّرْفَ نَفَسِهَ لَمْ يَنْصَرفْ إلَيْهِ وَسَقَطَ أُجْرَتُهُ عَلىَ أَحَد القَوْلَيْنِ؛ لأَنَّهُ أَعْرِضَ عَنْهَا.
قال الرافعي: إذا أحرم الأجير عن المستأجرِ، ثُمَّ صَرَفَ إلى نفسه ظَنَّا منه بأنه يَنْصرف وأَتَمَّ الحج على هذا الظَّنَ فالحج للمُسْتَأْجِرِ، وفي اسْتِحقَاقِ الأَجِير الأُجْرَة قولان.
أحدهما: أنه لا يستحق، لأنه أعرض عنها، حيث قصد بالحجِّ نَفْسَه.
وأصحهما: أنه يستحق لِصِحة العَقْدِ في الإبتداء، وحصول غرض المستأجر، وهذا الخِلافَ مجرى، فيما إِذَا دَفَعَ ثَوْبًا إلى صَبَّاغٍ ليصبغه فأمسكه وجحدةُ وصبغه لنفسه، ثم رَدَّه هل يستحق الأجرة؟ وقس على هذا نظائرة، وإذا قلنا بإستحقاق الأجرة؟ فالمستحق المسمى أو أجرةُ المثل، حكى صاحب "التتمة" فيه وجهين.
أصحهما: الأول.
قال الغزالي: السَّادِسةُ مَنْ مَاتَ في أَثْنَاءِ الحَجِّ فَهَلْ لِلْوَارِثِ أَنْ يَسْتأْجِرَ أجِيراً لِيَبْنَى عَلَى حَجِّه؟ فِيهِ قَوْلاَن، فَإِنْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ فَإنْ مَاتَ بَيْنَ التَّحلُّلَيْنِ أَحْرَمَ الأَجِيرُ إحْرَاماً حُكمُهُ أَنْ لاَ يُحْرِّمَ اللُّبْسَ وَالقَلْمَ لأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى مَا سَبَقَ فَهُوَ كَالدَّوَامه، فَعَلى هَذَا إذَا مَاتَ الأَجِيرُ في أَثْنَاءِ الحَجِّ آسْتَحَق قِسْطاً مِنَ الأُجْرَةِ، لأَنَّ مَا سَبَقَ لَمْ يُحْبَط، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَمْكُنُ البِنَاءُ فَقَدْ حِبَطَ حَقُّ المُسْتَأْجِرِ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ شَيْئاً وَجهَانِ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلِ الإِحْرَامِ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ قِسْطاً لِسَفَرِهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَسْتَحِقَّ لأَنَّ السَّفَرَ لَمْ يَتَّصِلْ بالمَقْصُودِ.
قال الرافعي: غرض الفصل بالكلام فيما إذا مات في أَثْنَاءِ الحَجِّ، وقد قدم عليه مقدمة وهي أن الحَاجّ لِنَفْسِهِ إذا مات في أثناء الحَجِّ هل يجوز البنَاء على حَجِّه؟ وفيه قولان: شبهوهما، بالقولين في جواز البناء على الأذان والَخُطْبَة، وفي جواز الاستخلاف، وإن اختلفت الصور في الأظهر منها.
الجديد: الصحيح أنه لا يجوز البناء، على الحَجِّ؛ لأنه عبادة يفسد أوَّلُهَا بِفَسَادِ آخِرِهَا فأشبهت الصَّوْمَ، والصَّلاة، ولأنه لو أُحْصِر، فتحلل ثم زَالَ الحَصْرُ، فأراد البِنَاءَ عليه لاَ يَجُوز، فإذا لم يجز له البنَاء على فِعلِ نَفْسِهِ فأولى أن لا يجوز لِغَيْرِه البِنَاءُ عَلَى فِعْلِهِ.
والقديم: الجواز؛ لأن النيَابة جاريةٌ، في جميع أفعال الحَجِّ فتجري في بعضها كتفرقة الزَّكَاة.

التفريع: إن لم نجوز البِنَاء حبط المأتى بهِ إلاَّ في حَقِّ الثواب ووجب الإِحْجَاجُ مِنْ تَرِكتِهِ إِذَا كَانَ مستقراً في ذمته، وإن جوزنا الَبناء فإما أن يتفق المَوْت وقد بقى وَقْتُ الإحرام بِالحَجِّ، أو حين لم يبق وقته.
فأما في الحالة الأولى: فيحرم النَّائِبُ بِالحَجِّ، ويقف بعرفة، إن لم يقف الأَصْل ولا يقف إن وقف، ويأتي ببقية الأَعمال ولا بأس بوقوع إحرام النائب وراء الميقات، فإنه مبني على إحرام أُنْشِئَ مِنْه.
وأما في الحالة الثَّانية: فيم يحرم؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أبو إسحاق أنه يحرم، بعمرةٍ لفوات وقت الإحرام بالحَجِّ، ثم يطوف وَيَسْعَى، فيجزانه عن طَوَافِ الحَجِّ، وِسَعْيهِ ولا يبيت ولا يرمى فإنهما ليسا من أعمال العُمْرَةِ، ولكنهما يُجْبَرَانِ بالدَّمِ.
وأصحهما: أنه يحرم بالحج أيضاً، ويأتى ببقية الأعمال لأنه لو أحرم بالعُمْرَة، للزمه أفعال العُمْرة، ولما انصرف إلى الحج والإحرام، ابتداء هو الذي يمتنع تأخيره عن أَشهُرِ الحَجِّ، وهذا ليس إحرامًا مبتدأَ، وإنما هو مَبنيٌّ على ما سبق، وعلى هذا فلو مات، بين التَّحَلُّلَينِ، أحرم النَّائِب إحْرامًا لاَ يُحَرِّم اللبس والقلم وإنما يُحَرِّم النِّساء؛ لأن إحرام الأصل لو بقي لكان بهذه الصِّفَة.
واعلم: إن الإمام -رحمه الله- حكى الوجه الأول عن العِرَاقيين، ونسب الثَّانِي إلى المَرَاوزة، ولعل أن نسبته الثاني إلى المراوزة، بمعنى أنه الذي أورده ولا يستمر نسبته إليهم بمعنى أنهم أبدعوه، ولا نسبه الأول إلى العراقيين، يعني أنهم اختاروه، ولا أنهم اقتصروا على ذِكْرِهِ، لأن كتبهم مَشْحُونَةٌ بحكاية الوجهين، ونَاصّة على تَرْجِيحِ الثَّانِي مِنْهُمَا.
وجميع ما ذَكرْنَا فيما إذا مَاتَ قَبْلَ حُصُولِ التَّحَلُّلَيْنِ، فأما إذا مات بعد حصولهما فقد قطع صاحب "التهذيب"، وغيره بأنه لا يجوز البِنَاء والحالة هذه إذ لا ضرورة إليه، لإمكان جبر مَا بَقِيَ مِنَ الأَعْمَالِ بالدَّمِ، وأوهم بَعْضُهُم إِجْرَاء الخلاف -والله أعلم-.
إذا عرفت هذه المُقَدَّمة، فنقول: لموت الأَجير أحوال.
إحداها: أن يكون بعد الشُّروعِ في الأَرْكَانِ وقبل الفَرَاغِ مِنْها فهل يستحق شيئاً من الأجرة فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأنه لم يسقط الفرض عن المُسْتَأجِرِ، وهو المقصود فَأَشْبَهَ مَا لَوِ الْتَزَمَ له مالاً ليرد عبده الآَبق إليه فَرَدَّهُ إلى بَعْضِ الطَّرِيق ثُمَّ هرَبَ.
والثاني: نعم؛ لأنه عمل بعض ما استؤجر له، فاستحق بقسطه من الأجرة، كما

لو استأجره لِخِيَاطَةِ ثَوْب فخاط بعضه، ثم اختلفوا فصار صَائرُون إلى أن القَوْلَيْنِ مَبْنِيَّاً على أن البِنَاء على الحَجِّ هل يجوز أم لا إن مَنَعْنَاه لم يلزم شيء من الأجرةَ، لأن المستأجر لم ينتفع بما فعله، وإن جَوَّزُنَاه لَزِم، وفي كلام أصْحَابنا العراقيين ما ينفي هذا البناء لأمرين: أحدهما: أن ابْن عَبْدَان ذَكر أن الجديد استحقاق الأجرة، والقديم خلافه، وذلك على عكس المنقول في جَوازِ البِنَاء.
والثاني: أن كلمة الأصحاب متفقة على تَرْجِيحِ قَوْلِ المَنْع مِنْ قَوْلي البِنَاءِ؛ وقد حكم كَثِيرٌ منهم بترجيح قول الاستحقاق إما صريحاً فقد ذكره الكرَخِي وغيره.
وأما دلالة فلأنهم أشاروا إلى أن مأخذ القولين أن هذا العقد يلحق بالإجارات أو بالجَعَالات من حيث إن المقصود عاقبة الأمر وقطع المسافة ليس بمقصود، ولا بد منه ثم إنهم استبعدوا الحاقه بالجَعَالاَت، وعدوه إجارة، ومعلوم أن في الإِجَارة يستحق بعض الأجرة بِبَعْضِ العَمَلِ، وأوْرَدَ الإِمَامُ -رضي الله عنه- طريقة متوسطة بينهما، وتابعه صاحب الكتاب فقالا: إن جوزنا البناء؛ استحق قِسْطاً من الأُجْرَةِ، لا محالة؛ لأن المستأجر بسبيل من إتمامه، وإن لم تجوزه ففي الاستحقاق الخِلاَف، ووجه عدم الاستحقاق أن ما عمله قد حَبِطَ، ولم ينتفع المستأجر به، ووجه الاستحقاق: أنه ينفعه في الثَّوَاب وإن لم ينفعه في الإجزاء؛ وقد أتى الأَجِيرُ بِمَا عَلَيْهِ، والموت ليس إليه والمَشْهُورُ مِنَ الخِلاَف القولان، وصاحب الكِتَاب نقلهما وَجْهَيْنُ.
فإن قلنا: إنه لا يستحق شيئاً فذلك فيما إذا مَاتَ قَبْلَ الوُقُوفِ بعرفة، فإن مات بعده فقد حكى الحَنَّاطِي فيه وجهين، والأظهر أنَّهُ لا فَرق.
وإن قلنا: إنه يستحق شيئاً فالأجرةُ تُقَسَّطُ عَلَى الأَعْمَال وَحْدَها، أم عليها مع السَّيْرِ فيه طريقان، قال الأكثرون هُوَ على قولين: أحدهما: أنها تقسط على الأعْمَالِ وَحْدَها؛ لأن الأُجْرَة تقابل المَقْصُود، والسَّيْرِ تسبب إليه وليس من المقصود في شيء.
وأظهرهما: أنها تُقَسَّطُ عَلَى العَمَلِ وَالسَّيْرِ جميعاً، لأن للوسائل حكم المقاصد، وتعب الأجير في السَّير أكثر، فيبعد أن لا يقابل بشيءٍ؛ وقال ابنُ سُرَيْج -رحمه الله- إن قال: استئجرتك لتحج عني، فالتوزيع على الأَعْمَالِ وَحْدَها.
وإن قال: لتحج من بلد كَذَا، فالتوزيع على السَّيْرِ والأعمال جميعاً، ونزل النَّصَّيْنِ على الحَالَيْنِ، ثم هل يبنى على ما فَعَلَه الأَجِير؟ ينظر كانت الإجَارة على العَيْنِ انفسخت، ولا بناء لورثة الأَجِير، أما لم يكن لَهُ أن ينيب بِنَفْسِهِ، وَهل لِلْمُسْتَأْجِرِ أن

يستأجر من يتمه؟ فيبنى على القولين في جواز البناء، إن جَوَّزْنَاه فله ذلك، وإلا فَلاَ، وإن كانت الاجَارة على الذِّمِّة.
فإن قلنا: لاَ يَجُوز البِنَاء، فَلِوَرثَةِ الأَجِير أن يستأجروا من يَحُجُّ عَمَّنِ استؤجر له، فإن أمكنهم الإحجاج عنه في تلك السنة لبقاء الوقت فذاك، وإن تأخر إلى السَّنَةِ الأُخْرَى ثبت الخيار، كما سبق، وإن جوزنا البناء فلورثة الأجير أن يتموا الحَجِّ، ثم القول في أن النَّائِبَ بِمَ يَحُرم وفي حكم إحرامه بين التحللين على ما سبق.
الحالة الثانية: أن يكون بَعْدَ الأخذ في السَّيْرِ، وقبل الإحْرَام، فالمنقول عن نَصِّه في عامة كتبه أنه لا يستحق شيئاً من الأُجْرَةِ، لأنه بسبب لا يَتَّصِل بِالْمَقْصُودِ، فصار كما لو قرب الأجير على البِنَاء الآلات من موضع البنَاء ولم يبن لم يستحق شيئاً، وعن أبي بكر الصَّيْرَفِيّ والإصْطَخْرِي: أنه يستحق قِسْطَاً من الأجرة؛ لأنهما أفتيا سنة حصر القرامطة 1، الحجيج بالكوفة، بأن الأجَرَاء يستحقون من الأُجْرَةِ بِقَدْرِ ما عملوا.
ووجهه أن الأجرة تَقَعُ في مقابلة السَّيْرِ وَالْعَمَلِ جميعاً ألا ترى أنها تَخْتَلِف باختلاف المسافة طولاً، وقِصَراً، وفصَّل ابن عبدان المسَألة فقال: إن قال: استأجرتك لتحج من بَلَدِ كَذَا، فالجواب على ما قَالاَه، وإن قال على أن تَحُج، فالجواب على مَا هُوَ المَشْهُور، وهذا كالتَّفْصِيل الذِي مَرَّ عَنِ ابْن سُرَيْج.
والحالة الثالثة: ولم يذكرها في الكتاب: أن يكون موتهُ بعد إتمام الأرْكَان، وقبل الفَرَاغِ مِنْ سَائِرِ الأَعْمَالِ، فينظر إن فات وقتها أو لم يفت، ولكن لم نجوز البناء فيجبر بالدَّمِ مِنْ مَالِ الأَجِيرِ، وفي رَدِّ شيء من الأجرة الخلاف السابق، وإن جوزنا البناء فإن كانت الإجارة على العين انفسخت، ووجب رَدّ قسطها من الأجرة، واستأجر المستأجر من يَرْمي ويبيت، ولا دَمَ عَلَى الأَجِير، وإن كانت على الذمة استأجروا وارث الأجير مَنْ يَرْمِي ويبيت، ولا حاجة إلى الإحْرَامِ، لأنهما عملان يؤتى بهما بعد التحللين، ولا يلزم الدّم ولا رد شيء من الأجرة ذكره في "التتمة".
قال الغزالي: السَّابِعَةُ لَوْ أحصرَ فَهُوَ كَمَا لَوْ مَاتَ، وَلَوْ فَاتَ الحَجُّ فَهُوَ كَالإِفْسَادِ لأنَّهُ يُوجِبُ القَضَاءَ وَلاَ يَسْتَحقُّ شيئاً.
قال الرافعي: لو أحْصِر الأَجِيرُ فله التَّحلُل، كما لو أحْصِر الحاجُّ لنفسه فإن تحلل فعن من يقع ما أتى به؟ فيه وجهان: أصحهما: عن المستأجر كما لو مات، إذ لم يوجد من الأجير تقصير.
والثاني: عن الأجير كما لو أفسده؛ لأنه لم يحصل غرضه، فعلى هذا دم

الإحصار عَلَى الأَجِير، وعلى الأول هو على المستأجر، وفي استحقاقه شيئاً من الأُجْرة الخلاف المَذْكُور في الموت، وإن لم يتحلل وأقام على الإحْرَام حتى فاته الحَجّ انقلب الحَجُّ إليه، كما في صورة الإفْسَاد، ثم يتحلل بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وعليه دم الفَوَات، ولو فرض الفوات بنوم أو تأخر عَن القَاِفلة وغيرهما من غير إحصار انقلب المأتى به إلى الأجير أيضاً كما في الإفساد؛ لاشْتِراكهما في إيجاب القَضَاء؛ ولا شَيْءَ لِلأَجِير ومن الأصحاب من أجرى فيه الخِلاَف المذكور في الموت، ولا يخفى بعد الوُقوف على ما ذَكَرْنَا، أن قوله: (لو أحصر فهو كما لو مات) أراد به مَا إِذَا أحصر وتَحَلَّل، وأنه يجوز أن يعلم قوله: (كما لو مات) بالواو لأنا حكينا وجهاً أنه إذا تَحَلَّل وقع المأتى به عن الأجِير، وذلك الوَجْه غير جارٍ في الموت، فلا يكون الإحْصَار كالموت على ذلك الوَجْه، وأنه لو أعلم قوله: (فهو كالإفساد) بالواو، وكذا قوله: (يستحق شيئاً) جَارٍ مجرى التوكيد والإيضَاح، وإلا ففي التَّشْبِيه بالإفْسَاد ما يغني عنه، والله أعلم هذا تمام الكَلاَم في المقدّمة الأولى.
قال الغزالي: المُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: المَوَاقِيتُ، وَالمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ لِلْحَجِّ شَهْرُ شَوَّالٍ (ح) وَذُو القِعْدَةِ وتِسعٌ مِنْ ذي الحِجَّة، وَفي لَيْلَةِ العِيدِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ميقات الحج والعُمْرة ينقسم إلى زماني ومكاني.
أما الزماني 1 فالكلام فيه في الحَجِّ، ثم في العمرة.
أما الحج فوقت الإحْرَام به شَوَّال، وذو القعدة، وتسع لَيالٍ بأيامها من ذِي الحَجَّة، وفي ليلة النَّحْرِ وجهان حكاهما: الإمام وصاحب الكتاب.
أصحهما: ولم يورد الجمهور سواه: أنها وقت له أيضاً؛ لأنها وقت للوُقُوفِ بعرفة، ويجوز أن يكون الوجه الآخر صادراً ممن يقول، أنها ليست وقتاً له، وسيأتي بيان ذلك الخِلاَف في موضعه.

واعلم أن لفظ الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" وأشهر الحَجِّ شوال وذو القعدة، وتسع من ذي الحَجَّة، وهو يوم عرفة فمن لم يدركه إلى الفَجْرِ من يوم النحر فقد فاته الحَجِّ، وفيه مباحثتان.
إحداهما: قوله "وهو يوم عرفة" قال المسعودي مَعْنَاه والتاسع يوم عرفة، وفيه معظم الحَجِّ.
وقوله: "فمن لم يدركه" اختلفوا في تفسير، فقال الأكثرون: أراد من لم يدرك الإحرام بالحَجَّ، إلى الفجر من يوم النحر.
وقال المسعودي: أراد من لم يدرك الوُقُوفَ بِعَرَفة.
الثانية: اعترض ابن داود، فقال قوله: (وتسع من ذي الحَجَّة) إما أن يريد به الأيام أو الليالي، إن أراد الأيام فاللفظ مُخْتَل؛ لأن جمع المذكر في العَدَدِ بالهاء؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾.
وإن أراد الليالي فالمعنى مختل؛ لأن الليالي عنده عشر لا تسع، قال: الأصحاب هاهنا قسم آخر وهو أنه يريد الأيام والليالي جميعاً، والعرب تقلب التأنيث في العدد، ولذلك قال: الله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ 1. وقال -صلى الله عليه وسلم- "وَاشتَرِطِ الْخِيَارَ ثَلاَثاً" 2. والمراد الأيام والليالي، ثم هب أن المُرَاد الليالي، ولكن أفردها بالذكر؛ لأن أيامها ملحقة بها فأما الليلة العاشرة، فنهارها لا يتبعها فأفردها بالذِّكْرِ، حيث قال: (فمن لم يدركه إلى الفجر من يوم النحر) وهذا على تفسير الأكثرين.
وأما على تفسير المسعودي، فلم يمنع إنشاء الإحْرام ليلة النحر، أن يتمسك بِظَاهر قوله: وتسع من ذي الحَجَّة، ولا يلزمه إشكال ابن داود.
وأعلم قوله في الكتاب: (وتسع من ذي الحجة) بالحاء والألف؛ لأنهما يقولان وعشر من ذي الحَجَّة بأيامها، وبالميم؛ لأنه يقول وذي الحَجَّة كله، قال جماعة من الأصْحَاب: وهذا اختلاف لا يتعلق به حكم، وعن القَفَّال أن فائدة الخلاف مع مالك كراهة العمرة في ذي الحَجَّة فإن عنده تكره العمرة في أشهر الحج، ثم اتفق مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله- على أن الإحْرَام بالحَجِّ ينعقد، في غير أشهره إلا أنه مكروه، ويجوز أن يعلم قوله: (وتسع ذي الحَجّة) بالواو أيضاً؛ لأن المُحَامِلِي حكى في "الأوسط" قولاً، عن "الإملاء" كمذهب مالك.

وقوله: (والميقات الزماني للحج) أي للإحرام به، فأما الأفعال فسيأتي بيان أوقاتها.
قال الغزالي: وَأَمَّا العُمْرَةُ فَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتُهَا، وَلاَ تُكْرَهُ فِي وَقْتٍ أصْلاً إِلاَّ لِلحَاجِّ العَاكفِ بمنىً في شُغُل الرَّمْي وَالمَبِيتِ لاَ تَنْعَقِدُ عُمْرَتُهُ لِعَجْزِهِ عَنِ التَّشَاغُلِ بِهِ في الحَالة، وَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ بِحَجِّ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ وَيَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَهَلْ يَقَعُ عَنْ عُمْرَةِ الإِسْلامِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: السَّنَةُ كلها وقتٌ للاحرام بالعُمْرَة، ولا يختص بأشهر الحج، وروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حُجَّةً" 1. "وَاعْتَمَرَت عَائِشَةُ -رضي الله عنها- مِنَ التَّنْعِيم لَيْلَةَ المُحَصَّبِ" 2 وهي الليلة التي يرجعون فيها من مَنَىً إلى مكَّة، ولا يكره في وقت منها، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة يكره في خمسة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، وقد قدمنا عن مالك كراهيته في أشهر الحَجِّ، وتَوَقَّفَ الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ في ثبوته عنه.
لنا، أن كل وقت لا يُكْرَه فيه القران بين النسكين لا يكره الإفراد بأحدهما.
أما على أبي حنيفة فكما قيل: يوم عرفة.
وأما على مالك فكالإفراد بالنّسك الآخر، ولا يكره أن يعتمر في السّنة مراراً بل يستحب الإكثار منها، وعن مالك أنه لا يعتمر في السَّنة إلا مرّة.
لنا ما روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- أَعْمَدَ عَائِشَةَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ" 3. وقد يمتنع الإحْرام بالعُمْرة لا باعتبار الوقت بل باعتبار عارض كمن كان محرماً بالحج لا يجوز له إدخال العمرة على أظهر القولين كما سنشرحه.
وإذا تَحَلَّل عنه التحللين، وعكف بمنىً لشغل المبيت والرمي، لم ينعقد إحرامه بالعمرة، لعجزه عن التشاغل بأعمالها في الحَالِ، نص عليه، قال: الإمام: وكان منَ حقِّ تِلْكَ المنَاسِك، أن لا تقع إلا في زَمَانِ التَّحَلّلِ، فإن نفر النفر الأول فله الإحْرَام

بها، لسقوط بقية الرَّمْي عنه، ثم في الفَصْل مسألة تتعلق بِوَقْتِ الإحْرَامِ بالحَجِّ، وهي أنه لو أحرم بالحج في غير أشهره ما حكمه؟ لاَ شَكَّ في أنه لا ينعقد إحْرَامه بالحَجِّ، ثم أنه نَصَّ في "المختصر" على أنه يكونُ عُمْرَة، وفي موضع آخر على أنه يتحلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَة، وللأصْحَاب فيه طريقان: أظهرهما: أن المسألة على قولين: أصحهما: أن إحرامه ينعقد بعمرة؛ لأن الإحْرَام شديد التَشبُّث واللُّزُوم، فإذا لم يقبل الوقت، ما أحرم به انْصَرف إلى ما يقبله.
والثاني: أنه لا ينعقد بعُمْرَة، ولكن يتحلل بِعَمَلِ عمرة كما لو فات حجة، لأن كل واحد من الزمانين ليس وَقتًا للحج، فعلى الأول إذا أتى بأَعْمَال العُمْرَة سقطت عنه عُمْرَة الإسْلاَم، إذا قلنا بافتراضها وعلى الثاني لا تسقط، وشبهوا القولين بالقولين في التَّحَرُّم بالصَّلاَةَ قبل وَقْتِها هل تنعقد نَافِلَة؟ لكن الأظهر هناك أنه إن كان عالماً بالحال لم تنعقد نافلة، وهاهنا الأظهر انعقاد عمرة بكل حال لقوة الإحرام، ولهذا ينعقد مع السَّبب المفسد له بأن أحرم مجامعاً.
والطريق الثاني ففي القولين وله طريقان: أشهرهما: القطع بأنه يتحلل بِعَمَلِ عُمْرَةِ، ولا ينعقد إحرامه عمرة؛ لأنه لم يَنْوِها.
والثاني: حكى الإمام قدس الله روحه عن بعض التَّصَانِيف أن إحرامه ينعقد بهما إن صرفه إلى العمرة كان عمرة صحيحة وإلا تحلل بعمل عمرة، والنصان ينزلان على هذين الحالين.
وقد عرفت من هذا أن المذكور في الكتاب طريق القولين، ولما كانَا متفقين على انعقاد الإحرَام، وعلى أنه لا بد من عَمَلِ عُمْرةَ، وإذا أتى به تحلل لا جرم جزم بانعقاد الإحرام وحصول التحلل، ورد القولين إلى الاحتساب به عن عُمْرَة الإسْلاَم.
ولك إعلام قوله: (قولان) بالواو للطريق الثاني، ولو أحرم قبل أشْهُرِ الحَجِّ إحراماً مطلقاً، فإن الشَّيْخَ أبا على خرجه على وجهين يأتي ذكرهما فيما إذا أحرم بالعُمْرةَ قبل أشْهُرِ الحَجِّ ثم أَدْخَل عليه الحَجَّ في أشهره هل يجوز.
إن قلنا: يجوز انعقد إحرامه بِهِمَا، فإذا دَخَل أشهر الحَجِّ فهو بالخيار في جعله حَجّاً أو عمرة أو قراناً، ويحكى هذا عن الخضري.
وإن قلنا: لا يجوز انعقد إحْرَامُه بعمرة، وهذا هو جواب الجمهور في هذه المسألة، والقاطعون بأنه يتحلل بِعَمَلِ عُمْرَةَ في الصورة الأولى، نزلوا نصه في "المختصر" على هذه الصورة -والله أعلم-.

قال الغزالي: أَمَّا المِيقَاتُ المَكَانِيُّ فَهُوَ فِي حَقِّ المُقِيمِ بِمَكَّةَ خُطَّةُ مَكَّةَ عَلَى رَأْيٍ وَخُطَّةُ الحَرَمِ عَلَى رَأي، وَالأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ بَابِ دَارِهِ، فَإِنْ أَحْرَمَ خَارجَ الحَرَمِ فَهُوَ مُسِيئٌ.
قال الرافعي: تكلم في الميقات المكاني في الحَجِّ، ثم في العمرة، وفي الحج في حق المقيم بمكَّة وغيره 1. أما المقيم بمكَّة إذا أراد الحَجَّ مكياً كان أو غيره فإنه يحرم منها، وميقاته نفس مَكَّة أو خطة الحرم كُلّها فيه وجهان، وقال الإمام: قولان: أصحهما: نَفْسُ مَكَّة كما سيأتي من خبر ابن عباس -رضي الله عنهما- في المواقيت.

فعلى هذا لو فارق البنيان وأحْرَمَ فِي حَدِّ الحَرَمِ فهو مُسيئ يَلْزُمه أن يريق دماً إن لم يعد كما لو جاوز خطة قرية هي ميقات ثم أحرم.
والثاني: أن ميقاته خطة الحرم؛ لاستؤاء مكَّة وما وراءها من الحَرَم في الحرمة، ولهذا لا يكتفي للمكّي إذا أراد أن يُحْرِم بالعُمْرَة أن يخرج عن خطة مكَّة، بل يحتاج إلى الخُروجِ عَنِ الحَرَمِ، فعلى هذا إحْرَامُهُ فِي الحَرَمِ بَعْدَ مجاوزة العُمْرَان ليس بإساءة.
أما إذا أحرم بعد مجاوزة الحَرَم فقد أساء وعليه الدم إلا أن يعود قبل الوقوف بعرفة أما إلى مكَّة على الوجه الأول، أو إلى الحَرَم على الثَّاني، فيكون حينئذ كمن قدم الإحرام على الميقات.
وقوله في الكتاب: (على رأي) مفسر بالقولين على ما رواه الإمام -رحمه الله- وبالوجهين على ما رواه المصنف في "الوسيط"، وصاحبا "التتمة" و"المعتمد" ثم من أي موضع أحرم من عمران مَكَّة جاز، وما الأفضل؟ فيه قولان.
أحدهما: أن الأفضل أن يتهيأ للإحرام ويحرم في المسجد قريباً من البيت.
وأظهرهما: أن الأفضل أن يحرم من بَابِ دَارِه، ويأتي المسجد مُحرِماً، وهذا هو الذي أجاب به في الكتاب، ويدُلُّ عليه ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ أَفْضَلَ حَجٍّ أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ" 1 2. قال الغزالي: أَمَّا الآفّاقِيُّ فَمِيقَات مَنْ يَتَوَجَّهُ مِنْ جَانِبِ المَدِينَةِ ذُو الحُلِيفَةِ، وَمِنَ الشَّامِ الجُحْفَةُ، وَمِنَ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَمِنْ نَجْدٍ اليَمَنُ، وَنَجْدِ الحِجَاز قَرْنٌ، وَمِنْ جِهَةِ المَشْرِق ذَاتُ عِرْقٍ، وَهِذهِ المَوَاقِيتُ لِأهْلِهَا وَلَكُلِّ مَنْ مَرَّ بِهَا، وَالَّذِي مَسْكَنُهُ بَيْنَ المِيقَاتِ وَبَيْنَ مَكَّةَ فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَسْكَنِهِ، وَالَّذِي جَاوَزَ المِيقَاتَ لاَ عَلَى قَصْد النُّسُكِ فَإذَا عَنَّ لَهُ النُّسُكُ فَمِيقَاتُةُ مِنْ حَيْثُ عَنَّ لَهُ.
قال الرافعي: غير المقيم إما أن يكون مسكنه وراء المواقيت الشَّرْعِية وهو الأفاقي، أو بينها وبين مَكَّة والأول إذا انتهى إِلَى الميقات فأما أن يكون مريداً للنُّسك أو لا يكون، فهؤلاء ثلاثة أصناف.
ولا بد أولاً من بيان المواقيتِ الشَّرْعِية.

وهي في حق المتوجهين من المدينة ذُو الحُليْفَةَ 1، وهو على عشر مراحل، من مكة وعلى ميل من المدينة، وفي حق المتوجهين من الشَّام 2 ومصر 3 والمغرب الجُحْفَة 4 وهي على خمسين فرسخاً من مكَّة، وفي حق المتوجهين من تُهامة اليمن 5 يَلَمْلم، وقد يسمى أَلَمْلَم، وفي حق المتوجهين من نجد اليمن، ونجد 6 الحجاز

قرْن 1 وفي حق المتوجهين من جهة المَشْرق والعِرَاق وخراسان ذَاتُ عِرْقٍ، وكل واحد من هذه الثلاثة من مكَّة على مرحلتين، وقد ذكر الأئمة أن اليمن يشتمل على نَجْد وتهامة وكذلك الحِجَاز، وإذا أطلق ذكر نجد كان المراد منه نجد الحجاز، وميقات النجدين جميعاً قَرْن.
وإذا قلنا: إن ميقات اليمن يَلَمْلم أراد به تهامتها لا كل اليمن.
وأعلم: أن ما عدا ذاتِ عِرْقٍ من هذه المواقيت منصوص عليه، روي في الصَّحيح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّام الجُحْفَةَ، ولِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْن، المَنَازِلِ، ولِأَهْلِ اليَمَنِ يلملم وقال هُنَّ لَهُنَّ وَلمَنْ أْتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ 2، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكَّة من مكَّة واختلفوا في ذَاتِ عِرْق على وجهين: أحدهما: أن توقيته مأخوذ من الاجتهاد؛ لما روى عن طاووس أنه قال: "لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتِ عِرْقٍ، وَلَمْ يَكُنْ حِيْنِئذٍ أَهْلُ المَشْرِقِ أَي: مُسْلَمِينَ" 3. وفي الصَّحيح عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "لَمَّا فُتِحَ هَذانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ -رَضِيَ الله عَنْهُ- فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرَناً، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَريقِنَا، وإِنَّا إِنْ أَرَدْنَاهُ شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ" 4. والثَّاني: وإليه صَغْوُ الأكثرين: أنه منصوص عليه، روي عن عائشة -رضي الله عنها-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَقَّتَ لِأَهْلِ المَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ" 5 ولا يبعد أن ينص عليه والقوم = وقال الجوهري: ونجد من بلاد العرب، وهو خلاف الغور: وهو تهامة كلها، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، فهو نجد، وهو مذكر.
ينظر: المطلع ص (166).

مشركون يَومئذٍ إذا علم إسلامهم، ويحتمل أن النصوص لم تبلغ عُمَرَ -رضي الله عنه- والذين أتوه فاجتهدوا فوافق اجتهادهم النص، ولو أحرم أهل المَشْرِق من العقيق كان أفضل، وهو واد وراء ذات عِرْق مِمَّا يلي المشرق بقرب منها، لما روى عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ" 1. ولأن ذات عِرْق مؤقتة بالاجتهاد على أحد الرأيين، فالإحرام مما فوقها أحوط، وقد يخطر ببالك إذا انتهيت إلى هذا المقام البحث عن قَرْن من وجهين: أحدهما: أنه بتحريك الراء أو تسكينها، وإن كان الأول فهل هو الذي ينسب إليه أويس -رضي الله عنه- أم لا؟ والثاني: أنه قال في الخبر: قَرْن المَنَازِل فما هذه الإضَافة؟ وهل هو للتمييز عن قرن آخر أم لا؟ والجواب: أما الأول فالسماع المعتمد فيه عن المتقنين التسكين، ورأيته منقولاً عن أبي عبيد وغيره، ورواه صاحب الصِّحاح بالتحريك، وادعى أن أويساً منسوب إليه.
وأما الثاني: فقد ذكر بعض الشَّارِحين للمختصر أن القرن اثنان: أحدهما: في هبوط يقال له: قرن المَنَازِل، والآخر: على ارتفاع يقرب منه، وهي القرية، وكلاهما ميقات -والله أعلم-.
إذا عرفت ذلك فالصنف الأول الأفاقي الذي انتهى إلى الميقات وهو يريد النُّسُك فليس له مجاوزته غير مُحْرِم، سواء أراد الحَجَّ أو العمرة أو القران، فإن جاوزه فقد أساء، وسيأتي حكمه، ولا فرق بين أن يكون من أهل تلك الناحية أو من غيرها، كالمشرقي إذا جاء من المدينة، والشَّامي إذا جاء من نَجْد؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ".
الثاني: الأفاقي الذي انتهى إلى الميقات وهو غير مريد للنُّسك، فننظر إن لم يكن على قَصْدِ التَّوَجُّه إلى مكَّة، ثم عَنَّ له قصد النُّسُك بعد مجاوزته، فميقاته من حَيْثُ عَنَّ له هذا القَصْد، ولا يلزمه الرُّجُوع إلى الميقات، وقد أشار إليه في الخبر الذي سبق، حيث قال: فإن كان يريد الحج والعمرة، وإن كان على قَصْدِ التوجه إلى مكة لحاجة غير النُّسُك، ثم عَنَّ له قصد النسك عند المجاوزة، فينبئ هذا على أن من أراد دخول

مكة هل يلزمُهُ الإحْرَامُ بِنُسُكٍ؟ وفيه خلاف مَذْكُورٌ فِي الكِتَاب في فَصْلِ سُنَنِ دُخُولِ مَكَّة، فإن ألزمناه فعليه إنشاؤه من المِيقَات، فيأثم بمجاوزته غير محرم كما إذا جاوزه على قَصْدِ النُّسُك غير محرم، وإن لم يلزمه الإحرام فهو كمن جاوزه غير قاصد للتوجه إلى مكَّة.
الثالث: الذي مسكنه بين أَحَدِ المواقيت وبين مكَّة فميقاته مَسْكَنُه، يعني: القرية التي يسكنها والحلة التي ينزلها البَدَوِيّ؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- بعد الذكر المواقيت: "فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمَهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ" وقوله في الكتاب: (والذي جاوز الميقات لا على قصد النسك إلخ) قد أطلق الكلام فيه إطلاقاً، ولا بد من التفصيل الذي ذكرناه، ويجوز أن يعلم قوله: (فميقاته حيث عنّ له) بالألف؛ لأن عند أحمد أنه إذا جاوز غير قاصد لدخول مَكَّة، ثم عَنَّ له قصد النسك يلزمه العود إلى الميقات، فإن لم يعد فعليه دم.
قال الغزالي: والأَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ المِيقَاتِ، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ آخِرِهِ فَلاَ بَأْسِ، وَلَوْ حَاذَى مِيقاتاً فَمِيقَاتُهُ عِنْدَ المُحَاذَاةِ إِذ المَقْصُودُ مِقْدَارُ البُعْدِ عَنْ مَكَّةِ، وَإِنْ جَاءَ مِنْ نَاحِيَةً لَمْ تُحَاذ مِيقَاتاً وَلاَ مَرَّ بِهِ أَحْرَمَ مِنْ مَرْحَلَتَينِ، فَإِنَّهُ أَقَلُّ المَوَاقِيتِ وَهُوَ ذَاتُ عِرْقٍ.
قال الرافعي: في الفصل صور: إحداهَا: يستحب لمن يحرم من بعض المَوَاقِيت الشَّرْعِية، أن يحرم من أول جزء ينتهي إليه، وهو الطرف الأبعد من مكَّة، ليقطع الباقي مُحْرِماً، ولو أحرم من آخره جاز؛ لوقوع الاسم عليه، ويستحب لمن ميقاته حلته أو قريته أيضاً أن يحرم من الطَّرف الأبعد، والاعتبار في المواقيت الشرعية بتلك المواضع لا بالقرى والأبنية، حتى لا يتغير الحكم لو خرب بعضها فنقلت العمارة إلى موضع آخر قريبٍ منه، وسُمِّي بذلك الاسم.
الثانية: إذا سلك البحر أو طريقاً في البر لا ينتهي إلى واحد من المواقيت المُعَيَّنة فميقاته الموضع الذي يُحَاذِي الميقات المعين، فإن اشتبه عليه فليتأخ، وطريق الاحتياط لا يَخْفَى.
ولو حاذى ميقاتين يتوسطهما طريقه نظر إن تساويا في المسافة إلى مَكَّة وإلى طريقه جميعاً، أو في المسافة إلى مكَّة وحدها فميقاته الموضع الذي يُحَاذِيها، وإن تساويا في المسافة إلى طريقه، وتفاوتا في المسافة إلى مَكَّة ففيه وجهان: أحدهما: أنه يتخير إن شاء أحرم من الموضع المحَاذِي لَأَبْعَدِ الميقاتين، وإن شاء أحرم من الموضع المحاذي لأقربهما.
وأظهرهما -وبه قال القفال-: أنه يحرم من الموضع المحاذي لأبعدهما، وليس

له انتظار الوصول إلى محاذاة الأقرب، كما ليس للآتي من المدينة أن يجاوز ذَا الحُلَيْفَة، ليحرم من الجُحْفَة، وقد تَصَوَّر في هذا القِسْمِ محاذاة الميقاتين دفعة واحدة، وذلك بانحراف أحد الطريقين والْتِوَائِهِ لَوعُورَةٍ وغيرها فلا كلام في أنه يحرم من موضع المحاذاة، وحكى الإمام: وجهين في أنه منسوب إلى أَبْعَدِ الميقاتين أو أقربهما.
قال: وفائدتهما تظهر فيما إذا جاوز مَوْضِع المحاذاة وانتهى إلى حَيْثُ يفضي إليه طريقاً الميقاتين، وأراد العَوْد لدفع الإساءة، ولم يعرف مَوْضِع المحاذاة أيرجع إلى هذا الميقات أم إلى ذلك؟ وتابعه المصنف على رواية الوجهين في "الوسيط" وكلاهما لا يصرح بالتَّصْوِيرِ في الصُّورة التي ذكرتها كل التصريح، لكنه المفهوم مما ساقاه ولا أعرف غيره -والله أعلم-.
وإن تفاوت الميقاتان في المسافة إلى مكَّة وإلى طريقه فاعتِبَار بالقُرْب إليه أو إلى مكَّة، فيه وجهان: أولهما: أظهرهما، واعلم أن الأئمة فرضوا جميع هذه الأقسام فيما إذا توسط بين طريقين يفضي كل واحد منهما إلى ميقات، ويمكن تصوير القِسْم الثَّالِث والرَّابع في ميقاتين على يمينه أو شماله كَذِي الحُلَيْفَة والجُحْفَة، فإن أحدهما بين يدي الآخر، فيجوز فَرْضُهُمَا على اليمين أو الشّمال، وتساوي قربهما إلى طريقه وتفاوته.
الثالثة: لو جاء من ناحيةٍ لا يحاذي في طريقهما ميقاتاً ولا يَمُرُّ به، فعليه أن يحرم إذا لم يبق بينه وبين مكَّة إلا مرحلتان، إذ ليس شيء من المواقيت أقل مَسَافة من هذا القدر.
وقوله في الكتاب: (فإنه أقل المواقيت وهو ذات عرق) إنما كان يحسن أن لو كانت ذات عرق أقل مسافة مِنْ كُلِّ ما سواها من المواقيت لكن قد مَرَّ أن ذَات عِرْقٍ مع يَلَمْلَمَ وَقَرْن متساوية في المَسَافة.
قال الغزالي: وَمَهْمَا جَاوَزَ مِيقَاتاً غيرَ مُحْرِمِ فَهُوَ مُسِيءٌ وَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَيسْقُطُ عَنْهُ بِأَنْ يَعُودَ إلَى المِيقَاتِ قَبلَ أَنْ يَبْعُدْ عَنْهُ بِمَسَافَةِ القَصْرِ، وإنْ عَادَ بُعْدَ دُخولِ مَكَّةَ لَمْ يَسْقُطْ، وإنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَوَجْهَانِ، ثمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ أَوَّلاً ثُمَّ يُحْرِمَ مِنَ المِيقَاتِ، فَإِنْ أَحْرَمَ ثُمَّ عَادَ مُحْرِماً فَفِي سُقُوطِ الدَّمِ وَجْهَانِ، وَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ المِيقَاتِ كَانَ أَحَبَّ.
قال الرافعي: الفَصْل يشتمل على مسألتين: إحْدَاهُما: إذا جاوز المَوْضِع الذي لزمه الأَحْرَام مثه غير محرم أثِم، وعيه العَوْدُ إليه والإحْرَامُ مِنْهُ إن لم يكن له عذر، وإن كان كما لو خاف الانقطاع من الرِّفْقَة، أو كان الطَّريقِ مخوفاً، أو الوقت ضيقاً أحرم وَمَضَى على وجهه، ثم إذا لم يَعدْ فعليه دَمٌ،

لما روي عن ابن عَبَّاس -رضي الله عنهما- موقوفاً ومرفوعاً: "أَنَّ مَنْ تَرَكَ نُسُكاً فَعَلَيْهِ دَمٌ" 1. وإن عاد فلا يخلو إما أن يعود وينشئ الإحْرَام منه، أو يعود إليه بعد ما أحْرَم.
فأما في الحَالَةِ الأولَى: فالذي نقله الإمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله- أنه إن عاد قبل أن يبعد عن المِيقَاتِ بِمَسَافَةِ القَصْر فلا دم عليه؛ لأنه حَافظ على الوَاجِب في تَعَبٍ تَحَمَّلَهُ، وإن عاد بعد ما دَخَلَ مكة لم يَسْقُط عنه الدم؛ لوقوع المحذور، وهو دُخُولُ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمِ مع كونه عَلَى قَصْدِ النُّسُكِ، وإن عاد بعد ما بَعُدَ عن الميقات بمسافة القصر فَوَجْهَان: أظهرهما: أنه يسقط كما لو عاد بعد البعد عنه بهذه المسافة.
والثاني: لا يسقط لتأكد الإسَاءة بانقطاعه عن الميقات حَدّ السَّفَرِ الطَّوِيل، هذا ما ذكراه.
والجمهور قضوا بأنه لو عَادَ وأنشأ الإحْرَام منه فلا دم عليه، ولم يفصلوا بَيْنَ أن يبعد أو لا يبعد، ولا بين أن يدخل مَكَّة أو لا يدخلها، فعليك إعلام قوله: (وإن عاد بعد دخول مكة لم يسقط) بالواو، ومعرفة ما فيه.
وأما الحالة الثَّانية: وهي أن يحرم ثم يعود إلى الميقات محرماً فقد أطلق صاحب الكتاب وطائفة في سقوط الدم فيها وجهين، ورواهما القَاضِي أبُو الطَّيِّبِ قولين: وجه عدم السقوط، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- تأكد الإسَاءَة بإنشاء الإحرام من غير موضعه، وراعى الإمام -رحمه الله- من ذلك ترتيب هذه الحالة على التَّفْصِيل المذكور في الأولى فقال: إن قصرت المسافة ففي السّقوط الخِلاَف، وإن طَالَتْ فَالخِلاَفُ مرتب وأولى بألا يَسْقُط، فإن دخل مَكَّة فأولى بعدم السِّقوط من الحَالَةِ الأولى.
وظاهر المَذهب عند الأكثرين أن يفصل فيقال: إن عاد قبل أن يلتبس بنسك سَقَط عنه الدَّم؛ لقطعه المسافة من الميقات محرماً وأداء المَناسِكِ بعده، وإن عاد بعد ما تلبس بِنُسُكٍ لم يسقط لِتَأْدِّيهِ بإحرامٍ نَاقص، ولا فرق بين أن يكون ذلك النُّسك ركناً كالوقوف بعرفة، أو سنة كطواف القُدُوم، ومنهم من لم يجعل للتلبس بالسنة تَأثِيراً، وقال أبو حنيفة -رحمه الله- إذا أحرم بعد مجاوزة الميقات، وعاد قبل أن يتلبس بنُسُكٍ، وَلَبَّى سقط عنه الدّم، وإن عاد ولم يُلَبِّ لم يسقط.
وقوله في أول الفَصْل: (ومهما جاوز ميقاتاً غير محرم فهو مسيئ وعليه الدَّم)

يدخل فيه ما إذا جاوز عَالِماً، وما إذا جاوز جاهلاً أو ناسياً والأمر على هذا الإطلاق فيما يرجع إلى لزوم الدم؛ لأنه مأمور بالإحْرَام من الميقات، والنسيان ليس عذراً في ترك المأمورات، كالنية في الصَّوْمِ والصلاة، بخلاف ما إذا تَطَيَّب أو لبس ناسياً فإنهما من المَحْظُورَات، والنسيان عذر فيهما كما في الأكل في الصَّوْم والكلام في الصَّلاة.
وأما الإساءة فهي ثابتة على الإطلاق أيضاً إن أراد بكونه مسيئاً كونه مقصراً، وإن أراد الإثم فَلاَ إِثْمَ عِنْدَ الجَهْلِ والنسيان.
ويجوز أن يعلم قوله: (وعليه الدم) بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- الجائي من طريق المدينة إذا لم يكن مدنياً لو جاوز ذا الحُلَيْفَة وأحرم من الجُحْفَة لم يلزمه دَم، ويروى ذلك في حق المدني وغيره.
المسألة الثانية: الإحرام من الميقات أَفْضَل أو مما فوقه؟ روى البويطي والمزني في الجامع الكبير أنه من الميقات أَفْضَل، وبه قال مَالِكٌ وأحمد.
وقال في "الإملاء": الأحب أن يحرم من دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وبه قال أَبُو حَنِيفة، وللأصحاب طريقان: أظهرهما: أن المسألة على قولين: أحدهما: أنه لا يستحب الإحْرَام مما فوقه: "لَأنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يُحْرِمْ إِلاَّ مِنَ الْمِيقَاتِ" 1 ومعلوم أنه يحافظ على ما هو الأفضل، ولأنَّ في الإحْرَام فوق الميقات تغريراً بالعباد؛ لما في مصابرته والمحافظة على واجباته من العسر ولهذا المعنى أطلق مطلقون لفظ الكراهة عالى تقديم الإحرام عليه.
أظهرهما: أن الأحب أن يحرم من دؤيرة أهله لأن عمر وعليا رضي الله عنهما فسرا الإتمام في قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله بذلك) 2. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَحْرَمَ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامَ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" 3.

والطريق الثاني: القطع بالقول، وحمل الأول على التزيي بِزِيّ المحرمين من غير إحْرَام على ما يعتاده الشِّيعة.
ويخرج من فحوى كلام الأئمة طريقة ثالثة، وهي حمل الأوَّل على إذا لم يَأْمن على نَفْسِهِ من ارتكاب مَحْظُوراتِ الإِحْرَام، وتنزيل الثاني على ما إذا أمن عليها.
وقوله في الكتاب: (ولو أحرم قبل الميقات كان أحب) يجوز أن يكون جواباً على أظهر القولين، على الطريقة الأولى، ويجوز أن يكون ذهاباً إلى الثانية، وهو الذي قصده المصنف على ما أورده في "الوسيط" فإنه نسب استحباب التقديم إلى القديم، وكراهيته إلى الجديد، وذكر أن الجديد مؤول، وكيفما كان فليكن قوله: (أحب) معلماً بالواو مع الميم والألف.
واعلم أن تسمية أحد القولين قديماً والآخر جديداً لم أره إلا له، والكتب التي عزى النصان إليها بأسرها معدودة من الجديد.
قال الغزالي: أَمَّا العُمْرَةُ فَمِيقَاتُهَا مِيقَاتُ الحَجِّ إلاَّ فِي حَقِّ المَكِّيِّ وَالمُقِيِم بِهَا، فَإِنَّ عَلَيْهِمُ الخُرُوجِ إلَى طَرَفِ الحِلِّ وَلَوْ بِخُطْوَةِ فِي ابْتِدَاءِ الإِحْرَامِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُعْتَدَّ بِعُمْرَتهِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الحِلِّ وَالحَرَمِ، وَالحَاجُّ بِوقُوفِ عَرَفَةَ جَامِعٌ بَيْنَهُمَا، وَأَفْضَلُ البِقَاعِ لإحْرَامِ العُمْرَةِ الجُعْرَانَةُ ثُمَّ التَّنْعِيمُ ثُمَّ الحُدَيْبِيَةُ.
قال الرافعي: لما فرغ من الكلام في الميقات المكاني في الحجّ اشتغل بالكلام فيه في العمرة.
والمعتمر إما أن يكون خارج الحرم أو فيه، فإن كان خَارِجَ الحَرَمِ فموضع إحْرَامِهِ بالعمرة هُوَ موضع إحرامه بالحَجّ بلا فرق.
وإن كان في الحرم سواء كان مكياً أو مقيماً بمكة فالكلام في ميقاته الواجب، ثم في الأَفْضَل.
أما الواجب: فهو أن يخرج إلى أدنى الحِلّ ولو بخطوة من أي جانب شاء: "لَأَنَّ عَائِشَةَ -رَضِيَ الله عَنْهَا- لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَعْتَمِرَ بَعْدَ التَحَلُّلِ، أَمَرَهَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بِأَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْحَلِّ فَتُحْرِمَ" 1. فإن خالف وأحرم بها في الحَرَم، انعقد إحرامه، ثم له حالتان: إحداهما: أن لا يخرج إلى الحِلِّ، بل يطوف وَيَسْعَى وَيَحْلِق، فهل يجزئه ذلك

عن عمرته؟ فيه قولان محكيان عن نصه في "الأم".
أصحهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن إحْرَامه قد انعقد، وأتى بعده بالأعمال الواجبة، لكن يلزمه دَمُ؛ لتركه الإحْرَام من المِيقَات.
والثاني: أنه لا يجزئه ما أتى به؛ لأن العُمْرَة أحدُ النُّسُكَين، فيشترط فيه الجَمْعُ بين الحِلِّ والحَرَمِ، كما في الحج، فإن الحَاجَّ لاَ بُدَّ له من الوُقُوفِ بعرَفَة، وأنها من الحِلِّ.
التفريع: إن قلنا بالأول فلو وطئ بعد الحَلْقِ لم يلزمه شَيْءٌ، لوقوعه بعد التَّحَلُّل، وإن قلنا بالثاني فالوطء وَاقِعٌ قَبْلَ التحللُ، لكنه يعتقد كونه بعد التحلل، فهو بمثابة وَطْءِ النَّاسي، وفي كونه مفسداً قولان سيأتي ذكرهما، فإن جعلناه مفسداً فعليه المُضِي في الفَاسِد، بأن يخرج إلى الحِلّ ويعود فيطوف ويسعى ويحلق، ويلزمه القضاء وكفارة الإِفْسَاد، ويلزمه دَمٌ لِلْحَلْقِ أيضاً؛ لوقوعه قبل التحلل.
والحالة الثانية: أن يخرج إلى الحِلِّ ثم يعود فيطوف ويسعى، فيعتد بما أتى به لا مَحَالة، وهل يسقط عنه دم الإِسَاءة؟ حكى الإمام -رحمه الله- فيه طريقين: أحدهما: تخريجه على الخِلاَف المذكور في عَوْدِ من جاوز المِيقَات إليه غير محرم.
والثاني: القطع بالسقوط، فإن المُسِيئَ هو الذي ينتهي إلى الميقات على قَصْدِ النُّسُكِ، ثم يجاوزه، وهذا المعنى لم يوجد هَاهُنا، بل هو شبيه بمن أحرم قبل الميقات، وهذا هو الذي أورده الأكْثَرون، فعلى هذا الواجب هو خروجه إلى الحِلِّ قبل الأعمال، إما في ابتداء الإحرام أو بعده.
وإن قلنا: لا يسقط الدم، فالواجب هو الخروج في ابتداء الإحْرَام، وقد أشار إليه في "الوسيط" فقال: ولو بخطوة في ابتداءِ الإحرام أو دوامه على رأى، وإذا كان كذلك فَلْيُعَلَّم قوله: (في ابتداء الإحرام) بالواو، ثم قوله: (فإن لم يفعل لم يعتد بعمرته على أحد القولين)، ظاهر اللفظ يقتضي كون الاعتداد بأفعال العمرة على القولين إذا لم يخرج إلى الحِلِّ في ابتداء الإحْرَام، وليس كذلك، بل موضع القولين ما إذا لم يخرج لا في الابتداء ولا بعده، حتى أتى بالأعْمَال فَلْيُؤَوَّل.
وقوله: (لم يعتد)، معلم بالحاء لما قدمنا.
وقوله أولاً: (إلا في حق المكي والمقيم بها) لا شك أن المراد من المكي الحاضر بمكة، فلو اقتصر على قوله: (في حق المقيم بمكة) لأغناه، ودخل فيه ذلك المكِّي.

وأما الأفضل: فأحب البقاع في أطراف الحِلِّ لإحرام العمرة الْجُعْرَانَة فإن لم يتفق فمن التَّنْعِيم، فإن لم يتفق فمن الحُدَيْبِيَة، وليس النظر فيها إلى المَسَافة، ولكن المتبع سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 1 وقد نقلوا: "أَنَّهُ اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، سَنَةَ سَبْعٍ، وَمَرَّةَ عُمْرَةِ هَوَازِنَ 2 وَلَمَّا أَرَادَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنْ تُعْتَمِرَ أَمَرَ أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمنِ أَنْ يُعَمِّرَهَا مِنَ التَّنْعِيم، فَأَعْمَرَهَا مِنْهُ" 3 وصلى بالحديبية عام الحديبية، وأراد الدخول منها للعُمْرة، فَصَدَّهُ اَلمُشْرِكون عنها 4 فقدم الشافعي -رضي الله عنه- ما فعله، ثم ما أمر به، ثم ما هم به.
والجُعْرَانة على ستة فَرَاسِخ من مكة.
والحديبية كذلك، وهي بين طريق جِدَّة وطريق المدينة في منعطفٍ بين جبلين، وبها مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والتنعيم على فرسخ من مكَّة، وهو على طريق المَدِينة، وفيه مَسْجِدُ عائشة -رضي الله عنها-، هذا تمام الكلام في القسم الأول من كتاب الحَجِّ.

القِسْمُ الثَّانِي مِنَ الكِتَابِ في المَقَاصِدِ

وَفِيهِ ثَلاَثةُ أَبْوَابٍ

الْبَابُ الأَوَّلُ

قال الغزالي: فِي وُجُوهِ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ، وَهُوَ ثَلاثَةٌ: (الأَوَّلُ) الإفْرَادُ وَهُوَ أَنْ يَأْتِي بِالْحَجِّ مُفْرِداً مِنْ مِيقَاتِهِ وَبِالْعُمْرَةِ مُفْرِدَةَ مِنْ مِيقَاتِهَا.
قال الرافعي: من أحرم بنسكٍ لزمه فِعْلُ أمورٍ وتركُ أمورٍ، والنظر في الأمور المفعولة من وجهين: أحدهما: في كيفية أفعالهما.
والثاني: في كيفية أدائهما، باعتبار القرآن بينهما وعدمه، فلا جرم حصر كلام هذا القسم في ثلاثة أبواب: أولها: في وجوه أداء النُّسْكَيْنِ.
وثانيها: في صِفَةِ الحَجِّ ويتبين فيه صفة العُمْرة أيضاً.
وثالثها: في مَحْظُورات الحَجِّ والعمرة، وإنما انقسم أدعاء النسكين إلى الوجوه الثلاثة، لأنه إما أن يقرن بينهما وهو المسمى قراناً أو لا يقرن، فإما أن يقدم الحج على العُمْرَةَ وهو الإفراد، أو يقدم العمرة على الحج وهو التمتع، وفيه شروط ستظهر من بعد، فإذا تخلف بعضُها، فربما عدت الصّورة من الإفراد، والوجوه جميعاً جائزة بالاتفاق.
وقد روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَمِنَّا مَنْ أَهْلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحجِّ وَالْعَمْرَةِ" 1. وأما الأفضل منها، فإن قول الشافعي -رضي الله عنه- لا يختلف في تأخير القرآن

عن الإفراد والتمتع؛ لأن أفعال النُّسُكَيْنِ فيهما أكمل منها في القرآن.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: القرآن أَفْضَلُ مِنْهُمَا، ويحكى ذلك عن اختيار المُزَنِيّ، وابْنِ المُنْذِرِ، وأَبِي إِسْحَاقَ المَرْوَزِي؛ لما روى عن عائشة قالت: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَصْرُخُ بِهِمَا صُرَاخاً، يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجِّ وَعُمْرَةٍ" 1. لكن هذه الرواية معارضة بروايات أخر راجحة على ما سيأتي.
واختلف قوله في الإفراد والتمتع أيهما أفضل؟ قال في اختلاف الحديث: التمتع أفضل، وبه قال أحمد، وأبو حنيفة -رحمهما الله-؛ لما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَوِ اسْتَقبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدى وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً" 2. والاستدلال أنه -صلى الله عليه وسلم- تمنى تقديم العمرة، ولولا أنه أفضل لما تَمَنَّاه.
وقال في عامة كتبه: الإفراد أفضل، وهو الأصح، وبه قال مالك؛ لما روى عن جابر -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَفْرَدَ" 3 وروى مثله ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ -رضي الله عنهم 4 - ورجح الشافعي -رضي الله عنه- رواية جابر على رواية رواة القرآن والتمتع بأن جابراً أقدم صحبة وأشد عناية بضبط المَنَاسِك وأفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- من لَدُن خروجه من المدينة إلى أن تَحَلَّل.
وأما قوله: (لو اسْتَقبَلتُ مِنْ أَمْرِي" الخبر فإنما ذكر تطييباً لقلوب أصْحَابه واعتذاراً إليهم، وتمام الخبر ما روى عن جابر: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَحْرَمَ إِحْرَاماً مُبْهماً وَكَانَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ فِي اخْتِيَارِ أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فَنَزَلَ الْوَحْيُ بِأَنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلْيَجْعَلهُ حَجّاً، وَمَن لَمْ يَسُقْ فَلْيَجْعَلْهُ عُمْرَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَطَلْحَةُ قَد سَاقَا الْهَدْيَ دُونَ غَيْرِهِمَا، فَأمَرَهُمْ بِأَنْ يَجْعَلُوا إحْرَامَهُمْ عُمْرَةً، وَيتَمَتِّعُوا، وَجَعَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِحْرَامَهُ حَجّاً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهُمْ كَانُوا يعتَقدون من قبل أن العمرة في أشهر الحج من أكبر الكبائر، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك، وأظهر الرَّغْبَة في موافقتهم، لَوْ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيِ" 5 فإن الموافقة الجَالِبة للقلوب أهم بالتَّحْصِيل من فَصِيلة وقربة، واتفق الأصْحَاب عَلى القولين، على أَنَّ النَّبِيَّ

-صلى الله عليه وسلم- كَانَ مُفْرِداً عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ"، وحكى الإمام -رحمه الله- عن ابْنِ سُرَيْج أنه كان متمتعاً ونقل عن بعض التصانيف شيئاً آخر في الفصْلِ واستبعده وهو أن الإفراد مُقَدَّمٌ على القرَان والتمتع جَزْماً، والقولان في التمتع والقران أيّهما أفضل؟ واعلم أن تقديم الإفراد على التمتع والقران مَشْرُوط بأن يعتمر في تلك السنة.
أما لو أخر فكل واحد من التمتع والقران أَفْضَل منه؛ لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه.
وقوله في الكتاب: (وهو أن يأتي بالحجِّ مفرداً من ميقاته وبالعمرة مفردة من ميقاتها)، أراد من ميقاتها في حَقِّ الحَاضِرِ بمكة، ولا يلزمه العَوْدُ إلى ميقاتِ بلدِهِ، وفيما علق عن الشَّيْخ أَبِي مُحَمَّدٍ أن أبا حَنِيفَةَ -رحمه الله- يأمره بالعود ويوجب دَمَ الإِسَاءَةِ إن لم يَعُدْ، -والله أعلم-.
ثم الإفراد لا ينحصر في الصورة بل يلتحق بها من صور تختلف شروط التمتع صوراً سينتهي إليها.
قال الغزالي: (الثَّانِي) القِرَان وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعاً فَيَتّضحِدَ المِيقَاتُ وَالفِعْلُ (ح) وَتَنْدَرجَ العُمْرَةُ تَحْتَ الحَجِّ، وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ الحَجَّ عَلَيْهِ قَبْلَ الطَّوَافِ كَانَ قَارِناً، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَغَا إدْخَالهُ، وَلَوْ أَدْخَلَ العُمْرَةَ عَلَى الحَجِّ لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَتَغَيَّرُ الإحْرَامُ بَعْدَ انْعِقَادِهِ.
قال الرافعي: الصورة الأصْلِيَّة للقران أن يحرم بالحَجِّ والعمرة معاً، فتندرج العمرةُ تحت الحَجِّ، ويتحد الميقاتُ والفِعْل، ويجوز أن يعلم قوله: (والفعل) بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- يأتي بطوافيين وسعيين أحدهما لِلْحَجِّ والآخر للعُمْرَة.
لنا: ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة -رضي الله عنها-: "وَطَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَسَعْيُكِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، يَكْفِيكِ لِحَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ" 1 وأيضاً فقد سلم الاكتفاء بإحرام وَاحِدٍ، وحلقِ وَاحِدٍ، فنقيس السَّعي والطَّواف عليهما، ثم في الفَصْلِ مسألتان: إحداهما: لو أحرم بالعُمْرَة أولاً ثم أدخل عليها الحَجِّ نظر إن أدخله عليها في غير أشهر الحج، لفي ولم يتغير إحرامه بالعمرة، وإن أَدْخَلَه عليها في أَشْهُر الحَجِّ نظر إن أحرم بالعمرة في غير أشْهُر الحَجِّ، فهذه الصورة قد ذكرها في الكتاب في أول البَابِ الثَّاني، وستجدها عند الوُصُولِ إليها مشروحة -إن شاء الله تَعَالى-.

"وإن أحرم بالعُمْرَة في أُشْهُر الحَجِّ، وأدخل عليها الحَجَّ في أشهره، وهو المقصود في هذا المَوْضِع، فينظر إن لم يشرع في الطَّوَاف جَازَ وصار قَارناً؛ لأَنَّ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَحْرَمَتْ بالْعُمْرَةِ لِمَّا خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَحَاضَتْ وَلَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تَطُوفَ لِلْعُمْرَةِ، وَخَافَتْ فَوَاتَ الْحجِّ لَوْ أَخّضرَتهُ إِلَى أَنْ تَطْهُرَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: مَا لَكِ أَنُفِسَتِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: ذَلِكَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، أُهِلِّي بِالْحجِّ وَاصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَلاَّ تَطُوفِي بالُبَيْتِ وَطَوَافُكِ يَكْفَيكِ لِحَجَّكِ وَعُمْرَتِكِ" 1 فأمرها -صلى الله عليه وسلم- بإدخال الحَجِّ على العمرة؛ لتصير قارنةٌ حتى لا يفوتها الحَجُّ، فإذا طهرت طَافَتْ للنسكَيْنِ معاً وإن شرع في الطَّواف أو أتمه لم يجز إدْخَالُ الحَجِّ عليها ولم لا يجوز؟ ذكروا في تعليله أربعة معان: أحدها: أنه اشتغل بعمَلٍ من أعْمَالِ العُمْرَة، واتصل الإحرام بمقصوده، فيقع ذلك العملُ عن العمرةِ، ولا ينصرف بعده إلى القُرَان.
والثاني: أنه أتى بفَرْضٍ من فُروضِ العُمْرَة، فإن الفرائض هِيَ المعينة، وما عداها لاَ يَضُرُّ انْصرافِها إلَى القران.
والثالث: أنه أتى بمعظم أفعال العُمْرة، فإن الطَّواف هو المعظم في العُمْرةَ، فإذا وقع عن العمرة لم ينصرف إلى غَيْرِهَا.
والرابع: أنه آخذ في التحلل في العُمْرَةِ، وحينئذ لاَ يَلِيقُ به إدخالُ إحرامٍ عليه؛ لأنه يقتضي قوة الإحرام وكماله، والمتحلل جَارٍ في نقصان الإحْرَام، وشبه الشيخ أبُو عَلِيٍّ ذلك بما لو ارتدت الرَّجْعِيَّةُ فراجَعَهَا الزَّوج في الرِّدَّة، فإن الشَّافعي -رضي الله عنه - نُصَّ على أنه لا يجوز؛ لأن الرجعة استباحة فلا تصح، والمرأة جارية إلى تَحْرِيمٍ، وهذا المعنى الرابع هو الذي أورده أَبُو بَكْرٍ الفَارِسِيّ في "العيون" وحيث جوّزنا إدخالَ الحَجِّ على العُمْرَة، فذلك إذا كانت الْعُمَرةُ صحيحةً، فإن أفسدها ثم أدخل عليها الحَجِّ ففيه خلافٌ سَنُورِدُهُ من بعد إن شاء الله تعالى.
المسألة الثانية: لو أحرم بالحَجِّ في وقته أولاً ثم أدخل عليه العمرة ففي جوازه قولان: القديم: وبه قال أبوحنيفة: أنه يجوز، كما يجوز إدخال الحَجِّ على العمرة، والجامع أنهما نسكان يجوز الجَمْعُ بينهما.
والجديد: وبه قال أحمد -رحمه الله-: أنه لا يجوز؛ لأن الحَجِّ أقوى وآكِدٌ من

العُمْرَة، لاختصاصه بالوقُوف والرَّمْي والمَبِيت، والضعيف لا يَدْخُلُ عَلَى القَويِّ وإن كان القويُّ يدخل على الضَّعِيف، ألا ترى أن فرَاش ملك النكاح لما كان أقوى من فراش مَلْك اليمين لاختصاصه بإفادة قوة حقوق نحو الطَّلاق، والظِّهار، والإِيلاَءِ، والمِيرَاث، لم يجز إدخال فراش ملك اليمين على فراش مِلْك النِّكَاحِ، حتى لو اشترى أختَ منكوحته لم يجز له وَطْؤُها، ويجوز إدخال فراش النكاحُ على فراش مِلْكِ اليمين، حتى لو نكح أختُ أمَتِهِ، أو أخت أُمِّ وَلَدِهِ حَلَّ له وطؤها، وأيضاً فإنه إذا أدخل الحَجِّ على العمرة زاد بإدخاله أشياءَ لم تكن عَلَيْهِ، وإذا أدخل العُمْرَة على الحَجِّ، لم يزد شيئاً على ما عليه، فلو جوزناه لأسقطنا العُمْرَة عنه بالدَّمِ وحده، وذلك مما لا وجه له، وإلى هذا المعنى أشار في الكتاب بقوله: (لأنه لم يتغير الإحرامُ به بعد انعقاده) فإن لم نجوز إدخال العمرة على الحَجِّ فذاك، وإن جوزناه فإلى متى تجوز؟ فيه وجوه مفرعة على المعاني الأربعة في المسألة السابقة: أحدها: أنه يجوز قَبْلَ طوافِ القُدُومِ، ولا يجوز بعد اشتغاله به؛ لإتيانه بَعَمَلٍ من أعمالِ الحَجِّ، وذكر في "التهذيب" أن هذا أصَح.
والثاني: ويحكى عن الخضري: أنه يجوز بعد طَوَافِ القُدومِ مَا لَمْ يَسْع، وما لم يَأْتِ بفرضٍ من فُروضِ الحَجِّ، فإن اشتغل بشيء منها فَلاَ.
والثالث: يجوز، وإن اشتغل بِفَرْضٍ ما لم يقف بعرفة، فإذا وَقَفَ فَلاَ، لأنه مُعْظَمُ أعمالِ الحَجِّ، وعلى هذا لو كان قد سَعَى فعليه إعادة السَّعي ليقع عن التسكين جميعاً، كذا قاله الشَّيْخُ في معظم الفروع.
والرابع: يجوز وإن وقف ما لم يشتغل بِشَيْءٍ من أسباب التحلل من الرَّمْي وَغَيْرِه، فإن اشتغل فَلاَ، وعلى هذا لو كان قد سعى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وجوبُ إِعَادَتِهِ، وحكى الإمام فيه وجهين، وقال: المذهب أنه لا يجب، ويجب على القارن دَمٌ؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أَهْدَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ أَزْوَاجِهِ بَقَرَةً وَنَحْنُ قَارِنَاتٌ" 1 ولأن: الدم واجب على المتمتع بِنَصِّ القُران، وأفعال المتمتع أكثر من أفعال القَارِن، فإذا وجب عليه الدم فلأن يجب على القارن كَانَ أولى، وصفةٌ دَم القَرَانِ كَصِفَةِ دَمِ التَّمَتُّعِ، وكذا بدله، وعن مالكٍ أن على القارن بدنة، وحكى الحنَّاطِيُّ عن القديم مثله.
لنا أن المتمتع أكثر ترفيهاً، لاستمتاعه بمحظورات الإحْرَام بين النسكين، فإذا اكتفى منه بشاة فلأن يكتفي بها من القارن كان أولى، -والله أعلم-.

قال الغزالي: الثَّالِثُ: التَّمَتّعُ وَهُوَ أَنْ يُفْرِدَ العُمْرَةَ ثمَّ الْحَجَّ وَلَكِن يَتَّحِدُ المِيقَاتُ إِذَا تَحَرَّمَ بالحَجِّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ، وَلَهُ سِتَّةُ شُرُوطٍ: الأَوَّلُ أَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ فإِنْ الحَاضِرَ مِيقَاتُهُ نَفْسُ مَكَّة فلاَ يَكُونُ قَدْ رَبِحَ مِيقَاتًا، وَكُلُّ مَنْ مَسْكنُهُ دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ حَوَالَيْ مَكَّةَ فَهُوَ مِنَ الحَاضِرِينَ، وَالآفَّاقِيُّ إِذَا جَاوَزَ المِيقَاتِ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسكْاً فكمَا دَخَلَ مَكَّة اعْتَمَر ثُمَّ حَجَّ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتعاً إِذْ صَارَ مِنَ الحَاضِرِينَ، إذْ لَيْسَ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَصْدُ الإِقَامَة، الثَّاني أَنْ يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ في أَشْهُرِ الحَجِّ فَلَوْ تَقَدَّمَ تَحَلَّلَهَا لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعاً إِذْ لَمْ يَزْحَم الحَجِّ بالعُمْرَةِ في مظَنَتِهِ، وَلَو تَقَدَّمَ إِحْرَامُهَا دُونَ التَّحَلُّلِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، فإذَا لَمْ يَكُن مُتَمَتِّعاً فَفِي لُزُومِ دَمِ الإسَاءَة لِأَجْلِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بالحَجِّ مِنْ مَكَّة لاَ مِن المِيقَاتِ وَجْهَانِ، الثَّالِثُ: أَنْ يَقَعَ الحَجُّ وَالعُمْرَةُ في سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، الرَّابعُ: أَنْ لاَ يَعُودَ إلَى مِيقَاتِ الحَجِّ فَلَوْ عَادَ إِلَيْهِ أَوْ إلَى مِثْلِ مَسَافَتِهِ كَانَ مُفْرِدًا، وَلَوْ عَادَ إلَى مِيقَاتٍ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ ذَلِكَ المِيقَاتِ فَوَجْهَانِ، الخامِسُ: أَنْ يَقَعَ النُّسُكَانِ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَلَوِ اعْتَمَرَ عَنْ نَفسِهِ ثُمَّ حَجَّ عَنِ المُسْتَأْجِرِ فَلاَ يُمْنَعُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهِيْنِ، السَّادِسُ: نِيَّةُ التَّمَتُّع عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ تَشْبِيهًا لَهُ بالجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتيْنِ، والأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ كمَّا في القِرَانِ.
قال الرافعي: التمتع هو أن يحرم بالعمرة من ميقاتِ بَلَدِهِ، وَيدْخُلُ مكة ويأتي بأعمالِ العُمْرَة، ثم ينشئ الحَجَّ من مكة، وسمي تمتعاً لاستمتاعه بمحضورات الإحرام بينهما، أو تمكنه من الاستمتاع لحصول التحلل.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- إن كان قد سَاقَ الهَدْيَ لم يتحلل بفراغه من العُمْرةَ، بل يحرم بالحج فإذا فرغ منه حَلَّ منهما جميعاً، وإن لم يَسُق الهَدْى تحلل عند فراغِهِ من العُمْرةَ.
لنا أنه متمتع ما أكمل أفعال عمرته فأشبه، ما إذا لَمْ يُسُقِ الهَدْيَ.
وقوله: (أن يفرد العمرة ثم الحج) فيه إشارة إلى أن أفعالهما لا تتداخل، بل يأتي بهما على الكَمَالِ، بخلاف ما في القَرَان.
وقوله: (لكن يتحد الميقات إذ يحرم بالحج من جوف مَكَّة)، معناه: إنه يالتمتع من العُمْرَة إلى الحج يربح ميقاتاً، لأنه لَوْ أحرم من ميقات بَلَدِهِ لكان يحتاج بعد فراغه من الحَجِّ إلى أن يخرج من أدنى الحلِّ، فيحرم بالعُمْرَة منه، وإذا تمتع استغنى عن الخُروج؛ لأنه يُحْرِمُ بالحجِّ من جَوْفِ مَكَّةَ، فكان رابحاً أحد الميقاتين.
ويجب على المتمتع دَمٌ، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.

وإنما تجب بشروط: أحدها: ألا يكون من حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَام قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ 1 والمعنى فيه: أن الحاضر بمكة ميقاته لِلْحَجِّ نفس مكة، فلا يكون بصورة التمتع رابحاً ميقاتاً، وكل من مسكنه دون مسافة القصر فهو من حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَام، فإن زادت المسافة فَلاَ، وبه قال أحمد، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- حاضرو المَسْجِدَ أَهْلُ المَوَاقِيتِ والحَرَمِ وما بينهما.
وقال مالك: هم أهْلُ مَكَّة وذي طُوَى، وربما روي عنه أنهم أهل الحَرَمِ.
لنا أن من قرب من الشَّيْءِ ودنا منه كان حاضراً إيَّاه، يقال: حضر فلانٌ فلاناً إذا دنا منه، ومن كان مسكنه دون مسافة القصر فهو قريب نازل منزلة المقيم في نفس مَكَّة، ولهذا لا يجوز للخارج إليه الترخص بالفِطْرِ والقَصْرِ ونحوهما، على أن في مذهب أبي حنيفة بُعْداً فإنه يؤدي إلى إخْرَاج القَرِيب من الحَاضِرِين، وإدخال البعيد فيهم؛ لتفاوت مسَافَاتِ المَوَاقِيت، ثم المسافة التي ذكَرْناها مَرْعِيَّةٌ مِنْ نَفْسِ مَكَّة أو من الحرم؟ حكى إبْرَاهِيمُ المرووزي فيه وجهين: والثاني هو الدائر في عبارات أصحابنا العراقيين، ويَدُلُّ عليه أن المَسْجِدَ الحرام عبارة عن جَمِيع الحَرَمِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ 2 ولو كان له مسَكنان: أحدهما: في حد القُرْب من الحرم والآخر في حَدِّ البُعْدِ، فإن كان مقامه بالبعيد أكثر فهو آفاقي، وإن كان بالقرَيب أكثر فهو من الحَاضِرِين، وإن استوى مقامه بهما نظر إلى ماله وأهله فإن اختص بأحدهما أو كان في أحدهما أكثر فالحكم له، وإن استويا في ذلك أيضاً اعتبر حاله بِعَزْمِهِ، فأيهما عزم على الرُّجُوعِ إليه فَهُوَ من أهْلِهِ، فإن لم يكن لَهُ عَزْمٌ فالاعتبار بالذي خرج منه.
ولو استوطن غريب بمكة فهو من الحاضرين، ولو استوطن مَكِيُّ بالعِرَاقِ فليس له حُكْمُ الحَاضِرِين، والاعتبار بما آل إليه الأمْرُ.
ولو قصد الغريب مكة ودخلها متمتعاً ناوياً الإقامة بها بعد الفراغ من النسكين، أو مِنَ العُمْرَةِ أو نوى الإقامة بها بعد ما اعتمر لم يكن من الحَاضِرِين، وَلم يسقط عنه دَمُ التمتعَ فَإِنَّ الإقامة لا تحصل بمجرد النِّية، وذكر حجة الإسلام -رحمه الله- في هذا الشَّرْطِ صورة هي من مواضع التوقف، ولم أجدها لِغَيْرِهِ بَعْدَ البَحْثِ، وهي أنه قال: (والآفاقي إذا جاوز الميقات غير مريد نسكاً فلما دخل مكة اعتمر ثم حج لم يكن متمتعاً إذ صار من الحَاضِرين، إذ ليس يشترط فيه قَصْدُ الإقامة) وهذه الصورة متعلقة أولاً

بالخلاف في أن من قَصَدَ مكةَ هل يلزمه الإِحْرَام بِحَجٍّ أو عمرة أم لا؟ ثم ما ذكره من عدم اشتراط الإقامة مما تنازع فيه كلام عامة الأصحاب ونقلهم عن نَصِّه في "الإملاء" والقديم، فإنه ظَاهِرٌ في اعتبار الإقامة بل في اعتبار الاستيطان، -والله أعلم-.
وفي "النهاية" و"الوسيط" حكاية وجهين: في سورة تُدَانِي هذه وهي أنه: لو جاوز الغَرِيبُ الميقاتَ وهو لا يريدُ نسكًا ولا دخولَ الحَرَمِ، ثم بَدَا له قريباَ من مَكَّة أن يَعْتَمِرَ فاعتمر منه وحَجَّ بعدها على سورة التمتع هل يلزمه الدَّم.
أحد الوجهين: أنه لا يلزمه؛ لأنه لم يلتزم الإحْرَامَ وهو على مسافة بعيدة، وحين خطر له ذلك كان على مَسَافة الحَاضِرِين.
وأصحهما: يلزم؛ لأنه وجد صورة التمتع وهو غير معدود من الحَاضِرِين، فذكر في "الوسيط" في توجيه هذا الوجه أن اسم الحاضرين لا يتناوله إلا إذا كان في نفس مكة أو كان متوطناً حَوْلَهَا، فلم يعتبر التوطن فيمن هو بمكة واعتبره فيمن هو حَوَاليها، والنفس لا تنقاد لِهَذا الفَرْق، ثم كما لا يَجِب الدَّمُ على المَكِّي إذا أتى بصورة التمتع لا يجب عليه إذا قَرَن وبأن الأصل دَم التمتع المنصوص عليه في الكتاب، فإذا لم يجب ذلك على المَكِّي لم يجب دم القَرَان، وروى الحَنَّاطِيُّ وجهاً أن عليه دَمُ القَرَانِ، ويشبه أن يكون هذا الاختلاف مبنياً على وجهين نقلهما صاحب "العدة" في أن دَمُ القَرَانِ دَمُ جَبْرٍ أَوْ دَمُ نُسُكٍ، والمشهور أنه دَمُ جَبْرٍ، وهل يجب على المَكِّي إذا قَرَن إِنْشَاءُ الإحْرَامِ من أدنى الحِل كما لو أفرد العمرة أم يجوز أن يحرم من جوف مَكَّة إدراجاً للعمرةَ تحت الحج؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني: ويجريان في الافاقي إذا كان بمكة وأراد القرآن.
الشرط الثاني: أن يحرم بالعمرة في أَشْهُرِ الحَجِّ فلو أحرم وَفَرَعَ مِنْ أَعْمَالِهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ ثم حج لم يلزمه الدم؛ لأنه يجمع بين الحَجِّ والعمرة في وَقْتِ الحَجِّ، فأشبه المفرد لمَّا لَمْ يجمع بينهما لم يلزمه دم، وقد ذَكَرَ الأئمة أن دَمَ التَّمَتُّعِ مَنُوطٌ مِنْ جهة المعنى بأمرين: أحدهما: ربح ميقات كَمَا سَبَقَ.
والثاني: وقوع العُمْرةَ في أَشْهُرِ الحَجِّ، وكانوا لا يزحمون الحَجِّ بالعُمْرَةِ في مظنته ووقت إمكانه، ويستنكرون ذلك، فورد التمتع رخصةٍ وتخفيفاً، إذ الغريب قد يرد قبل عَرَفَةَ بأيام ويشق عليه استدامة الإحرام لو أحرم من الميقات، ولا سبيل إلى مجاوزته، فجوز له أن يعتمر ويتحلل.
ولو أحرم بها قبل أشْهُرِ الحَجِّ، وأتى بجميع أفْعَالِهَا في أشْهُرِهِ، ففيه قولان:

أحدهما: يلزمُه الدَّمُ، قال في القديم "والإملاء": لأنه حصلت المُزَاحمة في الأفعال وهي المقصودة والإحرام كالتمهيد لها.
وأصحهما: لا يلزمه قاله في "الأم" وبه قاله أحمد -رحمه الله- بأنه لم يجمع بين النسكين في أَشْهُرِ الحَجِّ؛ لتقدم أحَدِ أركانِ العُمْرَةِ عَلَيْهَا، وعن.
ابنِ سُرَيْجٍ -رحمه الله- أن النصين محمولان على حالين، وليست المسألة على قولين، إن أقام بالميقات بعد إحرامه بالعمرة حتى دخل أشهر الحج أو عاد إليه مُحْرِماً بها في الأشهر لَزِمَهُ الدَّمُ، وإن جاوزه قَبْلَ الأشهر ولم يعد إليه لم يلزمه، والفرق حصوله بالميقاتِ محرماً في الأَشْهُرِ مع التمكن من الإحْرَام بالحَجِّ، وإن سبق الأحرامُ مَع بعضِ الأعمال أشهر الحج فالخلاف فيه مُرَتَّبٌ، إن لم نوجب الدم إذا سَبَقَ الإحرامُ وحده فهاهنا أولى.
أوجبناه فوجهان، والظاهر: أنه لا يَجِب أيضاً.
وعن مالك -رحمه الله- أنه مهما حَصَل التحلل في أشهر الحَجِّ وجب الدم، وعند أبي حنيفة إذا أتى بأكثر أَفْعَالِ العُمْرَة في الأَشْهُرِ كان متمتعاً، وإذا لم نوجب دم التمتع في هذه الصورة، ففي وجوب دم الإسَاءة وجهان: أحدهما: يجب، وبه قال الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ -رحمه الله- لأنه أحرم بالحج من مَكَّة دون الميقات.
وأصحهما: لا يجب؛ لأن المسيء من ينتهي إلى الميقات على قَصْد النُّسك، ويجاوزه غير محرم، وهاهنا قد أحرم بنسك وحافظ على حرمة البقعة.
وقوله في الكتاب: (ولو تقدم إِحْرَامُهَا دون التحلل) يمكن تنزيله على تقدم مجرد الإحرام.
وقوله: (دون التحلل) أي: دون الأعمال إذ التحلل بها يحصل، ويمكن تنزيله على ما تشترك فيه هذه الصّورة وصورة تقدُّمِ بَعْضِ الأعمال، وعلى التقديرين فتفسير الخلاف الذي أبهمه بين ما ذكرنا والإمام -رحمه الله- أورد بدل القولين وجهين، وهو خلاف رواية الجمهور.
ويجوز إعلام لفظ (الخلاف) بالواو لما مَرَّ عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
الثالث: أن يقع الحَجُّ والعمرةُ في سَنَةٍ واحدة، فلو اعتمر ثم حج في السنة القابلة فلا دم عليه، سواء أقام بمكة إلى أن حَجَّ؛ أو رجع وعاد؛ لأن الدم إِنَّمَا يَجِب إِذَا زاحم بالعُمْرَةِ حُجَّتَهُ في وَقْتِها، وترك الإحرام بحجته من الميقات مع حصوله بها في وقت الإمكان ولم يوجد وقد روي عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ قال: "كَانَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَعْتَمِرُونَ فِي أَشْهُرِ الْحَجّ فَإذَا لَمْ يَحُجُّوا فِي عَامِهِمْ ذَلكَ لَمْ يُهْدُوا" 1.

ويمكن رد هذا الشرط والشرط الثاني إلى شَيْءٍ وَاحِدٍ وهو وقوع العمرة في أشهر الحَجِّ التي حَجَّ فيها.
والرابع: ألا يعود إلى الميقات كما إذا أحرم بالحَجِّ من جَوْفِ مَكَّة واستمر عليه، فإن عاد إلى ميقاته الذي أنشأ العمرة منه وأحرم بالحَجِّ فلا دم عليه؛ لأنه لم يَرْبَح مِيقاتاً، ولو رجع إلى مثل مَسَافَةِ ذَلِكَ المِيقَاتِ وأحرم منه فكذلك لا دم عليه؛ لأن المقصودَ قَطْعُ تِلْكَ المَسَافَة مُحْرماً.
ذكره الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُه، ولو أحرم من جَوْفِ مَكَّة ثم عَادَ إِلَى الميقات مُحْرِماً ففي سقوط الدَّمِ مِثلِ الخِلاَفِ المَذْكُورِ فيما إذا جاوز الميقات غير محرم وعاد إليه مُحْرِما، ولو عاد إلى مِيقَاتٍ أقرب إلى مكَّة من ذلك الميقات وأحرم منه كما إذا كان ميقاته الجُحْفَةَ فعاد إلى ذَاتِ عِرْقٍ، فهل هو كالعَوْدِ إلى ذلك الميقات؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، وعليه الدَّم، إذ لم يَعُدْ إلى ميقاته، ولا إلى مثل مسافته.
والثاني: نعم؛ لأنه أَحْرَم مِنْ مَوْضِع ليس ساكنوه من حَاضِري المَسْجِدِ الحَرَامِ، وهذا هو المَحْكِيّ عن اخْتِيَارِ القَفَّالِ والمعتبرين، أبدوه بأن دم التمتع خارج عن القِيَاس لإحيائه كل ميقات بُنُسُكٍ فإذا أحرم بالحَجِّ من مسافة القَصْرِ بطل تمتعه وترفهه، فلا يقدح إيجابُ الدَّمِ عليه بِحَالٍ، ولو دخل القارنُ مَكَّةَ قبل يَوْمِ عرفة ثم عاد إلى المِيقَات للحَجِّ هَل يَلْزَمُهُ الدَّمُ؟ ذكر الإمام -رحمه الله- أنه مرتب على المتمتع إذا أحرم ثم عاد إليه إن لم يَسْقُط الدم ثُمَّ فهاهنا أولى، وإن أسقطنا فوجهان، والفرق أن اسم القَرَانِ لا يزول بالعود إلى الميقات بخلاف التمتع.
قال الحَنَّاطِيُّ: والأصح أنه لا يَجِب أيضاً، وقد نَصَّ على في "الإملاء".
وقوله في الكتاب: (أن لا يعود إلى ميقات الحج) أراد إلى الميقات لِلْحَجِّ، وإلا فلا يحسن حَمْلُه على مُطْلَقِ الحَجِّ فإن المواقيتَ لا اخْتِصَاصَ لها، بالحَجِّ، بل هي للنسكين سَوَاء، ولا على حجة خاصة فإنه ميقات عمرة المتمتع لا ميقات حجة.
وقوله: (كان مُفْرِداً) معلم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يكون مفرداً، ولا يسقط عنه دم التمتع حتى يعود إلى بلده ويلم بأهله.
الخامس: اختلفوا في أنه هَلْ يشترط وقوع النسكين عن شَخْصٍ واحدٍ أم لا؟ فعن الخُضَرِي: أنه يشترط كما يشترط وقوعهما في سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وقال الجُمْهُورُ: لا يشترط لأن زحمة الحَجِّ وترك الميقات لا يختلف.
إذا عرفت ذلك فهذا الأمر المختلف في اشتراطه يفرض فواته في ثلاثِ صُوَر: أحدها: أن يكون أجيراً مِنْ قِبَلِ شَخْصَيْنِ استأجره أحدهما للحَجِّ والآخر للعمرة.

والثانية: أن يكون أجيراً للعمرة فيعتمر للمستأجر ثم يَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ.
والثالثة: أن يكون أجيراً للحجِّ فيعتمر لنفسه، ثم يحج عن المستأجر، وهذه الثلاثة هي التي أوردها في الكتاب، وقد ذكرها في صَدْرِ الحَالَةِ الثانية من أحوالِ الأَجِيرِ قبل هذا البيان حكمها فيما يتعلق باحتساب المسافة وحَطِّ الأجرة.
فإن قلنا بمذهب الجمهور فقد ذكروا أن نِصْفَ دَمِ التمتع على من يقع له الحَجِّ، ونصفه على من تقع له العُمْرَة، وليس هذا الكلام على هذا الإِطْلاَق، بل هو محمول على تَفْصِيل ذكره صاحب "التهذيب" -رحمه الله-.
أما في الصورة الأولى فقد قال: إن أذنا في التمتع فالدم عليهما نِصْفَان، وإن لم يأذنا فَهُوَ على الأَجِير، وعلى قياسه إن أذن أحدهما دُونَ الآخر، فالنِّصْفُ على الآذن والنصف على الأَجِيرِ، وأما في الصورتين الآخرتين فقد قال: إن أذن له المستأجر في التمتع بالدَّمِ عليهما نصفان، إلا فَالْكُلُّ على الأَجِيرِ ولننتبه هَاهُنَا لِأُمُورٍ: أحدها: إيجاب الدَّمِ على المُسْتَأْجِرَيْنِ أو أحدهما، مفرع على الأَصَحِّ في أن دَمَ القَرَانِ والتمتع على المُسْتَأجر، وإلا فهو على الأجير بكل حالٍ.
الثاني: إذا لم يأذن المستأجِرَيْنِ أو أحدهما في الصورة الأولى، أو المستأجر في الصورة الثالثة وكان ميقات البلدِ معيناً في الإجازة أو نزلنا المطلق عليه، فلزمه مع دم التمتع دَمُ الإِسَاءَةِ لمن جاوز ميقات نسكه.
والثالث: إذا أوجبنا الدَّمَ على المُسْتَأجِرَيْنِ، فلو كانا مُعْسِرَيْنِ فعلى كُلُّ وَاحِدٍ منهما خَمْسَةُ أَيَّامٍ، لكن صوم التمتع بعضه في الحَجِّ وبعضه بعد الرُّجوع، وهما لم يباشرَا حَجاً، فعلى قياس ما ذكره صاحب "التهذيب" تفريعاً على قولنا: إن دم القَرَان والتمتع على المُسْتَأجِرِ يكون الصَّوْمُ على الأَجِيرِ، على قياس ما ذكره صَاحِب "التتمة" ثم هو كما لو عجز المتمتع عن الصَّوْمِ والهَدْي جميعاً، ويجوز أن يكون الحكم على ما سيأتي في التمتع إذا لم يصم في الحج كيف يقضي؟ فإذا أوجبنا التفريق أَفْضَى تفريق الخمسة بنسبة الثلاثة والسَّبْعَة إلى تبعيض القسمين فيكملان ويصوم كل واحد منهما ستة أيام، وقِسْ على هذا ما أوجبنا الدم في الصورتين الآخيرتين على الأجير والمُسْتَأْجِرِ، وإن فرعنا على الوجه المعزى إلى الخُضَرِي فإذا اعتمر عن المستأجر ثم حج عن نفسه ففي كونه مسيئاً الخلافُ الَّذِي مَرَّ فيهما إذا اعتمر قبل أشْهُرِ الحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مكة، لكن الأصح هَاهُنَا أنه مُسِيئٌ لإمكان الإحْرَامِ بالحَجِّ حِينَ حَضَرَ المِيقَات.
قال الإمام: فإن لم يلزمه الدَّم، ففوات هذا الشرط لا يؤثر إلا في فوات فَضِيلَةِ التمتع على قولنا: أنه أفضل من الإفراد، وإن ألزمناه الدَّم فله أثران، هذا أحدهما:

والثاني: أن المتمتع لا يجب عليه العود إلى الميقات، وإذا عاد وأحرم منه سقط عنه الدَّمُ بِلاَ خِلاَف، والمسيء يلزمه العَوْدُ ففي سقوط الدم عنه خلاف، وأيضاً فإن الدَّمين يتفاوتان في البدل.
السادس: في اشتراط نية التمتع وجهان: أصحهما: لا يشترط كما لا تشترط نية القران، وهذا لأن الدَّمَ مَنُوطٌ بِزَحْمَةِ الحَجِّ، وَرِبْحِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وذلك لا يختلف بالنية وعَدَمِهَا.
والثاني: يشترط لأنه جمع بين عبادتين في وقت إِحْدَاهُما، فأشبه الجمع بين الصَّلاتَيْنِ، لكن الفرق ظَاهِر، فإن أشْهُرَ الحَجِّ كما هي وقت الحَجِّ فهي وقت العمرة بخلاف وقت الصَّلاة، فإن قلنا باشتراطها ففي وقتها ثلاثة أوجه مأخوذة من الخِلاَف في وقت نية الجَمْعّة بَيْنَ الصلاتين: أحدها: أن وقتها حالة الإحرام بالعُمْرَة.
والثاني: ما لم يفرغ من العُمْرَة.
والثالث: ما لم يشرع في الحَجِّ.
قال الإمام -رحمه الله- واعتبار ما نحن فيه بنية الجمع بين الصَّلاتين في نِهَايَةِ الضَّعْفِ، لكن لو قيل: إنما يلزم الدَّم إذا كان على قَصْدِ الحَجِّ عند الانتهاء إلى الميقات وأتى بالعمرة فإنه قَدِم أدنى النسكين من أطول المِيقَاتَيْن، أما إذا لم يكن على قصد الحَجِّ أو كان على قَصْدِ الاقتصار على العُمْرة ثم اتفق الحَجِّ فلا دم عليه قياساً على من جاوز الميقات، لا على قصد النّسك، لكان هذا قريباً من مأخذ المناسك، -والله أعلم-.
فهذا شَرْح الشُّروط المذكورة في الكتاب وورائها شرطان: أحدهما: أن يحرَم بالعمرة مِنَ المِيقَاتِ، فلو جاوزه مريداً للنسك ثم أحرم بها فالمنقول عن نصه أنه ليسَ عليه دَمُ التَّمتُّعِ، ولكن يلزمه دَمُ الإِسَاءَةِ، وقد أخذ بإطلاقه آخذون، وقال الأكثرون: هذا إذا كان الباقي بينه وبين مكَّة دون مسافة القصر فإن بقيت مسافه القصر، فعليه الدَّمانِ مَعًا.
والثاني: حكى ابْنُ خَيْرَانَ اشتراط وقوع النسكين في شهرٍ واحد، وأباه عامة الأصحاب.
واعلم أن الشروط المذكورة معتبرة في لزوم الدَّمِ لا محالة على ما فيها من الوِفَاقِ والخلاف، وهل هي معتبرة في نفس التمتع؟ منهم: من يطلق اعتبارها بعينها، حتى إذا انخرم شَرْطٌ مِنَ كانت الصورةُ صورةَ الإفْرَادِ، وعلى هذا قال في مَوَاضِعَ من الفَصْل: لم يكن متمتعاً، وهو ظاهر قوله في

أوله: (وله ستة شروط) ومنهم من لا يعتبرها في نفس التمتع وهذا أشهر، ولذلك رسموا صِحَّةَ التمتع من المَكِّي مسألة خلافية، فقالوا: يَصِحَّ عِنْدَنَا التمتع والقران من المَكِّي، وبه قال مالك -رحمه الله-.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يَصِح منه قران ولا تمتع، وإذا أحرم بهما ارتفضت عمرته، وإن أحرم بالحَجِّ بعدما أتى بِشَوْطٍ من الطواف للعمرة ارتفض حَجّه في قول أبي حنيفة، وعمرته في قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله-، وإن أحرم به بعدما أتى بأكثر الطواف مضى فيهما وأراق دماً.
قال الغزالي: وَإِذَا وُجِدَتِ الشَّرَاِئطُ فَمَكَّةُ مِيقَاتُ المُتَمَتِّعِ كَمَا أَنَّها مِيقَاتُ المَكْيِّ، فَلَوْ جَاوَزَهَا فِي الإِحْرَامِ لَزِمَهُ دَمُ الإسَاءَةِ مَعَ عَدَمِ التَّمَتُّعِ.
قال الرافعي: إذا اعتمر ولم يرد العود إلى الميقات فعليه أن يحرم من مَكَّة "أمَرَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَصْحَابَهُ رَضِي اللهُ عَنْهُمْ أن يُحْرَمُوا مِنْ مَكَّةَ، وَكَانُوا مُتَمَتِعينِ" 1 وهي في حَقه كهي في حق المَكي، والكلام في الموضع الذي هو أولى لإحرامه، وفيما إذا خالف وأحرم خَارجَ مكة، إما في حد الحرم أو بعد مجاوزته إذ لم يعد إلى الميقات ولا إلى مساقته على ما ذكرنا في المكي، وإذا اقتضى الحال وجوب دم الإساءة لزم مضموماً إلى دَمَ التَّمتع.
واعترض صَاحِبُ الشَّامِلِ عليه فقال: دم التَّمَتُّعِ لا يجب إلا لِتَرْكِ المِيقَاتِ، فكيف يجب لذلك دم آخر.
أجابوا عنه: بأنا لا نسلم أنه يَجِبْ لهَذَا القدر بل يجب لربح أَحَدِ المِيقَاتَيْنِ، وزحمة الحَجِّ بالعمرة على مَا مَرَّ، ويدل على تغاير سببهما تغايرهما في كيفية البَدَلِ، وبتقدير أن لا يجب دم التمتع إلا لتَرْكِ الميقات فإنما يَجِب ذلك لتركه الإحرام من ميقات بلده، وهذا الدم إنما يجب لتركه الإحرام مما صار مِيقاتاً له ثانياً وهو مكة.
وقوله في الكتاب: (فلو جاوزها في الإحرام لزمه دم الإساءة) مطلق لكن المراد منه ما إذا لم يعد إلى المِيقَات، ولا إلى مسافته على ما تبين من قبل، ووجوب دم التمتع والحالة هذه يبين أن الشرط في التمتع أن لا يعود إلى الميقات لإِحْرَام الحَجِّ، لا أن يحرم من مكة ومن قال الشرط أن يحرم من مَكَّة فهو غالط في العبارة.
قال الغزالي: وَإِنَّمَا يَجِب دَمُ التَمَتُّعِ بِإحْرَامِ الحَجِّ، وَهَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ بَعْدَ العُمْرَةِ

عَلَى الحَجِّ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ لِلتَّرَدُّد فِي تَشْبِيهِ العُمْرَةِ بِاليَمِينِ مَعَ الحِنْثِ فَإنَّهُ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ.
قال الرافعي: لما فرغ من القول في تصوير التمتع والشَّرائط المرعية فيه، أراد أن يتكلم في وَقْتِ وجوب الدَّم، وفي بدله وما يتعلق بهما، والمتمتع يَلْزُمُهُ دَمْ شَاةٍ إذا وجب، وبه فسر قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 1. وصفته صِفَة شَاةِ الأضْحِيَةِ، ويقوم مقامه السُّبُعُ مِنَ البَدَنَةِ والبَقَرَةِ، ووقت وجوبه الإحرام بالحَجِّ، وبه قال أبُو حَنِيفة -رحمه الله-؛ لأنه حينئذٍ يصير متمتعاً بالعُمْرة إلى الحَجِّ.
وعن مالك -رضي الله عنه-: أنه لا يجب حتى يرمي جَمرَةَ العَقَبَةِ فيتم الحَجَّ، وإذا وَجَبَ جاز إراقته، ولم يتأقت بوقتٍ كسائر دِمَاءِ الجبرانات إلا أن الأفضل إراقته يوم النحر.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله-: لا يجوز إراقته إلاَّ يَومَ النَّحْرِ، وهل يجوز إراقته قَبْلَ الإحْرَامِ وبعد التَّحَلُّلِ مِنَ العُمْرةِ؟ فيه قولان، وقيل: وجهان: أحدهما: لا يجوز، كما لا يجوز الصَّوْمُ في هذه الحالة، وهذا لأن الهدي يتعلق به عمل البدن، وهي تفرقة اللَّحْمِ، والعبادات البدنية لا تقدم على وقت وجوبها.
وأصحها: الجواز؛ لأنه حَقٌّ مَالي تعلق بسببين وهما: الفراغ من العمرة والشروع في الحج، فماذا وجد أحدهما جاز إِخْرَاجُهُ كَالزَّكَاةِ والكَفَّارَةِ.
وقوله: (للتردد في تشبيه العمرة باليمين مع الحنث بها أحد السببين.
معناه: أن أحد القولين مُوَجَّهٌ بتشبيه الفَرَاغِ من العُمْرَةِ، والشّروع في الحَجِّ باليمين مع الحنث، ومن نصر القول الثاني ينازع في هذا التشبيه، ويقول: الكفارة متعلقة باليمين منسوبة إليها، والدم ليس متعلقاً بالعُمْرَة وإنما هو متعلق بالتَّمَتُّعِ مِنَ العُسْرَة إلى الحَجِّ، وهو خَصْلَة واحدة، فإن فرعنا على جَوَازِ التقدم على الإحْرَامِ بالْحَج، فهل يجوز التقديم على التَّحَلُّلِ من العمرة؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع؛ لأن العُمْرة أحد السببين فلا بد من تمامه كما لا بد من تمام النِّصَاب في تعجيل الزَّكَاةِ، ومنهم من قطع بهذا ونَفَى الخلاف، ولا خلاف في أنه لا يجوز اَلتقديم على الشُّروعِ فِي العُمْرَة.
قال الغزالي: وَأَمَّا المُعْسِرُ فَعَلَيهِ صِيَامُ عَشَرَةٍ أَيَّامٍ، ثَلاَثةٌ فِي الْحَجِّ بَعْدَ الإحْرَامِ وَقَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلاَ تُقَدَّمُ (ح) عَلَى الحَجِّ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، وَلاَ يَجُوزُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ

عَلَى الجَدِبدِ، وَإذَا تَأَخَّرَ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ صَارَ فَائِتًا وَلَزِمَ القَضَاء (ح)، وَأَمَّا السَّبْعَةُ فَأوَّلُ وَقْتِهَا بِالرُّجُوعِ إلَى الوَطَنِ، وَهَلْ يَجُوزُ فِي الطَّرِيقِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: المُرَادُ بِهِ الرُّجُوعُ إلَى مَكَّةَ، وَقِيلَ: الْفَرَاغُ عن الحج.
قال الرافعي: قوله: (وأما المعسر): ربما يوهم أن الصَّوْمَ إنما يعدل إليه المتمتع إذا لم يملك الهدي ولا ما يشتريه به، وليس كذلك، بل له العدول إلى الصَّوْم وإن قدر على الهَدْي في بلده إذا عجز عنه في موضعه، لأن في بدله وهو الصوم تأقيتاً بكونه في الحَجِّ، فلا نظر إلى غير موضعه بخلاف الكفارات فإنه يعتبر فيها العَدَم المطلق إذ لا تأقيت فيها.
إذا عرفت ذلك فإن المتمتع العَادِمَ للهدي يلزمه صَوْمُ عَشْرَةِ أيامٍ بِنَصِّ القُرْآنِ، ويجعلها قسمين: ثلاثةً وسبعاً.
أما الثَّلاثة فيصومها في الحَجِّ، ولا يجوز تقديمها على الإحْرَام بالحَجِّ؛ خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يجوز بعد الإحْرَامِ بالعُمْرَةِ، ولأحمد حيث قال: في رواية بقول أبِي حَنيفَة، وقال في رواية: يجوز بَعْدَ التَّحَلُّلِ من العمرة.
لنا أن الصَّوْمَ عِبَادَةٌ بدنية فلا تقدم عَلَى وَقْتِهَا كالصَّلاَةِ وَسَائِرِ العِبَادَاتِ الوَاجِبَةِ، ولا يجوز أن يَصُومَ شَيْئاً مِنْهَا في يَوْمِ النَّحْرِ، وفي جواز إيقاعها في أيَّامِ التشريق قولان قدمنا ذكرهما في كِتَابِ الصَّوْمِ، والمَستحب أن يَصُومَ الأيام الثَلاثة قَبْلَ يَوْم عَرَفَة، فإن الأحَبَّ لِلْحَاجِّ يوم عرفة أن يكون مفطراً على ما مَرَّ، وإنما يمكنه ذلك إذا تَقَدَّمَ إِحْرَامُه بِالْحَجِّ، بحيث يقع بين إحرامه ويوم عرفة ثلاثة أيام، قال الأصحاب -رحمهم الله- وهذا هو المستحب للمتمتع الذي هو من أهْلِ الصَّوْمِ يحرم قبل اليوم السادس من ذِي الحَجَّةِ، ليصوم الثَّلاثة ويفطر يَوْمَ عَرَفَةَ، ونقل الحَنَّاطِيُّ عن شَرْحِ أَبِي إسْحَاق وَجْهاً أنه إذَا لَمْ يؤمل هَدْياً يجب عليه تقديم الإحْرَامِ، بحيث يمكنه صَوْمُ الَأيام الثَّلاثَةَ قَبْلِ النَّحْرِ، وأما الوَاجِدُ للهَدْيِ فالمستحب له أن يَصُومَ يوم التَّرْوِيَةِ بعد الزوال متوجهاً إلى مِنًى؛ لما روي عن جابر -رضي الله عنه-: "أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: إِذَا تَوَجَّهْتُمْ إِلَى مِنًى فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ" 1. فإذا فاته صَوْمُ الأيام الثَّلاثة فِي الحَجِّ لزمه القضاءُ خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: "يسقط الصوم ويستقر الهدي عليه" وعن ابن سُرَيْج وأبي إسحاق -رحمهما الله- تخريج قول مثله، والمذهب الأول؛ لأنه صَوْمٌ واجبٌ فلَا يسقط لفوات وَقْتِهِ كَصَوْمِ رَمَضان، وإذا قضاها لم يلزمه دَمٌ خِلافًا لأحمد -رحمه الله-.

وأما السبعة فهي مقيدة بالرجوع، قال الله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ 1 وما المراد من الرُّجُوعِ؟ فيه قولان: أصحهما: وهو نصه في "المختصر" وحرملة؛ أن المراد منه الرجوع إلى الأَهْلِ والوَطَنِ؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للمتمتعين: "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَليُهْدِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ" 2. وعن ابْنِ عباس -رضي الله عنه- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثَلاثَةٌ فِي أيَّامِ الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَمْصَارِكُمْ" 3. والثاني: أن المراد منه الفَرَاغ، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-؛ لأن قوله: "وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ" مسبوق بقوله: "ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ" فينصرف إليه، وكأنه بالفراغ رَجَعَ عمَّا كَانَ مُقْبلاً عَلَيْهِ مِنَ الأَعْمَالِ.
فإن قلنا بالأول فلو تَوَطَّنَ مَكَّة بعد فَرَاغِهِ مِنَ الحَجِّ صَامَ بِهَا، وإنَ لم يتوطنها لَمْ يَجُزْ صَومُه بِهَا، وهل يجوز في الطَّرِيق إذا توجه وطنه روى الصَّيْدَلانِيُّ وغَيْرُهُ فيه وجهين: أحدهما: نعم؛ لأن ابْتِدَاء السَّيْرِ أول الرّجوع.
وأصحهما: لا؛ لأنه تَقْدِيم العِبَادة البَدَنِيَّةِ عَلَى وَقْتِهَا، وبهذا قَطَعَ أَصْحَابُنَا العِرَاقِيُّونَ تفريعاً على القول الأصح، وجعلوا الوَجْهَ الأول قولاً برأسه حملاً للرجوع في الآية على الانصراف من مكَّة، والوجه ما فعلوه، فإنا إذا جَوَّزنَا الصومَ في الطريق فقد تركنا التوقيت بالعَوْدِ إِلَى الوَطَنِ، وإذا فرعنا على أن المراد الفراغ من الحَجِّ والانصراف من مكّة فلو آخره حتى يرجع إلى وَطَنِهِ جَازَ، وهل هو أَفْضَلُ أم التقديم أفضل مبادرة إلى العبادة؟ حكى العِرَاقِيونَ فيه قولين: أصحهما: وبه قال مالك: أن التأخير أفضل تحرزاً عَنِ الخِلاَف، وسواء قلنا: إن الرجوعَ هو الرجوعُ إلى الوطن، أو الفراغ من الحَجِّ، فلو أراد أن يوقع بعض الأيام السَّبْعَة في أيام التشريق لمْ يَجُز، وإن حكمنا بأنها قَابلَةٌ لِلصَّوْمِ، أما على القول الأول فَظَاهِرٌ، وأما عَلَى الثاني فلأنه يُعَدُّ فِي أَشْغَالِ الحَجِّ وَأن حَصَل التحلل، ونقل بعضُهم عن الشَّافعي -رضي الله عنه-: أن المرادَ من الرّجوع هو الرَّجوع من مِنَى إلى مكَّة، والإمام وصاحب الكتاب عدا هذا قولاً وراء قَولِ الرجوع إلى الوَطَنِ، وقول الفراغ من الحَجِّ، لكن قضية كلام كثير من الأئمة أنه وقول الفَرَاغِ مِنَ الحَجِّ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وأن

الغرض منه بيان ما ينزل عليه لفظ الرجوع في الآية وهو الأشبه، وبتقدير أن يكون قولاً برأسه فعلى ذلك القول لو رجع من مِنَى إلى مكَّة صَحَّ صومه وإن تأخر طَوافُه للوداع، - والله أعلم-.
ولنتكلم فيما يتعلق بلفظ الكتاب على الخصوص سوى ما اندرج في أثناء الكلام.
أما قوله: (ثلاثة في الحج بعد الإحرام) أي بالحج وهُو معَلَّمٌ بالحاء والألف لما قدمنا.
وقوله: (وقبل يوم النحر) جواب علي الجديد في أنه لا يجوز للمتمتع صَوْمُ أيام التَّشْرِيق، فيجوز أن يُعَلَّم بالواو.
وقوله: (ولا يقدم على الحج) كالمكرر؛ لأن في قوله: (بعد الإحرام) ما يفيده، ولعله إنما إعاده ليعلق به العِلَّة وهي قوله: (لأنها عبادة بدنية).
وقوله: (ولا يجوز في أيام التشريق على الجديد) مكرر، قد ذكره مرة في الصَّوْمِ ثم هو مَرْقُومٌ بالميم والألف لما كتبناه ثُمَّ.
وقوله: (فإذا تأخر عن أيام التشريق صار فائتاً) معناه: أن الفوات حَاصِلٌ عند مُضِيِّ أيام التشريق لاَ مَحَالة، فأما أنه بم يحصل إن لم نجعل أيام التشريق قَابِلَة للصَّوْمِ فإنه يحصل بمضي يَوْم عَرَفَةِ، وأما إذا جَعَلْنَاهَا غير قابلة فإنه يحصل بمضيها، ويمكن أن يتأخر طواف الزِّيَارَةِ عن أيَّامِ التَّشْرِيقِ إِذْ لاَ أَمَدَ لَهُ مِنْ جِهَةِ التأخر، فيكون بعد في الحج لبقاء بَعْض الأَرْكانِ عليه، لكن صَوْمُ الثلاثة بعد أيام التشريق لا يكون أداءً وإن بقي الطواف؛ لأن تأخره عن أَيَّام التشريق مما يبعد ويَنْدُر، فلا يقع مراداً من قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ 1، بل هو مَحْمُول على الغَالِب المُعْتَاد.
هكذا حكاه الإمام وغيره، وفي "التهذيب" وجه ضعيف ينازع في ذلك.
وقوله: (بالرجوع إلى الوطن) مُعَلَّمٌ -بالميم والحاء والألف- لما تَقَدَّم، وقوله بعد ذلئه: (وقيل: قولان) لا وجهان وقد مَرَّ مَا فِيهِمَا.
قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا فَاتَ الثَّلاثَةُ قَضَى عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَيفَرَّقُ بَيْنَ الثَّلاثَةِ وَالسَّبْعَةِ بِمِقْدَارِ مَا يَقَع الفُرْقَةُ فِي الأَدَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَفِي صِحَّةِ اليَوْمِ الرَّابعِ عَنْ هَذِهِ الجِهَة قَوْلاَنِ، فَإنْ قُلْنَا: لاَ يَصِحُّ (و) صَحَّ مَا بَعْدَهُ، وَجُعِلَ اليَوْمُ الرَّابعُ كَالإِفْطَارِ المُتَخَلِّلِ.
قال الرافعي: إذا لم يَصُم الثلاثة في الحَجِّ حتى فرغ وَرَجَعَ لزمه صَوْمُ العَشَرَةِ، وقد حكينا خِلاَف أبي حنيفة وقولاً يوافقه فيه، فإذا قلنا: بالمَذْهَب فهل يَجِب التَّفْرِيق فِي القَضَاءِ بين الثَّلاثَةِ والسَّبْعَةِ؟ فيه قولان في رواية الحَنَّاطِيّ والشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ -رحمهما الله-، ووجهان في رواية غيرهما.

أحدهما -وبه قال أحمد-: أنه لا يجب؛ لأن التفريقَ في الأَدَاءِ يتعلق بالوَقْتِ، فلا يبقى حكمهُ في القضاء كالتفريق في الصلوات المؤدَّاة، وهذا أصح عند الإمام وطائفة.
والثاني -وهو الأصح عند الأكثرين-: أنه يجب التفريق كما في الأداء، ويفارق تفريق الصَّلَوَاتِ، فإن ذلك التفريق يتعلق بالوقت، وهذا يتعلق بالفعل وهو الحَجِّ والرُّجُوعُ، فعلى هذا هَلْ يجب التفريق بمثل ما يقع التفريق في الأداء؟ فيه قولان: أحدهما: لا، بل يكفي التفريق بيوم، لأن المقصود انفصال أحد قسمي الصوم عن الآخر، وهذا حَاصِلٌ باليوم الوَاحِدِ، ويحكي هذا عن نصه في "الإملاء".
وأصحهما: أنه يجب التفريق في القَضَاءِ بمقدار ما يقع به التَّفْرِيق في الأداء، لتتم محاكاة القَضَاءِ للأدَاءِ، وفيما يقع به التفريق في الأداء أقوال أربعة تتولد من أصْلَيْنِ سَبَقاً.
أحدهما: أن المتمتع هل له صَوْمُ أيام التَّشْرِيق؟ والثاني: أن الرجوعُ إلَى مَاذَا؟ فإن قلنا: ليس للمتمتع صَوْمُ أيامِ التَّشْرِيق وفَسَّرْنَا الرجوعُ بالرجوعِ إلى الوَطَنِ، فالتفريق بأربعة أيام، ومدة إمكان مسيره إلى أهله على العادة الغالبة.
وإن قلنا: ليس له صَوْمُها، وفَسَّرْنَا الرجوعَ بالفَرَاغ من الحَجِّ، فالتفريق بأربعة أيام لا غَيْرَ لتمكنه من الابتداء بِصَوْمِ السَّبْعَةِ كَمَا مَضَتْ أيَّامُ التَّشْرِيقِ.
وإن قلنا: للمتمتع صَوْمُهَا، وَفَسَّرْنَا الرُّجوعَ بالرجوع إلى الوَطَن فالتفريق لمدة إمكان مسيره إلى أهله.
وإن قلنا: له صومها وَفَسَّرنَا الرُّجُوعَ بالفراغِ من الحَجِّ فوجهان: أصحهما: بأنه لا يجب التفريق، لأنَّهُ يمكنه في الأَدَاء على هذا أن يصوم أيام التَّشْرِيق عن الثَّلاثة ويصل بها صَوْمَ السَّبْعةِ.
والثاني: لا بد من التَّفْرِيقِ بِيَوْمٍ، لأن الغَالِب أن يفطر يَومَ الرُّجوع إلى مَكَّة، وأيضاً فإن الثلاثة تنفصل في الأداء عن السَّبْعَةِ بحالتين متغايرتين لوقوع أحَدِهِمَا في الحَجِّ والآخر بعده، فينبغي أن يقيم في القضاء مقام ذلك التفريق بإفْطَار يَوْمٍ، -والله أعلم-.
فإن أردت حَصْرَ الأقوالِ التي تَجِيءُ فيمن لم يَصُمْ الثلاثة في الحَجِّ مختصراً.
قلت: فيه ستة أقوال: لا صوم عليه، بل ينتقل إلى الهَدْيِ.
عليه صوم عشرة مُتَفَرِّقًا أو متتابعًا.

جارٍ التحميل