العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 159-194

والثانية: أنه لَيْسَ في المسألة إلا قولان، واختلفوا في عيْنهما، فعن ابن سُريْج، وأبي إسحاق، وابن أبي هُرَيْرة، والقاضي أبي حامِدٍ وغيرهم؛ أنهما مذْهَبُ أبي حَنِيفةَ، وابن أبي لَيْلَى رحمه الله واحتج لأنهما قولاه؛ بأنه قال لأحدهما: هذا أشبهُ القولَيْن.
ومنهم منْ قال: هما تصديقُ المالِكِ والتحالفُ، وأما تصديقُ الخيَّاطِ، فإن الشافعيَّ رضي الله عنه أعرض عنه، حيث رجَّح القول الآخرَ، وربما أوَّلُوه، فقالوا: إنَّه يؤول إلى التحالف؛ لأنه إذا حَلَفَ الخيَّاط، خرج منْ ضمان الثَّوْب، فيحلف المالك؛ لنفي الأجرة، وهذا هو التحالُفُ.
والثالثة: أنه ليْسَ في المسألة إلا قولٌ واحدٌ، وهو التحالُف، وما عداه، فهُوَ حكاية مذهب الغَيْر، وقد دفعه 1 بقَوْله: وكلاهما مدْخُولٌ، وبهذا قال أبو عليٌّ الطَّبريُّ وصاحب "التقريب" والشيْخُ أبو حامد.
وفي "أمالي" أبي الفرج السَّرْخَسِيِّ عن ابن سُرَيْجٍ أنه، إن جرَى بينهما عقدٌ، فليس إلا التحالُفُ كسائر الاختلاف في كيفية المعاوضات، وإنْ لم يجز فالخيَّاط لا يدَّعي الأجْرَةَ، وإنَّما يدعي النِّزَاع في الأَرْش، ففيه قولان: مذهب أبي حنيفة، وابْن أبي لَيلى، فهذه خمسةُ طرُقٍ، وإلا تدون على أن المسألة على قولَيْن، وهما مذهب الإمامين: [مذهب] أبي حنيفة، وابن أبي ليلى رضي الله عنهما ثم على أن الأصحَّ مذهبُ أبي حنيفةَ، وربَّما شبهوا القَوليْن بالقولين فيما إذا زرع أرضَهُ، وقال: أعرتنيها، وقال المالِك: بل أكريتكها، ورجَّح صاحبُ الكتاب الطريقةَ القاطعةَ بالتحالُف وزيَّف غيرها.
التفريعُ: إن صدَّقنا الخيَّاط، فهذا حلَف، فلا أرش علَيْه، وهل له الأجْرةُ؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال ابنُ أبي هُرَيْرة: نعَمْ؛ لأنَّه أثبت الإذْنَ بيمينه، ومن قال بهذا لا يسلِّم دعْوَى من يدَّعِي أن تصديق الخيَّاط يؤول إلى التحالف.
وأظهرهما، وبه قال أبو إسحاقَ وأبو عليٍّ الطَّبريُّ: لا؛ لأنَّه في الأجرة مدَّعٍ، فيكون القولُ قول المنكر، وفائدة يمينه دفْعُ الغُرْم عن نفْسِه.
فإن قلنا بالقول، الأول ففي الأجرة الواجِبَة قولان: أَحَدُهُمَا: الأجرةُ المُسَمَّاة؛ إتماماً لتصديقه.
وأظهرهما: أجرةُ المِثْل؛ لأنا لو صدَّقناه من كلِّ وجهٍ لم نأمَنْ أن يدَّعِيَ مالاً كثيراً كاذِباً.
وإن قلنَا لا أُجْرَة له بيمينه، فله أن يدَّعِيَ الأجرة على المالِكِ ويُحْلِفَه، فإن نَكل،

ففي تجديد اليمين علَيْه وجهان 1: أَحَدُهُمَا يجدِّد؛ لأن إثباتَ المَال بيمينِ المدَّعِي منْ غير نكولٍ بعيدٌ.
والثاني: وبه قال القاضي الحُسَيْنُ لا يجدد وكأن يمينه السابقة كانت موقوفةً على النكول لصَيْرُورَتِها حجَّةً ملزمةً للآجرة، وإن صدَّقْنا المالك، فإذا حلَف، فلا أجرةَ عليه، ويجبُ على الخيَّاط أرْشُ النقصان.
وحكى أبو الفرج السَّرْخَسِيُّ فيه وجهان، كما في وجوب الأُجْرَة، تفريعاً على القول الأول، والفَرْقُ على المشهور أن القطع موجب للضمان إلا أن يعارضه الإذن، وهُوَ غير موجب للأجْرَةِ إلاَّ إذا اقترنت بالإذن، ثم في الأرْش الواجِبِ وجْهَان: أَحَدُهُمَا: ما بيْن قيمته صحيحاً ومقْطُوعاً؛ لأنَّهُ أثبت بيمينه أنَّه لم يأذَنْ في القطع.
والثاني: ما بيْنَ قيمته مقْطُوعاً قيمصاً، ومقْطُوعاً قِبَاءً؛ لأن أصْلَ القطْع مأذونٌ فيه 2، وعلى هذا، فلو لم يكنْ بينهما تفاوتٌ، أو كان مقطُوعاً قِبَاءً أكثر قيمةً، فلا شيءَ عليه.
وذكر الشيخ أبو محمَّد؛ أنه الوجهَيْن ينبنيان على أصلَيْن: أحدهما: القْولاَنِ فيما إذا اكْتَرَى أرْضَاً ليزرعها حنْطةً، فزرَعَها ذُرَةً، ففي قولٍ: عليه أجرة المثل، ويعرض عنْ عقْد الإِجارة، فعلَى هذا يغرَّم هاهنا جميع النقص، ويعرض عن أصل الإذْنِ.
والثاني: يغرم تفاوت ما بيْن الزَّرْعَيْن، فههنا يغرم تفاوُتَ ما بين القطْعَيْن.
والثاني: الخلافُ في أنه الوكيلَ، إذا باع ماله بالغبن الفاحِشِ يغرَّمُ جميع قدر الغبن، أو يحط عنه ما يتغابَنُ الناس به؛ لأنه كالمأذُون فيه.
وإذا قلْنا: إنَّه يغرَّم تفاوت ما بيْن القطعَيْن، فهل يستحقُّ الأجرة للقَدْر الذي يصْلُح للقميص في القَطْع؟ فيه وجهان: عن ابن أبي هُرَيْرة: نعم، وبه أجاب صاحب "التهذيب"، وضعَّفه ابْنُ الصباغ؛ لأنَّهُ لم يقْطَعْهُ للقَمِيصِ 3، وإذا قلنَا يتحالَفَانِ، فإذا حلَفَا، فلا أجرةَ للخُياط، وفي وجوب أرْشِ النقْص للمالك قولان في "الإملاء" أنَّهُ يَجِبُ؛ لأنهما إذا

تحالَفَا فكأنهما لم يتعاقَدَا ولو لم يتعاقَدَا وقطعَ لزِمَه الأرْش، فكذلك هاهنا، والأصحُّ وهو رواية المزنيِّ في "الجامع الكبير" منْعُه؛ لأنه، على نفي العُدْوَان؛ ولو لم يحلف (1)، لكان لا يلزمه إلاَّ أرْشُ النقْص، فلا بد، وأن يكون ليمينه فائدةٌ.
ولو أراد الخيَّاط نزْعَ الخيط، لم يُمَكَّن منْه؛ حيث حَكْمنا له بالأجرة، سواءٌ كان الخيط للمالك، أو من عنْده؛ لأنَّه تابع للخياطة.
وحيثُ قلنا: إنَّهُ لا أجْرَةَ له، فله نزْعُ خيطه، كالصبغ، وحينئذ لو أراد المالكُ أن يشُدَّ بخيطه خيْطاً لِيُدْخِلَه في الدروز إذا خرج الأول، لم يمكَّن منْه إلا برضا الخيَّاط؛ لأنه تصرُّفٌ في ملكه.
بقي في المسألة شيْءٌ وهو كيفيَّة اليمين على اختلاف الأقوال.
قال في "الشامل": إن صدَّقنا الخيَّاط، حلف بالله؛ ما أذنت لي في قطعِهِ قميصاً، ولقد أذنت لي في قطْعه قِبَاءَ، وإن صدَّقنا المالك، قال: يكفي عنْدي أن يَحْلِف؛ ما أَذِنْتُ لي في قطْعه قِبَاءً، ولا حاجة إلى التعرُّض للْقَمِيص؛ لأنَّ وجوبَ الغُرْم وسقوط الأجرة كلاهما يلزم من نفي الإذْن في القِبَاء.
وإن فرَّعنا عَلَى قول التحالُفِ، جمع كُلُّ واحدٍ منهما في يمينه بين النَّفْيِ والإثبات، كما سبق في البيع، قال القاضِي ابْنُ كَجٍّ: والكلام في أنَّ البراءة بمن؟ على ما سبق هناك، والمالك هاهنا في رُتْبَة البائع (2). واعْلَمْ أنَّ اختلافَ المتعاقدَيْنِ في الأجرة أو في المدة، أو في قدْرِ المنْفَعَة بأَنْ قال المُكْرِي: أكْرَيْتُكَهَا إلَى خَمْسَةِ فراسِخَ، فقال: بل إلَى عشرَة أو في قدر المستأْجِرِ؛ بأن قال: أَكْرَيتُكَ هذَا البَيْتَ من هذه الدَّار، فقال: بلْ جميع الدار يوجِبَ التحالُفَ، كما في البيع، وإذا تحالَفَا، فُسِخَ العقْد، وعلى المستأجر أجرةُ المِثْلِ؛ لما استوفاه.

فرع

: قال للخيَّاط: إنْ كان يكْفي هذا الثوب لقميصي، فاقطعه، فقَطَعه، فلم يكْفِهِ، ضمن الأرش؛ لأن الإذن مشروطٌ بما لم يوجد، ولو قَالَ: هلْ يكْفِي لقميصي، فقال: نَعَمْ فقَالَ: اقْطَعْه، فقَطَعه، فلم يكْفِهِ، لم يضمن؛ لأنَّ الإذْنُ مُطْلَق.12

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: البَّابُ الثَّالِثُ فِي الطَّوَارِيءِ المُوْجِبَةِ للْفَسْخِ

وَهِيَ ثَلاثةُ أَقْسَامٍ: الأَوَّلُ: مَا يَنْقُصُ المَنْفَعَةَ نُقْصَاناً تَتَفَاوَتُ بِهِ الأُجْرَةُ فَهُوَ عَيْبٌ مُوجِبٌ لِلْفَسْخِ قَبْلَ قَبْضِ الدَّارِ وَبَعْدَهُ إِلاَّ إِذَا بَادَرَ المُكْرِي إلَى الإِصْلاِحِ إنْ قَبِلَ الإِصْلاَحِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد بان في أول الكتاب أنَّ غرَضَ البَاب الكلامُ فيما يقتضي فسْخَ الإجارة، أو انفساخَها، وإنما يثبت الفَسْخ، أو الانفساخُ؛ لخَللٍ يعْرضُ في المعْقُود علَيْه، والخلل إمَّا أن يوجِبَ نقصان المنْفعَة، أو فواتَهَا بالكلِّيَّة، وعلى التَّقْدِير الثاني، فالفواتُ، إما أن يكون حِسِّيّاً، أو شَرْعيّاً، فهذه ثلاثة أقسام: أحدها: ما ينقصُ المنفعَةَ، ومهما ظَهَر بالمستأجر نقصانٌ تتفاوت به الأجرة، فهو عيب مثبت للفَسْخِ، وذلك كمَرضِ العَبْد والدابَّة، وانقطاعِ ماء البئْر وتغيُّره؛ بحيثُ يمنع الشُّرْب، وانكسارِ دعائِمِ الدَّار، واعْوِجَاجِها، وانهدام بعْضِ جُدْرانِها, لكن لو بادَرَ المكْرِي إلى الإصْلاَحَ، وكان قابلاً للإصْلاحَ في الحال، سقَطَ خيارُ المكْتَرِي كما مَرَّ، ولا فرْقَ بيْن أن يكون لاَحِقاً حاصلاً في يد المسْتَأْجِر؛ لأنَّ المنافع في الزمان المستَقْبَل غَيْرُ مقبوضَةٍ، وإنْ كانتِ الدَّارُ مقبوضةً، فيكونُ العَيْب قد نما بالإضافة إلَيْهَا، وقياسُ هذا ألاَّ يتسلَّط على التصرُّف في المنافع المستقبلة، إلا أنَّهُ سلّط عليه للحاجة، ثم العيْبُ، إن ظهر قبل مضي مدةٍ لها أجرة، فإن شاء، فسخ، ولا شيْء عليه، وإن شاء أجاز تجميع الأجْرَة، وإن ظهر في أثناء المدة، فالوجْهُ مَا ذَكره صَاحِبُ "التتمة" وهو أنَّه، إن أراد أن يفسخ في جميع المدَّة، فهو كما لو اشتَرى عبدَيْن فَتَلِفَ أحدُهُما، ثم وَجَد بالباقي 1 عيباً، وأراد الفَسْخَ فيهما، وإن أراد الفَسْخ فيما بَقِيَ منَ المُدَّة فهو كما لو أراد الفَسْخَ في العبد الباقي وحده، وحكْمُها مذكورٌ في البيع، والجمهور أطلقوا القَوْل بأنَّ له الفَسْخَ، ولم يتعرَّضوا لهذا التفْصِيل، ومهما امتنع الفَسْخ، فله أخذ الأَرْش، فيُنْظر إلى أجرةٌ مثْلِهِ سليماً، وإلَى أجرة مثله مَعِيباً، وُيعرْفَ قدْرُ التفاوُت بينهما، وهذا كلُّه إجارة العَيْنِ أمَّا إذا كانَتِ الإجارةُ في الذمَّة, فوجد بالدابَّة المسلَّمة عيباً، لم يكن له فسخُ العقْد لكن يردَّها ويؤمَرُ المُكْرِي بالإبْدال والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ ظَهَرَ لِلْعَاقِدِ عُذْرٌ، بِأَنْ تَخَلَّفَ عَنِ السَّفَر وَقَدِ اسْتَأجَرَ الدَّابَّةَ أَوْ تَغَيَّرَ حِرْفته وَقَدِ اسْتَأجَرَ الحَانُوتَ أَوْ مَرِضَ لَمْ يَكُنْ لَهُ (ح) الفَسْخُ بِهَذِهِ الأَعْذَارِ لِأنَّهُ لاَ خَلَلَ في المَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَوِ اكْتَرَى أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ فَفَسَدَ الزَّرْعُ بجَائِحَةٍ فَلاَ يُحَطُّ شَيْءٌ مِنَ الأُجْرَةِ، وَلَوْ فَسَدَ الأَرْضُ بِجَائِحَةٍ ثَبَتَ الرَّدُّ، فَمَهْمَا أَجَازَ أَجَازَ بِجَمِيعِ (و) الأُجْرَةِ كَمَا

فِي البَيعِ، وَإنْ فَسَخَ رَجَعَ إِلَى أُجْرَةِ البَاقِيَ واسْتَقَرَّ مَا اسْتَوْفَاهُ علَى الأَصَحِّ (و)، وَيُوَزَّعُ المُسُمَّى عَلَى المُدَّتَيْن بِاعْتِبَارِ القِيمَةِ لاَ باَعْتِبَارِ المُدَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثَلاَثُ مَسَائِلَ: إحْدَاها: الإجارةُ لا تُفْسَخ بالأعْذَار، سواءٌ كانت إجارة عيْن، أو في الذمَّة، وذلك كما إذا استأْجر دابَّةً لِلسَّفَر عليها، فمرض أو حانوتاً لحرفة فندم، أو هلكت آلاتُ تلك الحرْفة، أو حماماً فتعذَّر عليه الوَقُود، وبهذا قَالَ مَالِكُ وأحمد، وقال أبو حنيفة رضي الله عنهم يَثْبُت الفَسْخُ بهذه الأعذار وَنَحْوِها، وسلَّم أنَّه لو ظهر للمُكْرِي عذْرٌ كما لو مَرِض وعَجَزَ عن الخُرُوج مع الدوَابِّ التي آجرها، أو أكرى داره، وأهلُهُ مسافرون، فعادوا، أو لم يكنْ متأهِّلاً، فتأهَّلَ؛ أنَّه لا يثبت الفسخ، فيقاسَ عليه ما سلم، وأيضاً، فإنَّ الإجارة عَقْدٌ لا يفسخ بغَيْر عذْر، فلا يفسخ بعذْر من غير المعْقُود عَليْه؛ كالبيع 1. الثانية: إذا اكترى أرضاً للزِّراعة، فزَرَعها، فهلك الزَّرْع لجائِحةٍ مِنْ سيل، أو جَرَادٍ، أو شدَّة حَرٍّ، أو برْدٍ، أو كثرةِ مطَرٍ، لم يكن له الفسْخُ، ولا حطُّ شيْءٍ من الأجرة؛ لأن الجائحة لحِقَت مال المكْتَرِي لا منفَعَةَ الأرْض، فأشْبَه ما لو اكترى دُكَّاناً، لبَيْع البَزِّ، فاحترق بزُّه، لا تنفسخ الإجارة في الدُّكَّان.
ولو فسَدَتِ الأرضُ بجائحةٍ، أَبْطلَتْ قوَّةَ الإنبات في مدَّة الإجارة، قال في الكتاب: "يثبُتُ الردُّ" ومفهومه أنه عيْبٌ موجِبٌ للخيار، لكنَّ هذا الفساد مفوِّت للمنفعة بالكلِّية، فليكنْ كفوات الأرْضِ بغَرَقٍ، أو رمْلٍ، وسنذكُرُه في الفصْل الذي يلي هذا الفصْلَ، وقد بيَّن ذلك في "الوسيط" فقال: ينفسخُ العقْدُ في المدَّة الباقية، ثمَّ إنْ كان فسادُ الأرْض بعْد فساد الزَّرْع، فعين الإمام فيه احتَمَالاَن قال في "الوسيط" الظَّاهر أنَّه لا يستردُّ شَيْئاً؛ لأنَّه بقيتْ صلاحيَّةُ الأرض وقُوَّتها, لم يكنْ للمستأجر فيها فائدةٌ بعْد فوات الزرع.
والثّاني: يسترد؛ لأنَّ بقاء الأرض 2 عَلَى صنفتها مطلوبٌ، فهذا خرجَتْ عن أن

يكون منتَفَعاً بها، وجَبَ أنْ يثبُتَ الانْفِسَاخ، وبهذا قطَع بعْض أصحاب الإمام، وإن كان فساد الزَّرْع بعد فساد الأرْض، فأظهر الاحتمالَيْن بالاتفاق الاستردَادُ؛ لأن أوَّل الزراعة غَيْرُ مقصود، ولم يسلم الأخير.
وأمَّا المسألةُ الثالثةُ: وهي أنَّا إذا أثبَتْنَا الخيارَ، فيم يخيَّر إن أجاز وما الذي يستقر، إن فسخ؟ فنؤخِّرُها إلى الفصْل بعد هذا.
وقوله في الكتاب "وقد استأجر دكاناً أو حانوتاً" الوجه طرح أحد اللَّفْظَيْن 1، فإنَّ الدُّكَّان هو الحانوتُ قال في "الصِّحَاح" الدُّكَّانُ واحد الدَّكَاكِينَ، وهي الحوانيت.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّاني فَوَاتُ المَنْفَعَةِ بالكُلِّيَّةِ كَمَوْتِ الدَّابَّةِ وَالأَجِيرِ المُعَيَّنِ، وَانْهِدَامُ الدَّارِ مُوجبٌ لِلْفَسْخِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَصَّ أَنَّ انْقَطَاعَ شُرْبِ الأَرْضِ غَيْرُ مُوجِبٍ لُلْخِيَارِ لِأَنَّهَا بقَيَتْ أَرْضاً وَالدَّارُ لَمْ تَبقَ دَاراً، وَقَدْ قِيلَ فِبهِمَا قَوْلاَنِ بِالنَّقْل وَالتَّخْرِيج وَهُوَ الأَظْهَرُ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ المُتَعَاقِدَبنِ لَمْ يَنْفَسِخَ (حَ) العَقْدُ، وَلَوْ مَاتَ الصَّبيُّ المُتَعَلِّمُ أَوِ المُرْتَضِعُ أَوْ تَلِفَ الثَّوْبُ المَخِيْطُ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ تَلَفِ العَاقِدِ وَالدَّابَّةِ المُعَيَّنَةِ فَفِيه خِلاَفِ (و) أَنَّهُ هَلْ يَنْفَسِخُ بِهِ أَمْ يُبْدَلُ بِغَيْرِهِ؟ وَإذَا غَصَبَ الدَّار المُسْتَأجَرَةَ حَتَّى مَضَتَ المُدَّةُ انْفَسُخَتْ، وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّ لِلْمُسْتَأجِرِ الخِيَارَ، فَإِنْ شَاءَ طَالَبَ الغَاصِبَ بِأَجْرَةِ المِثْل، وَلَوْ أَقَرَّ المُكْرِيِ لِلْغَاصِب بالِرَّقَبَة قُبِل إِقْرَارُهُ في الرَّقَبَةِ، وَهَلْ يَفُوتُ حَقُّ المَنْفَعَةَ تَبَعاً علَى المُسْتَأْجِرِ؟ فِبهِ خِلاَفٌ (و)، وَالأَقْيَسُ: (و) أَنَّ لِلمُسْتَأْجِرِ أَيضْاً مُخَاصَمَةَ الغَاصِبِ لِأَجَلْ حَقِّهِ في المَنْفَعَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: نورد مسائلَ الفَصْل والتي يَسْلُكُ معها على ما يوجيه الشَّرْح، ولا نراعي ترتيب الكِتَاب، فنقول: القسْمُ الثانِي: فوات المنفعة بالكلِّيَّة حِسّاً: فَمِنْ صُوَرِهِ مَوْتُ الدابَّة، والأجيرِ المعيَّن، وذلك إنْ كان قبل القبض، انفسَخَ العقْدُ، وكذا، إن كان عَقِبَ القَبْض قَبْلَ مضيِّ مدةٍ لمثلها أجرةٌ، إن كان في خلالِ المدَّة، انفسخ العقدُ في الباقي، وفي الماضي يجيء الطريقان فيما إذا اشترَى عبديْن، وقبضَ أحدَهُمَا، وتلف الثَّاني قبْل القبض، هل ينفسخ البيع في المقبوض.
فإن قلْنا: ينفسخ في الماضي، سقَط المسمَّى، ووجب أُجْرَةُ المِثْل لما مضَى,.
وإن قلْنا: لا ينفسِخُ فيه، فهل له خياز الفَسْخ؟ فيه وجهان:

أصحُّهما، عند الإمام وصاحبِ "التهذيب": لا؛ لأن مَنَافِعَهُ قد صارَتْ مستوفاةً مستهلكة.
والثاني: وبه أجاب ابنُ الصبَّاغ وآخرون: نعم؛ لأن جميع المعْقُود علَيْه لم يُسلَّم له.
فإنْ قلْنا: له الفسْخُ، وفسخ، فالرجوع إلَى أُجْرة المثل.
وإنْ قلنا: لا، فسخ له، أو أجاز، وجَبَ قَسْطُ ما مضَى من المسمى، والتوزيعُ عَلَى قيمة المنفعة، وهِيَ أجرةُ المِثْل، لا عَلَى نفْس الزَّمان، وأجْرَةُ المثل تختلف، فربما تزيد أجرةُ شهرٍ على أجرةِ شهرَيْن؛ لكثرة الرغَبَات في ذلك الشَّهْر، فلو كان مدَّة الإجارة سنةً وقد مضَتْ منها ستةُ أَشْهُرِ، لكنَّ أجرة المثل فيها ضِعْفُ أجرة المثل في السنة الباقيَة، وجَبَ في المسمَّى ثُلْثَاه، وإن كان بالعكْسِ، فثلُثُه، وتفاوُتُ الأجرة في المدتَيْن كتفاوُت القيمة في العبْدَيْن، إذا قُبِض أحدهما، وتلف الآخرُ عنْد البائع، وإذا أثبَتْنَا الخيار بسبب عيْب، وانفسخ العقْدُ في المستقبل بفسخه، ففي انفساخه في الماضي الطريقان، فإنْ لم ينْفَسِخْ، فسبيل التوزيع ما بيَّنَّاه، وإنْ أجازه، فعليه الأجرةُ المسمَّاة بتمامها، كما لو رَضِيَ بعَيْبِ المبيع، يلزمه جميع 1 الثمن، وهذا ما ذكره صاحب الكتاب في الفَصْل السَّابق أنَّه مَهما أجاز، أجازَ بجميع الأُجْرة إلى آخره.
وأراد بقَوْله: "رجَع إلى أجرة الباقي" الأجرة المسماة.
وقوله: "واستقر ما [استوفاه] 2 على الأصح" يعن الأصح من القولين، وعلى القول الثاني، لا يستقر شيْءٌ من المسمَّى، لتعدِّي الانفساخ إلى الماضي، ولا فَرْق بين أن يحْصُل التلَفُ بآفة سماويةٍ، أو بفعل المكْتَرِي، بل لو قتل العبْد والدابَّة المعيَّنة، كان حكم الانفساخ والأجرةِ عَلَى ما ذكرناه، ويلزمه قيمةُ ما أتْلَف.
وعن ابن أبي هُرَيْرة؛ أنه يستقرُّ عليه الأجرة المسمَّاة بالإتلاف، كما يستقر الثمن علَى المُشْتَري بالاتْلاَف، والمذْهَب الأول؛ لأن البَيْع ورد على العيْنِ، فهذا أتلفها، جُعِل قابضاً، والأجارةُ وردتْ على المنافع 3 ومنافع الزمان المستقبل معدومةٌ، لا يُتصوَّر

....................... = مورد عقد الإجارة هذا والخلاف في هذه المسألة لا ثمرة له؛ لأن الفقهاء جميعاً يقررون أن عقد الإجارة لا ينقل ملك الحين المؤجرة، بل مقتضاه تمليك منفعتها للمستأجر مدة تعود بعدها إلى ملك رَبِّهَا.
وللمنفعة التي هي ركن من أركان عقد الإجارة شروط لا بد من توفرها؛ ليصح العقد عليها، وتكاد تكون المذاهب متفقة في هذه الشروط من جهة المعنى، وإن اختلفت في العبارة تارة، وفي التفاصيل تارة أخرى ولذا رأينا أن نسلك في الحديث عنها مسلك المالكية، وإذا كان هناك خلاف مهم في بعض التفاصيل عرضنا له مع الموازن والترجيح، ومجمل هذه الشروط ستة، عليها.
الأول: أن تكون المنفعة معلومة علماً يمنع من التنازع من المسلم به أن المنافع أموراً إضافية، لا تستقل بالوجود، حتى تمكن مشاهدتها، فهي لا توجد إلا تبعاً لمضافاتها، فمعرفتها تكون بمعرفة محلها، وقدرها وصفتها، وفي ذلك تفاصيل متشعبة في كتب المذاهب يحسن أن نلم بطرف مهم منها فيما بعد.
علم أن عقود المعاوضة، ومنها الإجارة مبنية على رضا المتعاقدين على ما قبلا التعاقد عليه، ولا يمكن أن يتوجه التراضي حقيقة إلا إلى المعلوم، وبهذا تظهر الحاجة إلى هذا الشرط، وقد استنبطه الفقهاء من عمومات الكتاب والسنة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
فقد جعل الله كل الأموال دون تراض من الجانبين أكلاً بالباطل، ومن ثمَّ وجب التراضي، والتراضي لا يمكن أن يتوجه إلا إلى معلوم.
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نهى عَنِ اسْتِئجَارِ الأِجِيرِ حَتَّى بَيْنَ لَهُ أَجْرُهُ".
فإن بدل بعبارته على أن العلم بالأجر شرط في صحة الإجارة نصحوا على اشتراط العلم بالمنفعة؛ لأنها المقصودة بالذات.
وللعلم بالمنفعة طرق مختلفة باختلاف ما تتعلق به.
وإليك أمثلة من ذلك.
لو استؤجر معلم للتعليم، فلا بد من تعيين المتعلم بالإشارة، أو بال العهدية، أو وصفه، فإن لم يعين أو يوصف فسدت الإجارة، ومثله استئجار المرضعة، فلا بد فيه من تعيين الرضيع أو وصفه، ولو بذكر السن لاختلاف حاله بكثرة الرضاع، وقلته.
لو استؤجرت دار للسكنى مثلاً، أو حانوت لنحو التجارة فلا بد من تعيينيهما، أو وصفهما بذكر الموضع والحدود، ونحر ذلك مما تختلف باختلافه الأجرة إذ لا يصح أن يكون العقار المستأجر في الذمة.
لو استؤجر جدار للبناه عليه وجب وصف البناء بأن يذكر طول ما يبنى وعرضه، وكونه من حَجَرٍ أو لبن، أو غير ذلك، بخلاف كراء الأرض للبناء عليها، فلا يشترط فيه ذلك؛ لأنه لا يتعلق به غرض، بل يكفي المساحة.
لو اكتريت دابة ونحرها لركوب أو غيره، فإن لم تكن في الذمة، فلا بد من تعيينها بالإشارة =

....................... = الحسية، أو بأل العهدية، ولا يكفي الوصف، وإن كانت في الذمة بأن لم تقصد عينها وجب تعيين نوعها كإبل أو بغال، وصفتها كعراب، وبخت وذكورة، أو أنوثة، ويغني عن ذكر النوع وما بعده، وصفها كدابتك البيضاء، أو السوداء، لكن إن عينت بالإشارة، أو بالعهد انفسخت الإجارة بتلفها، إلا لم تنفسخ، وعلى ربها بدلها.
وعلم من هذا أن لو قال دابتك البيضاء مثلاً فهي من قبيل ما في الذمة، وإن لم يكن للمكري غيرها، فلا تنفسخ الإجارة تبلفها لاحتمال إبدالها.
يجوز في الإجارة على عمل من حرفة كالخياطة والبناء أو غيرها، كالحصاد، والدراس أن بقين بالزمن كيوم، أو جمعة، أو شهر، وأن تعين بمحل العمل دون الزمن ككتاب كتاب علم، أو بناء حائط، أو قنطرة، أو حفر بئر، أو خياطة ثوب إذا وُصِفَتْ هذه الأمور وَصْفاً رافعاً للنزاع، فهذا عينت بالزمن استحق العامل الأجرة على تسيمه نفسه في ذلك الزمن، وإن قل عليه، أو لم يتهيأ له عمل، وإذا عينته بمحل العمل استحق الأجرة على العمل طال الزمن أو قصر، فإن جمع الزمن والعمل، كان قال إنسان لآخر: خط هذا الثوب في هذا اليوم بكذا ففي ذلك تفصيل حاصله.
أنه إن كان الزمن مساوياً للعمل بأن كان يسعه لا يزيد، ولا ينقص، فهو فاسد اتِّفَاقاً عند المالكية، فيما حكاه ابن رشد.
وحكى ابن عبد السلام: أن أحد مشهورين، والآخر عدم الفساد، وإن كان الزمن أقل من العمل، فهو فاسد إتفاقاً عندهم، وإن كان الزمن أوسع من العمل جاز اتفاقاً على ما حكاه ابن عبد السلام، وفسد على المشهور على ما حكاه ابن رشد.
وطريقة ابن عبد السلام أظهر في النظر على ما قال الدردير في "الشرح الكبير".
وعلة الفساد فيما لو نقص الزمن عدم إمكان التسليم، وأما إذا ساوى أو زاد، فالعلة احتمال وجود طارئ يطرأ على الأجير يمنعه عن إتمام العمل في هذا الزمن فيؤدي ذلك إلى النزاع.
والشافعية أيضاً يمنعون تقدير المنفعة بالزمن، ومحل العمل مقاماً لم يكن ذكر الزمن بقصد التعجيل.
ولهم فيما لو زاد الزمن على العمل وجهان.
أحدهما: نص عليه البويطي وهو الصحة, لأن عروض عائق عن الإكمال في الزمان المتسع خلاف الأصل، فلا ينظر إليه.
وثانيهما: عدم الصحة، وهو الذي اعتمدوه.
والحنفية مختلفون أيضاً في الجمع بين الزمن والعمل.
فأبو حنيفة يقول فيه بفساد الإجارة، وأبو يوسف ومحمد يقولان: بجوازها.
وجه قول الصاحبين أن المعقود عليه هو العمل؛ لأن هو المقصود، والعمل معلوم، فأما ذكر المدة، فهو للتعجيل، فلم تكن المدة معقوداً عليها، فإن فرغ من العمل قبل تمام المدة فله كمال الأجر، وإلا فعليه أن يتمه بعد المدة، وله أجر مثله على ألا يزيد على ما شرطه.
ووجه قول أبي حنيفة: أن المقصود عليه مجهول؛ لأن ذكر أَمْرَ إنِ كل واحد منهما يجوز أن يكون معقوداً عليه، وهما العمل والمدة.
=

........................123 = أما العمل فظاهر، وأمَّا المدة؛ فلأن لو استأجره يوماً للخبز من غير بيان قدر ما يخبز جاز؛ لأن المعقود عليه المنفعة، وهي مقدرة بالوقت، ولا يمكن الجمع بينهما في كون كل واحد منهما معقوداً عليه؛ لأن حكمهما مختلف إذا العقد على المدة يقتضي وجوب الأجر من غير عمل؛ لأنه يكون أجيراً خالصاً، والعقد على العمل يقتضي وجوب الأجر بالعمل؛ لأنه يصير أجراً مشتركاً، فكان المعقود عليه أحدهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر فكان مجهولاً، وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد، والخلاف بين أبي حنيفة، وصاحبيه إنما هو فيما لو قال استأجرتك لتخيط هذا الثوب اليوم، أو استأجرتك هذا اليوم لتخيط هذا الثوب.
وأما لو دفع إلى خياط ثوباً لتعطيه ويخيطه قميصاً على أن يفرغ منه في يومه هذا فالإجارة جائزة بين أبي حنيفة وصاحبيه، ثم إن وفي بالشرط أخذ المسمى، وإن لم يَفِ به فله أجر مثله على ألا يزيد على ما شرطه؛ لأنه لم يجعل الوقت معقوداً عليه، وإنما جعله بياناً لصفة العمل، فلا تأتي فيه علة المنع التي قال بها أبو حنيفة في المثالين السابقين.
والحنابلة مختلفون أيضاً والراجح عندهم أن لا يجوز الجمع بين المدة والعمل ورُوي عن أحمد الجواز كقول أبي يوسف ومحمد، وخلاصة هذا الخلاف كله ثلاثة أقوال:

....................... = وجهوا ما ذهبوا إليه بأنه لا خلاف في وجوب العلم بالمنفعة، وهي أمر إضافي إن أمكن انضباطه في الأعمال بالمدة تارة، وبمحل العمل تارة أخرى لم يمكن انضباطه في غير الأعمال إلا ببيان المدة، وترك البيان يقضي إلى النزاع والغرر، فقد يرغب أحد العاقدين في مدة طويلة، والآخر في مدة قصيرة.
وإذا قلتا بتقدير المدة فإن طولها وقصرها يتركان لحرية المتعاقدين حسبما يريانه محققاً لمصلحتيهما على ألاَّ تهلك فيها العين المؤجرة غالباً إلى هذا ذهب الجمهور، خلافاً للمالكية والظاهرية.
أما الظاهرية، فإنهم يشترطون في المدة أن تكون مما يمكن بقاء المؤجر والمستأجر، والشيء المستأجر إليها، فإن لم يمكن بقاء أحدهم إليها لَمْ يجز العقد، وكان مفسوخاً.
وحجتهم على ذلك: أن العقد على مدة لا يعيش إليها المتعاقدان باطل؛ لأنه لو كان صحيحاً، لكان عقداً منهما لغيرهما وقد تعاقدا لأنفسهما، فلا يصح، ومثله العقد على مدة لا تبقى إليها العين المستأجرة فهو باطلٌ؛ لأن عقد على معدوم لا يوجد.
ويناقش ما استدل به الظاهرية بأنا لا تسلم أن العقد على مدة لا يعين إليها المتعاقدان يعتبر عقداً أنهما لغيرهما.
فَإنْ عقد الإجارة ما هو إلا عقد معاوضة يفيد تمليك المنافع في مقابلة الأجرة، فالمنافع المعقود عليها كلها تملك للمستأجر والأجرة المقابلة لها كلها تملك للمؤجر، فإذا مات أحدهما ملك ورثته عنه ما كان يملكه من منفعة، أو أجرة، فالورثة لا شأن لهم بالعقد أصلاً، وإنما ورثوا آثار العقد من منفعة وأجرة، كما يرثون أثر البيع من ثمن أو منحه إذا بقي بيد المورث، حتى مات عنه، وبهذا تسقط حجة الظاهرية في إبطال التقدير بمدة لا يعين إليها المتعاقدان، وأما إبطالهم التقدير بمدة لا تبقى إليها العين المستأجرة فمسلم.
والجمهور يقولون به.
وَأَمَّا المالكية، فإنهم يفصلون في المدة بالنسبة للأعيان المؤجرة، فَيُحَدِّدُونَهَا في الأرض الزراعية المأمونة الري بخمسين عاماً، وإذا لم تكن مأمونة، فإلي هذه المدة أيضاً بشرط عدم قبض الكراء، وبالنسبة للعبد بخمْسَةَ عَشْرَ عَاماً، وبالنسبة لدور السكنى بثلاثين عاماً وبالنسبة لدواب الركوب بسنة، إلا أن تكون في سفر فشهر، وهذا في الدابة التي يكون فيها قبض الأجرة، وأما مع عدم القبض، فيجوز لأكثر من سنة، وقد فرقوا بين الدابة والعبد من جهة طول المدة وقصرها بأن العبد إذا حصلت له مشقة يخبر عن حال نفسه، والدابة ليست كذلك.
ولم أَرْ من استدلَّ على هذا التحديد، وغاية ما يستدل به عليه أن الأرض وإن لم تفن في الخمسين عاماً إلا أن قد تتغير فيها الأسعار، فالإجارة لأكثر منها تحتوي على الضرر، وأما الدار فإن يخش انهدامها لو استؤجرت لأكثر من تلك المدة، وكذا يقال في بقية التقادير عندهم.
ولا يخفى ضعف هذه الحجج، وعدم دلالتها على هذه التقادير المعينة المحددة، فالمانع من إطالة المدة إما الجهالة، وإما خوف هلاك أحد العاقدين، وإما خوف هلاك العين.
أما الجهالة فلا وجود لها, لأن الغرض أن العاقدين قدرا مدة معينة، وأما خوف هلاك أحد =

ورودُ الإتْلاف علَيْها، وعلَى هذا؛ فلو عَيَّب المكتري الدار، أو جرح العبد، كان كما لو تعيَّب بآفة سماويةٍ في ثُبُوت الخيار.
قال الإمام: وقد يختلج في الصَّدرْ خلافُة، لتضمُّن التَّعَيُّب الرِّضَا بالعيب.
ومنْها: انهدامُ الدار، والنصُّ أنه يقتضي الانفساخَ، ونصَّ فيما إذا اكتَرى أرضاً للزِّراعة، ولها ماءٌ معتادٌ، فانقطع أَنَّ له فسْخَ العقْد، واْختلفوا في النَّصَّيْن، فمنهم منْ نقَل وخَرَّج، وجعل المسأَلَتَيْنِ على قولَيْن: أحدُهُما: انفساخُ الإجارة؛ لفَوَات المقصود، وهو السكْنَى ههنا، والزراعة هناك، فكان كموت العبد.
والثاني: المنع؛ لأن الأرْضَ باقيةُ والانتفاغ ممكنٌ من وجْهٍ آخر، ولكن يثبت به الخيارُ.
ومنهم من قرر النصَّيْن، وفَرَق بأنَّ الدار لم تبعدَ داراً، والأرض بَقِيَتْ أَرْضاً، وأيضاً، فربما تُمْكِنُ الزراعةُ بالأمطار، وأشار بعضُهم إلى القَطْع بعدم الانفساخ، وحمل ما ذَكَره في الانهدام عَلَى ما إذا صارَتِ الدار تلاَّ غَيْرَ منتفع به بوجهٍ ما، وطريقةُ النَّقْل والتَّخريج أظهرُ عند الأصحاب، لكن الأظهر من القولَيْن في الانهدام الانْفِسَاخ، وفي انقطاع الماء ثُبُوت الخيارِ كما نصَّ عليه، وإنما يثبت الخيارُ، إِذا امتنعتِ الزراعة.
فأما إِذا قال المُكْرِي: أنا أسوقُ الماء إليها في موضَعٍ آخر، يسقط الخيار، كما لو بادر إلَى إصلاح الدار، فإن قلْنا: بالانفساخ، فالحكمُ على ما ذكرنا في مَوْتِ العبد، = العاقدين، فلا أثر له؛ لأنه لا ينفسخ العقد بمرت أحدهما عندهم وفاقاً للجمهور، فلم يبق إلا خوف هلاك العين، وهو لا يتقدر بالخمسين أو الثلاثين والخمسة عشر وغيرها، إذ الأرض قد تبقى مئات السنين، والدار قد تبقى أكثر من الثلاثين بكثير، وكذا العبد قد يعين أكثر من الخمسة عشر، والذي يظهر أن هذا التقدير إنما هو تقريب لا تحديد، والمراد استئجار العين إلى مدة تبقى فيها غالباً، كما يقول الجمهور.
وقد وجه الجمهور ما ذهبوا إليه من عدم تحديد المدة إلا بما تبقى فيه العين المستأجرة غالباً، بأن عقد الإجارة لازم لا ينفسخ بموت العاقدين أو أحدهما مع سلامة العين المؤجرة، وقد أعطاهما العقد حسن الانتفاع بما صار إليهما، فالمؤجر بالأجرة، والمستأجر بالعين، وما ثبت لهما من الحقوق يورث عنهما، فلا مانع من إطالة المدة، ولو لم يعن المتعاقدان إليها ما دامت العين تبقى فيها غالباً.
فإن قيل: إن الحنفية يقولون بانفساخ الإجارة بموت أحد العاقدين فكان عليهم أن يقولوا بما قال به الظاهرية عن التحديد بمدة يعين إليها العاقدان.
قلنا: لعلهم يلاحظون أن التقييد بالمدة يجعل العقد كأن عُقُودٌ ثمرة متعددة بتعدد المدة، فطرقها لا يؤثر، إذ غايته أن تبطل في المدة الزائدة، فلو أجر داراً مائة سَنَةٍ، فالإجارة صحيحة في المدة التي يعيشان إليها، فهذا مات أحدهما انفسخت، فلا داعي لإبطالها ابتداء.

وإن قلْنا بعدم الانْفِسَاخ، فله الفسْخ في المدة الباقية، وفي الماضية الوجْهَان، فإنْ منعناه، فعَلَيْه قسْطُ ما مضى من المسمَّى وإن أجاز، لزمه المسمى، كلُّه؛ وقيل: يحط للانهدام وانقطاع المَاءِ ما يخصه.
ومنها: إذا غصب العَبْدُ المستأجرُ، أو أَبق، أو نَدَّتِ الدابة، فإنْ كانتِ الإجارة في الذمَّة، فعلى المكْري الإبدالُ، فإن امتنع، استُؤْجر عليه، وإن كانتْ إجارةَ عَبيْدٍ، أو غصبتِ الدَّارُ المستأْجِرة، فللمكْتَرِي الخيار 1، فإنْ كان ذلك في أثناء المدَّة، فإنِ اختار الفسْخ فسخ في الباقي، وفي الماضِي ما مضى من الخلاف، وإنْ لم يفسخ، وكان قد استأْجر مدَّةً معلومةً فانقضت، فيبني على الخلاف فيما إذا أتلف أجنبيٌّ المبيعَ قبْل القبض، فيفسخ البيع أم لا؟ إن قلنا: ينفسخ، فكذلك الإجارةُ، ويستردُّ الأجرة، وإن قلْنا: لا ينفسخ، فكذلك الإجارة ويتخيَّر بين أن يفْسَخَ ويستردَّ الأجرة، وبيْن أن يجيز ويطالب الغاصب بأُجْرة المثل، والذي نصَّ عليه الشافعيُّ رضي الله عنه وأجاب به الأصحاب انفساخُ الإجَارة، وإن كان البناءُ المذكورُ يقتضي ترْجيحَ عَدَمِ الانفساخ وعلى هذا، فلو عاد إلى يده، وقد بَقِيَ بعْضُ المدة، فللمكْتَرِي أن ينتفع به في الباقي وتسقط حصَّة المدة الباقية، إلاَّ إذا قلْنا: إنَّ الانفساخ في بعْض المدَّة يوجِبُ الانفساخ في الباقي، فلَيْسَ له الانتفاع في بقيَّة المدَّة، وإن كان قَدِ استأجره لِعَملِ معلوم، فله أنه يستعملَهُ فيه متى حصلَتِ القدْرَة علَيْه، وإذا بادر المُكْرِي إلَى الانتزاع من الغاصب، ولم يتعطَّل منفعةٌ على المكتري، سقط خيارُه، كما سبق في إصْلاحِ الدَّار، ثم ذكر في غصب المستأجر صورتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: لو أَقر المكْترِي بما أكراه للغاصِبِ مِنَ المستأجر، أو لإنْسانٍ آخر، ففي قَبُول إقرارِهِ في الرقَبَة قولان، يُوَجَّه أحدهما؛ بأنه قولٌ يناقض العقد السابق، فلا يُلْتَفَتُ إلَيْه، كما لو أقرَّ بما باعه لغَيْر المُشْتَرِي، والآخر بأنَّه مالك في الظاهر غير مُتَّهم في الإقرار، ويخالف إقرار البائع؛ لأنَّه يصادف ملك الغير، وقد يبنى الخلاف على أن المكْرِي، هل له بيعُ المستأجر؟ إن قلْنا: نعم، صحَّ إقراره، وإلا، فهو علَى الخلاَفِ في إقرار الرَّاهن، وإذا قلْنا: يُقْبَلُ إقراره، ففي بطلان حقِّ المستأجر من المنفعة أوْجُه: أظهرُها: أنه لا يَبْطُل؛ لأنه بالإجارة أَثْبَت له الحق في المنفعة، فلا يُمَكَّن من رفعه كما، أن البائع لا يتمكَّن من رفْع ما أثبته بالبَيْع.

والثاني: يَبْطُل؛ تبعاً للرقَبَة كالعَبْد إذا أقرَّ على نفسه بالقَصَاص، يُقْبَل وَيبْطُلُ حَقُّ السيد تبعاً.
والثالث: إنْ كَانَ المَالُ في يَدِ المستأجر 1، فلا يزالُ يدُهُ إلى انقضاء مدَّة الإجارة، وإن كان في يَدِ المُقَرِّ له، فلا ينتزع من يده.
وإذا قلْنا: يَبْطُل حقُّ المكتري في المنفعة، فهلْ له تحليف المكْرِي؟ فيه الخلافُ المذكورُ في أن المرتهن، هل يُحَلِّفُ الراهن، إذا أقرَّ بالمرهون، وقبِلْناه؟ والأظهرُ من الخلاف في المسألة أنَّه يقبل إقراره في الرَقبةُ، ولا يَقْبَل في المنْفَعَة، ويُحْكَى هذا عن أبي بكرٍ الفارسيِّ، لكن الذي رواه عن النَّصِّ في "عيون المسائل" له أن الإقرار جائزٌ، والكراء باطلٌ.
الثانية: للمكْرِي مخاصمةُ من غَصَب العَيْن المكراةَ أو سرَقَها بحقٌ الملك، وهل للمكْتَرِي مخاصمَتُه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنَّهُ يستحِقُّ المنفعة، فيطالبه ليستوفِيَ المنفعة.
وأظهرهما، وَيُحْكَى عن نصِّ الشافعيِّ رضي الله عنه لا؛ لأنه ليْسَ بمالِك، ولا نائبٍ عن مالك فأشبه المودع والمُسْتعير، والوجْهان جاريان في أنَّ المرتهن، هل يخاصم؛ لأن له حقَّاً في المرْهُون؟ ورأى الإمامُ وطائفةٌ الوَجْه الأول أقْرَبَ إلى القِياسِ، وعلَى ذلك؛ جرى صَاحِبُ الكتاب.
وقال: "والأقيس أن للمستأجر أيضاً مخاصمة الغاصِبِ" وقد يوجَّه بأن من ادَّعَى مِلْكاً، وقال اشترَيْتَهُ من فلان وكان مالكاً له إلَى أن اشتريتُهُ تُسْمَعُ بينته عَلَى ذلك، فكما سُمِعَتِ البينةُ على تملُّك البائع؛ لتوسُّله بها إلَى إثبات المِلْك لنفسه، وجب أن يكون الحُكْمُ في المنفعة كذلك.
ومنْها الثوبُ المعيَّن للخياطة، إذا تَلِفَ، هل ينفسخ العقد؟ فيه خلاف قدْ مرَّ ذكره.
والأصحُّ عند الإمام وجماعةٍ: أنه لا ينفسخ؛ لأنَّ المعقود عليه العمل، فلا فرْقَ بين أن يوقعه في ذلك المعيَّن، أو في مثله.
وعند العراقيين والشيخ أبي عَلِيٍّ: أنه يَنْفسخ؛ لتعلُّقه بذلك المعين فيه، أجاب ابْنُه الحداد فيما إذا اكترى منه دوَابَّ في الذمَّة؛ لحمل خمسة أعْبُدٍ معيَّنين، فمات اثنانِ، وحمل ثلاثة، فقال: له ثلاثةُ أخماسِ الكراء، ويسقط خمساه، والفرض فيما إذا تساوت أوزانهم، وبوافقه نصُّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- فيما لو نَكَحها على خياطةَ ثَوْبٍ بعينه، فهَلَكَ قبْل أن يَخِيطَهُ؛ حيث قال: لها مَهْرُ المثل، ثم بيَّن الشَّيْخُ مَوْضِعَ الخلاف؛ فقال:

الخلاف فيما إذا لزم ذمَّته خياطةُ ثوبٍ بعينه، أو حمل عبْداً وقناعاً بعَيْنه، فإنَّ العقْدَ، وإن كان في الذِّمَّة، فهو متعلِّق بعينِ دلك الثَّوْب أو المتاع.
أما إذا استأجر دابَّةً بعينها مدة؛ لركوب، أو حمْل متاعٍ، فلا خلاف في جوازِ إبْدالِ الراكب والمتاع، وفي أن العَقْدَ لا ينفسخ بهلاكهما وَفَرَق بأن العقْدَ، والحالةُ هذه، تناول المدة؛ ألا تَرَى أنَّهُ لو سَلَّم الدابَّة، فلم يركْب، تستقِرُّ الأجرة، وفيما إذا استأجر؛ لخياطةِ الثَّوب المعيَّن العقْدُ يتناول العمل، ولهذا لو سلَّم نفْسه مدةً يُمْكِنُ فيها الخياطة، ولكنْ لمْ يَخطْ له لم تستقرَّ هكذا ذكره الشَّيْخُ، وفيه نزاعٌ ستعرفه من بعْدُ إن شاء الله تعالى.
فإن حكمنا بأنَّ الإجارة لا تَنْفَسِخ، فإن أتى المُسْتَأْجِر بثَوبْ مثله، فذاك، وإن لم يأْتِ إما لعجْزٍ، أو امتنع عنْ قدرةٍ، حتى مضت مدةٌ تسع لتوفيته 1 فتستقرُّ الأجرة، أو لا تستقرُّ؟ فيه وجهان 2، نقلهما الإمام: إنْ قلْنا: تستقرُّ، فللمستأجر فَسْخُ العَقْدِ؛ لأنَّه، ربَّما لا يَجدُ ثوباً آخرَ أو لا يريد قَطْعَهُ.
وفيه وجهٌ آخر: أنه ليسَ له فَسْخُ العقْد، فيخرَّج من هذا وجه أن المستأجر مخيَّر، إن شاء أبدل الثوب التالف، وإن شاء فسخ، وإليه، أشار صَاحِبُ الكتَاب في "الوسيط" حيْث قال بَعْد ذكر الخلاف في الانفساخ: و"فيه وجهٌ ثالِثٌ؛ وهو أنَّهما إن لم يتشاحا في الإبدال استمر العقد، ولا يثبت الفسخ.
وموت الصبيِّ المعيَّن للتعليم كتَلَفِ الثَّوْب المعيَّن للخياطة، وكذا الصبيُّ المعيَّنُ للارْضاع، إن لم يكُنْ وَلَد المرْضِعة، وإنْ كان وَلَدَهَا، فالخلاف فيه مرتَّبٌ، وأولَى بالانفساخ؛ لأنَّ دُرُورَ اللَّبَن على الولد فوق دُرُوره على الأجنبيِّ؛ لزيادة الشفقة على الوَلَد، فلا يُمْكِن إقامة غيرُه مُقَامه.
ولو بدأ له في قَطْع الثوب المعيَّن، وهو باقٍ، قال الإمام: المتَّجه أنَّهُ لا يجبُ عليه الإتيانُ به؛ لأنه قد نتج له غرض في الامتناع، لكن تستقرُّ عليه الأَجرة، إذا سلم الأجير نَفْسه، ومضَى مدَّة إمكان العمل، إن قلنا: استقرارُ الأجرة بتَسْلِيم الأجير نَفْسِه، ولَيْسَ للأجير فسْخُ الإجارة.
وإن قلنا: لا تستقرُّ، فله فَسْخُ الإجارة، وليْسَ للمستأجِر الفَسْخُ بحال؛ فإنَّ الإجارة عندنا لا تُفْسَخ بالأعذار، ولا يلتحقَ 3 بالأسْبَاب المذكورةِ في الفصْل موت

المتعاقدَيْن، فلا تنفسخ الإجارةُ بمَوْت المستأجِرِ، ولا مَوْتِ المؤَجِّر، وبه قال مَالِكٌ وَأَحْمَدُ رحمهما الله بل إن مات المستأْجر، قام وارثه مَقَامَهُ في استيفاءِ المَنْفَعة، وإن مات المؤَجِّر، نزل المال عند المستأْجِر إلى انتهاء مدَّة الإجارة، فإن كانَتِ الإجارةُ واردةً على الذمة، فما التزمه دَيْنٌ عليه، فإن كان في التركة وفَاءٌ، استُؤْجِرَ منها لِتَوْفِيَته، وإلاَّ، فالوارث بالخيار، إن شاء وفَّاه، واستحق الآجرة، وإن أعرض فللمستأْجِرِ فسخ الإجارةَ 1. وقال أبو حنيفةَ: ينفسخ العقد بموت كلِّ واحدٍ منهما.
لنا: القياسُ على البَيْع، وعَلى ما إذا زوج أَمَتَه، ثم مات، وانفساخُ الإجارة بموت الأجير كان من جهة أنَّه مورد العَقْد لا من جِهَة أنَّه عاقِدٌ.
ولو أوصَى لزيْدٍ بمنفعةِ دَارِه مدة عُمْرِ زَيْدٍ، فقَبِلَ الوصيَّةَ، وأجَّرها مدة، ثم مات في خلالِ المدَّة، تنفسخ الإجارة؛ لانتهاء حقه الذي هو مورِدُ الإجارة بمَوْتِه.
ومما ينتظم في الفصل.
مسألةُ هَرَبِ الجَمَالِ: فإذا أكْرَى جمَّالاً، وهَرَب، فإمَّا أن يذْهَب بها، أو يتركُهَا عند المكْتَرِي، فَإذا ذهَب بها، نُظِر؛ إن كانتِ الإجارةُ في الذمَّة، اكترى الحاكمُ علَيْه من ماله، فإن لم يَجِدْ له مالاً، اكْتَرَى عليه مِنْ بيت المَالِ، أو من المكتري، أو غيره، واكترى عليه.
قال في "الشَّامل": ولا يجوز أن يكل أمر الاكتراء إلى المُكْتَرِي؛ لأنه يصير وكيلاً في حقِّ نفسه فإن تعذَّر الاكتراءُ علَيْه؛ فللمكتَرِي فسْخُ العقد، كما لو انقطع المُسَلَّم فيه عند المحلِّ، فإن فَسَخ، فالأجرة دَيْنٌ في ذمَّة الجَمَّال فإن لم يفْسَخ، فله مطالبةُ الجمال، إذا عاد بما التزمه، وإن كانت الإجارةُ إجارة عيْن، فللمكتري فَسْخُ العقْد، كما إذا نَدَّت الدابَّةُ، وإن تركها عنْد المُكْتَرِي، فإن تَبرَّع المكتري بالإِنْفاقِ عليها، فذاك، وإلا، راجع الحاكمَ؛ لينفق علَيْها، وعلَى من يقوم بتعهُّدها من مال المكري، إن وجده، وإلاَّ، استقرْ مَن علَيْه كما ذكرنا، ثم إنْ وثق بالمكتري، سلَّم إليه ما اقترضه.
لينفق عليها، إِلاَّ، دفَعَه إلى مَنْ يثق به، وإذَا لم يجد مالاً آخَر، باع منها بقدر الحاجة؛ لينفِقَ علَيْها من ثَمَنِه، ولا يُخَرَّج على الخلاف في بيع المستأجر؛ لأنه محل الضرورة، ويبقى في يد المستأجر إلى انتهاء المدَّة، ولو لم يستقرِضِ الحاكِمُ من المكتري، ولكنْ أَذِنَ له في الإنْفَاقِ ليرجع، ففيه قولان: أَظهَرُهُمَا: الجواز، كما لو استقرض منه ودفَغ إلَيْه.

والثاني: المَنْعُ، وُيُجْعَل متبرِّعاً؛ لأنا، لو جوَّزناه، لاحتجنا إلى قبول قوله فيما يدَّعيه لنَفْسِه، وهو بعيدٌ، وإذا قلْنا بالأول، نُبَالِ به، وجعلَنا القول قوله، إذا اختلَفَا في قدر ما أنفق.
وعن صاحِب "التقريب" وَجْهٌ آخر: إن القَوْلَ قولُ المكْرِي؛ لأن الأصْل براءةُ ذمَّتِه، ولو أنفق المكْتَرِي بغَيْر إذْن الحاكم مع إمْكَان مراجعته، لم يرجع، وإن لم يكن حاكمٌ، فعلى ما ذكرنا في عاملِ المُسَاقاة، إذا هرب, قال الإمام: ولو كان في الموضِعِ حاكمٌ، وعُسَر إثبات الواقعة عنْدَه، فكما لو لَمْ يكُنْ حاكمٌ، فإذا أثبتنا الرجُوعَ فيما إذَا أنفق من غَيْر مراجعَةِ الحاكم فلو اختلفا، فالقَوْل قولُ الجَمَّال؛ لأن اتِّفاق المكتري لم يستند إلى ائتمانٍ من جهَةِ الحاكم.
قال: وفيه احتمالٌ؛ لأن الشَّرْعَ سَلَّطَهُ علَيْه، فإذا انقَضَتْ مدَّةُ الإجارة، ولم يعد الجمَّال، باع الحاكم منها ما يَقْضِي بثمنه ما اقْتَرَضَ، ويحْفَظُ سائرها، فإن رأَى بيعها لئلا يأكل بنفسها فعل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا حَبَسَ المُكْتَرِي الدَّابَّةَ حَتَّى مَضَتِ المُدَّةُ اسْتَقَرَّتِ الأُجْرَةُ سَوَاءٌ قُدِّرَتِ المُدَّةُ أَمْ لاَ، عُيِّنَتِ الدَّابَّةُ أَمْ لاَ، فَإنْ حَبَسَ المكْرِي وَقَدِّرَتِ المُدَّةُ انْفَسَخَتْ، وَإِنْ لَمْ تُقَدَّرْ فَوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وفيه مسألتان: الأُولَى: إِذا اكترَى دابَّةً، أو داراً مدَّةً وقبَضَها، وأمسَكهَا، حتَّى مضَتِ المدَّة، انتهت الإجارةُ، واستقرَّتِ الأجرة، سواءٌ انتفع بها في المدَّة أم لا, وليْسَ له الانتفاعُ بعد المُدَّة، ولو فعَل، لَزِمَه أجرةُ المثْل مع المسمَّى، ولو ضبطت المنفعةُ بالعمل دون المدَّة، كما إذا استأجر دابَّةً ليركبها إلَى بَلَدٍ، أو ليحمل عليها إلَى موضِعٍ معلومٍ، وقبضها وأمسكها عنْده، حتى مضَتْ مدَّة يُمْكِن فيها المسيرُ إلَيْه، فكذلك تستقرُّ عليه الأجرة؛ خلافاً لأبي حنيفة رضي الله عنه.
لنا: إن المُكْرِي مكَّنه من الانتفاع بأقْصَى المقدور عَلَيْه، فتستقر له الأجرةُ، كما لو كان الضبْطُ بالمدة، ولا فَرْق بين أن يكون تخلُّف المكتري لعُذْرٍ، أو من غيْر عذْرٍ، حتى لو تخلَّف؛ لخوفٍ في الطريق، أو لعدَم وُجْدانِ الرُّفقة، استقرَّت الأجرةُ عليه، وإن كان معذوراً من جهة أنَّه لو خرَجَ، والحالَة هذه، كان متعدِّياً ضامناً للدِّيَة، وإنما استقرَّت الأجرةُ عليه؛ لأن عِوَضها وهي منافعُ المدةِ تَلِفَتْ عنده على أنه متمكِّنٌ من السَّفَر عليها إلى بلدٍ آخَرَ، ومِنِ استعْمالها في البلد تلْكَ المدة، وليس للمكْتَرِي فَسْخُ العقد بهذا السبب، ولا أنْ يُلْزِمَ المكْرِيَ استردادَ الدابَّة إلى أن يتيسَّر الخروج، هذا في

إجارة العَيْن.
فلو كانت الاجارةُ في الذِّمَّة، وسلم دابَّةً بالوصف المشروط، فمضَتِ المدةُ عند المكتري، استقرت الأجرة أيضاً؛ لتعيُّن حقه بالتَّسْليم وحصول التَّمكُّن.
وقوله [في الكتاب] "عينت الدابة أم لا" عبارة عن النوعين إجارةِ العَيْن، والإجارةِ في الذِّمَّة.
وقوله قبله: "قدرت المدَّةُ أم لا" إشارةٌ إلى الضبط بالمدة، والضبط بالمنفعة.
ولو كانتِ الاجارةُ فاسدةً، استقرَّ فيها أجرةُ المثْل بما يستقرُّ بها المسمَّى في الإجارة الصَّحِيحة، سواءٌ انتفع بها أو لم يَنْتَفِع، وسواءٌ كانتْ أجرةُ المثْلِ أقلَّ من المسمَّى، أو أكثر.
وقال أبو حنيفة: إن لم ينتفعْ، فلا شيْءَ عليه، فإن انتفع، فعلَيْه أقلُّ الأمرَيْن من المسمَّى، وأجرة المثل.
ولو أجَّر الحرُّ نفْسَه مدَّةً لعمل معلومٍ، وسلَّم نفْسَه، فلَمْ يستعملْهُ المستأْجِرُ حتى مضَتِ المدة، أو مضت مدةٌ يُمْكِنُ فيها ذلك العمل، ففي استقرار الأجْرَةِ خلافٌ ذكرناه في الغَصْب.
والظَّاهر الاستقرارُ، ويجري الخلافُ فيما إذا ألزم ذمة الحرِّ عملاً، فسلَّم نفْسَه مدَّةَ إمكانِ ذلك العَمَل، ولم يستعملْهُ، وسبَبُ الخلاف أن الحرَّ لا يدْخُلُ تحت اليد على ما قدَّمناه.
وأجرَى صاحبُ "التتمة" الخلافَ فيما التزم الحُرُّ عملاً في الذِّمَّة، وسلَّم عبده؛ ليستعمله، فلم يستعمْلُه، فوجهه بما يقْتَضِي إثْباتَ الخِلاَفِ في كل إجارة على الذمَّة، ثم إذا قلْنا بعدم الاستقرار، فللأجيرِ أن يرفع الأمْرَ إلى الحكم؛ ليجبرَه على الاستعمال.
المسألة الثانية: أكْرَى عيناً مدةً، ولم يسلِّمْها حتى انقضتِ المدَّةُ انفسخت الإجارة، لقوات المعقُودِ عليه، ولو أنه استوفَى منفعَة المدَّة، حكَىَ المتولِّي فيه طريقَيْن: أحدهما: أنَّهُ كما لو أتْلَفَ البائعُ المبيع قبل القَبْضِ.
والثاني: القطْعُ بالانفساخ؛ فَرْقاً بأن الواجبَ هناك بالإتْلافِ القيمةُ، وأنها قابلةٌ للبيع، فجاز أن يتعدَّى حكْمُ البيع إلَيْها، وههنا ما تقدَّر وجوبه أجرةُ المثل، وأنها لا تَقْبَل الإجارة، فلا يتعدَّى حكْمُ الإجَارة إليْها.
ولو أمْسَكَهَا بعْضَ المدة، ثم سلَّم، انفسخت الإجارةُ في المدَّة التي تلِفَتْ منافعها، وفي الباقي الخلافُ فيما إذا تلِفَ بعضُ المبيع قبل القبْض، فإن قلْنا: لا تنفسخ الإجارةُ فللمستأجر الخيارُ، ولا يبدل زمانُ بزمان، ولو لم تكنِ المدةُ مقدَّرة، واستأجرَ دابَّةً للركوب إلَى بلدٍ، ثم لم يسلِّمْها، حتى مضتْ مدةً يمكن فيها المضيُّ إليه، ففيه وجهان يختار الإمام منهما أن الإجارةَ تنفسخ،

ووجَّهه بأن المدة، وإنْ ذُكِرَت، فليستْ معينةٌ، وإنما المطلوب المنفعةُ فيها، فليكن الاعتبارُ بمضيِّ زمان إمكان الانتفاع، وبأن المكتري حبسها هذه المدَّةَ، استقرَّت عليه الأجْرَةُ، كما لو حبسها إلى آخر المدَّة إذا كانتْ مذكورة في الإجارة، فإذا سوَّيْنا بيْن نوعَي الإجارة في حقِّ المكتري، وَجَب أن نسوِّيَ بينهما في حقِّ المكري.
وأظهرهما، وبه أجاب الأكثرون: أنها لا تنْفَسِخ؛ لأنَّ هذه الإجارةَ متعلَّقة بالمنفعة دون الزمان، ولم يتعذَّرِ استيفاؤُها، ويخالفُ حبْس المكتري بأنا لو لم نقرِّر به الأجرَةَ لضاعَتِ المنفعةُ على المكْرِي، وعلَى هذا، ففي "الوسيط" أنَّ للمكتري الخيار؛ لتأخُّر حقه، وروايةُ الأصحاب تخالِفُ ما رواه؛ فإنَّهم قالُوا لا خيار للمكتري، كما لا خيارَ للمشْتَرِي، إذا امتنع البائعُ من تسليم المَبِيع مدَّةَ، ثم سلَّمة، ولو كانتِ الإجارةُ في الذِّمَّة، ولم يسلِّم ما يستوفِيِ المنفعةَ منْه حتى مضَتْ مدة يمكنُ فيها تحصيلُ تلك المنفعة، فلا فسْخ ولا انفساخَ بحالٍ، فإنَّه دَيْنٌ تأخَّر إبقاؤه.
قَالَ الغَزَاليُّ: الثَّالثُ مَا يَمْنَعُ آسْتِيفَاءَ المَنْفَعَةِ شَرْعاً يُوَجِبُ الْفَسْخَ كَمَا لَوْ سَكَنَ أَلَمُ السِّنِّ الُمسْتَأجَرِ عَلَى قَلْعِهِ، أَوْ عَفَا عَمَّنْ عَلَيهِ القِصَاصُ وَقَدِ اسْتُؤْجِرَ (و) لِقَطعِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القسمُ الثالِثُ فواتُ المنفعةَ شَرْعاً، وهو كالفوات الحِسِّ في اقتضاء الانفساخ؛ لأنَّ تعذُّر الاستيفاء يَشْمُلُهُما، فإذا استأجَرَ لقلْع سنٍّ وجعه أو قطْعِ يد متآكلة، أو لاستيفاءِ قصاصٍ في نفْسٍ، أو طَرَفٍ، فالظاهرُ صحَّةُ اَلإجارة، لكِنْ فيه شيئان: أحدهُما: كما قدَّمناه، فإذا قلْنا به، فلو زال الوجْع، وعفا عمَّن علَيْه القصاص، فقد أطْلَق الأكثرون القَولَ بانفساخ الإجارَةِ، لكنْ فيه شيئان: أحدُهُما: أنَّ المنفعةَ في هذه الإجَارَة مضْبوطةٌ بالعَمَل دون المدَّة، وهو غير مأْيُوسٍ منه لاحتمال عَوْدِ الوجع، فليكن زوالُ الوجع كغصب العين المستأجرة؛ حتى يثبُتَ خيار الفسْحِ دون الانفساخ، ولفظ الكتاب حيث قال: "يوجِبُ الفسخ" ظاهرُهُ يوافِقُ مالكاً إلاَّ أنه أراد الانفساخ، عَلَى ما صرَّح به في "الوسيط".
والثاني: أن الشَّيْخ أبا محمَّدْ حَكَى وجْهاً أنَّ الإجارة لا تنْفَسِخ، بلْ يستعمل الأجير في قلع وتدٍ، أو مسْمَارٍ، ويراعَى تداني العمَليْن، وهذا ضعيفٌ، والقوي ما قيل؛ أنَّ الحكْمَ باَلانفساخ جوابٌ على أن المستَوْفَى به لا يُبْدَل، فإنْ جوَّزناه، أجبر بقلع سنٍّ وجعةٍ لغيره.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ مَاتَ البَطْنُ الأَوَّلُ مِنْ أَرْبَابِ الوَقْفِ بَعْدَ الإِجَارَةِ وَقَبْلَ مُضِيِّ المُدَّةِ فَالأَقيَسُ (و) الانْفِسَاخِ لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ مَا لاَ يَمْلِكُهُ، وَلَوْ آجَرَ الوَلِيُّ الصَّبِيَّ أَوْ دَابَّتَهُ مُدَّةَ تَجَاوِزُ البُلُوغَ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ قَصُرَتْ فَبَلَغَ بِالاحْتِلاَمِ عَلَى قُرْبٍ، فالأَقْيَسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَسِخُ إِذْ

بُنِيَ العَقْدُ لَهُ عَلَى المَصْلَحَةِ، وَإِنْ أُعْتِقَ العَبْدُ المُكْري لَمْ تَنْفَسِخِ (و) الإِجَارَةُ، وَلاَ خِيَارَ (و) لِلْعَبْدِ، وَلاَ يَرْجِعُ بالأُجْرَةِ عَلَى السَّيِّدِ في أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى بَيْتِ المَالِ في هَذِهِ المُدَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّها عَلَى السَّيِّدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصْلُ يشتملُ على ثلاث مسائل: الأُولى: إِجارةُ الوَقْف يُفْرَضُ تارة من الموقُوف عليه، وأخْرَى من المتولِّي، وبيان الحالَتَيْن موكول إلى "كتاب الوقْف" فإِذا أجَّر البَطْنَ الأوَّلَ من الموقوف علَيْهم، ثم مات في أثناء المدَّة، فأحد الوجهَيْن: أن الَإجارة تبْقى بحالها؛ لأنَّها لازمةٌ، فلا تتأثَّر بموْتِ العائد، كما لو أجَّر ملكه.
وأصحُّهما: المَنْعُ؛ لأنَّ المنافع بعْد موته لغيره، ولا ولايةَ له علَيْه، ولا نيابةَ عَنْه، فلا يمكِنُه التصرُّف في حقِّه، وسواء الوجهان على أن البطن الثانِيَ يتلقَّى الاستحقاق من الأوَّل، أو من الواقِف، إن قلْنا بالأول، فالإجارةُ بحالها، كما لو أجَّر ملكه، ومات في المدة، وإنْ قلْنا بالثاني، فلا ثُمَّ عبارة المعْظَم في المسْأَلة "الانْفِسَاخُ وعدمه" فقالوا: في وجْه: ينْفَسِخ الإجارَةُ وفي وجه لا تَنْفَسخ، ولم يستَحْسِنْها الصَّيْدَلاَنِيُّ والإمام وطائفةٌ؛ لأن الانفساخ يُشْعِر بسَبْق الانعقاد، وردُّوا الخلاف إلَى أنَّا، هل نبيَّن البطْلاَنَ؛ لأنا تبَينَّا أنه تصرُّف فيما لم يَمْلِكْه؟ وإذا حكَمْنا ببقاءِ الإجَارة، فحِصَّة المدَّة الباقيةِ منَ الأجْرة تكونُ للبَطْنِ الثَّاني، فإنْ أتْلَفَها الأوَّلُ، فهيَ دَيْن في تركته، وليْسَ هذا كما إذا أجَّر ملكه، ومات في المدَّة؛ حيث تكونُ جميع الأجرة تركةً له تقضي منْها ديونَهُ، وتنفِّذُ وصاياه، وفَرَقُوا بأنَّ التَّصَرُّفَ هناك ورَدَ على خالِصِ حَقِّه، والباقي له بعْد الإجارة رقبةٌ مسلوبةٌ المنفعةِ في تلْك المدة، فينتقلُ إلى الوارث كذلك.
وإن قلنا: إنَّها لا تبقَى، فهل تبطلُ فيما مضى؟ قال ابْنُ الصَّبَّاغ: يُبْنَى على الخِلاَفِ في تفْريق الصَّفْقة، إن قلنا: لا نُفَرِّق، كان للبطْنِ الأول أجرةُ المثْل؛ لما مَضَى.
وأما إذا أجَّر الوقف المتولّي، فموته لا يؤثِّر في الإجارة؛ لأنَّه ناظرٌ للكل، ولا يختصُّ تصرُّفه ببَعْض الموقُوف علَيْهم.
وحكى القاضي الرُّويانيُّ وجهاً آخر أنهَا تَبْطُل، فهو كالخِلافِ فيما إذا أجَّر الولِيُّ الصَبىَّ، فبلغ في المدة بالاحتلام 1. المسألة الثالثة: للوليِّ إجارة الطفلِ ومالِهِ، أباً كان أو وصيّاً، أو قَيِّماً، إذا رأى المصلحةَ فيها، لكن لا تجاوِزُ مدةَ بلوغِهِ بالسِّنِّ، فلو أجَّره مدَّةً، فبلغ 2 في أثنائها؛ بأن

كان ابن تسعٍ، فأجَّره عشْرَ سِنينَ، فطريقان: قال الأكثرون: يبطُلُ فيما يزيدُ عَلى مدة البلوغ، وفيما لا يزيدُ قولاَ تَفْرِيقِ الصَّفقة، وقطَع بعْضُهم بالبُطْلان، كما إذا أَجَّر الراهِنُ المرْهُون مدَّة يحل الدين قبْل انقضائها، وهذا أصحُّ عند صاحب "التهذيب" 1 ويجوزُ أنْ يؤجِّر مدةً لا يبلغ فيها بالسِّنِّ، وإِن احتمل أنْ يبلغ بالاحتلام؛ لأن الأصلَ دوامُ الصبا، فلو اتفَقَ الاحتلام في أثنائها، فوجهان: أَظْهَرُهُمَا: ما ذكره الشَّيْخ أبو إسحاق الشِّيرَازِيُّ والقاضي الرُّوَيانِيُّ في "الحلية": أن الإجارة تبْقَى؛ لأنَّه كان وليّاً حين تصرَّفَ، وقد بني تصرُّفُه على المصلحة فيلزم.
والثاني: لا يَبْقى؛ لأنا تبيَّنا أنَّه زاد علَى مُدَّة ولايته، وهذا أصحُّ عند الإمام والمتولِّي 2، ثم التعبير عن محل الخلاف بالانفساخ، أو تبيَّن البطلان كما ذكرنا في حكم المسألة.
وإذا قلْنا: لا تبْقَى الإجَارَة، فيجيءْ فيما مضَى خلافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقة.
فإن قلْنا: تبقى، فهل له خيارُ الفَسْخ، إذا بلغ؟ فيه وجهان: أَظْهَرْهُمَا: لا كما لو زوَّج ابنته، ثم بلغت، لا خيار لها.
والثاني، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يَثْبُتُ؛ لأنَّ التصرُّف كان لمصلحته، وهو أعرف بمصلَحَتِه عنْد البُلُوغ، ويخالِف النِّكاح، فإنَّه معقودٌ للدوام.
ولو أجَّر الوليُّ مال المجنون، فأفاق في أثْنَاء المدَّة، فهو في معْنى البلوغ بالاحتلام.
المسالةُ الثَّالِثَةُ: إذا أكرى عَبْدًا، ثم أعتقه، نفذ؛ لأنَّ إعتاق المغصُوب والآبِقِ نافذ، فهذا أولَى، وهل تَنْفَسِخ الإجَازَةُ؟ الصحيحُ، وهو المذكور في الكتاب: أنهَا لا تنْفَسِخ 3؛ لأن الذي السَّيِّد أزال ملكه 4 عن المنافع مدَّةَ الإجارة قبْل العتق، فالإعتاق يتناولُ ما بَقِيَ ملكًا له، وأيْضاً فإنه أجَّر

ملكه ثم طرأ ما يُزِيلُ المُلْكَ، فأشْبَه ما إذا أجَّر، ثم مات.
وعن صاحب "التقْريب" وَجْةٌ آخَرُ.
إنَّهَا تنْفَسِخ كما إذا مات البطْنُ الأوَّل، وإذا قلْنا بالصحيح، فهل له الخيارُ، إذا أعتق؟ فيه وجهان: أَحَدُهُمَا: نعم، كما لو أُعْتِقَتِ الأمَةُ تحت الزَّوْج الرَّقيق.
وأَصَحُّهُمَا: لا؛ لأنَّه تصرَّف لنفسه في خالِصِ مِلْكه، فلا وجْهِ للاعتراض علَيْه، وهذا هو المذكورُ في الكتاب، وعلَى هذا، ففي رجُوعه على السَّيِّد بأُجْرةِ المِثْل للمدَّة الواقِعَة بعْد العتْق وجهان في رواية بعْضهم، وقولان في رواية آخرين: أَحَدُهُمَا: يرجع؛ لأن المنافع تُسْتَوْفَى منْه بسببٍ من جهة السَّيِّد قَهْرًا فصار كما لو أكْرَهَهُ على العمل.
وأصحّهما، وهو الجديد في روايةِ مَنْ جعَلَهُما قولَيْن: أنه لا يرجع؛ لأنَّه تصرَّف في منافعه حين كانَتْ مستحَقَّةً له بعَقْدٍ لازم، فصار كما لو زوَّج أمته، واستقَرَّ مَهْرُها بالدُّخُول، ثم أعْتَقَها لا يرجع بشيْءٍ، لما يستوفيه الزَّوْج بعد العتق، فإِن قلْنا: يرجع، فنفقتُهُ في تلْك المدَّة على نَفْسِه؛ لأنه مالِكٌ لمنفعته، وإذا قلْنا: لا يرجع، فوجهان: أحدهما: أنهَّا على السَّيِّد لإدامته الحَبْسَ عليه، ولأنَّه كالباقى علَى ملكه من حيثُ إنَّ منافعه له.
وأشْبَهُهما: أنَّها في بيْتِ المَالِ؛ لأنَّ السيِّد قد زال مِلْكُه عنه، وهو عاجزٌ علَى تعهُّد نفْسه 1. وإذا ظهر بالعبْد عيْبٌ بعد العتق، وفسخ المستأجر الإجارة، فالمنافِعُ للعتيق 2 إنْ قلنا برجوعه على السَّيِّد بأجرة المِثْل، وإلاَّ، فهو له أو للسَّيِّد؟ فيه وجهان 3. ولو أجَّر عبده، ومات، وأعتقه الوارثُ في المدة، ففي انفساخ الإجَارَةِ ما سبَقَ منه الخِلاَف، لكن إذا قلْنا بعدم الانفساخ، فلا خلافَ هاهنا في أنه لا يرجِعُ على المُعْتق ههنا بشيْء.
ولو أجر أم ولده ومات في المدة عَتَقَتْ وفي بُطْلاَن الإِجَارَةِ الخلافُ المذكُور فيما إذا أجَّر البطْنَ الأوَّل، ومات، وكذا الحكم في إجارة المعلَّق عتقُهُ بصفةِ 4.

قال في "التَّهذيب": وإنمَّا يجوز إجارته مدَّة لا تتحقَّق وجود الصفة فيها، فإن تحقَّقَ، فهو كإجارة الصبىِّ مدةٌ يتحقق بلوغُه فيها 1. وكتابة العَبْدِ المأذون جائزةٌ عند ابن القَطَّان، وغيرُ جائزةٍ عند القاضي ابْنِ كج 2؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه التصرُّف لنفسه، فإن جوَّزناه، عاد الخلافُ في الخيار، وفي الرجُوع على السَّيِّد 3. وقوله في الكتاب في المسألة الأُولى "فالأقيس الانفساخ"، وفي المسألة الثانية "فالأقيس أنه لا ينفسخ" وجه افتراقِهِما في القياسِ أنَّ البطْنَ الأوَّل لا يلي أمر الثاني، وإنَّما هو متصرِّفٌ لنفسه، فإذا جاوَزَ حقَّه، فالقياسُ البُطْلان، وفيما إذا بلغ الصبيُّ بالاحتلام، فالوليُّ عاقد للصبىِّ مراعٍ لمصلحته، فالقياسُ إمضاء تصرُّفه، كما إذا أجر المتولِّي، وفي لقطة "الانفساخ" في المسألتين مناقشةٌ ذكرناها، وأمَّا في مسألة إعتاق العبد المكْري، فلا مناقشة فيها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ بَاعَ الدَّارَ المُسْتَأْجَرَةَ مِنَ المُسْتَأْجِرِ صَحَّ وَلَمْ يَنْفَسِخِ الإِجَارَةُ عَلَى الأَصحِّ (و) فَيَسْتَوْفي المَنْفَعَةَ بحُكْم الإِجَارَةِ، وَكذَلِكَ يَصِحُّ لِلمُسْتَأْجِرِ إِجَارَةُ الدَّارِ مِنَ المَالِكِ كَمَا يَصِحُّ مِنَ الأَجْنَبيَ، وَقِيلَ: إنَّ الإِجَارَةَ وَالمِلْكَ لاَ يَجْتَمِعَانِ كَالنّكَاحِ والمِلكِ، وَلَوْ بَاعَ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ المُسْتَأْجِرِ صَحَّ (و) البَيْعُ في أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ وَاسْتَمَرَّتِ الإِجَارَةُ إلَى آخِرِ المُدَّةِ، وَفِي اسْتِثْنَاءِ المَنْفَعَةِ عَنْ بَيْعِ الرَّقَبَةِ شَرْطاً خِلاَفٌ (و) مَأْخُوذٌ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ المُسْتَأْجَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا باع العَيْن المستأجَرَةَ، فإمَّا أن يبيعَهَا من المُسْتأْجِرِ، أو غَيْرِهِ.
القِسْمُ الأَوَّلُ: البَيْعُ من المستأْجِرِ، وهو صحيحٌ؛ لأن الملْكَ في الرقبة خالصُ حقِّه، وعقْد الإجارة إنَّما ورد على المَنْفَعَة، فلا يُمْنَعُ منْ بيْع الرَّقَبة كما أن تزويجَ الأمة لا يَمْنَعُ من بَيْعها، ثم في الإجارة وجهان: أحدهما: وبه قال ابن الحَدَّادَ أنَّهَا تنْفَسِخ؛ لأنَّه إذا ملك الرَّقَبَة، حدَثَت المنافعُ عَلَى ملكه تابعةً للرقبة، وإذا كانَتِ المنافعُ مملوكةً له، لم يبْقَ عقد الإجارة علَيْها، كما

أنه لو كان مالِكًا في الابتداء، لم يصحَّ منه الاستئجار، وهذا كالنكاح، فإنَّه كما لا يجوزُ أن يتزوَّج أمته كذلك لو اشترى زوجته، ينفسخُ النكاح، ويعبر عن هذا الوجه بأنَّ الإجارة والملْكَ لا يجتمعان.
وأصحُّهما أنَّهَا لا تنفسخ؛ لأنه ملك المنافع أوَلاً ملكاً مستقراً فلا يبطل بما يطرأ مِنْ ملك الرَّقَبة، فإن كانتِ المنافعُ يتْبَعُها أولاً الملْكُ الأوَّل، كما أنه إذا مَلَك ثمرةَ غير مؤثَّرة، ثم اشترى الشَّجرة، لا يَبْطُل ملْك الثمرة، وإن كانتِ المنافع تدخُلُ في الشِّراء، لو لم يملكها أولاً، وفرَقُوا بين النِّكاحِ وما نحنُ فيه بأنَّ ملْكَ الرقَبة في النكاح يغْلِب ملك المنفعة؛ ألا تَرَى أن سَيِّدَ الأمة، إذا زوَّجها لا يجب عليه تسِلْيمها، وإنْ قَبَض الصداق، وفي الإجارةِ ملْكُ المنفعة، يَغْلِبُ ملْكَ الرقبة؛ فإنَّ المؤجِّر، إذا قبض الأجْرَةَ، يجب عليه تسليم العين، وأيضاً فإنَّ المؤجِّر، لم يكن مالكاً للمنفعة حين باع، فلا تصير تلْكَ المنافعُ ملكًا للمشتَرِي بالشِّراء، والسَّيِّد مالكٌ لمنفعة بُضْع الأمة المزوَّجة؛ ألا ترَى أنَّها، لو وُطِئَتْ بالشُّبهة، يكون المهرُ له لا للزَّوْج؟ فإذا باع تقع منافعُ البُضْع المملوكة له رقبتها، وملكها الزَّوْج بالشِّراء، فانفسخ النكاحُ، فإن قلْنا: بِالانفساخ، فهلْ يرجع المستأْجر على المؤجّر بأجْرةِ بقيَّة المدة؟ فيه وجهان: أحدُهُمَا: لا، وبه قال ابن الحدَّاد؛ لأن المنافع قائمة في يَدِه، وأيضاً، فإنَّه لو اشترَى زوْجَته، لا يسْقُطُ المَهْر.
وأَصَحُّهُما: أنه يرجع؛ لأنَّ الأجرةَ، إنما تستقر بسلامة المنفعة للمستأْجِرِ عَلَى موجِب الإجارة، فإذا انفسخَتِ الإجارة، سقَطَتِ الأجرةُ كسائر أسباب الانفساخِ، ويخالفُ المهْر، فإنَّ استقراره لا يتوقَّف على سلامة المنْفَعَة للزَّوْج، بدليلِ ما إذا ماتَتْ.
ولو فسخ المستأْجِرُ البَيْعَ بعَيْبٍ، لم يكُنْ له الإمساك بحُكْم الإجارة؛ لأنَّها قد انفسختْ بالشراء.
ولو تلفت العيْنُ لم يرجعْ على البائع بشيءْ؛ لأن الإجارة غَيْرُ باقية عنْد التَّلَف حتى تتأثَّر به.
وعلى الوَجْه الثَّاني: وهو أنَّ الإجارة لا تَنْفَسِخ بالشِّراء، ففي صورَةِ فسْخ البيع بالعيْبِ، له الإمسَاكُ بحُكْم الإجارة، ولو فسخ عقْد الإجارة، رجَع على البائع بأجرة بقيَّة المدَّة، وفي صورة التَّلَف تنْفَسِخ الإجارةُ بالتَّلَف، وحكْمُه ما سَبَقَ، وتتخرَّج على الخلاف في أنَّ الإجارة والمِلْك، هَلْ يجتمعان؟

مسائل

: منْها: إذا أوصَى لزيْدٍ برقبة دارٍ، ولعمْرٍو لمنفعتها، فأجَّرها عمروٌ من زَيْدٍ، ففي

صحَّة الإجارة الوجهان 1. ومنها: لو مات المستأْجر، وورثه المؤجّر، ففي انفساخ الإجارة الوجهان.
ومنها: لو أجر العيْنَ المستأجَرَة منَ المالِكِ، فأحد الوجهين المَنْعُ، ويُحْكَى عن ابن سُرَيْج؛ لاجتماع الإجارة والمِلْك، وأيْضاً، فإن المُكْرِيَ يطالَبُ بالتسليم مدَّة الإجارة، فإذا اكْتَرى ما أكْرَى، كان مُطَالِبَاً ومطَالَباً في عقْدٍ واحدٍ، وذلك لا يُحْتَمَل إلاَّ في حقِّ الأبِ والجَدِّ في مال الصغير وأصحُّهما، وهو المنصوصُ الجوازُ، كما يجوز أن يشْتَرِيَ شَيْئاً، ثم يبيعه مِنْ بائعه، وبهذا الوجه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ في هذه المسأْلَةَ، وعُدَّ ذلك من مناقضاته؛ لأنَّه حكم بانْفِسَاخ الإجَارة، إذا اشتَرَى المستأجر ما استأْجَره لامتناع اجتماع الملك والإجَارة، وإنَّه لازمٌ هاهنا ولا فرْقَ بين أن يكتري ثم يَمْلِك، وبين أن يملك ثم يكْتَرِيَ.
قال الشيْخُ أبو عَلِيٍّ: فإنْ قال من نصره: الاسْتِئْجارُ السابقُ لم يَمْنَع صحَّة الشراءِ اللاحِقِ، كذلك المِلْكُ السابِقُ وجب ألاَّ يَمْنَع صحَّة الاستئجار اللاحق، لكنْ تنْفَسِخ الإجَارَة، إذا حَصَلَ الاجتماع، كما انْفَسَخَتْ هناك.
فالجوابُ أنَّ ما ينفسخ إذَا كانَ سابِقاً، وجب ألاَّ يصحَّ، إذا طرأ على ما لا ينقطع؛ أَلاَ تَرَى أن النكاح، لما انفسخ، إذا كَانَ سابِقاً.
لم يصحَّ، إذا طرأ على الملك؟ ومنها: إذا أجَّر داراً مِنِ ابْنه، ومات الأبُ في المدة، ولا وارِثَ له سوى الابن المستأجر، وعلَيْه ديونٌ مستغرقةٌ، فيبنى أولاً عَلَى أن الخلاف في أنَّ الوارث، هل، يملك التركةَ، وهناك دَيْنٌ مستغرِقٌ؟ إن قلْنا: لا يَمْلِكُ، بَقِيَتِ الإجارة بحالها، وإن قلْنا: يَمْلِكُ، وهو ظاهرُ المذهب، فعلَى أَظْهَرِ الوجْهَين؛ لا تنفسخ الإجارة، وعلى الثاني الذي إلَيْه ابْنُ الحَدَّادِ: تنفسخ؛ لأنَّ الملك طرأ على الإجارة، كما لو طرأ بطريقِ الشراء، وادَّعَى القاضي الرويانيُّ أَنَّ هذا ظاهرُ المذهَبِ، وإذا انفسخت الإجارةُ، قال ابن الحدَّاد: الابْنُ غريم يُضَارِب بأجرة بقيَّة المدة مع الغرماء، وهو خلاف قوله في الشِّراء، أنه لا يرجع، فمِنْهم من تكلَّف له فرقَيْن: أَحَدُهُمَا: أنَّ الانفساخَ في صُورة الشِّرَاء حَصَلَ باختيار المسْتَأْجر، وفي الميراث لا صُنْع للمستأجر، فلا يَسْقُط حقُّه.

والثاني: أن هناك، الإجارةُ، وإن انفسخت، فلا يَخْرُج البائع منْ يده، وههنا يخْرُج؛ لأن الدار تُبَاع في الدُّيُون، وهما ضعِيفانِ عنْد المُعْتَبَرِينَ.
أما الأوَّل: فلأنَّه، لا فَرْق في سقُوط الأجرة بيْن أن يَفُوت المنافع، ويحصل الانفساخُ بفِعْله أَوْ لا بِفِعْله؛ ألاَ تَرَى أَنَّ هدْم المستأجر الدارَ كانهدامها.
وأما الثاني: فلان بقاء المنافِعِ هناك ليس من مقتضى الإجارة، بل لأنَّها مملوكةٌ بالبَيْع والتملُّك بغير جهة الإجارة لا يقتضي استقرارَ عِوَض الإجارة، وهذا كما لو تقايلا البيع، ثم وهب البائعُ المَبِيعَ من المشتَرِي، لا يستقر عليه الثَّمَنُ.
ولو مات [الأبُ] المؤجِّر عن ابنَيْنِ؛ أحدهما المستأجر، فعلى أظهر الوجهين؛ لا تنفسخ الإجارَةُ في شيْءٍ من الدار، وَيسْكُنُها المستأجر إلى انقضاء المدة، ورقبتها بيْنَهُما بالإرْث.
وقال ابن الحَدَّاد: تنفسخُ الإجارة في النِّصْف الذي يملكه المُسْتَأْجِر، وله الرجوعُ بِنِصْف أجرةَ ما انفسخ العقْد فيه؛ لأنَّه قضيَّة الانفساخ في النِّصْف الرجوعُ بنصْف الأجْرَة، لكنه خلف ابنَيْن، والتركةُ في يدهما، والدَّيْن الذي يلحقها يوزَّع، فيخص الرَّاجِع الرُّبُع، ويرجع بالرُّبُع على أخيه فإن لم يترك الميت شيئاً سوى الدَّارِ، بيعَ من نصيب الأخ المرجُوعِ علَيْه بقَدْر ما يثبت به الرُّجُوع، وهذا مستبعدٌ عند الأئمة؛ لأن الابْنَ المستأجِرَ وَرِث نصيبَه بمنافِعِه، وأخوه وَرِثَ نصيبه مسلُوبَ المنفعة، ثم قد تكُون أجْرةُ مثْل الدار في تلْك المدَّة مِثْلَى ثمنها، فإذا رجَع علَى الأخ برُبُعِ الأجرة، احْتاج إِلَى جميع نصيبه، فيكونُ أحَدُهما قد فاز بجميع نَصِيبِهِ، وبِيعَ نصيبُ الآخر وحْده في دَيْنِ المَيِّت.
قال الشيخ أبو عَلِيٍّ: ولو لم يحلف إلاَ الابْنُ المستأجرُ، ولا دَيْنَ عليه، فلا فائدةَ فِي الانفساخ ولا أثر له؛ لأنَّ الكلَّ له، سواءٌ أخذ بالإرْث، أو مدَّة الإجارة بالإجَارة، وبعْدها بالإرْث، وسواءٌ أخذ بالدَّيْن أو بالإرْث.
وممَّا يلتحق بصُور الفَصْل ما لو أجَّر البطْن الأوَّل الوقْف من البطْن الثانِي، ومات المؤجّر في المدة، فإن قلْنا: لو أجَّر من الأجنبيِّ، ارتفعت الإجارةُ، فههنا أوَلى، وإلاَّ، فوجْهان من جهة أنَّه طرأ الاَستحقاق في دوامِ الإجَارَة، فأشْبَهَ ما إذا طَرَأ المِلْك.
قال الإمامُ: وهذه الصورةُ أَوَلى بارتفاع الإجارة؛ لأنَّ المالك يستحِقُّ المنفعة؛ تبعاً للرقبة، والموقوفُ علَيْه يستحقُّها؛ مقصوداً لا بالتبعيَّة، وليكن هذا الترتيبُ مبنيَّاً عَلَى أنَّ الموقوفَ عَلَيْه لا يملك الرَّقَبة.
أمَّا إذا قلْنا: إِنَّهُ يَمْلِكُها، فيمكن أن يُقَالَ: هو كالمالك في استحْقاق المنْفَعَة؛ تبعاً للرقبة.
وقوله في الكتاب: "وقيلَ إنَّ الإجَارَةَ والمِلْكَ لا يجتمعان" يصحّ ردُّه إلى الصورتين المذكورتَيْن قبله، يعني: فينفسخ الإجارةُ، إذا باع المستأْجر من المستأْجر، ولا تصحُّ إذا أَجَّرَ المستأْجرُ ما استأجر المالك.

القِسْمُ الثَّانِي: البيْعُ من غيْر المستأْجِر، وفيه قولان: أَصَحُّهُمَا عند الأكثرين: أنَّهُ صحيحٌ 1، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله لأن الإجارة إنَّما تردُّ على المنفعة، فلا تمنع بيْع الرقبة كالتَّزْويج.
وأصحُّهما عند الشيخ أبي عليٍّ بطلانُهُ؛ كبيع المرهون مِنْ غَيْر المرتهن؛ لأنَّ يد المستأجر حائلةٌ، وهما جاريان أذن المستأجر أو لم يأْذِن قاله في "التتمة".
وعند أبي حنيفةَ: ينعقد البيعُ؛ موقوفاً عَلَى إجازة المستأجر، فإن إجازة، نفذ، وبطلَت الإجارة، وإنْ ردَّ، بطل.
وإذا قلنا: بالصحة لم تَنْفَسِخ الإجارة كما لا ينفسخُ النكاحُ بِبَيْعِ الأمةِ المزوَّجة، ويترك في يد المُسْتَأْجر إلى انقضاءَ المُدَّة، وللمشتَرِي فسْخُ البيع، إن كان جاهلاً، وإن كان عالماً، فلا فَسْخ له، ولا أجرة لتلْكَ المدة، وكذا لو كان جَاهِلاً وأجاز، ذكره في "التهذيب" ويُشْبِه أن يكونَ على الخلاف في مدَّة بقاء الزرع، إذا باع أرضاً مزروعةً، ولو وَجَدَ المستأجر به عَيْباً، أو فَسَخ الإجارة أو عرض ما تنفسِخُ به الإجارةُ، فمنفعةُ بقيَّة المدَّة لمن تكون؟ فيه وجهان: أحدهما، وهو جواب ابن الحدَّاد، للمشتري؛ لأن الشراء يقْتَضِي استحقاق الرقبة والمنفعة جميعاً، إلاَّ أن الإجارة السابِقَةَ كانَتْ تمنع منْه، فإذا انفسخَتْ، خلُص المالُ له بحقِّ الشراء، وهذا كما إذا اشترى جارية مزوَّجة، وطلَّقها زوْجُها تكونُ منفعةُ البُضْعِ للمشتري، ولَيْسَ للبائع الاستمتاع بها، ولا تَزَوُّجها من الزَّوْج المُطَلَّق.
والثاني، وبه قال أبو زيد: للبائع لأنه لم يملك المشتري منافعَ تلْك المُدَّة، وبَنَى

أبو سعيد المتولِّي الوجهَيْن على أن الردَّ بالعيب يرفع العقْد منْ أصله، أو من حينه إن قلْنا: بالأول، فهو للمشتري، وكأنَّ الإجارَةَ، لم تكُنْ، وإن كان من حِينِهِ فللبائع؛ لانَّهُ لا يوجَدُ عنْد الردِّ ما يُوجِبُ الحقَّ للمشتري 1، قال: لو تَقَايَلاَ الإجارَةَ، فإن جعلْنا الإقالة عقْداً فَهِيَ للبائع، وإن جعْلناها فَسْخاً، فكذلك على الصَّحيح؛ لأنَّها ترفع العقُد من حينها لا محالة، وإذا حَصَلَ الانفساخُ رُجَع المستأجر بأجرةِ بقيَّة المدة على البائع.
قال القاضي ابْنُ كج: ويُحْتَمَلُ أنْ يقالَ: يرجعُ على المشتري، وليكنْ هذا مُفَرَّعاً على أنَّ المنفعةَ تَكُونُ للمشتري؛ لأنَّه رضي بالمبيع ناقصَ المَنْفعة، فإذا حَصَلَتْ له المنفعة، جاز أن يؤخَذَ منه بدَلُها، والقولان في بَيْع المُسْتأَجَر يجريان في هبته، وتجوزُ الوصيَّة به.
ولو باعَ عيْنَاً، واستثنى لنفسه منفعتَهَا شهْراً أو سنَةً، ففيه طريقان: أَحَدُهُما: ويُحْكَي عن ابن سُرَيْجٍ: أنَّه على القولَيْن في بَيْع الدَّار المُسْتأجرة؛ لأنه إذا جاز ألاَّ تكونَ المَنَافعُ للمشتري مدَّة بل يكونُ للمستأجر، كذلكَ جازَ أن تكون للبائع ويدُلُّ على الجواز أن جابراً -رضي الله عنه- باعَ في بَعْض الأسْفَارِ بَعِيراً مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى أَن يَكُونَ لَهُ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينةِ 2. والثاني: القَطْعُ بالمَنْع؛ لأن إطلاق البَيْع يقتضِي دخولَ المنافع الَّتي تَمَلَّكَهَا البائعُ في العقْد، والاستشناء غير مقتضاه، فيمنع منه، وفي بَيْع المستأجر لَيْسَت المنافع مملوكة للبائع، وأيضاً، فإِنَّ استشناء المنفعة اشتراطُ الامتناع من التَّسليم الذي هو مقتضَى العَقْد، فلا يُمْكِن أن يقدَّم كون البائع نائباً عن المُشْتَرِي في اليد والقبْض، لكنْ يجوز أن تُقَام يدُ المستأجر مُقَام يد المشْتَري، ويُقَال: إنَّهُ يملك المال لِنَفْسِه بالإجارة، وللمالك ملْكُ الرقبة.
والأظْهَر المَنْعُ، سواءٌ ثبت الخلاف أم لا.
ويجوزُ أنْ يُعْلم لفظُ الخلاف في الكتاب بالواو للطريقة الأُخْرَى.
وقوله: "مأخوذ من جواز بَيْع المستأجر" [صريحٌ في أنَّ الخلاف في جواز الاستثناء مبنيٌّ على الخلاف في صحَّة بيع المستأجر] 3 وكذلك ذكَره المعْظَم وزاد القاضي أبو الطَّيِّب في "شرح الفروع" فقال: تجويز الاستثناء مبنيٌّ على الوجه الذي يقول: إنَّ المنفعةَ عنْد الفَسْخِ تعُودُ إلى البائع.

وعَكَسَ الإمَامُ، فقال: الخلافُ في جوازِ بيع المُسْتَأْجر مأخوذٌ من جواز الاستثناءِ، وكأنَّهُ أراد نُزُوع المسألتَيْنِ إلَى أصلٍ واحدٍ، وإِلاَّ، فالظَّاهر الأوَّل وبالله التَّوفيق وكما افتتحنا [كتاب الإجارة] 1 بمقدمات -فإنَّا [نختم كتابَ الإجارة] 2 بمؤخِّرات: إحداها: في مَسَائِلَ، هي من شَرْط الباب الأَوَّلِ.
لو قال: ألزمت ذمتك نسج ثوْب صفَتُه كذا على أنْ تنسجه بنَفْسِك، لم يصحَّ؛ لأنَّ في هذا التعْيِين غررًا فإنَّه ربَّما يمُوتُ، ولهذا لم يجُزْ تعيينُ ما يؤدي منه 3 المسلم فيه، ويجوز أن يستأجر الأرْض بما يستأْجِر به العَبْد والثَّوْب، ولا فرْقَ بيْن الطعام وما ينبت في الأرض، إذا عيَّن، أو وصَفَ، وبين غيرها.
وعنْ مالكٍ: أنه لا يجوز استئجارُ الأرْضِ بالطَّعام وإنْ لم يكن مما ينبُتُ من الأرض، كاللَّحْم، والعَسَل ولا بما ينْبُت من الأرض، وإنْ لم يكن طعاماً؛ كالقطن.
وإذا استَأْجَرَ دابَّة؛ ليركبها إلى بلدة كذا بعَشَرة دنانير، فالواجِبُ نقْدُ بلد العقد.
وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أن الواجب نقْدُ البَلَدِ المقصُودِ فلو كانَتْ الإجارةُ فاسدةً، فالاعتبار في أجرةِ المِثْل بموْضِع إتلافِ المنفعة، نقْدًا أو وزناً.
ويجوز إجارة المصْحَفِ والكتُبِ لمطالَعَتِها 4 والقراءة فيها خلافاً لأبي حنيفة.
ولا يجوز أن يسْتأجر برَكَةً ليأخذ منها السَّمَك، فإنه كاستئجار الأشْجار للثِّمار، ولو استأْجَرَها لِيَحْبِسَ فيها الماء حتَّى يجتمع فيها السمك جاز.
وفيه وجه آخر أيضاً، ويصحُّ من المستأجر إجارةُ ما استأجرهُ بعْد القبْض، سواءٌ أجَّر بمثل ما استأجَرَ أو أقَلَّ، أو أكثر.
وعند أبي حنيفةَ: إنْ أجَّره بأكثر ممَّا استأجر، لم يطلب له الربْحُ، وسبيلُه أن يتصدَّق به إلا أن يحدث فيه عمارة، فيقع ذلك في مقابلة الرِّبْح.
لنا،: القياسُ علَى ما إذا باع بأكثرَ ممَّا اشتراه يطيب له الربْحُ.
وفي إجارته قبْلَ القَبْض وجهان عن ابن سُرَيْج تجويزه؛ لأن القبض لا يوجبُ دُخُول المنَافِعِ في ضمانة، فلا معْنى لتوقيف العَقْد عليه، والأظهر: المنع، وعلَى هذا؛

ففي إجارته من المؤجّر وجهان، كما في البيع من البائع 1. والمسْتَعَارُ لا يؤاجر، فإنِ استعاره؛ ليؤجِّره، جاز في وجه، حكاه القاضي ابن كج، كما لو اسْتَعَاره؛ ليرهنه.
ولو أجَّر متولِّي المسجد حانوته الخراب؛ بشرط أن يعمره المُسْتَأْجر بماله، ويكون ما أنفقه مَحْسُوباً من أجْرته، لم تصح الإجارة؛ لأنه عند الإجارة غيْرُ منتفع به.
ولا يجوزُ إِجارةُ الحمَّام بشَرْط أن تكون مدة تعطيلها بسبب العِمَارة، ونحوها محسوبة على المكتري؛ لأنَّهُ تمكينٌ من الانتفاع في بعض المدَّة دون بعض، ولا يُشْتَرط أن تكون محسوبة على المكْرِي لا بمَعْنَى انحصار الإجارة في الباقي؛ لأن المدة تصير مجهولة، ولا بمعنى استيفاء مثلها بعد المدة؛ لأن نهاية المدة تصير مجهولة.
ولو استأجره ليبيع له شيئاً معيناً جاز؛ لأن الظاهر أنه يظفر براغب، ولو استأجره لشيء معين لا يجوزُ 2؛ لأنَّه رغبة مالكه في البَيْع غيرُ معلومة ولا ظاهرة ولشراء شيء موصوفٍ يجوز، ولبيع شيءٍ من معيَّن لا يجوز.
ولو استأجره للخروج إلى بلدِ السُّلطان والتظلُّم للمستأجر، وعرْضِ حالِهِ فِي المَظَالِم ففي فتاوى القَفَّال أنَّه يستأجره مدَّة كذا؛ ليخرج إلَى موضع كذا، ويذْكُر حالَهُ في المظالم، ويسْعَى في أمره عند من يحتاج إلَيْه، فتصحُّ الإجارة؛ لأنَّ المدة معلومةٌ، وإن كان في العَمْل جهالةٌ، كما لو استأجره يوماً؛ ليخاصم غرماءه جاز.
قال: ولو بَدا للمستأجر، فله أن يستعمله فيما ضَرَرهُ مثل ذلك.
وحَكَى القاضي ابنُ كجٍّ عن نصِّ الشافعيِّ رضي الله عنه أنَّهُ لا تجوز إجارة الأرْضُ حتَّى يُرى لا حائل دُونَها من زَرْعِ، وغَيْرِه، وفي هذا تصْرِيحٌ بأنَّ إجارة الأرْضِ المزْرُوعة لا تصحُّ توجيهاً بأن الزَّرْع يمنع رؤْيَتَها.
وفيها معْنًى آخرُ، وهو تأخُّر التسليم والانتفاع عن العَقْد، ومشابهته إجارة الزَّمان المستقبل، ويقرب منْه ما لو أجَّر داراً مشْحُونة بطعام وغيْرِه، وكأنَّ التفريع يستدعي مدَّة، ورأَيْتُ للأئمة فيما جُمِعَ من فتاوى القَفَّال فيه جوابَيْن: أَحَدُهُما: أنَّه إنْ أمكن التفْرِيعُ في مدَّةٍ ليس لمثلها أجرةٌ، صحَّ العقد، وإن لم يكنْ إلاَّ في مدة لمِثلهَا أجرةٌ، لم تصحَّ؛ لأنه إجارةُ مدَّةٍ مستقبلة.

والثاني: أنَّه، إن كان يذهب في التفْرِيع مدَّة الإجارة، لم يصحَّ، وإن كان يبقى منها شيءٌ، يصحَّ، ولَزِمَ قسْطه من الأُجْرة، إذا وُجِد فيه التَّسْليم، وخرَّجوا على الجوابَيْن ما إذا استأجر دارًا ببلدة أخرى، فإنَّه لا يتأتى، التسليم إلاَّ بقَطْع المسافة بيْن البلدَيْن، وما إذا باع جمدًا وزنًا، وكان ينماع بعضه إلى أن يُوزَن 1. ولو استأجر للخِدْمة، وذكر وقتها من اللَّيْل والنهار، وفصَّل أنواعها، فذاك، إنْ أطلق، فقد حُكِيَ عن النص المنع، والظاهر الجَوَازُ، ويلْزَمُ ما جرت العادةُ به، وفصَّل أنواعها القاضي أبو سعيد ابْنُ أبي يوسف فقال: يدْخُلُ في هذه الإجارةِ غُسْل الثوب، وخياطَتُه، والخُبْز، والعَجْنُ وإيقاد النارِ في التَّنُّور، وعلَف الدَّابَّة، وحلْب الحَلُوبة، وخِدْمة الزَّوْجة، والغَرْس في الدار وحمْل الماء إلى الدَّار للشُّرب، إلى المتوضئ للطَّهارة، وعن سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيِّ أن عَلَف الدَّابَّة، وحَلْب الحلوبة، وخدْمَة الزَّوْجة لا يلزم إلا بالتنصيص عليها، وينبغي أن يكونَ الحُكْمُ كذلك في خياطةِ الثَّوْب، وحَمْل الماء إلى الدار، ويجوزُ أن يختلف الحكْمُ فيه بالعادة.
وذكر بعضُ مَنْ شرح "المفتاح" أنه ليْسَ له إخراجُه من البلدة إلاَّ أن يشترط علَيْه مسافةً معلومةً منْ كلِّ جانب، وأن عليه المُكْثَ عنده إلى أن يَفْرَغَ من صلاة العشاء الآخرة 2. ولو استأجره للقيام على ضَيْعَةٍ قامَ علَيْها ليلاً ونهاراً علَى المعتاد.
وإنِ استأجر؛ للخُبْز، وجب أن يتبين أنَّهُ يخبر الأقْرَاضَ، أو غِلاَظَ الأرْغِفَةِ، أو رقَاقَها، وأنَّهُ يخبز في تَنُّورٍ، أو فُرُنٍ، وآلاتُ الخُبْزِ على الأجيرِ إنْ كانتِ الإجارةُ في الذِّمَّة، وإلاَّ، فعلى المستأجر، وليْسَ على الأجير إلاَّ تسليم نفْسِه، والقولُ فيمن عليه الحَطَبَ كما في الخبز في حق الورَّاق.
ولو أراد المستأجرُ أن يستبْدِلَ عنِ المنفعة شيئاً آخر، يقبضه، لم يَجُزْ، إن كانَتِ الإجارةُ في الذِّمَّة، وإن كانتْ إجارة عيْنٍ قال صَاحِبُ "التهذيب": هو كما لو أجَّر العيْن المستأجرة من المؤجّر، وفيه وجهان:

الأَصَحُّ: الجوازُ، إذا جَرَى ذلك بعد القبض، ولو ضَمِن رجل العهدة للمستأجر، ففي الفتاوَى: أنَّهُ يصحُّ، ويرجع علَيْه عنْد ظهور الاستحقاق.
وعن ابن سُرَيْجْ أنَّهُ لا يصحُّ ضمانُ العُهْدة، وذكر شارح "المِفْتاح" أنَّهُ لو اكترى دابَّةً ليركبها إلى فرْسَخَيْن، لم يجز حتى يبين شرقاً أو غرباً، ثم إذا بَيَّنَ جهة، فأراد العُدُول إلَى غيرها، فللمكري منْعُه؛ لأن المعيَّن قد يختص بسهولة أو أمن وبتقدير تساويهما، فقَدْ يكون للمُكْرِي غرضٌ فيه، وهذا يخالِفُ ما تقدَّم، فلْيُجْعَلْ وجهاً مُلْحَقاٌ.
مؤخرة ثانية في مسائل: مِنْ شَرْطِ الباب الثاني: إذا استأْجَرَ رَجُلاً؛ ليَعْمَل مَدَّةً، كان زمانُ الطَّهارةِ، والصلاةِ، وفرائِضِها وسُنِنها الرَّواتِبِ مستثنىً، فلا ينقص من الأجْرَةِ شيْءٌ، ولا فرْقَ بيْن صلاة الجمعة وغَيْرِها.
وعن ابْنِ سُرَيْج فيما رواه أبو الفَضْل بنُ عبْدَان: أنه يجوزُ له تَرْكُ الجمعة بهذا السَّبَب، والسُّبُوتُ 1 في استئجار اليهوديِّ تقع مستثناةٌ، إذا اطَّرَد عُرْفهم بذلك ذكره صَاحِبُ الكتاب في فتاويه 2. وفي "الزيادات" لأبِي عاصِمٍ العباديِّ أنه إذا أذا اسْتَأْجر حاضنة؛ لتعهُّدِ صبيِّ، فالدُّهْنُ على أبيه، فإن جرى عُرْفُ البلد بخلافه، فوجهان.
وأنَّه إذا استأْجر حمالاً لحمل شيء إلى داره، وهي ضيِّقَةُ الباب، هلْ علَيْه إدْخَاله الدار 3؟ فيه قولان للعُرْف، ولا يكلَّفُ أن يصْعَدَ به السطح.
وأنه إذا استأجر قَصَّاراً؛ لغَسْل ثيابٍ معلومةٍ، وحملها إلَيْه حمالٌ، فأجْرَتُه عَلَى من شرط من القصَّار والمالك، فإن لم يجُرِ شرطٌ، فعلى القَصَّار؛ لأنَّهُ من تمام الغسل.
وأنَّه لو استأجره لقطع أشجارٍ بقريةٍ، لم يجبْ عليه أجرة الذهاب، والمجيء لأنهما لَيْسَا من العمل.
وفي شرح "المفتاح" أنَّه لو اسْتَأْجر دابةً ليركبها، ويحمل عليها كذا مَنّاً، فركبها، وحمل علَيْها وأخذ في السَّيْر، فأراد المُكْري أنْ يعلِّق عليها مخلاة أو سفرة، إما من

قُدَّامِ القتب 1، أو من خَلْفِه، أو أراد أن يُرْدِفَه رديفاً، كان للمستأجر منْعُهُ.
ولو استأْجَرَ دابَّةً ليركبها إلَى موضَع معلوم، فركبها إلَيْه، فعن صاحب "التَّقْرِيب" أن له ردَّها إلى المَوْضِع الذي سارَ منْه إلاَّ أن ينْهَاه صاحِبُها، وقال الأكثرون: ليْسَ له الردُّ، ولكن يسلمها إلَى وكيل المالك، إنْ كان له وكيلٌ هناك، وإلاَّ، فإلى الحاكم، فإنْ لم يكنْ هناك حاكمُ فإلَى أمين، فإن لم يجدْ أميناً، ردَّها واستصْحَبَها إلَى حيث يذْهَب كالمودَعِ يُسَافِر بالوديعة؛ للضرورة، وإذا جاز له الردُّ لم يكن له الركوبُ، بل يسوقُها أو يقُودُها، إلا أن يكون بها جماحٌ لانتقاد إلاَّ بالركوب، وبمثله، لو استعار ليَرْكَب إليه قال العَبَّادِيُّ: لهُ الركوبُ [في الردِّ؛ لأنَّ الردَّ لازمٌ عليه، والإذن يتناوله بالعُرْف، والمستأْجر لا ردَّ عليه.
ولو استأْجَرَ دابَّةً للركوب] 2 إلى موضعٍ، فجاوزه، فعليه المسمى لما استأجر له، وأجرةُ المِثْلِ؛ لما زاد، ويصيرُ ضامِناً من وقت المجاوَزَة، حتَّى إذا ماتت، لَزِمَه أقْصَى القيمة منْ حينئذ، إنْ لم يكن صَاحِبُهَا معها، ولا يبرأ عن الضَّمان بردِّها إلَى ذلك المكان، وإن كان صاحبُها معها، فإن تلِفَتْ بعدما نَزَل، وسلَّمها إلى المَالِكِ، فلا ضمان عليه، وإنْ تَلِفَتْ، وهو راكبٌ، نُظِر؛ إن تلِفَتْ بالوقوع في بئْرٍ ونحوه، ضمِنَ جميع القيمة، فإنْ لم يحدُثْ سببٌ ظاهرٌ، فقد قيل: يلْزَمُه جميعُ القيمة أيضاً.
والأصحُّ: أنه لا يلزمُهُ الكلُّ؛ لأن الظاهرَ حُصُول التلف بكثرة التعب، وتعاقُب السير حتَّى لو أقام في المقْصِد قدر ما يزُولُ فيه التَّعَب، ثم خرَجَ منْ غير إذْن المالك، ضَمِن الكلَّ، وعلَى هذا؛ فالتَّلَف حَصَلَ من حقٍّ وعدوانٍ، فيلزمُه نصْفَ الضمان، أو ما يقتضيه التَّوْزِيع على المسافتين؟ فيه قولان، كما ذكرنا فيما إذا حَمَل فوق المشروط، وإنِ استأجرها؛ ليَرْكَب ويعود فلا يلزمُهُ؛ لما جاوز أجْرَةَ المثل؛ لأنَّه يستحقُّ أن يقْطَع قدْر تلْكَ المسافة ذهاباً وإياباً؛ بناءً على أنه يجوز العدُولُ إلَى مثل الطَّريق المعيَّن 3. ثمَّ إن قدر في هذه الإجارة مدَّة مقامه في المَقْصد، فذاك، وإلاَّ فإنْ لم يزدْ على مدة المسافِرِينَ، انتفع بما في الإياب فإن زاد حسبت 4 الزيادة عليه وإنْ إسْتأْجَر دابة إلى عَشَرة فَرَاسِخَ، فقطع نصْف المسافَةِ، ثم رَجَع لأخذ شيْءٍ نَسِيَه راكبًا، انتهتِ الإجارة،

واستقرَّت الأجرة؛ لأنَّ الطريق لا يتعيَّن، وكذا لو أخذ الدابَّة، وأمْسَكَها في البَيْتِ يَوْماً، ثُمَّ خَرَجَ، فإذا بَقِيَ بيْنَه وبين المقْصِدِ يوْمَ استقرَّت الأجْرةُ، ولم يكنْ له الركوبُ، وكذا لو ذَهَبَ في الطريق؛ لاِسْتِقَاء ماءٍ، أو شراء شيء يُمْنَة ويسرة كان محسوباً من المدَّة، ويترك الانتفاع إذا قرب من المقْصِد بقدره.
ولو دَفَع ثَوْباً إلَى قصَّار ليقصره بأجْرةٍ، ثم جاء، واسْتَرْجعه، فقال: لم أقصره بعْدُ، فلا أردّه وقال صاحبُ الثَّوْب: لا أريدُ أنْ تقصره، فارْدُدْه إلَيَّ فلم يردَّ وتَلِفَ الثوب عنده، فعلَيْه الضمان، فإنْ قصره وردَّه، فلا أُجرَةَ له، وعلى هذا قياسُ الغزل عنْد النَّسَّاج ونظائره 1، ولو اسْتَأجره، ليكتُب صَكَّاً على هذا البياض، فكتبه خطأً.
قال في العَبَّادِيُّ: عليْهِ نِقصانُ الكاغِدِ، وكذا لو أمَرَه أن يكتب بالعربيَّة، فكَتَبَ بالعجميَّة، أو بالعَكْس 2. وذكر العباديُّ في "الزيادات" أنه إذا استأجر دابَّةً، ليحمل الحنطة في موْضع كذا إلَى داره يوماً إلى الليل، فركبها في عَوْده، فعطبت الدابَّةُ، ضَمِن؛ لأنَّه اسْتأجرها للحَمْل لا للرُّكُوب، وقِيلَ: لا يضمن للعُرْفِ، وأنه الأكار لو تعمَّد ترْكَ السَّقْي، والمعاملةُ صحيحةٌ حتى فسد الزَّرْع، ضَمِن؛ لأنه في يده، وعَلَيه حفْظهُ.
وفي فتاوى القَفَّال: أنَّه إذا تَعدَّى المُسْتَأْجر بالحَمْل على الدابَّة، فقَرَّح ظَهْرَها، وهلَكَتْ منْه، لزمه الضمان، وإن كان الهلاكُ بَعْد الردِّ إلى المالك.
مؤخرةٌ ثالثةٌ في مسائل مِنْ شَرْط الباب الثالث من المنثور للمُزَنِيِّ أنَّه لَوِ استأْجَر لخياطةِ ثوْبٍ، فخاط بعْضَه، واحترق البعْض، استَحَقَّ الأجرة لما عَمَلْ.
وإنْ قلْنا: ينْفَسِخ العقد بتَلَفه، استحق أجرة المثل، وإلاَّ، فقِسْطُه من المُسَمَّى.
وأنه لَوِ استأْجَرَ لحَمْل حبٍّ إلَى موْضعٍ مَعْلُومٍ، فَزَلِقَتْ رِجْلُه في الطَّريق، وانكسر الحَبُّ لا يستحقُّ شَيئاً منَ الأُجْرة.
وفرق بينهما بأنَّ الخياطة تظْهَر على الثَّوْب، فوَقَعَ العملُ مُسَلَّماً بظهور أثَره، والحمل لا يظْهَر أثره على الحَبِّ 3.

ولو أَجَّر أرضاً إجارة صحيحةً، ثمَّ غَرِقَتْ بسيل، أو ماءٍ نَبَعَ منها، نُظِر؛ إنْ لم يتوقَّع الخسارة مدة الإجارة، فهُوَ كما لو انهدمَتِ الدار، وإن توقَّع فللمستأجر الخيارُ بيْن الفسخ والإجارة، أما لو غصبت العيْن المستَأْجَرة، فإنْ أجاز، سقَطَ عنه من الأجرة بقدر ما كان الماءُ مُسْتِوياً علَيْهَا، وإنْ غَرِق نِصْفها فقد مضى نصْفُ المدة، انفسخ العقْد فيه، والظاهرُ أنَّهُ لا ينفْسَخِ في الباقي، ولكنْ له الخيارُ فيه، وفي بقية المدة، فإنْ فسخ، وكانتْ أجرةُ المدَّة لا تتفَاوت، فعلَيْه نصفُ المسمَّى للمدة الماضية وإن أجاز، فعليه ثلاثةُ أرباعِ المسمَّى: النصْفُ للمدَّة الماشية، والربع لما بقي.
وتعطل الرحى؛ لانقطاع الماء، والحمَّام؛ لِخَلَلٍ في الأبنية، وانتقاص الماء في بئْره كانهدام الدَّار، وكذا إذا استأْجَر قناةً، فَانقطع ماؤُها، ولو انتقص، ثَبَت الخيار، ولم ينْفَسِخ العقْد، ذكره في شرح "المُفْتَاح"، ومهْما ثبَتَ الخيار بسَبَب يقتضيه، فأجاز ثم بدا له أنْ يفْسَخ، نُظِر إنْ كان السَّبَب بحيث لا يُرْجَى زواله؛ كما إذا انقطعَ الماءَ، ولم يتوقَّع عوده، فلَيْسَ له الفسخ؛ لأنه عيْبٌ واحدٌ، وقد رضي به، وإنْ كان بحَيْثُ يُرْجَى زواله، فله الفسخ ما لم يزل؛ لأنَّه يقدر كلّ ساعة زواله، فيتجدَّد الضرر، وهذا كما إذا تركت الزوجة المطالبة بعْد مضيِّ مدة الإيلاء، أو الفسخ بعد ثُبُوتِ الإعسار، فلها العَوْد إليه، وكذا لو اشترى عَبْداً، فأَبقَ قبل القَبْض، وأجاز ثم أراد الفَسْخ، فله ذلك ما لم يَعُد العَبْد.
ولو استأْجَر طاحونَتَيْنِ متقابلَتَيْن، فانتقص الماءُ، وبقي ماءَ تدُور به إحداهما، ولم يفسخ.
قال العبَّاديُّ: يلزمه أجرةُ أكثرهما وقال في "التتمة": إنَّه لو دَفَع غزلاً إلى نُسَّاجٍ، واستأْجره لنَسْج ثوب طوُلُه عشَرةُ أذْرُعٍ في عرض معْلُوم، فجاءه بالثَّوْب وطُوله أحدَ عَشَر لا يستحقُّ شَيْئاً من الأُجْرة؛ لأنَّه في آخر الطاقة الأولَى من الغزل، صار مخالفاً لأمره، فإِنَّه إذا بلغ طولُها عَشَرةً، كانَ من حَقَّه أَنْ يَقْطعها، لتعود إلى المَوْضع الَّذي بدَأَ منْهُ، فإذا لم يفْعَل، وقع ذلك وما بعْدَه في غَيْر الموْضِع المأْمُور، وإنْ جاءَ به، وطُوله تسعةً، فإن كان طُول السّدي عشرة، استحقَّ من الأُجْرَةِ بقَدْرِه؛ لأنَّه، لو أراد أَنْ ينسج عشرةً؛ لتمكن منْه، وإنْ كَانَ طُولُه تسعةً، لم يستحقَّ شَيْئاً؛ لمخالفته في الطَّاقة الأُولَى ولو كان الغَزْل المدْفُوع إلَيْه مسدى فأستأْجَره كما ذكَرْنا، ودَفَع إلَيْه من اللَّحْمة ما يَحْتَاج إلَيْه، فجاء به أطْوَل من العرْض المَشْروط، لم يستحقَّ للزَّيادة شَيْئاً، وإنْ جاءَ به أقْصَر مَن العَرْض المشْرُوط، اسْتحقَّ بقدره من الأجرة، وإن وَافَقَ في الطُّول، وخالف في العَرْض، فإن كان ناقصاً، نُظِر؛ إن كان ذلك لمجاوزته القدر المشروط من الصَّفَاقة، لم يستحقَّ من الأجرة شيئاً؛ لأنَّه مفرِطٌ بمخالفته أمره، وإنْ راعى المشْرُوط في صفة الثَّوْب رقَّةً وصفاقةً، فله الأجرة؛ لأن الخَلَلَ، والحالةُ هذِهِ، من السّدي فإن كان أزَيدَ، فإنْ أخلَّ بالصَّفاقة، لم يستحق شيئاً، وإلاَّ استحق الأجرةَ بتمامها؛ لأنه زاد خيراً.

فرع

: بَيْعُ الحديقة التي ساقَى علَيْها في المدَّة يشبه بيْعَ المستأجر، ولم أر له ذكراً نعم في فتاوى صاحبِ "التَّهْذِيب" أنَّ المالِكَ، إن باعها قَبْل خُرُوج الثمرة، لم يصحُّ؛ لأن للعامِلِ حقّاً في ثمارها، فكَأنَّه قد استثنى بعض الثَّمرَة، وإن كان بعد خروح الثَّمَرة، صح البيع في الأشجار، ونصيب المالِكِ منَ الثمار، ولا حاجة إلَى شَرْط القَطْع؛ لأنَّها مبيعة مع الأصول، ويكون العاملُ مع المشتري كما كان مع البائع، وإنْ باع نصيبه من الثمرة وحْدَهَا، لم تصحَّ للحاجة إلى شرط القطْع وتعذُّره في الشائع 1، واللهُ أَعْلَمُ.

جارٍ التحميل