الثانية عن ابن أبي هُرَيْرَة، والعبارةِ الأولَى عَنْ أبي إسحاقَ، وهو الأشْهَرُ، على أنَّ أصلَ العَرْضِ لاَ يَخْتَلِفُ.
والثاني: أنَّهُمَا يستعمَلاَنِ، إمَّا بالتوقُّفِ أوْ بالقِسْمَةِ أو بالقُرْعَةِ على ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ مَعْروفةٍ: لا سَبِيلَ إلى التوقُّف هاهنا، لما فيه من الاضْرَارِ بالطِّفل، ولا إلى القسمةِ، فلا مجال لها في النسب.
وأمَّا الاقتراع، ففيه وجهان:
أَحَدُهُمَا، ويحكَى عن الشيخ أبي حامد: أنَّهُ يجري هاهنا، فيُقْرَعُ، ويُقدَّم مَنْ خَرَجَتْ قرعته، وهذا ما أورده في الكتاب.
وثانيهما، وبه قال القاضِي أبو الطيِّب والأكثرون: المنْعُ؛ لأنَّ القُرْعَةَ لا تَعْمَلُ في النَّسَب، وهذا ما أورده الإمامُ وصاحبُ "التهذيب" ولو اختصّ أحدُهُما باليَدِ لمْ ترجَّحَ بينةٌ باليد بخلاف الأَمْلاَكِ، كما نُقدِّم فيها بيِّنةُ ذي اليَدِ؛ لأنَّ اليَدَ تدُلُّ على المِلْكِ.
وفي "الإفصاح" للمسعوديّ، و"أمالي" أبي الفرج الزاز أنَّه لو أقَامَ أحدُهُمَا البيِّنةَ علَى أنَّه في يدهِ مُنْذُ سنةٍ، والثاني علَى أنَّه في يده منذ شَهْرَيْنِ، وتنازَعَا في نَسَبِه، فالتي هي أسبق تاريخاً أولى وصاحبُها مقدم، لكنَّ هذا كلام غيرُ مُهَذَّبٍ، فإنَّ ثبوت اليَدِ لا يقتضي ثُبُوتَ النسب، وإنْ فُرِضَ تعرُّض البينتين لنَفْسِ النَّسَب، فلا مجالَ فيه للتقدُّم والتأخُّرِ، وإنْ شَهِدَتَاَ على الاسْتِلْحَاقِ [فيبنى على أن الاستلحاقَ من شَخْصٍ، هل يمنع غَيْرَهُ مِنَ الاستلحاقِ] 1 بَعْدَه، وقد مَرَّ.
وإنْ كان التداعِي بَيْن امرأتَيْنِ، وأقامتْ كلُّ واحدةٍ منهما البَيّنَةَ: قال الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "أرَيْتُهُ القَافَةَ مَعَهُما، فبأيتهما ألحقته، لحقَهَا، ولَحقَ زوْجَهَا"، فمن الأصحاب مِنْ قال: هذا جواب على قوْل الاستعمال، وترجيحٌ لِقَوْلِ القائِفِ، كما يرجَّحُ في الأملاَكِ بِالقُرْعَةِ، وهذا يوافق ما مَرَّ [من] حكايتِهِ عن الشيخ أبي حامِد، وعلَى هذا؛ فيَلْحَقُ الزَّوْجَ لا مَحَالَةَ؛ لأنَّ الحُكْمَ بالبينة.
ومنْهُمْ مَنْ قال: إنَّه جوابٌ عَلَى قولِ التَّهاتُرِ، وكأنَّه لا بَيِّنَةَ، فيرجعُ إلَى قَوْلِ القَائِفِ، وعلَى هذا، ففي لُحُوقِ الزَّوْجِ ما سَبَقَ من الوَجْهَيْنِ، ولنرجِعْ إلى ما يتعلَّق بلفظ الكتاب:
قولُه "بل يعرف على القائف" معْلَمٌ بالحاء؛ لأنَّ أبَّا حنيفةَ -رحمه الله- قال: لا أَعْرِفُ القاِئفَ.
وقولُه: "بَعْد البُلُوغ" بالواو لِمَا سَبَقَ، وقوله: "وال من شئْتَ" هذه اللَّفْظَةُ منْقولَةُ عن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قالها لغُلاَمِ أَلْحَقَهُ القَائِفُ بالمتنازِعَيْنِ مَعاً 1.
وقولُهُ "قُدِّمَتِ القيافَةَ" وقولُهُ "قُدَّمَتِ البَيَّنَةُ" مرْقُومَانِ بالواو.
وقولُهُ "تهاترتا، أَوْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا علَى قَوْلٍ" أي: تهاتَرتا علَى قولٍ أو أُقْرعَ بَيْنَهُمَا علَى قَوْلٍ، ويجوز إعلامُ "وأقرعُ" للوجهِ الذي أورده الأكثرون.
وقولُهُ "وَيبقَى مُجَرَّدُ الدَّعْوَى" أي: قوْلِ التهاتر، وإنْ كان هَذَا الكلامُ مَوْصُولاً بذِكْرِ الإقْراع.
وقولُهُ "وَلاَ يُقَدَّم صاحبُ اليَدِ" يعني إذا تعارَضَ دَعْواهُمَا، لا بَيِّنَةَ عَلَى ما تَبَيَّنَ في الصُّورَةِ الثالثة.
فأمَّا إذا أقاما البَيَّنَةَ علَى دعْوَاهُمَا، فلا يُقَدَّمُ صاحبُ اليَدِ إنْ كانَ ملْتَقِطاً أو غَيْرَهُ.
(فرعان): أَلْحَقَهُ القائفُ بأحدِهِمَا، ثم أَلْحَقَهُ بالثَّاني لم ينقل إليه، إذ الاجتهادُ لا يُنْقَضُ بالاجتهادِ.
الثاني: وَصَفَ أَحَدُ المتداعِيَيْنِ [حالاً أو] أَثَرَ جِرَاحَةِ أو نحوه بظَهْرِهِ أو بعض [أعضائه] 2 الباطنة وأصابَ، لا يُقَدَّم جَانِبُهُ.
وعن أبي حنيفةَ فيما رواه الشَّيْخ أبو حامد في آخَرِينَ أنَّهُ يُقدَّم، ويثبتُ النَّسَب به، ومِنَ الأصْحَاب مَنْ أَقَامَ هذا الخلافَ فيما إذا تَنَازَعا في الالْتِقاطِ، وقالَ: كُلَّ واحِدٍ منْهُمَا: أَنَا الذي الْتَقَطْتُهُ.
لنا القياسُ علَى الأملاَك المتنازَعَةِ، إذا وصفها أَحَدَهُمَا، وعلى اللُّقَطَةِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَو تَنَازَعَا في الحَضَانَةِ بِحُكْمِ الالْتِقَاطِ فَصَاحِبُ الَيِد أَوْلَى، فَإِنْ تَعَارَضَتِ البَيِّنَتَانِ تَسَاقَطَتَا (و) وَأُقْرِعَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلٍ، وَلاَ وَجْهَه لِلْقِسْمَةِ وَلاَ لِلتَّوَقَّفِ فَإِنَّ الصَّبيَّ لاَ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ.
قَال الرَّافِعِيُّ: الغَرَضُ الآن الكلامُ فيما إذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ في الْتِقَاطٍ، وولايةِ الحِفْظِ
والتَّعهُّدِ، وهذا النِّزاعُ، إنْ كان قَبْلِ الأَخْذِ أو عِنْدَما أخذَاهُ، فقد سَبَقَ حُكْمُهُ.
وإنْ قال كلُّ واحِدٍ منهما: أَنَا المُلْتَقِطَ، وَأَنَا الذي عَلَىَّ حِفْظُهُ، فإمَّا أنْ يَخْتَصَّ أَحَدُهُمَا باليَدِ أو لا يختصَّ، وإنِ اخْتَصَّ، فالآخر يقول: إنَّه أخَذَه منِّى، فالقولُ قَوْلُ صاحِب اليَدِ مع يمينِهِ، فإنها تَشْهَدُ لقولهِ، وإنْ أقامَ كُلُّ واحدٍ منْهُما بيِّنةً، فَبيِّنَةُ صَاحِب اليَدِ مُقدَّمةٌ، وإنْ لم يختصَّ أحَدُهُمَا باليدِ فَيُنْظَرُ؛ إن لم يكن في يدِ واحدٍ منهما، فهُوَ كما لو أخذاه معاً، وتشاحَّا في حفظِهِ، فَيَجْعَلُهُ الحاكمُ عنْدَ من يراه أو مِنْ غيرهما، وإنْ كانَ في أيْدِيهِمَا، فإنْ نكلا أو حَلَفَا، فالحُكْمُ كما ذكرنَا فيما إذا ازْدَحَمَا علَى الأَخْذِ، وهما متساوِيا الحَالِ.
وإنْ حلَفَ أحدُهُمَا دُون الآخَرِ، خُصَّ به، وسَوَاءٌ كان في يَدِهِمَا أو لم يكُنْ في يدِ واحدٍ منهما، فلو أقام كلُّ واحدٍ منهُما البَيِّنَةَ علَى ما يَدَّعِيهِ، نُظِرَ؛ إن كانت البينتان مُطْلَقَتَيْن، أو مقيَّدَتَيْنِ بتارِيخٍ واحدٍ، أو إحداهما مُطْلَقَةً، والأخْرَى مقيدةً، فهما متعارِضَتَانِ.
فإن قلْنا: بالتهاتُرِ، فكأنَّهُ لا بَيِّنةَ، وإنْ قلنا بالاسْتِعْمَالِ لِم يجئ قولُ الوَقْفِ، ولا قَوْلُ القسمةِ، ويجيء قوْلُ القُرْعةِ، فنقرع، ويُسَلَّمُ إلَى مَنْ خرَجَتْ قرعَتُةُ، وإنْ قُيِّدَتَا بتارِيِخَيْنِ مختلِفَيْن، حُكِمَ لِمَنْ سبَقَ تاريُخُه بخلافِ المَالِ، حيثُ لا يُحْكَمُ بسبق التاريخ في أَصحِّ القَوْلَيْنِ 1.
وفرقوا بأنَّ أمرَ الأموالِ مبنىٌّ عَلَى الانتقالِ، فربَّما أنتَقَلَ عن الأول إلى الثاني، ولَيْسَ كذلك الالتقاطُ، فإنَّه لا ينتقل، ما دامَتِ الأهليَّةُ باقيةً، فإذا ثَبَتَ السَّبْقُ، لزمَ اسْتِمْرَارُهُ.
قال الشيخُ أبو الفرجِ الزاز: هذا إذا قلْنا: إنَّ من التقط اللَّقِيطَ، ثم نَبَذَهُ، لَمْ يَسْقُطْ حقُّهُ، فإنْ أسقَطْنَاه، فهو على القولَيْنِ في الأموال؛ لأنَّه ربما نَبَذَه الأوَّلُ، فالْتقَطَهُ غَيْرُهُ، وهذا حَسَنٌ، ويَتفرَّع علَى تقدِيم البيِّنةِ المتعرّضةِ للسَّبْقِ ما إِذَا لو كانَ اللَّقِيطُ في يَدِ أحَدِهِمَا، وأقَامَ مَنْ هو في يده البَيِّنَةَ، وأقامَ الآخَرُ البَيِّنَةَ علَى أنَّه كان في يده، انتزَعَهُ منْهُ صاحبُ اليد، فقدم بيِّنةُ مدَّعِي الانتزاعِ لإثباتها السَّبق.
قاله الغَزَالِيُّ: (الحُكْمُ الرَّابعُ) رِقُّهُ وَحُريَّتُهُ، وَلَهُ أَرْبَعُ أَحْوالٍ: (الحَالَةُ الأُولَى) إِذَا لَمْ
يَدَّع أَحَدٌ رِقَّهُ فَالأَصْلُ الحُرِّيَّةُ، وَيُحْكَمُ بِهَا في كُلِّ مَا يُلْزِمُ غَيْرَهُ شَيْئاً فَنُمَلِّكُهُ المَالَ وَنُغَرِّمُ مَنْ أتْلَفَ عَلَيْهِ، وَمِيراثُهُ لبَيْتِ المَالِ، وَكَذَلِكَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ في بَيْتِ المَالِ، وَإِنْ قَتَلَهُ عَبْدٌ قُتِلَ بِهِ (و)، وَإِنْ قَتَلَهُ حُرٌّ فَقَدْ قِيلَ: يَجِبُ القِصَاصُ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَاحْتِمَالِ الرِّقِّ ويَبْقَي الدِّيَةُ، وَقِيلَ: يَجِبُ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِنَ الدِّيَةِ أَو القِيمَةِ فَإنَّهُ المُسْتَيْقَنُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مِنْ أحْكَامِ اللَّقِيطِ الرِّقُّ والحُرِّيَّةُ، واللَّقِيطُ لا يخْلُو، إمَّا أن يُقِرَّ علَى نفسه بالرِّقِّ في وقْتِ اعتبار الإقْرار أو لا يُقِرَّ.
وعلى التقدير الثاني؛ فإمَّا أنْ يدَّعِيَ رِقَّةَ مدَّعٍ أو لا يدَّعِيَهُ أحدٌ.
وعلى التقديرِ الأوَّلِ؛ فإمَّا أن يُقِيمَ علَيْهِ بينةً أو لا يُقِيمَ، فَيَخْرُجُ من هذا التقسيمِ أربعة أحوالٍ، كما ذَكَرَ في الكتابِ:
الأُولَى: إلاَّ يُقِرَّ ولا يُدعى رِقُّهُ، فظاهر حَالِهِ الحُرِّيَّةُ؛ لأنَّ الآدَمِيِّينَ خُلِقُوا ليُسَخِّروا لا لِيُسَخَّرُوا، وأَيْضاً، فأغلبُ الناسِ أحْرَارٌ 1.
وأيضاً، فإنَّ الأحرار أهلُ الدَّارِ، والأَرِقَّاءَ.
مَجْلُوبُونَ إلَيْهَا لَيْسُوا من أهْلِهَا، فكَما نحْكُم بالإسْلاَم بظاهِرِ الدَّار، نحْكُم بالحريةِ، وقد ذَكَرْنَا أنَّ مِنَ الأصْحاب مَنْ لا يَجْزِمُ بالإسْلاَم، ويذْهَبُ إلى التوقُّف، وذلك التردُّدُ فيما حكَاهُ الإمامُ يجري فيَ الحرِّيَّةِ، وهي أَوْلَى بالتردُّدِ في الإِسلامِ، لقوَّة الإسْلام، واقتضائه لِلاستتباعِ، ولذلك يتبع الوَلَدُ أيَّ الأبوَيْنِ، كان في الإِسلام دون الحُرِّيَّةِ، ويتبع المسْبِىُّ السَّابِيَ في الإِسلام دُونَ الحريَّةِ، ثم ذَكَرَ تفْصيلاً متوسِّطاَ ينحل من مقالات الأصحاب في المَسَائِل المَبْنِيَّةِ علَى هذا الأصْلِ، وهو أن نجزم بالحريَّةِ، ما لم يَنْتَهِ الأمرُ إلَى إلزامِ الغير شيئاً، فإذا انْتَهَى إليه، تردَّدْنَا، إن لم يعترف الملتزمُ بحريَّتِهِ، وهذا ما أشار إلَيْه صاحبُ الكتاب بقولِه "فيُحْكَمُ بها في كُلِّ ما يُلْزِمُ غَيْرَهُ شَيْئاً" فيخرجُ من ذلك أنَّا نحْكُمُ لَهُ بالمِلْكِ فَيما يصادِفُه معَهُ جزماً، وإذَا أَتْلَفَهُ عليه مُتْلِفٌ، أخَذْنَا الضَّمانَ وَصَرَفْناهُ إلَيْه؛ لأنَّ المَالَ المعْصُومَ مِضمونٌ، على المتلف، فلَيْس أخذُ الضَّمانِ بِسَبَب الحرِّيَّة، حتى يأتي فيه التردُّد، إذا أَخَذْنَاهُ فلا عوض للمتْلِفِ في أنْ يصرِفَهُ إلى اللقيط أَو لا يصرفه.
وقوله: "وميراثُه لبَيْتِ المالِ" وكذلك "أرشُ جِنَايَتِهِ في بيتِ المالِ"، هذا قد ذكره مَرَّةً في أوَّل الحُكْم الثاني، وكَأَنَّ الغَرَضَ من إعادَتِهِ هاهنا بَيانُ أنَّه كما لاَ يمتنعُ ذَلِكَ بالتردُّدِ في إسلامِهِ، لا يمتنعُ بالتردُّد في حريتهِ.
قال الإمامُ: ويُحْتَمَلُ أن يُخَرَّج على التردُّدِ المذكورِ؛ لأنَّ مال بيْتِ المَال معصومٌ مضمونٌ به لا يُبْذَلُ إلا عَنْ تَحْقِيق، وإذا قُتِلَ اللقيطُ، فَقَدْ قلنا في وُجوب القصاصِ قولَيْنِ، واختلافَ الأصحاب في 1 مأْخَذِهَا، وينضمُّ إليها التردُّدُ في الحريَّة، فمن لا يَجْزَمُ القولَ بإسْلامه وحريته، لا يوجبُ القِصَاص علَى الحُرِّ المسْلِم بقَتْلِهِ، ويوجبه على الرَّقيقِ الكافر، ومن يَجْزِمُ بهما، يُخَرِّج وجُوبَ القِصاصِ بكُلِّ حاَلٍ على القولَيْن؛ بناءً علَى أنَّه لَيْسَ له وارثٌ معيَّنٌ.
وإن قيل خطأَ، فالواجبُ الديَةُ في أظْهرِ الوجْهَيْن؛ أَخْذاً بظاهِرِ الحُريَّةِ، وأقلّ الأمرَيْنِ من الدِّيَةِ أو القيمةِ في الثانِي؛ بناءً على أنَّ الحرية غَيْر مستَيْقَنَةٍ، فلا يؤاخَذُ الجاني بما لا يستيقن شَغْلُ ذِمَّتِهِ به.
قال الإمامُ: وقياسُ هذا أنْ يوجَبَ الأقلُّ من قيميه عبداً أو ديةَ مجوسيٍّ؛ لإمكان الحمل على التمجُّس، والخلافُ كالخلاف فيما إذاً قذفِه بَعْدَ البلوغ قاذفٌ، وادَّعَى رِقَّهُ، هل يُحَدُّ، وقد يُرَتَّبُ الخلافُ في القصاصِ على الخلافِ في الدِّيَّةِ، فيقال: إنْ لم يُوجِب الديةَ، فالقصاصُ أوْلى، وإنْ أوجبنَاهَا، ففي القصاصِ وجْهان؛ لسقوطِهِ بالشُّبهة، وإذا جَمَعَ بَيْنَهُما، حَصَلَ ثلاثةُ أوجه كَما ذكر في الكِتابِ.
ثالثها: وجوبُ الديةِ دون القِصاصِ وقوله: "وإنْ قتله عبدٌ قُتلَ بهِ وإن قتَلَه حرٌّ" إلى آخره يَنْبَنِي علَى وجوبِ القصاص بقتل مَنْ لاَ وَارِثَ له، فإنْ لم نوجِبْ، فلا فرقَ بين أن يكونَ القاتلُ عبداً أو حرّاً، فيجوزُ أن يُعْلَمَ قوله قُتلَ بالواو.
قال الغَزَالِيُّ (الحَالَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ يُدَّعىَ رِقُّهُ، فَلاَ يُقْبَلُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ غَيْر صاحِبِ اليَدِ، وَلاَ مِنْ صَاحِبِ اليَدِ إِذَا كَانَ يَدُهُ عَنِ الالْتِقَاطِ، وَإِنْ لَم يَكُنْ فَيُحْكَمُ (و) لَهُ بِالرِّق ظَاهِراً، فَإِنْ بَلَغَ وَأَنْكَرَ فَفِي انْتِفَاءِ الرِّقِّ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالةُ الثانية أن يُدَّعَى رقُّه، وَلا بينة، وَمن ادَّعَى رِقَّ صغيرٍ لا تتيقَّنُ حرِّيَّتَهُ، سُمِعَتْ دعواهُ؛ لإمكانها، ثم لا يَخْلُو؛ إما أن يكون الصغيرُ في يده أو لا يكونَ، إن لم يكُنْ في يدهِ، لم يقبْل قوله، واحتاج إلى البَيِّنَةِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ الحُرِّيَّةُ، فلا يُتْرَكُ، إلا بحجَّةٍ بخلاف دعْوَى النَّسَب؛ لأَنَّ في قَبُولِها مصْلَحةً للطُّفْلِ، وإثباتَ حقٍّ له،
وهاهنا في القُبُول إضرارٌ به وإثباتٌ رقٍّ عليه، ولأنَّه لا نَسَبَ لَه في الظَّاهر، فلَيْسَ في قَبُول قولِ المُدَّعِي ترْكُ أمْرٍ ظاهرٍ، والحريَّةُ محْكُومٌ بها ظاهرًا، وإنْ كَانَ الصَّغيرُ في يده، فاليَدُ، إمَّا التي عَرَفْنَا استنادها إلى الْتقاطِ المنَبُوذِ، وإِمَّا غَيْرُها، إن كانَتِ الأُولَى، ففيها قولان:
أحدُهُما: أنه يُقبَل قولُهُ، ويُحْكَمُ له بالرِّقِّ، كما في غيرِ يَدِ الالتقاطِ، وكما لو التقط مالاً، وادَّعَى أنه له، وَلا مُنَازعَ، يُقْبَلُ قولُهُ، حتَّى يُجوزَ شِراؤُهُ منْهُ.
وأصحُّهما: وهو المذكورُ في الكتاب: أنَّه لا يُقبلُ قوله "ويحتاج إلى البينةِ؛ لأنَّ الأصلَ الحريةُ، فلا يخالفُ بمجردِ الدعوَى، ويخالف مَا إِذَا كانَت اليدُ لاَ عن التقاط، كما سيأتي.
وأما إذا ادَّعَى ملكَ المال الملتقط؛ لأنَّ المالَ مَمْلوكٌ، ولَيْسَ في دعْوَاهُ [تغيُّرُ صِفَةِ المالِ، واللَّقِيطُ حرٌّ ظاهرٌ، وفي دَعْوَاهُ] 1 تغْييرُ هذه الصفة، وإنْ كانَتِ الثانيةُ، فَيُحْكَمُ لصَاحِبِها بالرِّقِّ الذي يدَّعِيهِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ مَنْ في يدِهِ، وهو متصرِّفٌ فيه تصرُّف السَّاداتِ في العَبيدِ، مَلَكَهُ، ولم يَعْرِفُ حُدُوثَها لِسَبَبٍ لا يقْتَضِي المِلْكَ، ولا فَرْقَ بين أنْ يَكُونَ الصغير مُمَيِّزاً أو غَيْرَ مُميِّزٍ، مُقّراً أو مُنْكِراً على أَصحِّ الوَجْهَيْنِ.
والثاني: ويُحْكَى عن أبي إسحاقَ: أنَّه، إن كان مميزاً منْكِراً، أحتاج المدَّعي إلى البَيِّنَةِ؛ لأنَّ لكلامِهِ حُكْماً، واعتباراً في الجُمْلة.
قال الشيخ أبو عَلِيٍّ: والوجهان مبينَّانِ على الوجْهَيْنِ في الموْلود، إذا ادَّعاه اثْنَانِ، ولا قائِفَ، هل يُؤْمَرُ بالانْتِسَابِ؛ لِسِنِّ التَّمْييزِ، أمْ يُنْتَظَرُ إلَى أن يبلغ؟ وفي الخُنْثَى المُشْكِل، هل يُراجَعُ؛ لسنّ التمييز أم يُنْتَظَرُ الَبُلُوغُ، ثم يحلف المدَّعَي، والحالةُ هذه؛ لخَطَرِ شأْن الحرّيَّة، وهو واجبٌ أو مستحبُّ، فيه خلافٌ، والأول, هو الذي يُحْكَى عَنِ النَّصِّ.
ثم إذا بَلَغَ الصبيُّ، وأقرَّ بالرِّقَّ لغَيْرِ صاحبِ اليَد، لم يُقْبَلْ، وإن قال: أَنَا حُرٌّ, فوجهان:
أحَدُهَمَا، وبهِ أجاب ابن الحدَّادِ: أنَّه لا يُقْبَلُ قولُهُ، إلاَّ أن يقيم بَينةً على الحريةِ؛ لأنَّا قد حَكَمْنا برقِّهِ في حالِ الصِّغَرِ، فلا يُرْفَعُ ذلك الحُكْمُ إلاَّ بحجَّةٍ، لكنْ لَهُ تحليف السَّيِّد، قاله في "التهذيب".
والثاني، وبه قال أبو عليٍّ الثقفيُّ: أنَّه يُقْبَلُ قولُهُ، إلا أن يقيم المُدَّعِي للرِّقِّ بينةً عَلَى رقه؛ لأنَّ الحُكْمَ بالرِّقِّ، إنما جَرَى حِينَ لا قَوْلَ لَهُ، ولا منازَعَةَ، فإذا صارَ مُعْتَبَرَ
القَوْلِ، فلا بدَّ من إقْرارِهِ أو البيَّنَةِ علَيْهِ، كما لو ادَّعَى مُدَّع رِقَّ بالغ، وهما كالوجْهَيْنِ، فيما إذا استلحقَ صغيراً، فبلغَ وأنْكَرَ، والوجهان في المسألَتَيْنِ مبنيَّان عنْدَ الشَّيْخ أبي عليٍّ، والأئمَّة على القَوْلَيْنِ فيمَنْ حُكِمَ بإسْلاَمِهِ بأَحَدِ أبَويْهِ أو بالسَّابي، ثم بَلَغَ، وأَعْرَبَ بالكُفْر، يُجْعَلُ مُرْتداً، أو يجعل كافرًا أصليًّا، ويقال: إنَّه الآنَ صَارَ منْ أهْلِ القَوْلِ، فُيْرجَعُ إلَى قوله، ولا يُنْظَرُ إلَى حُكْمِنَا به من قَبْل؟
"
فرعان
":
أَحَدُهُمَا: رَأَى صَغِيراً في يدِ إنْسَانٍ، يأْمُرُهُ وَينْهَاهُ، ويستَخْدِمُةُ، هَلْ له أن يَشْهَد له بالمِلْك؟ عن أبِي عليٍّ الطبريِّ: أنَّه عَلَى وجْهين، وعند غيره أنَّه، إنْ سَمِعَهُ يقول: هو عَبْدِي، أو سَمِعَ النَّاسَ يقولون: إنه عَبْدُهُ، شهد بالمِلْكِ، وإلاَّ، فلا 1.
الثاني: رَأَى صغيرةً في يَدِ إنْسانٍ يدَّعي نِكَاحَها، فَبَلَغَتْ، وأَنْكَرَتْ، قُبِلَ قَوْلُها، واحتاج المدَّعي إلى البينةِ، وهل يُحْكَمُ في صِغَرِها بالنِّكاح؟
عن ابن الحدَّاد: أنَّه يُحْكَمُ، والأصَحُّ المنع، وفَرَقُوا بأنَّ اليدَ في الجملةِ دَالَّةٌ على الملْكِ، ويَجُوزُ أنْ يُولَدَ المَوْلُودُ، وهو مملُوك، ولا يجوزُ أنْ تُولَدُ، وهي منكوحةٌ، فالنِّكاحُ طارِئٌ بكلِّ حالٍ، فافتَقَرَ إلى البيَّنةِ.
وقولُه في الكتاب "أن يُدَّعَى رِقُّهُ" لا يُمْكِنُ صَرْفَ الكتابةِ إِلى اللَّقِيط؛ لأنَّه لا يَنْتَظِمُ حينئذٍ التَّفْصِيلُ، والفَرْقُ بين أنْ يكُونَ اليدُ عن التقاطِ أو لا عن التقاطِ، بل هي
مصروفةٌ إلَى الصّغير، وإن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ، ويجوزُ أنْ يُعْلَم قَوْلُهُ "يُحْكَمُ لَهُ بالرِّقِّ ظاهرًا" لأنَّ القاضِيَ ابنَ كج حَكَى وجهًا؛ أنَّ دعْوَى الرِّقِّ من صاحبِ اليدِ لا [يُمْكِنُ أن] تقبل إلاَّ بالبَيِّنةِ، وإنْ لم يكنْ يَدهُ عنِ الْتقاطٍ.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ) أنْ يُقيمَ المُدَّعِي بَيِّنَةَ عَلَى الرِّقِّ مُطْلَقًا، فَفِيهِ ثَلاَثةُ أَقوَالٍ: (أَحَدُهَا): أنَّهُ يَسْمَعُ كَبَيِّنَةِ المالِ (وَالثَّانِي): لاَ لأنَّهُ رُبَّمَا يَسْتَنِدُ إِلَى ظَاهرِ يَدِ الالْتِقَاطِ (وَالثَّالِثُ): أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنَ المُلْتَقِطِ وَيَقْبَلُ مِنْ غَيْرِهِ لِسُقُوطِ هَذَا الخَيَالِ، فَإنْ شَرَطْنَا التَّقْيِيدَ فالمُقَيَّدُ بأَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى شِرَاءٍ أَوْ إِرْثٍ أَوْ سَبْيٍ أَوْ يَقُولَ: وَلَدتْهُ مَمْلُوكَتِي عَلَى مِلْكِي، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَلَدَتْهُ مَمْلُوكَتِي فَقَدْ قِيلَ: لاَ يَكْفِي (و) لأنَّهُ قَدْ تَلِدُ المَمْلُوكَةُ حُرّاً، والأَصَحُّ أنَّهُ يَكْفِي إِذِ القَصْدُ قَطْعُ احْتِمالِ الاسْتِنَادِ إِلَى ظاهِرِ اليَدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالية الثالثة: أنْ يَدَّعِيَ رقَّهُ مُدَّعٍ أو يُقِيمَ عَلَيْه بينةً، حيثُ يحتاجُ مُدَّعِي الرِّقِّ إلى البينةِ كما فصَّلْنَاه، فهَلْ يُكْتَفَى بإقامةِ البَيِّنةِ على الرِّقِّ أو الملْكِ مطلقاً؟ فيه قَوْلانِ:
أحدُهما: نَعَمْ، كما لو شَهِدَتِ البينةُ علَى الملْك في دارِ أو دابَّةٍ أو غيرهِمَا مِنَ الأموالِ، يكفي الإطْلاقُ، وهَذا ما اختارهُ المُزنِيُّ.
ويُحْكَى عن نصِّه في "الدعاوى والبينات" وفي القديم والثاني، وهو المَنْصُوصُ هاهنا أنَّه لا يكتفي بها؛ لأنَّا لا نَأْمَنُ أنْ يكُونَ اعتمادُ الشاهِدِ علَى ظَاهرِ اليَدِ، وتكُون اليَدُ يَدَا الْتقِاطٍ، وإذا احْتُمِلَ ذلك، واللَّقِيطُ محكومٌ بحرِّيتِهِ بظاهِرِ الدارِ، [فلا يُزَالُ ذلك الظاهر] 1 إلاَّ عن تحقِيقِ، ويخالف سائرَ الأموال؛ لأنَّ أَمْرَ الرِّقِّ خَطِيرٌ، وهذا أَصَحُّ فيما ذَكَرَهُ الإمامُ وصاحِبُ التَّهْذِيب والقاضي الرُّويانيُّ وآخَرُونَ، ومنْهم مَنْ رَجَّحَ الأوَّل.
قال القاضي ابنُ كج والشَّيْخُ أبوَ الفَرَج الزاز: ويؤيدَّهِ أنَّ منَ الأصحاب مَنْ قَطَعَ بالقَوْلِ الأوَّل، ولمْ يُثبِتِ الثاني، وَحَمَلَ نصَّهُ هاهنا عَلَى الاحتياطِ، ولمَنْ قَاَلَ به أنْ يَحْتجَّ بأنَّ قِيَامَ البَيِّنةِ على مُطْلَقِ المِلْكِ ليسَ بأقلَّ مِنْ دَعْوَى غَيْرِ المُلْتَقِطِ رقَّ الصغيرِ في يَدِهِ 2، فإذا اكتفَيْنَا به، جاز أن يُكتَفَى يالبينةِ على المِلْكِ المُطْلَقِ.
(التفْريعُ): إنْ لم نكتف بالبينةِ المطْلَقةِ شَرَطْنَا تَعَرُّضَ الشُّهود لسَبَبِ الملْكِ مِنَ الإرْثِ والشراء أو الاَّيهَابِ ونَحْوِهَا.
ومن الأسبابِ أنْ يَشْهَدَ بأنَّ أَمَتَهُ ولَدَتهُ مملوكاً له، فإن اقتصرُوا عَلَى أن أمته ولَدَتْهُ
أو أَنَّه وَلَدُ أمَتِهِ، فالذي نَقَلَهُ المُزنيُّ هاهنا أنَّه يكْفِي.
وقال في "الدعاوَى والبَيِّنَاتِ": إنْ شَهِدَتِ البينةُ أنه ابنُ أَمَتِهِ، وَلَدَتْهُ في ملْكِهِ، قبلت، فقَالَ الأكْثَرُونَ: فيه قولان:
أحدُهُما: أنَّه لا يَكْفِي ذلك؛ لأنَّه إذا اشْتَرَى جاريةً قد وَلَدَتْ أوَّلاً، فصدق أن يُقالَ: إن أمَتَهُ وَلَدَتهُمْ، ولَيْسُوا مِلكاً لَه، وأيْضاً، فإن أَمَتَهُ قد تَلِدُ حُرَّا بالشُّبهةِ، وفي نِكاحِ الغرور.
وقد يَلِدُ مملوكًا للغَيْر بأن أَوْصَى بحَمْل جاريتهِ للغير، وماتَ فهو للوارث، والذي يَلِدُهُ للمُوصَى لَهُ.
وَأَصَحَّهما: عَلَى ما ذكر [هـ] في الكتاب: الاكتفَاءُ بهِ؛ لأَنَّ المقْصُودَ العِلْمُ بأنَّ شَهادَتهُمْ لَم تستنِدْ إلى ظاهر اليَدِ، وقد حَصَلَ هَذا الغَرَضُ أَيْضاً، فإن الغالِبَ أنَّ وَلَدَ أَمَتِهِ مَلَكَهُ.
ومنهُمُ مَن قَطَعَ بالقَوْلِ الثَّانِي، وجَعَلَ ما ذَكَرَهُ في "الدَّعَاوَى" تأكيداً، ولو شَهِدَتِ البينةُ بأنَّ أَمَتَهُ وَلَدتْهُ في ملكهِ، فإطلاق الجَمهورِ الاكتفاءُ به.
وقال الإمَامُ: لا يُكْتَفَى به تَفْريعاً عَلَى وجُوب التَّعرُّضِ لِسَبَبِ الملْكِ؛ لأنَّهِ قد تَلِدُ أَمَتُهُ في مِلْكِهِ حُرّاً أو مَمْلوكاً للغَيْرِ عَلَى ما بَيَّنَّاهُ، وهذا حقٌّ، ويُشْبِهُ أَلاَّ يكونَ فيهِ خِلاَفٌ، ويكون قولُهُم "في ملْكِهِ" مصْرُوفاً إلى المولدِ بمثابةِ قَوْلِ القَائِل "وَلَدَتْهُ فِي مَشِيمَةٍ، لا إلى الولادةِ ولا إلى الوالدة"، وحينئذٍ لا فَرْقَ بينه وبَيْنَ قولِهِمْ "وَلَدَتهُ مَمْلُوكاً [لَهُ] "، وعلى القوَلْينِ تُقْبَلُ هذه الشهادةُ من رَجُلِ وأمْرَأَتَيْنِ؛ لأنَّ الغَرَضَ إثْبَاتُ المِلْكِ، وإذَا اكْتَفَيْنَا بِالشَّهادةِ عَلَى أَنَّه وَلَدَتْهُ أَمَتُهُ، فنقْبَلُ مِنْ أَربَعَ نِسوَةً أيضًا؛ لأنَّها شهادةٌ على الْوِلاَدَةِ، ثم يَثْبُتُ المِلْكُ في ضمنها، كما يَثْبُتُ النَّسَبُ في ضمن الشَّهَادة عَلَى الوِلاَدَةِ، ولو شَهِدَتْ عَلَى أنَّه مِلْكُهُ وَلَدَتْهُ أَمَتُهُ، فعَنِ القَاضِي الحُسَيْن أنَّه يَثْبُتُ المِلْكُ والولادَةُ، وذِكْرُ المِلْكِ لا يَمْنَعُ من ثُبُوتِ الولادة، ثم يَثْبُتُ المِلْكُ ضمْنًا لا بتصريحهِنَّ.
لو شَهِدَتِ البينةُ لِمُدَّعِي الرِّقِّ باليد؟
قال في "المهذَّب": إنْ كان المُدَّعِي الملتقط، لم يُحْكَمْ له، وإِنْ كان غَيْرُهُ؛ فقولاَنِ:
وفي "الشَّامِل" وغيرِهِ ما هو أقْوَمُ وأَحْسَنُ منْ هذا، وهو أنَّ المُدَّعِيَ، إذَا أَقامَ البينةَ علَي أنَّه كَانَ في يَدِهِ قَبْلَ أنْ يَلْتَقِطَهُ المُلْتَقِطُ، قُبِلَتْ، وثَبَتَتْ يَدُهُ، ثم يُصَدَّقُ في دَعْوَى الرِّقِّ، لما مرَّ أن صاحِبَ اليد على الصَّغِير إذا لم يعرف أنَّ يده عنِ الْتِقاطٍ، يُصَدَّقُ في دَعْوَى الرِّقِّ، وبمِثْلِهِ أَجَابَ صاحبُ "التهذيبِ" فيما إِذَا أَقَامَ المُلْتَقِطُ بَيِّنَةً على أنَّه كانَ في
يَدِهِ قَبْلَ أنِ الْتَقَطَهُ، لَكِنْ رَوَئ القاضِي ابْنُ كَج في هذه الصُّورَةِ عنِ النصِّ أنَّه لا يُرَقُّ حتَّى يقيم البَيِّنَةَ عَلَى سبب المِلْك، ووجهه بأنَّه إذا عُرِفَ بأنَّه التَقطه، فكأنَّه أقَرَّ له بالحرِّيَّة ظاهراً، فلا تُزَالُ إلاَّ عن تحقيق.
جئْنا إلَى ما يتعلَّق بلفظ الكتابِ:
قوله "فيه ثلاثةُ أقْوالٍ" يجوز إعلامُهُ بالواو؛ للطريقة القاطِعَةِ بالاكتفاء.
وقوله "كبينةِ المالِ" يعني في سائرِ الأموال، وإلاَّ فالعَبْدُ مالٌ أيضاً.
وأمَّا القَوْلُ الثَّالِثُ، وهو الفرق بَيْن الملْتَقِطِ وغَيْرهِ في الاكْتفاءِ بالبينةِ المطْلَقَة، فَهَذَا لا ذِكْرَ لَهُ في كُتُب الأصحَابِ، لكنه مخرَّج مما ذكرُوهُ، ومِنْ كَلاَم الإمَامِ لا بُدَّ من حِكايَتِهِ، وذلك أنَّه حَكَى فيما إذَا ادَّعَى المُلْتَقِطُ رقَّهُ, القَوْلَيْنِ كما قدَّمَنا، ثم قالَ: إنَّ المُزَنِيُّ لَمَّا نَقَلَ عَن الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- اشتِراطَ تَقْييدِ البينَّةِ على الملتقط، حَكَى نصّاً آخَرَ، وهو أنَّه قال: إذا التقط الرَّجُلُ منبوذاً، وجاء آخَرُ، وقَالَ: هذ اللَّقِيطُ مِلْكِي، كَانَ في يَدِي قَبْلَ الالْتقَاطِ، فأقام بَيِّنَةً عَلَى أنَّه مِلْكُهُ مُطْلَقًا، قُبِلَتِ الشهادةُ وَنَظَمَهُما قَولَيْنِ، واخْتارَ أَحَدَهُما.
قال: وهَذَا مأخوذٌ علَيْهِ، فإنَّ النَّصَّ الأَوَّلَ في المُلْتَقِطَ.
والثاني: في غَيْرِ المُلْتَقِطِ، وَلَيْس في حقِّ غَيْرِ المُلْتَقِطِ يَدُ الْتِقَاطٍ حتى يحدّد استناد الشهادةِ إليها، فقُبِلَت عَلى إطلاقِها، وحاصِلُهُ أنَّ البَيِّنَةَ المُطْلَقَةُ يُكْتَفَى بِها من غَيرِهِ، وفي الملْتَقِطِ قَوْلاَنِ، والجمهورُ أثْبَتُوا فيهما قولَيْنِ بلا فَرْقٍ؛ فتولَّد مِنَ النَّقْلَيْنِ قَوْلٌ فارقٌ كما في الكتابِ، ولكنْ في كلامِ الإمام توقُّفُ في الموضِعَيْنِ.
أحَدُهُمَا: أنَّه حَمَلَ ما نقَلَهُ المُزَنِيُّ أوَّلاً عَلَى ما إذا ادَّعَى الملْتَقِطُ رِقَّهُ، ولَيْسَ في اللقيط ما يخصّصهُ به؛ لأنَّه قال: قال الشَّافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "فإذا ادَّعَى رجُلٌ اللَّقِيطَ أنَّه عبْدُهُ، لمْ أقبل حتّى يشهَدَ أنَّها رَأَتْ أمَةَ فلانٍ وَلَدَتهُ" يعْني المدَّعِي.
والثاني: أنَّ لفْظَ النصِّ الأخيرُ، وقال في موْضِعٍ آخَرَ: وإنْ أَقامَ بينةً بأنَّهُ كان في يدِهِ قَبْلَ الْتِقاطِ الملتقط، أرْقَقْتُهُ لَهُ، ولَيْسَ فيه تَعَرُّضٌ لَلمِلْكِ، إلاَّ أنَّ ما ذكره الإمامُ من أنَّ هَذَا النَّصَّ قَوْلٌ بقبول الشهادةِ على المِلْكِ مُطلقاً يوافقه كَلاَمُ الأصْحابِ، وكأنَّهُمْ فَهمُوا من قُبُولِ الشَّهَادةِ على اليد الدالة على مطْلَقِ المِلْكِ قَبُولَ الشهادةِ علَى مطلَق المِلْكِ بطريقِ الأَوْلَى، لكنْ يُتَوَجَّهُ أنْ يُقَال: المِلْكُ في صُورَةِ النَّصِّ [هو] غير ثابِتٍ بالبينةِ، وإنَّما ثبتتْ بها اليَدُ والإرْقاقُ بقَوْلِ صاحِب اليَد، كما تقدَّم.
وقولُهُ "فالمُقَيِّدُ بأَنْ يَسْتَنِدَ إلَى شِرَاءٍ أوْ إرْثٍ أَوْ سَبْيٍ أَوْ يَقُولَ: وَلَدَتْهُ مَمْلُوكَتِي عَلَى مِلْكِي" هذَا حكايةُ لفظَ المدَّعِي، ثم الشُّهُودُ يُطبِّقُون شهادَتَهُمْ عَلَيْهِ، ولا يُفْهَمُ مِنْ
هَذا أنَّ المُدَعِي يَجِبُ عَلَيهِ ذِكرُ سَبَبِ المِلكِ، بَلْ يَكْفِي الدَّعْوَى.
وقولُهُ "هو ملكي"، ولفظ الكتاب جرى على سبيل الإيضَاح.
وقولُه "فقَدْ قِيلَ: لايكْفي" يجوز أن يُرْقَمَ بالواوِ؛ للطريقة القاطِعَةِ بالاكتفاء، ولفظه "قَبْل" في الأَكْثَرِ يستعمل في وجُوه الأَصْحَابِ، ورُبَّمَا بالغَ فِيهِ الإمَامُ، فإنَّهُ حَكَى الخِلاَفَ في المسْألَةِ وجْهَيْنِ، والأكْثَرون نَقَلُوا قولَيْنِ منْصُوصَيْنِ.
وقولُهُ "إذ القَصْرُ قَطْعُ احتمال الاسْتِنَادِ إلَى ظاهِرِ اليدِ" معناهُ أنَّ التعرُّضَ لِمُطْلَقِ المِلْكِ، إنَّمَا يُكْتَفَ بِهِ؛ خَوْفاً من أن يعتمد الشهودُ اليد.
فإذا أَسْنَدُوهُ إلَى غير اليَدِ، فَقَدْ أَمِنَّا مِنْ ذلكَ، فلا حاجَةَ إلى التَّنْصِيصِ على تَمَامِ سَبَبِ المِلْكِ، ويؤَيِّدُهُ أن قَوْلُ الشُّهود "إنَّهُ ملْكُهُ، ولَدَتْهُ مملوكَتُهُ، جَعَلَهُ في "التهذيب" بمثابة قَوْلِهِمْ "ولَدَتْهُ مَمْلُوكَتُهُ عَلَى مِلْكِهِ" ولم يذكر فيهما خلافاً، وإنَّمَا ذَكَرَ الخِلاَفَ فيما إِذَا قالُوا: وَلَدَتْهُ مَمْلُوكَتُهُ، أو إِنَّهُ وَلَدُ مَمْلُوكَتِهِ.
قال الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): أنْ يُقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بالرِّقِّ، فَإِنْ كانَ بَعْدَ أنْ أَقَرَّ بِالحُرِّيَةِ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ أن أَقَرَّ بالحُرِّيَّةِ قبِلَ إِقْرَارُهُ، وَإِنْ أَقّرَّ لإنْسَانِ بِالرَّقِّ فأَنْكَرَهُ فأَقَرَّ لِغَيْرِهِ فَالنَّصُّ أنَّهُ لاَ يُقبَلُ للثَّانِي لأَنَّهُ كَالمَحْكُومِ بِحُرِّيَتِهِ يُرَدُّ إقْرَارَهُ الأَوَّلُ، وَالقَوْلُ المُخَرَّجُ أنَّهُ يُقْبَلُ، كَمَا لَوْ أَنْكَرَتِ المَرْأَةُ الرَّجْعَةُ ثُمَّ أَقَرَّتْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ تَصَرُّفٌ، فَإِنْ أُقيَم بَيَّنَةٌ عَلَى رِقَّهِ تُتُبِّعَتِ التَّصَرُّفَاتِ وَجُعِلَت كَأنَّهَا صَدَرَتْ مِنْ عَبْدٍ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّد، وَإِنْ عُرِفَ رِقُّهُ بِإِقْرارِهِ فَيُقْبَل إِقْرارُهُ فِيمَا عَلَيْهِ مُطْلقاً، وَفِيما يَضُرُّ بِغَيْرِهِ أَيْضاً عَلَى أَظْهَرِ الأَقْوَالِ، وَفِي قَوْلٍ: لا يُقْبَلُ فِيما يَضُرُّ بِغَيْرِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالةُ الرابعةُ: أن يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ، وهو عاقلٌ بالغٌ، فَيُنْظَرُ؛ إنْ كَذَّبَة المُقِرُّ له, لم يثبُتِ الرَّقُّ، ولو عادَ بعْد ذَلِكَ، فَصَدَّقَهُ، لم يلتفت إليه؛ لأنَّه لمَّا كذَّبَهُ، ثَبَتَتْ حُرِّيَتُهُ بِالأصْلِ، فلا يَعُودُ رقيقاً، وإنْ صَدَّقَهُ، فإمَّا أنْ يسبِقَ الإقرارَ ما يناقضه أو لا يَسْبِقَهُ.
القسْمُ الأوَّلُ: ألاَّ يَسْبِقَهُ ما يُناقِضُه، فَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ، كسائر الأقَارِيرِ، وعَنْ حِكَايَةِ صاحب "التقريب" قولٌ آخرٌ؛ أنَّه لا يُقْبَلُ؛ لأنه محكومٌ بحرِّيَّته بالدِّارِ، فَلاَ ينقض، لمَا أنَّ المحكُومَ بإسْلاَمِهِ بظَاهِرِ الدَّارِ، إذَا أعْرَبَ بالكفر، لا ينقض ما حُكِم بِهِ في قَوْلٍ، بلْ يُجْعَلُ مُرْتَدّاً.
والقسْمُ الثَّانِي: أن يسبقه ما يُنَاقِضُهُ، وفيه صُوَرٌ.
إحداها: إذا أَقَرَّ بالحريَّة بعْد البلوغ، ثم أَقرَّ بالرِّقِّ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لأنَّه بالإقْرار الأوَّل،
التزم أحكامَ الأحْرارِ في العِبَاداتِ وغيرِها، فلم يَمْلِكْ إسْقَاطَها، وأيضاً فإنَّ الحُكْمَ بالحُرَّيَّةِ بظاهِرِ الدَّار.
قَد تأكَّد بإعرابه عن نَفسه، [فلا يُقبَلُ ما يناقِضُه، كما لو بَلَغ وأَعْرَبَ عنْ نَفْسِه] 1 بالإسلام، ثم وصف بالكُفْرِ، لا يُقْبَلُ ويُجْعَلُ مُرْتَدَّا.
ونقل الإمَامُ وجْهًا آخَرَ أنَّه يُقْبَلُ، وذكر أنَّ الصَّيْدَلاَني، قَطَعَ به تشبهاً بما إذَا أَنْكَرَت المرأَةُ الرَّجْعَةَ، ثم أقرَّتْ، وأيْضاً، فإنَّه لو قال: هَذا مِلْكِي، ثم أَقَرَّ لغيره، يُقبَلُ والمَذْهَبُ الأَوَّلُ.
الثانية: إذا أَقَرَّ بالرِّقِّ لزَيْدٍ، فكذَّبَهُ، فأقر لِعَمْرو، فعن تخريج ابْنِ سُرْيجٍ أنَّه يُقْبَلُ
كما لو أقر بمالٍ لزَيْدِ، فَكَذَّبَهُ، فأقَرَّ به لعَمْرو، وأيْضاً، فاحتمال الصِّدْقِ في الثاني قائِمٌ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ.
والمذْهَبُ المنْصُوصُ المَنْعُ؛ لأنَّ إقْرارَهُ الأوَّلَ تَضَمَّنَ نَفْيَ المِلْكِ لغَيْرهِ، فإذا رَدَّ المُقَرُّ لَهُ خَرَجَ عَن كونهِ مملوكاً له أيْضاً، فصار حُرًّا بالأَصل، والحُرِّيَّةُ مَظَّنةُ حُقُوقِ اللهِ تعالَى وَالعِبَادِ، فَلا سَبِيلَ إلَى إبْطَالِهَا بالإقْرَار الثاني.
الثالثةُ: إذَا وجِدَتْ منْه تصرُّفاتٌ تَسْتَدْعِي نُفُوذَها بالحُرِّيَّةِ من بيع وَنِكَاحٍ وَغَيْرَهَا، ثم أقرَّ بالرِّقِّ.
قال الإمامُ: إنَّ فرَّعْنَا عَلَى ما نَقَلَهُ صاحبُ "التقريب" في الصُّورَةِ الأُولَى، فإقْرارُهُ لاغٍ مُطَّرَحٌ.
نعم، لو نكح ثُمَّ أَقَرَّ بالرِّقِّ، فإقَرَارُهُ اعترافٌ بأنَّها محرَّمةٌ علَيْهِ، فلا يمكن القَوْلُ بحلِّها [و] إنْ قُلْنا بالقَبُولِ هُنَاكَ، ولا إقرارَ قَبْلَه ولا تَصَرُّفَ، فيجيء هَاهُنا الخلافُ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ، ونَحْن نُقْدِمُ علَيْهِ، أَنَّهُ، لو ثَبَتَ الرِّقُّ بالبَيِّنَةِ، والحالَةُ هذه، تنْقُضُ التصرُّفَاتِ المسْتَدعِيَّةَ للحُرِّيَّةِ، وتُجْعَلَ صادِرَةٌ منْ عَبْدٍ، لم يأْذَنْ له السَّيِّدُ، ويسترد ما دُفَع إليه من الزَّكَاةِ، والميراث، وما أنْفِقَ عليه مِنْ بَيْتِ المال، وتبُاعُ رقبته فيهما.
إذا عرفت ذلك جئنا إلى الإقْرَار.
قال الشافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "ألزمته ما ألزمه بِهِ قَبْلَ إقْرارِه" وفي إلْزامِهِ الرِّقَّ قَوْلانِ، وللأَصْحَابِ فيما ذَكَرَهُ طَرِيقان:
أَحَدُهُما، ويُحْكَى عَنْ أَبِي الطَّيَّب بْنِ سلَمَة: في قَبُولِ أصْلِ الإقْرَار قَوْلان؛ لظاهِرِ قولِهِ "وفي إلزامِهِ الرِّقَّ قولانَ"، وجْه عَدَم القُبُول: أنَّه محكومٌ بحريته بظاهر الدَّار، فلا يَمْلِكُ إسْقاطَ أحكامها، كما لو أَقَرَّ بالحريِّة ثم بالرِّقِّ، ووجْهُ القُبُولِ أنَّ ذَلِكَ الحُكمَ كانَ بِناءً على الظَّاهِرِ، فَيَجُوزُ أنْ يُغيَّر بالإقرار، كَما أنَّ مَنْ حُكِمَ بإسْلاَمه بظاهِر الدَّارِ، فَبَلَغَ، وأَعْرَبَ بالكُفْر، يُجْعَلُ كافرًا أصليًّا على الأصحِّ.
وأصحُّهما: القطعُ بقُبُولِ أصْل الإِقْرَارِ، وثبوت أحكام الأرقَّاءِ له في المُسْتَقْبَلِ مُطْلقاً، وتخْصيص القولَيْنِ بأحْكَام التَّصرُّفاتِ السَّابقَةِ، فأحَدُ الَقولَيْنِ القُبُولُ في أحكامها أيضاً، سواءٌ كان مما يَضُرُّ بِهِ أو ينْفَعُ، ويضرُّ غَيْرَهُ؛ لأنَّهُ لا تهمة فيهِ، إِذ الإنْسَانُ لاَ يَرِقُّ نَفْسَهُ؛ لإلحاق ضَررٍ جَرى بالغير، وأيضاً، فلأنَّ تِلْك الأحكامَ فُرُوعُ الرِّق، فإذا قَبِلْنا إقْرَارَهُ في الرِّقِّ الَّذِي هو الأَصْلُ، وَجَبَ القُبُولُ في أحْكَامِهِ الَّتي هِيَ فروعٌ له.
وأصحُّهُما: المَنْعُ في الأَحْكَامِ الَّتي تضُرُّ بغَيْرِهِ، وتَخْصِيصُ القَوْلِ بالأحْكَامِ التي تَضُرُّ بِهِ؛ كَما لَو أَقَرَّ بمالٍ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيرِهِ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ عليه ولا يُقْبَلُ عَلَى غَيْرِهِ، وبهَذا قال أبوحَنِيفةَ، وأختاره المُزَنِيُّ, وعَنْ أحمد روايتان كالقَوْلَيْن.
قال الشيخُ أبو عَلِيٍّ، وَهَذَانِ القَوْلاَنِ مع القَبُول في أصْلِ الرِّقِّ، كما يَقُول فيما إذا أَقَرَّ العبْدُ بسرقةٍ توجب القَطْعَ، والمالُ في يدِهِ، يُقْبَلُ إقرارُة بالقَطْعِ، وفي المالِ خِلاَفٌ، وأصْحَابُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ قَالُوا: "وقَولُهُ وفي إلزامِهِ الرِّقِّ قَوْلاَنِ" معناه في إلْزَامِهِ أحْكَامَ الرِّقِّ.
ففي قَوْلٍ؛ يلزمه الكل، وفي قول؛ يفصل، وذلك يتبيَّنُ عِنْدَ شُرُوعِهِ في تَفْصِيلِ القَوْلَيْنِ.
وأمَّا قولُهُ "ألْزمتُهُ مَا لَزِمَهُ قَبْلَ إِقْرَارِهِ" ففي بعْضِ الشُّرُوحِ تفْسيرُهُ بالأحْكَامِ الَّتي تَلْزَمُ الأحْرَارَ والعَبِيدَ جميعاً.
وقال المَسْعُودِيُّ: أي: لا أُسْقِطُ عَنْهُ بهَذا الإقْرارِ ما لَزِمَهُ قَبْلَهُ من حقوق الآدَميِّينَ، والأوَّل أثْبَتَهُ بنَظْمِ الكَلاَمِ.
"وفي النهاية" أن بَعْضَ الأصْحَابِ طَرَدَ قَوْلَ التَّفْصِيلِ ما يَضُرُّ بهِ، وما يَضُرُّ بغيره في المُسْتَقبلِ أيضاً، ويُخَرّجُ من ذَلِكَ ثَلاَثةُ أقْوَالٍ:
أحَدُها: القُبُولُ في أحْكَامِ الرِّقِّ كلِّهَا ماضياً ومُسْتَقْبِلاً.
والثاني: تخصيص القُبُولِ بما يَضُرُّ بِهِ، والمَنْعُ فيما عَداهُ ماضيًا ومستقبلاً.
والثالث: تخصيصُ المَنْعِ بما يضرُّ بغيره فيما مَضَى، والقُبُولُ فيما عداه.
وثلاثَتُها مُتَّفِقَةٌ على القُبولِ فيما عَلَيْهِ؛ فلذلك قالَ صاحِبُ الكِتابِ "فَيُقبَلُ إقْرارُهُ فيما علَيْه مطلعاً" وخصَّصَ التَّرَدُّدَ بما يَضُرُّ بغيره، وقد تعرَّض لذكرِ الأقْوَالِ، إلاَّ أنَّهُ لم يُصَرِّحْ بتَفْضِيلِها جَميعاً، وَجَعْلُهُ القَبُولُ فيما يَضُرُّ بالغَيْرِ أَظْهَرَ الأَقْوَالِ غَيْرُ مُسَاعَدٍ علَيْهِ، بل الأصحابُ إِلى المنع أَمْيَلُ، وقَدْ صَرَّحَ بتَرْجِيحِهِ المَسْعُودِيُّ، وصَاحِبُ "التهذيب" والقاضي الروياني، وبِهِ أجابَ ابنُ الحَدَّاد، وَيَجُوزُ أنْ يُعْلَمَ.
قَوْلُه "فَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فيما علَيْهِ مُطلقاً" بالواو؛ لأَنَّ المذْكُورَ في الكِتابِ هُوَ الطَّرِيقُ الثاني.
وقولُهُ في أوَّل الفصلِ "لم يقبل على الصحِيح" يعني من الوجْهَيْنِ، وأَعْلِمْ قَوْلَهُ
"قَبِلَ إِقْرارُهُ" لما رَوَاهُ صاحِبُ "التقريب".
وقولَهُ "فالنَّصُّ أنَّهُ لا يُقبَلُ" والقَوْلُ المُخَرَّجُ أنَّه يقبل المرادُ مِنْهُ ما قَدَّمْنَاهُ من تَخْرِيج ابْنِ سُرَيْجٍ، لكنَّ عامَّةَ النَّقَلَةِ حَكَوْهُ حِكايَةَ الوجُوهِ دُونَ الأقْوَالِ المخرَّجَةِ عَلَى أنَّ الأمْرَ فيه قَرِيبٌ، وتشبيهه بما إذَا أنكَرَتِ المرأةُ الرَّجْعَةَ، ثم أقَرَّتْ بَعِيدٌ عن المسألةِ، فإنَّ الإنْكار والإقْرَارَ هناك متَعَلِّقَانِ بشَخْصٍ وَاحدٍ، وحَقٍّ واحدٍ، وهاهُنا صدَر منْهُ إقراران لشَخْصَيْنِ تخلَّلَهما الإنْكَارُ من المُقَرِّ لَهُ الأوَّلِ، وموضع هذا التشبيه ما إذا أَقَرَّ بالحرِّيَّةِ، ثم أَقَرَّ بالرِّقِّ فِي توْجِيهِ ما اخْتارَه الصيدلانيُّ، عَلَى ما سَبَقَ، وكذلك ذكَرَهُ في "الوَسِيطِ" فكأنَّه أشتبه علَيْه.
قال الغَزَالِيُّ: فَإنْ قُلْنَا: لا يُقْبَلُ فِيمَا يَضُرُّ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ لَقِيطَةَ فأَقَرَّتْ بَعْدَ النِّكَاحِ فَالنِّكَاحُ مُطَّرَدٌ، والمُسْتَحَقُّ لِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِنَ المُسَمَّى أَوْ مَهْرِ الْمُثْلِ، والأَوْلادُ أَحْرارٌ، وَلَوْ طَلَّقَها زَوْجُهَا فَعَلَيْهَا ثَلاَثةُ أَقْرَاءٍ (و) نَظَراً لِلزَّوْجِ، فَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ فَعَلَيْهَا شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامِ إِذْ مَاتَ الزَّوْجُ فَلاَ مَعْنَى لِلنَّظَرِ لَهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لاَ يَلْزَمُها إِلاَّ الاسْتِبْرَاءُ إنْ وطِئَتْ، فَإنَّ الزَّوْجُ قَدْ مَاتَ وَهي تَدَّعِي بُطْلاَنَ أَصْلِ النِّكَاحِ، وَالنَّصُّ هُوَ الأَوَّلُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: التفريعُ: للخلافِ المذْكُورِ فُروعٌ كثيرةٌ تتشعَّب عن التصرُّفاتِ السَّابِقَةِ علَى الإقْرَارِ، وفي الكتابِ فرعٌ وَاحِدٌ منها، وهُوَ النِّكَاح، فنشرحه ونضمُّ إليه ما تَيَسَّر، فإذا سَبَقَ النِّكَاحُ الإقْرارَ، نُظِرَ في اللَّقِيطِ، أهو أنثى أم ذَكَرٌ، إنْ كان أنْثَى، فَزَوَّجَها الحاكِمُ على الحرِّيَّةِ، ثم أقرَّتْ بالرِّقِّ -وهذا الطريقُ هو الذي أورده في الكتاب- فإنْ قلْنَا بقُبُول الإقْرَار مطلقاً، فَقَدْ تَبَيَّن أنَّ هذه جَارِيةٌ نُكِحَتْ بغَيْر إذْنِ سَيِّدها، فالنِّكَاحُ فَاسِدٌ، ولا شَيْءَ على الزَّوْجِ، إنْ لَمْ يدْخُل بِهَا، وإنْ دخَلَ، فَعَلَيْه مَهْرُ المِثْلِ للمُقَرِّ لَهُ، فإنْ كَانَ قد سَلَّمَ إلَيْهَا المَهْرُ، استردَّه، إن كان باقيًا، وإلاَّ رجع عَلَيْهَا بعْد العِتْقِ، والأولادُ منها أحرارٌ؛ لمظنة الحريِّةِ، وعلى الزوج قيمتُهم للمُقَرِّ لَهُ، ويرجع عليها بالقِيمة، إن كانَتْ هِيَ الَّتي غَرَّتْهُ، وفي الرجوع بالمهرِ قَوْلانِ:
وأظهرُ الوجْهَيْنِ، وبهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أبو محمدٍ: وأنَّها تَعْتَدُّ بقُرْءَيْنِ؛ لأنَّ عِدَّةَ الأَمَّةِ بَعْدَ ارتفاع النَّكاحِ الصَّحيحِ قُرْءَانِ.
ونِكَاحُ الشُّبْهَةِ في المحرمات كالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، وهَذا ما أَوْرَدَهُ ابْنُ الصَّبَّاغ، والشَّيْخُ أبو إسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ.
والثاني: أنَّه لا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛ إذْ لا نكاحَ، ولَكِنَّهَا تَستَبْرِئُ بِقُرْءٍ واحدٍ؛ لمَكَانِ الوَطْء وهذا ما يُوجَدُ في تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أبي حامدٍ.
قال الإمامُ: ويجبُ طَرْدُ هَذا التردُّدِ في كلِّ نِكَاحِ شُبْهَةٍ عَلَى أَمَةٍ، وإنْ قُلْنَا: لا يُقْبَلُ الإقْرَارُ فيما يَضرُّ بالغَيْرِ، فالكَلاَمُ في نكاحِها في أُمُور:
أحدها: لا نَحْكُمُ بانْفِسَاخِ النِّكاحِ، بلْ نطْرُدُه كمَا كَانَ.
قال الإمامُ: سَواءٌ فَرَقنا بَيْنَ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ أَوْ لَمْ نَفْرِقْ، فكأنَّا نجعل النِّكَاحُ فِي حُكْمِ المستوفي المقْبُوضِ فِيما تَقَدَّمَ، وَعلَى هذه القاعِدَةِ؛ بيَّنَّا أنَّ الحُرَّ، إِذَا وَجَدَ الطَّوْلَ بَعْدَ نكاح الأمَّةِ، لَمْ نقْضِ بارتفاعِ النِّكَاح بَيْنَهُمَا، وَاسْتَدْرَكَ القَاضِي ابنُ كج، فَقَالَ: إنْ كَانَ الزَّوْجُ مِمَّا لا يَجُوزُ لَهُ نكَاحُ الإمَاءِ، فيُحْكم بانْفِسَاخِ النِّكاح؛ لأنَّ الأَوْلاَدَ الذينَ تلدُهُمْ في المُسْتَقبَلِ أَرِقَّاءُ عَلَى مَا سَيأْتِي، فَلَيْسَ لَهُ الثبات علَيْهِ، وهذا حسنُ، لكن صَرَّحَ ابْنُ الصبَّاغ بخِلاَفِهِ 1.
ثم أطلق الأصْحَابُ أنَّ للزَّوْج الخيارَ [فى] فَسْخِ النِّكَاح، وقَدْ نَصَّ علَيْهِ في "المختصر" ووجَّهُوة بنُقْصَانِ حَقِّهِ لِحُكْمنا بالرِّقِّ في الحالِ والمُسْتَقبَلِ، وهوَ على ما ذَكَرَهَ الشَّيْخُ أبو عليٍّ مفروضٌ فما إذا نَكَحَها في الابْتَداءِ على أنَّها حُرَّةٌ، فإنْ تَوَهَمَّ الحُرِّيَّةَ، ولم يجرِ شرطها، ففيهِ خِلاَفٌ، يُذْكَرُ في موضعه.
الثَّانِي: في المَهْرِ، ومَهْمَا ثَبَتَ للزَّوْجِ الخِيَارُ، فَفَسَخَ النِّكَاحَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ بَعْدَ الدُّخولِ، فعَلَيْهِ أَقَلُّ الأمْرَيْنِ من المسمَّى أو مَهْرِ المِيْلِ [إن كان المسمَّى أقلَّ، لم يُقْبَل إقرارُهَا في الزيادَة علَيْهِ، وإن كان مهْرُ المثلِ أقلَّ] 2، فالمُقَرُّ لَهُ لا يَدَّعِي أكْثَرَ مِنْهُ، وإِنْ أَجَاز؟ قَالَ: "في "التهذيب"": عَلَيْهِ المسَمَّى، فإنْ طَلَّقَها بَعْدَ الإجازَةَ وقبْل الدُّخُول، فَعَلَيْهِ نصف المسمَّى، وفيه إشْكالُ؛ لأنَّ رَغْمَ المُقَرَّ له فَسَادُ النِّكاح، فإنْ لم يكُنْ دخولٌ، وَجَبَ ألاَّ يُطالب بشَيْءٍ، وقَدْ يُشْعِرُ بِهَذَا إطْلاَق صاحبِ الكِتابَ 3، والمُسْتَحَقُّ للسيد أقلُّ الأمْرَيْنِ، فإنَّه إِنَّما يَتَّضِحُ بتقديرِ الدُّخُولِ، فإنْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ دَفَعَ الصَّدَاقَ إلَيْهَا، لم يُطَالِبُ بهِ ثانياً.
الثالث: في الأولادِ منْها، فالَّذِينَ حَصَلُوا قَبْل الإقْرارِ أحرارٌ، ولا يَجبُ علَى الزَّوْجِ قِيمَتُهُمْ؛ لأنَّ قَوْلَهَا غيْرُ مقْبُولِ في إلْزَامِهِ، أما الحادِثُونَ بَعْدَهُ فهم أَرِقَّاءُ؛ لأنَّه وطئها عَلَى عِلْمٍ بأَنَّهَا أَمَةٌ 1.
قَالَ الإمَامُ: هذَا ظَاهرٌ، إذَا قَبِلْنَا الإقْرَارَ فِيمَا يَضُرُّ بالغَيْرِ فِي المُسْتَقْبَلِ، أمَّا إذا لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ مَاضِيَاً وَمُسْتَقْبَلاً، فيُحْتَمَلُ أنْ يقال بحرِّيَّتِهِمْ؛ صيانَةً لَحَقِّ الزَّوْجِ، فإنّ الأَوْلاَدَ مِنْ مقَاصِدِ النِّكَاحِ، كما أَنَّا أَدَمْنَا النَّكَاحَ، صيانةً لِحَقِّهِ في الوطء، وسَائِرِ المقاصِدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَالَ بِرِقِّهِمْ، وهُوَا ظاهرُ ما أطْلَقَهُ الأَصْحَابُ؛ لأنَّ العُلُوقَ أمْرٌ مَوْهُومٌ، فلا يُجْعَلُ مستَحقّاً بالنِّكَاح بخلافِ الوطْءِ، وَتَرَدَّدُوا أَيْضَاً في أنَّا، إِذَا أَدَمْنَا النِّكَاحَ نُسَلِّمُهَا إلى الزَّوْجِ تَسْلِيمَ الإمَاَءِ أوْ تَسْلِيمَ الحَرَائِرِ، ولا نُبَالِي بِتَعْطِيلِ المَنَافِعِ على المُقَرِّ لَهُ، والظَّاهِرُ الثاني، وإلاَّ، لَعَظُمَ الضَّرَرُ علَى الزَّوْجِ، وأختلَّتْ مقاصدُ النِّكَاحِ، ويخالفُ أَمْرَ الوَلَدِ؛ لما ذَكَرنا أنَّه موْهُومٌ، ويمكنُه الاحتجاجُ لِلاحتمال الثَّانِي بقَوْلِ الشَّافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "المختصر": "لا أُصَدِّقُهَا عَلَى فَسادِ النِّكَاحِ، وَلا عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهَا لِلزَّوْجِ".
الرابع: في العِدَّةِ:
أما عِدَّةُ الطَّلاقِ، فإنْ كَانَ رَجْعِيًّا، نُظِرَ؛ إنْ طَلَّقَها، ثم أَقَرَّتْ، فَعَلَيْهَا ثلاثةُ أقراءٍ، ولَهُ الرَّجْعَةُ فيها جميعاً؛ لأنَّه قَد يَثْبُتُ ذلكَ بالطَّلاقِ، فَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطٌ بالإقْرَار.
فإنْ أقَرَّتْ ثُمَّ طَلَّقَها فَوَجْهَانِ:
أصحُّهُمَا، وهُوَ الَّذِي أورده الأَكْثَرُون أَنَّ الجَوَابَ كَذَلِكَ؛ لأن النِّكَاحَ أَثْبَتَ له حَقَّ الرجعة في ثلاثةِ أَقْرَاءٍ.
والثاني: أَنَّها تعتدُّ بقرءين عدَّةَ الإماء؛ لأنَّه أَمْرٌ متعلِّقٌ، بالمُسْتَقْبَلِ؛ فأَشْبَهَ إرقاق الأوْلاَدِ، وهذا أصحُّ عند أبي الفَرَجِ الزاز وحَكَاهُ عَنِ ابْن سُرَيْجٍ، فإنْ كَانَ الطَّلاقُ بائِناً، فاصحُّ الوجْهين: أنَّ الحُكْمَ كَمَا في الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ؛ لأَنَّ العِدَّةُ فِيهِمَا لا تَخْتَلِفُ.
والثاني: أنَّها تَعْتَد عدَّةَ الإمَاء على الطَّلاَقِ؛ لأَنَّها مَحْكُومٌ برقها، ولَيْسَ للزَّوْجِ غرَضُ المُرَاجَعَةِ، أَمَّا عدَّةُ الوَفَاةِ، فإنَّهَا تتربَّصُ شَهْرَيْنِ وخَمْسَ لَيَالٍ عدَّةَ الإماء، نَصَّ عَلَيْهِ، ولا فَرْقَ بَيْن أنْ تُقِرَّ قَبْلَ مَوْتِ الزَّوْجِ أو بَعْدَهُ في العِدَّةِ.
والفرقُ بين عِدَّةِ الوفاةِ وَعِدَّةِ الطَّلاقِ أنَّ عِدَّةَ الطَّلاَقِ حقُّ الزَّوْجِ، وإنَّمَا وَجَبَتْ؛ صِيانَةً لمائةَ؛ ألا تَرَى أنَّها لا تَجِبُ قَبلَ الدُّخُولِ، وعدَّةُ الوَفاةِ حقُّ اللهِ تَعالَى؛ فقُبُولُ
قَوْلِهَا في انتقاض عِدَّةِ الوَفَاةِ لا يُلْحِقُ ضرراً بالغَيْرِ، وفيه وجْةٌ.
أَنَّها يَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةُ الوَفَاةِ 1 أصلاً؛ لأنَّها تَزْعُمُ بُطْلاَنَ النِّكَاحِ مِنْ أَصْلِهِ، وقَدْ مَاتَ الزَّوْجُ، فَلا مَعْنَى لمراعَاةِ جانِبِهِ بخلافِ عِدَّةِ الطَّلاقِ، فَعَلَى هَذا، فَإنْ جَرَى دُخُولَ، فَعَلَيْهَا الاسْتِبْرَاءُ.
قَالَ الإمَامُ: والقَوْلُ في أنَّه بقُرْءٍ واحِدٍ أو قرءين عَلَى مَا سَبَقَ في التفْريع على القَوْلِ الأوَّلِ، فإنْ لَمْ يَجْر، فَلَهُ احْتِمَالاَنِ:
أحَدُهُما: أنَّها تستبرئُ بقُرْءٍ، كما إذا اشتريتَ من أمرَأة أو مجبوب.
والثاني: أنه لا استبراءَ أصْلاً؛ لأنَّا كُنَّا نَحْكُمُ بالنِّكَاحِ لِحَقَّ الزَّوْجِ، قدِ انْقَطَعَتْ حُقُوقُهُ، وَهِيَ والمُقَرُّ لَهُ يَقُولاَنِ: لا نِكَاحَ وَلاَ دُخُولَ، فهم الاستبراءُ، إنْ وُطِئَتْ، ولْيُعْلَم قولَه "فَعَلَيْها ثَلاثَةُ أَقْرَاءٍ" بالواو.
والثاني: هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الكِتَاب؛ حيثُ قَالَ: وقِيلَ: إنَّه لا يَلْزَمُهَا الاسْتِبْرَاءُ، إنْ وُطِئَتْ، ولْيُعْلَمْ قولَهُ "فَعَلَيْهَا ثَلاثَهُ أَقْرَاءٍ" بالواو؛ لمَا قَدَّمْنا، هذا تَمَامُ الكَلاَمِ في هذا الطَّرِيقِ.
أمَّا إذَا كانَ اللَّقِيطُ ذَكَراً، فَبَلغَ وَنَكَحَ، ثُمَّ أقَرَّ بالرِّقِّ، فإنْ قَبِلْنا إقْرَارَهُ مُطْلقاً، فنكاحُهُ فَاسِدٌ؛ لأنَّه عبْدٌ نَكَحَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فُيَفَرَقُ بَيْنَهُمَا، ولا مَهْرَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَجْرِ دُخُولٌ.
وإنْ كَانَ قَد دَخَلَ بها، فعلَيْهِ مهْرُ المِثْلِ، كذلكَ جَوَابُ الأكْثَرِينَ، والَّذِي أَوْرَدَهُ في "المهذَّب"، وأبْدَاهُ الإمَامُ احتمالاً أنَّ عَلَيْهِ الأقَلَّ من مَهْرِ المِثْلِ أَوِ المسمَّى؛ لأنَّه، إنْ كانَ المسمَّى أقلَّ، فهِيَ لا تَدَّعِيَ الزيادَةَ، ثمَّ متعلَّقُ الواجِبُ ذِمَّتَهُ أَوْ رقبته؟ فيه قولاَن:
أصحُّهما: الأول، وإنْ قَبِلْنا إقْرَارَهُ فيما يَضُرُّ بِهِ دُونَ ما يَضُرُّ بغَيْرِهِ، حَكَمْنَا بانْفِساخ النِّكَاحِ، ولَمْ نَقْبَل قولَهُ فِي المَهْرِ، فعَلَيْهِ نصْفُ المُسَمَّى، إنْ لَمْ يَدْخُلْ بها، وجَمِيعُهُ، إنْ دَخَلَ، وُيؤَدِّي ذَلِكَ ممَّا في يَدِهِ أو مِنْ كَسْبِهِ في الحالِ أو المُسْتَقْبَلِ، فإنْ لم يوجد، فهو في ذِمَّتِهِ إلَى أنْ يَعْتِقَ.
ومن فُرُوعِ القَوْلَيْنِ: إذَا كانَتْ عَليْه دُيُونٌ وقْتَ الإقْرار بالرِّقِّ، وفي يَدِهِ أمْوالٌ، فإنْ قَبِلنَا إقرارَهُ مُطْلقاً، فالأموالُ يُسَلَّم لِلمُقَرِّ لَهُ، والديونُ في ذِمَّتِهِ.
وإن قَبْلنَاه فيما يَضُرُّ به دُونَ ما يَضُرُّ بغيرِهِ، قَضَيْنا الدُّيونَ ممَّا في يدِه، فَإنَّ فَضَلَ من المالِ شَيْءٌ فَهُوَ لِلمُقَرِّ لَهُ، وإنْ بَقِيَ مِنَ الدُّيُونِ شَيْءٌ، فهو في ذِمَّتِهِ حتَّى يَعْتِقَ.
ومنها: إذَا بَاعَ أو اشْتَرَى بَعْدَ البُلُوغِ ثم أَقَرَّ بالرِّقِّ، فإنْ قَبِلْنَا الإقْرَارَ مُطْلقاً فالبَيْعُ
والشِّراءُ باطلانَ، وإن كَانَ مَا بَاعَهُ باقياً في يَدِ المُشْتَرِي، أَخَذَهُ المُقَرُّ له، وِإلاَّ، طَالَبَهُ بقيمته والثَّمَنِ، وإن أخذه المُقرُّ واستَهلكه، فهو في ذمَّته، يُتْبع به بعد العِتْقِ، وإنْ كانَ باقياً, رُدَّهُ مَا اشتَراهُ، إنْ كانَ بَاقِياً في يَدِهِ، ردَّه إلَى بائِعِهِ، وإلاَّ استُرِدَّ الثَّمَنُ من البائِعِ، وحَقُّ البائع يتعلَّقُ بِذِمَّتِهِ، وإنْ قلْنا بالقول الآخر، لَمْ نَحْكُم ببطلانهما لحقِّ العَاقِدِ الثاني، ثمَّ ما باعه، إنْ لمْ يَستوْفِ ثَمَنَهُ، استوفَاه المُقَرُّ لَهُ، وإنْ كَانَ قد استوْفاهُ، لم يُطَالِب المشتَرِي ثَانِياً، وما اشْتَرَاهُ، إنْ كَانَ قَدْ وَفَى ثَمَنَهُ، فَقَدْ تَمَّ العَقدُ، والبَيْعُ للمُقَرِّ لَهُ، وإنْ لم يُوَفِّ، فإنْ كَانَ في يَدِهِ مَالٌ، حِينَ أَقَرَّ بالرِّقِّ، وَفِي الثَّمَنِ مِنْهُ، وإنْ لم يكنْ، فهو كإفلاس المشتري، حتَّى يَرْجِع البائعُ إلَى عَيْنِ حالِهِ، إنْ كان باقِياً, وإنْ لم يكُنْ، فهو في ذمَّةِ المُقِرِّ حتَّى يَعْتِقَ، كما أنَّه إذا أَفْلَسَ المُشْتَرِي، والمَبِيعُ هالِكٌ يكُونُ الثَّمَنُ في ذِمَّتِهِ، [و] يُطَالَبُ بِهِ، بعد اليَسارِ.
ومِنْها: جنَى على إنْسانٍ، ثم أقَرَّ بالرِّقِّ، فإن كانت الجنايةُ عَمْداً، فعليه القصاصُ، سواءٌ كان المَجْنِيُّ عَلَيْهِ حُرًّا أو عبداً.
أما إذا قَبِلْنا إقراره مطلقاً، فظاهرٌ، وأمَّا إذَا قبلناه فيما يَضُرُّ بهِ دُونَ ما يَضُرُّ بِغَيْرِهِ، فإنْ كَانَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ حُرًّا، فلا فَضِيلَةَ للجَانِي، وإنْ كَانَ عَبْداً، أَلْزَمْنَاهُ القِصَاصَ؛ لأنَّه يضُرُّهُ، فإنْ كانَتِ الجنَايَةُ خَطَأٌ، فإنْ كَانَ في يَدِهِ مَالٌ أُخِذَ الأَرْشُ منْه، كذلك ذَكَرَه صاحِبُ "التهذيب" لكنَّهُ عَلَى خلافِ قياسِ القَوْلَيْنِ؛ لأنَّ الأرْشَ الخَطَأَ لا يتعلَّقُ بما في يَدِ الجانِي، حُرًّا كانَ أو عَبْداً 1، وإنْ لمْ يَكُنْ في يَدِهِ مَالٌ، تَعلَّقَ الأَرْشُ برقبته علَى القَوْلَيْنِ.
وقال القاضِي أبو الطَّيِّب: إنْ قُلْنَا بالقَوْلِ الثَّانِي، يَكُونُ الأَرْشُ في بيتِ المالِ، وأُجيبَ عَنه، بأنا على القولِ الثَّانِي إنَّما لا نَقْبَلُ إقْرَارَهُ فيما يَضُرُّ بالغَيْر، وتعلُّقُه بالرَّقبَةِ لا يضرُّ المَجْنِيَّ عَلَيْه، بل يَنْفَعُهُ، وله أنْ يَمنَعَ ذَلِكَ؛ بأنَّ قَطْعَ التعلَّقِ عَنْ بيتِ المال إضْرارٌ، فلو زاد الأَرْشُ عَلَى قِيمة الرقبة، فالزيادةُ في بَيْتِ المالِ عَلَى القوْلِ الثَّانِي لا محالة 2.
ومنها: جَنَى عَلَيهِ بأَنْ قَطَعَ طَرَفَه، ثم أَقَرَّ بالرِّقِّ، فإنْ كَانَتِ الجنايةُ عَمْداً، والجاني عَبْداً، اقتصَّ منْهُ، وإنْ كانَ حُرًّا، لم يَقْتَّص؛ لأنَّ قولَهُ مقْبُولٌ فِيمَا يَضُرُّ بهِ، ويكُونُ الحُكْمُ كما لَو كَانَ خَطَأٌ، وإنْ كَانَتْ خَطَأً, فإنْ قبلنا إقْرَارهُ مُطْلَقاً، فعلَى الجاَنِي
كَمَالُ قِيمَتِهِ، إنْ صَارَتْ قَتْلاً وإلاَّ فما تَقْتَضِيهِ جِرَاحَةُ العَبْدِ، وإنْ قبلْنَا إِقْرَارَهُ فيما يَضُرُّ بِهِ دُونَ ما يَضُرُّ بغَيْرِهِ، وَكانَتِ الجنَايَةُ قَطْعَ يد، فإن كانَ نصْفُ القيمةِ نِصْفَ الدِّيةِ، أو كَانَ نصْفُ القيمةِ أَقَلَّ، فَهُوَ الوَاجِبُ، وإنْ كانَ نصْفُ الدية أَقَلَّ، فوَجْهَانِ حكَاهُمَا الإمَامُ:
أحدُهُما: أن نُوجِبُ نِصْفَ القيمة 1، ونغلظ عَلَى الجانِي؛ لأَنَّ أرْشَ الجِنايَةِ يتبيَّنُ مِقْدَارُهُ بالآخِرَةِ، وقَد بَانَ رِقُّهُ، فلَوْ نَقَصْنَا منْ نِصْفِ القيمَةِ لتَضَرَّرَ السَّيِّدُ.
وَأَصَحُّهُما: أنَّه لا يَجِبُ إلاَّ نِصْفُ الدِّيَّةِ؛ لأنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ في الزِّيادةِ إضرارٌ بالجانِي، ونحْنُ نفرعُ عَلَى أنَّ قوْلَهُ لا يُقْبَلُ فِيما يَضُرُّ بالغَيْر، وعلى هَذَا؛ فالواجب أقلُّ الأمْرَيْن من نصْفِ الدِّيةِ أو نِصْفِ القِيمَةِ، وهذا كله تفريعٌ على تعَلُّقِ الديَةِ بقَتْلِ اللَّقِيطِ، وفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أسلفناه، وهو أنَّ الواجِبَ الأَقَلُّ من الديَةِ أو القيمةِ، وذلك الوجْهُ مُطَّردٌ في الطرف من غير أن يُقَرِّ بالقيمةِ.
وممَّا يتفرعُ عن هذَا الخلافِ في قَبولِ أصلِ الإقْرارِ، لو ادَّعَى مدَّع رقِّهُ، فأنكَرَهُ، ولا بَيِّنة للمُدَّعِي.
فإن قُلْنَا بقَبُولِ الإقرَارِ، فَلَهُ تحلِيفُه؛ رجاءَ أنْ يُقَرُّ، وإنْ منعنَاه، لم يَكنْ لَه تحليفُهُ؛ لأنَّ التَّحلِيفِ لِطَلَبِ الإقرَارِ، وإقرَارُهُ غيرُ مقبولٍ، هذا إذا جعلْنَا اليمين المردودة مع النُكولِ كإقرارِ المُدَّعىَ عَلَيه، فإنْ جَعَلْناها كالبيِّنَةِ، فلهُ التحليفُ، لعله ينكُلُ فيحلِف المدَّعِي ويستحقُ كما لو أقامَ البيِّنة.
واعلمْ أنَّه لا فرقَ في جميع ما ذَكَرناهُ: بين أنْ يُقرَّ بالرِّقِّ ابتداءً، وبَيْنَ أن يدَّعِيَ رقَّهُ؛ فيصدُق المدَّعِي، ولو ادَّعَىَ إنْسانٌ رقَّهُ، فأنْكَرَ ثمَّ أقرَّ [لهُ] فَفي قَبِولِهِ وجْهانِ؛ لأنَّه بالإنكار لزمه 2 أحكامَ الإقرار والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ): لَوْ قَذَفَ لَقِيطاً بَالِغاً وادَّعَى القَاذِفُ رقَّهُ وأَنْكَرَ فالأصْلُ الحُرِّيَّةُ، والأَصْلُ بَراءَةُ الذِّمَّةِ عَنِ الْحَدِّ، فالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ؟ فِيهِ قَوْلانِ (و) لِتَقابُلِ الأَصْلَيْنِ، وَلَوْ قَطَعَ حُرٌّ طَرَفَهُ وَجَرَى النِّزَاعُ فَعَلَى القَوْلَيْنِ، وَقِيلَ: يَجِبُ القِصَاصُ قَطْعاً لأَنَّ القِيمَةَ أَيْضاً لَوْ عَدَلْنَا إلَيْهَا فَمَشْكُوكُ فِيهَا، والتَّعْزِيرُ الَّذِي يُعْدَلُ عَنِ الحَدِّ إِلَيْهِ مُسْتَيْقَنٌ بِكُلِّ حَالٍ.
قالَ الرَّافِعِيُّ: إذَا قَذَفَ لقِيطاً صغيراً عُزِّرَ، [و] إنْ كانَ بالغاً حُدَّ؛ إنِ اعْتَرَفَ
بحريِّتِهِ، فإن ادَّعى رِقَّهُ، وقالَ المقدوفُ: بلْ أَنا حرٌّ فقولاَنِ:
أصحُّهُمَا عَلَى ما ذَكَرَ [هُ] الشيخُ أبو عَليٍّ: إنَّ المُصَدَّقَ المقذُوفَ؛ لأنَّ الأصْلَ الحريةُ، فيُحَدُّ القاذِفُ، إلاَّ أنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً على الرِّقِ، وَهذَا هُوَ اختيارُ المُزَنِيُّ.
والثَّانِي: أنَّ المُصَدَّقَ القاذِفُ؛ لأنَّه يحتملُ أنْ يكونَ رقيقاً، والأصلُ براءَةُ الذمَّةِ عن الحدودِ.
وقَطَعَ بَعضُهُم بالقولِ الأوَّلِ؛ لأنَّه محكومٌ بحريَّتهِ بظاهِرِ الدارِ، وحُمِلَ الثَّانِي على مجهولٍ لم تُعْرَف حُرِيَّتُه بالدارِ، فيجوز أنْ يُعَلَم لذلك قولهُ "قولانِ" بالواو، والمشهورُ طريقةُ القولَين، وُينْسَبُ الثَّانِي إلى نصِّهِ في اللِّعان، والأولُ إلى نصِّهِ في هذَا الباب لكنَّهما جميعاً مَذكُوران هاهنا في "المختصر"، وعلى هذا فلَوْ قَطَعَ حرٌّ طرفَه، وادَّعَى رقَّه وقال المقطوعُ: بل أنَا حرٌّ، فطريقان:
أحدُهُما: إجراءُ القَولَينِ؛ تَخريجاً لقولِ المنعِ بِما ذُكِر في القَذْفِ، والآخرُ منصوصٌ.
والثَّانِي: القطعُ بالوجوبِ، وقد سبق ذكرِ الطريقين في الحكم الثاني من أحكام اللقِيطِ، وفرَّقَ أصحابُ الطَّريقِ الثَّاني بفرقين:
أحدُهُما: أنَّ المقصودَ من الحدِّ الزحرُ، وفي التَّعزِير الّذي يُعدَلُ إليه من الحدِّ، ما يحملُ بعضَ هذا الغرض، والمقصود من القصاص التشفي والمقابلة، وليس في المال المعدول إليه ما يحصل هذا الغرض، ويجوزُ أنْ يُمْنَعُ هذَا، ويُقَالُ: يَحصُلُ بالإضرار بعض غرضِ التَّشفَّي.
والثَّاني: وَهُوَ المذكورُ في الكتاب، أنَّ التعزيرَ الّذِي يُعْدَلُ إليه متيقن لأنَّه بعْضُ الحدِّ، فالعُدولُ إليه عُدولٌ من ظاهرٍ أو مَشْكُوكٍ [إلى مُسْتَيْقَنٍ، وإنْ أسْقَطْنَا القِصَاصَ، عَدَلْنا إلى نصْفِ الدِّيَةِ أو القِيمَةِ، وذلِكَ مشكوكٌ] فيه؛ لأنَّ الحريَّةَ شرطُ وجوب الدِّيَةِ، والرِّقُّ شرطُ وجوب القيمةِ، فكان ذَلكَ عُدُولاً من ظاهِرٍ أو مشكُوكٍ فيهِ إلىَ مشكوكٍ فِيهْ.
وعن الشيخِ أبي مُحمدٍ محاولةُ فرْقٍ ثالثَ: وهو أنَّ حدُ القذفِ أقربُ سُقُوطاً بالشُبْهَةِ من القِصاصِ؛ فلذلك افترقَا.
وقولُهُ في الكتاب "لأنَّ القيمةَ أيضًا لو عدَلنا إلَيْها"، مُقْتَضاهُ العُدُولُ إلى القيمةِ، لو تركنا القِصَاصِ، وكَذلِكَ ذكَرَهُ بعضُهُم، ومُقْتَضَى كلامِ الأكثرِين العُدُولُ إلى الدِّيَةِ، وسببُ الاختلافِ: الخلافُ الَّذِي يقدَّمُ في أنَّ الواجِبَ بقتل اللقيطِ خطأً الدِّيَةُ أو الأقَلُّ من الدِّيَّةِ والقيمةِ، والظَّاهِرُ وجوبُ الدِّيةِ إلا أنّ غَرَضَ الفَرْقِ لا يختلِفُ، فإنَّ الشَّكَ في الرِّقِ والحُريَّةِ يوجِبُ الشَّكَ في القيمةِ والدَّيةِ؛ فكأنَّهم تساهَلُوا لذلِكَ ثُمَّ لا يُخفَى أنّ في
قَطْعِ اليَدِ الواحدة يكونُ النَّظرُ إلى نِصْفِ الدِّيَةِ، ونصفِ القيمةِ، ولو قَذَفَ اللقيطُ شخصاً، واعْتَرَفَ بأنَّه حرٌّ، حُدَّ حَدَّ الأحرارِ، وإنْ ادَّعى أنَّه رَقِيقٌ، وصَدَّقَهُ المقذوفُ، حُدَّ حَدَّ العَبِيدِ، وإنْ كَذَّبَهُ، فقولاَن 1: في أنّ يُحَدَّ حَدَّ العبيدِ، أو يُحَدَّ حَدَّ الأحرار.
فَبَنُوا الأوَّلَ على قَبُولِ إقرارِهِ مُطْلقاً، والثَّاني عَلى أنَّه إنما يَقْبَلُ فِيمَا يُضرُّ بغيرِهِ، لاَ فيما ينْفَعَهُ، ويجوزُ بناؤُهما على القولَينِ فيما إذا ادَّعى قاذفُ اللقيط رقَّهُ، إنْ صدقناه صدَّقْنَا اللَّقِيطَ هَاهُنَا، وإلاَّ فَلاَ.
وفي "المُعْتَمدِ" وجهٌ آخرُ: وهو أنَّهُ إنْ أقَّرَّ لِمُعَيَّنٍ قَبْلَ إقرارِهِ، وحُدَّ حَدَّ العبيدِ، وإنْ لم يُعَيِّنْ حُدَّ حدَّ الأحرَارِ 2، واللهُ أعلمُ.