والفاسد أم يختص بالصحيح؟ وقد نقلوا فيه قولَيْن:
أحدهما: أنه يتناولُهما؛ لوقوع الاسْم على الفاسد؛ ولأن النكاح الفاسدَ يُشَارك الصحيح في كثير من الأحْكَامِ، فَعَلَى هذا يتعلَّق بكسبه، كالمهر في النكاح الصحيح.
وأصحُّهما: أنه يختصُّ بالنكاح الصحيح؛ لأن مطْلَق الاسم ينْصَرِف إليه، ولذلك نقُول: لو حلف أَلاَّ ينكح، فنكح نِكَاحاً فَاسِداً، لا يحنث، والأَحْكَامُ المذكورة هي أحكام الوطء لا أحكام النكاح، فعلَى هذا هو كما لو نكَحَ بغَيْر إذْنٍ، فيعود القولان في التعلُّق بالدم أو الرقبة، ويحْصُل عنْد الاخْتِصَار ثلاثةُ أقوالٍ، كما أشار إِلَيْها صاحب الكتاب في "فصْل الغرور" ولو نكح بالإِذْن نكاحاً صحيحاً، ولكن فسَدت التسمية.
قال الصيدلانيُّ: يتعلَّق مهر المْثل بالكسب لا محالة، [ولو صرح] 1 بالإذْن في النكاح الفاسدِ، ووجب مهر المثل، فقياس هذه المسائل تعلُّقه بالكسب أيضاً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) إِذَا اشْتَرَتِ الحُرَّةُ زَوْجَهَا أوَ اتَّهَبَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ سَقَطَ نِصْفُ الْمَهْرِ عَلَى قَوْلٍ، وَجَمِيعُهُ عَلَى قَوْلٍ، وَإِنِ اشْتَرَتْهُ بِالصَّدَاقِ الَّذِي ضَمِنَهُ السَّيِّدُ لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ إن فَرَّعْنَا عَلَى سُقُوطِ جَمِيعِ الْمَهْرِ، لأَنَّ تَصْحِيحَّهُ يُؤَدي إِلَى إِبْطَالِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا سَقَطَ العِوَضُ بِحُكمِ الفَسْخِ عَرِيَ البَيْعُ عَنِ الْعِوَضِ، وَإِنِ اشْتَرَتْهُ بِالصَّدَاقِ بَعْدَ الْمَسِيسِ وَقُلْنَا: إِنَّ طَرَيَانَ المِلْكِ عَلَى الرَّقِيقِ يُبرِئُ ذِمَّتَهُ عَنْ دَيْنِ السَّيِّدِ المُتَمَلِّكِ لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ أَيْضاً لأَنَّ العَبْدَ إِذَا بَرِئَ بَرِئَ السَّيِّدُ الَّذِي هُوَ الكَفِيلُ فَيُعَرَّى عَنِ الْعِوَضِ، وإنْ قلْنَا: الْمِلْكُ الطَّارِئُ لاَ يُسْقِطُ الدَّيْنَ صَحَّ الشِّرَاءُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفْتَ في "قسم الموانع" أن الزوج لو ملَكَ زوجته أو شيئاً منْها، أو ملَكَتِ الزوجةُ زوْجَها، أو شيئاً منْه، انفسخ النكاح، ولو كان للرجُلِ عبدٌ في نكاحه أمةٌ، فدفع إليه مالاً، وقال: اشتَرِها لي، ففعل، صح، واستمرَّ النكاح، كما يجوز أن يزوِّج عبده من أَمَتِهِ، ولو ملَّكَه المال، وقال اشترها لنَفْسِكَ، ففعل، فيبنَى على أن العبد، هل يملك بتمليك السيد إن قلنا: نعم، انفسخ النكاح، وإن قلْنا: لا، فالملك للسيد، ويستمر النكاحُ، واقتصر صاحب "الشَّامِلِ" -رحمه الله- في التصويرَ علَى ما إذا دفع إلَيْه المال، وقال: اشتريها لنفْسِك، ففعل، وأجاب بهذا البناءِ، كأنه جعل ذلك تمليكَاً ضمناً، وإلاَّ، فكيف يشتري لنفْسِه بمال غيره؟! ويجوز أن يُقَالَ: قد ذَكْرنا في البيع وجهَيْن، فيما إذا اشْتَرَى بمالِ نفْسه لغيره بإذْنِ ذلك الغير، هَلْ يَصِحُّ، فَإِذَا جَوَّزْنَا أن يشتريَ بمالِ نفْسه لغيره عن إذْنه، لم يبْعد أن يشتري لنفسه بمال غيره، وإذا قيل به،
فقد ذكرنا وجهين في أن المالَ يكون قرضاً أو هبةً، فإن جعلْناه قرضاً، فههنا يقع الشراء للسيِّد، والسيدُ لا يقرض عبده، وإن جعلْناه هبةً، فيجيء الخلافُ في أن العبد، هل يملك بتمليك السيد.
ولو اشترى مَنْ بعْضُه حرٌّ، وبعضُه رقيقٌ زوجَتَه؛ نُظِر؛ إن اشتراها بالكسب المشترك بينهما، وأذن له السيدُ ملَك قسْطاً منْها، وانفسخ النكاحُ، وإنْ لم يأذنِ السيدُ، لم يصحَّ في نصيبه، وفي نصيب العبْد قولاً تفريقُ الصفقة، إن صحَّ، انفسخ النكاح، وإن اشْتَرَاهَا بخالصِ مَالِهِ من كسبه، فإن جرتْ بينهما مهايأةٌ، انفسخ النكَاحُ، وإنِ اشتراها بخَالِصِ مالِ السيد من كسبه بإذنه، لم ينفسخ النكاح وكذا الحكم لو اشترتِ التي بعْضُها حرةٌ، وبعضُها رقيقٌ زوْجَها، إذا تقرَّر ذلك، فمقصودُ الفصل مسألتان:
المسألة الأُولَى: في حُكْمِ المهر، إذا انفسخ النِّكَاحُ بحدوث الملك، وكتابُ الصداق أحقّ بهذه المسألة، لكن الأصحاب أوردُوها ههنا، وإذا ملكتِ الزوجةُ زوْجَها بشراء أو اتِّهَاب، أو غيرهما، نُظِر؛ إن كان ذلك قبْلَ المسيس، حكى الإِمام وصاحبُ الكتاب فيه قولَيْن:
أحدهما: أنه يسقط نصْفُ المهر؛ لأن الانفساخ حصل بالعقد الجاري بين البائع، وبين الزوَّجة، والبائعُ قائمٌ مقامَ الزوْج من حيثُ إِنه سيده، والفراق إذا حصل بصنع الزوجَيْن، غُلِّبَ جانب الزوج، ويُشطَّر المهر، كما لو خالَعَها قبل المسيس.
وأصحُّهما: أنه يسقط جميعه؛ لأنَّ الفرقة حصلَتْ بالزوجة، والسيدُ لا اختيار للزَّوْج فيها؛ ولأن الزوْجَة هي المتملِّكة، والمِلْكُ هو الذي ينافي الزوجية ويقْطَعها، وصار كما لو ارتدَّت، فعلى هذا تردُّ المهر، إن قبضته، وعليها الثمن، وعلى الأول تردُّ النصف، وعليها الثمنُ، وقد يتحد الجنس، فيقع في التقاص، والعراقيُّون من الأصحاب، والشيخ أبو عَلِيٍّ، وغيرهم نقَلُوا في المسألة بدَلَ القولَيْن وجهَيْن، والأمر فيه قريب؛ لأن أبا الفَرَج السَّرْخَسِيِّ قال: ظاهر لفْظِ في "المخْتَصَر" ههنا سقوطُ جميع المَهْر، وقال فيمن اشترَى زوجته الأمة إنه يجب نصْف المهر، والصورتان متشابهتان من حيث إِن الفَسْخ فيهما حصلَ بعقْدٍ جرى بين مستحقِّ المهر وبين مَنْ عليه فمنهم من جعلها على قولَيْن تصرّفاً في النصَّيْن، ومنهم مَنْ فَرَّقَ بأنَّ هناك حصَلَ الفراقُ بالزوْج وغيره، فغلَب جانبُ الزَّوْج، كما في الخُلْع، وههنا لا صنع للزوج في سبب الفِرَاق، فهذا أصحُّ فأفاد كلامه شيئَيْن:
أحدهما: تولُّد الخلاف في التصرُّف في النصَّيْن، وقد بيَّنَّا أن مثل ذلك قد يسمَّى وجهاً، وقد يسمَّى قولاً.
والثَّاني: قطَع بعضهم بسقوط جميع المَهْر في المسألة.
ولو ملكتْ زوْجهَا بعد المسيس، فلا يسقط المهرُ بالانفساخ، ولا يردُّ شيئاً، إن قبضته، وإنْ لم تقبض، فقد ملكَتْ عبداً لها في ذمَّتِه دَيْن، وفيه وجهان، سَبق ذكْرُهما في "كتاب الرَّهْن" وغيره:
أحدهما: أنه يسقطُ، كما لا يثبت له دَيْنٌ على عبده ابتداءً.
وأصحهما: أنه يبقى كما كان، وللدوام من القوَّة ما ليس للابتداءِ، فإنْ قلنا: يسقط، برئت ذمة العبد من المهر، وللبائعِ الثمنُ عليها وإن قلنا: يبقى، فلها مطالبةُ العبد، إذا عتَقَ، وللبائع الثمنُ علَيْها في الحال، فإن كان السيدُ البائع قد ضمن لها المهر، فلها المهر عليه بحكم الضمان، وله عليها الثّمن، وقد يَقَع في التَّقَاص، هذا حكم المهر، إذا ملكت الزوجةُ زوْجَها.
أما إذا ملَك الزوْجُ زوجته بالشراء، نُظِر؛ إن ملكها بعد المسيس، فعليه المهر للبائع مع الثَّمن، وإن ملكها قبله، فالنصّ وجوب نصف المهر، والأصحابُ مختلفون منْهم من أثبت وراءه قولاً آخر: أنه يسقط جميع المهر؛ إمَّا أخْذاً من القَوْل بسُقُوط جميع المهر، إذا ملكت هي زوْجَها علَى ما حكاه السَّرْخَسِيِّ، وإمَّا أخذاً من نصه فيما إذا كانتْ مفوّضةً، وملكها الزوج قبل المسيس؛ لأنه لا متعةَ، فخرج منه أنه لا مَهْر، إذا لم تكن مفوضة، ومنْهم مَنْ قطع بالقول الأول، ولم يُخرِّج قولاً آخر، والفرق بيْنه وبيْن ما إذا ملكت زوْجَها قد مَرَّ، والفرق بين المسمَّى وبين المتعة أن المسمَّى وجب بالعقدُ، والعقد جرَى في ملك البائع، وإذا تملَّكها الزوج، كان له الشطْرُ، والمتعةُ إنَّما يجب بالفراقِ، والفراقُ حَصَل في مِلْك الزوج، فكيف نوجبُ له علَى نفسه المتعة، ولذلك قلْنا: إنَّه لو باعها من أجنبيٍّ، ثم طلقها الزوج قبل المسيس يكون نصْفُ المهر للبائع، ولو كانتْ مفوضةً تكون المتعة للمشتَرِي، ولو نكح جاريةَ مورِّثه كأبيه وأخيه، ثم ملك بالإرْث بعْضَها أو كُلَّها، فإنْ كان ذلك بعد الدُّخُول، لم يسقط المهر بالانفساخ؛ لاسَتقراره، وهو تركة الميت، فإن احتيج إلى استيفائه لقَضَاء الدُّيُون.
وتنفيذ الوصايا، فعل، وإلاَّ، سقط، إِنْ كَانَ النَّاكِحُ حَائِزاً؛ لأن ما كان عليه قد صار له، وإِنْ لم يكن حائزاً، فلغيره من الورثة استيفاء نصيبه، وإن كان قبل الدخول، ففيه وجهان.
قال ابنُ الْحَدَّادِ: يسقط جميعُ المهر؛ لأنه لا صنْعَ من قِبَل الزَّوْج في سبب الفراق، وعلى هذا يستردُّ من التركة، لو كان قد قبضه، وقال غيره، وهو الأظهر، لا يسقط إلا النِّصْف؛ لأنه لا صُنْع من قبلها أيضاً، وهذا يكْفِي لبقاء نصْف المهر؛ ألا تَرَى أنه لو كان تحْتَه زوجتان صغيرةٌ وكبيرةٌ، فأرضعت الكبيرةُ الصغيرةَ، وانفسخ نكاحهما، يجب للصغيرة نصْفُ المهْر، وإن لم يكن من جهة الزَّوْج صَنْعٌ فيه؛ لأنه لا صنْعَ من جهتها، فعلَى هذا، إن كان حائزاً، سقَطَ النصْفُ الآخر؛ لأنه المستحِقُّ له،
وإن كان معه غيْرُه، سقَط نصيبُه، وللآخَر أخْذُ نصيبه، ولو زوَّج الرجُل ابنته من عبده بإذْنها، ثم مات، فورثَتْ بعْضَ زوْجِها، فإن كان بعد الدخول، فَقِسط ما ورثته من المهر، دَيْنٌ لها على مملوكها، ولها المطالبةُ بالباقي مِن كَسْبه مما ترث منه، وإن كان قبل الدُّخُولِ، فعلَى قول ابن الحدَّاد، يسقط جميع المهر، وعلى قولِ غيره؛ لا يَسْقُط إلا النصف، وحكم النصف الباقي حكْمُ الكلِّ بعد الدخول.
المسألة الثانية: ليعلم أن ما ذكرنا في المسألة الأولَى فيما إذا اشترت زوْجَها مصوَّرٌ فيما إذا جرى البيع بعين الصَّدَاقِ، فيتصور أن يجري البيع بعين الصداق، والغرض الآن الكلام فيه، فنُقدِّم عليه مقدِّمَتَيْنِ:
إحداهما: إذا نكح العبْدُ نِكَاحاً صَحِيحاً، وقلنا: لاَ يَصِيرُ السيِّدُ ضَامِناً للمهْر بالعقد، فلو ضمن عنه، جَازَ؛ لأنه ضمانُ دَيْنِ لازم، ثم يُنْظر؛ إن كان العبدُ كسوباً، فللزوجة مطالبةُ العبد والسيِّدِ جميعاً، وإلاَّ، فلا يطالب إلاَّ السيِّدُ، وكذا الحكم لو طلَّقها بعْد الدخول، والمهر غير مقبوض، وإن طلَّقها قبل الدخول، سَقَطَ نصف المهر عنْها، ومطالبتُها بالنصفِ الآخر على التَّفْصيل المذكور، فإن كانَتْ قد قَبَضَت المهر، فيردُّ النصف على السيد، إن بقي الزوج على الرِّقِّ عند الطلاق، وإن كان قد أعتقه، فعلى الزوج؛ لأنه مكتسبٌ بالطلاق، ذكره الشيخ أبو حامد.
والثانية: صورةُ البيع بعَيْن الصداق: أن يلتزم السيِّد الصداق، إمَّا بأصْل العقْد على القديم أو بالضَّمان اللاَّحِقِ على الجديد، فيصرِّح المتبايعان بالإِضافة إلَيْه؛ بأن يقول سيد العبد لزوجته الحرَّة بَعْتُهُ لك بِصدَاقِكِ الذي يلزمني، وهو كذا، فتشتري، أما إذا صرَّحا بالمغايرة، أو أطلقا فهو بيْعٌ بعين الصداق.
مثاله: كَانَ الصَّدَاقُ ألْفَ درْهمٍ، وقال: بعْتُكِ بِألْفٍ غَير الصداق أو بألفين أو أطْلَقَ، وقال: بعْتُكِ بألفٍ أو بألفَيْن، وإذا اختلَفَ جنْسُ الصداق والثمن، فلا شَكَّ في المغايرة، ولو دفع عيناً إلى عبده، وأذنَ له في أن يَنْكِح امرأةً، ويُصْدِقها تلْك العين، ففعل، ثم باع العبد لها بتلك العين، فلا شَكَّ في أنه بيعٌ بعين الصداق.
إذا عرفت ذلك، فالبيع بعَيْن الصداق، إما أنْ يجري قبل المَسِيس أو بعْدَه.
الحالة الأُولَى: إذا جرى قبل المسيس، فإنْ فرَّعنا علَى سقوط جميع المهْر، إذا تملكت زوجها قبل الْمَسِيسِ، وهو الصحيح، لم يصحَّ البيع، ويستمرُّ النكاح؛ لأنه لو صحَّ، لملكت الزوجَ وانفسخ النكاح، وإذا انفسخ، سقط المهرُ، وعرى البيع عن العوض، وإذا على البيعُ عن العوض، بَطَلَ، فتصحيحه يجر إلى بطلانه، [و] هذا ما نصَّ عليه الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وجمهور الأصحاب، وقال: الشيخ أبو عليٍّ: يجب عندي أن يصحَّ البيع، ويبطل النكاح؛ لأن البيع وارتفاع النكاح لا يقَعَانِ معاً، بل
يكون الفسْخُ بعد البيع، وحصُول الملْك، حتَّى لا يحكم بانفساخ [النكاح] 1 ما دَامَا في المجْلِس، إنْ قُلْنَا: إن الخيار يمنع حصول الملْك للمشتري، وإن كان الانفساخ عَقِيبَ البيع والملك، فيكون ملْكُها عن الصداق زائلاً مع حُصُول ملْكها في الرقبة، فلا يَبْطُلُ الثمن بالانفساخ بل أثر الانفساخ الرجُوعُ إلَى بدل الصَّداق، وهذا كما لو وكَّلت رجلاً بأن يشتري لها عَيْناً من الزَّوج بالصَّداق قبل المسيس، فاشترى، وارتدَّتْ هي عَقِيب الشراء، ويرجع الزوْجُ عليها بَبَدل الصَّدَاق، والتصرُّف الذي بَاشَرَهُ الوكيلُ لا يَبْطُلُ، وَهَذَا الذي أَوْرَدَهُ الشَّيخُ أقامه صاحب "التتمة" وجهاً من غير أن ينْسُبه إليه، فإن فرَّعنا على أن تَمَلُكَهَا الزوْجَ قبل المسيس يقْتَضِي التَّشْطير، فينبني هذا على خلافِ سنذكره في الحالة الثانية، وهي: إذا جرى البيعُ بعْد المسيس، فإنْ لم يصحَّ البيع هناك، فكذلك هاهنا، وإن صحَّحنا هناك، فالذي يلزم ههنا من صحَّة البيع وانفساخ النكاح، سقوطُ نصف الصداق، فلا يَسْقُط إلا نصْفُ الثمن، فيبطُلُ البيع في نصْف العبد، ويخرج في الباقي علَى تفريق الصفقة، فإن فرقنا، ينفسخ النكاح، هذا هو الجوابُ على المشهور، وعلى تخريج الشَّيْخ أبي عليٍّ؛ يصحُّ البيعُ في جميعه لا محالة.
الحالة الثانيَةُ: إذا جرى البيع بعين الصَّداق بعد المسيس، فيبنَى على الخلاف في أن مَنْ ملك عبداً له عليه دَيْن، هَل يَسْقُطُ ذَلِكَ الدَّيْنُ للمِلْك الطارئ إن قلْنا: لا يسقط، يصحُّ البيع، وتصيرُ مستوفيةً للمهر المستقر بالدخول، ولا شيءْ لواحدٍ من المتبايعَيْن على الآخر، وإنْ قلنا: يسقط وتبرأ ذمة العبد، فوجهان:
أَحَدُهُمَا: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يصحُّ البيع؛ لأنه لو صَحَّ، لملكته وبرئت ذمته، وإذا برئَ العَبْد، وهو أصيلٌ، برئ السيد الذي هو كفيلٌ، فيعرى البيعُ عن العوض، كما في الحالة الأُولَى.
وأظهرهما: وبه أجاب الشيخ أبو حامد: أنه يصحُّ، وليس كما قيل المسيس، فإنَّ سقوط المهر هناك بانفساخِ النِّكَاح بدليلِ أنَّه لو كان مقبوضاً، يجبُ رده، فَلاَ يمكن جعله ثمناً، وههنا سبب السقوط حدوث الملْك، وإذا جعَلَه ثمناً، فكأنها استوفَتِ الصداق قبل لزوم البَيْع، فليس لها بَعْدَ ما ملكَت الزوْجَ صدَاقٌ في رقبته 2، حَتَّى يسْقُطَ، وهذا قريبٌ مما ذكره الشيخ أبو عليٍّ في توْجيهه تخْريجه، ويُروَى أن القفال كان يحْفَظُ عن شيوخ الأصحاب صحَّة البيع في المسأَلة، ثم إِنه رَأى في المنام أنه سُئِل عنْها، فأجاب بالفَسَاد، وعلَّل سقوط الدين بحُدُوث الملك، ثم رأى الوجهَيْن بعد ما أثبته في كلام الأئمة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وجميع ما ذكرنا فيما إذا اشتَرتِ الزوجةُ زوْجَها
مصوَّرٌ فيما إذا كانت الزوجَةُ حرةً.
أما إذا كانت أمةً، واشترتِ الزوجَ بإذْن سيدها، أو كانت مأذوناً لها في التِّجَارة، فاشترته للتِّجارة، فيصحُّ البيع، ويستمرُّ النكاح؛ لأن الملْك ههنا للسيد، ولا فَرْقَ في ذلك بين ما قبل المسيس أو بعْده، ولا بين أن يكون الشراءُ بعَيْن الصداق أو غيره، ولكن لو اشترتْه بعَيْن الصداق، يبرأ السيد، ويبرأُ العَبْد أَيْضاً؛ لأنَّ الكفيل، إذا أدَّى الدَّيْن، برئ الأصيل عن حقِّ المكفول له، ولا رجوعَ للسَّيِّد على العبد، كما لو ضمن عن عبده، دينًا آخَرَ، وأداه في رقِّه، وإن اشترته بعين الصداق، ففي سقوطِ الصَّداق عن العبد؛ لأن سيِّدَها ملكه وله علَيْه دَيْنٌ، الخلافُ الذي تكرَّر، فإن سقط، برئ سيده البائع عن الضمان؛ لبراءة الأصيل، ويبقَى الثمنُ بحُكْم الشراء، فإن لم يُسْقُطْ، فلسيد الأمة على بائع العبد الصدَاقُ، وللبائعِ عليه الثمن، وقد يقع في التقاص فإذا تقاصا بَرِئتْ ذمة العبْد عن حقِّ المشتري؛ لأنه بالتقاص استوفَى حقَّه عن البائع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَللدَّوْرِ الحُكْمِيِّ نَظَائِرُ (إِحْدَاهَا): لَوْ كَانَتْ أَمَتُهُ ثُلُثَ مَالِهِ فَأعْتَقَهَا وَنَكَحَهَا وَمَاتَ لَمْ يَكُنْ لَهَا طَلَبُ المَهْرِ لأنَّ ذَلِكَ يُلْحِقُ الدَّيْنَ بِالتَّرِكَةِ وَيُبْطِلُ الْعِتْقَ وَالنِّكَاحَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قوله: "وللدَّوْرِ الحُكْمِيِّ" يريد به الإِشارة إلى أَن المسائل التي فيها الدَّوْرُ نوعان:
أحدهما: ما ينشأ الدَّوْرُ فيه من محض حكْمِ الشرع، كما ذكَرْنا فيما إذا اشترتُ زوْجَها قبل المسيس من السَّيِّد بالصَّدَاق الذي ضَمِنَه، فإنَّه إذا صَحَّ الْبَيعُ، ثَبَتَ الْمِلْكُ، وإذا ثبت الملكُ، انفسخ النكاحُ، وإذا انفسخ النِّكاح، سَقَطَ المهْرُ المجْعُول ثمناً، وإذا سَقَطَ فَسَد البيع، فَهَذِهِ الأَحْكَامُ المترتِّبة، ولدَّت الدَّوْرَ.
والثَّاني: ما ينشأ الدَّورْ فيه من لفْظةٍ يأتي بها الشَّخْص، كما في مسألة دَوْر الطَّلاَقِ وعنْدها نذكر أكثر صُوَر الدَّوْر اللفظِّي، ولَمَّا جرى ههنا بيان المسألة التي هى من الدَّور الحكميُّ، أورد خمس مسائل من نظائرها، وكذلك اعتماد الأئمة.
المسألة الأولَى: أعتق أمةً له في مرضِ موتِهِ، ونكَحَها على صدَاقٍ سمَّاه، فيُنظر؛ إِن لم تخرج من الثلث [فحكمه ما بيناه في المَسَائل الدَّوْرِيَّةِ في "كتاب الوصايا"، وإذا خرجَتْ من الثلث، فيُنْظَرُ؛ إن كان قدر الثلث بلا مزيد، لما إذا كانتْ قيمتها مائةً، وهو يملك مائتَيْن سواها] 1 فالنِّكَاحُ صحيح، ثم إنْ لم يجر دخولُ، فلا مهر لها؛ لأنه لو
ثبت، كان دَيْناً على الميِّت، وحينئذٍ، فلاَ يخْرُج عن الثلث، ويرقُّ بعضها، وحينئذٍ، يَفْسُد النكاح، ويبْطُل المهر، فإذن إثباته يؤدِّي إلى إسقاطه، فيسقط، وهذه هي الحالةُ التي أوردها صاحب الكتاب، وإن أطلق اللفظ إطلاقًا، ولم يذْكُرْ في التصوير وقُوعَ الإِعتاق والنكاح في مَرَض الموت، ولكنْ في التقييد بكَوْنها ثلث ماله ما ينبه عليه، وإن جرى الدُّخُول فقَدْ ذكرنا حكمه في "باب الوصايا"، وسواءٌ جرَى الدخولُ أو لمْ يَجْرِ، فلا ترث بالزوجيَّة؛ لأن عتْقَها وصيَّة، والوصيةُ والميراثُ لا يجتمعان 1، فلو أثبتْنا الميراثَ، لَزِم إبطالُ الوصيَّة، والوصيَّةُ ههنا الإعتاق، وإذا بَطَلَ، بطَلَت الزوجية، وحينئذٍ، فيبطل الميراثُ، وَإِنْ كانتِ الأمةُ دون الثُّلُث، فقد يمكْنِها المطالبةُ بالمَهْر؛ لخروجها من الثلث بعْد الدَّيْن، وهذا كلُّه مبنيٌّ علَى أنه يجوز له نِكَاحُهَا في مرَضِ الموت، وهو الظاهر، وحكَى أبو عليٍّ والْحَنَّاطِيُّ وجهاً؛ أنه لا يَجُوزُ، وهو ما حكَيْنا من قَبْلُ عن ابن الحدَّاد؛ أن المعتقة في مرض المَوْت لا يجوز لقريبها تزويجها لإِمكان ألاَّ تخرج من الثلث عند الموت.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ) إِذَا زَوَّجَ المَرِيضُ أَمَتَهُ عَبْداً وَقَبَضَ صَدَاقَهَا وَأَتْلَفَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهَا فلاَ خِيَارَ لَهَا إِذْ لَوْ فَسَخَتْ لارْتَدَّ الْمَهْرُ وَلَمَا خَرَجَتْ عَنِ الثُّلُثِ فَيَبْطُلُ الْعِتْقُ وَالخِيَارُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: زَوَّج أمتَهُ من عبْدِ غيره، وقبَضَ الصَّدَاق، وأتلفه بإتْفَاق وغيره، ثم أعتْقَهَا في مرض موته أو أوصَى بعِتْقِها، فعَتَقَتْ، وهي ثُلثُ ماله، وكان ذلك قبْلَ الدخول، فلَيْسَ لها خيارُ العِتْق؛ لأنها لو فسَخَت النكاحَ، لوجب ردُّ المهر من تركة السيد، وحينئذٍ، فلا تخرُجُ بتمامها من الثلث، وإذا بقي الرِّقِّ في البعضْ لا يثبت الخيار، فإثبات الخيار يجر إلَى سقوطه، وكذا الحْكُم، ولو لم يتلف الصداق، وكانت الأَمَةُ ثُلُثَ أمواله مع الصداق، ولو خرجتْ من الثلث دون الصداق أو اتفق ذلك بعْد الدُّخول واستقرارِ المَهْر، فلها الخيارُ، ولو كَانَتِ الْمَسْألَةُ بحالها إلا أنَّ الإعتاقَ وُجِدَ مِنْ وارثه بعد موته، فينظر؛ إن كان الوارثُ معسِراً، فلا خيار لها؛ لأنها لو فسَخَت النكاح، لزم رد المهر من تركة المَيِّت، وإذا كان على الميت دَيْنٌ، لم ينفذ إعتاق الوارث المعسِرِ على الصحيح، وإذا لم ينفُذِ الإعتاق، لم يثبت الخيار وإن كان الوارثُ موسِراً، فقد ذكَرْنا في الرَّهْن خلافاً في أن الوَارث الموسِرَ، إذا أعتق عبد التركة، وعلى الميت دينٌ، ينفذ العتْقُ في الحال، أو يتوقَّف نفوذه على وُصُول دَيْن الغرماء فإن قلنا: ينفذ في الحال، وهو الأظهرُ، عتَقَتْ، ولها الخيار، فإن فسَخَت، غُرِّم الوارثُ لسيِّد العبد أقلَّ
الأمرين من الصدَاق وقيمة الأمة، كما لو مَاتَ، وعليه دَيْنٌ، وله عبدٌ، فأعتقه وارثُه الموسر، يلزمه أقلُّ الأمرين من الدَّيْن وقيمة العبد، ولو كان على الميِّت دَيْن، فالقيمةُ التي يُغَرَّمُها الوارثُ يتضارب فيها سيِّدُ العبد والغرماء.
وقوله في الكتاب: "إذا زوج المريض أمته عبداً" فيه تقييد بما إذا وَقَعَ التزويج في المرض، وذلك لَيْسَ بشَرْط في صورة المسألة، وكذلك لا يُشْتَرَط وقوع الاتفاق في المرض، وإنما المعتبر وقوع الإِعْتَاق في المرض، ولا بدّ أن تكون الأمة ثُلُث الْمَالِ أو أقلَّ، وأن يكونَ ذلك قبل الدُّخُول، ولم يتعرَّض لذلك في اللفظ.
وَقَولُهُ: "فيبطل العتق" أي: عَتَقَ جميعها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): لَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ أَخاً وَعَبْدَيْنِ فَأعْتَقَهُمَا فَشَهَدَا بِأنَّ لِلمَيِّتِ ابْناً مِنْ زَوْجَتِهِ فَإنَّهُ يُثْبِتْ الزَّوْجيَّةَ وَالنَّسَبَ دُونَ المِيرَاثِ؛ لأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ الابْنُ أَبْطَلَ العِتْقَ وَالشَّهَادَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَاتَ عَنْ أخٍ وعَبْدَيْنِ، والأخُ هو الوارثُ في الظاهر، فأعتق الأخُ العبْدَيْن، ثم ادَّعتِ المَرْأةُ أنَّها زوجةُ المَيِّت، وابنها أنه ابنُ الميت، فشهِدَ المُعْتَقَان لهما ثبتت الزوجية والنَّسَب، ولا يَرِثُ الابن؛ لأنه لو وَرِثَ، لحَجَب الأخ، وإذا صار محجوباً، بَطَلَ إِعتاقه، وإِذَا بَطَلَ الإعتاق، بطَلت الشهادة، وإذا بَطَلَتِ الشهادة بَطَلَتِ الزوجيةُ والنسبُ، وفيه وجه: أنه لَا يثبت النسب أيضاً؛ لأنه لو ثَبَتَ، لثبت الإِرث، ولا يمكن ثبوتهُ، والمذهب الأول، ولو شهدا بنسب، نُظِر؛ إن كان الأخُ مُعْسِراً يوم الإِعْتَاق، لم تَرِثْ أيضاً؛ إذ لو ورثت لرقِّ نصيبها، ولبطَلَت الشهادة؛ لأن مَنْ بعضُه رقيقٌ، لا تقبل شهادته، وإن كان موسراً، فإن عجَّلنا السراية بنفس الإِعتاق، وَرِثتْ، لكمالِ العتْق يوم الشهادة، وإن قُلْنَا؛ إنها لا تحْصُل إلاَّ بأداء القيمة، لم ترث؛ لأنَّ توريثها يمنع كمال العتْق يوم الشهادة، وحكم الزوجية في الإرْث حكْمُ البنت، فيُنْظَر إلى إعتاقِ إعسارِ الأخ ويسارِهِ، كما بيَّنَّا.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَة) لَوْ أَوْصَى لَهُ بِابْنِهِ فَمَاتَ وَخَلَّفَ أَخاً فَقَبِلَ الوَصِيَّةَ عَتِقَ الابْنُ وَلَمْ يَرِثْ لأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَحَجَبَ الأَخَ وَبَطَلَ قَبُولُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: صورة المسألة أن يكون ابن الرجل مملوكاً لغيره، فيوصِي له مالكُهُ بابنه، ويموت الموصَى له بعْد موت الموصِي وقبل القبول، ووارثُه أخُوه، فيقْبَل الوصية، وهذه المسألة مكرَّرةٌ قد ذكرها في آخر الباب الأوَّل من "كتاب الوصايا" وشرحناها هناك، وُيعْرَفُ مما ذكرنا هناك الحاجة إلى إِعلام قوله "عَتَقَ الابْنُ" بالواو.
وقوله: "ولم يرث؛ لأنه لو وَرِثَ، لَحَجَب الأَخَ، وَبَطَلَ قَبُوله" هذا التوجيه مبنيٌّ
على قولنا: إنَّ الحُرِّية تحْصُل عند الموت، أما إذا قلْنا: إنَّها تحْصُل عند القَبُول، فليس عدَمُ الإِرْث للدَّوْر، بل لاستمرار الرِّقِّ بعد الموت.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ) لَوِ اشْتَرَى المَرِيضُ أَبَاهَ عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْ كَيْلاَ يَصِيرَ الْعِتْقُ وَصِيَّةً لِوَارِثِ فَيَبْطُلَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو اشترَى في مرض المَوْتَ مَنْ يُعْتَقُ عليه، ولم يرث؛ وابنه، عتق من الثلث؛ لأنه لو وَرِثَ، لكان العتْقُ والنسبُ إلَيْه بالشراء وصيةً للوارث، فيبطُل، وإذا امتنع العتْقُ، امتنع الإِرْثُ، هذا هو الظاهرُ، وحكى الأستاذ أبو منْصُور وجهاً: أنه يرثُ، ووجهاً آخر أنه لا يصحُّ الشراء مِنْ أصله؛ لأنَّ عِتْقَه وصيةٌ، والوصية موقوفةٌ على الخروج من الثُّلُث أو إجازة الورثة والشراء لا يُوقَف، فيجوزُ أن يعلم بهذا قوله في الكتاب "عتق" بالواو؛ للوجه السابق، وقوله: "ولم يرث" يجوز أن يُعْلَم بالحاء والميم؛ لأن الرواية عن أبي حنيفة ومالك أنَّه يرث، ولو ملَك المريضُ مَنْ يعتق عليه بغَيْر عوض كهبةٍ وإرثٍ، فهل يَرِثُ منه؟ فيه وجهان؛ بناءً علَى أنه يعتق من الثلث أو من رأس المال، وقد ذكَرْنا ذلك في "الوصايَا" وإلى التوْرِيث، ذهَب ابن سُرَيْج، واختاره الشَّيْخ أبو حامد.
وقال أبو الحسن العباديُّ؛ والوجهان مبنيان على أنَّ في الشراء يُعْتبر خُرُوجُ القيمة من الثّلث أو خروج الثمن، ونختم الكلام في هذه الصّور بِفَصْلَيْن:
الفصل الأوَّل: في صور أُخَرَ تنخَرط في هذا السِّلْك، ذكر الأستاذ أبو إسْحَاقَ الإِسفرايينيُّ في "مختصر" جمعه في المسائل الدَّوْريَّة، أنه لو شَهِد شاهدان على عِتْقِ عبد، وحكم الحاكم بشهادتهما، ثم جاءَ العبْدُ مع آخر، فشَهِدا على جُرْح الشاهدَيْن، لم يقبل، ولو أنه أعتق عبدَيْن في مرض موته، وهما ثلث ماله، فشَهِد المعْتَقَان على الميِّت بوصية أو بإعتاق ومات، وعليه دَيْن أو زكاة، لم يقبل، ولو شهدا عليه، أنه نَكَح امرأة علَى صَدَاقِ كذا حُكِي عن بعض الأصحاب؛ أنه لا تُقْبَلُ شهادتُهما، قال: ويحتمل أن تُقْبَل في النكاح، ولا تقبل في المَهْر، وأنه لو أعتق عبدَيْن له، فشهِدَا على أنه كان محجوراً عليه بالسَّفَهِ، لم تقبل شهادتهما، وأنه لو ادَّعَى أنه ابن فلان، وقد مات ووارِثُه في الظاهر أخوه، فأنكر ونكَل، فحَلف المدَّعِي، ثبت النسب، ولا يثبت الإرْثُ، وهذا جوابٌ على أن اليمين المردودة عند نكول المدَّعَى عليه كالإقرار، أَمَّا إذا قُلْنا: إنَّها كالبينة، فيثبت الإرْث أيضاً، وأنَّه لو ورث عبدَيْن يعتقان عليهَ، ثم مات وورثاه ثم أقرَّ بدَيْن على الميت الأول يستغرق تركته، لم يثبت الدّيْن بإقرارهما، وأنه لو أعتق أمةً في مرضِ موته، هي ثلثُ ماله فادعت أنه وطئها بشُبْهَةٍ أو أنه استأجرها، وعليه أجرتها، لم تُسْمَعْ دعواها، وأنَّه لو وَرِث من زوجته عبدَيْن، وأعتقهما، ثم شَهِدا بالفرقة قبل الموت
بردَّة أو طلاقٍ، لم تقبل شهادتهما، وأنه لو كان له في يَدِ عبْدِهِ مالٌ، فأخذه واشترى به عبدَيْن، وأعتقهما، فشهدا عليه بأنَّه كان أعتقه قبل ذلك، لم يُقْبَل، وأنه لو مات ووارثُه في الظاهر أخوه، فأعتق عبداً من التركة، وولي العتيق القضاء، فجاءَ مجهولُ النسب، وادعى أنه ابنُ الميت، وأقام شاهَدْين، لم يَقْبَلْ هذا الحاكمُ شهادَتَهما، ولم يحكم بقولهما، هكذا ذَكَره، وكان يجُوز أن يقال: يحكم بشهادتهما، وَيثْبُت النسب، ولا يثبت الإِرث، كما لو أعتق الأخُ في هذه الصورة عبدَيْن، وشهدا ببنوَّة المدَّعِي، وحينئذٍ، فلا يؤثر نسبه في العتْق والقضاء، وأنه لو وَرِث عبداً من موِّرثه المقتول، وأعتقه، وولى العتيق القضاء، وجاء الوارثُ إليه وادَّعَى على قاتله القصاصَ، فقال: قتلته، وهو مُرْتَدُّ، وأقام عليه شاهدَيْن، لم يحكم هذا الحاكم بشهادتهما، ومِنْ هَذَا القبيل، لو أعتق عبدَيْن، فجاء إنسان، وادَّعى أنه كان قد غَصِبَ العبدَيْن، وشهد لهما بذلك، لم تُقْبَل شهادتهما، وفي "التهذيب": أنه لو ملَكَ رجُلٌ أخاه، ثم أقرَّ في مرض موته أنَّه كان قد أعتقه في الصحة، كان العتق نافذاً، وهل يَرِث إن صحَّحنا الإقْرَارَ للوارث؛ فنعم، وإلاَّ، لم يرث؛ لأنَّ توريثَه يبطل الإِقرار بحرِّيته، وإذا بَطَلَتِ الْحُرِّيَّةُ، سقط الإِرث.
الفصل الثاني: قال صاحب الكتاب في مجموعة "غاية الغور في دراية الدَّوْر" المسائلُ الدَّائِرةَ لا بدَّ فيها من قطْع الدَّور، وفي قطْعِه ثلاثة مسالك؛ تارةً يُقْطَعُ الدَّوْر فيها مِنْ أوَّله، وتارةً مِنْ وسَطِهِ، وتارةً من آخره، وذلك بحَسَب قوَّة بعْض الأحكام وبُعدْه عن الدفع، وضعف بعضها وقربه للدَّفْع.
مثالُ القَطْع من الأول: بيعُ العَبْد لزوجته الحرَّة قبل الدُّخُول بصَدَاقها الثابت في ذمَّة السيد، فإنَّا حَكْمنا بفساد البَيْع، وقَطْعنا الدَّوْر من أصله، ولم نَقُل: يصحُّ البيع، ولا ينفسخ النكاح، أو يَنْفَسخِ ولا يسقُطُ الصَّداق، وسببه أن البَيْعَ اختيارِيٌّ، وحصول الانفساخ بالمِلْك قهريٌّ، وكذا سقوطُ الصَّداق بالإنفساخ، وما يختاره الاِنسان من التصرُّفات يصحُّ تارةً، ويفْسُد أخْرَى وما يثبت قهراً يبْعُد دفْعُه بعْد حصُول سببه، فكان البيع أولَى بالدفع من غيره.
ومثال القطْع من الوسَط الصورةُ الثَّانية مِنَ الصُّور الخَمْس المذكورة في الكتاب، فإنا لم نقْطَعِ الدَّوْرَ من أوَّله، بأن نقول: لا يحْصُل العتق، ولا من آخره؛ بأن نقول: لا يرتد المهرُ حتى لا تَضِيقَ التركة، ولكنْ قطَعْناه، من وَسْطِه، فقلْنا: لا يثبت الخيارُ، وسببه أن سقوط المهر عند حصُول الفَسْخ قهريٌّ يَبْعد دفعُه، والخيار أولَى بالدفع من العِتْق؛ لأن العتق أقوَى؛ أَلاَ تَرَى أنَّه لا يسقط بعد ثبوته، والخيارُ يسقطُ بعد ثبوته بالإسْقَاطِ وبالتقصيرُ.
ومثال القطع من الآخر الصورة الأولَى من الصور الخَمْس، فإنَّا لم نقطع الدَّوْر من الأول؛ بأن نقول: لا يحْصُل العتق، ولا من الوسَطِ؛ بأن نقول: لا يصحُّ النِّكَاحُ، ولكن قطَعْنا من الآخر، فقلنا: ليس لها المهرُ، وَيُمْكن أن يقال: سببه أن العِتْقَ له قوةُ السُّرعة والسراية؛ فلا يدفع، والنكاحُ أقوَى من المهر المسمَّى فيه، فإنَّ ثبوت النكاح يستغنى عن المهْر بدليل المفوّضة والمسمى مهراً لا يثبت من غير ثبوت النكاح، وأيضاً فخطر النكاح وقدره فوق خَطَر المال، فَكَانَ المال أولَى بالدفع، وعُدَّ من هَذَا القسم الثالثِ ما إذا قَالَ لزوجته: إنِ انفسَخَ النكاحُ بينِي وبينَكِ، فأنت طالقٌ قبله ثلاثاً، ثم اشتراها أو جرَى رِضَاع أو رِدَّةٌ، فلا يُقْطَع الدوْرُ من أوله؛ بأن نقول: لا ينفسخ النكاح، ولَكِنْ يقْطَعُه من آخره؛ بأن يقول: ينفسخ، ولا يقع الطلاق، وربَّما نعود في هذه الصور في "مسائل الطلاق" والدَّوْرُ فيها لفظيٌّ، واللهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: لا يجوز للعبْدِ التسرِّي، وإن جاز له النكاح؛ لأنه لا يملك، فإنْ ملَّكه السيِّد جاريةً، وقلنا بالجديد؛ وهو أنه لا يملك، فلا يحل له وطؤها، وإن أذن السيِّد، وإن استولدها، وإن الولد ملكاً للسيد، فإن قلْنا بالقديم؛ وهو أنه يملك، فقد ذكرنا في البيعُ أنَّ الظاهر أنه يتسَّرى، إن أذن السيد، وأنه ليس له التسرِّي، إن لم يأذن، لكن، لا يحدُّ لو وطئ لشُبْهة الملك، وإذا استولَدَها، فالولد ملك له، لكن لا يُعْتَق عليه؛ لضَعْف ملكه، وتعلُّق حق السيد به، فإن عَتَق، عَتَق الولد أيضاً، وحكم المدَّبر والمعلَّق عتقه بصفة حَكْمُ القِنِّ في ذلك، ومن بعض حرٌّ وبعضه رقيقٌ، إذا اشْتَرى جاريةً بما اكتسبه ببعْضه الحرِّ، يملكها، لكن لا يطأها دون إذْنِ السيِّد؛ لأنَّ بعْضَه مملوكٌ، والوطء يقع بجميع بدَنه لا يختص بالبعض الحرّ، ومال ابْنُ الصَّباَّغ إلَى أنه لا حاجة إلَى إذْن السيد، كما أنه لا يحتاج في الأكل من كسبه والتصرف فيه إلى إذن السيِّد، وإن أَذَنَ السيد له في الوطء، وفرعنا علَى أنه لا بدّ من إذْنه، فَعَلَى القديم؛ يجوز، وَعَلَى الجديد؛ لا يجوز؛ لأن ما فيه من الملك يمنع من التسرِّي، والمكاتَبُ لا يتسرَّى من غير إذن السيد وبإذْنه قولان؛ بناء على الخلافِ في تبرُّعاته بإذن الْمَوَلى، واللهُ أَعلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْل السَّادِسُ في النِّزَاعِ) وَدَعْوَى الرَّجُلِ الزَّوْجِيَّةَ صَحِيحَةٌ وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا الدَّعْوَى؛ لأَنَّ إقْرَارَهَا مَقْبُولٌ وَدَعْوَاهَا المَهْرَ صَحِيحَةٌ، وَأَمَا دَعْوَاهَا مجَرَّدَ الزَّوْجِيَّةِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، لأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ حَقٌّ عَلَيهَا وإنْ كَانَ مُتَعَلَّقَ حُقُوقٍ لَهَا، ثُمَّ إن سَكَتَ الزَّوْجُ أَقَامَتِ البَيِّنَةَ، وإنْ أَنْكَرَ فَإنْكَارَهُ طَلاَقٌ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ فَلاَ مَعْنَى للِبَيِّنَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفصْل الكلامُ في طَرَفٍ من دَعْوَى النكاح والتنازع فيه، والنكاحُ إما أن يدَّعِيَه الرجُلُ أو المرأة.
إِن ادَّعَاهُ الرجُلُ، سُمِع دعواه لِمَالَهُ من الحقِّ الظاهر في النكاح، ويتوجَّه على المرأة، وإنْ كَانَ العاقدُ الوليَّ؛ لأن إقرارها بالنكاح مقبولٌ، وفيه خلافٌ، ذكرناه مع حكم الدعْوَى على الوليِّ في آخر الباب الأوَّلِ في "بيان أحكام الأولياء" في أول النِّكَاحِ، وينبغي أن يُعْلَم قوله هناك في الكتاب "ويتوجَّه عليها الدعوى"، وكذا قوله: "لأنَّ إقرارها مقبولٌ، وأما المرأة، فإن ادَّعَتِ الْمَهْرَ في النِّكاح أو ادَّعَتِ النِّكَاحَ، وطلبت حقاً من حقوقه سمعت دعْوَاها أيضاً، وإن ادَّعت مجرَّد الزوجية، فوجهان، قد أعادَهُما في "كتاب الدعاوى والبينات" إن سمعت هذه الدعْوَى فتقيم البينة، وإن أَنْكَرَ، فَهَلْ يَكُونُ إِنْكَارُهُ طَلاَقاً؟ فيه وجهان قد أعادهما هناك، إن جعلْناه طلاقاً، اندفع ما يدعيه، ولا معْنَى لإقامة البينة، واعلم أن "كتاب الدعاوى" أحقُّ بالمسألة، وقد ذكرها صاحبُ الكتاب هناكَ، فيؤخَّر الشرْحُ إليه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وإِذَا زَوَّجَ إِحْدَى ابْنَتَيهِ وَمَاتَ وَعَيَّنَ الزَّوْجُ إِحْدَاهُمَا وَقَالَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ أَنَا المُتَزَوِّجَةُ فَالمُعَيَّنَةُ مَنْكُوحَة وَالثَّانِيَةُ تَدَّعِي لِنَفْسِهَا زَوْجِيَّةً مُجَرَّدَةً، وَإِنْ قَالَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ: صَاحِبَتِي مُزَوَّجَة فَالَّتِي لَمْ يُعَيِّنْهَا الزَّوْجُ لاَ خُصُومَةَ مَعَهَا إِنَّمَا الدَّعْوَى عَلَى الأُخْرَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا زوج إحدى ابنتَيْه [بعينها] من رجُلٍ، ثم تنازعتِ الابنتان، فتنازُعُهُما يُتصوَّر عَلى وجهَيْن:
أحدهما: أن تقول كلُّ واحدةٍ منهما: أنا المزوَّجة، فأيتهما صدَّقها الزوْجُ، ثبت نكاحُها؛ لتقارهما، والأخرى تدَّعي أنها امرأته، وهو منكرٌ وفيه، طريقان للأصحاب.
أحدهما: أن في تحليفه قولَيْن كالقولَيْن فيما إذا ادَّعَى اثنان نكاحَ امرأةٍ، وأقرت لأحدهما، هل تحلف للثاني ووجه الشبه أنَّ أحد النكاحَيْن يثبت بالإِقرار، وذلك يمنع من الإِقرار بالثاني، فلا يجري التحليفُ فيما لو أقر به، لم يُقْبَل.
وأصحُّهما: القطع بأنَّه يحلف؛ لأن النكاح ينْدَفِعْ بإنكار الزَّوْج، والمقصودُ المهْرُ، فلا بُدَّ من التحليف بخلافِ ما إِذَا ادَّعَى اثنانِ نكاحَ امرأةٍ، وأقرت لأحدهما، فإنَّ الثاني لا يدعي عليها مَهْراً، وإنَّما يقْصِد النكاح، وينبغي أن يُفَصَّل، فيُنْظَرَ إلى صيغة دعْواها، إن ادَّعت الزوجية وطلبت المهْرَ، فالوجه التحليفُ، وإِنِ ادَّعَتْ مجرَّد الزوجيَّة فيجئ في سماع الدعوى الخلافُ المذكُور في الفصل السابق، إن سمعت، فالصورةُ قريبةٌ من صورة الاستشهاد، وإذا قُلْنَا: إنه يحْلِف، فيُنْظر؛ إِن حلف، سقَطَت الدعوى الثانية، وإن نكل، فحَلَفتْ، ففي تنزيل اليمين المردودَةِ عنْد النكول منزلةَ البينة، أو الإِقرارِ قولان مشْهُوران، إنْ قلنا: إنَّها كالبينة، فوجهان:
أحدهما: أنَّه يثبتُ نكاحُ الثانية دُون الأُولَى، كما لو أقامتْ بينةً، فإنَّ البينة أقوَى من الإِقرار؛ قَالَ الإِمَامُ -رحمه الله-: هذا القائل يقول ينتفي نكاح الأولَى، ويحكم بانقطاع نكاح الثانية؛ لإِنكار الزوج.
وأصحُّهما: استمرار نكاح الأُولَى؛ لأن اليمين المردودةَ إنَّما تجعل كالبينة في حقِّ المدَّعِي والمدعَى عليه لا في حقِّ غيرهما، وقد ثبت نكاح الأولَى بتقارِّهما، فلا يتأثر بالتنازع بين الزوج والثانية ويمينها وإن قلنا: إنَّها كالإِقرار، فوجهان:
أحدهما: أنه يحكم ببطلان النكاحَيْن؛ لأن الإقرار للأُولَى أبْطل نِكَاح الثانية، فكذا ما ينزل منزلة الإِقرار للثانية، يبطل نكاح الأولَى.
وأصحُّهما: استمرار نكاحِ الأولَى كما لو أقرَّ للأولَى ثم أقرَّ للثانية، وعلى هَذَا، فهَلْ تستحق الثانية عليه شيْئاً؟ فيه قولان شَبَّههما الشيخ أبو عليٍّ بالقولَيْن فيما إذا قَالَ: هذا الثَّوبُ لفلانٍ، لا بل لفلانٍ، هل يغرم للثاني، والأصحُّ: أنها تستحقُّ من المهْر ما يليقُ بتصْدِيقها، وهو نصفُ المهْر، لارتفاع النِّكَاح بإنْكار الزَّوْج قبل أن يفرض مسيس، وأبدى الإِمامُ -رحمه الله- احتمالاً آخر، وهو ألاَّ يجعل إنكار الزَّوج ارتفاعَ فراقٍ ويقال لها: طلبُ لمهر.
والوجه الثاني: من التصوير: أن تقول كلُّ واحدةٍ: لسْتُ بالمزوَّجة، وصاحِبَتِي هي المزوَّجة، فيقال للزوج: عَيِّن زوْجَتَكَ منْهما، فَإِذَا عيَّن، فقد أَقَرَّ بأن الأخرَى ليْسَتْ زوْجةً له، فلا خصومةَ له مَعها، والقولُ قول الأخْرَى، مع يمينها، وإن لم تحْلِفْ، حلف الزوج، وثبت النكاح، وفيه وجهٌ ضعيفٌ أن القول قولُ الزوْج مع يمينه؛ لأن إِحداهُما منكوحةٌ بالاتفاق، وهو أعرفُ بمحَلِّ حِقِّهِ، واعلم أن المسألة من فُرُوع ابن الحدَّاد، وأنه قيدها بما إذا مات الأَبُ بعْد التزْوِيج، وكذلك فعل صاحب الكتاب، قال الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله-: وهذا القيد لا فائدة فيه في الوجْه الأول من وجْهَيِ التصوير؛ لأنه لو كان حياً، وعيَّن إحداهما، لم يقبل قولُه على الزوْج، ولكنه مفيدٌ في الصورة الثانية؛ لأنه إذا كان الأبُ حياً، والحالُ بعدُ حال الإِجبار، فيراجع، فإذ أقرَّ بالنكاح على إحداهما، يقبل، ولا يضر الزوْجَ إنكارُها.
قال الإِمام: ويظْهَر في القياس ألاَّ يقبل إقرارها، ومعها مَنْ يتمكن من إجبارها؛ حَذَراً من اختلاف الإقرارَيْنِ، فإنْ قبلنا إقرارها، واختلف إقرارها وإقرارُ الوليِّ، فيجوز أن يقال: الحكْمُ للسابق، ويجوز أن يقال؛ ببُطلاَنهما جميعاً، ورَويْنا وجْهَيْن في أوَّل النكاح عن القَفَّال الشَّاشِيِّ والأودَنِيِّ أنَّ المقبول إقرارُها أو إقرارُه، فحصلتْ أربعة احتمالاتٍ، ولو زوَّج ابنته من أحد ابني رجلٍ، وادعت هي على أحدهما أنه هو الذي زوَّجها منه، فإن جردت دعوى النكاح، فعلَى ما سبق، وإن ادَّعت المهْرَ، حلَّفته، فإن
نَكَل، حلفت، وأخذَتْ نصْف المهر، وإن ادَّعى كُلُّ واحدٍ منهما أنَّها امرأته، فأقرَّتْ لأحدهما، ثبت نكاحه، وهلْ للثاني تحْلِيفها؟ فيه قولان، على ما ذكرناه في المرأة، إذا زوَّجها وليَّاها من شخصَيْن.
وقوله في الكتاب "والثانية تدَّعي لِنَفْسِها زوجيَّةً مجرَّدةً" عرفت مما أجريناه في خلال الكلام أن دعواها الزوجيَّة المجرَّدة غيْرُ لازمةٍ في هذه الحالة، بل قد تدَّعِي زوجيَّةً مجرَّدةً، وقد تدَّعي المهْرَ في النكاح أو حقّاً من حقوق النكاح.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ شُهُودٌ عَلَى النِّكَاحَ وَآخَرُونَ عَلَى الإِصَابَةِ وَآخَرُونَ عَلَى الطَّلاَقَ وَالزَّوْجُ مُنْكِرٌ لِلنِّكَاحِ ثُمَّ رَجَعُوا وَقُلْنَا: بَجِبُ الغُرْمُ بِالرُّجُوعِ فَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى شُهُودِ النِّكاحِ وَشُهُودِ الإصَابَةِ في النِّكَاحِ لاَ عَلَى شُهُودِ الطَّلاِقِ فَإنَّهُمْ وَافَقُوا الزَّوْجَ فِي إِنْكَارِهِ لَكِنَّ الأَصَحَّ أَنَّ شُهُودِ النِّكَاحِ وَإِنْ رَجَعُوا لاَ يُغَرَّمُونَ؛ لأَنَّهُم أَثْبَتُوا حَقاً في مُقَابَلَةِ مَا خَسِرُوا بِخِلاَفِ شُهُودِ المَالِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ مَا خَسِرُوهُ أكْثَرَ مِنْ مَهْرِ المِثْلِ كَانَ غُرْمُ الزِّيَادَةِ خَارِجاً عَلَى قَوْلِي الغُرْمِ بِالحَيْلُولَةِ فِي شُهُودِ المَالِ إِذَا رَجَعُوا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه المسألةُ من فروع ابن الحدَّاد أيضاً، ولْيُعْرَف في مقدِّمتها أصلان:
الأصل الأول 1: أنه لو شهد شهودٌ علَى رجلٍ بنكاحِ امرأةٍ على صداقٍ معلومٍ، وهو منكرٌ، فحكم بشهادتهم، ثم رجعوا، هل يُغَرَّمون له فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنَّهم أثبتوا له حقَّ النكاح، وأدخَلُوا البُضْع في ملكه في مقابلة ما ألْزَمُوه من المَهْر، فصار كما لو شَهِدُوا علَيْه بأنه اشترَى هذا العبْد بكذا، ثم رجَعُوا لا يُغرَّمون.
والثَّانِي: أنهم يغرَّمون؛ لأنها إذا ادَّعتِ النكاح، وهو منكرٌ، فلولا شهادتهم ما أخذْنا منه شيئاً، وإِذَا شَهِدُوا، نأخذ منه نصْف المهر، وكأنهم فوتوه عليه، ولا يحْصُل له، وهو منكرٌ في مقابلة ما فات شيءٌ بخلافِ صورة الشراء، فإنه، وإن كان منكراً، يُحْكَم بدخُول المبيع في ملْكه، ويؤْخِذَ منه الثمن، هكذا نقل الوجهَيْن الشَّيخُ أبو عليٍّ وغيره قَالَ الشيخ: ويجوز أن يكونا مبنيَّيْن على أن الشُهودَ في المال، إذ رجَعوا هل يُغرَّمون؟ لأن فَائِدَةَ شَهَادَتِهِمْ ههنا ترجع إلى المال أيضاً؛ إذ لا يبقَى النِّكاح مع إنكاره، ولو ساعدتْهم المرأةُ على الرُّجوع، لأمرناها بردِّ المال، فكانت الشهادةُ في الصورتَيْن واقعةً على ما يُمْكِن تداركُه، ويحْسُن أَنْ يرتَّب فيقال: إن لم يغرَّم شهودُ المال، فههنا
أولَى ألا يغرم الشهود، وإن غُرِّم شهود المال، ففي هؤلاء وجهان؛ لأنهم أثبتوا لَهُ حَقاً في مقابلة ما فَوَّتوا، وسنتكلَّم من بعدُ في أيِّ الوجهَيْن أرجح؟ فإذا غرَّمْنَاهم، فإنما يغرَّمون ما فوَّتوا على الزَّوْج، وهو نصْفُ المسمَّى، فإن قلنا: لا يغرَّمون، فالترتيبُ المذكور، وكذلك في قدْر مهْر المثل، فَإِنْ زَادَ المسمَّى علَى مهْر المثل، فحكم الزيادة في الغُرْم، كما في شُهُود المالِ بلا فَرْق.
والثاني: شهودُ الطَّلاق، إذا رجَعُوا يغرَّمون جميع مهْر المِثْلِ أو نصفه أو غير ذلك، وفيه اختلافُ موضعٍ بيانه باب الرجُوعِ في الشَّهادات.
إذا تقرَّر ذلك، فصورة المسألة إذا ادَّعت المرأةُ [أنها] في نكح رجلٍ بصداقٍ معلومٍ، وشهد لها شاهدانَ، ثم ادَّعَتِ الإِصابة لتكميل المهر، فشَهِدَ على الإصابة، أو على الإِقرار بالإِصابة آخران، ثم ادَّعَتْ أَنه طلَّقها، وشَهِدَ لها بذلك آخران، وحكَمْنا بموجب الشهادات، وأخذنا منه المَهْر، ثم رجع الشهود جميعاً، قال ابن الحدَّاد: لا غُرْم على شهود النِّكَاح، ولا على شهود الإِصابة، وعلى شاهَدِي الطلاق نصْف مهر مثلها، واختلف سائر الأصحاب فيما ذكره، والقائلون بأنَّ شُهُودَ النكاح إذا رجَعوا، لا يغرَّمون ساعَدُوه علَى جوابه في شهود النكاح، وكذا في شهود الإِصابة؛ لأنهم شَهِدوا أنه استمتع بملكه، ولم يفوتوا عليه شيئاً، والمهر يجب العقْد لا بالإِصابة، واختلفوا في شهُودِ الطَّلاق، فمنْهم من ساعده في تغريمهم، وقال: إنهم فوَّتوا عليه النكاح الَّذي ثبَتَ بشهادةِ الأوَّلَيْنِ، والقولُ أنهم يغرَّمون نصْف المَهْر جوابٌ على أحد القولَيْن في شهود الطَّلاَقِ قَبْل الدخول، إِذَا رجعوا، فيه قول آخر: أنَّهم يغرَّمون جميعه.
ومنهم من قال: لا يغرَّم شهود الطلاق أيضاً؛ لأن الزوج منكر أصْلَ النكاح، فشهادتهم لا تفوِّت عليه حقاً يزْعمه؛ لأنه إنْ كان هناك نكاحٌ، فقد ارتفع بإنكاره قبل أنْ يشهدوا؛ ولأنهم وافقوا الزَّوْج في إنكاره من حيْثُ إن قوله وقولهم يرجع إلى أنه لا نكاحَ بينهما في الحال، وأما الدين قالُوا بوجوب الغرمِ علَى شهود النكاح، إذا رجَعُوا، فإنهم غلَّطُوه في تقويم شهُود الطَّلاقِ من حيثَ إن الزَّوْجَ ينكر أصل النكاح، فكيْفَ يطالبهم بضمان التفْوِيت؟ بل النكاحُ لا يثبت مع إنكاره، فلا ينبغي أنْ تُسمعَ بينةُ الطلاقِ، ثم قالوا: إن كانتُ شهادةُ شهودِ النكاح وشهودِ الإِصابةِ مؤرخة، فشهد هؤلاءِ أنه نكَحَها في المُحَرَّم، وهؤلاءِ أنه أَصَابَهَا في صفر، فيغَرَّم الصنفان ما غُرِّم الزوْج بالسَوِيَّة؛ لأنَّ فواتَ النصْفِ الثاني على الزَّوْج سبَبُه شهادةُ شهود الإِصابة، وإن أطلق شهودُ الإصابة شهادَتَهم، فنْصفُ الغُرْم على شهود النكاح، ولا شيْءَ على شُهُود الإِصابة؛ لجواز وقُوعِها في غيْر النكاح، وكونها زناً، ولو شهد شهودُ الإصابة علَى أنه أصَابَها في النِّكاح، فقد أَلْحَقَ ذَلِك بما إِذَا أُرِّخَتِ الشَّهادتان، وفي "النَّهَايَةِ"؛ أنهم إن
شَهِدوا على النِّكاح، ثم على الإِصابة بعْده، اشترك الصنفان في غُرْم نصف المهر، والنصف الآخر يختصُ بغرمه شهود الإِصابة، والصورتان متقارِبَتَان، ولا يبعد التسويةُ بينهما في الحُكْم، وحاصلُ الخلاف في المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا غُرْمَ على واحدٍ من الشهود.
والثاني: وهو جوابُ ابن الحدَّاد: أنه لا غُرْم إلاَّ عَلى شهود الطَّلاَقِ.
الثالث: أنه يُغرَّم شهودُ النكاح، ولا يغرَّم شهود الطلاق، وفي شُهُودِ الإِصَابَةِ التفصيلُ المذكور، أما لفْظ الكتاب فقوله وقلنا: "يجب الغرمُ بالرُّجوع" يمكن أن يقال: أراد به الخلافَ في أن شُهُود النكاحِ، هل يغرَّمون، إذا رَجعوا أو يكون المعنى أنَّا إذا غرَّمناهم، لو انفردتْ شهادتهم، ففي هذه الصُّورة يكون الغُرْم عليهم، وعلَى شهود الاِصابة جميعاً، ويمكن أن يُقَالَ: أرادَ به مبْنَى هذا الخلاف، وهو القولان في أنَّ شهود المال، إذا رجَعُوا هل يغرَّمون؟ وقوله: "فإنَّما يجب" معلم بالواو، وكذا قوله: "لا على شهود الطلاق"، وقوله: "لكن الأصحّ أن شهود النكاح، وإن رجعوا لا يغرَّمون" الغرض منه بيان الأظهر من الخلاف إن حملنا قوله: "وقلنا: يجب الغرم بالرجوع" على الخلاف في شهود النكاح، إذا رجعوا، وإنْ حملناه على الخلاف في شهود المال، فالغرضُ بيانُ الخلاف في شهود النكاح، إذا رجعوا مع بيان الأصحِّ، وقوله "نعم، لو كان ما خَسِروه" إلى آخره معناه: إنْ بقي الغرْمُ في قدْر مهر المثل، صَحَّ، لمَا ذَكرْنا من المعْنَى الفارق بينه، وبين المالِ المغرَّم في شهادة شُهُود المال، وأما الزيادةُ علَى مَهْر المِثْل، فسبيل غرمها سبيلُ غُرْم سائر الأموال، فلا نقولُ فيها: إِن ففي الغرم أصحّ، وقد يُشْعِر سياق الكتاب بتخصيص الغُرْم بشهود الإِصابة؛ لأنه قَالَ: "فَإنَّا يجبُ علَى شهود النكاح، وشهود الإِصابة"، ثم قال: "لكنَّ الأصحَّ أن شهود النكاح، وإن رجعوا لا يغرَّمون"، فيفهم منهَ أنه لو ثبت غُرْم، لثبت عليهما، لكن لا يُثْبت علَى شهود النكاح للمعنى المذكور، فيبقى علَى شهود الإِصابة، ولكنْ لم نروجها صائراً إلى تخصيص الغرم بشهود الإصابة، بل من لا يوجب الغُرْم على شهود النكاح، لم يوجِبْه علَى شهود الإِصابة [أيضاً، فلا ينبغي أنَ يُحْمَلَ عليه، وإذا لم يُحْمَلُ عليه، كان المعْنَى أنَّه لو كاَن غرْمٌ، لكان على هذَيْن الصِّنْفَيْن، لكن الأصحُّ أنه لا غُرْمَ علَى شهود النكاح، ويلْتَحق بهم شهودُ الإصَابة] 1 وعلى هذا، فيكونُ ما ذَكَره ترجيحاً للوجْه الذاهب إلى أنَّه لا غُرْمَ علَى واحدٍ من الشهود، وكلام أكثر من أورد المسألة ميالٌ إلَى وجوب الغُرْم علَى شهود النكاح، وعلَى شهود الإِصابة أيضاً بالتفصيل المذكور فيه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِذَا ادَّعَتِ امْرَأَةٌ مُحَرْمِيَّةً أَوْ رَضَاعاً بَعْدَ أَنْ زُوِّجَتْ بِرِضَاهَا لَمْ تُقْبَلُ دَعْوَاهَا إِلاَّ إِذَا ذَكَرَتْ عُذْراً لِنسْيَانَهَا، وَإِنْ كَانَت مُجْبَرَةً قُبِلَتْ دَعْوَاهَا، فَقِيلَ القَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا، وَالأَصَحُّ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُهُ، وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ قَالَ: كُنْتُ مَجْنُوناً أَوْ مَحْجُوراً عِنْدَ العَقْدِ فَإنْ لَمْ يُعْهَدْ ذَلِكَ لَهُ فَالقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وَإِنِ ادَّعَى الصِّبَا أَوْ عُهَدَ لَهُ الجُنُونُ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ في وَجْهٍ، وَقَوْلُ الزَّوْجِ في الوَجْهِ الثَّانِي لأنَّهُ اعْتَرَفَ الوَليُّ بِالعَقْدِ فَيُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ، وَلَوْ أَحْرَمَ الوَليُّ بُعْدَ التَّوْكِيلِ بِالنِّكَاحِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ الوَكيلَ زَوَّجَ بَعْدَ الإِحْرَامِ فَالنَّصُّ أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسأَلَتَانِ:
إحداهما: إذا زُوِّجتِ المرأةُ، ثم ادَّعْتُ أن بيْنَها وبيْن الزَّوجْ محرميَّةَ بأنْ قالت: هو أخِي من الرِّضاعة، أو قالت: كنت زوجة أبيه أو ابنه أو وطأنِي أحدُهما بالشُّبهة، فيُنْظَر؛ إن وقع التزويج برضاها أو دون رِضَاهَا.
الحالة الأولَى: إذا زُوِّجت برضاها؛ إما لأنَّها ثيِّبٌ أو لأنَّ المزوِّج أخٌ أو عمٌ أو زوَّجُ المجبْر بإذِن المجبرة، وإن لم يحتج إليه، فلا تُقْبل دعواها، والنكاحُ ماضٍ على الصحَّة؛ لأن إذْنَهَا السابقَ يتضمَّن الإقرار بأنها حلالٌ له، فلا يُقْبَل بعد ذلك ما يناقضُه، نعم، لو ذكَرت عُذْراً من غَلَطٍ ونسيانٍ، فيجيء في سماع الدَّعوى الخلافُ المذكورُ فيما إذا قَالَ: وهبت أُوِ قبضت، ثم زعم أنَّه لم يقبض، وأنه أقر اعتماداً علَى كتابِ وكيلِهِ، ثم تبيَّن خلافه قَالَ الإِمَامُ: والسَّماع ههنا أولَى؛ لأن الغلط والنسيان في مثله مما يغلب في العُرْف، وهذا ما أورده في الكتاب.
[الحالة] الثانية: إذا زُوِّجت بغير رضَاها بكونها مجبرة، فوجهان:
أحدهما: وهو جوابُ ابنِ الحدَّاد: أنه يُقْبَل قولُها في ذلك مع يَمِينها، ويُحْكَم باندفاع النكاح من أصله؛ لأن ما تَدَّعيه محتملٌ، ولم يسبقْ منْها ما يناقِضُه، وهذا كما أنَّها إذا قالَتْ في الابتداء: فلانٌ أخي من الرِّضاع، لا يجوز تزويجُها منْه.
والثاني: عن الشيخ أبي زَيْدٍ: أنه لا يُقْبَل قولُها استدامةً للنكاح الصحيح الجارِي على الصحَّة ظاهراً؛ ولأنَّا لو فتَحْنا هذا الباب، لاتخذه صواحبُ القُصُود الفاسدة ذريعةً إلى الخروج عن قَيْد الأزواج، وهذا أصحُّ الوجهَيْن عند صاحب الكتاب، ويقال: إنه اختيار ابن سُرَيْج وفي "النهاية": أنَّ معظم الأصحابِ علَى موافقة ابن الحدَّاد، وذكر الشيخ أبو عليٍّ أنه الأصحُّ، وحكي عن نصِّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه لو باع الحاكمُ عبداً أو عَقَاراً على مالكه الغائبِ بسبب اقتضاه، ثم جَاءَ المالكُ وقال: كنت أَعتقت العبد أو وقَفْتُ العقار أو بِعْته، يصدق بيمينه، وينتقض البيع، ويردُّ الثمن على
المشترِي، بخلاف ما لو باعه بنفسه أو بوكيلِهِ، ثُمّ ادَّعَى ذلك، فإنه لا يقبل؛ لأنه سبَق منْه ما يناقضه، وقضيةُ حكايته: أنه لا خلاف في صورة بيع الحاكم، لكنَّ الإِمَامَ طرد الخلافَ، وحكَى فيها قولَيْن 1، ولو زوَّج ابنته أو أمته، ثَمَّ ادَّعى على السيدِ والأبِ محرميةً بينها وبين الزوج، لم يُلْتَفَت إلى قوله؛ لأن النكاح حقُّ الزوجَيْنَ، وإن كان الوليُّ هو الذي يعْقِد، ولذلك قلنا: يثبت النكاح بتقارِّهما، وإن أنكر الوليُّ.
قَالَ الشّيخُ أبو عليٍّ: ولو قال بعْدَ تزويج أمته، كنتُ أعتقتُها، حكم عليه بالعتق، ولا يُقْبَل قوله في النكاح، وكذا لو أجَّر العَبْدُ، ثم قال: كنت أعتقته، ويُغرَّم للعبد أجرة مثله؛ لأنه أَقَرَّ بإتلاف منافِعَه، عليه متعدياً، كمن باع عبداً، ثمَّ قال: كنت غصبته، لا يُقْبَل قوله في البيع، ويُغرَّم للمقرِّ له، واعلم أن الخلافَ في الحالة الثانيَة في أنَّها، هلْ تصدَّق بيمينها، ولا خلاف في أنه يسمع دعْوَاها، ولو أقامَتْ بيِّنة، حكم بها، والكلام في الحالة الأولَى في ردِّ الدعوَى من أصلها، وأن الرضا والإذْن بالتزويج إنما يؤثر إذا أذِنَت بتزويجها من شخْصِ بعينه، أما إِذَا أذِنَتْ في النكاح مَطلقاً، وفرَّعنا على أنه لا حاجة إلَى تعيين الزوج، فزوجها الوليُّ من رجل، ثم ادَّعت محرميةً، فالحكم كما إذا زوّجت مجبرةً؛ لأن الإِذن في التزويج المطْلَقِ لا يكون إقراراً بأنَّها حلالٌ لذلك المعيَّن، ولو زوج الأخُ البكرَ، وهي ساكتةٌ اكتفاءً بصُمَاتِهَا على أحد الوجهين، ثم ادَّعَتْ محرميَّة قال الإِمام: الذي ارتضاه العراقيُّون؛ أنَّ دعْوَاها مسموعةٌ، قال: ولكنْ لا تصدَّقُ باليمين.
المسألة الثانية: إذا زوّج أمته من إنسان، ثم قَالَ: كنْتُ مجنوناً، أو محجوراً يوْمَ زوَّجتها، وأنكر الزوْج، وقال: تزوَّجْتُها تزويجاً صَحِيحاً، فإن لم يعهد للسيد ما يَدَّعيه ولا بَيِّنَة، فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الظاهر جريانُ النكاحِ على الصَّحَّة، وكذا لو قال: زوَّجْتُها وأنا مُحرِم، أو قال: لم تكنِ مِلْكِي يومئذٍ، ثم ملكتها، وكذا الحكْمُ، لو بَاعَ عبداً، ثم قال: بِعْد البيع: بعتُه، وأنا محجورٌ عليّ أو لم يكن مِلْكِي، ثم ملكته، وعن نصِّه في "الإِملاء" أنه لو زوَّج أخته، ومات الزوج فَادَّعَى ورثته أن أخاها زوَّجَها بغَيْر إذْنها، وقالت: بل زوَّجني بإذني، فالقول قَولُهَا ولك أن تقول: قد سبق ذكْرُ وجهَيْن فيما إذا ادَّعَى أَحَدُ المتعاقدَيْن صحَّةَ العقد، والآخرُ فسادَهُ في كتاب البيع، فليجيء في هذه الصورة ذلك 2 الخلافُ، ولو ادَّعَتِ المنكوحةُ، وهي ممن يُعْتَبَرُ إذْنُها
أنَّها زُوِّجت من غير إذْن، ففي فتاوى صاحب "التَّهْذِيبِ" أنه لا يُقْبَل قولُها بعد ما دخلت عليه، وأقامَتْ معه، كأنه جعل الدخُولَ والإِقامة قائماً مقام الرضا 1 في المسألة الأولَى من مسألتَي الفصل، وإن عُهِدَ بالسيد المزوَّج حجرٌ أو جنونٌ أو قال زوّجْتُها وأنا صبيٌّ، فعن الشيخ أبي زيد تخريجُ قولَيْن:
أحدهما: أن القولَ قوله مع يمينه؛ لأن الأصلَ عدمُ النكاح ودوامُ الحالةِ التي كانَتْ.
وأصحُّهما: عند الشيخ أبي عليٍّ وغيره: أن القول قولُ الزوج؛ لأنَّهما اتفقا على جريانِ العَقْد، والغالب في العقود إنْشَاؤُها على الصحَّة؛ ولأنه حكم بصحَّة النكاح ظاهراً، والأصلُ دوامه، ورأى الإِمام بناءَ الخلافِ علَى أن النكاح المعتَرَفَ به مطلقاً يُحْمَلُ على الصحيح، أم يتناولُ الصحيح والفاسدَ، ولو زوج أخته برضاها، ثم ادَّعتْ هِيَ أنها كانتْ صغيرةً يومئذٍ، ففي فتاوى القفَّال، والقاضي حسين أن القول قولُها، وبهذا أجاب صاحب "التَّهْذِيب" في فتاويه، وإن أقرت يومئذٍ بأنَّها بالغةٌ، كما إذا أقرَّ بمالٍ، ثم قَالَ: كنتُ صغيراً يوْمَ الإقرار، وهذا يمكن أن يكون جواباً على الوجْه الأول، ويمكن أن يفْرَقَ بأن العقْدَ المَنْشَأ بين المسلمين الغالِبُ فيه الصحةِ، وهذه لم يصدر منها العقد [نفسُهُ.
ولو وكّل الوليُّ بالتزويج، ثم أحرم، ثم جرى العقد] 2 وادعى الوليُّ وقوعه في حال إِحرامه، وأنكر الزوج، فالرواية عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن القولَ قولُ الزوْج بناءً على [أن الظاهر فيما جَرَى الصحة، ولم يحْكِ الشيخُ أبو عليٍّ تردُّداً في هذه الصُّورة.
قال الإِمامُ -رحمه الله وسببه] 3 أن الإِحرام لا حقٌ، والأصل استناد العقد إلى الحلِّ المتقدِّم، لكن الشيخ أَلْحَقَ بمسألة الإِحْرَام المنقولة عن النص ما إذا أوْكَلَ رجلاً بقَبُول النكاح، ثم أحرم، وقَبِلَ الوكيل، ثم اختلف الزوجانِ، فقال الزوج: قَبِلَ قَبْلَ أن أحرمت أو بعْد ما خرجَتْ من الإِحرام، وَقَالَتْ: بَلْ في حالِ الإِحرام، قال فالقول قول الزوج، فلم يَفْرِقْ بين أن يدَّعِي سبق النكاح على الإِحرام، أو سَبْقَ الإِحرام على النِّكَاح، واعْلَمْ أنَّ قضيَة ما سبَق في المسألة الأولَى أن الوليَّ، إِذَا زَوَّجَ، ثُمَّ ادَّعَى المحرمَيَّةَ بين الزوجَيْن، لا يلتفت إلَى دعواه، إذ لا يفرض [النزاع] 4 في مسألة النصِّ
بين الولي والزوج، بل يفرض بين الزوجين، ولو زوج أمته، ثم ادَّعَى أنَّ الزوْجَ كَانَ واجداً لطوْلِ، الحرة وأنكر الزوْجُ، فالقول قوله، ولو زوَّج ابنته، ومات وادَّعَتِ المرأة أن أباها كَانَ مَجْنوناً يوم العقد، فيُنْظَر، أجرى التزويجُ برضَاها أم بغَيْر رضاها، ويكون الحكمُ علَى ما ذكرنا في المسألة الأولَى.
وقوله في الكتاب: "وإذا ادَّعَتِ المرأةُ محرميَّةً أو رضاعاً"، كان الأحسن أن يقول: محرميةً برضَاعٍ أو غيره أو يقول "رضاعاً أو محرميَّةً بجهة أخرَى فإن الرضاع جهةٌ من جهات المحرميَّة لا شيء خارج منها.
وقوله: "إلاَّ إذا ذكرت عذراً كنسيانها" مُعْلَمٌ بالواو والله أعلم فهذه فروعٌ وصُوَرٌ يقْطَع على ذكرها الكلام في "كتاب النكاح".
ادَّعى رجلٌ نكاح امرأة وأقام عليه بينةً، وادَّعتِ المرأة أنَّها زوجةُ غيره، وأقامت عليه بينة، قَالَ ابنُ الْحَدَّادِ: يعمل ببينة الرجُلِ؛ لأن حقَّه في النكاح آكد وأقْوَى؛ ألا تَرَى أن التصرُّف في النكاح إليه، إنْ شاء أمسكها، وإن شاء فارقها، وإذا كان جانبه أقوَى، كان العمل ببينته أولَى؛ كصاحب اليد مع غيره، وعلى هذا جرى أكثر الأصْحاب، ووراءه كلامان:
أحدهما: قال الشيخ أبو عليٍّ: يُحْتمَلَ أن يقال: يُنْظَر في جواب من ادَّعت أنها زوجته، إن أنكر، فلا نكاح مع إنكاره فتعمل ببينة الرجل، كما ذكر ابن الحَدَّاد، وإن سكت، فهما بينتان تعارَضَتَا؛ لأنَّ كل واحدةٍ منْهما معمولٌ بها، لو سَلِّمَتْ عن معارضة الأخرى فصار كسائر صور التعارض.
والثَّاني: أنَّهم لم يتعرَّضوا في تصوير المسألة لدعواها المَهْر أو حقّاً من حقوق النكاح، وقد ذكرنا في دعْوَى الزوجية المجرَّدة خلافاً أنها هل تسمع؟ إنْ سمعت وأنكر الزوج، ففي إقامة البينة خلافٌ أيضاً، وإن ادَّعتِ الزوجيةُ المجَّردةُ، أيضاً وأنكر الزوجُ، فإنما تفرض إقامة البينة من جانِبها تفريعاً علَى سماع هذه الدعْوَى، وعلَى سماع البينة مع الإنْكَار، إذا قال الخاطبُ لوليِّ الزوجة: زوجتُ نفْسِي من بنْتِكَ فقبل قال في "التَّتِمَّةِ": يبنى انعقاد النكاح على أن كلَّ واحدٍ من الزوجَيْن معقودٌ عليه أم لا؟ قيل: نعم؛ لأنَّ بقاَءَ كلِّ واحدٍ منْهما شرطٌ لبقاء العقْدِ، فنزلا منزلة العوضَيْن في البيع، وقيل: الزوجُ ليس معقوداً عليه؛ لأن العِوَضَ من جانبه المهْرُ لا نفْسُه، ولهذا لو كانَ تحْته ثلاثُ نسوةٍ، جاز له نكاحُ رابعةٍ، ولو كان منكوحاً، لما جاز، كما أن المنكوحةَ لا تنكح زوجاً آخَرَ، فإنْ قلْنَا: إنه ليس الرجُلُ منكوحاً، لم ينعقد النكاح، وإن قلنا: إنه منكوحٌ، فعن أبي عاصم العبَّاديِّ وأبي سَهْل، الأبيوردي: أنه ينعقد النكاح، كما لو أضاف إلى المرأة، وعن القاضي الحُسَيْن مَنْعُهُ؛ لأن إضافة التزويج إلى المرأة غيْرُ معْهُود فصار كما لو استعَمَلَ في النكاح لفظاً لا يُعْهَد فيه، وفيما جُمِعَ من "فتاوى
القَفَّالِ" وغيره: أنه إذا تزوَّج أمةً على ألا يملك الاستمتاع ببُضْعها، لا يصحُّ النكاح، إذا قلنا: إنه لو تزوَّجها على ألا يطأها، لم يصح النكاح، ولو تزوَّجها على ألا يملك بُضْعَها، فإن أراد ملك الاستمتاع، فكذلك الجواب، وإنْ أَرَادَ ملْك العَيْن، لم يِضرَّ، وأنَّه لو خطب البِكْر خاطبٌ فمنعها أبوها، فذهبَتْ هي، وزوَّجت نفسها منْه، وأقَامَتْ عِنْدَه، ثم زوَّجها الأب من غيره، فإن لم يُصِبْهَا ذلك الخاطبُ، صحَّ النكاح، وإن أصابها، لم يصحَّ النكاح؛ لأنها لم تأذَنْ، وقد بانت بالشبهة، وذكر تفريعاً على أن العضْو المبان المتصل في حكْم النَّظر أن من حَلَق عانَتَه، ينبغي أن يُخْفِيَ الشعر حتَّى لا ينظر إلَيْه أحدٌ، وفي فتاوى القاضي الحُسَيْنِ: لو زوج ابنته البكْرَ عَلَى صداق، وهو مهر مثلها مِنْ مُعْسِر بغَيْر رضاها، فالمذهبُ أنه لا يصحُّ النكاح؛ لأنه بَخْسٌ لحقِّها، كما لو زوَّجها من غير كفء، وأنه لو زوج أمته من قادِرٍ علَى طَوْلِ حُرَّةٍ، وحصل له منها أولاد، فهم أرقاءِ؛ لأن شبهة النكاح تجْرِي مجْرى النكاح الصحِيح، ولو جَرَى نكاحٌ صحيحٌ، كانوا أرقاء، وأنه لو اختلف السيد والعبد في الإِذْن في النِّكاح، فَقَالَ السَّيِّدُ: ما أذِنْت، فالوجه أن تدَّعِيَ المرأة على السيِّد أنَّ كسْبَ هذا العبْد مستحَقٌّ لي بمهْرِي ونفقتي؛ ليسمع القاضي البينة 1، وأنه إذا زوَّج أمته من عبده، فنفقة الأمة على السيد كنفقة العَبْد، فلو أعتقها السيِّد وأولادها، سقَطَتْ نفقتهم عنه، وتعلقت نفقتها بكَسْب العبد، ونفقةُ الأولاد عليها، إن كانتْ موسِرةً، وإن لم تكن موسرة ففي بيت المال، وإن أعتق العبد دونها، سقطت نفقتُها عنه، ونفقة الأمة على العتيق كَحُرٍّ تزوَّج بأمة الغير، فإنه إذا علمت البكْرُ أن خاطِبَها ليس بكفء واستؤْذِنَت في التزويج منْه، فسكتت يصحُّ النكاح، ويكون سكُوتُها كنْطْقها، وَأنَّ وَكِيلَ المصلّي يزوج بخلاف وكيل المَحْرَم؛ لأن عبارة المحرم غير صحيحةٍ في النكاح، وعبارة المصلِّي صحيحةٌ، حَتَّى لو زوَّجها في خلال الصَّلاةِ نَاسياً يصحُّ النكاح، ولا تبطل الصَّلاة، وأنه إِذَا استُؤْذِنت المرأة في التزْوِيج من رجُلٍ، فأذِنَت، ولم يُعْلَم فسقه، وكان فاسقاً، يصح النكاح؛ لوجود الإِشَارَةِ إِلى عينه، قال الشَّيخْ الْفَرَّاءُ: لكن لها حَقُّ الْفَسْخُ، كما لو أذِنت في التزويج من رجُل، ثم وجدَتْ به عيباً، وفي "فتاوى الفَرَّاء": أنه لو أبين داهن شَعْرَ الأَمَةِ، أو قَلِّمَ ظُفُرْهَا، ثم عَتَقَتْ، ينبغي أن يجوز النَّظَرُ إِلَيْه، وإن قلْنا: إن العضو الْمُبَانُ في النظر كالمتصل؛
لأنه انفصل عنْها حين لم يكن عورةٌ، والعتْقُ لا يتعدَّى إِلَى المنفصل؛ ولذلك لو أضاف العتقَ أو الطلاق إلى الْمُبَانِ لا تعتق ولا تطلَّق، وأنه لو أراد أن ينكح ابنةَ عمِّه، وهو وليُّها وغائبٌ عنها، يزوِّجها منْه قاضي بلدة المرأة لا قاضي بلدة الرجُل، وأنَّ التي يعتبر إذنُها في تزويجها، إذا قالَتْ لوليها، وهي في نكاح أو عدةٍ: أذِنْتُ لك في تزويجي، إذا فارقني زوجي أو انقَضَتْ عدَّتي، وجب أن يصح الإِذن، كما لو قال الوليُّ للوكيل: زَوِّجِ ابنتي، إذا فارَقَها زوجُها أو انقضَتْ عدَّتها، [يصح النكاح] وفي صحة التوكيل وجْهٌ آخر مذكورٌ في "الوكالة" وأنه لو قيل للبكر: رَضِيتِ بما تفْعَلُه أمُّكِ، وهي تعرف أنَّهم يعْنُونَ النكاح، فقالتَ: رَضِيتُ، لا يكون هذا إذْناً؛ لأن الأم لا تعقد بخلافِ ما إِذَا قالَتْ: رَضِيتُ بما يفعله الْوَلِيُّ ولو قَالَتْ: رَضِيتُ بالتَّزويج ممن تختارُهُ أمي، يجوز، ولو قالت: رَضِيتُ إنْ رَضِيَتْ أمِّي، لا يجوز؛ لأنه تعليقٌ لا إذْنٌ جازمٌ، ولو قالت: رضِيتُ إن رَضِيَ وَلِيِّ، فإن أرادت التعليق، فكذلك الجَوَابُ، وإن أرادتْ أنِّي رضيتُ بما يفعلُه، ولم تقصد التعليقَ، كان إذناً، وأن الوليَّ، إذا وُكِّلَ بالتزويج، ثم حضَر عقَد الوكيل شاهداً مع رجُل آخَرَ، لم يصحَّ النكاح؛ لأن الوكيل نائبٌ عنه، والعاقدُ في الحقيقة هو، والعاقدُ لا يكون شاهداً، وهذا قد سبَق في رُكْن الشهود.
ولو كَانَ لَهَا إِخوةٌ، فزوَّجها أحدهم، وحضر الآخَران شاهدين، ففي صحة النكاح جَوَابانِ، وجهُ المنْع: أن الشرع جعَلَ المباشر نائباً عن الباقِين في أداءِ ما توجَّه عليهم، وأنَّه إذا أقرَّت المرأةُ بالنكاح لغَيْر كفء، فلا اعتراض للوليِّ؛ لأنه ليس بإنشاءِ عقْدٍ، فلا يقبل قوله: ما رَضِيَتْ بالعقد، كما لو أَقَرَّتْ بالنِّكَاحِ، وأنكر الوليُّ، لا يقبلِ إنكاره، وأَنَّهُ إِذَا زوجت المرأة بالوكالة، ثم أَنْكَرَ الوليُّ التوكيل، والمرأة ساكتةٌ، فالقول قولُ الوليِّ، وِإنْ أَقَرَّتْ بِالنِّكَاح، يقبل قولها، وأنَّه إذا قال الوليُّ للخاطب "دخترم إنكاح كن بحندير مهر" 1 فقال الْخَاطِبُ: "نكاح كردم" 2 انعقد النكاح، وإن لم يقل الولي "بنو ذادم" 3 كما لو قال: تَزَوَّجْ بنتي، فقال: تزوْجتُها، وَأنَّهُ إذا لم يكن لها وليٌّ سوى الحاكم، فأمر قبل أن يستأذنها رجُلاً بتَزْوِيجِها، فَزَوَّجَهَا ذَلِكَ الرجُلُ بإذْنها هل يصح؟ ينبني علَى أن إنابة القاضي في شُغُل معيَّن؛ كتحْلِيفٍ، وسماعِ شهادةٍ جاريةٍ مجْرَى الاستخلاف أم لا؟ إن قلنا: إِنَّهَا تجري مجراه، حتَّى يجيء فيها الخلافُ في الاستخلاف، فيجوز قبل الاستئذان، وينعقدُ النكاح، وَإلاَّ، فلا يَصِحُّ النِّكَاحُ على الأصحَّ، كما لو وكَّل الوليُّ قبل الاستئذان، وزوَّج الوكيلُ بالإِذْن، لا يصحُّ على الأصحِّ، وأنه إِذَا زوَّج القاضي امرأةً، غابَ وَلِيُّهَا، ثم قدم الوليُّ بعد العقد بحيث يَعْلَم،
أنه كان قريباً من البَلَد عندْ العقْد، لم ينعقِد النكاح، وأنها إذا أَذِنَتْ في التزويج بألف، ثم قيل لها عنْد العقد: نعْقِد بخَمْسِمائة، فسكتَتْ، وهي بكْرٌ، كان سكوتها إذناً إلي العقْدِ بخَمْسَمائة، ولو قيل ذلك لأُمِّها، وهي حاضرةٌ تسمع، فسكتَتْ، لم يكن ذلك إذناً، وإنما يكون سكوتُها إذْناً، إِذَا كان الخطاب معها، وأنه يجوز أن يُوْكِّلُ المسلمُ نصْرانياً في قَبُولِ نِكَاحِ نَصْرَانِيَّةٍ، ولا يجوزُ في قبول نكاحِ المسْلمة، وكذلك توكيلُه المجوسيَّ، وَيَجُوزُ توكيلُ النصرانيِّ المسْلِمَ في قبول نكاح النصرانيَّة، ولا يَجُوزُ في قبول نكاح المجوسيَّة؛ لأن المسلم لا يجُوز له نكاحُها، وليس هذا كتوكيل المعسِرِ الموسِرَ فيَ قَبُول نكاح الأَمَةَ، حيث يجوز؛ لأنه من أهل نكاح الأمة في الجملة وليس المسلم أَهْلاً لنكاح المجوسيَّة بحالٍ، فَإنَّهُ إِذَا كانت تحته مسلمةٌ وذمِّيةٌ، ولم يدخلْ بواحدةٍ منْهما، فَقَالَ للمسلمة: ارتددت، وللذمية أسلمتِ، وأنكرتا، ارتفع نكاحُهما بزَعْم الزوج، وأنه إذا نَكَحَ أَمَّ وَلَدِ الغَيْر، فولدُه منها للسَّيِّد، وحكمه حكم الأمِّ، فإِنْ كَانَ يظُنُّ أن أمَّ الولدِ تكون حرةً، فالولدُ حرٌّ، وعليه قيمته للسيد، وأنه إِذَا قال الوليُّ للوكيل: لا تزوِّجها إِلاَّ بشَرْطِ أن يرهن بالصداق عيناً، أو يتكفل به فلان، يصحّ، وَعَلَى الْوَكِيلِ الاشتراطُ، فإنْ أهمله، لم يصحَّ النكاح، وَلَوْ قَالَ زوجها بكذا وخذيه كفيلاً، فزوَّجها بلا شرط، يصح النِّكَاحُ؛ لأنه أمره بأمَرْين، وقد امتثل أحَدَهما، ولوَ قَالَ: لا تزوَّجها، إِذْ لَمْ يَتَكَفَّل فلانٌ، وجب ألا يصح التوكيل؛ لأن الكفالة تتأخَّر عن النكاح، وقد منع من العقْد قبلها وَأَنَّه إذَا قَالَ للوكيل: زَوِّجْهَا بألْفٍ وجاريةٍ، ولم يصف الجاريةَ، فزوَّجها الوكيل بألْفٍ، ولم يذكر الجارَية، لم يَصِحَّ النِّكَاحُ، كما لو قال: زوِّجها بألف، فزوَّجَها بأقلَّ من ألف، ولو قَالَ: زوِّجها بخمر أو خنزيرٍ، أو ذَكَرَ مجهولاً، فزوَّجَها بألْفِ درهمٍ، فَإِنْ كان ذلك نَقْدَ البلد، وكان قدْرَ مهْر المثل أو أكْثَرَ، صح النكاح والمسمَّى، وَإِلاَّ، فَلاَ، وأنه لو أعتق جاريةً وأعتقت هي جاريةً، وللمعتقة ابن، فولاء الثانية لمعْتِقِ الأولَى؛ لأنه وليُّ الوليِّ، وأَنَّهُ إذا تَزَوَّجَ امرأةً على أنها بكرٌ، فلم تكن، يصحُّ النكاح على أَصَحِّ القولَيْن، وله الخيار، ولو قالت: كُنْتُ بِكراً، فزالتِ البكارةُ عنْدك، وقال: بل كُنْتِ ثَيِّباً، فالقولُ قولُهَا مع يمينها لدَفْع الفَسْخ ولو قَالَتْ: كنت بكراً فافْتَضَضْتَنِي، وأنْكَرَ فالقَوْلُ قولُهَا مع يمينها لدَفْع الفسْخ والقولُ قولُه مع يمينه لدَفْع كمالِ المَهْر واللهُ أَعْلَمُ [بالصَوَابِ.
تَمَّ، وَالْحَمْدُ لله وَحْدَهُ، وصلواتُهُ علَى سيِّدِنَا محمَّدَ وآلِهِ وصَحْبِه وسلَّم تسليماً كثيراً وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
يَتْلُوهُ "كِتَابُ الصَّدَاقِ" إنْ شَاءَ اللهُ] 1.