أقربهما: القبول، كما لو شَهِدَتِ المرْضِعَةُ عَلَى رضاعٍ محرم، ولم تذكر فِعْلَهَا.
ووجْهُ المَنْع: أنه قد يريد نَفْسَه، فلا بدّ من البيان؛ ليزول الالتباس، والوجهان يَتَفَرَّعان على أنَّه إذا قامت البَيِّنَة على حكومةِ حاكمٍ من الحكَّام، يُقْبَلُ ولا حاجة إلى التعيين، وهو المشهور، وأشار بعضهم إلى وجه آخر، فَعَلَى ذلك الوجْهِ لا تُقْبَلُ شهادة واحد منْهُمَا، ثم يجوز أن يُقَالَ الوجهان فيما إذا لم يَعْلَمِ القاضِي أنه يشْهَد على نفسه، أما إذا علمه، فلا فرق بين المطْلَق والمضاف.
ويجوز أن يعكس، ويقال: الوجهان فيما إذا علم أنه يشهد على حكم نفسه، أما إذا لم يعلم، فيُقْبَلُ لا محالة؛ لجواز أنه يريد حكم غيره، وعلى هذا الاحتمال، فلو شهد المعزول على أن حاكماً حكم به، وشهد الذي معه أن المعزول قد حكم به، وجب أن نقبل؛ لأنا لا نعتني على هذا التقدير إلا بأن نصحح الصيغة 1، ولا يشهد على فعل نفسه، ولو أن المعزول شهد على أنه ملك فلان، أو على أن فلاناً أقر في مجلس حكمي بكذا، قُبِلَتْ شهادته؛ أنه لم يشهد على حكمه.
وقول القاضي في غير مَحَلِّ ولايته: حكمتُ لفلانٍ، بكذا، كقول المعزول، وأما قبل العزل؛ فإذا قال: حكَمْتُ بكذا؛ يُقْبَل، لقدرته على الإِنشاء في الحال، حتى لو قال على سبيل الحكم: نِسَاءُ هذه القَرْية طوالقُ من أزواجهن، يُقْبَل ولا حاجة إلى حجة 2
ويجوز أن يُعْلَمَ قوله في الكتاب "لم يُقْبَلُ قولُهُ إلا بحُجَّةٍ" بالألف: لأن عند أحْمَدَ؛ يُقْبَلُ قوله بعد العزل، كما قُبِلَ العَزْلُ، وأن يُعْلَمَ قولهَ "وقَبْلَ العزل يُقْبَلُ قوله بغَيْر حُجَّةٍ" بالميم؛ لأن عن مالك أنه لا يُقْبَلُ إلا بحجةً.
فَرْعَان: ذكرهما أبو سعد الهرَوِيُّ في "شرح أدب القضاء" للشيخ أبي عاصم العَبَّادِيِّ.
احدهما: قال القاضي بعد العزل: المال الذي في يد هذا الأمين دفعته إليه لزيد أيامَ قَضَائِي، وقال الأمين: إنه لِعَمْروٍ، وما قبضته، منك، فالقول قول الأمين، وإن سلم القبض منه، فالقول قول القاضي.
الثاني: يجوز أن يكون الشاهدان على حكم القاضي هما اللَّذَان شهدا عند القاضي، فَرَتَّبَ، الحكْمَ عَلَى شهادتهما؛ لأنهما الآن يشهدان على فعل القاضي، وحكي أن الأستاذ أبا طَاهِرٍ قال: على هَذَا تَفقَّهْت، وأدركت القضاة والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: لَوِ ادَّعَّى عَلَى مَعْزُولٍ رَشْوَةً أَحْضَرَهُ القَاضِي وَفَصَلَ الخُصُومَة، وَكَذَا إِنْ قَالَ: أَخَذَ المَالَ مَنِّي بِشَهادَةِ عَبْدَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُ الأَخْذَ فَفِي سَمَاعِ الدَّعْوَى وَجْهَانِ إِذْ فِي وُجُوبِ الغُرْمِ عَلَى القَاضِي خِلاَفٌ إِذَا لَمْ يَأْخُذْ، وَلَوْ نَائِبُ المَعْزُولِ: أَخَذْتُ هَذَا المَالَ أُجْرَةَ عَمَلِي لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ صَدَّقَهُ المَعْزُولُ إلاَّ بِحُجَّةِ، وَهَلْ يَكْفِيهِ يَمِينُهُ فِي مِقْدَارِ أُجْرَةِ المِثْلِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ليس على القاضي تتبع أحكامِ مَنْ قبله من القضاة، اكتفاءً بأن الظاهر منها السداد؛ لعلمهم وعدالتهم، وفي جواز تتبعها وجهان مذكوران في "المُهَذَّب" اختيار الشيخ أبي حامد، منها -الجواز؛ احتياطاً، وإذا جاءه متظلِّم من القاضي المعزول، وطلب منه إحضاره، لم يتسارع إلى إجابته، فإنه قد يقصد ابتذاله، بل يسأله عما يريد فيه فإن ذكر أنه يدعي عليه عيناً وديناً على معاملة، أو إتلافاً، أو غصباً، أحضره، وفَصَل الخصومة بينهما، كما يفصل بين سائر الناس، ولو قال: أخذ منِّى كذا، على سبيل الرَّشْوَة المحرمة، أو أخذ منى بشهادة عبدين أو غيرهما، ممن لا تُقْبَلُ شهادته، ودفعه إلى فلان، فكذلك الجواب؛ لأن هذا الأخذ كالغصب 1، وفلان الذي يدعي الدَّفْع = الإِبداء ليجر المحكوم عليه التخلص ثم قال في الخادم أيضاً هذا إذا لم يكن حكمه نقضاً لحكم غيره، فإن كان فالظاهر أنه لا يقبل حتى يبين السبب ويحتمل قبوله مطلقاً إذا كان الثاني غير متهم والأول فيه ريبة.
إليه، إن قال: أخذته بحكم المعزول لي، لم يُقبَلْ قوله، ولا قول المعزول له بل يحتاج إلى بينة تشهد على حكم المعزول له أيام قضائه، فإن لم تكن بينةٌ، انتزع المال منه، وإن اقتصر على أنه لي، ولم يتعرض للأخذ من المُدَّعِي، ولا لحكم المعزول، فالقول قوله مع يمينه.
ولو أن المتظلِّم لم يتعرَّضْ للأخذ، ولكن قال حُكِمَ عليَّ بشهادة عَبْدَيْن، ومن في معْنَاهُما، فكلام مُعْظم الأئمة يخالف ما في الكتاب، قال المُعْظَم: في إحضاره وجهان:
أحدهما: يحضره؛ ليجيب عن دعواه، كما لو طلب إحضار غيره.
والثاني: أنه لا يحضره إلا ببينة تقوم على ما يدعيه، أو على إقرار المعزول بما يدعيه؛ لأنه كان أمين الشرع، والظاهر أن أحكامه على الصواب، فيكتفي بهذا الظاهر، إلى أن تقوم الحجَّة على خلافِه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب" والأول أصحُّ عند القاضي الرُّويانيِّ وغيره.
وإذا قلنا بالثاني، فليس ذلك على معنى أن البينةٍ تُقَامُ في غيبته، ويكتفي بها، ولكن الغرض أمن يكون إحضاره عن بَيِّنَة، فيُحْضِر المدعي الشهود، ليعرف القاضي منهم أن لدعواه حجةً وحقيقةً، ثم إذا حضر المعزول ادَّعَى المدعي، وشهد الشهود في وجهه على المعهود، وإذا أحضر بعد البينة، أو دونها وأقر، طُولِبَ بمقتضاه.
وإن أنكر صُدِّق، وكيف يُصدَّق؟ بيمين، أو بغير يمين؟ فيه وجهان:
أحدهما: بيمين، وهو اختيار العراقيين والقاضي الرُّويانيِّ، كالمُودَعِ وسائر الأمناء، إذا ادُّعِيَتْ عليهم خيانة.
والثاني: بغير يمين، وبه قال الإِصطخريُّ، وصاحب "التلخيص"؛ لأنه كان أمين الشرع؛ فيُصَانُ منْصِبُه عن التحليف والابتذال بالمنازعات الباطلة، وهذا أحسن، وأصح عند الشيخ أبي عاصم، وصاحب "التهذيب"، وبه قال صاحب "التقريب" والقاضي الماورديُّ ولا فرق في ذلك بين أن يدعي عليه الحكم في مال أو دم حتى إذا ادَّعى عليه؛ أنه قبْل أباه ظُلماً بالحكم جرى الخلاف في أن إحضاره؛ هل يتوقَّف على البينة وفي أنه هل يحلف إذا حضر وأنكر؟ فهذا ما ذكروه، وهم متفقون على أن الدعْوَى مسموعة في الجُمْلة وعلى أن بينة المُدَّعِي محكومٌ بها، وأما صاحب الكتاب، فإنه = أن يرسل وكيله ولا يحضر وقد ذكر ذلك صاحب المطلب جازماً به وهو واضح لا توقف فيه لأن في إحضار المعزول من الأهنة ما لا يستحقه المدعي بمجرد دعواه، وقول الشيخ بشهادة عبدين، قال الشيخ البلقيني: أي وهو عالم بأنهما عبدان، ومن عقيدته أنه لا يحكم بشهادة العبيد، وقول المصنف أيضاً ودفعه إلى فلان أي الذي قامت له شهادة العبدين أو غيرهما ممن لا يقبل شهادته.
نصب الخلاف في سماع أصل الدَّعْوَى، وقال: إنه مبْنِيٌّ على الخلاف في أن الحكم بشهادة العبدَيْن، ومن في معناهما؛ هل يقتضي غُرْماً؟.
وهذا الخلاف غير معروف، نعم، إذا كان المحكوم به قطعاً، أو قتلاً.
فعن الإِصطخرِّي: أن القاضِيَ، إنما يضمن إذا استوفى بنفسه، أو أمر به من استوفاه، أما إذا استوفاه الوليُّ بإذن القاضي، فلا ضمان على القاضي، وخالفه الأكثرون، وقالوا: لا فرق؛ فإن القاضي هو الذي سلَّط الوليِّ، فيمكن أن يجيء هذا الخلاف في الأموال، والقول في أن القاضِيَ كَيْف يغرم؟ يُبْسَط في موضعه إن شاء الله تعالَى -والدعوى على نائب المعزول في القضاء كالدعوى على المعزول.
وأما أمناؤه الدين يجوز لهم الأجرةُ، فلو حُوسِبَ بعْضُهم، فبقَى عليه شيءٌ، فقال: أخذتُ هذا المال أجرة عَمَلِي، فصدقه المعزول، لم ينفعه تصديقه، لكن يُسْتَرَدُّ منْه ما يزيد على أجرة المثْل، وهل يُصدَّقُ بيمينه في أجرة المثل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل عليه البينة على جريان ذِكْرِ الأجْرة.
والثاني: نعم؛ لأن الظاهر أنه لا يعمل مجاناً، قال الإِمام: والخلاف مبنيٌّ على أن من عمل لغيره، ولم يجر ذكر أجرة، هل يستحِقُّ أجرة المثل 1.
وقد تبيَّن بما ذكرنا أن قوله "ولو قال نائب المعزول" ليس المراد نائِبَهُ في القضاء، فإن القاضي لا يأخذ أجرة، وإنما المراد الأمناء.
وقوله "لم يُقْبَلْ، وإن صدَّقه المعزول إلا بحجة" ظَاهِرَهُ يقتضي قبول الحجة على الإِطلاق.
ومعلوم أن الزيادة على أجرة المثل، لا تُقْبَلُ فيها الحجَّة بحال، وأما قدْرُ أجرة المثل، فيحتاج فيه إلى حجة أم يكفي اليمين؟ فيه الوجهان، هذا حكم الدعوى على المعزول.
وأما الولي فإن ادعى عليه مدَّعٍ بما لا يتعلَّق بالحكم، حكم بينهما خليفةٌ أو قاضٍ آخرُ، وإن ادَّعى ظلماً في الحكم، وأراد تغريمه لم يُمَكَّنْ، ولم يحلف القاضي، ولا تغني إلا البينة، وكذا لو ادعى على الشاهد: أَنَّه شهد بالزور، وأراد تغريمه؛ لأنهما
أمينان شرعاً، ولو فُتحَ بابُ تحليفهما، لاشتد الأمر، ورغب القضاة عن القضاء، والشهود عن أداء الشهادة (1).
وكذا الحكم لو قال للقاضي: قد عزلت، فأنكر، وعن الشيخ أبي حامد أن قياس المذهب التحليف في جميع ذلك، كسائر الأمناء إذا ادعيت عليهم خيانة.
والله أعلم.
البَابُ الثَّانِي فِي جَامِعِ آدَابِ القَضَاءِ،
وَفِيهِ فُصُولٌ قَالَ الغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي آدَابِ مُتَفَرِّقَةٍ:
وَهِيَ عشَرَةُ آدَابٍ: الأَدَبُ الأَوَّلُ: أَنْ يُشِيعَ الوِلاَيَةَ قَبْلَ قُدُومِهِ، فَإِنْ قَدِمَ مِنْ غَيْرِ إشَاعَةٍ وَلاَ كِتَابٍ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ، فَإنْ كَانَ مَعَهُ كِتَابٌ مِنْ غَيْرِ شَاهِدَيْنِ فَفِي لُزُومِ الطَّاعَةِ بِمُجَرَّدِهِ وَجْهَانِ، وَحَيْثُ تَظْهَرُ أَمَارَةُ التَّلْبِيسِ يَجُوزُ التَّوقُّفُ لاَ مَحَالَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ليَكْتُبِ الإِمامُ كتاب العَهْد لمن يوليه القضاء 2، كما كتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ -رضي الله عَنْهُ- لَمَّا بعَثَهُ إلى اليَمَن 3، وكما كتب أبو بكرٍ لأنس1
-رضي الله عنه- لما بعثه إلى "البَحْرَيْن" 1 وَعُمَرُ لابن مسعود -رضي الله عنه- لما بعثه قاضيًا إلى الكوفة 2: ولُيَذْكُرْ فيه ما يَحْتَاج القاضِي إلى القيام به، وليعظْهُ فيه، ثم إذا كان يبعث إلى بلد آخر، فيُنْظَرُ، إن كان بعيدًا لا ينتشر الخبر إليه، فليشهد شاهدين على التولية على الوجه الذي تضمنه الكتاب، وليقرأه الإِمام عليهما، وإن قرأ غير الإِمام، فالأَحوط أن ينظر الشاهدان فيه ثم يخرج الشاهدان 3 معه فيخبران بالحال هناك.
قال الأئمة -رحمهم الله-: وليس ذلك على قواعد الشهادات إذْ ليس هناك قاضٍ يؤدي عنده الشهادات، وإن كان البلد قريبًا ينتشر الخبر إليه ويستفيض، فإن أشهد شاهدَيْن يخرجان معه، كما ذكرنا، فذاك، وإلا، ففي الاكتفاء بالاستفاضة وجهان:
أحدهما: المنع، وبه قال أبو إسحاق؛ لأن التولية عقْدٌ، والعقود لا تثبت بالاستفاضة، كالإِجارة والوكالة.
وأظهرهما: الاكتفاء بها، وبه، قال الإِصطخريُّ إذ لم يُؤْثَرْ عنْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن الخلفاء بعده الإِشهادُ، بل كانوا يقنعون بالاشتهار وبالاستفاضة، ومن الأصحاب من يطلق الوجهين من غير فرق بين أن تكون البلَدُ بعيدًا أو قريبًا، ويشبه أَلاَّ يكون في هذا خلاف، ولكن الانتشار والاستفاضة، إنما يحصل في مدة، وتختلف المدةُ بحَسَب قرب المسافة وبعدها؛ فمن قال: لا بُدَّ في البلد البعيدة من الإِشهاد، إنما قاله؛ لأن الاستفاضة لا تحصل بها غالبًا في مدة مسير القاضي، ومن أطلق، فلأنه إذا تأخر مسيره لعارض حتى حصلت الاستفاضة، فلا فرق بين القرب والبعد.
وحَكَى في "الوسيط" وجهين في أن مجَرَّد الكتاب من غير استفاضة ولا شهادة شاهدَيْنِ، فهل تعتمد عليه؟.
أحدهما: نعم، لبعد الجرأة في مثل ذلك على الإِمام.
والثاني: لا، بل لا بدّ من عدلَيْن يخبران عن التولية، وهذا هو المفهوم من كلام عامة الأصحاب -رحمهم الله- وهو قياسُ أصْلِنا في امتناع الاعتماد على الخطِّ.
وقوله في الكتاب "من غير إشاعةٍ ولا كتابٍ"، ظاهره يقتضي أَلاَّ يكفي قول عدلَيْن، لكنا سنذكر أن الاعتماد في كتاب القاضي إلى القاضي على الشهود دون الكتاب، فليكن كذلك هاهنا.
وقوله فإن كان معه كتابٌ من غير شاهِدَيْنِ يتناول بإطلاقه ما إذا حصلت الاستفاضة، وفيها الوجهان المذكوران أولًا، وما إذا لم يحْصُل، وفيها الوجهان المنقولان عن "الوسيط".
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: أنَّهُ كَمَا قُدِّمَ يُفَتِّشُ عَنِ المَحْبُوسِينَ فَيُطلِّقُ كُلَّ مَنْ حُبِسَ بِظُلْمٍ أَوْ فِي تَعْزِيرِ، وَمَنْ أَقَرَّ بِالحَقِّ رُدَّ إِلَى الحَبْسِ، وَمَنْ قَالَ: أَنَا مَظْلُومٌ أُطْلِقَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنْ حَضَرَ خَصْمُهُ فَلْيَسْتَأنِفِ الخُصُومَةَ وَلْيُقِمِ الحُجَّةَ عَلَى أَنَّ القَاضِيَ المَصْرُوفَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالحَقِّ، وَإِنْ قَالَ المَحْبُوسُ: لاَ أَدْرِي لِمَ حُبِسْتُ نُودِيَ عَلَيْهِ فِي طَلَبِ خَصْمِهِ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ أُطْلِقَ، وَإِنْ ذَكَرَ خَصْمًا غائِبًا وَزَعَمَ أنَّهُ مَظْلُومٌ فَإطْلاقُهُ أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا: لا يُطْلَقُ فَيُرَاقَبُ وَلا يُخَلَّى وَلا يُحْبَسُ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ خَصْمُهُ، وَيُكْتَبُ إِلَى خَصْمِهِ لِيُعَجِّلَ، فَإنْ لَمْ يُعَجِّلْ أُطْلِقَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أراد القاضي الخروجَ إلى بلد قضائه، ينبغي أن يسأل عن حال من فيه من العلماء والعدول، فإن لم يَتَيَسَّر، سأل في الطريق حتى يدخل على علْم بحالِ البلد، فإن لم يجدْ من يسأله سأل حين يدخل، ويُسَحَبُّ أن يدخل يوم الاثنين 1؛ فإن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- دخل يوم الاثنين 2، وأن يكون عليه عمامة سوداء فإن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- دخل مكة يوم الفتح، وعليه عمامة سوداء، وأن ينزل في وسط البلد أو الناحية؛ كيلا يطول الطريق على بعْضهم.
وإذا دخل، فإن رأى أن يشتغل بقراءة كتاب العهد في الحال فعل، وإن رأى نزل في منزله، وأمر مناديًا ينادي يومًا أو أكثر، أو أقل على حسب كبر البلد وصغرها، أَلاَ إنَّ فلانًا قَدِمَ قاضيًا، وأنه يخرج يوم كذا لقراءة العهد، فمن أحب فليحضر، فإذا اجتمعوا، قرأ عليهم العهد، وإن كان معه شهود شَهِدُوا، ثم ينصرف إلى منزله.
ويستحضر الناس، فيسألهم عن الشهود، والمُزَكَّيْنَ سرًّا وعلانيةً، قال الأصحاب -رحمهم الله-: ويتسلَّم ديوان الحكم، وهو ما كان عند الحاكم قبله من المحاضر والسجلات وحجج الأيتام والأوقاف، وحجج الناس المودوعة في الديوان؛ لأنها كانت في يدِّ الأول بحكم الولاية، وقد انتقلت الولاية إليه، ثم إذا أراد النظر في الأمور، نظر أولاً في المحبوسين؛ لأن الحبس عذابٌ، فلينظر؛ هل يَسْتَحِقُّون أم لا 3؟ ويأمر قبل أن
يجلس للنظر في أمرهم مناديًا ينادي يومًا، أو أكثر على حسب الحاجة، أَلاَ إنَّ القاضي ينظر في أمر المحبوسين يَوْمَ كذا، فمن له محبوسٌ، فليحْضُرْ، وليبعث إلى الحَبْس أمينًا من أمنائه، ليكتب اسم كل محبوس، وما حُبِسَ به، ومَنْ حُبِسَ له في رقْعَةٍ.
وفي "المجرَّد" للقاضي أبي الطيب أنه يبعث أمينَيْنِ، وهو أحوط، فإذا جلس اليوم الموعود، وحضر الناس، وُضِعَتْ تِلْكَ الرِّقَاعُ بيْنَ يدَيْه ويخرجه، وهكذا فيأْخُذُ واحدةً واحدةً وينظر في الاسم المثبت فيها، ويسأل عن خَصْمِهِ، فمن قال: أنا خَصْمُه، بعث معه ثقة إلى الحَبْس؛ ليأخُذَ بيده، ويخرجه هكذا، يحضر من المحبوسين بِقَدْر ما يعرف أن المجلس يحتمل النظر في أمرهم، وفي "أمالي" أبي الفرج: أنه يقرع بينهم للبداية، وإذا جمع المحبوس وخصمه عنده سأل المحبوس عن سبب حبسه، والجواب يُفْوَضُ على وجوه.
منها: أن يعترف بالحَبْس بالحَقِّ، فإذا كان ما حبس به مالاً، أُمِرَ بأدائه، فإن قال: أنا مُعْسِرٌ، فعلى ما ذكرنا في التفليس، ثم إذا لم يؤدِّ، ولم يَثْبُتِ الإِعسارُ، فيُرَدُّ إلى الحَبْس، وإن أدَّى، أو أثبت الإِعسار، نودي عليه، فلعلَّ له خصمًا آخر في مال أو غيره، فإن لم يحضر أحدٌ، خُلِّيَ، وإن كان ما حبس به حدًّا، أقسم عليه، وخُلِّيَ عَلَى ما ذكرنا.
ومنها: أن يقول: شهدتُّ على البينة، فحبسني القاضي؛ ليبحث عن حال الشهود، فللأصحاب -رحمهم الله- في جواز الحَبْس بهذا السبب اختلاف، يأتي من بعد، فإن قلنا: لا يُحْبَسُ به لم يرده إلى الحَبْس، وإن قُلْنَا: يُحْبَسُ ردّه، وبَحَثَ عن حال الشهود.
ومنْهَا: أن يقول: حُبْستُ بخَمْرٍ، أو كلب أتلفته على ذمِّيٍّ، والقاضي لا يعتقد التغريم بذلك، فأصح القولين: أنه يمضيه.
والثاني: يتوقَّف، ويسعى في اصطلاحهما على شيء.
ومنْها: أن يقول: حُبِسْتُ ظُلْمًا، فإن كان الخَصْمُ معه، فعلى الخَصْم الحُجَّة، والقول قَوْلُ المَحْبُوس مع يمينه، وإن ذَكَر خَصْمًا غائبًا، فطريقان:
أحدهما: القطع بأنَّه يُطْلَقُ؛ لأن الحبس عذابٌ، وانتظارُ الغائِبِ يطولُ.
وأظهرهما: أنه على وجهين، فإن قلنا: يُطْلَقُ فحسن أن يُؤْخَذَ منْه كفيل، وإن = هناك أمر أهم من المحبوسين قدمه فمن ذلك المحاجير الجائعون الذين تحت نظره وما أشرف على الهلاك من الحيوانات في التركات وغيرها وما أشرف من الأوقات وأملاك محاجير على السقوط بحيث تعين الفوز في تداركه ونحو ذلك.
قلنا: لا يُطْلَقُ، فيكتب إلى خصمه في الحضور 1، فإن لم يفعل، فحينئذ يُطْلَقُ، وإن قال: لا خصم لي أصلاً، أو قال: لا أدْرِي، لِمَ حُبِسْتُ، نودي عليه في طلب الخصم، فإن لم يحضر أحد، حلف، وأُطْلِقَ؛ وإنما حلف هاهنا ولم يحلف في الأجوبة السابقة؛ لأن هناك ظهر الخصم، وفصل الأمْر، فدعْوى أنه ليس له خَصْم آخر، لا تخالف الظاهر، وأما الحبس من غير خصم، فإنه خلاف الظاهر.
قال في "الوسيط": وفي مدة المناداة لا يُحْبَسُ، ولا يُخَلَّى بالكلِّيَّة، ولكن يُرْتَقَبَ، وحيث أَطْلَقَ الذي ادَّعَى: أنه مَظْلُومٌ، فَهَل يُطالَبُ بكَفيل؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا.
وأما لفظ الكتاب، قوله "فيُطْلَقُ كلُّ من حُبِسَ "بظلم" كان المراد فيه، إذا اعترف الخصم بأنه ظلمه، أو كان القاضي عالمًا، وقلنا: إنه يقضي بعلمه، فأما إذا قال المَحْبُوس: أنا مظلوم، فهو مذكور من بعد.
وقوله: "أو في تعزير" إطلاق من حبس تعزيرًا، وقد ذكره هاهنا، وفي "الْوَسِيطِ" وسَكَتْ مُعْظَم الكتب عنه، ولعل وجه ما ذكره أن التعزير يتعلَّق بنظر الحاكم الذي بانَتْ عنده الجناية، ولا يُدْرَى أن الحاكم المصْرُوف، هل كان يديم حبسه لو لم يُصْرَفْ، لكن لو بانَتْ جنايةٌ عند الثاني، ورأَى إدامة حبسه، فالقياس الجَوازُ.
وقوله: "ومن أقر بالحَقِّ رُدَّ إلى الحبس" أي: إذا اقتضاه الحال بأن لم يؤدِّ ولم يثبت إعسارًا.
وقوله: "فإن حضر خصمه، فليستأْنف الخصومة" بعد قوله: "أطلق على أحد الوجهين" تفريع على وجه الإِطلاق، والمعنى؛ أنه يُطْلَقُ، ثم إذا حضر خصمه مجلس الحكم، وادعى، فعليه إثبات الحق الذي يدعيه ببينة تقوم على نَفْس الحَقِّ، أو على أن القاضي المصْرُوفَ، حكم عليه بذلك، وفي "أمالي" أبي الفرج: أنه يكْفِي لاستدامةِ الحَبْس قيامُ البيِّنَة، على أن القاضي المصْرُوفَ حَبَسَهُ بحقٍّ على هذا المُدَّعِي، وإن لم يبيِّن جنس الدين وقدره.
وقوله فيما إذا ذكر خصمًا غائبًا، "فإطلاقه أوَلى" أشار بهذا الترتيب إلى الطريقين
السابقين في الغائب.
وقوله: "فإن قُلْنا: لا يُطْلَقُ فَيُراقَبُ ولا يخلَّى، ولا يُحْبَسُ إلى أن يَحْضُرَ خَصْمُه" هذا لم يذكره في "الوسيط" هاهنا، وإنما ذكره فيما إذا قال: لا أدْرِي، لِمَ حُبِسْتُ؟ على ما بيَّنَّاه والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيّ: وإِذا فَرِغَ مِنَ المَحْبُوسِينَ نَظَرَ فِي الأَوْصِياءِ وَمالِ الأَطْفالِ إِذْ لا رَافِعَ لِوَقائِعِهِمْ إِلَيهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا فرغ القاضي من المحبوسين، نظر في حال الأوصياء؛ لأن الوصيَّ يتصَّرف في حقِّ من لا يمكنه المرافعة والمطالبة، كالأطفال، وأصحاب الجهات العامة، وإذا حضر من يزعم: أنَّهُ وصيٌّ بفحص القاضي عن شيئَيْنِ:
أحدهما: أصل الوصاية، فإن أقام بيَّنَةً على أنَّ القاضي المصْرُوف نَفَّذ وصايته، وأطلق تَصَرُّفَه، قرره، ولم يَعْزِلْه، نعم، إذا طرأ فِسْقٌ وانعزالٌ فيُنْزَعُ المال منه، وإن شك في عدالته فوجهان 1. قال الإِصطخريُّ: يقرر المال في يده؛ لأن الظاهر الأمانة، وقال أبو إسحاق: ينزعه حتى يتحقق عدالته وإن وجده ضعيفًا، أو كان المال كثيرًا لا يمكنه القيام بحفْظِه والتصرُّف فيه، ضم القاضي إليه من يعينه.
والثاني: تصرفه في المال فإن قال: فرقت ما أوصى بِهِ، نُظِرَ إن كانَتِ الوصيَّةُ لمُعَيَّنَيْنِ، لم يتعرض له؛ لأنهم يطالَبُون لَوْ لَمْ يصل إليهم، وإن كانت لجهةٍ عامَّةٍ فإن كان عَدْلاً، أمضى تَصَرُّفَه، ولم يَضْمَنْه، وإن كان فاسقًا، ضمنه؛ لتعديه، بالتفريق لا عن ولاية 2 ولو أن غير الوصي فرق الثُّلُث الموصى به، خوفًا عليه من أن يضيع، نُظِرَ:
إن كانتِ الوصايةُ لمعينين، وقع الموقع؛ لأن لهم أن يأخُذُوه من غَيْرِ واسِطَةٍ، وإلا، ففي الضمان وجهان:
أظهرهما: الوجوب.
ثم بعد النظر في الأوصياء، ينظر في أمناء الحكام المنصوبين على الأطفال في تفرقة الوصايا؛ فمن تغير حاله بِفِسْقِ أو ضَعْفٍ، فعَلَى ما ذكرنا في الأوصياء ومن لم يتغير حاله، أقرَّه قال القاضي الرويانيُّ: وله أن يَعْزِلَهُ، ويولي، وينصب غيره بخلاف الأوصياء لأن الأمين مُوَلَّى من جهة القاضي بخلاف الوصيِّ.
ثم ينظر في الأوقاف العامة، والمتوليين لها، وفي اللقطة، والضَّوَالِّ مما لا يجوز تملكه، أو يجوز، ولم يختر التَّمَلُّك بعد الحَوْل حفْظ على صاحبه، أو باعه، وحَفِظَ ثمنه لمصلحةِ الحال، وله أن يَحْفَظ هذه الأموال معزولةً عن أمثالها في بيت المال وله أن يَخْلِطَها بمثلها، فإذا ظهر المالك، غرم له من بَيْت المَالِ.
ويقدم من كل نوع من ذلك الأهَمَّ فالأَهَمَّ وإن عرضت حادثة، وهو مشْغُولٌ بهذه المهمات، استخلف من ينظر في تِلْكَ الحادثة وفيما هو فيه والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: أنْ يَتَرَوَّى بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَرْتِيبِ الكَاتبَ والمُزَكِّي والمُتَرْجِمِ، وَليَكُنِ الكَاتِبُ عَدْلًا عَاقِلاً عَفِيفًا عَنِ المَطَامِعِ، وَيُشْتَرَطُ العَدَدُ فِي المُزَكَّى والمُتَرَجْمِ دُونَ الكَاتِبِ، وَفِي عَدَدِ المُسْمِعِ إِذَا كَانَ بِالقَاضِي صَمَمٌ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الخَصْمُ أَصَمَّ فَيَعْجَزَ عَنِ الإنْكَارِ لَوْ غَيَّر المُسْمَعُ، فَإِنْ شُرِطَ العَدَدُ فَفِي اشْتِراطِ لَفْظِ الشَّهادَةِ وَجْهَانِ، فَإنْ لَمْ يَشْتَرَط فَفِي اعْتِبَارِ الحُرِّيَّةِ وَجْهَانِ، فَإنْ طَلَبَ المُسْمِعُ أُجْرَةٌ فَهَلْ يَجِبُ فِي مالِ صَاحِبِ الحَقِّ؟ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُرَتِّبُ القاضِي بعْدما ذكَرْنا أمر الكُتَّاب، والمُزَكِّين، والمتَرْجِمِين.
أما الكُتَّابُ؛ فللحاجة إلى كتابة المَحَاضِرِ، والسِّجلاَّت، والكُتُب الحكمية، والحاكم لا يتفرَّع لها غالبًا، ومن المشهور أنه كان لرسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- كُتَّاب، منهم زيدُ بنُ ثابت 1 = يحكم القاضي بفسقه، وإن كان فسقه ظاهرًا لا يقتصر إلى اجتهاد رد تصرفه وعزه إذا لم يمكن التدارك كما إذا فرق على المساكين، قال وليس له أن يرجع على المساكين بما فرقه وإن صدقوه على الوصية لأنه يقر بوصوله إليهم بحق، انتهى ما أردته منه.
وقوله إنه خيار اجتهاد لا شهوة أخذه من القوت ولم يعزه له وما نقله عن الماوردي أيضًا أخذه من القوت.
-رضي الله عنه- ويُشْتَرَطُ أن يكونَ الكاتبُ عارفًا بما يكتب من المَحاضِرِ وغيرها، لئلاَّ يفسده.
وأن يكون مسلمًا عدلاً؛ ليؤمن خيانته، وفي "المهذب" حكايةُ وجْهٍ آخر: أنه لا يُشْتَرَطُ الإِسْلام والعدالةُ، ولكن يُسْتَحَبَّان؛ لأنَّ القاضِيَ لا يُمْضِي ما كتبه حتى يقف عليه، ويُسْتَحب أن يكون وافر العقْل عفيفًا عن المطامع الفاسدة، كيلا يُخْدَعَ من غرَّه بمال، وأن يكون فقيهًا، لا يُؤتَى، من جَهْل، وأن يكون جيِّدَ الخَطِّ، ضابطًا للحروف لئلا يقع الغَلَطُ والاشتباه، والأَوْلَى أن يُجْلِسُ الحاكمُ الكاتِبَ بيْن يدَيْه؛ ليملي عليه، ويشاهد ما يكْتُب.
وأما المزكُّون؛ فالحاجة إليهم ظاهرةٌ، وفي التزكية فصْلٌ مفردٌ من بعْدُ.
وأما المترجمون؛ فلأن القاضي قد لا يعرف لسان بعْضِ الخُصُوم والشهود، فلا بدّ مِمَّنْ يطلعه عليه.
ويشترط في المُتَرْجِم العدالة والتكليف والحرية؛ لأنه ينقل قولاً إلى القاضي لا يَعْرِفُه القاضي؛ فأشبه الشهادة، وبمثل هذا نقول باشتراط العَدَدِ فيه، وفي المزكِّي، بخلاف الكاتب؛ فإنه لا يُثْبِت شيئًا، وعند أبي حنيفة: يكفي مترجِمٌ واحدٌ ومذكٍ واحدٌ، ثم قال الأصحاب: إن كان الحقُّ مما يثبت برَجُلٍ وامرأتين، فتقبل الترجمةُ من رجلين، ومن رجُلٍ وامرأتين، وقال صاحب "التهذيب": وجب ألا يقبل إلاَّ من رجلين، كما لا يثبت الشهادة على الشهادة بقول النساء، وإن كان الحَقُّ مما يثبت برجل وامرأتين، وهذا ما أورده الإِمام -رحمه الله- وأما العِتْق والنكاح وما لا يثبت برجل وامرأتين؛ فلا يَقْبَلُ الترجمة فيه إلا من رجلين، وفي الزنا: يكفي رجلان أم لا بدّ من أربعة؟ فيه قولان، كما في الشهادة على الإقرار بالزنا، وقيل: يكفي رجلان بلا خلاف، ولو كان الشاهدانِ معًا أعْجَمَّيْينِ؟ فيه قولان كالقولين في شهود الفرع، وبالأول أجاب أبو الحسن العَبَّادِيُّ في "الرَّقْم" وهل يجوز أن يكون المَترْجِمُ أعمى؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، كما لا يجوز أن يكون شاهدًا.
وأصحهما: نعم؛ لأن الترجمة تَفْسِيرٌ للفظ لا يحتاج فيه إلى معاينة وإشارة، وإذا كان بالقاضي صَمَمٌ، واحتاج إلى من يُسْمِعُه، فثلاثة أوجه:
أصحها: اشتراط العَدَدِ كالمترجم.
والثاني: المنع؛ لأن المُسْمِع، لو غَيَّر أنكر عليه الخَصْم والحاضرون، فلا حاجة فيه إلى العدد، والمترجم لا يعرفون لِسَانَهُ.
= لزيد بن ثابت: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الحديث، وقال القضاعي: كان زيد بن ثابت يكتب عنه للملوك، مع ما كان يكتب من الوحي، وكان الزبير وجهم يكتبان أموال الصدقات.
والثالث: أنَّه إن كان الخصمان سميعَيْن، فلا يُشْتَرط العدد، وإن كانا أصَمَّيْن أيضًا، يُشْتَرَطُ فإِنَّ الحاضِرَيْن لا يعتنون بما يقوله اعتناءَ الخُصُوم.
ومنْهُمْ من قطع باشتراط العدد، إذا كان الخصمان أصَمَّيْنِ، وهذا في إسماع خَصْمِ القاضي، فأما إسماع الخصم ما يقوله القاضي، وما يقوله الخصم، فقد حكى القاضي الرُّويانيُّ في "جمع الجوامع" عن القَفَّال: أنه لا حاجة فيه إلَى العدد، وإذا شرطَنْا العدد في المُسْمِع، ففي اشتراط لفْظِ الشَّهَادَةِ، وجهان:
أصحهما: اشتراطه، فيقول: أشهد أنه كذا وكذا.
والثاني: المنع؛ لأنَّا، وإن استظهرنا بالعدد، فليستْ هي شهادة محقَّقةً، فإن لم يشترط العَدَد، ففي اشتراط الحرية، وجهان، كما في شهادة هلالِ رَمَضَان، والأصحُّ الاشتراطُ وأنه لا يسلك به مَسْلَك الروايات، وليجر الخلاف في لفظ الشهادة، وفي الحرية على بعده من المترجم، ويشبه أن يكون الاكتفاء بإسماع رجل وامرأتين في المال عَلَى ما ذَكَرْنا في المترْجِم، وأجاب في "الوسيط" بالمنع، كما ذكره صاحب "التهذيب" هناك.
ورأى الإِمام أن يُطَّرَدَ في المترجْمِ الوجوهُ المذكورةُ في اشتراط العَدَد في المُسْمِع.
والوجه الثالث: فيه أن يُقَال: إن كان الخصمان عارفَيْن بالعربية، لكن لا يحسنان التعبير، لم يُشْتَرطِ العدد.
وإن كانا لا يعرفانها، فيشترط، وميله إلى ترجيح الوجه الثالث فيهما جميعًا، والله أعلم.
وبقيت مسألة في الفَصْل؛ وهي أن المَسْمعَ لو طلب شيئًا ممَّنْ يُعْطَى، وتقدَّم عليها: أن القاضي، وإن لم يجد كفاية، فيجوز له أن يأخذ رزقًا من بيت المال؛ ليتفرغ للقضاء.
رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أيُّمَا عَامِلٍ اسْتَعْمَلْنَاهُ وَفَرَضْنَا لَهُ رِزْقَهُ فَمَا أَصَابَ بَعْدَ رِزْقِهِ، فَهُوَ غُلولُ" 1 ورُوِيَ أن أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ -رضي الله عنه- كان يأخذ كل يوم من بيت المال درهَمَيْن 2، وأن عمر -رضي الله عنه- كان يَرْزُقُ شُرَيْحًا -رحمه الله- كلَّ شهْرٍ مائة درهم 3 وإن وجد كفاية، فيُنْظَرُ، إن تعيَّن عليه القضاء، لم يجز له أخْذُ
شَيْءٍ؛ لأنه يؤدي فرضًا تَعَيَّن عليه، وإن لم يتعيَّن، فيجوز، والمسْتَحَبُّ تركه 1، ولا يجوز عَقْد الإِجارة على القضاء، لما سبق في الإِجارة.
وفي فتاوى القاضي الحُسَيْن إلحاقه بالأذان، حتى يجوز الإِجارة عليه على رأْي؛ لأن كل واحد منْهما يعُودُ نفعه إلى عامَّة المُسْلمِين، وينبغي للإمام أن يجعل من بيت المال مع رزق القاضي شيئًا لثمن القراطيس التي تُكْتَبُ فيها المَحَاضر والسجلات، ولأجرة الكاتب، فإن لم يكن في بيت المالِ مالٌ، واحْتِيجَ إليه لِمَا هُو أهم، فإن أتى المدَّعِي بصحيفة يثبت فيها خصومته، وشهادة شهوده، وأتى بأجرة الكاتب، فذاك، وإلا، فلا يُجْبَرُ عليه.
ولكنه يعلمه القاضي؛ أنه إذا لم يثبت ما جرى فقد ينسى شهادة الشهود وحكم نفسه، وحينئذٍ، فلا تُقْبَلُ شهادةُ الشهود على ما جرى بل لا بدّ من التَّذَكُّر، كما سيأتي، ولو أثبت ما جرى، حفظه في ديوانه، تذكره بعلاماته.
وليكن رزق القاضي بقَدْرِ كفايته، وكفاية عياله، على ما يليق بحالهم من النفقة والكسوة وغيرهما، وكذا الإِمامُ يأخذ لنفسه ما يليق من الخيل والغلمان والدار الواسعة ولا يجب الاكتفاء بما اكتفَى به رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- والخلفاءُ الراشِدُونَ -رضي الله عنهم- بعده؛ لأن الناس قد تَغَيَّروا، وبعُدَ العهْد بزمانِ النُّبُوَّة التي كانت سبَبَ النُّصْرَة، وإلقاء الرعب في القلوب، ولو اقتصر الإِمام على مثل ذلك اليوم، لم يُطعْ وتعطَّلَت الأمور، ولو رَزَقَ الإِمامُ القاضِيَ من مال نَفْسه، أو رزقه أهل ولايته أو واحد منْهم، فالذي خرجه صاحب "التلخيص" أنه لا يجوز له قبوله لكنْ ذَكَرْنَا في "باب الأذان" أنه كما
يجوز أن يكون رزق المؤذن من بيت المال، يجوز أن يكون من مَالِ الإِمَام أو واحد من الرعية.
وذكر الصيمَرِيُّ في "المفتي": أنه يجوز أن يرزقه أهل بلده، ويمكن أن نفرِّق بأن ذلك لا يورث تُهمةً وميلاً في حق المؤذِّن؛ لأن عمله لا يختلف، والقاضي أجدر بالاحتياط من المُفْتِي، وكما يُرْزَقُ الإِمام والقاضي من بيت المال، فكذلك يُرْزَقُ مَنْ ترجْعُ مصلحةُ عمله إلى عامة المسلمين؛ كالأمين، والمفتي، والمحتسب، وإمام الصلاة، والمُؤَذِّن، ومَنْ يُعلِّم الناس القرآن، ومن يُقِيمُ الحدود، وكالقسام، وكاتب الصكوك، وإن لم يكن في بيت المالِ مالٌ، فلا يعين قسامًا ولا كاتبًا، كيلا يغالي في الأجرة، وألحق بهؤلاء المقوِّم.
وفي المترجم وجهان:
أقربهما: أنه يُرْزَقُ من بيت المال أيضًا كهؤلاء.
وثانيهما: المنع، كالوكيل، وهذا ما خرجه صاحب "التلخيص" ويُحْكَى عن أبي زيْدٍ أيضًا، وعلى هذا، فمؤنة من يترجم للمدعى عليه على المدعى عليه، والمُسْمِعُ كالمترْجِم؛ ففي مؤنته هذان الوجهان، فهذه مسألة الكُتَّابُ والوجهان جاريان في المزَكِّي، والقول في الشاهد أخرناه إلى "كتاب الشهادات".
فَرْعٌ: قال القاضي ابن كج: ذكر جماعة من فقهاء أصحاب الشَّافعي -رضي الله عنه- وأبي حنيفة -رحمه الله-: أنه إذا لم يكن للقاضي شَيْءٌ من بيت المال، فله أن يأخذ عُشْرَ ما يتولاَّه من أموال اليتامى والوُقُوف؛ للضَّرورة، ثم بالغ في الإنكار عليه.
وقَالَ: إنَّه لا ضرورةَ في هَذَا، إن لم يتفرَّغْ للقضاء من غير رِزْقٍ؛ فليمتنع منه، ومن ذهب إليه، فكأنه ذكر العُشْر تمثيلاً وتقريبًا، ولا بدّ من النَّظَر إلى كفايته، وإلى قَدْر المال والعمل.
آخَرُ: في شرح "أدب القضاء" لأبي سعد الهَرَوِيِّ: أن القاضي إذا لم يكن له رزقٌ من بيْتِ المال، وكان محتاجًا، ولم يتعيَّنْ عليه القضاء، فله أن يأخذ من الخصم أجرةَ مِثْلِ عَمَلِهِ، وإن تعيَّن، قال أصحابنا: لا يأخذ عنه بدلاً، وقال القاسمُ يعني: صاحب "التقريب": إن شاء الله يأخذ كصاحب الطعام في المخمصة، والفَرْعُ غريبٌ مُشْكِلٌ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابِعُ: أَنْ يَتَّخِذ لِلقَضَاءِ مَجْلِسًا رَفِيعًا فَسِيحًا لا يَتأَذَّى فِيهِ بِبَرْدٍ وَلاَ حَرٍّ فَيُمَلَّ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ المَسْجِدَ مَجْلِسًا لِلِقَضَاءِ فَتُرْفَعَ فِيه الأَصْوَاتُ، وَلا يُكْرَهُ فَصْلُ قَضَايَا مُتَفَرِّقَةٍ فِي المَسْجِدِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ بَوَّابًا وَحَاجِبًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائل:
إحداها: المُستَحَبَّ أن يكون مجْلِسُ القضاء فسيحًا، لا يتأذى الحاضرون لِضِيقِهِ، وأن يكون بارزًا، لا يكون دونه حجابٌ؛ ليهتدي إليه المتوطِّن الغريبُ، ويصل إليه كلُّ
واحد، فلا يجلسُ للقضاء في كن كبير، وإن أقام على بابه من يأذن له؛ لأنه لا يظهر جلُوسُه فيه، ولا يهتدى إليه الغرباء، نَزِهًا، لا يُؤْذِي فيه الحَرُّ، والبرد، والروائح، والغُبَار، والدُّخَان، فيجلس للصيف، حيث يليق به، وللرياح والشتاءِ حَيْثُ يليق به، واستحب أبو عبيد بنُ حربويه وغيره أن يكون موضعُ جلوسه مُشْرِفًا؛ كدِكَّةٍ ونحوها؛ ليسهل عليه النظَرُ إلى الناس، وعليهم المطالبة؛ وحَسُنَ أن توطأ له الفُرُشُ، وتُوضعَ الوسائدُ؛ ليعرفه كلُّ واحد؛ وليكون أهْيَبَ عند الخصوم، وأرفق فلا يُمَلَّ، والأَوْلَى أن يكون مستقبل القبلة 1، ولا يتكئ.
الثانية: المُسْتَحبُّ أَلاَّ يُتَّخَذَ المسجدُ مجلسًا للقضاء، وهل يُكْرَهُ اتخاذهُ مجلسًا فيه؟ وجهان:
أحدهما: لا، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- وكذلك أبو حنيفةَ في إحْدَى الروايتين، كما لا يُكْرَهُ الجلوس فيه للفتوى، وتعلُّم القرآن، والعِلْم.
وأصحهما: نعم، لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمُ صِبْيَانَكُمْ وَمَجانِينَكُمْ، وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَخُصُومَاتِكُمْ، وَرَفْعَ أَصْواتِكُمْ" 2 ومعلوم أن مجلس القضاء ترتفع فيه الأصوات، وقد يحتاج فيه إلى إحضار الصبيان والمجانين، وأيضًا، فقد تحضره الحُيَّضُ والكُفَّار والكراهة في إقامة الحَدِّ في المسجد أشدُّ؛ لخوف التلْوِيثِ مع رفع الصوت، ثم كراهية اتخاذ المسجد مجلسًا على التنزيه دون التحريم، فلا يأثم به، قال أبو الحسن العَبَّادِيُّ: ولا يدع الخُصُومَ يجتمعون فيه ويتشاتمون، ولكن يَقْعُدون خارج المسجد، وينصب من يدخل عليه خصْمَيْن خصْمَيْن، ولو اتفقت قضية أو قضايا وقْتَ حضوره المسْجِدَ للصلاة أو غيرها، فلا بأس بفصلها.
الثالثة: عن الصيدلانيِّ رواية وجهين: أنه هل يُكْرَه أن يتخذ القاضي حاجبًا وبوَّابًا؟ ويمكن أن يُوَجَّهَ أحدهما بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ وَليَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا فَاحْتَجَبَ حَجَبَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ" 3.
والثاني: بأنه، لو دخل عليه مَنْ شاء متَى شاء، لبَطَلَتْ هيبته وسقط وقعه، لكن المفهوم من كلام أكْثرَهِم أن الوجهين لَيْسَا بمطْلَقَيْن، بل إذا جلس للقضاء، ولا زحمة، وفي أوقات خلوته، والأظهر الكراهةُ في الحالة الأولَى دون الثانية.
وقوله في الكتاب "مجلسًا رفيقًا" مأخوذ من الرفق، واتبع فيه لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- حيث قال: في أرفق الأماكن.
وقوله: "أن يتخذ المسجد" مُعْلَمٌ بالميم والألف والحاء والواو والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الخَامِسُ: لا يَقْضِي فِي حَالِ غَضَبٍ وَجُوعٍ وَحَالَةٍ يُسْرُعُ إِلَيْهِ الغَضَبُ فِيهَا أَوْ يَدْهَشُ عَنْ تَمَامِ الفِكْرِ، وَمَا يَحْكُمْ بِهِ فَيَكْتُبُ بِهِ مَحْضَرًا دِيوَانِيًّا يَحْفَظُهُ فِي خَرِيطَةٍ مَخْتُومَةٍ حَتَّى لا يَنْسَى، وَيُعْطِي صَاحِبَ الحَقِّ مِنْهُ نُسْخَةً أُخْرَى، وَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ إِنْ طَلَبَهُ صَاحِبُ الحَقِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: لا يقضي القاضي في حال الغَضَب، لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَهُوَ غَضْبَانُ" 1 وكذلك لا يقضي في كل حال يسوء خلقه فيها، ويتغيَّر عَقْلُه، كجوع وشبع مفرط، ومرضٍ مؤلمٍ، وخوفٍ مزعجٍ، وحزنٍ، وفرحٍ شديدٍ، وكغلبةِ نُعاسٍ، ومَلاَلٍ، وكذا لو حضره طعامٌ، ونفْسُه تتوقُ إليه أو آذاه أخبثاه، والمقصود أنه يتمكَّن من استيفاء الفكر والنظر، وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يَقْضِي الْقَاضِي، إِلاَّ وَهُوَ شَبْعَانُ رَيَّانُ 2 " ثُمَّ هاهنا كلمتان:
إحداهما: قولنا: "لا يقضي القاضي في حال الغضب 3 " نَظْمٌ قد نعني به أن فعله مكروهٌ، وقد نَعْنِي به مجرد أولوية التَّرْك، وهذا من القبيل الأول، فقد صرح بالكراهية = القيامة، قال ابن أبي حاتم عن أبيه في العلل: هذا حديث منكر.
ابن الضَّبَّاغ والقاضي الرويانيُّ -رحمهما الله- وغيرهما.
والثانية: ذكر جماعة من الأئمَّة، منهم الإِمام، وصاحب "التهذيب" أن المنع من القضاء في حالة الغَضَب مخصوصٌ بما إذا لم يَكُنِ الغضبُ لله تعالَى جدُّه، فأما إذا غَضِب لله تعالَى في حكومة، وهو ممَّنْ يملك نَفْسَه فيما يتعلَّق بحظِّه؛ فلا بأس بقضائه، لحديث الزبير -رضي الله عنه- والأنصاريِّ؛ حين تخاصما في شراج الحَرَّة، وقد أوردناه في إحياء الموات ولكن احتج آخرون بهذا الحديث على أنه لو قضى في حال من الغضب، نفذ، وإن كان مكروهًا وهذا مصير منهم إلى قيام الكراهية في ذلك النوع من الغَضَب.
المسألة الثانية: إذا ادعى حقًّا عَلَى إنسان عنْد القاضي، فأقر به المُدَّعَى عليه، أو نكل، وحلف المُدَّعِي اليمينَ المردُودَةَ، ثم سأل المدَّعِي القاضيَ أن يشهد على أنه أقر عنْدَهُ، أو على أنه نكَلَ، وحلف المدعي؛ فعلى القاضي إجابته إليه؛ لأنه قد ينكر من بعد، فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه، إن قلنا: إنه لا يقضي بعلمه، وإن قلنا: إنه يقضي بعِلْمِهِ، فربما ينسى، أو يُعْزَلُ، فلا يُقْبَلُ قوله، ولو أنه أقام البينة عَلَى ما ادعاه، وسأل الَقاضِيَ الإِشْهَادَ عليه فهل يلزم؟ فيه وجهان:
أقربهما: نعم، كما في الصورة السابقة.
والثاني: لا؛ لأن له بيِّنة فلا حاجة إلى بينة أخرَى.
ولو أنكر المُدَّعَى عليه، وحلف، وسأل القاضي الإشهاد؛ ليكون حجةً له، فلا يطالبه مرة أُخْرَى، فكذلك يجيبه إليه، وإن سأله أحد المتداعِيَيْنِ أن يكتب له محضرًا بما جرى، ليحتج به إذا احتاج، فيُنظَرُ، إن لم يكن عنده قرطاسٌ من بيت المال ولم يأتِ به الطالب، لم تجِبْ إجابته، وإن كان فيجب الإِجابة أو يستحب فيه وجهان:
أحدهما: يجب توثيقًا لحقِّه كما يجب الإِشهاد.
وأظهرهما: الاقتصارُ على الاستحباب؛ لأن الحق يثبت بالشهود، لا بالكتاب، وأيضًا، فإن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ومَنْ بَعْدَه من الأئمة كانُوا يحكمون ولا يكتبون المحاضر والسجلات.
قال صاحب "الشامل" وغيره؛ إن طلب صاحبُ الحقِّ أن يحكم له بما ثبت، له أن يحكم؛ فيقول: حَكَمْتُ له به، أو أنفذتُ الحكْمَ به، أو ألزمت صاحبه الحق، وإذا حكم، فلو طلب الإِشهاد على حكمه، لزمه الاِشهاد.
وإن طلب أن يكتب به سِجِلاًّ، فعلى التفصيل، والخلاف المذكور في كتابة المحضر، ونقل القاضي ابن كج وجهًا ثالثًا: وهو أنه يجب التسجيل في الدَّيْنِ المؤجَّل، وفي الوقوف، وأموال المصالح، ولا
يجب في الدُّيُون الحالَّة، والحقوقِ الخاصَّة، وسواءٌ أوجبنا الكتابة أو استحببناها، فتُحتَاج إلى بيان المكتوب، وإلى بيان أنه كيف يُضْبَط ويُحْفَظ؟ أمَّا الأوَّل، فالمكتوبُ محضَرٌ وسجلٌّ، أما المحضر، فصورته "بسم الله الرحمن الرحيم أحضر القاضي فلانَ ابْنَ فلاَنِ، وأحضر معه فُلاَنَ بْنَ فلانٍ" ويرْفَعُ في نسبهما قَدْرَ ما يفيد التمييز، وهذا إذا عرفهما القاضي، ويُسْتَحَبُّ مع ذلك التعرُّضُ لحليتهما طولاً وقصرًا في القَدِّ، وسمرةً، وشقرةً في الوجه، ويصف منهما الحاجب، والعين والفم والأنف.
وإن لم يعرفهما، كتب حضرَ رَجُلٌ، ذُكِرَ أنه فلانُ بنُ فلانِ بنِ فلانٍ وأحضر معه رجُلاً، ذكر ذلك المحْضَر أنه فلانُ بنُ فلانِ، ولا بدّ، والحالة هذه، من التعرّض لحليتهما ثم يكتب: وادَّعى عليه كذا من عَيْنِ أو دَيْن، بصفتهما، فأقرَّ المدَّعَى عليه بما ادَّعَى، وإن أنكر وأقام المدعي البينة، كتب، فأنكر، فأحضر المدعي فلانًا، وفلانًا شاهِدَيْن.
وسأل القاضي سماع شهادتهما، فسمعها في مجلس حكمه، وثبت عنده عدالتهما، فسأله أن يكتب محضرًا بما جرى، فأجابه إليه، وذلك في تاريخ كَذَا، وثبَتَ عَلَى رأس المحْضَر علامته؛ من الحمدلة، وغيرها، ويجوز أن يُبْهِمَ ذكْرَ الشاهدَيْن، فيكتب: وأحْضَرَ شهدَيْن، عدّلَيْن، فَشَهِدَا له بما ادعاه.
ولو كان مع المدَّعِي كتابٌ فيه خطُّ الشاهدَيْن، فإن كتب تحْتَ خطوطهما، شَهِدَا عنْدِي بذلك، وأثبت علامته على رأس الكتاب، واكتفى به عن المحضر، جاز، وإن كتب المحضر، وضمنه ذلك الكتابَ، جاز، وعلى هذا قياسُ المَحْضَر، يذكر تحليف المدعى عليه، أو تحليفُ المدَّعِي بعد نكول المدعَى عليه.
وأما السِّجِل فصورته بسم الله الرحمن الرحيم.
هَذَا ما أَشْهد عليه فلانٌ القاضي بموضع كذا، في تاريخ كذا، أنه ثبت عنده كذا بإقرار فلان لفلان، أو شهادة فلان لفلان، ثبتت عدالتهما عنْده أو بيمينه بعْد نكول المدعَى عليه، وأنه حكم بذلك لفلانٍ على فلان، وأنفذه بسؤال المحْكُوم له.
ويجوز أن يكتب، ثبت عنده ما في كتابٍ، هذا نسخته، وينسخ الكتاب إلى آخره، ثم يكتب، وأنه حكم بذلك.
وكيفية التعرُّض لنسب المتداعيين، وحليتهما على ما ذكرنا في المحْضَر، وفي تعْليق الشيخ أبي حامد أن ابن خَيْرَان، لم يجوِّز للقاضِي التسْجِيلَ، إذا لم يعرف المتداعَيَيْن، والْمَذْهَبُ الأَوَّلُ، وإذا كان التَّدَاعِي بيْن رجُلٍ وامرَأة أو بين امرأتين، واحتاج إلى إثبات الحلْيَة؛ فليكنِ النظَرُ لذلك، كالنظَرِ لتحمُّل الشهادة، وأما أنه كيف يضبط ويحْفَظ فينبغي للقاضي أن يجْعَل المحاضرَ والسِجِلاَّتِ على نسختين؛ يدفع منها واحدةً إلى صاحب الحقِّ غير مختومة، ويحفظ الأخْرَى لديوانِ القضاءِ ويختمها،
ويكتب على رأْسها اسم الخصمين، ويضعهما في خريطة أو قِمْطَرِ 1 وهو السَّقْط الذي يجمع فيه المحاضر والسِّجِلات، ويكون بين يديه إلى آخر المجْلِس، فإذا أراد أن يقوم ختمه بنفسه، أو ختمه أمين له بمرأى منه، وأمر بحمله إلى موضعه، ثم يدعو به في اليوم الثاني.
وينظر في الختم، يُفكه بنفسه، أو يفكه أمينه، وهو ينظر إلَيْه، ويضع فيه كتب اليوم الثاني؛ كما ذكَرْنا، وهكذا يفعل حتى يمضي أسبوعٌ فإن كثرت، جعلها في إضبارة، وكتب عليها خصوماتِ أسبوعِ كذا، من شهر كذا، من سنة كذا.
وسجلاته، وعزلها، وإن لم يكثر، تركها إلى أن يمضي شَهْرٌ ثم يعزلها، فإذا مضت سنةٌ جمعها، وكتب عليها سنة كذا، وذلك ليسهل الوقوف عليها عند الحاجة، وليجعلها في موضعٍ لا يصل إليه غيره، وإذا احتاج إلى شيء منها تولى الأخْذَ بنفسه، ونظر أولاً إلى ختمه وعلاماته.
وقوله في الكتاب "وحالةٍ يسرع إليه الغضب فيها"، لا ضرورة إليه بعد قوله: "في حال غضب وجوع" ولو اقتصر على قوله: "في حال غضبٍ وجوعٍ وحالةٍ يَدْهَشُ عن تمام الفكْر لحصل الغرض.
وقوله: "وما يَحْكُمُ به، فيكتب محضرًا ديوانيًا" سمي الكتاب المشتمل على الحكم محضرًا، والمشهور من اصطلاح الأصحاب أن السِّجِلِّ ما يشتمل على الحُكْمِ، والمَحْضَرَ الذي فيه ذكْرُ ما جرى من غير حُكْم على ما بَيَّنَّاه.
فَرْعٌ: ذكر القاضي أبو سعد الهَرَوِيُّ: أن أخذ الأجرة على السجل، يبنى على الخلاف في وجوبه، إذا طلب صاحب الحق.
وقد أطلق في بعض المُسَوَّدَات القول بجواز استئجار القاضي؛ ليسَجِّل، وهو منطبقٌ على مَنعِ الوجوب الذي هو أظْهَر الوجهين، وكذلك استئجار المُفْتي ليكتب الفتوى.
آخر: قيل: الوجهان في أنه، هل يجوز أن يكون القاضي أُمِّيًّا؟ يمكن بناؤهما على الوجهين في أنه، هل يجب على القَاضِي كتابةُ المَحْضَر والسِّجِلِّ؟ وفي "الوسيط" ما يقرب من هذا لكن يشبه أن يكون هذا الخلافُ في أنَّ القَاضِيَ، هل يجب عليه تحْصِيلُ الكتاب؟ حجَّة للطالب، إما بنفسه أو بغيره، لا في مباشرته الكتابة بنفسه والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: السَّادِسُ: أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ اجْتِمَاعِ الفُقَهَاءِ وَيُشَاوِرَهُمْ لِتَنْتَفِي التُّهْمَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المشاورةُ مستحَبَّةٌ عَلَى ما قال تعالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] قال الحسن البصريُّ -رحمه الله-: كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- غنيًّا عن مشاورتهم، ولكن أراد أن يستنَّ به الحاكمُ بعده، ولأن المشاورة أبعد من التهمة؛ وأطيب لنفوس الخصوم، وإنما يشاورِ العلماءَ الأمناء 1، ويُسْتَحَبُّ أن يَجْمَعَ أصحابَ المذاهِبِ المختلفة؛ ليذكر كلُّ واحد منهم دليلَ مَذْهَبِه: فيتأمل القاضي فيها، ويأخذ الأرجح عنده، ثم الذين يشاورهم، إن شاءَ جمَعَهُمْ عنده، وإنْ شاء أقعدهم ناحيةً، فإذا احتاج، استدعاهم، وموضع المشاورة موضع تعارُضِ الآراء واختلاف وجوه النظر، وأما الحُكْمُ المعلومُ بنَصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ جليٍّ فإنه لا يحتاج فيه إلى مشاورة.
وإذا حضر الذين يشاورهم، فإنما يذكرون ما عندهم، إذا سألهم، ولا يبتدِئُونَ بالاعتراض والرَّدِّ على حُكْمِه، إلا إذا كان حكماً مستَحَقَّ النقْضِ، على ما سيأتي تفصيله.
وقوله في الكتاب "أن يخرج بعد اجتماع الفقهاء"، كالصريح في أنه يُحْضِرُهُمْ قبل أن يجلس للحكم، وهذا، وإن لم يتعرَّضْ له المعظم، يجوز أن يُوَجَّه بأنهم بانتظاره أوْلَى منْه بانتظارهم.
وهذا كقولنا: الإِمام يخرج إلى المصلى بعد اجتماع الناس والله أعلم.
قَالَ الغَزالِيُّ: السَّابِعُ: أَلاَّ يَشْتَرِيَ بِنَفْسِهِ وَلاَ بِوَكِيلٍ مَعْرُوفٍ حَتَّى لاَ يُسَامَحَ فِي البَيْعِ، وَلاَ يَقْبَلَ هَدِيَّةً مِمَّنْ لَهُ خُصُومَةٌ، فَإِنْ قَبِلَهَا فَهُوَ سُحْتٌ، وَفِي دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ وَجْهَانِ، وَمَنْ لا خُصُومَةً لَهُ فلا يَحْرُمُ أَخْذُهُ، والأوَلَى أَلاَّ يَأْخُذَ أَوْ يُثَيبَ عَلَيْهِ إِنْ أَخَذَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: يُكْره 2 للقاضي أن يتولَّى البيع والشراء بنفسه، أما في غير مجْلِس
الحكم: فلأنه قد يُحابَى بسبب القضاء، فيميل قلبه إلى مَنْ حاباه، إذا وقعت بينه وبين غيره حكومةٌ، وربما خاف خَصْمٌ من غائلة مَنْ مَيْلُ القاضي إليه، فيمتنع مِنْ رَفْعِهِ، وأما في مجلس الحكم، فلهذا المعْنَى، وَلِئَلاَّ يشتغلَ قلبه ويتجرَّد النظر والاجتهاد.
وقد رُوِيَ عن شُرَيْح -رضي الله عنه- أنه قال: اشترطَ عَلَّي عمر -رضي الله عنه- حين ولاَّنِي أَلاَّ أُبِيعَ، ولا أُبَاعَ، ولا أَقْضِيَ، وأنا غضبان 1، وسبيله فيما يحتاج إليه مِنْ بيع وشراء أن يوكل، فإذا عَرَفَ الشخْصُ بوكالته، أبْدَلَه بآخر، فإن لم يجد مَنْ يوكِّلُه، عقد بنفسه لضرورة ثم إذا وقعت خصومة لمن عامله، أناب من يحكم بينه وبين خصمه، خوفًا من أن يميل إلَيْه ولا يختص هذا الحُكْمُ بالبيع والشراء بل يعم الإِجارة، والاستئجارُ وسائرُ المعاملات في معناهما بل عن نص الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- في "الأم" أنه لا ينظر في نفقة عياله، ولا أمر ضيعته، ويكله إلى غيره، تفريغًا لقلبه، وعن أبي حنيفة لا يُكْرَهُ له مباشرةُ البَيْعِ والشِّراء.
الثانية: الرِّشْوَةَ محرَّمَةٌ، لما رُوِيَ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: رسولُ الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَعَنَ الله الرَّاشِي والْمُرْتَشِي في الْحُكْم" 2 ولأن الحكم الذي يأخذ عليه المَالَ، إما أن يكون بغَيْر حَقٍّ، فيحرم أخذ المال في مقابَلَتِهِ؛ لأنه حرامٌ، أو يكون بحَقٍّ، فلا يجوز توقيعه 3 على المال، وهذا إذا أخذ من بيت المال رِزْقًا على القضاء.
أما إذا لم يأخذ، فإنَّ الشَّيْخَ، أبا حامد قد ذكر أنه، لو قال للخصمين: لا أقضي بَيْنَكُمَا، حتَّى تجْعَلاَ لِي رِزْقًا، جاز، وحُكِيَ مثْلُه عن القاضي أبي الطَّيِّب وغيره، وهذا كما حكَيْنَا عن القاضي أبي سَعْدٍ الهَرَوِيِّ: أن له أخْذَ الأجرة عَلَى عمله، إن لم يتعيَّنْ عليه القضاء، وإن تعيَّن فكذلك، جواب صاحب التقريب، قال: والأكثرون منَعُوا منْه، = قال في الخادم ما ذكره من الاستنابة في هذه الحالة هو على جهة الندب كما أشار إليه الماوردي.
وقال صاحب الوافي على هذا يكون من الأعذار التي يباح له الاستخلاف لأجله وإن لم يكن أذن له الإِمام فيه.
فأما إذا رزَقَهُ أهل ولايته، أو واحدٌ من الناس، فقد تقدم، ويشبه أن يجوز ذلك، إذا جاز الأخذ من الخصمين 1.
ويحرم على باذل الرشوة البذل، إن كان يبْذُلُها لحُكْمٍ بغيرِ حَقٍّ، أو لدَفْعِ حُكْمٍ بحق، وإن كان يَبْذلَ لِيَصِلَ إلى حقِّه، فلا كفداء الأسير، هذا حكم الرشوة.
وأما الهدايا، فالأَوْلى أنْ يَسُدَّ الباب، ولا يقبلها؛ لأنه أبعد عن التُّهْمَة، ثم يُنْظَر، فإن كان للمُهْدِي خصومةٌ في الحال، حرم قبول هديته؛ لأنه يدعو إلى الميل إليه، وينْكَسِر به قلْبُ خصمه، وإن لم يكن له خصومة، فإن لم يعهد منه الهديَّة، قبل تولِّي القضاء، حَرُم قبول هديته في محلِّ ولايته؛ لأن هذه هديَّةٌ سببها العمَلُ ظاهرًا، وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "هَدَايَا الْعُمَالِ غُلُولٌ" 2 وَيُرْوَى "سُحْتٌ" 3 وهديته في غير محلِّ
ولايته، كهدية من لم يعهد منه الهديَّة قبل تولِّي القضاء؛ لقرابة أو صداقة، ولا يحرم قبولُهَا؛ لأنها ليست حادثةً بسبب العمل.
وحكى صاحب "الشامل": أن بعض الأصحاب حكم بتحريمه، وهو قضية ما أطلقه الماوَرْدِيُّ، فإن زاد المُهْدِي على القَدْر المَعْهُود 1، صارت هديته كهدية من لم تعهد منه الهدية.
وحيث حكمنا: أن القبول ليس بحرام، فله الأخذ والتملُّك، فالأوْلَى أن يثيب عليها، أو يضعها في بيت المال، وإذا قلْنا، بالتحريم، فلو قيل: هل يملك؟ فيه وجهان:
أحدهما: ويُحْكَى عن صاحب "التقريب" نعم؛ لوجود التمليك والقبول.
وأشبههما: لا؛ لأنه قبول محرم، فلا يفيد المِلْك وشُبِّه الوجهان بالوجْهَيْنِ فيمن وهب الماء، وهو محْتَاجٌ إلَيْه للوضوء من غير عَطَشٍ بالمتهب، وذكر العراقيون تفريعًا عَلَى أنه لا يجوز القبول وجهين أو قولين فيما يَصْنَع بها لو قَبِلَ:
أحدهما: أنه يضعها في بَيْت المال.
والثاني: يردها على مالكها، وهذا فيه اضطراب، والقياس ما حكاه أبو الفرج الزاز، وهو أنه إذا لم يملك، ردَّها على مالكها، فإن لم يعرفه، وضَعَها في بيت المالِ.
وإذا عَرَفْتَ أن قَوْلَ الرِّشْوة حرامٌ مطلقًا، وقبول الهدية جائزٌ في بعض الأحوال، طلبت الفرق بينهما، وقلت: باذل المال راضٍ فيهما جميعًا، فَبِمَ نميِّزُ بينهما؟ والذي وجدتُّه في الفرق بينهما شيئان:
أحدهما: في كلام القاضي ابن كج: أنَّ الرِّشْوَة هي التي يُشْتَرَطُ عَلَى باذلها الحُكْمُ بغير الحقِّ، أو الامتناع عن الحكم بالحق، والهدية، هي العطية المطلقة.
والثاني: قال المصنِّف في الاِحياء المال إما أن يُبْذَلَ لغرض آجِلٍ، فهو قربةٌ وصدَقَةٌ، وإن كان لغرض عاجلٍ، فهو إما مالٌ، فهو هبةٌ بشرط الثواب، أو توقُّعِ ثواب، أو عَمَلٌ، فإن كان ذلك العَمَلُ حرامًا أو واجبًا متعينًا، فهو رشوةٌ، وإن كان مباحًا،
فإجارةُ أو جَعالَةٌ، وأما التقرُّب والتودُّد إلى المُهْدَى إلَيْه، وذلك إمَّا أن يطلبه لنفسه، فهو هديَّةٌ، أو ليتوسَّلَ بجاهه إلى أغراض ومقاصد، فإن كان جاهه بالعِلْم أو بالنَّسَب، فهو هدية، وإن كان بالقضاء والعمل، فهو رشوةٌ، والله أعلم.
وقوله في الكتاب: "فإن قبلها، فهو سُحْتٌ" بعد قوله: "ولا يقبل الهدية ممن له خصومةٌ" ولا بأس به ليتبين أن المراد من قوله لا يقبل التحريم؟ وليرتب عليه قوله وفي دُخُولهِ في ملكه وجهان: وقوله: "من لا خصومة له، فلا يَحْرُمُ أخْذُهُ" ظاهر إطلاقه نفي التحريم، إنْ كان المُهْدِي مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ عادَتُه بالهديَّة، وكذلك في "الوسيط" صريحًا، والمشهور خلافه كما بيناه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّامِنُ: أَلاَّ يَعَزِّرَ مَنْ أَسَاءَ أَدَبَهُ فِي مَجْلِسِهِ إِلاَّ بَعْدَ الزَّجْرِ بِاللِّسَانِ والإِصْرَارِ، فَإنْ كَذِبُ الشَّاهِدِ عَزَّرَهُ عَلَى المَلأَ وَنَادَى عَلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيّ: مقصود الفصل أنه كيف يُعزِّر من أساءِ أدبه في مجلسه ومن شهد بالزور عنده، أما الأول، فمن أساء من الخصوم الأدب في مجلسه؛ بأن صرح بتكذيب الشهود، أو ظَهَر منه مع الخصوم لَدَدٌ ومجاوزةُ حَدٍّ، فَيُزْجَرُ عنه، وينهاه، وإن عاد ثانيًا هدَّده، وصاح عليه، فإن لم ينزجِرْ، عزَّره على ما يقتضيه الاجتهاد من التوبيخ وإغلاظ القول له، بأن يقول: أنت متعدٍّ غيْرُ منصف، ومن الحبس والضرب، ولا يحبسه بمجرَّد ظهور اللَّدَدِ، وعن الإِصطخرِّي؛ أنه على قولَيْن، وذكر في التتمة: أنَّه إنما يضربه بالدّرّة، دون السياط إذ الضربُ بالسياط من شأن الحُدُود.
وهذا غيْرُ مسلَّم، بل الضربُ بالسياط مشروع في غير الحدود، ألا تَرَى أن لفْظَ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- في تعزير القاضي شاهِدَ الزُّورِ، حيث قال: عَزَّرَه، ولم يبلغ بالتعزير أربعين سوطًا، ومثال اللدد أن يتوجَّه اليمين على الخَصْم، فيطلب يمينه، ثم يقطعها علَيْه، ويزعم أن له بيِّنَةً ثم يحضره ثانيةً وثالثةً، ويفعل مثل ذلك، وكذا لو حَضَر إنسانًا، وادَّعَى عليه، وقال: لي بيِّنةٌ سأحضرها، وفعل ذلك مرةً ثانيةً وثالثةً إيذاءً وتعنتًا.
ولو اجترأ خصْمٌ على القاضي، وقال: أنتَ تجورُ أو تميلُ أو أنتَ ظالِمٌ، جاز أن يعزِّره، وأن يعْفُوَ عنه: والعفْوُ أولَى؛ إن لم يحمل على ضعفه، والتعزيرُ أَوْلَى إن حُمِلَ عليه.
وأما الثاني: فشهادة الزور من الكبائر؛ يُرْوَى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "عدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالاِشْرَاكِ بِاللهِ تَعالَى" 1 وتلا قوله سبحانه وتعالَى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا
قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30] وإذا ثبت من رجل أنه شهد بالزور، عزَّره القاضي بما يراه من حَبْسٍ وضربٍ وتوبيخٍ، ويشهر حاله، ويأمر بالنداء عليه في سوقه، إن كان من أهل السوق أو قبيلته أو مَسْجِدِهِ، إن كان من أهْل المسجد، تحذيرًا للناس، وتأكيدًا للأمر.
وإنما يثبت شهادة الزور بإقرار الشاهد أو بيقين القاضي؛ بأن شهد عَلَى أنَّ فلانًا زنا يَوْمَ كذا بالكُوفَةِ، والقاضي قد رآه في ذلك اليوم ببغْدَاد، هكذا أطلقه الشافعيُّ -رضي الله عنه- والأصحابُ -رحمهم الله-: ولَمْ يخرجوه على أن القاضِيَ؛ هل يحكم بعلمه؟ ولا يغنى قيام البيِّنَة على أنه شهد بالزور، فقد تكون هذه البينة بينَةُ زُور.
ويجوز إعلام قوله في الكتاب: "عزره، ونادى عليه" بالحاء؛ لأن عن أبي حنيفة: أنه لا يُعَزَّر شاهد الزور، ولا يُنَادَى عليه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: التَّاسِعُ: لا يَقْضِي لِوَلَدِهِ وَلا عَلَى عَدُوِّهِ بَلْ يُحِيلُ عَلَى غَيْرِهِ، فَإنْ قَضَى بِنَفْسِهِ فَفِي النُّفَودِ وَجْهَانِ، فَإِنْ مَنَعْنَا قَضَاءَهُ فَفِي نائِبِهِ وَجْهَانِ، وَوَصِيُّ اليَتِيمِ إِذَا وَليَ القَضَاءَ قَضَى لِلَيتِيمِ عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صور:
إحداها: لا ينفذ قضاءُ القاضي لنفسه 1، ولا لمملوكه القنِّ (2)، وغير القنِّ، ولا
........................1 = ففي حكمه في ذلك الخلاف السابق في صورة الوصي على اليتيم يتولى الحكم ببلد اليتيم.
الصورة الخامسة: الأوقاف التي فيها شرط النظر للحاكم أو انقطع فيها شرط الناظر الخاص وصار النظر لجهة الحكم للحاكم أن يحكم بصحتها وبموجبها وإن كان ذلك يتضمن الحكم نفسه من الاستيلاء والتصرف.
الصورة السادسة: إذا مات من لا وارث له أو من له من الورثة من لا يستغرق ماله وارتفعت إلى الإِمام قضية أو قضية تتعلق بأملاك بيت المال فإنه يحكم في ذلك كله وإن كان فيه استيلاؤه عليه لكن بجهة الإِمامة اغتفر ذلك والقاضي غير الإِمام يحكم في ذلك وإن كان يصرف إليه منه في جامكيته ونحو ذلك ولكن التهمة هنا أبعد منه في الذي قبله وهو قريب من صورة من شهد على شخص بما يقتضي قلته وكان ماله منتقلاً لبيت المال هل يجوز أن يصرف له شيء من ماله، فيه وجهان: وجه الجواز أن تهمة الاستعجال غير محققة فيه لأنه لا يتعين مصرفًا له، وقال المصنف في الروضة في أول الفرائض من زيادته الأصح، والصحيح المنع وليس كما قاله وفي جواز صرفه إلى من أوصى له بشيء وجهان، إلى أن قال في الروضة من زيادته الأصح الجواز.
انتهى.
وقول الشيخ المصنف قد يفهم جواز الحكم على نفسه، قال في القوت: قال الماوردي وأما حكمه على نفسه فقبول وهل يكون إقرارًا أو حكمًا فيه وجهان: أحدهما: أن يكون إقرارًا فعلى هذا يصح في كل ما يصح الإِقرار به ويرد فيما لا يلزم بالإِقرار كشفعة الجواز إذا قال حكمت بها على نفسي للجار لم ينفذ بها حكمه على نفسه.
والثاني: يكون حكمًا على نفسه، فإذا حكم عليها بشفعة الجوار لزمته، وإذا حكم بمقاسمة الإِخوة للجد في الميراث وكان جدًا نفذ حكمه عليها، وان كان الحاكم أخًا له لم ينفذ حكمه لأنه حكم لها.
انتهى.
وقال الشيخ البلقيني: المعتمد أنه لا ينفذ حكمه لئلا يؤدي إلى اتحاد الحاكم والمحكوم عليه، والحاكم لا بدّ أن يكون غير المحكوم عليه ثم ساق المصنف كلام الماوردي وأخذ صاحب الخادم كلام شيخه البلقيي ولم يعزة له على عادته.
لشريكه فيما له فيه شركه 1، ولا لشريك مكاتبه، فيما له فيه شركة، ولا يقضي أيضًا لواحد من أصوله، وإن علا، وفروعه وإن سفلوا، ولا لمملوكه، ولا لشريكه فيما له فيه شركة، ولو فعل، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه لا ينفذ؛ لأنهم أبعاضُهُ، فأشبه قضاءَهُ لنفسه.
والثاني: ينفذ؛ لأن القاضي أسيرُ البَيِّنة، فلا يظهر فيه تُهْمة بخلاف الشهادة؛ فإنَّها تتعلَّق بالشاهد خاصَّةً، فإن أراد أن يَقْضِيَ لهم بعلمه لم ينفذ على الوجْهَيْن جميعًا، وإن جوَّزْنا للقاضي أنْ يقضي بعلمه، وصاحب "التلخيص" عَبَّر عن الخِلاَف في المسألة بقولَيْن مخرجَيْنِ من قولَيْن حكاهما في شهادة الرَّجُل لأصوله وفُرُوعه.
الجديد المشهور: المَنْع، والقديم الجواز، ويجوز أن يقضي القاضي على أصوله وفروعه، كما يقبل الشهادة عليهم.
وفَصَّلَ في "التهذيب" ما يكون حُكْمًا للولد، وما لا يكون حُكمًا له، فقال: يجوز أن يُحْلِفَ القاضي ابْنَه على نَفي ما يُدَّعَى عليه؛ لأنه قطع الخصومة، وليس حكمًا له، وَيَجُوز أن يَسْمَعَ بينة المُدَّعِي على ابنه، ولا يجوز أن يسمع بينة الدفْع من ابنه، وهل يحكم القاضي بشهادة ابنه فيه وجهان 2؛ لأن القضاء بشهادته يتضمَّن تعديله، وإن عدله شاهدانِ، فالمتجه أنه يَقْضِي.
فرع: تحاكَمَ إلَيْه ابنُهُ وأبوه، هل له أن يحكم لأحدهما؟ فيه وجهان منقُولاَن في "المُهَذَّب":
أظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب"، لا، كما لو كانت الخصومةُ لأحدهما مع أجنبيِّ.
والثاني: أن يعارض جانيهما بدفع التهمة.
الثانية: إذا امتنع حكْمُه لنفسه ولأَبعاضه، فالطريق، إذا وقعت له خصومةٌ أو
لبعض أبعاضه، أن يَنْظُرَ فيه الإِمام، أو قاضِي بلدةٍ أخْرَى، وفي نائبه وجهان:
أحدهما: أن ما لا يجوز له لا يَجُوزُ لنائبه.
وأظهرهما: الجواز؛ لأنه حاكمٌ، وإن كان نائبًا، فأشبه سائر الحكَّام.
وبَنَوْا هذا الخلافَ على أن نائب الحَاكِم؛ هل يَنْعَزِل بموته وانعزاله؟ إن قلْنَا: لا، فقد ألحقْنَا بالحكَّام المستقبلين.
الثالثة: كما لا يقضي لولده، لا يقضي على عدُوِّه، اعتبارًا بالشهادة، هذا هو المشهور والمذكور في الكتاب، وقال القاضي الماوَرْدِيُّ في "الأحكام السلطانية": يجوز له أن يحكم عليه، بخلاف الشهادة؛ لأن أسباب الحكم ظاهرة، وأسبابَ الشهادةِ خفيَّةٌ، وهذا يشكل بالتسوية بينهما في حَقِّ الأبعاض.
الرابعة: إِذا كانَ لليَتِيمِ وَصيٌّ، فَولَى قضاءَ البَلْدَة، فهل له أن يَسْمَع البَيِّنَة لليتيم ويحكم له؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه أجاب ابن الحَدَّاد: لا؛ لأنه إذا حَكَم، فقد أثبت الولاية لنَفْسِهِ.
وأصحُّهما: نعم، وبه قال القَفَّال؛ لأن القاضي يَلِي أمر الأيْتام كلِّهم، وإن لم يكن وصيًّا من قبل، فلا تُهْمَةَ والله أعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيّ: العَاشِرُ أَلاَّ يَنْقُضَ قَضَاءَ نَفْسِهِ وَقَضَاءَ غَيْرِهِ إِلاَّ إِذَا خَالَفَ أَمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ أَوْ مَظْنُونًا بِخَبَرٍ وَاحِدٍ أَوْ بِقِيَاسٍ جَلِيٍّ، وَلَمْ يَنْقضْ عُمَرُ قَضَاءَهُ فِي مَسْأَلَةِ المُشَرِّكَةِ، والنَّصُّ أَنَّهُ يَنقُضُ قَضَاءَ مَنْ حَكَمَ بِنِكَاحٍ المَفْقُودِ زَوْجُهَا بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مَعَ أنَّهُ مَذْهَبُ عُمَرَ، وَيُنْقَضُ قَضَاءُ الحَنَفِيِّ فِي خِيَارِ المَجْلِسِ والعَرَايَا وَذَكَاةِ الجَنِينِ لِظُهُورِ الخَبَرِ، وَفِي القَتْلِ بالمُثَقَّلِ لِظُهُورِ القِيَاسِ، وَإِذَا لَمْ يَنْقَدِحْ في نَفْسِهِ إمْكَانُ الصَّوَابِ انْقِدَاحًا لَهُ وَقْعٌ مَا، فَلَهُ النَّقْضُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل يحوج إلى التعرُّض لقواعد:
إحداها: الأصول التي يَقْضِي بها القاضي، ويفتي بها المُفْتِي؛ كتاب الله تعالى، وسنّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والإجْمَاعُ والقياسُ، وقد يقتصر على الكتابِ والسُّنَّة، ويُقَال: الإِجماعُ يَصْدُر عن أحدهما، والقياس الردُّ إلى أحدهما فهما الأصلان.
وهاهنا مسألتان:
إحديهما: قول الواحد من الصحابة، إن لم ينتشر فيهم فهل هو حجة؟ فيه قولان:
القديم، نعم، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اقْتَدُوا باللّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي؛ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" 1 وأنه قال: "عَلَيْكُم بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ مْنْ بَعْدِي" 2 وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ" 3 وأيضًا فإن قوله إن استند إلى نصٍ، وجب اتباعه، وإلا، فاجتهاده أقوى؛ لأنه شاهد الوحْيَ وسمع الألفاظ ورأى القرائن.
والجديد: لا، لأنَّهُ غير معْصُومٍ عن الخطأ، فأشبه التابعي ولأن غيره يساويه في
آلة الاجتهاد، فلا يكون قوله حجةً عليه، وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ وغيره؛ أن مالكًا وأحْمَدَ -رحمهما الله- قالا بِالقَوْلِ الأول، وأن أصحاب أبي حنيفة قالوا: إن خالف قولٌ القياسَ، فهو توقيفٌ تقدَّم على القياس، وعلى ذلك بِنوا الحكْمَ في نَذْرِ ذَبْحِ الولد؛ لقول ابن عباس -رضي الله عنهما- ثم في موضع القولَيْن طريقان فعن أبي بكر الصيْرَفِيِّ، والقفَّال أيضًا: أن القولين، فيما إذا لم يكُنْ مع قوله قياسٌ أصْلاً، أما إذا كان معه قياسٌ ضعيفٌ، فيحتج به، ويرجح على القياس القوي، وقال الأكثرون: لا فَرْقَ، فإنْ قلْنَا: بالقديم، وجب الأخْذُ به، وترك القياس، وفي تخصيص العموم به وجهان: وجْهُ الْجَوَازِ أنَّه يجوز تخصيصه بالْقِيَاسِ فيما تقدم عليه أولَى، ووجه المنع: أنهم كانوا يتركون أقوالهم بالعموميات، فأولى أن يَتْرَكَها غيرهم، فإن قلْنا: بالجديد، فهو كقول سائر المجتهدين.
نعم، لو تعارَضَ قياسان، أحدهما يُوَافِقُ قولَ الصحابيِّ، قال صاحبُ الكتاب في الأصول: قَدْ يَمِيلُ نفْسُ المجْتَهِد إلى ما يوافق قوْلَ الصحابيِّ، ويرجح عنده، هذا إذا لم ينتشر قوله، فإن انتشر، فإما أن يخالفه غيره ويوافقه سائر الصحابة، ويقولوا بمثل ذلك أو يسكتوا، فإن خالفه غيره، فعلَى الجَدِيد، هو كاختلاف سائر المجتهدين، وعلى القديم هما حُجَّتَان تعارضَتَا.
فإن اختص أحد الطرفين بكثرة العَدَد، أو بموافقة أحد الخلفاء الأربعة يُرَجِّح، نصَّ عليه في القديم في موافقة أبِي بَكْرٍ وعمرَ وعُثْمان -رضي الله عنه- وعلي -عليه السلام- في معناهم، لكنه اكتفى بذكرهم، وقيل بخلافه؛ لأنهم كانوا في دار الهجرة، والصحابةُ متوافرون، وكانوا في حكمهم وفتواهم يتشاورون، وعليٌّ -رضي الله عنه- انتقل إلى الكوفة، وتفرَّقَتِ الصحابةُ، ولم يُوجد واحدٌ من الأمرين في وَاحِدٍ من الطرفين أو وجد في كل واحدٍ منهما أحد الأمرين فهما سواء.
ولو كان في أحَدِ الطرفين أبو بكر وعمر، وفي الآخر عليٌّ وعثمانُ -رضي الله عنهم-، فيستويان، أو يترجَّح طرف الشيخين؟ فيه وجهان، ويشبه أن يَجِيءَ مثْلُهما في تعارُضِ الشيخَيْنِ حتَّى يستوي الطرفان على وجه، ويترجح طَرَفُ أبي بكْرٍ على الثاني، وإن وافقه سائرُ الصحابة، وقالوا بما قاله، فهذا إجماعٌ منهم على الحُكْم، ولا يُشْتَرَطُ فيه انقراضُ عَصْرِ المجمعين على أصحِّ الوجهين، ولا يتمكن أحد منهم من الرجوع، بل يكون قوله الأول مع قول سائر المجمعين حجَّةٌ عليه، كما هو حجة على غيرهم.
وإن سكتوا، فاختيار صاحب الكتاب في الأصُولِ أنه لَيْسَ بحُجَّة، والمشهُور عنْدَ الأصحاب خلافُهُ؛ لأنهم، لو لمَ يساعِدُوه، لاعْتَرَضُوا عليه، نعم، ذكروا وجهين في أنَّه، هَلْ يعدُّ ذلك إجماعًا؟ قال القاضي الرويانيُّ: وهذا إذا لم تظهر أمارات الرضا ممن
سكت، فإن ظهرت، فهو إجماع بلا خلاف، قالوا: وأصحُّ الوجهين هاهنا انقراض العصر في كونه حجَّةً أو إجماعًا وهل يُفرق بين أن يكون ذلك القولُ مجرَّد فتوى أو حكمًا من إمام أو حاكم؟ فيه طرق عن ابن أبي هريرة: أنه، إن كان فتوى وسكَتُوا، انتهضت الحجة، وفي الحكم بخلافه؛ لأن الاعتراض على الإِمام ليس من الأدب، فلعل السكُوتَ كان لذلك، وعن أبي إسحاق عكْسُه؛ لأن الحكم يَصْدُر عن مشاورة ومراجعة.
وقال الأكثرون: لا فَرْقَ وكانوا يعترضون عَلَى الإِمام؛ كما يعترضون على غيره، ألا تَرَى أنهم خالفوا أبا بكر في الجَدِّ، وعمر -رضي الله عنه- في المُشَرّكة، هذا إذا نُقِلَ السكوتُ، أما إذا لم ينقلْ قَوْلٌ ولا سكوتٌ فيجوز ألاَّ يلحق بهذا، ويجوز أن يستدل به على السكوت؛ لأنه لو قال شيئًا، لنقل كما نقل اختلافهم في مسائل الاختلاف.
المسألة الثانية: قد يستحسن والشيْءُ بدليل يقوم عليه في كتاب أو سنة، أو إجماعٍ، أو قياسٍ، فيتبع ويستحسن لأَمْرِ يهجس في النفْس أو لعادةِ الناس من غير دليلٍ، أو على خلافِ الدليل، وهذا لا يجوز اتباعه وبناءُ 1 الحكْمِ عليه، وعن أبي حنيفة -رضي الله عنه- أنه يتبع ما يستحسن بالعادَةِ ويُتْرَكُ له القياس، وخَبَرُ الواحد دون الكتاب والسنة المتواترة، ومثل ذلك بقوله في أربعة شَهِدُوا على رجل بالزِّنا في بيْتٍ واحدٍ.
وعين كلُّ واحد منهم زاويةً غَيْرَ ما عين أصحابه، أن القياس أن الشهود قَذَفَةٌ يُحَدَّونَ، وتُرَدّ شهادتهم 2 ولكنِ استحْسَنَ قبول شهادتهم ورجم المشهود عليه، وفسر متأخرو أصحابه الاستحسان بأن يترك القياس بالسنة، وربما قالوا: هو القول بأقوى القياسين.
وعلى هذا فلا خلاف بيننا وبينهم.
القاعدة الثانية: اختلفتْ عباراتُ الأصحاب في تقسيم القياس، والأقرب إلى كلام الشافعيِّ -رضي الله عنه- أن القياس نوعان جليٌّ وغيْرُهُ، أما الجَلِيُّ، فهو الذي يُعْرَفُ به موافقةُ الفرع للأصل، بحيث لا يبقى احتمالُ مفارقتها، أو يبعد ذلك، كظهور التحاق الضرب بالتأفيف في قوله تعالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23] وما فوق الذرة في قوله تعالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 8] وما فَوْقَ النَّقِير، بالنقير في قوله تعالَى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124] والدينار بالقنطار في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ من إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75] والقنطار بالدينار في قوله عَزَّ وَجَلَّ:
﴿وَمِنْهُمْ من إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75] ومن عرف شيئًا من هذه النصوص، لم يرتِّب في هذه الإِلحاقات؛ لأن الفروع أولَى بهذه الأحكام من الأصول.
وبعض الأصحاب لم يسم هذا النوعَ قياسًا، ويقول: هذه الإلحاقات مفهومة من النصوص ويقرب منها التحاقُ العمياء بالعوراء، في حديث المَنْع من التضحية بالعوراء 1، ويليها التحاق سائر التغيرات المزعجة بالغضب، في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَقْضِي الْقَاضيِ، وَهُوَ غَضْبَانُ" 2 وسائر الميتات بالفأرة وغير السَّمْن بالسَّمْن، في قوله في الفأرة تقع في السَّمْنِ، إن كان جامدًا فألقوها، وما حَوْلَها، وإن كان مائعًا فأرِيقُوهُ".
والغائط بالبَوْلِ في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ" 3.
ومن الجلِيِّ ما ورد النصّ فيه على العلة، كما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الرَّافَّةِ" 4 وجعل ذِكْرَ المعاني في ترتيب الأحكام عليها، كما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- سَهَا، فسجد 5، وأن ماعِزًا زنى، فرُجِمَ 6، وأن بريرة عَتَقَتْ، فخُيِّرَت 7 عن النصِّ على العلة، وكذلك قولُه تعالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 20، 21] لأنه بَيَّنَ أن العلة الإِفضاء.
والنوع الثاني: وهو غير الجَلِيِّ، وهو ما لا يزيل احتمال المفارقة، ولا يبعده كل البعد فمنه ما كانت العلَّة فيه مستنبطةً، كقياس الأرز على البر، بعلَّةِ الطّعْم، وعن ابن القاصِّ أنه من الجَليِّ أيضًا، والظاهر الأوَّلُ، ومنه قياس الشبه، وهو أن تُشْبِهَ الحادثةُ أصلَيْن، إِما في الأوصاف، بأن يشارك كلُّ واحد من الأصلين في بعض المعاني، والأوصاف الموجودة فيه أو في الأحكام، كما أن العبد يشارك الأحرار في بعض الأحكام والأقوال في بعضها، فيُلْحَقُ بما المشاركة معه أكثر من الأصلين.
وربما يُسَمَّى قياس الشبه خفيًّا والذي قبله من غير الجَلِيِّ واضحًا، وربما خص اسم الجلِيِّ ببعض النوع الأول وهو ما كان الفرع فيه أولَى بحكم الأصل، وسمى ما عداه واضحًا، وهذه أمور اصطلاحية.
القاعدة الثالثة: للأصحاب طريقان في المسائل الشرعية الَّتِي هي محَلُّ الاختلاف واختلاف المجتهدين.
أشهرهما: أنَّ فيها قَوْلَيْنِ:
أصحهما: أن الحقَّ فيها واحدٌ، والمجتهد مأمور بإصابته، ومن ذهب إلى غيره فهو مخطئٌ، لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" 1 وأيضًا فإنَّ الصحابَةَ -رضي الله عنهم- خَطَّأَ بعْضُهم بعضًا في مسائل الاختلاف.
وروي عن أبي بَكْر -رضي الله عنه- أنه قال في الكلالة أقول فيها بِرَأْي إنْ كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمنِّي، وأستغفر الله 2 ويُرْوَى مثله في وَقَائِع مختلفةٍ عن عُمَرَ وعليٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنهم 3 - فَدَلَّ ذلك على أن المجتهدين، إصابة وخطأ.
والثاني: أن كل مجتهد مصيبٌ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منْهُم مأمورٌ بالعمل بما أداه اجتهاده إليه، وغير الحق يؤثر بالعمل به، ولأنه لو لم يكُنْ كذلك، لَتَبرأ الأولُونَ ممَّن يُخالف الحقِّ، ولمنعوهم كما فَعَلُوا بمانعي الزكاة.
والطريق الثاني: القطع بالقول الأوَّل، قال أبو إسحاق والقاضي أبو الطَّيِّب، فإن قُلْنَا: إن المُصِيبَ واحدٌ، فالمخطئُ معذورٌ غير آثم، وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ: أن القاضي أبا بكر الأشعريَّ حَكَى عن أبي عليِّ بْنِ أبي هريرة: أن المخطئ آثمٌ المذهب الأَوَّلُ، والخبر السابق دليلٌ عليه، وعلام يُؤْجَرُ المخطئ؟ فيه وجهان؛ عن أبي إسحاق:
أحدهما: وهُوَ ظاهرُ النصِّ، واختيار المزنيِّ -رحمه الله-: أنه يُؤْجَرُ علَى القَصْد إلى الصواب، ولا يُؤْجَرُ علَى الاجتهاد؛ لأنه اجتهاد أفْضَى به إلى الخَطَأ، وكأنه لم يسْلُكِ الطريق المأْمُورَ به.
والثاني: أنه يُؤْجَرُ عليه، وعلى الاجتهاد جميعًا؛ لأنه بَذَلَ ما في وسعه في طلب الحق، والوقوف عليه، وربما سلك الطريق في الابتداء، ولم يَتيسَّر له الإِتمام.
وإن قلنا: إن كل مجتهدٍ مصيبٌ؛، فهل نقول: الحكْمُ والحَقُّ في كل واحد من المجتهدين: ما غلب وعلى ظنِّه، أو نقول: الحقُّ واحدٌ، وهو أشبه مطلوب إلاَّ أنَّ كلَّ واحدٍ منهم مُكَلَّفٌ بما غلب على ظنه، لا بإصابة الأشبه؟ فيه وجهان:
اختيار صاحب الكتاب منهما الأوَّل، وبالثاني أجاب أصحابنا العراقِيُّون، وحكَوْه عن القاضي أبي حامد، والدَّارِكِّي.
وهذه قواعد أصوليةٌ تكلَّمْنا فيها على طريقة المذْهَبَيْن.
ولم نشبع إذا عَرَفْتَ ذلك، فمهما قضى القاضي بالاجتهاد، ثم بَانَ له الخطأُ في قضائِهِ، فله حالتان:
إحداهما: أنه، إذا بان أنه خالَفَ أمرًا مقطوعًا به، كنصِّ كتابٍ، أو سنةٍ متواترةٍ أو إجماعٍ، أو مظنونًا ظنًّا محكمًا بخَبَرِ الواحِدِ، وبالقياسِ الجَلِيِّ؛ لزمه نقض قضائه.
رُوِي أن عمر -رضي الله عنه- كان يفاضل بين الأصابع في الدِّيَة؛ لتفاوت منافعها حتى رُوِيَ له الخَبَرُ في التَّسْوية، فنقض حكمه 1، وأنه كتب إلى أبي موسَى -رضي الله عنه-: لا يمنعك قضاء قَضَيْتَه، ثم راجعْتَ فيه نَفْسَكَ، فَهُدِيتَ لرُشْدِهِ، أن تَنْقُضَهُ، فإنَّ الحق قوام، لا يَنْقُضُهُ شَيْءٌ، والرجُوعُ إلَى الحَقِّ، خَيْرٌ من التمادِي في البَاطِلِ 2، وعن عليٍّ -رضي الله عنه- أنه نقص قضاءَ شُرَيْحٍ -رحمه الله- بأنَّ شهادة المولى لا تُقْبَلُ بالقياس الجَلِيِّ، وهو أن ابن العم يَقْبَلُ شهادته مع أنه أقرب من المولى.
وهل عَلَى القاضي تعريفُ الخصمين صُورةً الحَالِ؛ ليترافعا إليه، فينقض الحكم حكى القاضي ابن كج عن ابن سُرَيْجٍ: أنه لا يجب إذا عَرَّفاه أنه بأن الخطأ، فإن ترافعا إليه، نقض، وعن سائر الأصحاب: أنَّه يجب، وإنْ علما أنه بَانَ الخَطأ؛ لأنهما قد يَتَوَهَّمَان أنَّه لا ينقض الحُكْم، وإن بأن الخطأ فيعرفهما أنه على النقض؛ ليترافعا إليه، هذا إذا كان الحكم فيما يتعلَّق بحقوق الآدميِّين.
فإن كان فيما يتعلَّق بحدود الله تعالَى: فيبادر إلى تداركه، إذا بان الخطأ، وما لا يمكن تداركه، فحكم الضمان فيه، على ما هو مذكورٌ في مَوْضِعِهِ.
الحالة الثانية: إذا ظَهَرَ بقياسٍ خَفِيٍّ، رَجَحَ عنْده على ما حَكَم به، ورأى الصواب، فيحكم من بعد في أخوات الحادثة، بما ظهر له، ولكنْ لا يُنْقَضُ قضاؤه الأول، بل يمضيه؛ لأن الظنون المتعادِلَةَ لو نُقِضَ بعضُها ببعْض؛ لما استمر حكم، ولشق الأمر على الناس، ومشهورٌ من عُمَرَ -رضي الله عنه- أنه حَكَم بِحِرْمَانِ الأخ من الأبوين في المشرّكة، ثم شرك بعد ذلك، ولم ينقض قضاءه الأول، وقال: ذلك على ما قضيناه، وهذا على ما نقضي.
وما ينقض به قضاء نفسه، ينقض به قضاء غيره وما لا ينقض لا ينقض، لا فرق بينهما إلا أنَّه لا يتبع قضاء غيره وإنما ينقضه، إذا رُفِعَ إليه، وله أن يتبع قضاء نفسه؛ لينقض، ولو كان المتصدِّي للْقَضَاء قبله، مِمّنْ لا يَصْلُحُ لِلقَضَاء؛ ففي "المهذَّب" و"التهذيب" وغيرهما: أنه يَنْقُضُ قضاياه كلَّها، أصاب فيها أو أخْطَأ؛ لِصُدُورها ممَّنْ لا يَنفُذُ حكمه.
وقوله في الكتاب: "إلا إِذَا خالف أمرًا مقطوعًا به أو مظنونًا بخبر واحدٍ أو بقياسٍ جَلِيٌّ" يجوز إعلامه بالحاء والميم؛ لأن عن أبي حنيفة ومالكٍ -رحمهما الله- أنَّه لا يُنْقَصُ بخبر الواحد هو القياسِ الجليِّ، ولا بِكُلِّ مقطوعٍ به، وإنما يُنْقَضُ إذا بان له مخالفةُ الإِجماع، ولا ينقض ما وافق قول بعض العلماء، ثم لم يفيا بهذا الضبط، فعن أبي حنيفة أنه ينقض قضاء من بدأ القسامة بيمين المُدَّعِي، ومن أبطل السراية في العتق، ومن صحَّح بيع متروك التَّسْمية، ومن قضى بالشاهد واليمين.
وعن مالك: أنه لا ينقض قضاء من أثبت الشفعة للجار، فهذا هو القول الجُمَلِيُّ في الحكم الذي يُنْقَضُ، والذي لا يُنْقَضُ، وحاول في الكتاب ضَبْطَ ذلك، فقال: "وَإِذا لم ينْقَدِحْ في نَفْسِهِ إمكانُ الصَّوَاب انقداحًا له، وقْعٌ فله فَلَهُ النَّقْضُ" وذلك في النصوص، لصحة موردها، وصراحَةِ لفظها، وبُعْدِها عن قبول التأويل، في الأقيسة موضحها وموافقتها الأصول، وإذا لم تكُنْ كذلك، وتقارب النظران، فلا نقض، ويختلف الحال في ذلك بالمجتهدين، وآحاد الأدلَّة ثم تكلَّموا في صُوَرٍ فردةٍ.
منْهَا: لو قضى قاضٍ بصحَّةِ نكاحِ المفقودِ زوْجُها بعْدَ أربع سنين، ومضَى مدة العدة؛ ففيه وجهان:
أشهرهما، وهو ظاهر النص: حكمه منقوض بمخالفة القياس الجليِّ؛ بأنْ يُجْعَلَ حيًّا في المال، فلا يُقْسَمُ على ورثته، ويُجْعَلُ ميتًا في النكاح.
والثاني: المنع، كما في معظم المجْتَهَداتِ، قال القاضي الرُّويانيُّ: وهو الصحيح، وقرب من هذا الخلافِ الخلافُ في نقض قضاء مَنْ قَضَى بحصول الفرق في اللعان، بأكثر الكلمات الخَمْس، وبسقوط الحد عمن نكح أمة، وَوَطِئَها.
ومنْها: قضاء الحنفيِّ ببطلان خيار المجْلِس والعرايا بالتقييد الذي يجوزه.
وفي ذكاة الجنين، قيل: إنه منقوض؛ لظهور الأخبار وبُعْدِها عن التأويلات الَّتِي يدعونها، وكذلك في الْقَتْل بالمُثَقِّل؛ لأنه على خلاف القياس الجَلِيِّ في عصمة النفوس، وهذا ما أورده الإِمام، وصاحب الكتاب، وبمثله أجاب محقِّقون في الحُكْم بصحة النكاح بلا وَليِّ.
وفي بيع أُمِّ الولد، وثبوت حرمة الرَّضَاع بعد الحولَيْن، وصحَّة النكاح بشهادة الفاسِقين من غير إعلان، ونكاح الشِّغَار، ونكاح المُتْعَة، وفي الحُكْم بقتل المسلم بالذمِّيِّ، وبأنه لا قصاصَ بَيْن الرَّجُل والمرأة، في الطرف، وبجريان التوارُثِ بيْنَ المُسْلِم والكافر، ويردّ الزوائد مَعَ الأصلِ في الردِّ بالعيب على ما ذهب إليه ابن أبي لَيْلَى.
ومن الأصحاب من منع النقض 1؛ وقال: هي مسائلُ اجتهاديَّةٌ، والأدلَّةُ فيها متقاربةٌ، قال القاضي الرويانيُّ: وهو الصحيح، وكذلك ذكره القاضي ابن كج في الحُكْم ببطلان خيار المجلس، ويوافقه ما ذكرناه في باب النكاح، في الحُكْم بالنكاح بلا وليِّ، ويُنقَضُ قضاء من حَكَمَ بالاستحسانِ الفَاسِد.
فَرْعٌ: ما ينقضه من الحُكْم إذا كتب به إليه، فلا يخفى أنَّه لا يقبله، ولا ينفذه، وأما ما لا ينقضه، ويرى غيره أصْوَبَ منه.
فقد حكَى القاضي ابن كج عن نصِّ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- أنه يعرض عنْه، ولا ينفذه، كما لا ينقضه؛ لأن التنفيذ إعانةٌ عَلَى ما هو خطأٌ عنْدَهُ.
وقال ابن القاضِّ في "أدب القاضي": لا أحب أن ينفذه، كما لا يبتدئ الحُكْم بما يرى غَيْره أصوب منْه، وفي قوله: "لا أحب" إشعار بأصل التجويز، فيشبه أن تكون المسأَلَةُ على وجهين، وقد صَرَّح بنقلها أبو الفرج السرخسيُّ -رحمه الله- فقال: إذا رُفِعَ إليه حكم الحاكم قَبْلَه، فلم يرَ فيه ما يقتضي النقض، لكن أدى اجتهاده إِلَى غيره، فوجهان:
أحدهما: أنه يعرض عنه.
وأصحهما: أنه ينفذه، وهذا ما عليه العمل، وبه قال أبو حنيفة: أنه لو حكم بنَفْسِه، ثم تغيَّر اجتهاده تغيرًا لا يقتضي النقض، وترافع خَصْمًا الحادِثَةِ إلَيْه، فإنه يمضي حكْمَه الأول، وإن أدى اجتهادُهُ إلى أن غيره أصْوَبُ منه.
فَرْعٌ: المقلِّد المستقْصَى للضرورة، لو حكم بمَذْهَبٍ غَيْرِ مقلِّده؛ قال صاحب الكتاب في الأصول: إن قلْنا لا يجوز للمقلِّد تقْلِيدُ من شاء، بل عليه اتِّبَاعُ مقلَّده الذي هو أعْلَمُ عنده؛ فينقض حكمه، وإن جوَّزْنا له تقليد مَنْ شاء، فلا ينقض والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ثُمَّ الحُكْمُ عِنْدَ اللهِ فِي البَاطِنِ لاَ يَتَغَيَّرُ (ح)، وَلا يَحِلُّ لِلشَّفْعَوِيِّ شُفْعَةُ الجَارِ وَإِنْ قَضَى بِهَا لَهُ الحَنَفِيُّ وَلَكِنَّ القّاضِي لا يَمْنَعُهُ مِنَ الطَّلَبِ اعْتِمَادًا عَلَى اعْتِقَادَ نَفْسِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حكم القاضِي قسمان:
أحدهما: ما ليس ناشئًا، وإنما هو تنفيذٌ لما قامَتِ الحجَّةُ عليه، فينفذ ظاهرًا، لا باطنًا، حتَّى لو حكم بشهادة الزور وبظاهر التعديل، لم يفد حكمه الحِلَّ باطنًا، سواءٌ كان الحكْمُ بمال أو نكاحٍ أو غَيْرِهِما، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنِيفَةَ -رحمه الله- يَنْفُذُ في العقودُ والفسوخُ ظاهرًا وباطنًا، حتى إذا قَضَى القاضِي بالنِّكَاح بشهادَةِ الزُّور، حَلَّ للمشهود له وَطْؤُها، وإذا قضى بالطلاق، حرم على المشهود عليه الوطءَ وساعدنا في الأملاك المطْلَقَة، أنه لا يَنْفُذُ فيها إلا ظاهِرًا؛ لنا: ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّمَا أنَا بَشَرٌ، وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِليَّ، وَلَعَل بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجتِّهِ مِنْ بَعْضٍ، فأَقْضِي لَهُ عَلَى مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلا يَأْخُذَنَّهُ، إِنَّما أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ" 1 ويُرَوى "إنما أحْكُمُ بالظَّاهِرِ، واللهُ يَتَوَلَّى السَّرائِر" 2.
وأيْضًا فإنه قضَى بشهادة الزور، فلا يفيد الحِلَّ، كالأملاك المطْلَقَة، وإذا كان المحكوم به نكاحًا، لم يحلَّ للمحكوم له الوطء، وعليها الامتناع والهرب ما أمكنها، فإن أُكْرِهَتْ، فَلا إِثْمَ عليها، وعن الشيخ أبي حامد أن المحكوم له، زانٍ، إذا وطئ، محدود.
ولم يأخُذْ به صاحبُ "الشامل"، والقاضي الرويانيُّ؛ لأن أبا حنيفة يجْعَلُها منكوحةً بحكم القاضي، فيكون وَطْؤُه وطئًا في نكاح مختلَفٍ في صحته، وهو شُبْهة دارئةٌ للحدِّ.
ولو كان المحكوم به الطلاقَ، حل للمَحْكُوم عليه وَطْؤُها، إن ظِفَرَ بها، لكنَّهُ يُكْرَهُ؛ لأنه يعرِّض نَفْسَهُ للتُّهْمَة، والحدِّ، وينفى التوارُثُ بينهما، ولا يُنْفَى النفقة؛ للحيلولة، وإذا تزوَّجت بآخر فالحِلُّ مستمر للمحكُومِ عليه.
نعم لو وَطِئَها الثاني جاهلاً بالحال، فهو وطءُ شبْهةٍ، فتحرم في مدة العدة على الأول، وإن كان الثاني عالمًا، أو نكَحَها أحَدُ الشاهِدَيْن، فقد قبل: إن وَطْأه لا يحرمها على الأول، ويوجب الحدَّ عليه، والأشبه ما ذكره الروياني؛ وهو أنه يُجْعَلُ وطء شبهةٍ؛ لما سبق، قال: وقد سَمِعْتُه من بعْضِ شيوخِنَا في النَّظَرِ، ولم أره في كتب المذهب.
والقسم الثاني: الإنشاءاتُ؛ كالتفريق بين المتلاعِنَيْن، وفسخ النكاح بالعَيبْ، والتسليط على الأخْذِ بالشفعة، وما أشبههما، فإن ترتَّبت على أصْلٍ كاذبٍ، فالحُكْمُ كما في القسم الأول.
ومثاله؛ الفسخ بعَيْبٍ قامت عليه شهادةُ زُورٍ وإن ترتَّبت على أصلٍ صادقٍ، مما لم يكُنْ في محل اختلاف المجتهدين، فهو نافذ ظاهرًا وباطنًا، وما كان مختلفًا فيه فينْفَذ ظاهرًا، وفي الباطن وجهان:
أحدهما: المنع، وبه قال الأستاذ أبو إسحاقَ الإِسفرايينيُّ؛ لتعارض الأدلة، وتقابل النظر.
والثاني: أنه يَنْفُذُ، لتَتَّفِقَ الكلمةُ، ويتم الانتفاع، وإلا فإذا حكم الحنفيُّ للشافعيِّ بما لا يعتقده الشافعيُّ، لم يتهيأ للشافعيِّ الأخذ، وإذا حكم الشافعيُّ عَلَى الحنفيِّ بما يعتقده، سرفه الحنفي، إذا وجد فرصةً، وقد أشِيرَ إلَى هذا، بناءً هذا الخلاف.
على أن كلَّ مجتهد مصيبٌ؛، أو الصَّوابُ في واحدٍ، إن قلْنا بالأول، نفَذَ ظاهرًا وباطنًا.
وإن قلنا بالثاني، لم ينفذ باطنًا وفي "التهذيب" وجه ثالث فارِقٌ بين من يعتقد حكمه من الخصْمَيْن، فنفذ في حقِّه باطنًا أيضًا، ومن لا يعتقد، فلا ينفذ، وهذا يشبه الخلاف في = لنا من أعمالكم، أخرجه البخاري، وحديث أبي سعيد رفعه: إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، وهو في الصحيح في قصة الذهب الذي بعث به علي، وحديث أم سلمة الذي قبله، وحديث ابن عباس الذي بعده.
أنَّه، إذا اقتدى الحنفي بالشْفَعَوِيِّ تعين 1 اعتقاد الإِمام اعتقاد المأموم، وإذا منَعْنا النفاذ باطنًا، أما مطلقًا أو في حق من لا يعتقده، فلا يحل للشافعيِّ الأخذُ، إذا حكم له الحنفيُّ بشفْعَة الجوار، أو بالتَّوْرِيثِ بالرَّحِمِ، وهذا ما أورده في الكتاب.
والأصحُّ عند جماعة؛ منهم صاحب "التهذيب"، والشيخ أبو عاصم العباديُّ: أنه ينفذ باطنًا في حقِّ من يعتقده، وفي حق من لا يعتقده، وإذا قيل بما في الكتاب، فمنعه القاضي ظاهرًا؛ لاعتقاده أو لا يمنعه لاعتقاد نَفْسه، حكي في "الوسيط" فيه ترددًا، والصحيحُ: أنه لا يُمْنَعُ ومَنْ منعه، فقد قال: لا ينفذ القضاءُ في حقِّه، لا ظاهرًا، ولا باطنًا 2.
وقوله في الكتاب: "ثم الحكم عند الله تعالَى في الباطن لا يتغيَّر مُرَتَّبٌ؛ على الكلام في الحُكْم الذي يُنْقَضُ، والذي لا يُنْقَضُ، إشارةً إلى أنه، وإن لم ينقض في الظاهر فإنَّه لا يُحِلُّ الحكْمَ في الباطن.
وليُعْلَمْ قوله: "ولا يَحِلُّ للشَّفْعَوِيِّ شُفْعة الجَارِ" بالواو، وكذا قوله: "ولكنَّ القاضي لا يمنعه من الطلب" لما قد تبين.
فَرْعٌ: قال في التهذيب: هل يُقبَل شهادة الشاهد على ما لا يعتقده كالشافعي يشهد بشفعة الجار؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا كما لا يقضي القاضي بخلاف ما يَعْتَقِدُه.
والثاني: نعم؛ لأنه مجتهد فيه والاجتهاد إلى الشاهد 3.
فَرْعٌ: لو تقدَّم إلى القاضي خَصْمَان، وقالا: بَيْنَنَا خصومةٌ في كذا ففصلها القاضي الذي كان بيننا، وحكم بكذا، ولكنَّا نريد أن نستأنف الحُكْم بيننا باجتهادك، ونرْضَى بحكمك واجتهادِكَ، فهل يجيبهما إليه، أو يتعيَّنُ إمضاء الحكم الأول، ولا يُنْقَضُ الاجتهادُ بالاجتهادِ؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجْهَيْنَ:
أشبههما: الثاني.
هذا تمام الكلامِ في الآداب العَشَرَةَ الَّتي أودعها هذا الفَصْل، وهي غير محتومة إلا