العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 144-183

كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِ

صفحات 144-183

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَمَجَامِعُ الخُصُومَاتِ تَدُورُ عَلَى خَمْسَةٍ: الدَّعْوَى وَالجَوَاب وَاليَمِينُ وَالنُّكُولُ وَالبَيِّنَةُ، الأَوَّلُ: الدَّعْوَى وَفِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى فِيمَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الدَّعْوَى، وَمَنْ غُصِبَ مِنْهُ شَيْءٌ وَقدَرَ عَلَى اسْتِرْدَادِهِ قَهْراً مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِ فِتْنَةٍ جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَلزَمْهُ الرَّفْعُ إِلَى القَاضِي، فَإِنْ كَانَ حَقُّهُ عُقُوبَةً فَلاَ بُدَّ مِنَ الرَّفْعِ إِلَى القَاضِي، وَإنْ كَانَ حَقُّهُ دَيْناً وَمَنْ عَلَيْهِ مُقِرٌّ مُمَاطِلٌ فَلاَ بُدَّ مِنْ رَفْعِهِ، وَإِنْ كَانَ يَتَعَذَّرُ رَفْعُهُ بِتَعَزُّزِهِ أَوْ تَوَارِيهِ فَإنْ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ فَلَهُ أَخْذُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ظَفِرَ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ فَقَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يقال: ادَّعَيْتُ على فلان كذا ادِّعَاءً.
والاسْمُ الدَّعْوَى، والادِّعَاءُ: افتعالٌ 1 من الدَّعْوَةِ؛ كان المُدِّعِي يَدْعُو المدِّعي 2 إلى نَفْسِهِ 3، ولا يُشْتَرَطُ في وقوع اسْمِ المُدِّعي على الشَّخْصِ من جهة اللُّغَةِ أن يكون المُدَّعَى في يَدِ غيره، أو في ذِمّتِهِ،

بل يقع الاسْمُ عليه مع كون الشَّيْءِ عنده.
ومنه الادِّعَاءُ في الحَرْبِ، وهو الاعتزاز بأن يقول: أَنا فلان ابن فلان.
وقيل: الدَّعْوَى في اللغة التَّمَنِّي؛ ومنه قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: 31].
وأما لَفْظَةُ البَيِّنَةِ فهي بَيِّنَةٌ، والأحاديث التي هي أُصُولُ الباب مَشْهُورَةٌ، نحو ما رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" 1 ويُرْوَى: "لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ، لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأمْوَالَهُمْ" 2. ويُرْوَى أن رَجُلاً من "حَضْرَمَوْتَ" وآخَرَ مِن "كِنْدَةَ" أَتَيَا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال الحَضْرَميُّ: يَا رَسُولَ الله: إن هذا غَلَبَنِي على أَرْضٍ لي كانت لِأَبِي، فقال الكِنْدِيُّ: هي أَرْضِي في يَدِي أَزْرَعُهَا، ليس له فيها حَقٌّ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لِلْحَضْرَمِيِّ: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ ". قال: لا.
قال: "فَلَكَ يَمِينٌ".
قال: يا رَسُولَ الله: إن الرَّجُلَ فَاجِرٌ لا يُبَالِي على ما حَلَفَ عليه -قال: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلاَّ ذَلِكَ" 3. هذا تَمْهِيدُ الكتاب.
قال حُجَّةُ الإِسلاَم: "وَمَجَامِعُ الخُصُومَاتِ تَدُورُ على خمسة: الدعوى، والجَوَاب، واليَمِينُ، والبَيِّنَةُ، والنُّكُولُ".
وذلك لأن المُتَخَاصمين في الخُصُومَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، أحدهما طالب، وطَلَبُ الحَقِّ هو: الدَّعْوَى، وحُجَّتُهُ عليه: البَيِّنَةُ، والآخر مَطْلُوبٌ منه، فإن أجاب بالإقْرَارِ فذاك، وإن أَنْكَرَ فَحُجَّتُهُ اليَمِينُ، وإن نكَلَ لم يُقْنَعْ منه بذلك، بل تُرَدُّ اليَمِينُ على الطَّالِبِ، وكلام الكتاب في بَيَانِ هذه الأمور الخَمْسَةِ، وأحكامها.
الأول: الدَّعْوَى -وفيه مَسَائِلُ:

إحداها: في أن المستحقّ متى يَحْتَاح إلى المُرَافَعَةِ والدَّعْوَى، والحَقُّ إما عُقُوبَةٌ أو مَالٌ؛ إن كان عُقُوبَةً كالقِصَاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، فَلاَ بُدَّ فيه من الرَّفْعِ إلى الحَاكِمِ، لعظم خَطَرِهِ، والاحتياط في [إثباته] 1 أَوَّلاً 2، واسْتِيفَائِهِ على ما تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ من وجوه الناس ثانياً.
وإن كان مَالاً، فهو إما عَيْنٌ، أو دَيْنٌ؛ إن كان عَيْناً، فإن قَدَرَ على اسْتِرْدَادِهَا من غير تَحْرِيكِ فتنة، اسْتَقَلَّ به، وإلا فَلاَ بُدَّ من الرَّفْعِ 3. وأما الدَّيْن فإن كان مَنْ عليه مُقِرّاً غَيرَ مُمْتَنِعٍ من الأداء، فَيُطَالِبُهُ لِيُؤَدِّيَ، وليس له أن يَأْخُذَ شَيْئًا من مَالِهِ؛ لأن الخِيَارَ في تَعْيِينِ المال المَدْفُوعِ إلى مَنْ عليه، فإن خَالَفَ وَأَخَذَ شَيْئًا من مَالِهِ رَدَّهُ، فإن تَلِفَ عنده وَجَبَ ضَمَانُهُ، فإن اتَّفَقَا جاء خِلاَفُ التَّقَاصِّ، وإن لم يكن كذلك، فإمَّا أن يُمَكَّنَ من تحصيل الحَقِّ منه بالقَاضِي، أَوْ لا يُمَكَّنَ.
إن لم يمكن بأن كان مُنْكِراً ولا بَيِّنَةَ لصاحب الحَقِّ، فله أن يأخذ جِنْسَ حَقِّهِ من مَالِهِ، إن ظَفِرَ به، ولا يَأْخُذُ غَيْرَ الجِنْسِ، وهو ظَافِرٌ بالجنس.
وفي "التهذيب" وَجْهٌ: أنه يجوز، وإن لم يَجِدْ إلا غَيْرَ الجنس.
حَكَى جَمَاعَةٌ من الأصحاب منهم الفَوْرَانِيُّ [والإمام] 4، وصاحب الكتاب في جواز

الأَخْذِ قولين 1: أحدهما: المنع؛ لأنه لا يَتَمَكَّنُ من تَمَلُّكِهِ، وليس له أن يَبِيعَ مَالَ غَيْرِهِ لنفسه.
والثاني: الجَوَازُ -وهو الَّذِي أَوْرَدَهُ عَامَّةُ الأَصْحَاب -رحمهم الله- لما رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ هِنْداً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ -إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجْلٌ شَحِيحٌ وَإِنَّهُ لاَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ سِرّاً وَهُوَ لاَ يَعلَمُ- فَهَل عَليَّ في ذَلِكَ شَيْءٌ؟ فقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" 2 جَوَّزَ لها الأخْذَ من غير فَرْقٍ بين الجِنْسِ وغير الجنس.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: يأخذ جِنْسَ حَقِّهِ، ولا يَأْخُذُ غَيْرَ الجِنْسِ، إلا أن يكون حَقُّهُ الدَّرَاهِمَ، فيأخذ الدَّنَانِيرَ، وبالعكس.
وعن أحمد أنه لا يَأْخُذُ الجِنْسَ، وهذه رواية عن مَالِكٍ، والأَشْهَرُ عنه، أنه [إن] 3 لم يكن على المَدْيُونِ دَيْنٌ آخر، فله أَخْذُهُ، وإن كان فلا يأخذ إلا قَدْرَ حِصَّتِهِ، وإن أَمْكَنَ تحصيل 4 الحق بالقاضي؛ بأن كان مُقِرّاً، لكنه يَمْتَنِعُ من الأَدَاءِ، أو كان مُنْكِراً، وللمستحق بَيِّنَةٌ، فهل يَسْتَقِلُّ بالأخذ، أم تجب 5 المُرَافَعَةُ؟ فيه وجهان: أحدهما: المَنْعُ من الاسْتِقْلاَلِ، كما لو أَمْكَنَهُ تَحْصِيلُ الحَقِّ بالمُطَالَبَةِ والتَّقَاضِي.
ومن قال بهذا، قال: لو كان مُنْكِراً ولا بَيِّنَةَ، ولكن صاحب الحق يَرْجُو إِقْرَارَهُ لو أحضره عند القَاضِي، وعَرَضَ عليه اليَمِينَ، وجب إِحْضَارُهُ أيضاً.
وأصحهما: على ما ذكر القَاضِيَانِ: أبو الطيب، والروياني ويُحْكَى عن أبي إسحاق وابن أبي هُرَيْرَةَ أنه يَجُوزُ الاسْتِقْلاَلُ 6، لحديث هِنْدٍ بأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يَأْمُرْهَا بالمُرَافَعَةِ؛ لأن في المرافعة مُؤْنَةً ومَشَقَّةً وتَضْيِيعَ زَمَانٍ، والمذكور في الكتاب هو الوَجْهُ الأول.
وقوله: "وإن تَعَذَّرَ رَفْعُهُ بِتَعَزُّزِهِ، أو تَوَارِيه، فإن ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ، فله أخذه".
الحكم على ما ذَكَرَهُ مَنُوطٌ بِتَعَذُّرِ رَفْعِ الخَصْمِ إلى القاضي.
وعلى هذا فالغَائِبُ كالمُتَعَذِّرِ والمُتَوارِي، وكذلك هو في كلام الإِمَامِ ونَاَطَ صاحب "التهذيب" وغيره الحُكْمَ بِتَعَذُّرِ

تحصيل الحَقِّ لا بتعذر رفع الخصم، وقَضِيَّتُهُ أن يكون الغَائِبُ والمُتَوَارِي والمتعذر كالحاضر المقر؛ لإمْكَانِ تَحْصِيل الحَقِّ منهم، بإقامة البَيِّنَةِ عند القَاضِي.
ولا بَأْسَ لو أعلم قوله: "فله أخذه" بالميم والأَلف؛ لما سَبَقَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِنْ قُلْنَا: يَأْخُذُ فَيَرْفَعُهُ إلَى القَاضِي حَتَّى يَبِيعَ فِي حَقِّهِ بَعْدَ إِقَامَةِ البَيِّنَةِ عَلَى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ المَالَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِالبَيْعِ بِجِنْسِ حَقِّهِ، وَقِيلَ: بَلْ يَتَمَلَّكُ مِنَ العَيْنِ بِمِقْدَارِ حَقِّهِ، وَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ البَيْعِ وَالتَّمْلُّكِ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يُبَادِر إِلَى البَيْعِ حَتَّى نَقَصَتِ القِيمَةُ، فَهُوَ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَظْفَر إِلاَّ بِمِتَاعٍ يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ لَمْ يَضْمَنِ الزِّيَادَةَ وَإِنْ تَلِفَ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي حَقِّهِ فِي أَخْذِهِ حَتَّى لَوْ نَقَّب الجِدَارَ لِيَأْخُذَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْبِ، وَفيهِ وَجْهٌ أنَّهُ يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ، وَلَوْ كَانَ حَقُّهُ دَرَاهِمَ صِحَاحاً فَأَخَذَ المُنْكَسِرَةَ وَرَضِيَ بِهَا جَازَ، وَإِنْ كَانَ بالعَكْسِ لَمْ يَجُزْ إلاَّ أَنْ يَبِيعَ بِالدَّنَانِيرِ وَيَشْتَرِيَ بِهَا جِنْسَ حَقِّهِ، وَلَوْ جَحَدَ مَنْ عَلَيْهِ الحَقُّ وَلَهُ عَلَى المُسْتَحقِّ مِثْلُهُ جَازَ لَهُ أَيْضَاً أَنْ يَجْحَدَ وَيَحْصُلَ التَّقَاصُّ لِلضَّرُورَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مهما جَازَ للمستحق أن يَأْخُذَ مَالَ مَنْ عليه، فلو لم يَصِلْ إلى المال إلا بِكَسْرِ الباب، وثُقب الجِدَارِ، مُكِّنَ مِنه، ليصل إلى حَقِّهِ، ولا يضمن ما فَوَّتَهُ، كمن لم يَقْدِرُ على دَفْعِ الصَّائِلِ إلا بإتلاف 1 ماله، فَأتْلَفَهُ لا يَضْمَنُ.
ونقل بَعْضُهُمْ وَجْهاً: أنه يَضْمَنُ، ثم إذا كان المَأْخُوذُ من جِنْسِ الحق، فله تَمَلُّكُهُ 2، وإن لم يكن من جِنْسِهِ، لم يكن له التَّمَلُّكُ.
وحكى الإِمام وَجْهاً: أنه يَتَمَلَّكُ منه بقَدْرِ حَقِّهِ، ويَسْتَقِلُّ بِالمُعَاوَضَةِ، كما يستقل بالتَّعْيِينِ عند أَخْذِ الجِنْسِ.

والمشهور الأول، وما الذي يفعل به؟ أَيَرْفَعُهُ إلى القاضي لِيَبِيعَهُ، أو يَسْتَقِلُّ؟ فيه وجهان 1 ويُقَالُ: قولان 2. أحدهما: أنه يرفع الأَمْرَ إليه، وإلا فكيف يلي التَّصَرُّف في مال غيره لنفسه.
والثاني: أن له أن يَبِيعَهُ بِنَفْسِهِ، وامْتِنَاعُ مَنْ عليه يُسَلِّطُهُ على البيع، كما يسلّط على الأَخْذِ.
وإيرَادُ الكتاب يَقْتَضِي تَرجِيحَ الأَوَّل، إلا أن العِرَاقِيِّينَ، والقاضي الرُّويَانِيَّ، وأَبَا الحسن العَبَّادِيِّ ذكروا أن الأصَحَّ الثاني.
وبه أجاب صاحب "التهذيب"، ولكن فيما إذا كان القاضي جَاهِلاً بالحال، ولا بَيِّنَةَ للأخذ 3. وأما إذا كان القَاضِي عَالِمَاً، فَظَاهِرُ المذهب أنه لا يَبِيعُهُ إلا بِإذْنِهِ.
وبنى الشَّيْخُ أبو محمَّدٍ في "السلسلة" الخِلاَفَ في المسألة على الخِلاَفِ في أن مُلْتَقِطَ اللَّقِيطِ إذا وَجَدَ معه مَالاً مَشْدُوداً على ثَوْبِهِ، وأراد إِنْفَاقَهُ عليه، هل يرفع الأَمْرَ إلى القاضي أم يَسْتَقِلُّ به؟ هكذا وضع الخلاف في الإِنْفَاق.
ويُحْكَى مِثْلُ هذا عن القَفَّالِ، لكن المذكور في باب اللَّقِيطِ، أنه لا يَسْتَقِلُّ بالإِنْفَاقِ من غير التَّعَرُّض لخلافٍ فيه، وإنما الخِلاَفُ في أنه، هل يَسْتقِلُّ بالحِفْظِ؟ فإن أَلْزَمْنَاهُ الأَخْذَ، ورفع الأمر إلى القاضي، فهل للقاضي أن يَأْذَنَ له في بَيعِهِ، أو يفوضه 4 إلى غيره؟ حكى الشيخ أبو حَاتِم القزويني فيه وجهين، والأَشْبَهُ الأَوَّلُ.
وكيف طريقه عند الرفع؟ ذُكِرَ في الكتاب، أن القَاضِي يَبِيعُهُ عليه بعد إِقَامَةِ البَيِّنَةِ على اسْتِحْقَاقِ المال، وهذا يُبْطِلُ فَائِدَةَ تَجْوِيزِ البَيْعِ عند العَجْزِ عن البَيِّنَةِ.
وقيل: يُوَاطِئُ رَجُلاً يُقِرُّ له بالحَقِّ، ويمتنع من الأداء ويقر له الأَخْذ بالمال حتى يَبِيعَهُ القاضي، وهذا إِرْشَادٌ إلى الكَذِبِ من الطرفين.
ويضعف التَّفْرِيع على وُجُوبِ الرَّفْع، يُقَوِّي وَجْهَ الاستقلال بالبيع ثم عند البَيْع إن كان الحَقُّ من جِنْسِ نَقْدِ البلد، فيباع المَأْخُوذُ به، وإن لم يكن، فإن ظَفِرَ بثَوْبٍ، وَالدَّيْنُ حِنْطَةٌ، فيباع الثوب بنقد البلد، ويشتري به الحِنْطَة.
وحكى الإمَامُ -قَدَّسَ الله رُوحَهُ- عن مُحَقِّقِي الأصحاب -رحمهم الله- أنه يجوز أن يَشْتَرِيَ الحِنْطَةَ بالثَّوْبِ، ولا يَتَوَسَّط النقد 5 بينهما، وقد سَبَقَ نَظِيرُهُ وهل يكون

المَأْخُوذُ مَضْمُوناً على الآخِذِ حتى إذا تَلِفَ قبل البَيْعِ والتملك، تَلِفَ من ضمانه؟ فيه وجهان: في وجه نعم 1؛ لأنه أَخَذَهُ لِغَرَضِ نَفْسِهِ، فأشبه المُسْتَامَ وبل أَوْلَى؛ فإن المَالِكَ لم يَأْذَنْ فيه، ولأن المُضطَرَّ إذا أخذ ثَوْبَ الغَيْرِ لدفع الحَرِّ، وتَلِفَ فِي يَدِهِ يَضْمَنُ وكذلك هاهنا وفي آخر: لا؛ لأنه مَأْخُوذٌ للتَّوثُّقِ والتَّوَصُّلِ به إلى الحَقِّ، فأشبه الرَّهْنُ وإذن الشرع في الأَخْذِ، يَقُومُ مَقَامَ إِذْنِ المالك.
وهذا أَصَحُّ عند القاضي الرُّوياني، والأول أَقْوَى في المعنى، وهو الذي أَوْرَدَهُ الصَّيْدَلاَنِيُّ، والإمام، وصاحب الكتاب -رحمهم الله [وايَّانا] 2 -. وإذا قِيل به ينبغي أن يُبَادرَ إلى البَيْعِ بِحَسَبِ الإِمْكَانِ فإن قصر، فَنَقُصَتْ قِيمَتُهُ,ضَمِنَ النُّقْصَانَ.
وإذا فرض في القيمة انْخِفَاضٌ وارْتفَاعٌ، وتَلِفَ، فهي مَضْمُونَةٌ عليه بالأكثر، كذلك ذكره في "التهذيب".
ولو اتَّفَقَ ردّ العين، لم يضمن نُقْصَانَ القيمة، كالغَاصِبِ ولو باعه، وتَمَلَّكَ ثَمَنَهُ، ثم وفَّي المُسْتَحَقّ دَيْنَهُ عليه، ففيما علق عن الإِمام: أنه يجب أن يَرُدَّ إليه قِيمَةَ المَأْخُوذِ؛ كما إذا 3 ظَفِرَ المالك بغير جِنْسِ المَغْصُوب من 4 مال الغاصب 5، وأخذه، وبَاعَهُ، ثم رَدَّ الغَاصِبُ المَغْصُوبَ، كان على المَالِكِ: أن يَرُدَّ قِيمَةَ ما أَخَذَهُ وباعه، لكن أَخْذَ المستحقِّ، وبَيْعَهُ، وتَمَلُّكَهُ بالثمن، نَازِلٌ مَنْزِلَةَ دَفْعِ المستحق عليه.
وما دام المَغْصُوب باقياً، فهو المُسْتحقّ، والقيمة تؤخذ لِلْحَيْلُولَةِ، فإذا رَدَّ العين، فَتُرَدُّ القيمة؛ كما لو دفع القِيمَةَ بِنَفْسِهِ.
وهاهنا المستحق الدَّيْن، فإذا باع وأخذ، فما ينبغي أن يَرُدَّ شيئاً، ولا أن يُوفّر عليه بعد ذلك شَيْءٌ -والله أعلم-.

وليس له الانْتِفَاعُ بالعَيْنِ المَأْخُوذَةِ.
فإن انْتَفَعَ، فعليه أُجْرَةُ المِثْلِ.
ثم في باقي الفصل صُوَرٌ: إحداها: لا يأخذ المُسْتَحِقُّ أَكْثَرَ من حَقِّهِ؛ إذا أَمْكَنَهُ الاقْتِصَارُ عليه، فإن زاد، فالزِّيَادَةُ مَضْمُونَةٌ عليه، فإن لم يمكنه، بأن يُوفّر عليه بعد ذلك شَيْءٌ -والله أعلم-.
وليس له الانْتِفَاعُ بالعَيْنِ المَأْخُوذَةِ.
فإن انْتَفَعَ، فعليه أُجْرَةُ المِثْلِ.
ثم في باقي الفصل صُوَرٌ: إحداها: لا يأخذ المُسْتَحِقُّ أَكْثَر من حَقِّهِ, إذا أَمْكَنَهُ الاقْتِصَارُ عليه، فإن زاد، فالزِّيَادَةُ مَضْمُونَةٌ عليه، فَإِن لم يمكنه، بأن لم يَظْفَرْ [إلا] 1 بِمَتَاع تزيد قِيمَتُهُ على حَقِّهِ 2، فإن قلنا: لو كان المأخوذ قَدْرَ حَقِّه كان مضمُوناً عليه.
ففي الزِّيَادَةِ وجهان: أحدهما: أنها مَضْمُونَةٌ كالأصل.
وأرجحهما: على ما يَقْتَضِيهِ نظم الكتاب: المنع؛ لأنه لم يأخذه بحَقِّهِ، وهو مَعْذُورٌ في أخذه؛ إن قلنا: إن المَأْخُوذَ بقدر الحَقِّ لا يضمن، فكذلك الزِّيَادَةُ.
وإن كان المأخوذ أَكْثَرَ من الحق، فإن كان مما لا يتجزأ 3، بَاعَ منه بقدر حَقِّهِ.
وينبغي في رَدِّ الباقي إليه بِهِبَةٍ ونحوها.
وإن كان مما لا يتجَزَّأ 4 فإن قَدَرَ على بَيْعِ البَعْضِ، مما هو حِصَّتُهُ لو بيِع الكل؛ باعه، ويسعى في رَدِّ الباقي على ما ذكرنا، وإن لم يَقدر عليه، باع الكل، وأخَذَ من ثمنه قَدْرَ حَقِّهِ، ويُحْفَظُ الباقي إلى أن يرد عليه, ذكره ابْنُ الصَّبَّاعِ, والقاضي الروياني.
الثانية: لو كان حَقُّهُ دَرَاهِمَ صِحَاحًا، وظَفِرَ بالمُكَسَّرِ، فله أن يَأْخُذَهَا، ويتملكها بحَقِّه.
وإن استحق المُكَسَّرَةَ، وظَفِرَ بالصِّحَاحِ، حكى الإِمام فيه طريقين:

أحدهما: جَوَازُ الأَخْذِ لاتحاد (1) الجِنْسِ.
والثاني: أنه على الخِلاَف المَذْكُور فيما إذا ظَفِرَ بغيرِ الجِنْسِ, لاخْتِلاَفِ الغَرَضِ باخْتِلاَفِ الصِّفَاتِ، كاخْتِلاَفِهِ باختلاف الأَجْزَاءِ.
وإذا كان أخذها لم يكن له أن يَتَمَلَّكَهَا, ولا أن يَشْتَرِيَ بها المُكَسَّرَةَ، لا مع التَّفَاضُلِ لما فيه من الرِّبَا ولا بِصِفَةِ التسَاوِي؛ لاختلاف المالية، والإِجْحَافِ بالمَأْخُوذِ منه، ولكن يَبِيعُ صِحَاحَ الدَّرَاهِمِ بالدِّنَانِيرِ يَشْتَرِي بها الدَّرَاهِمَ المُكَسَّرَةَ.
الثالثة: شخصان، ثَبَتَ لكل واحد منهما على الآخَرِ مِثْلُ ما للآخر عليه.
ففي حصول التَّقَاصِّ, أَقْوَالٌ معروفة، أَوْرَدَهَا صاحب الكِتَابِ في كتاب الكتابة.
فإن قلنا: لا يحصل التِّقَاصُّ، وجَحَد أحدهما حَقَّ الآخر فهل للآخر أن يَجْحَدَ حَقَّةُ؟ قال في "الوسيط" فيه وجهان يلتفتان (2) إلى الظَّفَرِ بغير جِنْسِ الحَقِّ [كان اختلاف] (3) الدينين بمَثَابَةِ اختلاف الجنس (4)؛ كما ذكرنا في اخْتِلاَفِ المَالَيْن في الصِّحَّةِ والتَّكْسِيرِ.
والمذكور في الكتاب؛ أن له أن يَجْحَدَ، ويحصل التِّقَاصِّ لِلضَّرُورَةِ، وهو مُوَافِقٌ لما مَرَّ في تَجْوِيزِ الأَخْذِ عند الظَّفَرِ بغير الجِنْسِ، ومَوَاضِعِ العَلاَمَاتِ من (5) الفصل لا تخفى.

فرع

: كما يجوز الأَخْذُ من مال الغَرِيمِ الجَاحِدِ، أو المماطل، يجوز الأخْذُ من مال غَرِيمِهِ، كما إذا كان لِزَيْدٍ على عَمْرو دَيْنٌ، ولعمرو على بَكْرٍ مِثْله، يجوز لزيد أن يَأْخُذَ مَالَ بَكْرٍ بِمَالِهِ على عمرو، ولا يمتنع من ذلك رَدّ عمرو إِقْرَار بَكْرٍ له، ولا جُحُود بَكْرٍ استحقاق زيد على عمرو 6. آخر: جحد دَيْنَهُ، وله عليه صَكٌّ بِدَيْنٍ آخْر قد قَبَضَهُ، وشهود الصَّكِّ لا يعلمون12345

القَبْضَ؛ قال القاضي أبو سَعْدٍ: يَدَّعِي ذلك، ويقيم البَيِّنةَ، ويقبضه بِدَيْنِهِ الآخر.
وفي فتاوى القَفَّالِ: أنه ليس له إِقَامَةُ أولئك الشهود؛ لأنهم لو شَهِدُوا، وقال المدعى عليه؛ إني قَضَيْتُ ما شهدوا به، واسْتَحْلَفَهُ، لم يكن له الحلف، وذلك يَدُلُّ على أن ما يَشْهَدُونَ به غير ما يَدَّعِيهِ 1. والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ فِي حَدِّ المُدَّعِي وَفِيهِ قَوْلاَنِ: (أَحَدُهُمَا): أنَّهُ الَّذِي يُخَلَّي وَسُكُوتَهُ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ الَّذِي يَدَّعِي أَمْراً خَفِيّاَ عَلَى خِلاَفِ الظَّاهِرِ فَلَوْ أَسْلَمَا قَبْلَ المسِيسِ فَقَالَ: أَسْلَمْنَا مَعَاً وَالنِّكَاحُ دَائِمٌ بَيْنَنَا وَقَالَتْ: بَلْ عَلَى التَّعَاقُبِ فَالزَّوْجُ هُوَ الَّذِي خُلِّيَ وَسُكُوتَهُ لَكِنَّ المَرْأَةَ هِيَ الَّتِي تَدَّعِي أَمْرَاً ظَاهِراً، فإنَّ تَسَاوُقَ الإِسْلاَم بَعِيدٌ، فَالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُخَرِّجُ عَلَى القَوْلَيْنِ، وَأَمَّا المُوَادَعُ إِذَا ادَّعَى رَدّ الوَدِيعَةِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ لِلرُّخْصَةِ، وَلِأَنَّهُ اعْتُرِفَ لَهُ بِالأَمَانَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَرَفْنا بالخَبَرِ، أن البَيِّنَةَ على المُدَّعِي، واليَمِين على من أَنْكَرَ.
واستُنْبِطَ سَبَبُهُ؛ فقيل: جانب المُنْكِرِ أقْوى، لمُوَافَقَتِهِ الظاهر، والبَيِّنَةُ أَقْوَى من اليمين لِبَرَاءَتِهَا عن تُهْمَةِ جَلْبِ النفع.
فَجُعِلَتِ البَيِّنَةُ على المُدَّعِي لتجبر قوة الحجةِ ضعفَ الجَنَبةِ، وَمُنِعَ من المنكر بالحُجَّةِ الضعيفة، لقوة جَنَبته، وهذه القاعدة تُحْوِجُ إلى مَعْرِفَةِ المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه.، ليُطَالَب هذا بِحُجَّتِهِ، وهذا بحجته، إذا تَخَاصَمَا، فجعل صاحب الكتاب المسألة الثانية: في حَدِّ المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه وفيه قولان: أحدهما: أن المدَّعِي من المُتَخَاصمين هو الذي لو سَكتَ خُلِّيَ، ولم يُطَالَبْ بشيء، والمُدَّعَى عليه من لا يُخلَّي ولا يُقْنعُ منه بالسُّكُوتِ.
والثاني: أن المُدَّعِي من يذكر أَمْراً خَفِيّاً يخالف الظَّاهِرَ، والمُدَّعَى عليه من يُوَافِقُ قَوْله الظاهر.
فإذا ادَّعَى زيد دَيْناً في ذِمَّةِ عمرو، أو عَيْناً في يَدِهِ، وأنكر، فزيد هو الَّذِي لو سكت ترك، وهو الذي يذكر خلاف الظاهر؛ لأن الظَّاهِرَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ عَمْرِو، وفَرَاغُ يَدِهِ عن حَقِّ الغَيْرِ.
وعمرو هو الذي لا يترك وسكوته، ويوافق قوله الظاهر.
فزيد مُدَّعٍ بموجب العِبارَتَيْن.
وعمرو مُدَّعَى عليه، ولا يَخْتَلِفُ موجبهما في الأَغْلَب؛ وقد يختلف: كما إذا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ قبل المَسِيسِ، واختلفا، فقال الزوج: أَسْلَمْنَا معاً،

والنِّكَاحُ بَاِقٍ بَيْنَنَا، وقالت المَرْأَةُ: بل على التَّعَاقُب، ولا نكاح بيننا.
فإن قلنا: إن المُدَّعِي من لو سَكَتَ تُرِكَ.
فالمَرْأَةُ المدَّعِيَةُ، والزوج مُدَّعَى عليه؛ لأنه لا يُتْرَك لو سكت؛ فإنها تَزْعُمُ انْفِسَاخَ النِّكَاحِ.
فيختلف، ويحكم باسْتِمْرَارِ النِّكَاحِ إذا حلف.
وإن قلنا: إن المدَّعَى، من يخالف قوله الظاهر، فالزَّوْجُ، هو المُدَّعِي؛ لأن التساوق 1 الذي يَزْعمُهُ، خِلاَفُ الظاهر، والمرأة: مُدَّعَى عليها لِمُوَافَقَتِهَا الظَّاهِرَ، فتحلف، وإذا حَلَفَتْ، حُكِمَ بارتفاع النكاح.
ولو قال الزوج: أَسْلَمَتْ قبلي، فلا نِكَاحَ، ولا مَهْرَ.
وقالت: بل أَسْلَمْنَا معاً، وهما بحالهما، فقوله في الفراق يلزمه 2. وأما المَهْر: فالقول قَوْلُ الزَّوْجِ، إن قلنا: إن المُدَّعَى عليه، مَنْ يُوَافِقُ قَوْلُهُ الظَّاهِرَ.
لأن التَّعَاقُبَ الذي يدعيه، هو الظَّاهِرُ.
وقول المرأة إن قلنا: إن المُدَّعَى [عليه] 3، من [لا] 4 يترك لو سكت؛ لأنها لا تُتْرَك بالسكوت؛ إذ الزوج يزعم سقوط المَهْرِ.
فإذا سكت ولا بَيِّنَةَ، جُعِلَتْ نَاكِلَةً.
وحلف الزَّوْجُ، وحُكِمَ بالسُّقُوطِ، وقد يوهم إِيرَادُ الفوراني؛ أن القَوْلَيْنِ في حَدِّ المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه مَنْصُوصَانِ.
لكن المُعْتَمَدُ المَشْهُور، أنهما مُسْتَننْبَطَانِ من اختلاف قول الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- في مسألة إسْلاَمِ الزوجين.
وقد ينبه الخلاف في الفَرْعِ على الخلاف في الأصْل المَبْنِيِّ عليه، والأظهر منهما على ما يُشْعِرُ به لَفظُ "المختصر" ويقتضيه كلام أكثر 5 الأصْحَابِ.
وصرح به الروياني أن المُدَّعِي مَنْ يخالف الظَّاهِرَ، والمُدَّعَى عليه من يُوافِقُهُ.
قال الأئمة: والأُمَنَاءُ الذين يصدقون في الرَّدِّ بيمينهم مُدَّعُونَ؛ لأنهم يَزْعَمُونَ الرَّدَّ الذي هو خِلاَفُ الظاهر.
لكن اكتفى منهم باليمين؛ لأنهم أَثْبَتُوا أيديهم لغرض المَالِكِ، وقد ائْتَمَنَهُمْ، فلا يَحْسُنُ تكليفهم بينة على الرد.
وتَكَلَّفَ أبو الحسن العَبَّادِيُّ فقال: إنهم يَدَّعُونَ ما يوافق الظَّاهِرَ؛ لأن المَالِكَ قد سَاعَدَهُمْ على الأَمَانَةِ، حيث ائْتَمَنَهُمْ، فهم يَسْتَبْقُونَ الأمانة، وهو يزعم ارْتِفَاعَهَا، فكان الظَّاهِرُ معهم.
قال: وأما على الحَدِّ الآخر، فهم المدعى عليهم؛ لأن المَالِكَ هو الذي لو سَكَتَ ترك، قال القاضي الروياني وغيره: وقد يكون الشَّخْصُ مُدَّعِيًا ومُدَّعى عليه في المُنَازَعَةِ الواحدة؛ كما في صورة التَّحَالُفِ.
هذا منقول الأصحاب في هذا المَوْضِعِ، وَوَرَاءَهُ كَلِمَاتٌ:

أحدها: يمكن أن يعكس ما ذكروه من البناء ويُقَال: إن قلنا: إن المُدَّعِي من تُرِكَ وسكوته، والمُدَّعِي في مسألة اختلاف الزوجين، إنما هو الزَّوْجُ.
لأن النكاح حقه، فلو تركها ولم يطالبها، تُرِك، وهي لا تُترَك لو سكتت، وأعرضت، فإن 1 قلنا: إن المدعي: من يخالف الظَّاهِر، فهي المدعية؛ لأنها تزعُمُ ارْتفَاعَ النِّكَاحِ، والظاهر دَوَامُهُ.
والثانية: ما المعنى بالظَّاهِرِ في قولنا: إن المُدَّعِي من يُخَالِفُ الظاهر أيعني به مُطْلَقَ ما يَدُلُّ عليه دَلِيلٌ؟ أم يعني الظَّنَّ الأَرْجَحَ والأَغْلَبَ؟ استصحاب 2 ما كان من وُجُودٍ، أو عدم؟ إن عَنَيْنَا الأَوَّلَ، لَزِمَ أن يكون كُلُّ واحد من المُتَدَاعِيَيْنِ أبداً؛ لأن دليلاً ما يَدُلُّ على صِدْقِ هذا، وآخر يَدُلُّ على 3 بَرَاءَةِ هذا.
وإن عَنَيْنَا الظَّنَّ الأغلب والأرجح، فهذا يختلف بالأَشْخَاصِ، والأَحْوَالِ، والقرائن الوَاقِعَةِ في الحَادِثَةِ.
فَتَارَةً؛ يغلب على الظَّنِّ صِدْقُ الطالب، وأخرى صِدْقُ المنكر.
وإن عَنَيْنَا استصحاب ما كان فلم تجعل المَرْأَةُ مُدَّعى عليها: إذا قلنا: إن المدعى عليه، من يُوافِقُ الظَّاهِرَ، وهي لا تستصحب شيئاً، بل ينزل 4 اسْتِصْحَابُ الأصل الذي كان.
والثالثة: لا شَكَّ أن التَّنَازُعَ في كيفية الإِسْلاَمِ ليس مُعَيّناً لِعَيْنِهِ، وإنما الزَّوْجُ يبغي اسْتِدَامَةَ النِّكَاحِ، وهي تَزْعُمُ ارْتِفَاعَهُ، فيشبه أن يقال: كُلُّ واحد منهما مُدَّعٍ بشيء.
فأما الزوج: فإنه في اسْتِدَامَةِ النكاح، وطَلَبِ طَاعَتِهَا، كَطَالَبِ مَالٍ من غيره.
وأما هي: فَدَافِعَةٌ كمن يقول: إنك أَبْرَأْتَنِي، أو إني أَدَّيْتُهُ.
فإن قلنا: يَحْلِفُ الزَّوْجُ فهي على قِيَاسِ دَعْوَى الدوافع.
وقد ذُكر في "التهذيب": أنه الأصح.
وإن قلنا: تحلف المَرْأَةُ، فيشبه تَقَوِّي جانِبِهَا بظَاهِرِ الحال، وان كانت مُدَّعِيَةً؛ كما يحلف المُودِعُ على الرد والهَلاَكِ.
وان كان مُدّعياً للمعنى الذي سَبَقَ، وهذا طريق يغني عن تَخْرِيجِ القَوْلَيْنِ على الأصْلِ المذكور.
واعْلَمْ أن المُرَادَ من قولهم: إن المُدَّعَى عليه: من يُوَافِقُ قَوْلُهُ الظَّاهِرَ، أو من يَدَّعِي أَمْرًا جَلِيّاً، أنه لو أنكر ونَازَعَ الطَّالِب، كان كذلك.
لأنه 5 يَتَوَقَّفُ كونه مُدَّعى عليه، على أن ينكر، ويُنَازع.
وقوله في الكتاب في حق المودع؛ "يصدق بيمينه للحاجة" وفي بعض النسخ: "للرخصة" معناه: أنه يُسْتَثْنَى من قولنا: إن المُدَّعِي يحتاج إلى البَيِّنَةِ، فإنه مُدَّعٍ للرد،

وسببه ما تقدم ومسألة اختلاف الزَّوْجَيْنِ، قد سبق حكمها 1 في النِّكَاحِ.
وإنما أَعَادَهَا ليُبَيِّنَ أن الخِلاَفَ فيها مَبْنِيٌّ على الأَصْلِ المَذْكُورِ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ حَدُّ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً مُلْزِمَةً، فَلَوْ قَالَ: عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يُسْمَعْ، وَلَوْ قَالَ وَهَبَ مِنِّي أَوْ بَاعَ لَمْ يُسْمَعْ حَتَّى يَقُولَ وَيَلْزَمُةُ التَّسْلِيمٌ إِلَيَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما تَكَلم في الدَّعْوَى نَفْسِهَا، أَرْدفَهُ بالكَلاَمِ في شرط صِحَّتِهَا، وهي أن تكون مَسْمُوعَةً، مُحْوِجَةً إلى الجواب.
فاعتبر في صِحَّتِهَا وَصْفَيْنِ: أحدهما: العِلْمُ بالمُدَّعَى، والأَصْلُ اعْتِبَارُ العلم به، كَاعْتِبَارِ العلم بالمَشْهُودِ به، والمَعْقُودِ عليه بالبيع وغيره، وهذا لأن المَقْصُودَ فَصْلُ الأَمْرِ واتصال الحَقِّ إلى المُستَحِقِّ، وذلك يَسْتدْعِي العِلْمَ.
فإن كانت الدَّعْوَى في الأَثْمَانِ، فَلاَ بُدَّ من ذكر الجِنْسِ، والنوع، والقَدْرِ.
قال في "الشامل": وإن اختلف الصِّحَاحُ والمُكَسَّرَةُ بين أنها صِحَاحٌ، أو مُكَسَّرَةٌ، ومُطْلَقُ الدِّينَارِ يَنْصَرِفُ إلى الدينار الشَّرْعِيِّ، فلا حاجة إلى بَيَانِ الوَزْنِ، ذكره الشيخ أبو حَامِدٍ.
وإن كانت في غير الأثْمَانِ، نظر: إن كان يَدَّعِي عَيْباً، وهي مما تُضْبَطُ بالصفة؛ كالحُبُوبِ، والحَيَوانِ، والنَّبَاتِ، فيصفها بصفات السَّلَمِ، ولا حَاجَةَ إلى ذِكْرِ القِيمَةِ على الأَصَحِّ، وإن كانت العَيْنُ تَالِفَةً، كَفَى الضَّبْطُ بالصفات، إن كانت مِثْلِيَّةً، ولا حَاجَةَ إلى ذِكْرِ القِيمَةِ، دمان كانت مُتَقَوِّمَةً، فَلاَ بُدَّ من ذِكْرِ القِيمَةِ؛ لأنها الوَاجِبَةُ عند التَّلَفِ.
وإن ادَّعَى عليه شَيْئاً مُحَلى، قال في "الشامل": لا بدَّ مِنْ ذِكْرِ القِيمَةِ، ويُقَوَمُهُ، بِالذَّهَب، إن كان مُحلَّى بالفِضَّةِ، وبالفِضَّةِ إن كان مُحَلَّى بالذَّهَبِ، وان كان مُحَلَّى، بهما 2 قومه بأحدهما للضَّرُورَةِ 3. وفي الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ المَغْشُوشَةِ يدعى عشرة دَرَاهِمَ من نَقْدِ كذا، قيمتها كذا ديناراً، أو دِينَاراً من نَقْدِ كذا، قيمته كذا دِرْهَماً ذكره الشيخ أَبُو حَامِدٍ وغيره، وكأنه جَوَابٌ على أن الدَّرَاهِمَ والدَّنَانِيرَ المَغْشُوشَةَ مُتَقَوِّمَةً، فإن جعلناها مِثْلِيَّةً، فينبغي ألا يشترط التَّعَرُّض 4 لقيمتها.

وفي العَقَارِ يَتَعَرَّضُ للناحية، والبَلْدَةِ، والمَحِلَّةِ، والسّكة ويبين الحُدُودَ، وقد مَرَّ بعض هذه التَّعْرِيفَاتِ في باب القَضَاءِ على الغائب، والمذكور هاهنا أَتَمُّ، وأَوْفَى.
ويُسْتثنى عن اعتبار العلم صور: إحداها: إنما يُتَصَوَّرُ اعْتِبَارُهُ إذا كان المَطْلُوبُ مُتَعَيّناً، فأما من حضر ليعين ويَفْرِضُ له القاضي كالمُفَوِّضَةِ؛ تطلب الفَرْضَ على قولنا: لا يجب المَهْرُ بالعَقْدِ، وكالوَاهِبِ؛ يطلب الثَّوَابَ إذا قلنا: إن الهِبَةَ تَقْتَضِيهِ، ولم يقدر الثَّوَاب، فلا يُتَصَوَّرُ منه إِعْلاَمٌ وتَعْيِينٌ 1. الثانية: ادَّعى [على إنسان] 2 أن مُوَرِّثَهُ أَوْصَى له بثوب، أو بِشَيْءٍ سُمِعَتِ الدَّعْوَى؛ لأن الوَصِيَّةَ تحتمل الجَهَالَةَ، فكذلك دَعْوَاهَا.
وأَلْحَقَ مُلْحِقُونَ دَعْوَى الإقْرَارِ بالمَجْهُولِ بِدَعْوَى الوَصِيَّةِ بالمجهول.
ومنهم من تَنَازَعَ كلامه فيه 3، ويثبت الاختلاف الخِلاَفَ في أن دَعْوَى الإقرار بالمال تُسْمَعُ، أم يجب أن يَدَّعِي نَفْسَ المال؟ وكذا تَصحُّ دعوى الإبْرَاءِ عن المَجْهُولِ ان صَحَّحْنَا الإِبْرَاءَ عن المجهول.
الثالثة: ادَّعى أن له طَرِيقاً في مِلْكِ الغَيْرِ، وادَّعَى حق إِجْرَاءِ الماء، فالأَشْهَرُ فيما حكى القَاضِي أبو سعدٍ: أنه لا يحتاج إلى إعْلاَمِ مِقْدَارِ الطريق والمجرى ويكفي لِصِحَّةِ الدَّعْوَى تَحْدِيدُ الأرض التي يَدَّعِي فيها الطَّرِيقَ والمجرى، وكذا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ المُرَتَّبة عليها.

وعن أبي علي الثقفي: أنه لا بُدَّ من إِعْلاَمِ قَدْرِ الطريق والمجرى.
قال: وكذا لو باع بَيْتاً من دَارٍ، وسَمَّى له طريقاً، ولم يُبَيِّنْ قَدْرَهُ لا يصح.
قال القاضي: والذي عندي، أنه لا يُشْتَرَطُ هذا الإِعْلاَمُ في الدعوى، ولكن يُؤْخَذُ على الشُّهُودِ إِعْلاَمُ الطريق، ومسيل 1 الماء بالذّرْعَانِ؛ لأن الشَّهَادَةَ أعلى شَأْناً، فإنها تَسْتقِلُّ بإيجاب الحُكْمِ، بخلاف الدَّعْوَى.
ولو أحضر المُدَّعِي قِطْعَةَ بَيَاضٍ حَرَّرَ فيها 2 دَعْوَاهُ، وقال: أَدَّعِي ما فيها، وادَّعَى ثَوْباً بالصِّفَاتِ المكتوبة في تِلْكَ القِطْعَةِ، هل يكفي ذلك لِصِحَّةِ الدَّعْوَى؟ فيه وجهان 3. الوصف الثاني: كون الدعوى مُلْزِمَةً، فلو قال: وَهَبَ مِنِّي كذا، أو باع، لم تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، حتى يقول: ويلزمه التَّسْلِيم إلَيَّ؛ لأنه قد يَهَبُ ويرجع، ويبيع ويفسخ.
هكذا نَقَلَ الفَوْرَانِيُّ وغيره، وهو المَذْكُورُ في الكتاب.
ويَقْرُبُ منه مَا ذَكَرَ القاضي أبو سَعْدٍ؛ أنه يقول في دَعْوَى الدَّيْنِ: لي في ذِمَّتِهِ كذا، وهو يَمْتَنِعُ من الأدَاءِ الواجب عليه.
قال: وإنما يتعرَّضُ لوجوب الأَدَاءِ, لأن الدَّيْنَ المُؤَجَّلَ لا يجب أَدَاؤُهُ في الحال، وكأن هذا فيما إذا قَصَدَ بالدَّعْوَى تَحْصِيلَ المدعى، ويجوز أن يكون المَقْصُودُ بالدعوى دَفْعَ المُنَازَعَةِ، فلا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لوجوب التَّسْلِيمِ.
وذكر في "الشامل" أنه لو قال: هذه الدَّارُ لي، وأنه مَنَعَنِي منها، تَصِحُّ الدعوى، ولا يُشْتَرَطُ أن يقول: إنها في يَدِهِ؛ لأنه يَجُوزُ أن يُنَازِعَهُ، وان لم تكن في يَدِهِ 4. وإذا ادَّعى، ولم يقل للقاضي مُرْهُ بالخُرُوجِ عن حَقِّي، أو سَلْهُ جَوَابَ دَعْوَايَ، فهل يُطَالِبُهُ القاضي؟

فيه وجهان: أحدهما: نعم، لِلْعِلْمِ بأنه الغَرَضُ من الحضور، وإِنْشَاءِ الدعوى.
وهذا أظهر عند ابن الصَّبَّاغِ.
والثاني: لا؛ لأنه حَقُّهُ، فلا يُسْتَوْفَي إِلاَّ بسُؤَالِهِ، واقْتِرَاحِهِ، كاليمين.
وهذا مَذْهَبُ أبي حَنِيْفَةَ، فيما حكى القاضي أبو سَعْدٍ، وذكر أنه الأَصَحُّ، فإن أصل الوَجْهَيْنِ المُعَاطَاةُ في البيع، والخلاف في أنه إذا جَلَسَ بين يدي حَلاَّقٍ فَحَلَقَ، هل يَسْتحِقُّ الأُجْرَةَ؟ وعلى الثاني فطلب الجَوَاب أيضاً شَرْطٌ في صِحَّةِ الدعوى، وسواء شَرَطْنَا هذا الاقْتِرَاحَ من المدعى، أو لم نشترطه، لكنه اقْتَرَحَهُ.
فيمكن أن يُقَالَ: يغني ذلك عن قوله: ويلزمه التسليم إِلَىَّ.
وإن مَنْ شَرَطَ التَّعَرُّضَ له، شَرَطَهُ جَوَابًا على أنه لا يُشْتَرَطُ الاقْتِرَاحُ المَذْكُورُ من الدعوى.

فرع

: لا يُشْتَرَطُ لِسَمَاعِ الدَّعْوَى أن يُعْرَفَ بينهما مُخَالَطَةٌ أو مُعَامَلَةٌ، ولا فرق فيه بين طبقات الناس.
وعن مالك: أنه لا تُسْمَعُ دعوى الدَّنِي على الشَّرِيفِ، إذا لم يُعْرَفْ بينهما سَبَبٌ.
وعن الإصْطَخْرِيِّ: أنه إذا شهدت قَرَائِنُ الحال بكَذِب المدعى، لم يلفت إلى دعواه؛ مثل أن يَدَّعِي الدَّنِيءُ اسْتِئْجَارَ الأَمِيرِ، أو الفقيه لِعَلَفِ دَوَابَّهِ، وكَنْسِ بَيْتِهِ، ومثل دعوى المعروف بالتعنُّت، وجَرَّ ذَوِي الأَقْدَارِ إلى مجلس القُضَاةِ، [واستحلافهم] 1 ليفتدوا بشيء.
آخر: ادَّعى مَالاً مَعْلُوماً على إِنْسَانٍ، وأقام شَاهِدَيْنِ على إقراره بشيء، أو قالا 2: يعلم أن له عليه مَالاً، ولا نعرف قَدْرَهُ.
هل تُسْمَعُ شَهَادَتُهُمَا هكذا؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، ويُرْجَعُ في التفسير إلى المَشْهُودِ عليه، كما لو أَقَرَّ بِمُبْهَمٍ.
وأشبههما: المَنْعُ؛ لأن من شَأْنِ البَيِّنة أن تُبَيِّنَ، وليست كالإِقْرَارِ؛ إذ يُشْتَرَطُ فيها ما لا يُشْتَرَطُ في الإِقْرَارِ؛ حكى الوجهين صاحب "التهذيب" في بَاب الإِقْرَارِ، وذكرها غَيْرُهُ أيضاً.
وعلى هَذا الخِلاَفِ ما إذا شَهِدَا على غَصْبِ عَبْدٍ، أو ثَوْبٍ، ولم يَصِفَاهُ 3.

الثالث: عن فَتَاوَى القَفَّالِ: ادَّعَى دَرَاهِمَ مَجْهُولَةً، لا يسمع القاضي دَعْوَاهُ.
ويقال له: بَيِّنِ الأَقَلَّ الذي تَتَحَقَّقُهُ.
وإن ادَّعَى ثوباً ولم يصفه أَصْلاً، لم يُصْغ إليه فإن قال: هو كِرْبَاسَ 1 ولم يَصِفْهُ، أمره أن يأخذ بالأَقَلِّ، وفي هذا أولاً إِرْشَادٌ وضَرْبُ تَلْقِينٍ، ثم الأَخذ بالأَقَلِّ في قَدْرِ الدَّرَاهِمِ مُسْتَقِيمٌ، لكن الأَخْذَ بالأَقَلِّ من صِفَةِ الثوب المدعى عينه لا وَجْهَ له.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يحَلِّفَ المُدَّعِيَ مَا لَمْ يُقدِّمْ دَعْوَى صَحِيحَةً كَبَيْعٍ أَوْ إبْرَاءٍ، فَلَوِ ادَّعَى فِسْقَ الشُّهُودِ وَعَلِمَ الخَصْمُ بِهِ فَهَلْ يُحَلِّفُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَكذَا لَوِ ادَّعَى أنَّهُ أَقَرَّ لِأَنَّ الإِقْرَارَ لَيْسَ عَيْنَ الحَقِّ، وَكَذَا إِذَا ادَّعَى مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ اليَمِينُ بِأَنَّهُ قَدْ حَلَفَ مَرَّةً وَأَرَادَ يَمِينَهُ فَفِي كُلِّ ذَلِكَ وَجْهَانِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَيْنِ الحَقِّ لَكِنْ يَنْفَعُ فِي الحَقِّ، وَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُ الشَّاهِدِ وَالقَاضِي وَإنْ كَانَ يَنْفَعُ تَكْذِيبُهُمُ أَنْفُسُهُمُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو قامت البَيِّنَةُ على المُدَّعى عليه فطلب من القاضي تَحْلِيفَ المُدَّعَى [عليه] 2 على اسْتِحْقَاقِ ما يَدَّعِيهِ، لم يجبه إليه؛ لأنه تكليف حُجَّةٍ [بعد قيام حُجَّةٍ] 3، ولأنه كالطَّعْنِ في الشُّهُودِ.
وإن ادَّعَى إِبْرَاءً، أو أَدَاءً في الدَّيْنِ، أو بَيْعاً، أو هِبَةً أو إقباضاً في العَيْنِ، نُظِر إن ادعى حُدُوثَ شَيْءٍ من ذلك بعد إِقَامَةِ البَيِّنَةِ، حلف المُدَّعِي على نَفْيِ ما يقوله إن مضى زَمَان إِمْكَانِهِ، وإلا لم يُلتَفْ إلى قوله.
وإن ادَّعَى جريانه قبل أن يَشْهَدَ [الشُّهُودُ] 4. فإن لم يَحْكُمِ القَاضِي بعد حَلف المدَّعي على نَفْيِهِ، وإن حَكَمَ فوجهان: أحدهما: أن الجَوَابَ كذلك؛ لاحْتِمَالِ ما يَدَّعِيهِ، وجواب 5 اعتماد الشهود ظَاهِر الحال.
والثاني: المَنْعُ لِثُبُوتِ المال عليه بالقَضَاءِ.
وذكر في "التهذيب" أن هذا أَصَحُّ، ويمكن أن يُبْنَى على هذين الوجهين الخِلاَفُ في أن تَحْلِيفَ المُدَّعِي على الغَائِبِ مُسْتَحَبٌّ، أو واجب؟

إن قلنا: تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بعد الحكم، فهو مُسْتَحَبٌّ.
وإن قلنا: لا تُسْمَعُ فواجب، كيلا يُفَوِّتَ بالحُكْمِ عليه الدَّعْوَى وبالتحليف، ألا يحصل العيب عُذْراً مَانِعاً من الفَوَاتِ.
ولو قال المُدَّعَى عليه: إن الشهود فَسَقَةٌ، أو كَذَبَةٌ، وزَعَمَ أن الخَصْمَ عَالِمٌ بذلك، فهل له تَحْلِيفُهُ على أنه لا يعلم؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم, لأنه لو أَقَرَّ به لَبَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ.
والثاني: لا، ويكتفى بِظَاهِرِ العَدَالَةِ، وتَعْدِيلِ المزكين، وطرد هذا الخلاف في كُلِّ صورة ادّعى ما لو أَقَرَّ به الخَصْمُ لنفعه لكن لم يكن المدعى عين حَقّ له؛ كما لو قال المُدَّعَى عليه في الجواب: إنه أَقَرَّ لي بما يَدَّعِيهِ، وكما إذا ادَّعَى على إنسان، إنك أَقْرَرْتَ لي بكذا، وما إذا تَوَجّهت اليمين عليه، فقال: إن المُدَّعِي قد حلفني مرة، وأراد تَحْلِيفَهُ، وفيما إذا قذف إِنْسَاناً، فَأُرِيدَ منه الحَدُّ، وادَّعَى أن المقذوف زَنَا، وأراد تَحْلِيفَهُ، ففي وجه -لا يُسْمَعُ شَيْءٌ من ذلك، ولا يمكَّن من التَّحْلِيفِ، ويُشْبِهُ أن يكون الأظهر الثاني- ليصدق الخَصْم، فينتفع به، أو ينكل فَيَحْلِفُ، ويؤيده ما مر من قَوْلِ الأَصْحَاب: إن دَعْوَى الإقْرَارِ بالمجهول صَحِيحَةٌ، وإن جواب الأكثر في مَسْألَةِ القَذْفِ، أنه يحلفَ المَقْذُوف علىَ أنه لم يَزْنِ، وإن كان المقذوف مَيِّتاً، وأراد القَاذِفُ تَحْلِيفَ الوَارِثِ على أنه لا يَعْلَمُ زنا مورثه.
فكذلك يحلف، وهذه الصورة تُحْكَى عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- لكن ذكره صاحب "التهذيب" فيما إذا ادَّعى فِسْقَ الشهود، أو كَذِبَهُمْ، أن الأَصَحَّ أنه لا يحلف المُدَّعِي.
وأما تحليف القَاضِي والشاهد، فلا يجوز، وإن كان ينفع تَكْذِيبُهُمَا أنفسهما؛ لما مَرَّ أن مَنْصِبَهُمَا يَأْبَى التحليف؛ وقد يُقَالُ: الضبط الذي ذَكَرُوهُ لِصِوَرِ الوجهين، يقتضي اطِّرَادَهُمَا فيما إذا ادَّعَى الأَدَاء؛ لأنه ليس الأَدَاءُ في نفسه حَقّاً، ولكن ينفعه في انْدِفَاعِ المُدَّعى عنه.
والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ لَوْ قَالَ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ: أمْهِلُوني فَلِي بَيِّنَةٌ دَافِعَةٌ، أُمْهِلَ ثَلاثَةَ أَيَّام، وَقِيلَ: يَوْمٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ قَالَ: أَبْرَأَنِي فَحَلَّفُوهُ يَحْلِفُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ، وَلَوْ قَالَ أَبْرَأنِي مُوَكِّلُكَ وَكَذَّبَهُ اسْتَوفِيَ فِي الحَالِ، وَلَوْ قَالَ: أَبْرَأنِي عَنِ الدَّعْوَى فَهَذَا لاَ يُسْمَعُ إذْ لاَ مَعْنَى لإِبْرَاءِةِ عَنِ الدَّعْوَى.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قامت البَيِّنَةُ على المُدَّعَى عَلَيْهِ، وادعى أن المُدَّعِي باع منه العَيْنَ المُدَّعَاةَ، أو بَاعَهَا من بائعه، أو ادَّعَى أنه أَبْرَأَ عن الدَّيْنِ المدعى، وأنكر، فلا يَخْفَى أن القَوْلَ قوله، وأن المُدَّعَى عَلَيْهِ مُدَّع فيما يذكره، يحتاج إلى البَيِّنَةِ، فإن استَمْهَلَ ليأتي بالبَيِّنَةِ، أُمْهِلَ ثَلاثَةَ أيام؛ لأن هذه مُدَّةٌ قريبة، لا يَعْظُمُ الضَّرَرُ فيها، ومقيم البَيِّنَةِ يَحْتَاجُ إلى مِثْلِهَا، لاسْتيثَاقِ الشُّهُودِ، والفَحْصِ عن غَيْبَتِهِمْ، وحضورهم، واسْتِحْضَارِ الغائب منهم.
وقد ذكرنا في باب القَضَاءِ على الغائب نَحْوَ ذلك، وعن القاضي الحُسَيْنِ وَجهٌ آخر: أنه لا يُمْهَلُ أَكْثَرَ من يَوْمٍ وَاحِدٍ، وهذا يَقْتَضِي أن يُعَلَّمَ قوله في ذلك الباب: "ويمهل ثلاثة أيام" بالواو.
ولو ادَّعَى الإِبْرَاءَ، ولم يأت بِبَيِّنَةٍ، وقال: حَلِّفُوهُ أنه لم يُبْرِئْنِي، فَيُجَابُ إليه، ولا يُكَلَّفُ تَوْفِيَةَ الدَّيْنِ أَوَّلاً.
وعن القاضي وجه: أنه يُسْتَوْفَى منه الدَّيْنُ أَوَّلاً، ثم إن شاء حَلَفَ، فإنه دَعْوَى جَدِيدَةٌ.
والظاهر الأول، وليس كما إذا قال لوكيل المُدَّعِي: أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُكَ، حيث يُسْتَوْفَى الحَقُّ منه، ولا يؤخر إلى حُضُورِ الموكّل، وحلفه لِعِظَم الضَّرَرِ في التأخير؛ وهاهنا التحليف مُتَيَسِّرٌ في الحال، وكان التَّعَرُّضُ لِدَعْوَى إِبْرَاءِ المُوَكّل هاهنا، الإشارة إلى الفرق، وإلا فقد ذكر المَسْأَلَةَ مَرَّةً في القضاء على الغائب.
ولو قال: أَبْرَأَنِي عن هذه الدعوى، فهل يُسْمَعُ وَيُحَلَّفُ المُدَّعي؟ فيه وجهان عن الإصْطَخْرِيِّ: [أحدهما] (1): نعم، ويحلف أنه لم يُبْرِئْ.
والثاني: المنع؛ لأن الإِبْرَاءَ عن نَفْسِ الدعوى، لا مَعْنَى له، إلا بِتَصْوِيرِ صُلْحٍ على الإِنْكار، وأنه بَاطِلٌ، وهذا ما أَوْرَدَهُ في الكتاب، واختاره القَفَّالُ.
وادعى الروياني في "التجربة": أن المذهب الأَوَّل، ووجّه بأنه لو أَقَرَّ أنه لا دَعْوَى له عليه، بَرِيءَ.

فرع

: مُدَّعِي الدَّفْع إن قال: قَضَيْت، أو أبرأني 2، فذاك، إن أَطْلَقَ، وقال: لي بَيِّنَةٌ دَافِعَةٌ، كما هو لَفْظُ الكتاب، فَيُشْبِهُ أن يستفسر 3؛ لأنه قد يُتَوَهَّمُ ما ليس بِدَافِعٍ دَافِعَاً، إلا أن يعرف فِقْهَةُ، ومعرفته، وإذا عَيَّنَ جِهَةً، ولم يأت بالبَيِّنةِ عليها، وادعى عند انقضاء1

مُدَّةِ المُهْلَةِ، جهة أخرى، واسْتُمْهِلَ، فما ينبغي أن يُجَابَ، وإن ادّعى في المُدَّةِ، أو في آخِرِهَا، جهة أخرى، وأقام البَيِّنَةَ عليها، وجب أن يُسْمَعَ 1. قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَامِسَةُ: يَنْبَغِي أن يَدَّعِيَ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِوَلِيِّ وَشَاهِدَيْنِ وَرِضَاهَا، فَإِنْ أَطْلَقَ فَالنَّصُّ أَنهُ لاَ يُسْمَعُ (ح م)، وَفِي البَيْعِ يُسْمَعُ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَلَوْ قَالَ: هي زَوْجَتِي كفَاهُ الإِطْلاَقُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَدَعْوَى القِصَاصِ لاَ بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِهَا، لاَ بُدَّ من أن يَدَّعْيَ بَيْعاً صَحِيحاً فَيَذْكُرَ الصَّحَّةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الدَّعْوَى أَنْوَاعٌ: منها: دَعْوَى الدَّمِ، ولاَ بُدَّ فيها من التَّفْصِيلِ على ما هو مُبَيَّنٌ في القَسَامَةِ.
ومنها: دَعْوَى النكاح، والبَيْعِ، وسائر العقود.
قال الشَّافعي -رضي الله عنه-: ولو ادَّعَى أنه نكح امْرَأَةً، لم أَقْبَلْ منه، حتى يقول: نَكَحْتُهَا بِوَلِيِّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ.
والأصحاب -رحمهم الله- فيه مُختَلِفُونَ؛ فمنهم من اكْتَفَى في دَعْوَى النكاح بالإطْلاَقِ، ولم يَشْتَرِطِ التَّعَرُّضَ لهذا التَّفْصِيلِ، كما يُكْتَفَى في دَعْوَى اسْتِحْقَاقِ المال بالإطْلاَقِ، وكما أنه لا يجب في دَعْوَى النِّكَاحِ التَّعَرُّضُ لِعَدَمِ المَوَانِعِ، كالرِّدَّةِ، والعِدَّةِ، والرِّضَاعِ، وحمل هؤلاء نَصَّهُ 2 على الاسْتحْبَابِ, والتأكيد.
ومنهم من قال: إن ادَّعى ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، وجب التَّفْصِيلُ، وإن ادَّعَى دَوَامَهُ، لم يجب؛ لأن الشُّرُوطَ لا تُعْتَبَرُ في الدوام، وبه قال أبو علي الطَّبَرَيُّ.
وأخذت عامة الأصحاب بظاهر النَّصِّ وأوجبت 3 التفصيل، والتَّعَرُّضَ للشروط، سواء كان المُدَّعَى ابتداء نكاح، أو دَوَامَهُ؛ لأن أَمْرَ الفُرُوجِ، مَبْنِيٌّ على الاحتياط، كَأَمْرِ الدِّمَاءِ والوطء 4 المستوفى يتدارك 5 6 كالدَّمِ المِهْرَاقِ.

وأما استشهاد الأَوَّلين بِدَعْوَى استحقاق المال؛ فإن كان المُدَّعَى نَفْسَ المال، فإنما اكتفى بالإطْلاَقِ؛ لأن الأَسْبَابَ التي يستحقّ بها المال تَكْثُرُ، وَتَتَكَرَّرُ، وفي ضَبْطِ الأَقْدَارِ الحَاصِلَةِ بتلك الأَسْبَابِ حَرَجٌ شَدِيدٌ، فَأَغْنَى عنه، بخلاف النِّكَاحِ.
وإن كان المُدَّعِي عَقْداً يرد على المال، كالبَيْعِ، والهِبَةِ، والإِجَارَةِ، فثلاثة أوجه: أحدها: وينسب إلى ابن سُرَيْجٍ أنه لاَ بُدَّ من التَّفْصِيلِ، والتَّعَرُّضِ لِلشَّرَائِطِ كالنكاح.
والثاني: الفَرْقُ بين أن يَتَعَلَّقَ العَقْدُ بِجَارِيَةٍ، فيجب التَّفْصِيلُ 1 احْتِيَاطاً للبُضْعِ.
وبين أن يَتَعَلَّقَ بغيرها، فلا يَجِبُ.
والثالث: وهو الأصح: أنه لا حَاجَةَ إلى التَّفْصِيلِ؛ لأن المَقْصُودَ، المال.
والعُقُود المالية أَخَفُّ حُكْماً من عَقْدِ النكاح، ولذلك لا يُشْتَرَطُ فيها الإشهاد، وإن تَعَلَّقَ العَقْدُ بِجَارِيَةٍ، والنكاح بخلافه.
وأما أنه لا يجب التَّعَرُّضُ للموانع، ففيه -نزَاعٌ؛ لأن الشيخ وأَبَا عاصم رويا عن الأستاذ أن محمد بن إبْرَاهِيمَ العَبَّادي 2 من أَصْحَابِنَا -رحمهم الله- أَوْجَبَهُ، والصحيح التسليم.
وفَرَّقُوا بأن الشُّرُوطَ تُعْتَبَرُ وجودها 3، ليصحَّ العَقْدُ، والموانع يُعْتَبَرُ عَدَمُهَا، والأصل العَدَمُ، فَاكْتُفِيَ به، ولأن المَوَانِعَ كَثيرةٌ، وعَدُّهَا عَسِيرٌ.
التفريع: إن شرطنا التَّفْصِيلَ في النكاح، فنقول: نكحها 4 بِوَليِّ وشَاهِدَيْنِ.
والأشهر: أنه لاَ بُدَّ من وَصْفِهِمْ بالعَدَالَةِ.
قالوا: وإنما لم يَتَعَرَّضِ الشَّافعي -رضي الله عنه- لِعَدَالَةِ الوَلِيِّ في النص 5 المَنْقُولِ في أَوَّلِ الفصل، بِنَاءً على أن الفَاسِقَ ليس بِولِيٍّ، أو أراد رد لفظ العَدْلِ إلى الوَلِيِّ، والشاهدين جميعاً.
وحكى ابن الصَّبَّاغِ وَجْهاً آخر: أنه لا حَاجَةَ إلى التَّعَرُّضِ [للعدالة، وقياس = إسلام الزوج، فلا يحتاج أن يقول: ولي، بل يقول زوجنيها مالكها الذي يصح منه إنكاحها، وهي مسلمة، وإنما يشترط التعرض لفقد الطول وخوف العنت إذا كان الزوج حراً مسلماً، فإن كان فيه رق لم يشترط ذلك ولم يذكروا في الشاهدين سوى العدالة، وينبغي أن يتعرض لحال الشهود المشترط وجودها لصحة النكاح، ومقتضى اعتبار تفصيل الشهود أن يقول نكحتها بولي وشاهدين فيهما الصفات المعتبرة في شاهدي النكاح، ويقول في الولي إذا كان مجبرًا نكحتها بولي مجبرًا أب وجد في حال بكارتها أو في حال جنونها، وقد يقال: منعني ذكر الولي غير ذلك وفي نفسه يقول: إن كان سفيهأ أو عبداً تزوجتها بإذن ولي، ويقول العبد بإذن مالكي، وضابط ذلك اعتبار الشرط دون التعرض لانتفاء الموانع.

وجوب التَّعَرُّض للعدالة وُجُوبُ التعرض] 1 لسائر الصِّفَاتِ المُعْتَبَرَةِ في الأَوْليَاءِ، ولا يجب تَعْيِينُ الشَّاهدين.
والمَفْهُومُ مما أَوْرَدَهُ الأئمة حكمًا 2 وتوجيهاً، أنه لا حَاجَةَ إلى تَعْيِينِ الوَلِيِّ أيضاً، والغرض؛ أن يُعْتَرَفَ أن النكاح لم يَعْرُ عن الوَلِيِّ والشهود، ولاَ بُدَّ من التعرض لِرِضَاءِ المرأة، إن كانت مِمَّنْ تُزَوَّجُ بِرِضَاهَا.
وفي نكاح الأَمَةِ: هل يُشْتَرَطُ التعرض لِلْعَجْزِ عن الطَّوْلِ وَلِخَوْفِ العَنَتِ؟ قال في "الشامل": فيه وجهان: أقيسهما: الاشْتِرَاطُ.
وإذا شرطنا التَّفْصِيلَ في دعوى البيع، ذكروا أنه يقول: تَعَاقَدْنَاهُ بِثَمَنٍ معلوم، ونحن جَائِزَا الأَمْر، وتَفَرَّقْنَا عن تَرَاضٍ، ويُشْتَرَطُ في الشَّهَادَةِ على النِّكَاحِ التفصيل، إذا قلنا باشتراطه في دعوى النِّكَاحِ.
وفي فَتَاوَى القَفَّالِ: أنه يجب أن يَقُولُوا بعد تَفْصِيلِ النكاح؛ في ابتدائه، ولا نَعْلَمُ أنه فَارَقَهَا، أو وهي اليوم زوجته.
والإقْرَارُ بالنِّكَاحِ يكفي فيه الإِطْلاَقُ فان كفى الإطْلاَقُ في الشَّهَادَةِ والدَّعْوَى، إن شَرَطْنَا التَّفْصِيلَ فيهما، ففي الإِقْرَارِ وجهان في "الوسيط".
[إن] 3 أظهرهما؛ الاكْتِفَاءُ بالإطْلاَقِ، والفرق؛ أن المُقِرَّ لا يُقرُّ إلا عن تَحْقِيقِ، وتَثَبُّتٍ، وفي الشهادة على إِقْرَارِهَاَ [لا يشترط] 4 أن يقولوا: ولا نَعْلَمُ أنه فَارَقَهَا.
ولتكن الشَّهَادَة على البَيْعِ، والإقرار، إذا أوجبنا التَّفْصِيلَ في البيع، على قياس ما ذكرنا في النِّكَاحِ.
ونقلوا في اشْتِرَاطِ تَقْيِيدِ النكاح والبيع 5, المدعيين بالصحة وجهين: وجه الاشْتِرَاطِ وُقُوعُ الاسْمِ على الصَّحِيح والفاسد.
ووجه الثاني: انْصِرَافُ المُطْلَقِ إلى الصحيح.
وبالأول أَجَابَ صاحب الكتاب.
وذكر في "الوسيط": أن الوجه القَطْعُ باشتراطه في النِّكَاح، وأشار إلى أن الوجهين، مُفَرَّعَانِ على قولنا: إنه لا يُشْتَرَطُ تفصيل الشرائط، فإيراد القاضي أبي سَعْدٍ يقْتَضِي اطِّرادَهُمَا، مع اشْتِرَاطِ التفصيل، لِيَتَضَمَّنَ ذكر الصحة نَفْيَ المَوَانِعِ 6.

وقوله في الكتاب: "فالنص أنه يُسْمَعُ" ليُعَلَم بالحاء والألف؛ لأن عندهما تُسْمَعُ، ولا حَاجَةَ إلى التفصيل.
وقوله: "وفي البيع يُسْمَعُ"، يُشْعرُ ظاهره بأن النَّصَّ في البيع السَّمَاعُ، وبأن الأَصْحَابَ، تفرقوا 1 في النصين تَقْرِيراً من البعض، [ونَقْلاً، وتَخْرِيجاً، من البعض] 2 على المَشْهُودِ من مسائل النَّقْلِ، والتخريج.
لكن الكتب المَشْهُورَةَ سَاكِتَةٌ عن ذلك.
نعم في كتاب القَاضِي ابْنِ كَجٍّ: أن نَصَّهُ في البيع ونحوه جَوَازُ الإطلاق.
وقوله: "ولو قال: هي زَوْجَتِي، كَفَاهُ الإطْلاَقُ".
هذه صورة الدَّوَام، وتَرْجِيح الاكتفاء بالإطلاق، لا يُوَافِقُ اخْتِيَارَ المعظم.
وقوله: "ولا بُدَّ من ادَّعى بيعاً 3 صحيحاً، فيذكر الصحة" معلم بالواو.
واعلم أن دعوى النكاح؛ تَارَةً تكون على المَرْأَةِ، وأخرى على الوَلِيِّ؛ إذا كان مُجْبَراً، كما بَيَّنَّاهُ في كتاب النِّكَاحِ، في مسألة تزويج الوَلِيَّيْنِ من شخصين، وذكرنا هناك، أن الأَئِمَّةَ قالوا: إن ادَّعى كُلُّ وَاحِدٍ من الزوجين سبق نكاحه، وعلم المرأة به، فَيُبْنَى على أن إِقْرَارَ المَرْأَةِ بالنكاح هل هو مَقْبُولٌ؟ إن قلنا: إنه غير مَقْبُولٍ، فلا تُسْمَعُ دَعْوَاهُمَا عليها؛ لأن غَايَتَهَا أن تُقِرَّ وإن قلنا: إنه مَقْبُولٌ، وهوِ الصحيح فَتُسْمَعُ، وهذا يَقْتَضِي أن يكون سماع دعوى النكاح على المرأة، [أبدأ] 4 مُخَرَّجاً على ذلك الخِلاَفِ، فكأنهم لم يذكروه هاهنا، اقْتِصَاراً على الصحيح.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: السَّادِسَةُ: دَعْوَاهَا الزَّوْجِيةَ لاَ تُسْمَعُ عَلَى الأَصَحِّ مَا لَمْ بَتَعَرَّضْ لِمَهْرِ أَو نَفَقَةٍ، فَإِنْ قُلْنَا: يسْمَعُ فَهَلْ تَنْدَفِعُ بِمُجَرَّدِ إنْكَارِهِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ مَأْخَذُهُ أَنَّ الإِنْكَارَ طَلاَقٌ أَمْ لاَ حَتَّى لَوْ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ يُسَلِّمُ الزَّوْجَةَ إِلَيْهِ وَفِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: دَعْوَى المَرْأَةِ النِّكَاحَ؛ إما أن يَقْتَرِنَ بها طَلَبُ حَقٍّ من حُقُوقِ النكاحِ، كَصَدَاقٍ، ونَفَقَةٍ، وقَسْمٍ، ومِيرَاثٍ بعد موته، فهي مَسْمُوعَةٌ لا مَحَالَةَ.
وإما ألا يَقْتَرِنَ، وتَتَمَحَّض دَعْوَى الزوجية، ففي سَمَاعِهَا وجهان: أحدهما: المَنْعُ؛ لأن بَقَاءَ النِّكَاحِ حَقُّ الزوج عليها، فكأنها تَدَّعِي كَوْنَهَا رَقِيقَةٌ، وهذه دَعْوَى غير مُلْزِمَةٍ.
والثاني: أنها تُسْمَعُ؛ لأن النِّكَاحَ وإن كان حَقّاً له فهو مَقْصُودٌ لها من تَعَلُّق حقوق فَيُثْبِتُهُ، ويُتَوَسَّلُ به إلى تلك الحُقُوقِ.

وذكر صَاحِبُ الكتاب: أن الأَوَّلَ أَصَحُّ، والأئمة جَايحُونَ إلى تَرْجِيح الثاني.
وكذلك فعل صَاحِبُ الكتاب في "الوسيط"، في باب النكاح، فإن سَمِعْنَا دَعْوَاهَا، نظر، إن سَكَتَ المُدَّعَى عَلَيْهِ، وأَصَرَّ على السكوت، وأقامت (1) البينة عليه، وإن أنكر، فَإنْكَارُهُ طَلاَقٌ أم لا؟ فيه وجهان، كما ذكرنا فيما إذا جرى نكاح، ثم قال الزَّوْجُ: كان الشَّاهِدَانِ فَاسِقَيْنِ، وأنكرت المرأة والأصح منهما على ما ذكره الإِمَامُ أنه ليس بِطَلاَقٍ، فإن جَعَلْنَا إِنْكَارَهُ طَلاَقاً سقط ما يدعيه، ولها أن تَنْكِحَ زَوجاً غَيْرَهُ، ولو رَجعَ عن الإنْكَارِ (2) وقال: غلطت في الإِنْكَارِ، لم ينفعه الرُّجُوعُ، وإن لم يَجْعَلهُ طَلاَقًا، فَإِنْكَارُهُ كَسُكُوتِهِ، حتى يقيم البَيِّنَةَ عليه، ولو رَجَعَ قبل رُجُوعِهِ، وسُلِّمت الزَّوجَةُ إليه وهذا ما اخْتَارَهُ القَفَّالُ، وشَبَّهَهُ بما إذا قَالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي قبل الرَّجْعَةِ، ثم قالت: غَلطت، وسلمت صحة الرجعة، فإنه يُقْبَلُ رُجُوعُهَا, ولو لم تكن بَيِّنَةٌ، وحَلِفَ الرَّجُلُ, فَلاَ شَيْءَ عليه, وله أن يَنْكِحَ أُخْتَهَا وأَرْبَعاً سِوَاهَا, وليس لها أن تَنْكِحَ زَوْجاً غيره، إذا لم تجعل الإِنْكَارَ طَلاَقاً.
وإن انْدَفَعَ النكاح ظَاهِراً، إلى أن يُطَلِّقَهَا، أو يموت.
قال في "التهذيب": أو يفسخ بإعْسَارِهِ، أو لامْتِنَاعِهِ، إذا جعلنا الامْتِنَاعَ مع القُدْرَةِ مُمَكِّناً من الفَسْخِ، وليكن هذا مَبْنِيَّاً على أن لِلْمَرْأَةِ أن تَفْسَخَ بِنَفْسِهَا، أما إذا أَحْوَجْنَاهَا إلى القاضي، فما لم يظهر له النِّكَاح، كيف [يفسح أو] (3) يَأْذَنُ في الفَسْخِ (4)؟ وينبغي أن يَرْفُقَ الحَاكِمُ به حتى يقول: إن نَكَحْتها فقد طلقتها ليحلَ (5) لها النكاح، فإن نَكَلَ الرَّجُلُ، حَلَفَتْ هي، واسْتَحَقَّتِ المَهْرَ، والنَّفَقَةَ.

فرعان

: عن "التهذيب" وغيره: أحدهما: امْرَأَةٌ تحت رَجُلٍ، ادَّعَى آخَرُ أنها زَوْجَتُهُ، فالصَّحِيحُ: أن هذه الدَّعْوَى عَلَيْهَا، لا على الرجل؛ لأن الحُرَّةَ لا تَدْخُلُ تحت اليَدِ.
ولو أقام كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً، لم تُقدم بَيّنة من هي تحته، بل هما كاثنين 6، أقام12345

كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً، على نكاح خَلِيَّةٍ، فَيُنْظَرُ: إن كَانَتَا مُؤَرَّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ واحد، أو مُطَلَّقَتَيْنِ، فقد تَعَارَضَتَا ولا يَجِئُ قَوْلاَ القُرْعَةِ، والقِسْمَةِ.
وإن كانتا مؤَرَّخَتَيْنِ بتاريخين مختلفين، قدمت البَيِّنَةُ التي سَبَقَ تَارِيخُهَا، بخلاف ما إذا كان هَذَا التَّعَارُضُ في الأَمْلاَكِ؛ ففي التَّرْجِيحِ بالسَّبْقِ، قولان؛ لأن الانْتِقَالَ، وتَدَاوُلَ الأَيْدِي، غَالِبٌ في الأموال، دون المَنْكُوحَاتِ.
ولو قامت بَيِّنَةُ أحدهما على النِّكَاحِ، وبَيِّنَةُ الآخر على إِقْرَارهَا بالنكاح، فالأول 1 أَوْلَى، كما لو أقام هذا بَيِّنَةً على أنه غَصَبَ منه كذا، وآخَرُ بَيِّنَةً 2 على أنه أقر [له] 3 بذلك.
وإن أقرت لِأَحَدِهِمَا، فعلى ما ذكرنا، فيما إذا زَوَّجَهَا وليان من شَخْصَيْنِ، وادَّعَى كُلُّ واحد منهما سَبْقَ نِكَاحه.
الثاني: ادَّعَتِ امْرَأةٌ ذات وَلَدٍ، أنها منكوحة، وأن الوَلَدَ منه، وسمعنا دَعْوَى النِّكَاحٍ منها، فإن أنكر النِّكَاحَ، والنَّسَبَ، فالقول قوله، مع اليمين وإن قال: هذا وَلَدِي من غَيْرِهَا، أو اقْتَصَرَ على قوله: هذا وَلَدِي، لم يكن مُقِرّاً بالنِّكَاحِ.
وإن قال: هو وَلَدِي منها، وَجَبَ المَهْرُ؛ لأن الاعْتِرَافَ بالنَّسَبِ, اعتراف بالإِصَابَةِ ظَاهِراً,والإصَابَةُ تَقْتَضِي المَهْرَ.
وإن أَقَرَّ بالنكاح, فعليه المَهْرُ, والنَّفَقَةُ, والكُسْوَةُ فإن قال: كان نكاح تَفْوِيضٍ، فلها مُطَالَبَتُهُ بالفرض 4، إن لم يَجْرِ دُخُولٌ، وإن جرى، فقد وجب المَهْرُ بالدخول، ولا معنى لإنْكَارِهِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: السَّابِعَةُ العَبْدُ إِذَا ادَّعَى أنَّهُ حُرُّ الأَصْلِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَاِنِ ادَّعَى الإِعْتَاقَ فَعَلَيْهِ البَيِّنةُ، وَالصَّغِيرُ المُميِّزُ هَلْ يَقْبَلُ دَعْوَاهُ الحُرِّيَّةَ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا: لاَ يُسْمَعُ فالصَّحِيحُ أنَّهُ إِذَا بَلَغَ سُمِعَتْ وَصُدَّقَ بِيَمِينِهِ وَلاَ تَأثِيرَ لِلْيَدِ وَلإِبْطَالِ الدَّعْوَى السَّابِقَةِ، وَيَجُوزُ شِرَاءُ العَبْدِ البَالِغِ اعْتِمَادَاً عَلَى ظَاهِرِ اليَدِ مَعَ سُكُوتِ العَبْدِ، وَقِيلَ: لاَ بُدَّ مِنْ إِقْرَارِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من ادَّعَى رِقَّ بَالِغٍ، وقال البَالِغُ: أنا حُرُّ الأَصْلِ، فالقول قوله 5،

وعلى المُدَّعِي البَيِّنَةُ، ولا فَرْقَ بين أن يكون إِنْكَارُهُ مَسْبُوقاً باستخدام 1 المُدَّعِي؛ وتَسَلُّطِهِ عليه، أَوْ لا يَكُونَ، ولا بين أن تَتَدَاوَلَهُ الأَيْدِي، ويَجْرِيَ عليه البَيْعُ، والشِّرَاءُ مِرَاراً، وبين ألا يكون كذلك فإن كان قد اشْتَرَاهُ من غيره، وحَلَفَ على نَفْسِ الرِّقِّ، فهل يرجع المشتري على بائعه بالثَّمَنِ؟ هذا سنذكره في المَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ من الرُّكْنِ الثاني.
فإن قال البالغ 2 لمن في يَدِهِ: إنك أعتقتني 3، أو أَعْتَقَنِي مَنْ بَاعَنِي منك، فَيُطَالَبُ بالبيِّنَةِ.
ومن ادَّعَى رِقَّ صَغِيِرٍ؛ فإن لم يكن في يَدِهِ، لم يُصَدَّقْ، إلا ببَيِّنَةٍ، وإن كان في يَدِهِ، نُظِرَ: إن أسندت إلى التقاطٍ 4، فكذلك الحُكْمُ في أَصَحِّ القولينَ.
والثاني: أنه يُقْبَلُ قوله، ويُحْكَمُ له بالرِّقِّ، وإن لم يُعْرَفْ إِسْنَادٌ ما إلى الالتقاط، فَيُصَدَّقْ، ويُحْكَمُ له، كما إذا ادَّعَى المِلْكَ في دَابَّةٍ، أو ثوب في يده، فلو كان الصَّغِيرُ مميزاً، فأنكره، فهو كَإِنْكَارِ البَالِغِ، حتى يحتاج مُدَّعِي الرِّقِّ إلى البَيِّنَةِ، أو لا عِبْرَةَ بإِنْكَارِهِ، كما لو كان [غير] 5 مُمَيِّزٍ، حتى يُحْكَمَ بِرِقِّهِ؟ فيه وجهان: أصحهما: الثاني.
وإذا جَرَيْنَا على قَوْلِ المُدَّعِي، ثم بلغ الصَّغِيرُ، وأنكر الرِّقَّ، فهل يحتاج المُدَّعِي إلى البَيِّنَةِ ويُصَدَّقُ مُنْكِرُ الرِّقِّ إذا لم تكن بَيِّنَةٌ، أو يَسْتَمِرُّ الرِّقُّ، إلا 6 أن تقوم بينة على حُرِّيَّتِهِ؟ فيه وجهان: أصحهما: الثاني.
وكل ذلك مذكور بالشَّرْعِ في باب اللَّقِيطِ، ولا فَرْقَ بين أن يَدَّعِي في الصغير مِلْكَهُ، ويستخدمه، ثم 7 يبلغ، وينكر، وبين أن يَتَجَرَّدَ الاسْتِخْدَامُ، والاستئجار إلى البُلُوغِ، ثم يَدَّعِي مِلْكَهُ، وينكر المستخدم في جَرَيَانِ الوجهين.
كذلك ذكر القاضي الرُّوَيانِيُّ وغيره، واليَدُ على البَالِغِ المُسْترقّ، وإن لم يُغْنِ عن البَيِّنَةِ عند إنكاره، فهي غير سَاقِطَةِ الاعْتِبَارِ بالكلية، بل يجوز الاعْتِمَادُ عليها في الشِّرَاءِ.
وإن سَكَتَ المسترق اكْتُفِيَ بان الظاهر أن الحر لا يُسْتَرَقُّ.
وعن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ: أنه كما لا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ مع الإِنْكَارِ للرِّقِّ، لا يجوز شِرَاؤُهُ مع سُكُوتِهِ، بل يُسْأَل أولاً، فإن أَقَرَّ، اشْتُرِيَ.

وقوله في الكتاب: "والصغير المميز، هل يُقْبَل دعواه الحرية"؟ أي: هل يُؤثر كلامه حتى يحتاج مُدَّعِي الرِّقِّ إلى البَيِّنَةِ؟ أو يُجْعَل لَغْواً؟ وقد يُبْنَى الوَجْهَانِ على الخلاف، في صِحَّةِ إِسْلاَمِهِ، وتَدْبِيرِهِ.
وقوله: "فالصَّحِيحُ أنه إذا بَلَغَ سُمِعَت، وصُدِّقَ بيمينه"، يعني أنه يُعْتَبَرُ إِنْكَارُهُ، حينئذ، فيحتاج المُدَّعِي إلى البَيِّنَةِ، فإن لم تكن بَيِّنَةٌ، حلف، وحُكِمَ بِحُرِّيَّتهِ.
وهذه المسألة مُكَرَّرَةٌ؛ قد ذكرها مَرَّةً في كتاب اللَّقِيطِ، لكنه أَرْسَلَ ذِكْرَ الوجهين هناك وهاهنا رَجَّحَ اعتبار إنْكَارِهِ، وتصديقه بيمينه، والأَرْجَحُ عند أكثرهم خلافه.
وقوله: "ولا تأثير لليد"، أي: ليَدِ المدعى [ولا لإبطال الدعوى] 1 السابقة الجَارِيةِ في حال التَّمْيِيزِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّامِنَةُ: الدَّعْوَى بالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ فِيهِ وَجْهَانِ؟ لِأَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ فِي الحَالِ، وَدَعْوَى الاسْتِيلاَدِ تُسْمَعُ، وَدَعْوَى التَّدْبِيرِ وَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِصِفَةٍ كَالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في سَمَاعِ الدَّعْوَى بالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ وَجْهَانِ: أحدهما: المَنْعُ؛ لأنه لا يَتَعَلَّقُ بها إِلْزَامٌ في الحال، ومُطَالَبَةٌ.
والثاني: يُسْمَع، ليثبت في الحَالِ، ويُطَالَبُ في الاستقبال، وقد يَمُوتُ مَنْ عليه فيتعجل 2 الطَّلَبَةُ، وبهذا أَجَابَ بَعْضُ أصحاب الإِمَامِ.
والأول هو الجواب في فَتَاوَى القَفَّالِ.
وذكر القاضي أبو سَعْدٍ الهَرَوِيُّ: أنه الأصح.
وفيه وَجهٌ ثالث: وهو أنه إن كانت له بَيَّنَةٌ، فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ، ليُسجَّل، فيأمن غيبتها وقولها، وإن لم يكن، فلا تُسْمَعُ.
وفي دعوى الجَارِيةِ الاسْتِيلاَد، والرَّقيق والتَّدْبِير وتَعْلِيقِ العِتْقِ بالصِّفَةِ، فيه طريقان: أحدهما: أنها تُسْمَعُ؛ لأنها حُقُوقٌ نَاجِزَةٌ تَرْتَبِطُ بها الدَّعْوَى.
والثاني: أنها على الخِلاَفِ في دَعْوَى الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ؛ لأن المَقْصُودَ منها العِتْقُ في المستقبل، والاسْتِيلاَدِ، أولاها بأن تُسْمَعَ دعواه، لتتنجز آثَارُهُ من انتفاع 3 البيع، والرَّهْنِ، وغيرهما.
ولذلك اخْتَارَهُ في الكتاب وفي الاسْتِيلاَدِ بالطَّرِيقَةِ الأُولى، وفي التَّدْبِيرِ وتَعْلِيقِ

العِتْقِ، وطريق التخريج، على الخلاف في الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ، إذا لم نجوز الرُّجُوعَ عن التَّدْبِيرِ، فإن جَوَّزْنَاهُ، فإنكار السيد (1) رجوع يُبْطِلُ مَقْصُودَ المدعي (2).

فروع

: من ادُّعِيَ عليه دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ قبل المَحَلِّ، فله أن يَقُولَ في الجواب: لا يَلْزَمُنِي دَفْعُ شيء إليه الآن، ويَحْلِفُ عليه، وهل له أن يقول: لا شَيْءَ عَلَيَّ مُطْلَقاً؟ عن القَفَّالِ، فيه وجهان مَبْنِيَّانِ على وجهين ذُكِرَا في أن الدَّيْنَ المُؤَجَّلَ؛ هل يُوصَفُ قبل الحُلُولِ بالوجوب 3؟12

وعنه: أن من أُقِيمَ عليه البَيِّنَةُ بألف.
فقال: عَلَيَّ أَلْفٌ، لكنه مُؤَجَّلٌ، فَحَلَّفُوهُ أنه مُعَجَّلٌ، فقد سقط أَثَرُ الشهادة.
وهذا شخص أَقَرَّ لغيره بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، ففي قَبُولِ قَوْلِهِ في الأَجَلِ قولان؛ إن قبلناه، فله تَحْلِيفُ المُدَّعِي على نفي الأَجَلِ 1. قَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّاسِعَةُ لَوْ سَلَّم ثوْباً قِيمَتُهُ خَمْسَةً إلَى دَلاَّلٍ لِيَبِيعَهُ بِعَشَرَةٍ فَجَحَدَ فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لي عَلَيْه ثَوْبٌ إِنْ تَلِفَ فَعَلَيْهِ خَمْسَةٌ وَإِنْ بَاعَ فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ إنْ كَانَ قَائِمَاً فَعَلَيْهِ رَدُّ الثَّوْبِ وَيَقْبَلُ مَعَ التَّرَدُّدِ لِلحَاجَةِ، وَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يُعَيِّنَ كُلَّ قَسَمٍ فِي دَعْوَى، ثُمَّ إِذَا نَكَلَ عَنْ وَاحِدٍ فَلَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بنُكُولِهِ عَلَى كَذِبِهِ فَيَحَلَّفَ فِيهِ وَجْهَان.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مسألة الدّلال هذه قد ذكرناها مع أختها التي أَوْرَدَهَا في الكتاب في آخر الرّكْنِ الرابع من "باب القَضَاءِ على الغَائِبِ"؛ وهي أن يَتَرَدَّدَ في بقاء العَيْنِ، ولا يدري، أَيُطَالبُ بالعَيْنِ أو القيمة؟ وبَيَّنَّا أن أَقْرَبَ الوجهين أنه يَجُوزُ أن يدعي على التمثيل فيقول: غُصِبَ مِنِّي كذا.
فإن بقي، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ، إلا قيمته، أو مِثْلُهُ.
ويقول في هذه المسألة: أخذ مني ثَوْباً، فعليه رَدُّهُ، أو ثمنه، أو قِيمَتُهُ.
والوجه الثاني: أنه لا بد في الدَّعْوَى في طلب جَازِمٍ؛ فيفرد لكل وَاحِدٍ من المطالب دَعْوَى بِرَأْسِهَا.
فإن قلنا بالأول، فإنما أنكر المُدَّعَى عَلَيْه، ولا بَيِّنَةَ، يحلف على نَفْي الجميع، وإن نكل ردت اليَمِينُ على المُدَّعِي، فيحلف على التَّرَدُّدِ.
كما إذا ادَّعَى على التَّرَدُّدِ، أم لا بد في الحَلِفِ من التعيين؟ حكى الإِمام فيه وَجْهَيْنِ.
فإن قلنا: نفرد لكل مَطْلَبٍ دَعْوى، فإذا ادَّعَى ما رآه أقرب، ونكل الخَصْمُ، فنكوله يُؤَكِّدُ ظَنّ المدعى بكذبه، فهل له أن يَحْلِفَ اليمين المَرْدُودَةَ بذلك؟ فيه وجهان: أشبههما: نعم اسْتِدْلاَلاً بنكوله على كَذِبهِ، كما يُسْتَدَلُّ بِخَطِّ أبيه.
وأُجْرِيَ الوجهان فيما إذا أنكر المودع التَّلَفَ وتأكد ظَنُّهُ بَنكول المودع، هل يَحْلِفُ اليَمِين المردودة؟ وفي فَتَاوَى القَفَّالِ: أنه لو ادَّعَى ثَوْباً، فقال: كان في يَدِي، وقد هَلَكَ فأغرم القيمة -فقال المدعى للحاكم: قد أَقَرَّ بالثَّوْب، فحلفه، أنه لا يلزمه تَسْلِيمُ الثوب إلى حَلِفِهِ، فإن حلف، مُنِعَ منه بالقيمة، وإن نَكَلَ وحلف المدعى على بَقَاءِ الثوب، طُولِبَ بالعَيْنِ، والله أعلم.

قَالَ الْغَزَالِي

ُّ: الرُّكْنُ الثَّانِي: جَوَابُ المُدَّعَي عَلَيْهِ

وَهُوَ إِقْرَارٌ أوْ إِنْكَارٌ إذ السُّكُوتُ كَالإِنْكَارِ، وَقَوْلُهُ: لِي عَنْ دَعْوَاكَ مَخْرَجٌ أوْ لِفُلانٍ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لَكَ اسْتِهْزَاءٌ وَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المُدَّعَى عَلَيْهِ: إما أن يُجِيبَ بِالإِقْرَار، أو بالإِنْكارِ، أو يَسْكُتَ.
وإنما قال: السُّكُوتُ كالإِنْكَارِ؛ لأن المُدَّعَى عليه، إذا أَصَرَّ على السكوت، جُعِلَ كالمُنْكِرِ الناكل.
وتُرَدُّ اليَمِينُ على المُدَّعِي، فهو في الحُكْمِ كالإنكار 1، والكلام في الإِقرَارِ وصِيغَتِهِ، ما مَرَّ في باب الإقرار.
وقول المُدَّعى عليه: لي عن دعواك مَخْرَجٌ، ليس بإقْرَارٍ، يجوز أن يزيد المَخْرج بالإنكار.
وكذا قوله لفلان: عَلَيَّ أَكْثَرُ مما لك، ليس بِإقْرَارٍ للمخاطب، فيما ادَّعَاهُ؛ لأنه يحتمل أن يزيد الاستهزاء، وأيضاً يحتمل أن يُريدَ: لفلان عَلَيّ حُرْمَةٌ، وحَقٌّ أكثر مما لك.
وقد ذكر القاضي أبو سَعْدٍ أنه لو قال: لك عَليَّ أَكْثَرُ مما ادَّعَيْتَ، لم يكن إِقْرَاراً؛ لاحْتِمَالِ أن يريد: لك من الحق عِنْدِي، ما يستحق له أكثر مما ادعيت.
وكما لا يَكُونُ قوله: لفلان عَلَيَّ أَكْثَرُ مما لك إقْرَارَاً للمخاطب، فلا يكون إِقْراراً لفلان أيضاً، لاحْتِمَالِ أن يزيد معي الحق والحُرْمَة، نعم لو قال: لفلان مَالٌ أكثر مما ادَّعَيْتَ، فهذا يكون إِقْرَاراً لفلان، إلا أنه يقبل تفسيره بما دُونَهُ في القَدْرِ؛ تَنْزِيلاً على كَثرَةِ التَّرِكَةِ، أو الرَّغْبَةِ على ما أوضحناه في الإقرار.
وقوله في الكتاب: "استهزاء وليس بإقرار".
أي هو يحتمل الاسْتِهْزَاءَ.
ولا شَكَّ

أنه لو فَسَّرَهُ بما هو إقرار، يكون إِقْرَاراً.
ولو قال: الحَقُّ أَحَقُّ أن يُؤَدِّى، لم يكن إِقْرَاراً؛ لأنه المعنى حيث يكون حقاً فأما أنا فبريء.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وفِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى لَوْ قَالَ: لِي عَلَيْكَ عَشَرَةٌ فَقَالَ: لاَ يَلزَمُنِي العَشَرَةُ لَمْ يَكْفِهِ اليَمِينُ مُطْلَقاً بَلْ يَحْلِفُ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ عَشَرَةٌ وَلاَ شَيْءٌ مِنْهَا، فَإِنِ اقْتَصَرَ كَانَ نَاكِلاً عَنِ اليَمِينِ فِيمَا دُونَ العَشَرَة، وَلِلمُدَّعِي أنْ يَحْلِفَ عَلَى العَشَرَةِ إلاَّ شَيْئاً إلاَّ إِذَا أَضَافَ إِلَى عَقْدٍ بِأَنْ قَالَتْ: نَكَحْتَنِي بِخَمْسِينَ فَحَلَفَ أنَّهُ نكَحَ لاَ بِخَمْسِينَ فَلاَ يُمْكِنُهَا الحَلِفُ عَلَى مَا دُونَ الخَمْسِينَ لِمُنَاقَضَةِ الدَّعْوَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ادَّعَى عَشَرَةً على إِنْسَانٍ فقال: لا يَلْزَمُنِي العشرة، لم يكن هذا جَوَاباً تَامّاً، وإنما الجواب أن يضيف إليه ولا شيء منها، أو ولا بعضها وهكذا يحلف، إن حلف؛ لأن مدعي العشرة، مُدَّعٍ لكل جزء منها، فلا بد وأن يطابق الإِنْكَار واليمين دَعْوَاه.
وعن القاضي الحسين: أنه لا يكلف في الإِنْكَارِ أن يَقُولَ ولا شَيْءَ منها وإنما يُكَلَّفُ ذلك في اليمين، وإذا حَلَّفَهُ القَاضِي، على أنه لا يَلْزَمُهُ العَشَرَةُ، ولا شَيْءٌ منها] 1، فحلف على نَفْي العشرة، واقْتَصَرَ عليه، فلا تَلْزَمهُ العشرةُ، بتَمَامِهَا، [وهو] 2 نَاكِلٌ عما دُونَ العشرة، [فَلِلْمُدَّعِي أن يَحْلِفَ على اسْتِحْقَاقِ ما دون العَشَرَةِ] 3 بشيء قليل، ويأخذه 4. ولو نَكَلَ المُدَّعَى عليه عن مُطْلَقِ اليَمِينِ، وأراد المدعي أن يَحْلِفَ على بعض العشرة.
قال في "التهذيب": إن عَرَضَ القاضي عليه اليَمِينَ، على المُدَّعَى، وعلى كل جُزْءٍ منه، فله أن يَحْلِفَ على بَعْضِهَا، وإن عَرَضَ عليه اليَمِينَ على المدعى وحده، لم يكن له الحَلِفُ على البَعْضِ [بل تُسْتَأْنَفُ الدَّعْوَى للْبَعْضِ الذي يريد الحَلفَ عليه، وحيث جَوَّزْنَا للمدعي الحَلِفَ على بعض المُدَّعَى، وذلك إذا لم يسند المُدّعى إلى عَقْدٍ] 5. أما إذا أَسْنَدَهُ؛ كما إذا قالت المَرْأةُ: نَكَحْتَنِي بخمسين، وطَالَبَتْهُ به، ونَكَلَ الزَّوْجُ، فلا يُمْكِنُهَا الحَلِفُ على أنه نَكَحَهَا ببعض الخمسين؛ لأنه يَتَنَاقَضُ ما ادَّعَتْهُ أَوَّلاً.
ولو ادَّعَى أن الدَّارَ التي في يَدِ هذا مِلْكِي، يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إِلَيَّ، فالمُدَّعَى عليه إذا أَنْكَرَ، يَحْلِفُ أنها ليست مِلْكاً له، ولا شَيْءَ منها، وأنه لا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إليه، ولا تَسْلِيمُ شَيْءٍ منها.

ولو ادَّعَى أنه بَاعَهَا منه، يَكْفِيهِ أن يَحْلِفَ أنه لم يبعها، على القِيَاسِ الذي تَمَهَّدَ في الفصل.
وقوله في الكتاب: "فَأقَرَّ أنه نَكَحَ لا بالخمسين، التقييد بإقراره بالنكاح، كالمُسْتَغْنَى عنه، فإن المَرْأَةَ إنما تَدَّعِي، وتطلب الصَّدَاقَ، وذلك فيما يرجع إلى الحَلِفِ، والتَّحْلِيفِ، ولا يختلف بين أن يُقِرَّ بالنِّكَاحِ، أو لا يقر.
وقوله: "فلا يُمْكِنُهَا الحَلِفُ على ما دُونَ الخمسين".
أي: على النِّكَاحِ بما دُونَ الخمسين، فإن اسْتَأنَفَتْ وادَّعَتْ عليه بَعْضَ الخمسين الذي جَرَى النِّكَاحُ عليه، فيما زَعَمَتْ، ونَكَلَ، وجب أن يَجُوزَ لها الحَلِفُ عليه والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ لَوْ قَالَ: مَزَّقْتَ ثَوْبِي وَلِي عَلَيْكَ الأَرْشُ فَيَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: لاَ يَلْزَمُنِي الأَرْشُ وَلاَ يَلْزَمُهُ التَّعَرُّضُ لِلتَّمْزِيقِ، وَكَذَا إذا ادَّعَى مِلْكاً أَوْ دَيْناً فَيَكْفِي أنْ يَقُولَ: لاَ يَلْزَمُنِي التَّسْلِيمُ، فَإِنْ كَانَ المِلْكُ فِي يَدِهِ بِإجَارَةٍ أَوْ رَهْنٍ وَخَافَ إِنْ أَقَرَّ أنْ يُطَالَبَ بِالبَيَّنَةِ فَقَد قِيلَ: القَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ اليَدَ تُصَدِّقُهُ فِي الرَّهْنِ وَالإِجَارَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: القَوْلُ قَوْلُ المَالِكِ فَحِيلَتُهُ أنْ يُفَصِّلَ الجَوَابَ وَيَقُولَ: إِنِ ادَّعَيْتُ مِلْكاً مُطْلَقًا فَلاَ يَلْزمُنِي التَّسْلِيمُ، وَإِنِ ادَّعَيْتُ مَرْهُونَاً عِنْدِي فَحَتَّى أُجِيبَ، وَقِيلَ: هَذَا لاَ يُسْمَعُ مُرَدَّدَاً وَلَكِنَّ حِيلَتَهُ أَنْ يُنكِر مِلْكَهُ إِنْ أَنْكَرَ هُوَ دَيْنَهُ وَيَلْتَفِتَ إِلَى الظَّفَرِ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ادَّعَى مَالاً، وأَسْنَدَهُ إلى جِهَةٍ؛ بأن قال: أَقْرَضْتُ مِنْكَ كذا، وطَالَبَهُ بِبَدَلِهِ، أو قال: غَصَبْتَ عَبْدِي، وتَلِفَ عِنْدَكَ، فعليك [كذا, ضماناً] 1. أو قال: مَزَّقْتَ ثَوْبِي، فعليك كذا أَرْشاً، أو اشتريت منك كذا، وأَقْبَضْتُكَ ثمنه، فعليك تَسْلِيمُهُ، أو اشْتَرَيْتَ مِنِّي كذا، فعليك ثَمَنُهُ، وطالبه بالمُدَّعَى، فليس على المُدَّعَى عليه أن يَتَعَرَّضَ في الجواب لتلك الجِهَةِ، بل يَكْفِيهِ أن يقول: لا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئاً, ولا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شيء إليك، وكذا يَكْفِيهِ في جَوَاب طَالِبِ الشُّفْعَةِ: لا شُفْعَةَ لك عندي، أَوْ لا يَلْزَمُنِي تسليم هذا الشِّقْصِ إليك وذلكَ لأن المُدَّعِي قد يكون صَادِقاً في الإِقْرَاضِ، والغَصْبِ، والشِّرَاءِ، والبيع.
وتعرض ما يُسْقِطُ الحقَّ من أَدَاءٍ، أَوْ إِبْراءٍ، أو هِبَةٍ، فلو نفى الإِقْرَاض، وما في معناه، كان كَاذِباً.
ولو اعترف، طُولب بإقامة البَيِّنَةِ على ما يَزْعُمُ عُرُوضَهُ، فقد لا يساعده، فَاقْتَضَتِ الحَاجَةُ قَبُولَ الجَوَابِ المُطْلَقِ 2.

وعلى هذا، إذا قالت المَرْأَةُ: طَلَّقْتَنِي.
فقال: أنتِ زَوْجَتِي.
كَفَاهُ هذا الجَوَابُ.
وإذا اقْتَصَرَ المدعى عليه على الجواب المُطْلَقِ؛ فَأَفْضَى الأَمْرُ إلى الحَلِفِ، حلف على ما أجاب، ولم يُكَلَّف التَّعَرُّض في نَفْي الجِهَةِ المُدَّعَاةِ.
ولو حَلَفَ على نَفْي الجهة اَلمُدَّعَاةِ بعد الجواب المُطْلَقِ؛ جاز.
قاله في "التهذيب".
ولو تَعَرَّضَ في الجواب للجهة المُدَّعَاةِ، فقال: ما بعت، أو ما أَقْبَضْتَنِي، أو ما مَزَّقت.
فالجواب صَحِيحٌ أيضاً، ثم إن حَلَفَ على وَفْقِ الجواب، فذاك، وان أَرَادَ أن يَقْتَصِرَ في الحَلِفِ، على أنه لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، فيمكن، كما لو أجاب في الابْتِدَاءِ كذلك، أو لا يمكن، لِتُطابِقُ اليَمِينُ الإِنكارَ؟ فيه وجهان مذكوران في مَسْألَةِ اخْتِلاَفِ المُتَبَايعَيْنِ في قِدَم العَيْب وحُدُوثِهِ في مواضع سواها.
والأَظْهَرُ الثاني، ويُحْكَى عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- وعن أبي حَنِيْفَةَ أيضاً، وعلى قِيَاسِ البَاب، لو كان في يَدِهِ مَرْهُونٌ، أو مُسْتَأْجر، وادَّعَاهُ مَالِكُهُ، فيكفيه في الجَوَابِ أن يقول: لاَ يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُهُ، ولا يجب التَّعُرُّضُ لِلْمِلْكِ، فإن أقام المُدَّعِي بَيِّنَةً عَلى المِلْكِ، نُقِلَ في "الوسيط" عن القاضي: أنه يجب عليه تَسْلِيمُهُ، واعْتُرِضَ عليه، بأنه قد يصدق في الشهود، ولا يجب التَّسْلِيمُ، لإِجَارَةٍ، أو رَهْنٍ، ولو أنه اعترف بالمِلْكِ، وادعى رَهْناً، أو إِجَارَةً، وكَذَّبَهُ المُدَّعِي، فمن المُصَدَّقُ منهما؟ 1 فيه وجهان، وهما اللذان سَبَقَ ذِكْرُهُمَا في الرَّهْنِ، في باب الاخْتِلاَفِ، فإن صُدَّقَ صَاحِبُ اليد، فذاك، وإن صُدِّقَ المَالِكُ، وهو المذهب، فَمُدَّعِي الرَّهْن، والإِجَارَةِ، يحتاج إلى البَيِّنَةِ 2، فإن كانت لا تُسَاعِدُهُ البَيِّنَةُ، وخاف على جُحُود الراهن، لو اعترف

له [بالمِلْكِ] 1، فما حِيلَتُهُ؟ فيه وجهان، عن القَفَّالِ: أن حِيلَتَهُ، أن يُفصل الجواب؛ فيقول: إن ادعيت مِلْكاً مُطْلقاً، فلا يَلْزَمُنِي التسليم، إن ادعيت مَرْهُوناً عندي، فحتى أجيب.
وعن القاضي الحُسَيْنِ: أن الجواب، لا يُسْمَعُ مع التَّرَدُّدِ.
ولكن حِيلَتَهُ، أن يَجْحَدَ مِلْكَهُ، إن جحد صَاحِبُهُ الدَّيْنَ، والرَّهن، وعلى عكسه، لو ادَّعَى المرتهنُ الدَّيْنَ، وخاف الرَّاهِنُ جُحُودَ الرَّهْن، لو اعترف بالدَّيْنِ، فعلى الوجه الأول، يُفَصَّلُ فيقول: إن ادَّعَيْتَ ألفاً لي عندك به كذا رَهْناً؟ فحتى أُجِيب، وإن ادَّعَيْتَ ألفاً مُطْلقاً فلا يَلْزَمُنِي.
وعلى الثاني: صارت العَيْنُ مَضْمُونَةً عليه بالجُحُودِ، فلمن عليه الدَّيْنُ أن يَجْحَدَ، ويجعل هذا بذاك، ويُشْتَرَطُ التَّسَاوِي.
ونَظمُ الكتاب يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الوجه الأول، وهو الذي أَوْرَدَهُ الفوراني.
وذكر أن المُدَّعَى عليه يُفَصِّلُ الجَوَابَ أبَداً، ولا يكون ذلك إِقْرَاراً بشيء، كما إذا ادَّعَى عليه أَلْفاً فقال: إن ادَّعَيْتَ عن ثَمَنِ كذا، فحتى أجيب.
وإن ادَّعَيْتَ عن جِهَةٍ أخرى، فلا يَلْزَمُنِي.
هذا ما بَلَغَنِي في هذا المَوْضِعِ، ووراءه كَلاَمَانِ: أحدهما: أنا إذا سَمِعْنَا الجَوَابَ المُرَدَّدَ، كما ذكره الفوراني، لَزِمَنَا أن يَقْنَعَ منه بذلك، ويحوج المُدَّعِي إلى تعيين 2 أحد القسمين، وحينئذ فإما 3 أن يُحْوِجَهُ إلى بَيِّنَةٍ، وينص على تلك الجِهَةِ، أو يُكْتَفَى بِبيِّنَةٍ مطلقة، [إن اكتفينا ببَيِّنَةٍ مطلقة] 4 لم ينتفع المُدَّعَى عليه بالتَّفْصِيلِ، وإحواج المدعى إلى تَعْيينِ أَحَدِ القسمين إن أَحْوَجْنَا إلى بَيِّنَةٍ معينة، تَضَرَّرَ المدعى به؛ لأنه قد ساعده 5 البَيِّنَة على إِقْرَارِ الخَصْم بألف مُطْلَقٍ، ولا يساعده على الجهَةِ، وقد يَجِدُ شُهُوداً، يَعْرِفُون أنه كان [له] 6 علَيه أَلْفَانِ بِجِهَتَيْن، وعَرَفُوا أنه أَدَّى ألْفًا عن إِحْدَاهمَا، ولم يعرفوها بِعَيْنِهَا، فيمكنهم أن يَشْهَدُوا بالألف 7, ولا يمكنهم تَعْيِينُ الجِهَةِ، وكما اكْتَفَيْنَا بالجواب المُطْلَقِ من المدعى عليه، كيلا يَلْزَمُهُ ما ليس بِلاَزِمٍ، ولو عين [الجهة] 8 وعجز عن البَيِّنَةِ الدَّافِعَةِ، وجب أن يكتفي بإطلاق المدعى [من جهة المدعى] 9 ولا يُحْوِجُهُ إلى تَعْيِينِ الجِهَةِ، كيلا يُفَوِّتَ عليه ما هو فَائِتٌ للعجز عن البَيِّنَةِ المعينة.

والثاني: أن الوَجْهَ الثَّانِي على ما أَشَارَ إليه في الكتاب، مَأْخُوذٌ من مسألة الظَّفَرِ بغير الجِنْسِ، وحينئذ فالحُجُودُ بناء على جعل شيء، في مُقَابِلِهِ شيء، كأنه مُصَّورٌ، فيما إذا عرف المرتهنُ في الصُّورَةِ الأولى جُحُودَ الرَّاهِنِ الرَّهْنَ، والدين، قيل: إن ادعى الرَّاهن عليه أن له في يَدِهِ كذا، وعَرَفَ الرَّاهِنُ في الصورة الثانية، جحُودُ المرتهنِ كَوْنَ العَبْدِ في يده قبل أن يَدَّعِيَ العَبْدُ عليه، فأما إذا لم يَعْرِفِ الحجود من قبل، فربما لا يَجْحَدُ صَاحِبُهُ، لو أقر فكيف يَجُوزُ له الإِنْكَارُ بالوَهْمِ؟ وكيف نعرف شيئاً بشيء ولم نعرف جحود الخَصْمِ، وتعذر حصول (1) الحق منه.

فرع

: ادَّعَتْ على رَجُلٍ أَلْفاً صَدَاقاً، يكفيه أن يَقُولَ في الجَوَابِ: لا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إليها، قيل لِلْقَفَّالِ: هل للقاضي أن يَقُولَ: هل هي زَوْجَتُكَ؟ فقال: ما للقاضي ولهذا السؤال.
لكن لو سأل فقال: نعم.
قَضَى عليه بِمَهْرِ المِثْلِ، إلا أن يُقِيمَ البَيِّنَةَ، أنه نَكَحَهَا بكذا.
ولا يلْزَمُهُ أَكْثَرُ منه 2. قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثةُ: إِذَا ادَّعَى علَيْهِ مِلْكاً فَقَالَ: لَيْسَ لِي إنَّمَا هُوَ وَقْفٌ عَلَى الفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى وَلَدِي أَوْ هُوَ مِلْكُ طِفْلِي انْصَرَفَتِ الخُصُومَةُ عَنْهُ وَلاَ يُمْكِنُ تَحْلِيفُ الطِّفْلِ وَلاَ وَليُّهُ وَلاَ يُنْجِي إلاَّ البَيِّنَةُ، وَإِنْ قَالَ: لَيْسَ لِي أَوْ هُوَ لِمَنْ لاَ أُسَمِّيهِ لَمْ يَنْصَرِفْ عَنْهُ الخُصُومَةُ، وَقِيلَ: يَأْخُذُهُ القَاضِي إِلَى أَنْ يُقِيمَ حُجَّةً لِمَالِكٍ، وَلَوْ قَالَ: هُوَ لِفُلاَنٍ فَيَحْضُرُ فَإِنْ صَدَّقَهُ انْصَرَفَتِ الخُصُومَةُ عَنْهُ وَلَوْ كَذَّبَهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّ القَاضِيَ يَأْخُذُهُ لِيَتَبَيَّنَ مُسْتَحَقَّهُ، وَقِيلَ: يُسَلَّمُ إِلَى المُدَّعِي إِذْ لاَ مُنَازعَ لَهُ، وَقِيلَ: يُتْرَكُ فِي يَدِهِ إِلَى قِيَامِ حُجَّةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ادَّعَى عَقَاراً، أو مَنْقُولاً على إنسانٍ؛ فقال المدعى عليه: إنه ليس لي، فينظر؛ أيقتصر 3؟ أو يضيفه إلى مَجهُولٍ؟ أو يضيفه إلى معلوم؟ الحالة الأولى والثَّانية أن يَقْتَصِرَ عليه، أو أَضَافَهُ إلى مَجْهُولٍ، فإن قال: هو لرجل لا أَعْرِفُهُ، أو لا أُسَمِّيهِ، ففي انْصِرَافِ الخُصُومَةِ عنه، وانْتِزَاعِ المال من يَدِهِ، وجهان عن ابن سُرَيْجٍ:1

أحدهما: يَنْصَرِفُ؛ لأنه تَبَرَّأَ من المُدَّعى، وينتزع الحاكم المَالَ من يَدِهِ.
فإن أقام المُدَّعِي بَيِّنَةً على الاسْتِحْقَاقِ فذاك، وإلا حفظه إلى أن يظهر مالكه.
وأصحهما: أنها لا تَنْصَرِفُ، ولا يُنْتَزَعُ المَالُ من يده؛ لأن الظَّاهِرَ أن ما في يده مِلْكُهُ، وما صَدَرَ عنه ليس بِمُزِيلٍ، ولم يظهر لغيره اسْتِحْقَاقاً، وعلى هذا؛ فإن أَقَرَّ بعد ذلك لِمُعَيَّنٍ قُبِلَ، وانْصَرَفَتِ الخصُومَةُ إلى ذلك المُعَيَّنِ، وإلا فيقيم 1 المدعي البَيِّنةَ عليه، أو يحلفه، وهل يمكن من أن يعود فيه لنفسه؟ ذكروا فيه وجهين 2. وفي المسألة وَجهٌ ثالث، وهو أنه يُسَلّمُ المَال إلى المُدَّعِي؛ لأنه لا مُزَاحِمَ له في دَعْوَاهُ.
ولو قال في الجواب: نِصْفُهُ لي، والنِّصْفُ الآخر لا أدري لمن هو؟ ففي النصف الآخر الوجوه الثلاثة.
الحالة الثالثة: إذا أَضَافَهُ إلى مَعْلُومٍ، فالمُضَافُ إليه ضَرْبَانِ: أحدهما: من يمتنع مُخَاصَمَتُهُ وتحليفه؛ كما إذا قال: هو وَقْفٌ على الفُقَرَاءِ، أو على مَسْجِدِ كذا، أو على ابني الطِّفْلِ، أو هو مِلْكٌ له، فالجَوَابُ في الكتاب: أن الخُصُومَةَ تَنْصَرِفُ عنه، ولا سَبِيلَ إلى تَحْلِيفِ الوَلِيِّ، ولا طِفْلِهِ، ولا يغني إلا البَيِّنة.
وكذلك ذكر الشيخ أبو الفَرَج، وقال: إذا قضى القَاضِي له بالبَيِّنَةِ، كتب صورة الحال في السِّجِلِّ، ليكون الطِّفْلُ علَى حُجَّتِهِ إذا بلغ.
وقال في "التهذيب": لو قال في الجواب: إنه لابنْي الطِّفْلِ، أو وَقْفٌ عليه، فلا تَسْقُطُ الدَّعْوَى بهذا، فإن أقام بَيِّنَةً أخذها، وإلا حَلَفَ المُدَّعَى عليه؛ أنه لا يَلْزَمُةِ تَسْلِيمُهَا إليه، إذا كان هو قَيِّمُ الطفل 3 والضرب الثاني: مَنْ لا يمتنع مُخَاصَمَتُهُ، وتَحْلِيفُهُ، كما إذا أَضَافَ إلى شخص مُعَيّنٍ، فهو إما حَاضِرٌ في البلد، أو غَائِبٌ عنه.
القسم الأول: الحَاضِرُ في البلد فَيُرَاجَعُ، فان صدق المدعى عليه، انصرفت الخُصُومَةُ عنه إلى المُقِرِّ له، وإن كذّبه، ففيه ثلاثة أوجه على ما سبق ذِكْرُهَا في الإِقرار.
ففي وجه: يُتْرَكُ في يد المُدَّعَى عليه، وفي وجه -ينتزع 4 ويُحْفَظُ، إلى أن يظهر

مَالِكُهُ، ويُحْكَى هذا عن ابن سُرَيْجٍ.
وفي وجه: يُسَلَّمُ للمدعى؛ لأنه لا مُنَازعَ له، ويُحْكَى هذا عن أبي إِسْحَاقَ.
وفي "الشامل" وجه: أنه يقال للمدعى [عليه] 1. من أقررت له كذبك؛ فإما أن تَدَّعِيَهُ لنفسك، فتكون الخَصْمَ، أو لمن يصدقك، فيكون هو الخَصْمَ.
فإن امتنعت، جَعَلْنَاكَ نَاكِلاً، وحلفنا المُدَّعِي.
وأما لفظ الكتاب، فقوله: "انصرفت الخصومة عنه".
وقوله: "ولا وليه"، يمكن إِعْلاَمُهَا بالواو، لما نَقَلْنَاهُ عن "التهذيب".
وقوله: "وهو لفلان فيحضر" 2 أي: في البلد.
وقوله: "ولو كذبه، فالصحيح "إلَى آخره".
الوجه الأول: وهو أن القاضي يأخذه؛ ليَتَبَيَّنَ مُسْتَحِقَّهُ.
والثالث: وهو أن يُتْرَكَ في يَدِهِ، قد ذكرهما في باب الإِقْرَارِ، وإذا كذب المقر، ولم يُرَجَّحْ وَاحِدٌ منهما هناك، وهاهنا رُجِّحَ وَجهُ الانتزاع والحفظ، وكذلك فعل صاحب "التهذيب" و"التتمة"، والأَكْثَرُونَ على ترجيح التَّرْكِ في يَدِ المُقرِّ على ما بَيَّنَّا هناك.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَضَافَ إِلَى غَائِبٍ فَفِي انْصِرَافِ الخُصُومَةِ عَنْهُ وَجْهَان، فَإِنْ قُلْنَا: يَنْصَرفُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ اليَمِينُ حَتَّى يَسْتَفِيدَ المُدَّعِي بِنُكُولهِ اليَمِينَ وَانْتِزَاعَ الشَّيْءِ مِنْ يَدِهِ أَوْ يُقِيمَ البيِّنَةُ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ، ثُمَّ الغَائِبُ إِنْ رَجَعَ كَانَ هُوَ صَاحِبَ اليَدِ فَيَسْتَأْنِفُ الخُصُومَةَ، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْصَرِفُ عَنْهُ فَلَوْ كَانَ لِلمُدَّعِي بَيِّنَةٌ فَهُوَ قَضَاءٌ علَى الغَائِبِ فَيَحْتَاجُ إِلَى يَمِينٍ مَعَهُ، فَلَوْ كَانَ لِصَاحِبِ اليَدِ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ لِلغَائِبِ سُمِعَتْ إِنْ أَثْبَتَ وَكَالَةَ نَفْسِهِ وَقُدِّمَتْ علَى بَيِّنَة المُدَّعِي، فَإنْ لَمْ يُثْبِتِ الوَكَالَةَ فَهَلْ يُسْمَعُ إِنْ قُلْنَا إِنَّ للمُدَّعِي تَحْلِيفَهُ رَجَاءَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ فَيُغْرَمَ بِالحَيْلُولَةِ فَلَهُ غَرَضٌ فِي إِقَامَةِ البَيِّنَةِ لِيَصْرِفَ هَذِهِ اليَمِينَ عَنْ نَفْسِهِ ففِيهِ وَجْهَانِ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لاَ يُسْمَعُ إِذْ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلاَ وَكِيلٍ، فَإنِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ عُلْقَةَ رَهْن أَوْ إِجَارَةٍ فَوَجْهَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ يُسْمَعَ، فَإنْ سُمِعَتْ لِصَرْفِ اليَمِينِ عَنْهُ فَبَيِّنَةَ المُدَّعِي فِي الحَالِ مُقَدَّمَةٌ، فَإِنْ رَجَعَ الغَائِبُ وَأَعَادَ البَيِّنَةَ قُدِّمَتْ بَيِّنتُهُ، وَإِنْ سَمِعْنَا لِعُلْقَةِ الإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ فَأَيُّ البَيِّنتَيْنِ يُقَدَّم؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني -الغائب:

فإِذا أَضَاف المُدَّعى إلى غَائِبٍ، ففي انْصِرَافِ الخُصُومَةِ عنه فيه وجهان: المذكور في "التهذيب"، و"الرقم"، وظاهر لفظ "المختصر": لا يَنْصَرِفُ؛ لأن المِلْكَ في يَدِهِ، والظاهر أنه له، فلا يُمَكَّنُ من صَرْفِ الخُصُومَةِ عن نفسه [بالإضافة] 1 إلى غَائِبٍ، قد يرجع، وقد لا يرجع [ويخالف] 2 ما إذا أَضَافَ إلى صَبِيٍّ أو مَجْنُونٍ، فإن هناك يمكن مُخَاصَمَةُ وَليِّهِ.
وأظهرهما، وهو جَوَابُ أكثرهم: أنها تَنْصَرِفُ؛ لأن المَالَ بِظَاهِرِ الإقرار لغيره.
ألا ترى أن الغَائِبَ إذا عاد وصَدَّقَهُ، أَخَذَهُ، وإذا كان لغيره، وَجَبَ أن تكون الخُصُومَةُ معه، ثم عن أبي عَاصِمٍ العَبَّادِيِّ: أن الوجهين فيما إذا قَال: إنه لفلان، وَهُوَ في يَدِي بِإِجَازةٍ، أو إِعَارَةٍ، أو وَدِيعَةٍ، أو غيرها، فأما إذا اقْتَصَرَ على أنه ليس لي، وإنما هو لفلان، ولم تذكر ليده جِهَة، لم تَنْصَرِفِ الخُصُومَةُ عنه بِحَالٍ، والجمهور لم يُفَرِّقُوا بين الحالتين.
التفريع: إن قلنا: لا تَنْصَرِفُ الخُصُومَةُ عنه، نظر: إن لم يكن لِلْمُدِّعي بَيِّنَةٌ، فله تَحْلِيفُ المُدَّعَى عليه، على أنه لا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إليه، فإن نَكَلَ، حلف المدعى، وأخذ المَالَ من يَدِهِ، ثم إذا عاد الغَائِبُ، وصدق المقر، فيُردُّ المال عليه بلا حُجَّةٍ؛ لأن اليَدَ له بإقرار 3 صاحب اليَدِ، والمدعى يَسْتَأْنِفُ الخُصُومَةَ معه، وإن أقام المُدَّعِي بَيِّنَةً على الحاضر، أخذ المَالَ أيضاً، ثم هو قَضَاءٌ على الحاضر، الذي تجري الخُصُومَةَ معه، أو على الغَائِبِ؛ لأن المَالَ له بِمُوجَبِ الإِقْرَارِ؟ فيه وجهان نَقَلَهُمَا صاحب "التهذيب" وغيره، المستمر 4 منهما على الوَجْهِ الذي عليه، يُفَرَّعُ أنه قَضَاءٌ على الحاضر، حتى لا يَحْتَاجُ المدعى مع البَيِّنَةِ إلى اليَمِينِ، ويكتب القاضي في السِّجِلِّ، أنه قَضَى له بالبَيِّنَةِ، بعدما أَقَرَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ، أنه لفلان الغَائِب؛ ليكون الغَائِبُ على حُجَّتهِ فإذا عاد، وأَقَامَ البَيِّنَةَ فيقضي 5 له لترجح جانبه باليد، وإن لم يُقِمْ، أُقِرَّ المَالُ في يد المُدَّعِي، فإن الْتَمَسَ من القَاضِي، أن يزيد 6 في التَّسْجِيلِ، أن الغَائِبَ قد قَدِمَ، ولم يأت بِبَيِّنَةٍ، أجابه إليه.
وإن قلنا: تَنْصَرِفُ الخُصُومَةُ عنه، فإن لم يكن لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، فيوقف الأَمْرُ إلى أن يحضر الغَائِبُ.
وإن كانت له بَيِّنَةٌ، فيقضي له بالمَالِ.
وهذا قَضَاءٌ على الغائب، أو على الحاضر الذي تَجْري الخُصُومَةُ معه.

ذكر العراقيون وغيرهم فيه وجهين: أحدهما: أنه قَضَاءٌ على الغائب، فيحتاج معه إلى اليَمِينِ.
وثانيهما: أنه قَضَاءٌ على الحاضر، فلا حَاجَةَ إلى اليَمِينِ، وبه قال أبو إِسْحَاقَ، ورَجَّحَ العراقيون والروياني هذا الوَجْهَ، لكن الأول أَقْوَى، وأَلْيَقُ بالوجه المُفَرَّعِ عليه، وهو المَذْكُورُ في الكتاب؛ واخْتِيَارُ الإِمام وهذا كله، فيما إذا لم يُقِمِ المُدَّعَى [عليه] 1 بَيِّنَةً، على أن المَالَ لِلْغَائِب، [فإن أقام عليه بَيِّنَةً، نظر: إن ادَّعَىَ أنه وَكِيلٌ من جِهَةِ الغائب، وأَثْبَتَ الوِكَالَةَ، فَبَيِّنَتُهُ على أن المَالَ لِلْغَائِب] 2 مَسْمُوعَةٌ، وهي حُجَّةٌ على بَيِّنَةِ المدعى.
وإن لم يثبت الوِكَالَةُ، فقد 3 حَكَى الإِمَامَ فِي سَماع بَيِّنَتِهِ ثلاثة أوجه: أحدها: وبه قال الشيخ أبو محمد: أنها لا تُسْمَعُ؛ لأنه ليس بِمَالِكٍ، ولا نَائِبٌ عنه، وإِقَامَةُ البينة فُضُولٌ منه.
فعلى هذا الحُكْمُ، كما لو لم يُقِمْ بَيِّنَةً.
والثاني: أنها مَسْمُوعَةٌ لدفع التُّهْمَة عنه بالاحتيال 4 في الإِضَافَةِ إلى الغائب.
والثالث: إن اقْتَصَرَتِ البَيِّنَةُ على أنه لفلان الغَائِبِ، لم تُسْمَعْ، وإن تَعَرَّضَتْ مع ذلك لكونه في يَدِ المُدَّعَى عليه، بعارية، أو غيرها، من الجِهَاتِ، سُمِعَتْ.
وهكذا نقل الوجوه صاحب الكتاب في "الوسيط"، وبنى هاهنا سماع البَيِّنَةِ على أن المُدَّعِي، هل يحلفه؟ إذا قلنا: بانصراف الخُصُومَةِ عنه، لِيُغَرِّمَهُ القِيمَةَ، إن أَقَرَّ له، على ما سنذكره إِثْرَ هذا الفَصْلِ وفيه خلاف.
إن قلنا: لا نُغَرِّمُهُ، فلا يحلفه، ولا تُسْمَعُ البَيِّنَةُ، وإن حكمنا بالتَّغْرِيمِ، والتحليف، ففي سَمَاعِ البَيِّنَةِ وجهان: أظهرهما: على ما ذكره: المنع؛ لأنه ليس بِمَالِكٍ، ولا وَكِيلٍ.
ووجه الثاني: أنه يستفيد بالبَيِّنَةِ صَرْف اليمين عن نَفْسِهِ.
قال الإِمام وصاحب الكتاب: وإذا قلنا: لا تُسْمَعُ البَيِّنَةُ المُقَامَة على أن المَالَ لفلان، فلو ادَّعَى لِنَفْسِهِ فيه حَقاً لازِماً، كَرَهْنٍ، وإِجَارَةٍ، وتعرضت البَيِّنَةُ لذلك أيضاً، ففي السَّمَاعِ وجهان؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ به.
وإذا سمعنا [بَيِّنَتهُ] 5 تصرف اليَمِين عنه، فنحكم لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ.

فإن رجع الغائب، وأعاد البَيِّنَةَ، قُدَّمَتْ بَيِّنَتُهُ.
وإذا سمعناها لِعُلْقَةِ الرِّهْنِ، والإجارة، فَتُقَدَّمُ هذه البَيِّنَةُ، أو بينة المدعى؟ فيه وجهان: قال في الوسيط.
أظهرهما: تقديم بَيِّنَةِ المدعى، وتَصِيرُ فائدة بَيِّنَتِهِ صَرْفَ اليمين عنه.
هذا ما ذكراه، والذي فَهِمْتُهُ من كلام الأصحاب، وينبغي أن يفتي 1 بموجبه؛ أن المدعى، وقد أَضَافَ المدعى عليه المَالَ إلى الغائب، خصومة معه، وأخرى مع الغائب.
فإذا أَقَامَ البَيِّنَةَ انصرفت الخُصُومَةُ عنه، لا مَحَالَةَ، ولا يجيء فيه الوَجْهَانِ المذكوران، فيما إذا اقْتَصَرَ على الإقْرَارِ للغائب، فَتُسْمَعُ البَيِّنَةُ التي يَضُمُّهَا في حَقِّهِ، ليصرف الخصومة عنه، لدفع التُّهْمَةِ [عنه] 2 أيضاً، ولِدَفْعِ اليَمِينِ أيضاً.
إذا قلنا: إن المُدَّعِي يُتَمَكَّنُ من تحليفه، وبنوا 3 على انْصِرَافِ الخُصُومَةِ عنه، أن المدعي لو أقام البَيِّنَةَ، والحَالَةُ هذه، فَلاَ بُدَّ له من اليَمِينِ، والقَضَاءُ قَضَاءٌ على الغائب وَجْهاً واحداً.
وأما بالإضافة إلى الغائب، فهي غير مَسْمُوعَةٍ، حتى لا يُحْكَمَ للغائب بالمِلْكِ، بالبَيِّنَةِ التي يَضُمُّهَا الحَاضِرُ، على أنه للغائب.
فإن تَعَرَّضَ الشهود مِع ذلك لِكَوْنهِ في رَهْنِ الحاضر، أو إِجَارَتِهِ، فيه وجهان عن أبي إِسْحَاقِ: أن من الأصْحَاب من قال: تُسْمَعُ هذه البَيِّنَةُ للغائب أيضاً؛ لأن الحَاضِرَ يَدَّعِي حَقّاً، ويقيم البَيِّنَةَ عَليه، فَلاَ بُدَّ من إِثْبَاتِهِ، ولا يَثبُتُ حَقُّهُ إلا بِثُبُوتِ مِلْكِ الغائب.
وعلى هذا فَتُرَجَّحُ بَيِّنَتُهُ على بَيِّنَةِ المدعي، لتقويمها باليَدِ.
والثاني: أنه لا يَتَمَكَّنُ من إِثْبَاتِ المِلْكِ للغائب مَقْصُوداً ولا يَتَمَكَّنُ منه في ضِمْنِ إثبات الحَقِّ لنفسه.
وعلى هذا فالعَمَلُ بِبَيِّنَةِ المدعي.
والناقلون رَجَّحُوا الوَجْهَ الثاني، ولا بَأْسَ بالأول، وبِتَوْجِيهِهِ.
وقوله في الكتاب: "وإن قلنا ينصرف عنه" يجوز أن يُعَلمَ لَفْظُ الانصراف بالحاء؛ لأنه يُحْكَى عن أبي حَنِيْفَةَ أنها لا تَنْصَرِفُ.
وقوله "فهو قضاء على الغائب".
وقوله: "فيحتاج إلى يمين معه" مُعَلمَانِ بالواو لما بَيَّنَّاهُ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَحَيْثُ تَنْصَرِفُ الخُصُومَةُ عَنْهُ فَلِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُهُ بِنَاءً عَلَى الأصَحِّ فَإِنَّهُ لَو أَقَرَّ الثَّانيْ غَرِمَ لَهُ القِيمَةَ.

جارٍ التحميل