كِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِ
1 وَفِيهِ فُصُولٌ
(الأَوَّلُ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ القَسْمَ): وَلاَ يَجِبُ عَلَى مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَاحِدَةٌ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا لَكِنْ يُسْتَحَبُ ذَلِكَ لِتَحْصِينَها.
وَلاَ يَجِبُ القَسْمُ بَيْنَ المُسْتَولَدَاتِ وَبيْنَ الإِمَاءِ وَلاَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ المَنْكُوحَاتِ.
لَكِنَّ الأَوْلَى العَدْلُ وَكَفُّ الإِيذَاءِ.
وَمَنْ لَهُ مَنْكُوحَاتٌ فَإنْ أَعْرَضَ عَنْهُنَّ جَازَ.
وَإِنْ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ وَاحِدَةٍ لَزِمَهُ مِثْلُهَا لِلبَاقِيَاتِ.
قال الرافعي: النكاح مناطُ حقوقِ الزوج على الزوجة، كالطاعة، والمقام في المسكن، وحقوق الزوجة على الزوج؛ كالمهر، والنفقة، والمعاشرة بالمعروف؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] وأراد مماثلتهما في
الجزء: 8 - الصفحة: 358
وجوب الأداء لأن الحقين متماثلان؛ وقد قال تعالى (1): ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].
قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- "وجماع المعروف بين الزوجين الكفُّ عن المكروه وإعفاء صاحب الحق من المؤنة في طلبه من غير إظهار كراهية في تأديته، فأيهما مطل بتأخيره فمَطل الغنِيِّ ظُلْمٌ.
قال الأصحاب رحمهم الله أراد بـ"الكف عن المكروه" الامتناعَ عما يكرهه صاحبه، وبـ"إعفاء صاحب الحقِّ عن المؤنة في طلبه" ألا يحوجه في استيفاء الحق إلى كُلْفَة ومؤنة وبقوله "من غير إظهار كراهية" أن يؤدي الحقَّ راضياً طَلْقَ الوجه.
ومن المعاشرة بالمعروف رعاية القَسْم والمقصود الأصلي في عقد الكتاب القول في القسم وفائدته العدل والتحرز عن الإِيذاء الإيحاش بترجيح البعض، وقد يعرض ما يقتضي التفضيل، ثم الزوج المستَحَقُّ عليهَ القَسْم إما حاضر أو مسافر، وللقسم المُستحق مستحق، وكيفية ما يؤدي، وطريق القضاء إذا فات، فَضمَّن هذه الجمل في خمسة فصول: فَصْل: فيمن يستحقه وثان: في زمانه، ومكانه وهو راجع إلى كيفية توفيته، وثالث: في التفاضل، ورابع: في القضاء، وخامس: في المسافرة بالنِّسْوة؛ وعقبها بفصل سادس: في الشقاق بين الزوجين والاختلال الواقع منهما أو من أحدهما في الحقوق الواجبة في النكاح.
"
الفصل الأول: فيمن يستحقه
"
أما الفصل الأول: فمن له زوجة واحدة، فلا ينبغي أن يعطِّلها بل المستحب أن يبيت عندها ويحصنها، وأدنى الدرجات ألا يخلى كل أربع ليالي عن ليلة، ولا تجب عليه البيتوتة، فإن السُّكْنَى والاستمتاع حقُّه، ولا حرج على الإِنسان في ألا يستوفي حقَّه.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أن عليه أن يبيت عندها في كل أربع ليال ليلةً.
ولو كانت له مستولَدَاتٍ أو إماءٌ فلا قَسْمَ لهن بل هو من خصائص النكاح، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] أشعر ذلك بأنه لا يجب الَعدل في ملْك اليمين والأحب ألاَّ يعطِّلَهُنَّ؛ لئلا يحدث منهن ريبَةٌ وفساد، وأن يسوي بينهن؛ كيلا يحقد بعضهن على بعض، ولو كانت معهن نساء 3 فلا قَسْمَ بينهن وبين المنكوحات حتى لو بات عند المنكوحات لم يلزمه أن يبيت عندهن، ولو بات عندهن لم يلزمه القضاء للمنكوحات، وإذا كانت تحته زوجتان فصاعداً، فالإِعراض عن جميعهن كالإِعراض عن الواحدة ممن له زوجة واحدة، وعن القاضي2
الجزء: 8 - الصفحة: 359
أبي حامد حكايته وجه: أنه يجب عليه القَسْم بينهن ولا يجوز له الإِعراض، ويمكن أن يجيء مثله في الواحدة.
ولو بات عند بعضهن لزمه مثل ذلك للباقيات تسويةً بينهن، فلو لم يفعل عصى؛ روِيَ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا كَانَتْ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ أَوْ سَاقِطٌ" 4.
وَإِذَا سَوَّى في الظاهر لم يُؤَاخذ بزيادة ميل القَلْب إلى بعضهن؛ روي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يَقْسِمُ بين نسائه، فيعدل ويقول: "اللَّهُمَّ، هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلاَ تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ" 5 يعني القلب.
ولا تجب التسوية في الجماع، فإنه يتعلق بالنشاط والشهوة وهي لا تواتي في كل وقت فيه لكن الأحبَّ التسوية فيه، وفي سائر الاستمتاعات، ولو قسم بينهن مدة وسوى ثم أعرض عن جميعهن جاز كما في الابتداء.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَتَسْتَحِقُّ المَرِيضَةُ وَالرَّتْقَاءُ وَالحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالمُحْرمَةُ وَالَّتِي آلَى مِنْهَا زَوْجُهَا أَوْ ظَاهَرَ وَكُلُّ مَنْ بِهَا عُذْرٌ شَرعِيٌّ أَوْ طَبَعَيٌّ لأَنَّ المَقْصُودَ الأُنْسُ وَالسَّكَنُ دُونَ الوِقَاعِ، أَمَّا النَّاشِزَةُ فلاَ تَسْتَحِقْ، فَلَوْ كَانَ يَدْعُوهُنَّ إلَى مَنْزِلِهِ فَأَبَتْ وَاحِدَةٌ سَقَطَ حَقُّهَا، وَإِنْ كَانَ يُسَاكِنُ وَاحِدَةً وَيَدْعُو البَاقِيَاتِ فَفِي جَوَازِ ذَلِكَ تَرَدْدٌ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّخْصِيصِ، وَالمُسَافَرَةِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ نَاشِزَةٌ، وإنْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ في غرَضِهِ حَقُّهَا قَائِمٌ وَتَسْتَحِقُّ القَضَاءَ، وَإِنْ كَانَ في غَرَضِهَا لَمْ تَسْتَحِقَّ في القَوْلِ الجَدِيدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المقصود بيان من تستحق القَسْمَ، وفيه صُوَرٌ.
إحداها: تستحق المريضةُ 6 القَسْم وكذلك الرَّتقاء، والقرناء، والحائض،
الجزء: 8 - الصفحة: 360
والنُّفَسَاء، والمُحرمة، والمولى عنها، والمظاهر عنها؛ كما تستحق الخالية عن هذه المعاني؛ لأن هذه المعاني إنما تمنع الوطْء، والمقصود من القَسْم الأنس، والسكن والتحرز عن التخصيص الموحش، وكذلك يجب القَسْم للمراهقة، أو المجنونة التي لا يخاف منها، فإن خيف فلا قَسْمَ لها، قال في "التتمة": والمعتدة عن وَطْء الشبهة لا قسم لها؛ لأنه لا تجوز الخلوة معها 7، وهذا يقع مستثنى عن قوله في الكتاب: "وَكُلُّ مَنْ بها عُذْرٌ شَرْعِيٌّ أَوْ طَبعِي".
الثانية: إذا نشزت عن الزوج؛ بأن خرجت عن المسكن، أو أراد الدخول عليها فأغلقت الباب ومنعته، أَوِ ادَّعَتْ عليه الطلاق، أو امتنعت عن التمكين، فلا قسم لها كما لا نفقة، وإذا عادت إلى الطاعة لم تستحقَّ القضاء، وامتناع المجنونة كامتناع العاقلة إلاَّ أنها لا تأثم.
الثالثة: إن لم ينفرد الزوج بمسكن، وَدَارَ عليهن في مساكنهن فذاك، وإن انفرد بمسكن، فيخير بين المُضِيِّ إليهن وبين أن يدعوهن إلى مسكنه في نوبتهن.
والأول أَوْلَى؛ كيلا يُحْوَجْنَ إلى الخروج، وكذلك كان يفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- 8 فإن دعاهن فعليهن الإِجابة، ومن امتنعت فهي ناشزة 9، وهل له أن يدعو بعضهن إلى مسكنه، ويمضي إلى مسكن بعضهن، فيه وجهان، وقال الحناطِيُّ: قولان:
أحدهما: نَعَمْ وبه أجاب الشيخ أبو حامد وغيره من العراقيين، كما لو أراد أن = والغزالي جعل النظر في ذلك إلى القاضي وإن استحقت القضاء فقد دخل الضرر على بقية الزوجات والتحقيق السقوط قال: ولم يذكروا الصغيرة ومقتض القواعد أنها لا تستحق القسم كما أنه لا نفقة لها.
انتهى.
وما ذكره الشيخ البلقيني يؤخذ من قول المصنف "والمراهقة" أي يستحق القسم فأفهم أن دون المراهقة لا قسم لها.
الجزء: 8 - الصفحة: 361
يسافر ببعضهن دون بعض.
وأقواهما -وبه أجاب صاحب "التهذيب" وأبو الفرج السرخسي وغيرهما 10 - المَنْعُ؛ لما فيه من التخصيص والتفضيل، والمسافرة ببعضهن إنما تكون بالقُرْعَة والقُرْعَة تدفع وحشة التخصيص، فإن أقرع بينهن؛ ليدعو من خرجت القرعة لها إلى منزل وجب أن يجوز 11 ثم الوجهان فيما إذا لم يكن للتخصيص عذر فإن كان؛ كما إذا كان مسكن إحداهما أقربَ إليه، فمضى إليها، ودعا الأخرى؛ ليخفف عن نفسه مؤنة السير فعليها الإِجابة، وكذا لو كانت تحته عجوز وشابَّة، فحضر بيت الشابة؛ لكراهية خروجها، ودعا العجوز لزمها الإِجابة، وإن أبت بطل حقها، وإن كان يدعوهن إلى منزله، فمنع بعضهن شُغْلٌ لها بطل حقها، وإن منعها من الإِجابة مرض، قال القاضي ابن كج: عليه أن يبعث إليها من يحملها إليه، ولو أقام عند واحدة منهن، ودعا الباقيات إلى بيتِها لم يلزمْهُنَّ الإِجابة؛ لأن إتيان بيت الضرة شاقٌّ عليهن.
وقوله في الكتاب: "وإن كان يساكن واحدة ويدعو الباقيات ... " إلى آخره: قد يُشْعِر ظاهره بهذه الصورة لكن لا خلاف فيها، وإنما المراد الصورة السابقة، وفي هذه الصورة شيء آخَرُ وهو الجمع بين ضرتين في مسكن واحد، وذلك ممتنع بغير رضاهن، ولكن كان في ليلة واحدة.
الرابعة: سفر المرأة إن كان مع الزوج فسيأتي الكلام فيه، وإن سافرت وحدها، فإن لم يأذن الزوج فهي ناشزة 12، وإن أَذِنَ، فإن كان السفر في غرضه لم يسقط حقها، وقضى لها من حقوق الباقيات، وإن كان لغرضها كحج، أو تجارة ففيه قولان:
القديم: وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يسقط حقها؛ لقيام الإِذن ولو لم يأذن لها 13 لما خرجت.
الجزء: 8 - الصفحة: 362
[والجديد]: أنه يسقط ولا تستحق القضاء؛ لأن الاستمتاع والتمكن المستَحَقَّ عليها قد فات لمصلحتها، والإذْن إنما يؤثر في سُقُوط الإِثْم وفَوَاتِ التَّسْلِيمِ المستحَقِّ، وإن كان بسبب غير مأثوم [فيه] 14 يوجب سقوط ما يقابلُه، وشبهوا ذلك فيما إذا فات تسليم المبيع قبل القبض بسبب هو مَعْذُورٌ فيه، فإنه يسقط الثمن ومنهم من قطع بالجديد.
قال الغزالي: وَيَجِبُ القَسْمُ عَلَى كُلِّ زَوْجٍ عَاقِلِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَعَلَى الوَلِيِّ أن يَطُوفَ بِالمَجْنُونِ عَلَى نِسَائِهِ، وَيرْعَى العَدْلَ فِي القَسْمِ، فَلَوْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَلاَ يُخَصِّصْ وَاحِدَةً بِنَوْبَةِ الإِفَاقَةِ إنْ كَانَ مَضْبُوطاً، فَإِنْ لَمْ يَكن فَأَفَاقَ فِي نَوْبَةٍ وَاحِدَةٍ قَضَى لْلأُخْرَى مَا جَرَى في الجُنُونِ لِنُقْصَانِ حَقِّهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: القَسْمُ مستحق على كل زوج عاقل مراهقاً، كان أو بالغاً رشيداً كان، أو سفيهاً، وإن وقع جور من المراهق فالإثم على الوليِّ وفي السفيه الإِثم عليه، وأما المجنون فقد قال الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر": "وعلى وَلِيِّ المجنون أن يطوف به على نسائه"، وشَرَحَه الأصحاب بما محصوله أن المجنون كان لا يؤمن منه ضرر فلا قَسْمَ، وإن أُمِنَ، فإن كان قد قَسَمَ لبعض نسائه ثم جُنَّ، فعلى الولي أن يطوف به على الباقيات، قضاءً لحقوقهن كما يقضي ما عليه من الدَّيْنِ قال في "التَّتِمَّةِ": وذلك إذا طَلَبْنَ، فإن أردن التأخير إلى أن يُفيق، فتتم المؤانسة فلهن ذلك، وإن لم يكن عليه شَيْءٌ من القَسْم؛ بأن كان معرضاً عن جميعهن، أو جُنَّ بعد التسوية بينهن، فإن رأى منه الميل إلى النساء، أو قال أهل الخبرة؛ "إِنَّ غشْيَانَ النِّسَاءِ يَنْفَعُهُ" فعلى الوليِّ أن يطوف به عليهن، أو يدعوهن إلى منزله، أو يطوف به على بعضهن ويدعو بعضهن، كما يرى، وإن لم هي منه ميلاً فليس عليه أن يطوف به، وفي "الإِبانة" وجه: أن حقَّ القَسْم يبطل بالجنون ولا يطالَبُ الوليُّ برعايته بحال؛ لأن وجوب القَسْم للإِيناس والتحرز عن الحيف المؤذي، ولا أُنس في صُحْبَة المجنون، ولا يتأدى منه، وقد يوجه ذلك بأن للزوج أن يعرض عنهن جميعاً، فكذلك الولي، وأجيب عنه بأن العاقل اكْتَفَى بداعيته الطبيعة، والمجنونُ بخلافه، ولا ينبغي أن يجري هذا الوجْه فيما إذا قيل: إن الغشيان ينفعه، ولو قيل: إنه يضره وجب أن يمنعه عنهن، هذا في حق المجنون المُطْبِق ولو كان به جنون مُتَقَطِّع، فإن ضبط، بأن كان يُجن يوماً ويُفيقُ يوماً، فيطرح أيام الجنون وتنزلف كأيام الغَيْبَة، ويقسم في أيام إفاقته، ولو أقام في الجنون عند واحدة فلا قضاء ولا اعتداد به، هكذا ذكره صاحبُ "التَّهْذِيبِ" وغيره وفيه إشعار ظاهر بأنه لا قَسْمَ في أيام جنونه، ووراء ذلك وجهان:
الجزء: 8 - الصفحة: 363
أحدهما: حكى أبو الفرج وجهاً: أنه إن أقام في الجنون عند بعضهن قضى للباقيات.
والثاني؛ وهو المذكور في "التتمة" أنه يراعي القَسْم في أيام الإِفاقة، والولي يراعيه في أيام الجنون ويكون لكل واحدة نَوْبَة من هذه ونوبة من هذه، وهذا أحسن، ولو لم يكن تَقَطُّعٌ مضبوطٌ، وقسم الولي لواحدة في الجنون وأفاق في نوبة الأخرى، فالذي نقله صاحب الكتاب: أنه يقضي ما جرى في الجنون؛ لما كان فيه من النقصان.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي): في مَكَانِ القَسْمِ وَزَمَانِهِ
(أَمَّا المَكَانُ) فلاَ يَجُوز أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ضرَّتَيْنِ في مَسْكنٍ وَاحِدٍ إِلاَّ إِذَا انْفَصَلَتِ المَرَافِقُ، وَلَهُ أن يَسْتَدْعيَهُنَّ إِلَى بَيْتِهِ عَلَى التَّنَاوُبِ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على مَقَاصِدَ:
أحدها القول في مكان القسم: لا يجوز للزوج أن يجمع بين الضرتين والضّرَّات في مسكن واحد ولو ليلة واحدة 15 إلاَّ برضاهن؛ لأن اجتماعهن في المسكن الواحد مع تأكد الوحشة بينهن يولِّد كثرةَ المخاصمة والخروج عن الطاعة، والمراد بـ"المَسْكن" ما يليق بحال المرأة، من دار وحُجْرة وبيتٍ فردٍ، فاللَّوَاتي يليق بهن الدار والحجرة لا يُجْمَع بينهن في دار واحدة لا حجرة واحدة، لكن لو كان في الدار حجر مفردةُ المَرَافِقِ فله أنَ يُسْكِنَهُنَّ فيها، وكذا لو أسكن واحدة في العُلُوِّ، وواحدة في السَّفَلِ، والمرافق متميزةٌ، واللواتي يليق بهن البيوت المفردة له أن يُسْكِنَ كل واحدة منهن في بيت من خان واحد أو من دار واحدة، ولا يجمع بينهن في بَيْت واحدٍ إلاَّ بالرِّضَى، فإذا 16 اجتمعتْ ضرَّتان في مسكن واحد بالرضى فيُكْرَهُ أن يطأ إحداهما بحضرة 17 الأخرى؛ فإنه بعيد عن المروءة، ولو طلب لم يلزمْها الإِجابة ولا تَصِيرُ بالامتناع ناشزةً.
وأما قوله: "وَلَهُ أَنْ يَسْتَدْعِيَهُنَّ إِلَى بَيْتِهِ عَلَى التَّنَاوُبِ" فهذا قد سبق الكلام فيه وليس في إعادته كثير فائدة.
الجزء: 8 - الصفحة: 364
قال الغزالي: (وَأَمَّا الزَّمَانُ) فَعَمَادُهُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ إِلاَّ فِي حَقِّ الأتُّونِيِّ وَالحَارِسِ فَإِنَّ سُكونَهُمَا بِالنَّهَارِ، وَلاَ يَحِلُّ أنْ يَدْخُلَ في نَوْبَتهَا عَلَى ضَرَّتَها باللَّيْلِ إِلاَّ لِمَرَضٍ مَخُوفٍ، وَأَمَّا بِالنَّهَارِ يَجُوزُ لِغَرَضٍ مُهِمٍّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرَضٌ، وَقِيلَ النَّهَارُ كَاللَّيْلِ، وَقِيلَ: لاَ حَجْرَ في النَّهَارِ، وَإِنْ خَرَجَ إِلَى ضَرَّتها بِاللَّيْلِ وَمَكَثَ قَضَى مِثْلَ ذَلِكَ من نَوْبَةِ الأُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يَمْكُثْ زَمَناً مَحْسُوساً فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعْصِي وَلاَ يَقْضِي، وَإِنْ دَخَلَ وَوَطِئَ فَقَدْ أَفْسَدَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ في وَجْهٍ فَلاَ يُعْتَدُّ بِهَا، وَفِي وَجْهٍ يَقْضِي الجِمَاعَ فَقَطْ، وَفِي وَجْهٍ يَقْضِي مِثْل تِلْكَ المُدَّةِ وَلاَ يُكلَّفُ الوِقَاعَ لأَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ تَحْتَ الاخْتِيَارِ.
قال الرَّافِعِيُّ: عماد القَسْم اللَّيْلُ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: 67] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: 10]، والنهار في ذلك تبع فإنه وقت التردُّد والانتشار في الحوائج، ثم له أن يرتب القَسْم على اللَّيْلَة واليوم الذي تليه، وأن يرتب على الليلة واليوم الذي يليها فهذا ما عليه التواريخ الشرعية؛ فإن أول الشهر 18 الليالي، وهذا في حق عامة الناس، وأما من يعمل ويكتسب ليلاً ويسكن نهاراً، كَاْلأتُّونِيِّ والحارس، فعماد القسم في حقه النَّهَارُ، فالليل تابع، والمسافر الذي معه زوجاته، عماد القسم في حقه وقت النزول ليلاً كان أو نهاراً قليلاً كان أو كثيراً؛ لأن الخلوة حينئذٍ تتأتى، قاله في "التهذيب".
إذا تقرر ذلك، فَمَنْ عمادُ القَسْمِ في حقِّه الليلُ لا يجوز أن يَدْخُلَ في نوبة واحدة بالليل على أخرى، وإن كان لحاجة؛ كعيادة وغيرها فالذي نَقَلَهُ المُزَنِيُّ في "المختصر" أن الشَّافعي -رضي الله عنه- قال: "ويعودها في مرضها في ليلة غيرها"، فهو سَهْوٌ عند عامة الأصحاب، قالوا: وإنما قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: "في يومِ غيرها"، ومنهم من أخذ بها، وَجَوَّزَ الدخُولَ على غيرها للحاجة، والظاهر الأول، وجوزوا أن يَدْخُلَ على غيرها؛ للضرورة، وما الضرورة؛ قال في "الشَّامِلِ": هي مثْلُ أن يكونَ منزولاً بها أو تموت، فيحتاج إلى تجهيزها، ومَثَّلَ الشيخ أبو حامد وغيرُهُ الضرورةَ: بالمرض الشديد، ويقرب منه ما نقله صاحب الكتاب: أنه لا يدخل على الضَّرَّة إلاَّ لمرض مَخُوف، قال في "الوسيط": وكذا المرض الذي يمكن أن يكون مخوفاً فيدخل ليتبين الحال.
وفي وجه: لا يدخل إلاَّ إذا تحقَّقَ أنه مَخُوفٌ وإذا دخل على الضَّرَّة؛ لضرورة، فإن مكث ساعة طويلة قضى لصاحبة النَّوْبة مثْلَ ذلك في نوبة التي دخل عليها، وإن لم يمكث إلاَّ لحظةً يسيرةً فلا قَضَاء، وإذا وجب القضاءُ عند الضرورة، وجواز 19 الدُّخُول
الجزء: 8 - الصفحة: 365
فلو تعدى بالدخول إن طال الزمان فوجوب القضاء أظهر، وفي الزمان اليسير لا قضاء، ولكنه يَعْصِي، وعن القاضي الحسين -رحمه الله- تقدير القَدْرِ المقتضي بثلث الليل، والصحيح أنه لا تقدير.
وقوله: في الكتاب: "وَإِنْ لَمْ يَمْكُثْ زَمَانًا مَحْسُوساَ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعْصِي وَلاَ يَقْضِي" كأنه يشير إلى احتمال في القضاء؛ رعايةً للتسوية والعدل، ولا يخرج من قوله: "وَإِنْ لَمْ يَمْكُثْ زَمَاناً مَحْسُوساً" إلاَّ المكث في زمان يسير، فإن أراد أنه لم يلبث أصْلاً فيكفيه قوله: "وَإِنْ لَمْ يَمْكُثْ" وَلاَ حَاجَةَ إِلَى الزَّمَانِ المَحْسوُسِ وهذا إذا لم يجامع التي دخل عليها فإن جامعها فثلاثة أوجه:
أحدها: أنه أفسد تلك الليلَةَ فلا تحسب على صاحبة النَّوْبَة؛ لأنه إذا جامعها فَتَرَ، ولم يَكْمُلْ لها السّكن والاستمتاع.
والثاني: أنه يقضي الجماع في نَوْبَة التي جامعها؛ تسوية بينهما.
وأظهرهما: أنه يقضي من نوبتها مثل تلك المُدَّة ولا يُكَلَّفُ الجِمَاعَ فإنه يتعلق بالنشاط والشهوة، ولا يدخل تحْت الاختيار؛ فإن فَرَضَ الجماع في اللحظة اليسيرة فلا قضاء على هذا الوجه، والوجهان الأولان بحالهما.
وقولُهُ في الكتاب في حكايته الوجه الثاني: "يَقْضِي الجِمَاعَ فَقَطْ" صحيح؛ لأنه فرض الجماع في اللحظة اليسيرة، فأما إذا طالتِ المُدَّة فيقضي المدة مع الجماع لا الجماع فقط، ولفظه في الوَجْه الثَّالث يقتضي التَّصور فيما إذا كانت هُنَاك مدة، وأما النهار 20 فوقت التردُّد والانتشار، ولا تجب التسوية بين النسوة في قَدْر إقامته في البيت [والمكث] 21 ولكن ينبغي [أن يُقِيمَ قَدْرَ ما يقيم في بيت صاحبة النَّوْبَة] 22، ولا يَدْخُل على غيرها إلاَّ لضَرُورَةٍ أو حاجة؛ كعيادة، وَتَعرُّفِ خَبَر وتَسْلِيمِ نفقة، ووضْع مَتَاع واحدة، وينبغي ألا يطيل المُقَامَ، ولا يعتاد الدخول على واحدة في نوبة الأُخُريَات، ولا في نوبة واحدة الدخول على غيرها، وإذا دخل من غير حاجة ففي "التجريد" للمحامِلِيِّ: أنه يجب القضاء، وحكاه عن نصه في "الإِملاء"، وإن دخَل لحاجَةٍ فلا قَضَاء هَذَا هو الظَّاهر، وفِيهِ وَجْهان آخرانِ، ذَكَرَهُمَا في الكتاب:
أحدهما: أن النَّهَار كالليل، وقضيَّة هذا الإِطْلاَق ألا يدْخُلَ على غَيْر صاحبَةِ النَّوْبَة إلاَّ لضرُورَةٍ، وأنه يقضي إذا دخل متعدياً، وقد ذكر القاضي ابن كج أن أبا إسْحَاقَ حكى في وجوب القضاء قَوْلاً.
الجزء: 8 - الصفحة: 366
والثاني: أنه لا حَجْرَ بالنهار؛ لأنه تابعٌ، وقضيته أن يَدْخُلَ ويخرج كيف شاء كما شاء بلا قضاء، ولا يجوز في أوقات الدُّخُول للحَاجَة أن يجامع، وفي سائر الاستمتاعات وجهان:
أظهرهما: أنه يجُوزُ؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَطُوف عَلَيْنَا جَمِيعاً فَيُقَبِّلُ وَيلْمَسُ، فَإذَا جَاءَ وَقْتُ الَّتِي هُوَ نَوْبَتُهَا أَقَامَ عِنْدَهَا" 23 وفي كتاب القاضي ابن كج وجه: أنه يجوز الجِمَاع أيضاً.
ومَنْ عِمَادُ القَسْم في حقه النَّهَارُ كالحارسين 24 على ما سبق وكالطَّحَّانين في بعض البلاد، فنهارهم كليل غيرهم وليلهم كنهار غيرهم من جميع ما ذَكَرْنَا.
فَرْعٌ: نقل صاحب "التَّهْذِيبِ" وغيره أنه إذا مرضت واحدة من النِّسْوَة أو ضَرَّ بِهَا الطَّلْقُ، فإن كان لها متعهِّدٌ لم يبتْ عندها إلاَّ في نوبتها ويراعي القَسْم، وإن لم يكن لها متعهِّد فله أن يبيت عنْدَها، ويُمَرِّضَهَا وله أن يديم البيتوتة عندها ليالِيَ، بحسب الحاجة، ثم يقضي للباقيات إن برأت، وإن ماتت تعذَّر القضاءُ، وفي القضاء لا يبيت عند كل واحدة من الأُخْرَيَات جميعَ تلك اللَّيَالي، ولاءً بل لا يزيد على ثلاث ليال، وهكذا يدور حتى يتمَّ القَضَاء، والمَنْعُ من الزيادة على الثَّلاث، كأنه مبنيٌّ على أن أكثر مقدار النُّوَب في القَسْم ثلاث ليالٍ 25 على ما سيأتي وقد خطر في الفرع شيئان:
أحدهما: أن التعهُّد، إن فرض من الخادمة للتي تَسْتَحِقُّ الخادِمَة، فهو بَيِّنٌ، وإن تبرع محرم لَهَا أو تَبَرَّعَتِ امرأة بالتعهُّد والتمريض، وليس على الزَّوْج إسكانُ مَنْ تبَرَّعَ وإدخالُه عليها، وينبغي أن يكون الحُكْم كما لو لَم يكُنْ متعهِّدٌ.
والثاني: لو مَرِضَتِ اثنتان مَعاً ولا متعهِّد، فقد يقال بقَسْم اللَّيَالِي عليهما، ويُسَوَّى بينهما في التمريض، ويمكن أن يقال: يُقْرَعُ بينهما ويخص الَّتِي خَرَجَتْ قرعتها، كما يسافر بواحدة بالقُرْعَة 26.
فرع: لو كان الرَّجُل يعمل تارة باللَّيْل ويستريح بالنَّهَار، ويعمل أخرى بالنَّهَار،
الجزء: 8 - الصفحة: 367
ويستريح بالليل فقد حَكَى الحناطي فيه وجهَيْن: في أنه هل يجوز أن يبدل الليل بالنهار، بأن يكون لواحدة ليلةٌ متابعةٌ ونهارٌ متبوعٌ، ولأُخْرَى ليلةٌ متبوعةٌ ونهارٌ تابع؟.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (أَمَّا المِقْدَارُ) فَأَقَلُّ القَسْمِ لَيْلَةٌ، وَلاَ يَجُوزُ تَنْصِيفُ اللَّيْلَةِ لأَنَّهُ يُنَغِّصُ العَيْشَ، وَأَكْثَرُهُ ثَلاَثُ لَيَالٍ، وَقِيلَ: سَبْعٌ: وَقِيلَ لاَ يُقَدَّرُ بَلْ هُوَ إلَى الاخْتِيَار، ثُمَّ القُرْعَةُ تَحْكُمُ فِيمَنْ بِهِ البِدَايَةُ، وَقِيلَ: هوَ إلَى خِيرَتِهِ لأَنَّهُ مَا لَمْ يَبِتْ عِنْدَ وَاحِدَةٍ لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِغَيْرِهَا.
قال الرافِعِيُّ: هذه البقيَّةُ تَشْتَمِلُ على مسألتين هما من مقاصد الفَصْلِ:
إحداهما: في مقدار نُوَب القَسْمِ، وأقلُّهَا أن يقسم ليلةً ليلةً، ولا يجوز تبعيضُ اللَّيْلَة؛ لأنه تنغيص العيش ويُبْطِل الاستئناس، ولأن أجزاء الليل يعسر ضَبْطُهَا، وحكى القاضي ابن كج وجهاً: أنه يجوز تبعيض اللَّيْلَة، وبناء القَسْم على أبعاضها، وحكى الإِمام وجهاً فارقاً بين، أن يَقْسِمَ لكلِّ واحدة بعْضَ ليلةٍ، فلا يجوز وبين أن يَقْسِم لِكُلِّ واحدةٍ ليلةً ونصفاً، فيجوز، لحصول الأُنْسِ إذا انْضَمَّ البعض إلى الليلة الكاملة، بخلاف ما إذا كان وحده، والظاهر الأول، والأَوْلَى ألا يزيدَ على ليلةٍ؛ اقْتِدَاءً برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولِيَقْرُبَ عهده بهن جميعاً ولو قسم ليلتين ليلتين أو ثلاثاً ثلاثاً فيجوز، نصَّ عليه؛ لأن هذه المدة قريبةٌ.
وفي وجه، لا تجوز الزِّيَادة على لَيْلَةٍ إِلاَّ برضَاهُنَّ ونسبه أبو الفرج الزاز 27 إلى أبي إسحاق.
وإذا قلنا بالظاهر، فهل تجوز الزيادة على الثلاث قال في المختصر: "وأكْرَهُ مجاوَزَةَ الثَّلاَث"، وذلك محمول عند أكثرهم على المنْع والتحريم، وقالوا: إنَّه موضَّع في "الأم"، ونقلوا عن "الإملاء" أنَّه قال: "يقسم مياومة وَمُشَاهَرة ومسانهة، فحملوه على ما إذا رَضِيْنَ به، ولم يجعلوه قولاً آخر، ومنهم من أثبت في جواز الزيادة قولَيْنِ أو وجْهَيْنِ.
وإذا قلنا بالجواز، فإلى كم يجوز؟ قال الإِمام رحمه الله: لا شك أنَّه لا يجُوزُ أن يبني القَسْم على خَمْسِ سِنِينَ مثَلاً لكن عن صاحب "التقريب" أنه يجوز أن يقْسم سبْعاً سَبْعاً؛ لأن هذه المدة تُسْتَحَقُّ في القسم؛ لِتَجَدُّدِ النِّكَاح، وعن الشيخ أبي محمَّدٍ وغيره: أنَّه يجوز أن يزيد ما لم يبلُغْ مدةُ التَرَبُّصِ في الإِيلاء؛ لأنَّه لا يشُقُّ على المرأة الصبر عن الرَّجُل في هذه المدة، وفيما علق عن الإِمام: أَنه إذا قَسَمَ للحُرَّة ثلاثاً، فيقسم للأمة ليلة ونصفاً لا ليلتين، بخلاف الطلاق وهذا يُحْوِجُهُ إلى الخروج إلى مسْجِدٍ أو بيتِ صديقٍ، ولكن ما ذكره غير مُسَلَّمٍ؛ لما سيأتي فيما إذا نَكَحَ جديدة، وفيه ذكر وجهين في أن
الجزء: 8 - الصفحة: 368
الثَّلاَثَ غاية نَوْبَةِ القَسْم أم يجوز أن تقسم للأمة ثلاثاً، وحينئذٍ فتكون مدة الحُرَّة ستاً وإذا وَقَفْتَ على ما ذكرنا لم يجز قوله في الكتاب في حكايته الوجه الثالث على إطْلاَقِهِ.
المسألة الثانية: إذا أراد الابتداء بالقَسْم، فوجهان:
أصحهما: أنه يحكم بالقُرْعَة ويبدأَ بمن خَرَجَتْ قُرْعَتُها وتَحَرُّزاً عن التفضيل والتَّرَجُّح.
والثاني: أنه يبدأ بمن شَاءَ؛ لأنَّه بسبيل من الإِعراض عنهن جميعاً، وما لم يبت عند بعضِهِنَّ لا يلزَمُهُ شيء للباقيات وعلى الأصَحِّ إذا ابتدأ بواحدة، وهن أربع بالقُرْعة، فهذا وَقَّى نوبَتَهَا أقْرَعَ بين الباقيات، ثم يقرع بين الأخرتين، فإذا تمَّت النُّوَبُ، راعى الترتيب، ولا حاجة إلى إعادة القُرْعة، ولو بدأ بواحدة من غير قُرْعة، فقد ظلَمَ ويقرع بين الثلاث الباقيات، وإذا تمَّت النُّوَب، لا يعود إلى الَّتي بدأ بها ظلماً بل يَقْرَعُ وكأنه ابتدأ القَسْمَ.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ في التَّفَاضُلِ):
وَلَهُ سَبَبَانِ: (الأَوَّلُ: الحُرِّيَّةُ) فَلِلْحُرَّةِ ثُلُثَا القَسْم، وَلِلأَمَةِ الثُّلُثُ، فَلَهَا لَيْلَتَانِ وَلِلأَمَةِ لَيْلَةُ، فَلَوْ بَدَأَ بِالحُرَّةَ فَعَتَقَتْ في لَيْلَتِهَا أَوْ قَبْلَ انْقِضَاءِ لَيْلَةِ الأَمَةِ التَحَقَتْ بِالحُرَّةِ الأَصْلِيَّةِ وَاسْتَحَقَّتْ تَمَامَ لَيْلَتَينِ، وَإِنْ عَتَقَتْ بَعْدَ تَمَامِ لَيْلَتِهَا اقْتَصَرَتْ عَلَى مَا مَضَى وَسُوِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ بَدَأَ بِهَا فَعَتَقَتْ قَبْلَ نَوْبَتهَا صَارَتْ كَالحُرَّةِ الأَصْلِيَّةِ، وَإِنْ عَتَقَتْ بَعْدَ تَمَامِ نَوْبَتهَا وَجَبَ تَوْفِيَةُ الحُرَّةِ لَيْلَتَينِ ثُمَّ يُسَوِّيَ بَعدَ ذَلِكَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القَسْمُ مشْرُوعٌ للعَدْلِ والاجْتنابِ عن التَّفْضِيل المُوحِشِ، فلا يجوز للزَّوْجِ تفضيلُ امْرَأة على امرأة بفضلتها بخصال شَريفة، حتى يُسَوِّيَ بين المسلمة، والكتابية، لاستوائهما في مقاصد النِّكَاح، وأحكامه، ولا يترك هذا الأصل إلاَّ بشيئين:
أحدهما: التفاوُتُ في الرِّقِّ والحُرِّيَّة، واجتماع الحُرَّة والأمة في نكاح الحُرِّ إنما يُتَصَوَّر بأن يَنْكِحَ حرَّةً على أمَةٍ، وأَمَّا العَبْد فإنه يجمع بين حرة وأمة كيف شاء وبين أمتين، ويجوز أن يعتق فينكح عليهما حرتين، فإذا اجتمعتا، فللحُرَّة من القَسْم ضِعْف ما للأَمَةِ، فيجعل الدَّوْر بينهما أثْلاَثاً؛ لِمَا رُوَي مرسَلاً أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لاَ يُنْكَحُ الأَمَةُ عَلَى الحُرَّة وَللْحُرَّةِ الثُّلُثَانِ مِنَ القَسْمَ وَلِلأمَةِ الثُّلُثُ" 28 وروي ذلك عن عليٍّ كَرَّمَ اللَّهُ
الجزء: 8 - الصفحة: 369
وَجْهَهُ- فاعتضد به الحديث، وبه قَالَ أبو حنيفةَ وأحْمَدُ -رحمهما الله، وعن مالك- رحمه الله بأنَّه يسوِّي بينهما في القَسْم كما في النفقة والسُّكْنَى وحقِّ الفسخ بالعَيْب، فإذا طرأ العِتْقُ على الأَمَةِ لم يخل إِمَّا أنْ تكون البِدَايةُ في القَسْم بالحرَّة أو بالأمَةِ:
الحالة الأولى: إذا كانت البداية بِالحُرَّةِ أن يُعْتِقَ الأمَةَ في نَوْبَةِ الحُرَّة أو في نوبة نَفْسِهَا، إن عَتَقَتْ في نَوْبَة الحُرَّة، فيُنْظَرُ إن عتقت في القَدْر المُشْتَرك بَين الحُرَّة والأَمَة، بأن عَتَقَتْ في اللَّيْلَة الأُولَى من لَيْلَتَيِ الحُرَّة، فيتم الليلة ويبيت الليلة الأخرى عند العَتِيقَة، ويسوي بينهما، وإن عَتَقَتْ في الليلة الثانية، لم يلزمْهُ الخروجُ، بل له أن يبيت عند الحُرَّة بقيَّةَ اللَّيْلَة، لكن يبيت بعد ذلك عند العتيقة ليلتَيْنِ أيضاً، ولو خرج في الْحَال، وكان بقية الليْلَةِ في مَسْجِدٍ أو بَيْتِ صديقٍ، لم يلزمْهُ أن يَقْضِيَ ما مَضَى من تلْك الليلة فإن خرج بقية الليلة إلى العتيقة، فقد أحْسَنَ.
وإن عتقت في نوبة نَفْسِهَا، نُظِرَ، إن عَتَقَتْ قبل تمام ليلَتِهَا كَمَلَ لها ليلتين؛ لأنَّهَا الْتَحَقَتْ بالحُرَّة، قبْلَ تَوْفِيَة حقِّهَا، وحكى الحناطي وغيره وجهاً آخَرَ 29، أنَّها لا تستحِقُّ إلاَّ ليلَة، نَظَراً إلى الابتداءِ، وإن عَتَقَتْ بعْد تمام ليلتها، لم تستحق إكمال ليلتين، ويقتصر في تلك النَّوْبة على تِلْكَ اللَّيْلة، ثم يُسَوِّي بينهما بعد ذلك، وهذه الصُّورةُ قد سَبَق ذكْرُهَا في نكاح المُشْرِكَات استشهاداً، وَهَلِ العِتْقُ في يوْمها التالي للَيْلَتِهَا كعتقها في ليلتها، حُكِيَ فيه وجهان فيما عُلِّقَ عن الإِمام، والظاهر الموافق لكلام الجمهور أنه لا يكون كالعِتْق في الليلة لأنَّه تابعٌ.
الحالة الثانية: إذا كانَتِ البدَايَةُ بالأَمَة فإن عُتِقَتْ في ليلتها صَارَتْ كالحُرَّة، ويُسَوَّى بينهما، وإن عتقت بعْدَ تَمَام نَوْبَتِهَا، فالمذكور في الكتاب أنه يَثْبت بالمبيت عندها ليلتان للحرة فيوفيها ثم يسوي بعد ذلك.
وهذا ما أورده جماعةٌ منْهمُ الإِمَام والمُتَوَلِّي وأبو الفَرَجِ السرخسي، ومنع صاحب "التّهْذِيبِ" من توفية اللَّيْلتَيْن، وقال: إن عتقت في الأولى من ليلتي الحرة أتمها، واقتصر عليها، وإن عتقت في الثانية، خرج من عندها في الحال، وعلى نَحْوٍ من هذا جرى صاحب "المهَذب" والشيخُ أبو حامد وأصحابُهُ وقالوا: إنَّهَا بالعتق تتفاوت الحُرَّة قبل تمام نوبتها فيسوي بينهما، وقوله في الكتاب: "ثُلُثَا القَسْم" معلم بالميم وكذا لثلث، وقوله: "فَلَوْ بَدَأَ بالْحُرَّةِ فَعَتَقَتْ في لَيْلَتهَا أي عَتَقَت الأَمَةُ في ليلة الحُرَّة، والمراد كل واحدة من ليلتَي الَحُرَّة، فإنها على التقديرين تلتحق بالحرة الأصلية.
وقوله: "أَوْ قَبْلَ انْقِضَاءِ لَيْلَةِ الأَمَةِ" يجوز إعلامه بالواو للوجه الذي نقله الحناطي.
الجزء: 8 - الصفحة: 370
وقوله آخراً: "وجب تَوْفِيَةُ الحُرَّةَ لَيْلَتَيْنِ" معلَّم بالواو؛ لِمَا بيناه، ولفظ الكتاب ينطبق تَارَةً على الظَّاهِر في أن العتق في اليوم التابع لا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ العِتْقِ في الليلة المتبوعَةِ، مثل قَوْلِهِ: "فَعُتِقَتْ في ليلتها"، وقَوْلِهِ: "وَإِنْ عَتَقَت بَعْدَ تَمَامِ لَيْلَتِهَا" وتارة ينطبق على الوجه الذي يقابله كَقَوْلِهِ في الحالة الثانية: "قَبْلَ تَمَامِ نَوْبَتِهَا" و"بعد تمام نوبتها"، فإنَّ النَّوْبَة تشمل الليل والنَّهَارَ.
فرع: ذكر القاضي ابن كج والشيخ أبو الفَرَج وغيْرُهُمَا أن الأَمَةَ إنما تستحق القَسْم إذا استحقت النفقة، وفي نص الشَّافعي -رضي الله عنه- إشارةٌ إلَيْه، وقد تَبَيَّنَ من قَبْلُ أنه متى تجب نفقتها ومتى لا تَجِبُ، وإسقاط حتى القَسْم بهبتها للزوج أو من بعض الضَّرَّات للأمة لا للسيد؛ لأن مُعْظَم الحَظِّ في القَسْم لها، وهذا كما أن خِيَارَ العَيْب لَهَا لا للسَّيِّد وفي "التتمة": أنَّه إذا قَسَمَ للحُرَّة ليلتين، ثُمَّ سافر السَّيِّد بالأمة، لا يسقط حقُّهَا من القَسْم بل على الزَّوْج قَضَاء ما فات عند التَّمَكُّن؛ لأن الفوات حَصَل بغير اختيارها فهي معذورةٌ فيه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (السَّبَبُ الثَّاني: تَجَدُّدُ النِّكَاحِ) وَإذَا نَكَحَ بِكْراً جَدِيدَةً بَاتَ عِنْدَهَا سَبْعاً، وَعِنْدَ الثَّيِّبِ ثَلاَثاً، وَالظَّاهِرُ أنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الْحُرَّةُ وَالأَمَةُ لأَنَّ ذَلِكَ لِلأَلْفِ وَالطَّبْعِ لاَ يَتّغَيَّرِ بِالرِّقِّ كَمُدَّةِ العُنَّةِ، ثُمَّ لاَ يَقْضِي (ح) لِلبَاقِيَاتِ هَذِهِ المُدَّةَ بَلْ يَسْتَأْنِفُ القَسْمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا حَقُّ الجَدِيدَةِ، فَإنْ بَاتَ عِنْدَ الثَّيِّبِ ثَلاَثاً فَالْتَمَسَتْ زِيَادَةً فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ وَقَدِ الْتَمَسَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ذَلِكَ: "إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ، وَكَأَنَّ اقْتِرَاحَهَا الزِّيَادَةَ يُبْطِلُ حَقَّهَا مِنَ الثُّلُثِ، وَلَوْ أَقَامَ الرَّجُلُ عِنْدَهَا دُونَ اقْتِرَاحِهَا لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: تَجَدُّدُ النِّكَاح يقتضي تخصيصَ الجَدِيدَةِ بزيَادةِ مبيت عند الزَّفَافِ، وهي سبع لَيَالٍ، إن كانَتْ بِكْراً أو ثلاثٌ إن كانَتْ ثَيِّباً، رُوِيَ عن أنَسٍ -رضي الله عنه- موقوفاً أنَّه قال: "لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وللثَّيِّبِ ثَلاَثٌ" والمقصود منْه أن ترتفع الحشْمَةُ وتحْصُلَ الأُلْفَة والأنس، وخُصَّتِ البكْرُ بزيادة؛ لأن حياءها أكثر، وحكى أبو عبد الله الحناطي قولَيْن في أنه هل يجب على الزوج الإِقَامَةُ عنْدها المُدَّتَيْنِ المذكورتَيْنْ، والموافق لإِيراد الجُمْهُور أنَّه واجبٌ مُسْتَحَقٌّ للجديدة.
قال في "التَّتِمَّة" حتَى لو خَرَجَ في بعض تلْك اللَّيَالي بعُذْر، أو أُخْرجَ فيقضي عند التمكُّن، ويوالي بين الثلاث والسبع، لأَنَّ الحِشْمَةَ لا تزول لو فرق، ولو فرق ففي الاحتساب به وجْهَان ذكرهما أبو الفَرَج الزاز وظاهر كلام الأكثرين المَنْعُ وذكر الزاز تَفْرِيعاً عليه أنَّه يوفيها حقَّهَا على التوالي، وَيقْضِي ما فرَّق للأخريات، ولا فرق بين أن
الجزء: 8 - الصفحة: 371
تَكُونَ ثِيَابَةُ الجديدةِ بالنِّكَاح أو بالزنا أو الشُّبهَة، ولو حَصَلَتْ بمَرَضٍ أو وَثبَةٍ، فعلى الوجهين في اشتراط استنْطَاقها في النِّكَاح، ولو كانَتِ الجديدةُ أمَةً، ولا يُتَصَوَّر ذلك إلاَّ في حقِّ العَبْد، فإنَّ لَهُ أن يُدخلَ الأَمَةَ عَلَى الحُرَّةِ فوجهان، أَظْهَرُهُمَا وبه قال أبو إسْحَاقَ: أنَّهَا كالحُرَّة في اسْتحْقَاقِ السَّبْع أو الثلاث؛ لأن مقصودَةُ ارْتِفَاعُ الحشْمة، وحصولُ المُبَاسَطَةِ، وهذا أمر يتعلق بالطَّبْع، وما يتعلق بالطبع لا يختلف بالرِّقِّ والحُرِّيَّة كمدة العُنَّة والإِيلاء.
والثاني: وبه قال ابْن أبي هُرَيْرَةَ أنَّها تستحق شَطْرَ ما تَسْتَحِقُّ الحُرَّة، كالقَسْم في دوام النِّكَاح، وعلى هَذَا؛ ففي كيفية التشطر وجهان:
أحدهما: أنَّه يكمل المنكسر، فيبيت للبكر أرْبَعَ لَيَالٍ، وللثيب ليلتان وأشبههما -وهو المذكور في "التَّهْذِيب"- أَنَّ للبكر ثلاثَ لَيَالٍ ونصفاً، وللثيب ليلةً ونصفاً؛ لأن المدَّة قابلةٌ للتَّنْصِيف، والاعتبار بحالة الزَّفَاف حتَّى لو نَكَحَهَا، وهي أمَةٌ، وزُفَّتْ إليه، وهي حُرَّة فلها حَقُّ الحرائِرِ، وإن عتقت بعد الزَّفَاف فلها حق الإِماء.
قال صاحب "التَّهْذِيبِ" وُيحْتَمَلُ: أن يقال: إذا عَتَقَتْ في المُدَّة فلها حقُّ الحَرَائِرِ؛ تخريجاً على الأَصْل المَذْكُور في باب "نِكَاحِ المُشْرِكَاتِ" إذا تبدل الرق بالحرية، وإذا وَفَّى حق الجديدة، من السبع أو الثلاث، فلا يقضي للباقيات، وبه قال مالك وأحمد وعند أبي حنيفة يقضي.
واحتج الأصحاب بما روي عن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال لأُمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها-: "إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ" 30 والمَعْنَى دُرْت بِالقَسْم الأَوَّلِ من غير قَضَاء؛ لأنَّه لو كانت الثَّلاَث مَقْضِيَّةً، لأَشْبَهَ أن يقولَ: "وَثَلَّثْتُ عِنْدَهُنَّ" كما قال: "وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ" ويروى أنه قال لأم سَلَمَةَ -رضي الله عنها-: "إِنْ شِئْتِ أَقَمْتُ عِنْدَكِ ثَلاَثاً خَالِصَةً لَك، وَإِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكَ، وَسَبَّعْتُ لِنِسَائِي" 31.
الجزء: 8 - الصفحة: 372
ويستحب أن يُخَيِّرَ الثَّيِّبَ الجديدةَ بين أن يقيم عندها ثلاثاً بلا قضاء، وبين أن يُقِيمَ عندها سبعاً، ويوفي مثْلَ ذلك للباقيات، كما فَعَلَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بأمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- فإن اخْتَارَتِ السَّبْعَ، فأجابها قضى السبع للباقيات، وإن أقام بغَيْر اختيارها والْتِمَاسِهَا لِمْ يَقْضِ إلاَّ الأربعَ الزائدةَ ووجه قَضَاءِ الْجَميع إذا اختارته بِوَجْهَيْنِ.
أحدهما: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- خَيَّرَهَا بيْن الثَّلاَث بلا قَضَاءٍ، وَبَيْنَ السَّبْع بالقضاءِ، فإذا اختارت أحَدَهُمَا لم يكُنْ لها غَيْرُهُ.
والثَّانِي: أن السَّبْعَ حقّ البِكْر، وهي أرفع درجةً منها، فإذا طلبته جَعَلَتْ رغبتها في الزيادة فيما هو غير مَشْروع لها، مبطلاً أصْلَ الحَقِّ، وشَبَّهَهُ أبو سعد المُتَوَلِّي بما إذا باع درْهَماً بدْرهَمَيْن لا تصح المعاملة من أصلها، وذكر صاحب "المهذب" وَجْهَيْنِ في أنَّه، ما الَّذِي يَقْضِي إذا أقام سَبْعاً؟.
أحدهما: أنه يقضي الجميع.
والثاني: لا يقضي إلاَّ ما زاد على الثَّلاَث هكَذَا أطْلَقَهُ فإن أراد ما إذا التمست، حَصَلَ وَجْهٌ أنه لا يجب القضاء ذكر تلتمس، ولم تطلب على خلاف المشهور وَإِنْ أرادَ ما إذا لم تَلْتمس أو كِلْتا الحالتين حَصَل وجه أَنَّه يجب القضاء، وإن لم تطلُبْ، ولم تلتمسْ على خلاف المَشْهُورِ، ولو التمسَتْ منه إقَامَة أربعة أيام 32 أو خمس أو ست لم يقضِ إلاَّ الزِّيَادَةَ على الثَّلاَث؛ لأنها لم تَطْمَعْ في الحَقِّ المشرُوعِ لغيرها، وكذا لو التمست البِكْرُ إقامَةَ عشَرَة أيامٍ لم يجبر على إجابتها فإن أجابها لم يقضِ إلاَّ ما زاد على السبع، قال في "الوسيط": ويحتمل أن يكون وُجُوب القَضَاء في صورة ورود الخَبَر معلَّلاً بحَسْمِ باب التحكم والاقتراح عليها ويحكم بوجوب القَضَاء في هذه الصُّورة أيضاً، ولو قضى حق الجديدة ثم طَلَّقَها ثم راجَعَها، لم يعد حقُّ الزفاف؛ لأنها باقية على النِّكَاح الأوَّل، وقد وَفَّى حقَّها وإن أَبَانَهَا ثم جدَّد نكَاحَهَا فقولان أو وَجْهَان.
أَصَحُّهُمَا: أنَّه يتجدد الحَقُّ لعود الجِهَة بالفرَاق المبين، ويجري الخلاف فيما لو أعتق مستوَلَدَتَه أو أمته التي هي فِرَاشُه، ثم نَكَحَهَا، ولا خلاف في أنه لو أَبَانَهَا قبل أن يُوفي حقَّها ثم جدَّد نكَاحَها يلزمه التَّوْفِيَة، ولو أقام عنْد البِكْر ثلاثاً وافتضها ثمَّ أَبَانَهَا ثم نَكَحَهَا، فإن قلْنا: يتجدد حقُّ الزِّفَاف، فَيبيت عندها ثلاث لَيَال، فإنه حقُّ زفاف الثيب، وإن قلنا: لا يتجدد فيبيت عندها أربعاً؛ لأن حقَّ الزفاف في النِّكَاح الثاني على هذا القول ينبني على النِّكَاح الأول، وهذا القَدْر هو الذي بَقيَ.
الجزء: 8 - الصفحة: 373
ولو نَكَحَ جديدتين يوفي حَقَّ الزفاف لهما جميعاً، وكذلك لو لم يكن في نكاحه غيرهما، ثم إن كان الزَّفَاف على الترتيب، فيقضي حقَّ الأُولَى أولاً، وإن زُفَّتَا إليه معاً، وهو مكروه، فَيَقْرَعُ بينهما للبداية وإذا خرجت القُرْعَة لإِحداهما، قدمها لجميع السبع أو الثلاث، وحكى القاضي ابن كج وَجْهاً أنه يقدمها بليلة، ثم يبيت عند الأخْرَى ليلةً وهكذا يفعل إلى تَمَام المُدَّة، وقوله في الكتاب "ثُمَّ لاَ يَقْضِي لِلْبَاقِيَاتِ" معلَّم بالحاء.
وقوله: "بل يستأنف القَسْمَ بعد ذلك" يعني إذا زُفَّتِ الجديدة إلَيْه بعد ما سَوَّى بين مَنْ في نكاحه من النسوة، فيوفيها حقها ثم يستأنف القسم بين الجميع فأما إذا كانت تحته امرأتان وزُفَّتْ إلَيْه جديدةٌ بعد ما قَسَمَ لإِحداهما دون الأُخْرَى فإِذَا قضى حَقَّ الزَّفَاف يقسم للقديمة الأُخْرَى ليلةً، ويبيت عند الجديدةِ نصْفَ ليلة؛ لأنَّها تستحق ثُلُث القَسْمِ، ويخرج بقيَّة اللَّيْل إلى مسجد ونحوه، ثم يستأنف القَسْم بينهن وشوي وقوله: "وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وَقَدِ الْتَمَسَتْ أمُّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- ذلك ... " إلى آخره يشعر بتقديم التماس أم سلمة -رضي الله عنها- على تخيير النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إيَّاهَا، وكذلك نَقَل الإِمَام لكنْ لا تصريحَ بذَلِك في كتب الحديث، واللفظ في "سنن أبي دَاوُد" السِّجِسْتَانِيِّ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمَّا تزوَّج أم سَلَمَة أقام عندها ثلاثاً، ثم قال: "ليس بك على أهلك، إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي" (1) والله أعلم وَنُقِلَ أن أم سلمة -رضي الله عنها- اختارت الاقتصار على الثلاث.
فرع: لا ينبغي لأحد أن يتخلف بسبب حق الزِّفَاف عن الجماعات، وعيادَةِ المَرْضَى، وتشييع الجنائز، وإجابة الدَّعَوَات، وسائر أعمال البِرِّ التي كان يقوم بها هذا بالنَّهار، وأما بالليل فقد قالوا: لا يخرج؛ لأن هذه مندوباتٌ، والمقام عندها واجبٌ، قالوا: وفي دوام القَسْم ينبغي أن يسوي بينهن في الخرُوج للجماعات، وأعمال البر، إمَّا أن يخرج في ليلة الجميع أو لا يخرج أصْلاً، ولا يجوز أن يخرج في ليلة بَعْضِهِنَّ دون بعض.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الرَّابِعُ في الظُّلْمِ وَالقَضَاءِ):
وَفِيهِ مَسَائِلُ: (الأُولَى): أَنْ يَكُونَ تَحْتَهُ ثَلاَثُ نِسْوَةٍ فَبَاتَ عِنْدَ اثْنتَينِ عِشْرِينَ لَيْلَةً اسْتَحَقَّتِ الثَّالِثَةُ عَشْرَ لَيَالٍ فَيَقْضِيهَا عَلَى الوَلاَءِ؛ لأَنَّهُ اجْتَمَعَ في ذِمَّتِهِ، فَلَوْ نَكَحَ جَدِيدَةً فَلَوْ بَاتَ عِنْدَهَا عَشْراً وَلاَءً ظَلَمَ الجَدِيدَةَ، فَسَبِيلُهُ أَنْ يَقْضِيَ حَقَّ الجَدِيدَةِ بِثَلاَثٍ أَوْ سَبْعٍ ثُمَّ يَبِيتَ عِنْدَهَا ثَلاَثَ لَيَالٍ وَعِنْدَ الجَدِيدَةِ لَيْلَةً لأَنَّ حَقَّ الجَدِيدَةِ لَيْلَةٌ منْ أَرْبَع، وَلَوْ قَضَاهَا العَاشِرَةَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسْمَ عَادَ إلَى الجَدِيدَةِ في الخَامِسَةِ فَسَبِيلُ العَدْلِ أَنْ يَبِيتَ العَاشِرَةَ عِنْدَ المَظْلُومَةِ وَيَثْبُتُ لِلجَدِيدَةِ33
الجزء: 8 - الصفحة: 374
بِذَلِكَ ثُلُثُ لَيْلَةٍ فَيَبِتُ عِنْدَ الجَدِيدَةِ ثُلُثَ لَيْلَةٍ وَيَخْرُجُ إِلَى بَيْتِ صَدِيقٍ أَوْ مَسْجِدٍ بَقِيَّةَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفَ القَسْمَ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاتَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ نِصْفَ لَيْلَةٍ فَأَخْرَجَهُ السُّلْطَانُ فَعَلَيْهِ أنْ يَبِيتَ عِنْدَ الأُخْرَى نِصْفَ لَيْلَةٍ وَيَخْرُجَ البَاقِيَ إِلَى المَسْجِدِ.
قال الرَّافِعِيُّ: ضَمَّن الفَصْلَ ثَلاَثَ مَسَائِلَ:
إحداها: تحته ثلاثُ نِسْوَةٍ، فبات عنْد اثنتين عِشْرِينَ ليلةً، إما عَشْراً عند هذه، وعَشْراً عند هذه، أو بات ليلةً ليلةً إلى تمام العَشْرِ، فتستحق الثالثة عَشْرَ ليالٍ، وعليه أن يوفيها ولاءً، وليس له أن يُفَرِّقَ، فيبيت عندها ليلتين ليلتين، وعند كل واحدةٍ ليلةً؛ لأنها قد اجْتَمَعَتْ في ذمته، وهو متمكِّن من التوفية، فلا يجوز أن يُؤَخِّر فلو نكح جديدةً عقيب العشرين، فلا يجوز أن يقدم قضاءَ العشر 34؛ لأنَّه ظُلْم على الجديدة، بل يوفي أولاً حقَّ الزَّفَاف من ثلاثٍ أو سَبْعٍ ثم يَقْسِمُ بين الجديدة وبين المظلومة، ويجعل للمظلومة ليلتها، وليلَتَي اللتيْن ظلمها بسَبَبهما؛ فيبيت عند الجديدة ليلةً، وعند المظلومة ثلاثَ لَيَالٍ، وإذا دار هكذا ثلاث نُوَبٍ، فقد وَفَّاها تسعاً وبقيت ليلة واحدة، فإن كان قد بَدَأَ بالمظلومَةِ فإذا تَمَّ لها تسْعُ ليالٍ، فيبيت ليلةً عند الجديدة بحق القَسْمَ، ثم ليلة عند المظلومة لتمام العَشْر، ويبيت للجديدة، وبهذه اللَّيْلَة ثلث ليلة؛ لأن حقَّها واحِدَة من أربع، فيبيت عندها ثلث ليلة 35، ويخرج الباقي إلى مَسْجدٍ، أو يبيت عند صديقٍ، أو مسكن خالٍ عن زوجاته، ثم يستأنف القَسْم بعد ذلك للأربع، وإن كان قد بدأ بالجديدة، فإذا تمت التسع للمَظْلُومة يبيت ثلث ليلة عنْدَ الجَدِيدَةِ ويخرج الباقي، ثم يبيت ليلةً عند المَظْلُومَةِ ثم يَقْسِم بين الكُلِّ بالسوية.
وقوله في الكتاب: "فَسَبِيلُهُ أَنْ يَقْضِيَ حَقَّ الجَدِيدَةِ بِثَلاَثِ أَوْ سَبْعٍ ثُمَّ يَبيتَ عِنْدَهَا ثَلاَثَ لَيَالٍ" تصوير فيما إذا بَدَأ في القَسْم بالمظلومة وينبغي أن يَكُون ذلك بالقُرْعة، وقوله: "وَلَوْ قَضَاها" الليلةَ: "العاشِرَةَ، ثم استأنف القَسْم" إلى آخره مَعْنَاه أنه: إذا بات العَاشِرَةَ عَنْدها واستأنف القَسْم وعاد يَعُود إلى الجَدِيدة في الليلة الخَامِسَة وحقّها أن 36 يعُودَ إلَيْهَا في الرَّابِعَة فإن كَانت البداية بالمَظْلُومَة فقد بَيَّنَّا أن بعد تمام السَّبْع يبيت ليلة عِند الجِديدة، ثم يشتغل بقضاء العاشرة، وحينئذٍ فقَوْلُه: "فسبيل العَدْلِ أن يبيت العاشِرَة عند المَظْلُومَة" أي بعد أن يبيت ليلَةً عند الجديدة.
قوله: "ويثْبُتُ للجديدة بذَلِكَ ثُلُثُ لَيْلَة" يجوز أن يعلَّم 37 بالواو؛ لأن: عن الشيخ أبي محمد: أنَّه إذا قَضَى العاشِرَة يستأنف القَسْم ويعذر في العَوْد في الخَامِسَة.
الجزء: 8 - الصفحة: 375
ولو كانت تَحْتَه، أربِع نِسْوَةٍ ثلاث حاضرات وواحدة غائبة، فظلم واحدةً من الحاضرات بالأخريين، وحضرَتِ الغائبة، فيقضي حقَّ المظلومة، مع رعاية جَانِبِ الَّتِي حضرت، فيقسم لها ليلة، وللمظلومة ثلاثاً، وقد يحتاج بالآخرة إلى تبعيض الليلة، كَمَا وَصَفْنَاه، وكذلك لو كان يَقْسِمُ بين نسائِهِ، فخرج في نَوْبَة واحدة لضرورة، بأن أخرجه السلطان، فيقضي لها من اللَّيْلَةَ الَّتِي بعدها مثل ما خرج.
والأولى أن يُرَاعِي الوَقْت فيقضي لأَوَّل اللَّيْل من الأول، وللآخر من الآخر ويكون في باقي الليل عند صَدِيقٍ أو في مسجد أو موضع منفردٍ، ويستثنى ما إذا كان يخاف الْعَسَس أو اللصوص ونحو ذلك، لو خرج فيعذر في الإِقَامَة، قَالَ في "التتمة" والأَوْلَى ألا يستمتع بها فيما وراء زَمَان القَضَاء.
فرع: منقول عن "الأم" إذَا كَانَ للرَّجُل أربع نسوة، فترك القَسْم لإِحداهن أربعين ليلةً يقسم لها عَشْراً.
قال الأصحاب: صُورَتُهُ أن يبيتَ عنْد الثلاث عَشْراً عشْراً ويعطل عشر الرابعة فلا يبيت عند واحدة منهن فيها، أمَّا إذا وزع الأربعين على الثلاث بالسوية، فحصة كل واحدة ثلاث عشرة وثُلُثٌ، فيقسم للرابعة مثل ذلك.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): لَوْ وَهَبَتْ نَوْبَتَهَا مِنْ ضَرَّتَهَا فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَمْتَنِع مَنَ القَبُول، فَإِنْ قَبِلَ فَلَيْسَ لِلمَوْهُوبَةِ الامْتِنَاعُ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ لَيْلَتُهَا مُتَّصِلَةً بِلَيْلَةِ الوَاهِبَةِ بَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً فَهَل يَجُوزُ أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ لَيْلَتَينْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ وَهَبَتْ مِنَ الزَّوْجِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَصِّصَ وَاحِدَةً بَلِ الوَاهِبَةُ كَالمَعْدُومَةِ، ثُمَّ لَهَا الرُّجُوعُ مَهْمَا شَاءَتْ، وَمَا فَاتَ قَبْلَ بُلُوغِ خَبَرِ الرُّجُوعِ فَلاَ يَقْضِي كَمَا فَاتَ مَثَلاً مِنْ ثِمَارِ البُسْتَان قَبْلَ مَعْرِفَةِ الرَّجُوعِ مِنَ المُبِيحِ.
قال الرَّافِعِيُّ: فإذَا سَامَحَتْ واحدةٌ من زوجَاتِهِ وتركَتْ حقَّهَا من القَسْم لم يَجِبْ على الزَّوج القَبُولُ؛ لأن الاستمتاع بها حَقُّه، فله أن يبيت عندها في نوبتها، وإن رضي بالمسامحة فينظر، إنْ وُهِبَتْ من ضرة بعينها جاز ويبيت عند الموهوب لها ليلتين؛ ليلةً لها وليلة عند انتقال الواهبة؛ لما رُوِيَ أن سَوْدَةَ -رضي الله عنها- لَمَّا كَبِرَتْ جعلت نوبتها لعائشة -رضي الله عنها- وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقسم يومها ويوم سودة لعائشة 38.
ثم إنْ كانت نَوْبةُ الواهِبَةِ مُتَّصِلَةً بنوبة الموهوبة لها، بات عنْدها الليلتين على الوَلاَء، وإن كانَتْ منفصلةً عَنْهَا فوَجْهَانِ:
الجزء: 8 - الصفحة: 376
أحدهما: أنَّه إذا انتهت النَّوْبَة إلى الموهوبة يبيت عندها ليلتين؛ لأَنَّه أسهل عليه، والمقدار لا يختلف، وقياس هَذَا أنَّه إذا كانت ليلة الواهبة أسْبَقَ، وبات فيها عنْد الموهوبة يجوز أن يقدم ليلتها ويبيت عندها الليلة الثانية أيضاً.
وأصَحُّهُمَا وهو المذكور في "التهذيب": أنه لا يجوز الموالاة، بل يبيت عند الموهوبة في ليلتين منفصلتَيْنِ، كما كان يبيت قَبْل الهِبَة عند الواهبة والموهوبة؛ لأن حَقَّ الموهوبة بين الليلتين سابق فلا يجوز تأخيره ولأن الواهبة قَدْ ترجع بين الليلتَيْنِ، والموالاة تُفَوِّتُ حقَّ الرجوع عليها، ولو أنَّهُ طَلَّقَ الواهِبَةَ لم يبت عند الموهوبة بعد ذلك إلاَّ ليلتها، ولا يُشْتَرَط في هذه الهبة رِضَى الموهوبة وَقُبولُهَا، بل يكتفي قبول الزوج، وحكى الحناطي وجهاً غريباً في اشتراط رضاها، وإن وهبت حقَّها من الزوج فهل له أن يخصص واحدة بنوبة الواهبة فيه وجهان:
أحدهما: نَعَمْ؛ لأنها جعلت الحَقَّ له فيضعه حيث يشاء، وعلى هذا فينظر في ليلة الواهبة، وليلة التي يريد تخصيصها، أهما متواليتان أم لا، يكون الحُكْمُ على ما سبق وهذا الوجه هو الذي ذكره العراقيون وتابعهم القاضي الرُّوَيانِيُّ وغيره.
والثاني: المنع لأن التخصيص يظهر المَيْل ويورث الوحشة والحِقْد، فيجعل الواهبة كالمعدومة، ويسوي بين الباقيات، وعلى هذا لو كن أربعاً فوهبت واحدة حقَّها منه قسم بين الثلاثة وأخرج الواهبة عن الاعتبار، وبهذا الوجه الثاني أجاب أبو الحَسَن العَبَّادِيُّ وهو المذكور في الكتاب وأشار في "الوسيط" إلى القَطْع بالمَنْع فيما إذا قال: وهبت لك واقتصرت عليه وإلى تَخْصيص الوَجْهَيْن بما إذا قَالَت: وَهَبْتُ لك تخصيص من شئت، ولو أبقى الدَّوْر بحاله، وبات ليلة الواهبة في كل دَوْرٍ عند واحدة من الباقيات، فلا تفضيل ولا ميل، فلا يبعد تجويزه فإنْ جاز فقياسُه أن يجوزَ وَضْع الدَّوْر في الابتداء، كذلك بأن يجعل ليلة بين لياليهن دائرةً بينهن، وصورته: أن تكون تحته زينبُ وحفصةُ وعَمْرةُ فيبتدئ في القَسْم ليلةَ الجمعة لزينب، ويبيت ليلة السَّبْت عند حفصة، ويبيت ليلةَ الأحَدِ عند عمرة ويجعل الليلة الرابعة دائرةً بينهن ويعود ليلة الثلاثاء إلى زَيْنَب هكذا وحينئذٍ فَيْقرَعُ بينهن الليلة الدائرةَ أيضاً، ويبتدئ بمن خرجت قرعتها وإن وهبت حقها من جميع الضَّرَّات، فلا خلاف في وجوب التسوية بَيْن البَاقيَات وبمثله أجيب فيما إذا أسقطتْ حقَّها مطلقاً ويتعلق بهذه الهبة والرجوع عنها مسألتان أخريان:
إحداهما: للواهبة أنْ تَرْجِعَ متى شاءت ويعود حَقُّهَا في المستقبل؛ لأَنَّهَا هِبَةٌ لم يتصل بها القَبْض فيما يرجع إلى المستقبل، حتى لو رجعتْ في أثناء الليْل، فيخرج من عنْد الموهوبة، وأما ما مَضَى، فلا يؤثر الرجُوعُ فيه وكذا ما فات قبل علم الزوْج بالرجوع لا يؤثر فيه الرجوع؛ ولا يقضي؛ لأنَّه لم يظهر منْه ميل ولا تقصير إذا لم
الجزء: 8 - الصفحة: 377
يعلم، وفيه وَجْهٌ: أنَّه يقضي تخريجاً من الخلاَف في أن الوكيل هل ينعزل قبل العِلْم بالعزل، والظاهر الأوَّل وشَبَّه في الكتاب المسألة بما إذا أباح ثمرة بستانِهِ لإِنْسَان، ثم رجع وتَنَاوَل المُبَاح لَهُ بَعْضُها قَبْل العِلْم بالرجوع، وفي هذه الصُّورة طريقان محكيان فيما علق عن الإِمام، فَعَنِ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد: أن في وجوب الغُرْم لما تناوله بَعْد الرجوع قَوْلَهن، كَما في مسَألة عزل الوَكِيل، وعن أبي بَكْر الصَّيْدلانِّي: أنَّه يغرم؛ لأن الغرامات لا فرق فيها بين العِلْم والجَهْل، وإلى التَّغْرِيم مال الإِمام.
والثانية: لا يَجُوزُ أن تأخذ على المُسَامَحَة بحَقِّها عِوَضاً لا من الزَّوْج، ولا من بعض الضَّرَائِر، وإن أخذت فعليها الرَّدُّ ويستحق القضاء؛ لأن العِوَضَ لَمْ يسلم لها وحكى القاضي ابن كج أنَّهَا لا تستحق القضاء.
فَرْعٌ: لَوْ بَاتَ في نَوْبَةِ واحدةٍ عند غيرها وادَّعَى أنها كانَتْ قد وهَبَتْ نَوْبَتَهَا منْها، وأنكرت فَهِيَ المصدقة، وعليه البينة ولا يقبل فيه إلاَّ شهادة رجلين.
وقوله: "فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَصِّصَ وَاحِدَةً" معلَّم بالواو، وكلام أكثرهم مائل إلى تجويزه.
وقوله: "فَلاَ يَقْضِي" معلَّم بالواو أيضاً وكذا قوله "كما فات مثلاً من ثمار البستان" ولا يبعد ترجيح التغريم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): إِذَا ظَلَمَهَا بِعَشْرِ لَيَالٍ مَثَلاً وَأَبَانَهَا فَقَدْ فَاتَ التَّدَارُكُ وَبَقِيَتِ المَظْلَمَةُ، فَإِنْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا قَضَاهَا إِلاَّ إِذا نَكَحَ جَدِيدَاتٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ في نِكَاحِهِ المَظْلُومَةُ بِهَا فَيَتَعَذَّرُ القَضَاءُ وَيَبْقَى المَظْلَمَةُ.
قال الرَّافِعِيُّ: مَنْ ظَلَمَ وَاحدةً من زوْجَاتِهِ بِلَيَالٍ، فقد تَقَرَّرَ أَنَّه يلْزَمُهُ القَضَاء وإنَّمَا يتأتى القَضَاءُ إذَا كَانَتِ المظلومةُ والَّتِي ظَلَمَهَا بسببها في نِكَاحِه، أما إذا فَارَقَ المظلومةَ بطلاق وغيره، فقَدْ تعَذَّر القضاء وبَقِيَتِ المظلمة، في ذمته وذكر في "التتمة" أنه إذا قَسَمَ لواحدة فلمَّا جاءت نَوْبَة الأُخْرَى طَلَّقَهَا قبْلَ توفية حقِّها عَصَى؛ لأنَّه منعها حقَّها بعْد ثُبُوتِ الاسْتِحْقَاقِ لَهَا، وعلى هَذَا فهذا سَبَبٌ آخَرُ بوُجُوب كَوْنِ الطَّلاَقِ بِدْعيّاً، ثمَّ إذا عادت المطلقة إلَيْه برجعة أو بنكاح جديد وفي نكاحه التي ظَلَمَهَا بسببها، فعليه القضاء؛ لأنَّه تمكن من الخروج عن المَظْلَمَة.
وفي وجه: إنْ عَادَت بنكَاح جديدٍ لم يستَحِقَّ القضاء؛ لأَنَّ سبب الاستحقاقِ، قَد زال، وقَرُبَ هذا من الخِلاَفِ في عود الحنث وربَّمَا قيل هو هو، ولَوْ لَمْ يَكُنْ في نكاحِهِ الَّتِي ظَلَمَها بسببها حين عَادَتِ المظلومة إلى نكاحِهِ، بل نَكَح جديداتٍ فالقضاة متعذِّرٌ، لأنَّ القضاء إنما يكون من نَوْبَةِ التي ظلم بسببها، وليست الجديداتُ كذلك، ولو لم
الجزء: 8 - الصفحة: 378
يفارقِ المَظْلُومَةَ وَفَارَقَ اللَّوَاتِي ظلم بِسَبَبِهِنَّ ثم عُدْنَ إلى نكاحه أو فارقها وفارقَهُنَّ ثم عُدْنَ إلى نِكَاحِهِ اشتغل بالقضاء ولا يحتسب من القضاء ما فات عنْدَهَا في مفارقتهن وَيجِيْءُ بالنِّكَاحِ الجديد الخلافُ السابقُ (1).
ولو كان في نكَاحِهِ ثَلاثَ فَبَاتَ عنْد اثنتين عشرين ثُمَّ فَارَقَ إحداهما يبيت عند المَظْلُومَةِ عَشْراً تسويةً بينها وبَيْنِ الباقية كذا ذكره في "التَّهْذِيب" وقال في التَّتِمَّةَ: لو ظلم واحدةً من الثَّلاَث بعَشْرٍ ثُمَّ قَبْل توفيَةِ حقِّها طَلَّقَ وَاحِدَةً من ضَرَّتَيْهَا لا يقضي لها إلا خَمْس ليال؛ لأنَّه إنما يقضي العشر من حقهما جميعاً، وقد فات حقّ واحدةٍ منهما، وقوله في الكتاب: "بعَشْرِ لَيَالٍ" لا يخفى أنه مَذْكُور على سَبِيل التَّمْثِيل.
وقولُهُ "وَأَبَانَهَا فقد فات التداركُ وبَقِيَتِ المظلمةُ" فوات التدارك لا يختص بالإِبانة، بل كلُّ طَلاَق وفِرَاقٍ في معناها (2) وكأنه أراد أن يرتب علَيْه الكلام فيما إذا أراد أَن يجدد نِكَاحها، فلذلك أطْلَقَ لفْظَ الإِبَانَة.
وقوله: "قَضَاها" معلَّم بالواو، وقوله: "إِلاَّ إِذَا نَكَحَ جَدِيدَاتِ أَوْ لَم يَكُنْ فِي نِكَاحِهِ المَظْلُومَةُ بِهَا" يشير إلى أنَّه لو نَكَح جديدة، وبقيت في نكَاحِهِ الَّتي ظلم بسببها، لم يتعذر القَضَاءُ، وذلك كما إذا كانت تَحْتَهُ زوجتان، فَظَلَمَ واحدةً بلَيَالٍ، ونَكَحَ ثالثة، فيراعي حقَّ الثَّالِثَةِ، ويقضي للمَظْلُومَةِ من نَوْبَة المظلوم بها على ما تقدَّم.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الخَامِسُ في المُسَافَرَةِ بِهِنَّ)
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا هَمَّ بِسَفَرٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَاسْتَصْحَبَ وَاحِدَةً ثُمَّ إِذَا عَادَ دَارَ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ فَصَارَ سُقُوطُ (ح) القَضَاءِ عَلَى خِلاَفِ القِيَاسِ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، وَلَكِنْ بأَرْبَعِ شَرَائِطَ، أنْ يَقْرَعَ أَوَّلاً، وَأَنْ لاَ يَعْزِمَ عَلَى النُّقْلَةِ، وَأَنْ يَكُونَ السَّفَرُ طَوِيلاً مُرَخَّصاً لِيَكُون فَوْزُهَا في مُقَابَلَةِ تَعَبها، وَأَنْ لاَ يَعْزِمَ عَلَى الإقَامَةِ في مَقْصِدِهِ، فَإِنْ خَرَجَ للِنُّقْلَةِ أَوْ لِلتَّفَرُّجِ أَوْ عَرَضَ فِي سَفَرٍ قَصِيرٍ قَضَى لِلبَاقِيَاتِ، وَإِنْ عَزَمَ عَلَى الإِقَامَةِ في مَقْصدِهِ قَضَى أَيَّامَ الإِقَامَةِ، وَهَلْ يَقْضِي أَيَّامَ الرُّجُوعِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ القَضَاءُ بِإقَامَةِ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَإنْ كَانَ يَمْتَنِعُ بِهِ التَّرَخُّصُ، وَإِنْ أَقَامَ أَيَّاماً في انْتِظَارِ إِنْجَازِ حَاجَتِهِ ابْتَنَى القَضَاءَ عَلَى الخِلاَفِ في تَرَخُّصِهِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَعْزِمَ عَلَى النُّقْلَةِ وَيُخَلِّفَ نِسَاءَهُ.
قال الرافعي: بَيَّنَّا في أول القَسْم أن مقصود هذا الفَصْل القَوْلُ في مسافرة الزَّوْج بزوجاته أو ببعضهن، وقد صَحَّ عن عائشة -رضي الله عنها- أن النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَليْهِ3940
الجزء: 8 - الصفحة: 379
وسلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَراً أَقْرَعَ بَينَ نِسَائِهِ فأيتهن خرج سَهْمُها خَرَجَ بِهَا (1)، ولم ينقل أنَّه -صلى الله عليه وسلم- كان إذا عَادَ يَقْضِي، ولو كان يَقْضِي لأَشْبَه أن ينقل مع ذكر سفره لمن خرج سهْمُهَا، وحَكَى بعضهم، وفيهم أبو الفرج الزاز أنَّه روي عن عائشة رَضِيَ الله عنها أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "ما كان يَقْضِي" ولفظ الكتاب يوافق ما ذكره هؤلاء، وجعل سقوط القضاء من رُخَصِ السَّفَرِ بخلاف ما إذا خَصَّص واحدة في الحَضَر؛ لأَنَّ المُسَافِرَةَ وإن فازت بصحبة الزوج فقد تعبت في السفَر ومَشَاقِّه، وفي "الوسيط" أن أبا حَنِيْفَةَ
-[رحمه الله]-
قال بوجوب القَضَاء، وإن أقْرَعَ وكذا حكايه القَاضِي ابن كج، وفي "أمالي" أبي الفَرَجِ: أنَّه لا مدخل للقرعة عنده في ذلك بل يَسْتَصْحِبُ من شاء، ثم يقضي، ثم اعتبر صاحب الكِتَابِ لسقوط [وجوب] 42 القضاء أربعةَ شُرُوطٍ:
أحدها: أن يَقْرَعَ، فلو استصحب بعضَهُن بلا قُرْعَة، فعليه القضاء للمخلفات؛ لأنَّه ظَلَم بالتفضيل والتخصيص، وفي "الشامل": أن أبا حنيفة ومالكاً قالا: لا يَجِبُ القَضَاء، وهذا بخلاف ما سبق عن أبي حنيفة رحمه الله، ثم في المُدَّة الواجِبِ قَضَاؤُهَا وجهان:
أظهرهما: أَنَّه يقضي ما بَيْن إنْشَاء السَّفَر إلى أن يَرْجع إلَيْهِنَّ.
والثَّانِي: يستثني مُدَّة الرُّجُوع؛ لأَنَّه خروج عن المَعْصِيَةِ، وفي وجْهٍ: لا يقضي من وقت العزم عَلَى الرُّجُوع وإن لم يَنْهَض بَعْدُ، وأشار الحناطي إلى خلاف في أن ما ذكرْنَا أنَّه إنَّمَا يَسْتَصْحِبُ بعضَهُن بالقُرْعَة مخصوصٌ بما إذا كان يقسم لَهُنَّ أو مُطْلَقٌ، والظَّاهر الإِطلاقُ، وإذا خرجت القرعةُ لواحدةٍ لَمْ يَجُز أن يستصْحبَ غيرها، ويجوز أن يُخَلِّفَهَا مع المتخلِّفات وللقرعة طريقان: إخراج الأسماء على السَّفَر، وإخراج السَّفَر على الأسماء، فإذا كانت تحته أربع نسوة وأراد أن يَقْرَعَ بينهن، فإن شاء أثْبَتَ أسمائهن في رِقَاع وأدرجها في بنادق متساوية، وأخرج منّها واحدة على السفر، وإن أراد استصْحَاب اثنتين معه، أخرج رُقْعَة أُخْرَى وجَوَّزُوا -والحالة هذه- أن يَقْتَصِرَ على رُقْعَتيْن، ويثبت في كل واحدة اسْم اثنتين، وإن شاء أثبت الحَضَر في ثلاث رِقَاع، والسفر في واحدةٍ، وأدرجها ثم يخرج رُقْعَة على اسْم واحِدَةَ فإن خرجَتْ رقْعَةُ السفر استصحبها، وإن خرجَتْ رقْعَة من رقاع الحَضَر أخرج رُقْعَة أُخرى على اسم آخَرَ وهكذا حَتَّى يخرج رقْعة السفر، وإن كان يسافر باثنتين، أثبت السفر في رقعتين [وفي] الحضر رُقْعَتَيْنِ.
والثَّانِي: ألاّ يَقْصِدَ بِسَفَرِهِ النُّقْلَة فأما في سفر النُّقْلَة، فَلاَ يجوز أن يَسْتَصْحِبَ41
الجزء: 8 - الصفحة: 380
بعضَهُنَّ دون بَعْضٍ لا بالقُرْعَة ولا بِغَيْرِ القُرْعَة، ولو فَعَلَ قضى للمخالفات، هَذَا هو الأَظْهَرُ وبِهِ قال أبو إسْحَاقَ، وحمل عليه قوله في المختصر: "وَلَوْ أَرَادَ النَّقْلَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ بِوَاحِدَةٍ إِلاَّ وَفَّى لِلْبَوَاقِي مِثْلَ مُقَامِهِ مَعَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِذَا نَقَلَهَا بِالقُرْعَةِ لَمْ يَقْضِ مُدَّةَ السَّفَرِ كَمَا في سَفَر التِّجَارَةِ" وحمل النص على مدة مقامه معها في البلد المنتقل إلَيْهِ، والفَرقَ عَلَى الأَظْهَر أنَّ سفر النُّقْلَة لا يختصُّ ببعضهن، بل يحتاج إلى نَقْلِهِنَّ جميعاً، فلا يخصِّصُ واحدةً بالاستصحاب كما في الحَضَر، ولو نقل بَعْضَهُنَّ بنفسه، وبعضَهُنَّ بوكيله بلا قرعة قضى لمن بعَثها مع وكيله ويجوز أن يفعل ذلك بالقرعة قاله في "التهذيب" وإذا أخذ في الرجُوع إلَيْهِنَّ بَعْد تخصيص واحدةٍ بالنقل، ففي قَضَاء مدَّة الرُّجُوع الوجْهَان، ولا يجوز أن يسافر سَفَرُ نُقْلَةٍ، ويخلف نساءه بل يَنْقُلُهُنَّ بنفسه أو بوكيله أو يطلقهُنَّ؛ لِمَا في التحليف من الإِضرار، هكذا أطلقه في الكتاب قال في "الوسيط": وإِنَّمَا لا يُكَلَّفُ في الحَضَرِ البيتوتةَ والتخصيص؛ اكتفاء بداعية الطبع، وفيما علق عن الإِمام أن ذلك أدب وليس بأمر لازم.
والثالث: أن يكون السفر طويلاً أما السَّفَرِ القصيرُ لغَرَضِ التفرُّج وغَيْره فهَلْ يجُوز أن يَسْتَصْحِبَ فِيهِ بعضَهُنَّ بالقُرْعَة فيه وجْهَانِ:
أحدهما: لا، ولو فَعَلَ لَزِمَه القضَاءُ؛ لأنه في حُكْم الإِقامة، وليس للمقيم، أن يَخُصَّ بعضَهُنَّ بالصُّحْبة؛ لأن المشقة فيه لا تَعْظُمُ.
والثاني: أنَّه كالسَّفَرَ الطويل؛ لأنَّه أعم وقوعاً، واستصحابُهُنَّ فيه أغْلَبُ، والأول هو المذكور في الكتاب، والثاني، أصحُّ عند صاحب "التهذيب" والتتمة وغيرهما، والرابع، أن لا يعزم على الإقامة، ولا يقيم فلا يقضي للمخلفات المُدَّة الَّتي سافر فيها أمَّا إذا صَار مُقِيماً فاعلم أنَّا ذَكَرْنا في "باب صلاة المُسَافِرِينَ" أن السفر يَنْتَهِي 43 بأمور:
أحدها: العَوْد إلى الوَطَن، وفي معناه البُلُوغ إلى المَقْصِدِ الَّذي لم يعزم على الإِقامة فيه أربعةَ أيَّام فصاعداً.
ولا ينتهي بلوغ المَقْصِدِ الَّذي لم يعزم على الإِقامة فيه هذه المدَّة على الأصح.
والثاني: أن يعزم على الإِقامَةِ في بَلْدة أو قرية إلَيْها في طريقه أربعة أيام أو أكثر.
والثالث: أن يقيم مُدَّةَ أربَعَةِ أيَّام لشغل ينظر أهو مما يتوقع تنجزه لَحْظَةً فلَحْظَةً، وهو على أن يرتحل متى تنجز أو مما يعلم أنَّه [لا] 44 ينجز في أربعة أيام، وفي الحالين اختلافٌ طويلٌ مذكورٌ في "صَلاَةِ المُسَافِرِينَ".
الجزء: 8 - الصفحة: 381
إذا تذكرت ذلك فإذا انتهى إلى مقصده الَّذِي كان عَزَم على الإِقامة به أربعةَ أيَّام أو أكْثَرَ، أو عزم عليها عندما انتهى إلَيْه، فيقضي مُدَّةَ إقامَتِهِ، وفي مدة الرجوع وجْهَان: أشبههما [أنَّه] لا يقضي؛ لأنه خرج بالقرعة والخروج يعقبه الرجوع فكما لا يقضي مدة الذهاب لا يقضي مدة الرجوع.
والثَّانِي: أنَّه يجب القضاء؛ لأن السَّفَر قد انْقَطَعَ بالإِقَامَة، وهذا كسفر بغَيْر قُرْعة، وصور الشيخ الزاز فيما إذا قد سافر للتجارة ثم عزم على إقَامَةِ النُّقْلَةَ وحكى فيه الوجْهَيْن هذا في عزم الإِقَامَة، وأمَّا نفس الإِقامة 45 فعن كلام الإِمَام: أنه لا يلزمه القَضَاء بإقامَةِ يَوْمٍ واحدٍ؛ لأن القضاء إنما يَجِبُ إذا فازت المستصحَبَةُ بصُحْبَتِه من غَيْر أن تَتَحَمَّل مَشقَّة السَّفَر، وباليَوْم الوَاحِدِ لا ترتفع المشقة، ولا تحصل الدَّعَة والرفاهية، وهذا قوْلُه في الكتاب: "وَلاَ يَلْزَمُهُ القَضَاءُ بِإِقَامَةِ يَوْمٍ وَاحِدٍ وإن كان يمتنع به الترخص" وامتناع الترخص بإقامة اليَوْم الواحد يُمْكِنُ فرْضُه فيما إذا انتهى إلى مقصده الذي كان قد عزم على الإِقامَةِ فيه أربعةَ أيَّام أو أكثَرْ، وفيما إذا أقام لشُغْلٍ ليرتحل مهما تنجز فينجز وأقام بعد ذلك يوماً ثم في الصُّورَتَيْنِ إقامَةُ ما دون اليَوْمِ كإِقَامَةِ اليَوْمِ، فيكون ذلك اليَوْمُ عَلَى سَبِيل التَّمْثِيلِ، فهذا ما يشتمل عليه الكتَابُ، وكلام الإِمام فيه ما يُفْهِمُ وجوب القَضَاء، ولو زادت إقامته على يَوْمٍ واحدٍ لكن الدعة والرفاهية لا تكاد تَحْصُلُ باليوم الواحد، ولذلك احتملنا ثلاثة أيَّامٍ على الْوَجْهِ المذكور في "صَلاَةِ المُسَافِرِينَ" والأقرب ما أورده صاحب "التَّهْذِيبِ" فقالُ: "ولو حمل بعضهن بالقرعة وزاد مقامه [في بلدٍ] على مقامِ المسافرين يجبُ عَلَيْهِ أن يقْضِيَ ما زاد على مقام المسافرين" هذا لفظه، وفيه تسوية بين ما نَحْنُ فيه وبين الترخُّص بالقَصْر، والله أعلم.
وإن أقام لِشُغْلٍ يتوقع تنجزه فالخلاَفُ في القضاء، كالخِلاَف في الترخص.
قال في "التَّتِمَّة": إن قلْنَا: يترخص فلا يَقْضِي؛ لأنا لم نحكم بإقامته، وإن قُلْنَا: لا يترخَّصُ، فيقضي ما زاد على مدَّة المسافرين، وهذَا يؤيد التَّسْوِيَة بَيْن الأصلين، والقِيَاسُ في مدَّة الرُّجُوع في هذه الحالة أن يقال: إنْ لمْ نوجبِ القضاء لمُدَّة هذه الإِقَامَة، فلا يقضي مدة الرُّجُوع وإن أوجبنا القضاء، ففي قضاء مدة الرُّجُوع الوَجْهَانِ السابقانِ؛ لانقطاع السفر الأول.
والأظهر من الخلاف في الترخص -أنه إن كان يتوقع تنجز الشغل لحظةً فلحظةً أن يترخص إلى ثمانية عَشَرَ يَوْماً، وإن كان يعلم أنه لا ينجز في أربعة أيام ألاَّ يسترخص أصلاً، وقد ذكرْنَا ذلك في موْضِعِه، وقوْلُهُ في الكتاب فَصَارَ سقوط القَضَاءِ عَلَى خِلاَفِ
الجزء: 8 - الصفحة: 382
القِيَاسِ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، أي على خلاف قياس الحضر؛ فإنَّه لا يجوز تخصيص بَعْضِهِنَّ بالقُرْعَة، وليس ذلك على خلاف القياس مُطْلَقاً, لأن المصاحبة في السفر مصاحبةٌ في حال تعب وَمَشقَّة، ولا يكاد يكمل فيه الأُنْس والسكن، فلو قضى بعد الرجوع وقع القَضَاء في حال الدعة والرفاهية، وَذَلِكَ بَعيد عن العَدْل والتسوية، ويمكن أن يُعَلَّم قوله: "سقوط القضاء".
وقولُه: "أَنْ يَقْرَعَ أوَّلاً" بالحاء لِمَا حَكَيْنَاه من الرِّوَايَات المضطربة، وُيعَلَّمَ قولُهُ: "أن يَقْرَعَ" بالميم أَيْضاً، وَقَوْله "وأن لا يعزم على النُّقْلة" معلم بالواو؛ للوجه الذي ذكرنا في سَفَر النُّقْلَة، وكذا قَوْلُهُ: "وأن يكُونَ السَّفَرُ طويلاً مُرَخَّصاً للوجه الذاهب إلى أنه لا فَرْقَ بين الطويل والقصير، وقولُهُ: "مُرَخَّصاً" يقتضي وُجُوبَ القضاء في سفر المعصية.
وقوله: "ليكون فوزها في مقابلة تعبها" يعني التعب اللاحق في السفر الطويل ويشير به إلَى أَنَّ القصير لا تَعْظُمُ فيه المَشَقَّةُ.
وقوله: "ولا يجوز له أن يعزم على النُّقْلَة" أي يسافر على عزم النُّقْلَة، والمراد من تَخْلِيفِ 46 النِّسَاء ألاَّ ينقُلَهُنَّ بنَفْسِهِ ولا بوكيل ويكون إعلامُه بالواو لمَا تَقَدَّمَ.
فُرُوعٌ: لو استصحب واحدة بالقُرْعَة ثم عَزَمَ على الإِقامَةِ في بَلَد، وكتب إلى البَاقِيَاتِ يستحضرهن ففي وجوب القضاء من وَقْت ما كتَبَ إلَيْهِنَّ وجْهَانِ حكاهما صاحب "التَّهْذِيبِ" 47 وفي "فتاويه": أنَّه لو نوى المقام في بَلَدٍ قيل أن يصل إلى مقصوده يقضي مدة مقامه في ذلك البلد، وهل يقضي مُدَّة ذَهَابِهِ إلَى المَقْصِدِ بعد ذلك يحتمل أن يَكُونَ على وَجْهَيْن كَمَا في مُدَّة الرجوع ويحتمل أن يُقَال: يقضي قطعاً 48 وأنه إذا استصحب واحدة بلا قرعة قضى للباقيات جميع المدة وإن كان لا يبيت معها إلاَّ إذا تركها في بلد وفارقها ويحتمل أن يقال لا يقضي إلاَّ ما بات عنْدَهَا، ويحتمل أن يقال: يقضي وإن خلفها في بَلَدٍ 49، وفِيما علّق عن الإِمام ذكر وجهين فيما إذا اسْتَصْحَبَ واحدة بالقرعة 50 في سَفَر النُّقْلَة وأوجَبْنَا القضاءَ هَلْ يخرج عن الظُّلْم بتغير عزم النُّقْلَة أو يستمر حُكْمُه إلى أن يرجع إلى المُخَلَّفات 51؟!.
الجزء: 8 - الصفحة: 383
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ عَزَمَ عَلَى الإِقَامَةِ أَيَّاماً ثُمَّ أَنْشَأَ سَفَراً آخَرَ لَمْ يَكُنْ عَزَمَ عَلَيْهِ أوَّلاً لَزِمَهُ قَضَاءُ تِلْكَ الأَيَّامِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَيْهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى أَيَّامِ الرُّجُوعِ، وَأَوْلَى بِوُجُوبِ القَضَاءِ، وَلَوْ سَافَرَ بِاثْنَتَيْنِ عَدَلَ بَيْنَهُمَا بِالسَّفَرِ، وَإِنْ ظَلَمَ إِحْدَاهُمَا قَضَى لَهَا إِمَّا فِي السَّفَرِ أَوْ فِي الحَضَرِ، وَلَهُ أَنْ يُخَلِّفَ إِحْدَاهُمَا فِي بَعْضِ المَنَازِلِ بالقُرْعَةِ، وَلَوْ نَكَحَ فِي الطَّرِيقِ جَدِيدَةً خَصَّهَا بِثَلاَثِ لَيَالٍ أَوْ سَبْعٍ ثمَّ عَدَلَ بَعْدَهُ بَيْنَهُنَ، وَلَوْ خَرَجَ وَحْدَهُ وَنَكَحَ فِي الطَّرِيقِ جَدِيدَةً لَمْ يلْزَمْهُ القَضَاءُ لِلمُخَلَّفَات، وَلوْ كَانَ تَحْتَهُ زوْجَتَانِ فَنَكَحَ جَدِيدَتَيْنِ وَسَافَرَ بِإِحْدَاهُمَا بِالقُرْعَةِ انْدَرَجَ حَقُّ الجَدِيدَةِ في أَيَّامِ السَّفَرَ، فَإِنْ عَادَ قَضَى حَقَّ الجَدِيدَةِ المُقِيمَةِ بِسَبْعٍ أَوْ ثَلاَثٍ، وَقِيلَ: بَطُلَ أَيْضاً حَقُّهَا لانْقِضَاءِ الوَقْتِ مِنْ أوَّلِ الزِّفَافِ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان:
إحداهما: لو سافر باثنتين بالقُرْعَة، عَدَلَ بينهما، فإن ظَلَم إحداهما، قضى لها في السفر، وإن لَمْ يتفقْ، قَضَى في الحَضَر من نَوْبَة الَّتي ظلمها بها, ولو استصْحَبَ واحدةً بالقُرْعَة، وواحدةً بلا قُرْعَة، فيعدل بينهما أيضاً، ثم إذا رَجَع، قضى لمن خَلَّفَهَا من نَوْبَة التي استصحبها بلا قرعة، ولا تخص مُدَّة السَّفَر لِمَنِ استصحبها بالقُرْعَة وإنما يكون كذلك إذا لم يكن معها غيْرَهَا ولو كانت إحدى المستصحبتين جديدة لم يقضِ حق زفافها فيقضيه ثم يسوي بينهما، وَلَوْ أراد تَخْلِيفَ واحدةٍ في بعْضِ البلاد، فلَهُ ذلك، ولَكِنْ بالقرْعَةِ، ولوْ نَكَح في الطَّرِيق جديدَةً فَيَقْضِي حَقَّ زَفَافِهَا ثُمَّ يُسَوِّي بيْنَهَا وبَيْنَ المستصحبات، ولا يلزم القَضَاء للمُخَلَّفَات ولو خرج وحده ونكح في الطريق جديدة فكذلك لا يلزم القضاء للمخلفات، وهذا في مدة السفر فأما إذا نَوَى الإِقَامَة في مَوْضِعٍ أو أقام أياماً، فيقضي في الصُّورَتَيْنِ ما وراء حقَّ الزفاف، وفي مدة الرجوعَ الوَجْهَانِ
الثانيةُ: تحته زوجَتَانِ فنكح جديدتَيْنِ وسافر بإحداهما بالقُرْعَة: فيندرج حق زفافها في أيام السفر؛ لأن المَقْصُود من زيادة المقام مع الجديدة زوالُ الحِشْمَة وحصولُ الانْبسَاطِ، وقد حَصَل ذلك في السفر، وإذا عاد، فهل يوفي حَقَّ الأخرى بثلاثٍ أو سبعٍ فيه وجْهَان:
أظهرهما: -ويَحكى عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة:- نَعَمْ؛ لأنَّه حق ثبت قبل المسافرة، فلا يسقط بالسَّفَر، كما لو قسم لبعض نسائه دون بعض، وسافر، فإنَّه بعد الرُّجُوع يقضي لمَنْ لم يقسم لَهَا.
والثَّاني: ويحكى عن ابن سُرَيْجٍ -لاَ، كما لو سَافَر بإحْدَى القديمتَيْنِ لا يقضي للأخرى، ولأن حق الجديدة، يتعلق بأول الزفاف، وقد مضى، ولو نكح اثنتين وزُفَّتَا إلَيْهِ معاً فَسَافَرَ بإحْدَاهما بالقُرْعَة، فالحُكْم كذلك فلو كانَتَا بِكْرَتَيْن فَرَجَعَ بَعْدَ ثلاثة أيام
الجزء: 8 - الصفحة: 384
قال القاضي ابن كج: على الوجْه الأول يتم لَهَا السَّبْع ثم يوفي 52 الأخرى سَبْعاً وعلى المَنْسُوب إلى ابن سريج، يتم لها السَّبْع، ويبيت عند الأخرى أربعاً، ويبطل ما جَرَى في السفر، ولو نَكَح جديدةً على قديمةٍ وسَافَرَ قبل أن يُوَفِّيَ حق الزفاف بواحدة منْهما بالقُرْعَة فإنْ سافر بالقديمَةِ، وَفَّى عند الرجوع حَقَّ الجديدة، نَصَّ عليْه ويجيء فيه الوجْه الآخَرُ، وإن سافر بالجديدة، انْدَرَجَ حقُّ الزفاف في أيام السفر، ويفارق اندراج حقُّ الزفاف في هذه الصورة ما إذا ظَلَمَ واحدة، ثم سافر بالمظلومةِ بالقُرْعَةِ، لا يَنْدَرجُ حقُّ القضاء في أيام السفر؛ لأنَّ القضاء إنما يَجبُ في نوبة الضَّرَائر وأيام السفر [حقٌّ] 53 لها خاصَّةً، فلا يحسب عن القضاء وحق الزفاف يثبت للجديدة؛ لا في حق الضرائر فيحسب من أيام السفر حتَّى لو سافر بالمَظْلُومة بلا قُرْعة يندرج أيام القضاء في أيام السفر؛ لأن أيام السفر -والحالةُ هَذِه- غير مستحَقَّة لها، وقد عَرَفْتَ بما أوردناه أن قوله في الكتاب: "قَضَى لَهَا إمَّا في السَّفَرِ أَوْ في الحَضَرِ" ليس تخيراً بل يقضي في السَّفَر مبادرةً إلى قَضَاءِ ما عَلَيْهِ ولأَنَّه أَقْرَبُ إلى العَدْل للتفاوت بين الصَّحْبَة في السَّفَر والصحبة في الحَضَر، فإن لم يتفق فيقضي في الحَضَر، وأنَّ قوله: "لَمْ يَلْزَمْهُ القَضَاءُ للمُخَلَّفَاتِ" أي في مدة السَّفَر أما إذا أقام فيقضي.
وقوله: "بطل أيضاً حقها" أراد به لا يُوفِي لَهَا حقَّ الزفاف، كما لا يوفي للتّي سافر بها، [وإلاَّ فحقها] صار مُوفَى لا باطلاً، حتى يقول: يبطل [حق هذه] أيضا ونختم الكَلاَم في القَسَم بصور حكى أبو عبد الله الحناطي وجْهَيْن فيما إذا كانت تَحْتَهُ زوجتان، ولَهُ إماء هل له أن يسافر بواحدة من الإِماء من غير قُرْعَةٍ؟ ونسب المنع إلى ابن أبي هريرة، والجَوَاز إلى أبي إسحاق وهو قياس أصل القَسْم 54.
وفي "فتاوى الشيخ الفَرَّاء": أن حَقَّ الزِّفَاف إنما يثبت لِلَّتِي نَكَحَهَا إذا كانت في نكاحه أُخْرَى يبيت عنْدَهَا، فإن لم يَكُنْ في نكاحه أخْرَى أو كانَتْ وكان لا يبيت عندها، فلا يثْبُتُ حقُّ الزِّفَاف كما لا يجب على الرَّجُل أن يبيت عند زوجته أو زوجاته، وأنه لو نكح امرأتين وليست عنده امرأة أخرى، ففي ثبوت حق الزفاف وجْهَانِ:
أظهرهما: وهو الذي أوردْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أنَّه يثبت لها حَقَّ الزِّفَاف.
والثاني: أنهما إن كانتا بِكْرَيْنِ أو ثيبتين لم يكن لها حقُّ الزِّفَاف، فإن أراد أن يبيت عنْدَها فَعَلَيْهِ التَّسْويَةُ وإنْ كَانَتْ إحداهما بكْراً والأخرى ثَيِّباً فيخص البِكْر بأربع ليال، ثم يسوي.
الجزء: 8 - الصفحة: 385
وأنه لو سافر بإحدى زَوْجَاتِهِ بالقُرْعة ثم نَكَحَ في السَّفَر جديدة، ومنعها حقَّ الزِّفَاف ظُلْماً وباتَ عنْدَ القديمة سبْعاً، وعاد إلى البَلَد قبل أن يَقْضِي للجديدة حقَّ الزِّفَاف [فيوفيها حق الزفاف] (1) ثم يدور على المُخَلَّفَات والجديدة فيقضي لها من يوم القديمة الَّتِي كانَتْ مَعَهُ في السَّفَر، وذلك بأن يبيت عنْد كُلِّ واحدةٍ من المُخَلَّفَات ليلةً وعنْدَ الجديدةِ ليلَتَيْنِ إحداهما لها والأخرى نوبة التي ظلمها بسببها، هكذا يفعل إلى أن يتم لَهَا السَّبْع، وكذا لَوْ كَانَتْ تَحْتَه ثلاثٌ وَنَكَحَ جديدةً ولم يُوَفِّهَا حقَّ الزِّفَاف، بل بات عند واحدة من الثلاث عَشْراً ظُلْماً، فعليه أن يوفي حق الجديدة، ثم يدور عليْهَا وعلى المظلومتين، حتى يتم لكلِّ واحدةٍ عَشْراً واللَّهُ أعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ السَّادِسُ في الشِّقَاقِ):
وَلَهُ ثَلاَثةُ أَحْوَالٍ: (الأُولَى): أَنْ يَكُونَ النُّشُوزُ مِنْهَا فَلَهُ الْوَعْظُ أَوْ مُهَاجَرَةُ المَضْجَعِ أَوِ الضَّرْبُ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الوَعْظَ لاَ يَنْجَعُ كَانَ لَهُ البِدَايَةُ بِالضَّرْبِ، فَإِنْ أَفْضَى الضَّرْبُ إِلَى تَلَفٍ فَعَلَيْهِ الغُرْمُ بِخِلاَفِ الوَلِيِّ فإِنَّهُ يُؤَدِّبُ الطِّفْلَ لاَ لِحَظِّ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ نَاشِزَةً بِالمَنْعِ مِنَ المُسَاكَنَةِ وَالاسْتِمْتَاعِ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى تَعَبٍ في رَدِّهَا إِلَى الطَّاعَةِ، وَحُكْمُ النُشُّوزِ سُقُوطُ النَّفَقَةِ، فَلَوْ مَنَعَتْ غَيْرَ الجِمَاع مِنَ الاسْتِمتَاعِ احْتَمَلَ أَنْ يَسْقُطَ مِنَ النَّفَقَةِ بَعْضُهَا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الأَمَةِ إِذَا سَلَّمَتْ إِلَى الزَّوْجِ لَيْلاً وَمَنَعَتْ نَهَاراً.
قال الرَّافِعِيُّ: والشِّقَاق بَيْن الزَّوْجَيْن قد يعرف ويظهر سببه، وذلك إمَّا بأن تَنْشُزَ المرأة وتتعدى، أو بأن يتعدى الرَّجُل، وقد لا يظهر ويشكل الحال في أن التعدي من أيهما أو هو منهما فهذه أحوال ثلاثة:
الحال الأولى: أن تتعدى المرأة والقرآن.
بعرض لِثَلاثَةِ أُمُورٍ في نُشُوزِ المرأة وَتَعَدِّيهَا الوَعْظَ والهِجْرَانَ، والضَّرْبَ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 28] والمراد من الوعظ أن يخوفها بالله تعالى ويقول لها: اتَّقِي اللَّهَ في الحَقِّ الواجِب عليك، واحْذَرِي العُقُوبَةَ ويبين لها أن النشوز يُسْقِط النفقة وحقَّ القَسْمِ، فقد تتأدب بذلك، والهِجْرانُ المعتبر هو الهِجْرَانُ في المَضْجَع، وله أَثَرٌ ظاهِرٌ في تأدب النساء، وأَما الهجرانُ بالكَلاَم ففي "الحلية" للقاضي الرُّوَيانِيِّ أن في ضمن هجرانها في المضجع الامتناعَ عن الكلام 56؛ وهذا إن أراد به الامتناع من الكلام في تلْكَ الحالة، فهو قريب، وإن أراد الامتناع المُطْلَقَ، فهو غريب، والمشْهُورُ المَنْع من الهِجْرَان بالكلام، وفيما علّق عن الإِمام حكايَةُ وَجْهَيْنِ في أنَّه محرمٌ أو مكروهٌ قال: والذي عِنْدِي أنَّه لا يحرم الامتناع من الكلام ابتداءً، نَعَمْ، إذا كُلِّمَ فعليه أن يُجِيبَ، وهو بمثابة ابتداء السلام، والجواب عنْه، ولِمَنْ ذَهَبَ إلَى التَّحْرِيم أن يقُولَ:55
الجزء: 8 - الصفحة: 386
الامتناع من الكَلاَم، لا يحرم، إذا لم يَكُنْ على قَصْدِ الهِجْرَانِ؛ لكنَّه إِذا قَصَد الهجْرَان يجوز أن يثبت التَّحْرِيم؛ أَلاَ تَرَى أن الشَّيْء الَّذي يمتنع على قصْد الحِدَاد قد يحرم وإن كان لا يحرم لو امتنع لا على هذا القصد، وقد حكي عن النص أنَّه لو هَجَرَها بالكلام لم يَزِدْ على ثلاثَةِ أيَّامٍ، فإن فعل أَثِمَ 57، وهذا ترخيص في هِجْرَان الكَلاَم بالقدر المَذْكُور، وتأثيم فيما زاد عَلَيْهِ، وأما الضَّرْب فهُوَ ضَرْبُ تأديب وتعزير، وَقَدْره يتبيَّن في بابِهِ -إن شاء الله تعالى- وينبغي ألا يكون مُبَرِّحاً ولا مُدْمِياً وألاَّ يقع على الوجه، والمقاتل إذا أفضى إلى تَلَفٍ، وجب الغرم؛ لأنَّه تبين أنَّه إتْلاَف لا إصْلاَح.
وقَوْلُهُ في الكتاب: "بِخِلاَفِ الولِيِّ فَإِنَّهُ يُؤَدِّبُ الطِّفْلَ لاَ لِحَظِّ نَفْسِهِ" ظاهر في أن الوَلِيَّ لا غرم عليه إذا تَوَلَّدَ مِنْ ضَرْبِهِ للصَّبِيَّ تَلَفٌ، لكنه غَيْر مساعد عَلَيْه، كما سيأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى- نَعَمْ، ذَكَرُوا أن الزَّوْج وإنْ جاز لَهُ الضَّرْب فالأَوْلَى أن يَعْفُوَ ويُعْرض عنه والوليُّ لا يعرض عن ضرب التأديب عند الحاجة، فإن المَصْلَحَةَ تَرْجِع إلى الصَّبِيِّ، وقد وَرَدَ في الخَبَر النَّهْيُ عن ضَرْب الزوجات، وأشار الشَّافعي -رضي الله عنه- إلى احتمالَيْنِ:
أحدهما: أنَّه منسوخٌ إما بالآية أو بما ورد من الإِذن بضربهن.
والثاني: حمل النَّهْي على الكراهية، أو على أن الأَوْلَى التحرُّزُ عنْه ما أمْكَنَ، وقَدْ يحمل المَنْع على الحَالَةِ الَّتي لم يوجَدِ السَّبَب المجوز للضرب 58، إذا عرف ذلك فَلِتَعَدِّي المرأة ثَلاَث مَرَاتِبَ:
إحْدَاها: أن يُوجَدَ مِنْهَا لأمارات النُّشُوزِ قَوْلاً أو فِعْلاً، فالْقَوْلُ مثْل أن تُجيبَهُ بالكَلاَم الخَشِنِ والقَبِيح بَعْد ما عَهِدَ منْها خلاَف ذلك والفِعْل مثْل أن يجد منْها إعراضاً
الجزء: 8 - الصفحة: 387
وكراهةً وعُبُوساً بعْد ما عهد التَّلَطُّفَ وطلاقَةَ الوَجْه، ففِي هَذه المَرْتَبَة لا يَهْجُرُها, ولا يضربُهَا بل يقتصر على الوَعْظِ فلعلَّها تُبْدِي عُذْراً أو تَتُوب عمَّا جرى من غير عُذْر.
والثَّانِيَةُ: أنْ يَتَحَقَّق منْها النُّشُوز، ولكنَّه لا يَتَكَرَّر ولا يَظْهَرُ إصْرَارُهَا عَلَيْهِ فله الوَعْظُ .. والمهاجرة في المَضْجَع وفي الضرب قَوْلاَن:
أحدهما: ويُحْكَى عن نصه في "الأُمِّ" وبِهِ قَالَ أَحْمَدُ [رحمه الله]: لا يجوز؛ لأن الجناية لم تتأكدْ، وقد يكون ما جرى لعارض 59 قريب الزوالِ، لا يحتاج إلى التأديب بالإِيلام والتشديد.
والثاني: أن له الضَّرْبَ لحُصُولِ النشوز، كما لو أصرف علَيْه، وميل ابن الصباغ إلى الثَّانِي وساعده الشَّيْخ أبو إسْحَاق الشِّيَرَازِيُّ، ورجَّح الشَّيْخ أبو حامد والمحاملي الأوَّلَ فمن قَالَ بالأَوَّل جَعَلَ في الآية احْتمالَيْنِ، وقال: المعنى ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع، فإن أصررن، فاضربوهن، ومَنْ قال بالثَّاني قال: الخوْفُ بمعنى العِلْم كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: 182] وإذا عَلِمَ النُّشُوزَ حَلَّ له الوعْظُ والمهاجرةُ والضَّرْب جميعاً، فأَوَّلَ الخَوْفَ، واسْتَغْنَى عن الإِضمار.
والثالثةُ: أن يحصل التَّكْرَار والإِصْرَار فلَهُ مع الوَعْظ والهجران الضَّرْب بلا خِلاَفٍ، هذه هي الطريقة المعتدة في المراتب الثلاث، وعليها الاعتماد، ونقل القاضي ابن كج أنَّه إن ظهر النشوز، فللزوج الوَعْظ والهجران والضَّرْب يجمع بينهما، ويفرق على بحسب اجتهاده، كما يجتهد للحاكم في التعزيرات فإن خاف النشوز فَقَوْلاَنِ:
أحدهما: أن الجواب كذلك لظاهر الآية.
والثاني: أنه لا يزيد على الوَعْظ، ولم يتعرَّضْ للفرق بَيْن الإِصْرَار وعَدَمِهِ ونَقَل الحناطِيُّ نَحْواً منْه في حالَةِ الخَوْف وفي حَالَة ظُهُور النُّشُوز ثَلاَثَة أقوال:
أحدها: أنَّ له الجَمْع بين الوَعْظ والهَجْر والضَّرْب.
والثاني: يخير بينها ولا يجمع.
والثالث: أن الأمر على الترتيب، فيعظ أوَّلاً، فإنْ لم تَتَّعِظْ هَجَرَهَا، فإن لم تَنْزَجِزْ ضَرَبَهَا، وحَكَى صَاحب الكتاب في "الوسيط" الخِلاَفَ في الجَمْع والترتيب، عند حُصُولِ النُّشُوزِ قال: والصحيحُ أنَّه إن غَلَبَ على ظَنِّه أنَّها تنزجر بالوعظ والمهاجرة لاَ يَجُوز [له ضرب] وإن علم أنَّها تنزجر فله الضرب أي ابتداء وحاصله تفصيل في وجوب الترتيب.
الجزء: 8 - الصفحة: 388
وقولُه في الكتاب: "فَلَهُ الوَعْظ أو مهاجرةُ المَضْجَع أو الضَّرْب" أراد به ذلك التفصيل الذي اختاره، وإن كان الظاهر لفظ التخيير، يوضِّحُه قولُهُ بعده: فإنْ عَلِمَ أن الوعظ لا ينجع كان له البداية بالضَّرْبِ", وقوله: "ينجع" لا أي لا يؤثر، ولا يفيد، يقال: نَجَعَ فيه الخِطَابُ، والوَعْظ ينجع، ويجُوزُ أن يعلَّمَ قوله: "أو الضرب" بالوَاوِ وكذا قوله: "كان له البداية بالضَّرْبِ" لأنَّهُ علق الضرب بمطلق حصول النشوز، وقد ذكرنا أن على قول يشترط فيه الإِصْرَار والتَّكْرار، ثم تكلَّم في الكتاب في أن المرأة بم تصير ناشزة فالخروج عن المسكن والامتناع من مساكنة الزوج نشوزٌ والمَنْع من الاستمتاع، بحيث يحتاج في رَدِّهَا إلى الطَّاعَة إلى تعَبٍ نُشُوزٌ ولا أَثَرَ لامتناع الدَّلاَل وَلَيْسَ من النُّشُوز الشَّتْم وبَذَاءَة اللِّسَان، ولكنَّها تَأْثَمُ بايذائه وتستحق التأديب عليه، وذكر وجهين في أن الزَّوْج يؤدبها أم يرفع 60 الأمر إلى القاضي؟.
والوجْهُ الثَّاني: أن الزوج فيما وراء المساكنة والاستمتاع؛ كالأجنبي، والأوَّل بأن ذلك تنغيص للعيش وتكدير للاستمتاع فهي كالممتنعة من الاستمتاع ولو مكنت من الجماع ومنعت من سائر الاستمتاعات، فهل هو نُشُوزٌ مُسقِطٌ للنفقة؟ فيه وجهان 61: قربا من الخلاف فيما إذا سلم السيد الأمة إلى الزَّوْج ليْلاً واستخدمها نهاراً، وبالمنع أجاب بعض أصحاب الإِمام.
وقَوْله في الكِتَاب: "احتمل أن يسقط كما ذكرنا 62 في الأمة" إشَارة إلَى هَذَا الخِلاَفِ، وفي بعض النَّسَخ، "احتلم أن يسقط من النفقة بَعْضَها"، والأول أوْلَى؛ لأنَّه يوافق لفظه في "الوسيط"، ولأن التبعيض في مسألة الأَمَة مأخوذ من تشطر الزمان، وليس للتبعيض هاهنا مأخذ معتمد.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الحَالَةُ الثَّانِيَةُ): أَنْ يَكُونَ العُدْوَانُ مِنْهُ بِالضَّرْبِ وَالإِيذَاءِ فَيُحَالُ بَيْنَهُمَا حَتَى بَعُودَ إِلَى العَدْلِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا كان التعدِّي من الرَّجُل، نُظِرَ إن كان يمنعها شَيْئاً من حَقِّهَا؛ كنَفَقَةٍ أو قَسْمٍ ألزمه الحاكم توفية حقِّها، وإن كان يُسِيْء الغُلُق ويؤذيها ويَضربها بلا سبب، ففي "التتمة" أن الحاكم يَنْهَاهُ عَنْه، فإن عاد عَزَّرَهُ وفي "الشَّامِل" وغيره: أنَّه يسكنهما إلى جنب ثقة يطلع على حالهما ويمنعه من التعدِّي، والكلامان متقاربان،
الجزء: 8 - الصفحة: 389
وذكروا أنَّه لو كان التعدِّي منهما جميعاً فكذلك يفعل الحاكم فلم يتعرضوا للحيلولة، قال 63 صاحب الكتاب [قدَّس الله رُوحَه]: "يُحَالُ بينهما حَتَّى يعُودَ إلى العَدْل"، قال في "الوسيط": "ولا يعتمد قوله في العَوْد إلى العَدْل، وإنما يعتمد قَوْلُهَا وشهادةُ القرائن وإن كان لا يمنعها شيئاً من حقها ولا يؤذيها بضَرْب ونحْوه ولكن يَكْرَهُ صحبتها لمرض أو كِبَرٍ ولا يدعوها إلى فراشه أو يهم بطلاقها فلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وحسن أن تسترضيه بترك بعض حقها من القَسْم أو من النفقة؛ لما 64 روي أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- هَمَّ بِطَلاَقِ سَوْدَةَ فَوَهَبَتْ نَوْبَتَهَا لِعَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- 65، وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: 128] وكذلك لو كانت الزوجة تشكو زوْجَهَا وتكرهه، فيحسن أن يَبَرَّها ويستميل قلْبَهَا بما تيسر له.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): أَنْ يُشْكِلَ الأَمْرُ فَيَبْعَثَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا لِيَنْظُرَا، ثُمَّ الصَّحِيحُ مِنَ القَوْلَيْنِ أَنَّهُمَا وَكِيلاَنِ، وَلاَ يَنْفَذُ تَصرُّفُهُمَا فِي التَّفْرِيقِ إِلاَّ بِالإِذْنِ، وَالقَوْلُ الثَّانِي أنَّهُمَا مُوَلَّيَانِ مِنْ جِهَةِ الحَاكِمِ حَتَّى يَنْفَذَ طَلاَقُهُمَا وَخُلْعُهُمَا، وَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُمَا وَهِدَايَتُهُمَا وَلاَ يُشْتَرَطُ اجْتِهَادُهُمَا وَلا كَوْنُهُمَا مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَيْنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا نَسَبَ كل واحدٍ من الزوجَيْن الآخر إلى التعَدِّي وقبح السيرة، وسوء الخلق، وأشكل الأمر على الحاكم، فلم يعرف المتعدِّيَ منهما؛ يعرف حالهما من ثِقَةٍ في جوارهما خبير بشأنهما فإن لم يكن أسكنهما بجنب ثقة يَتَفَحَّصُ عن حَالِهِمَا وينهيه إِلَيْه، فإذا تبيَّنَ له الظَّالِمُ مِنْهُمَا منعه من الظُّلْم، هكذا أَطْلَقُوهُ، وظاهره الاكتفاء بقولِ عَدْلٍ واحدٍ، ولا يصفو ذلك عن الشبهة، وإذا اشتد الشِّقَاق بينهما، وداما على التسابِّ الفاحش، والتضارب، بعث القاضي حَكَما من أهل الزوج وحكماً من أهلها لينظرا في أمرهما ليصلِحَا بَيْنَهُما أو يُفَرِّقَا إذا لم يريا ما بينهما قابلاً للصلاح قال الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] الآيَةَ وهل نقول بعث الحكمين واجب لفظ صاحب "التهذيب" أن على الحاكم أن يبعث حكمين وهو مشعر بالوجوب [وقد يحتج له بظاهر الآية وقال القاضي الروياني في "الحلية" المستحب
الجزء: 8 - الصفحة: 390
للحاكم أن يبعث الحكمين] 66 ثم المبعوثان وَكِيلاَنِ من جهة الزوجَيْن أم حكمان موليان من جهة الحاكم فيه قَوْلاَنِ:
أصحُّهما: وبه قال أبو حَنِيْفَةَ وأحمد واختاره المُزَنِيُّ أنهما وكيلان؛ لأن البُضْع حق الزوج، والمال حق الزوجة، وهما رشيدان فلا يولي عليها.
والثاني: أنهما موليان من جهة الحَاكِم ويحكى هذا عن نصه في "الإِملاء" وبه قال مالك واختاره ابن المنذر و [الشيخ] أبو إسحاق الشِّيرَازِيُّ؛ لأن الله تعالى سَمَّاهُمَا حكمين والوكيل مأذون ليس بمُحَكَّم، ورُوِيَ عن علي عليه السلام "أنَّه بعث حَكَمَيْنِ، وقال: أتدْرِيَانِ ما عليكما؟ إن رَأَيْتُمَا أن تجمعا فجَمِّعا وَإنْ رأيتما أن تُفَرِّقا فَفَرِّقا فقالَتِ المرأة: رَضِيتُ بِمَا في كتاب الله عَلَى وليِّ، فقال الرجل: أمَّا الفُرْقَة فلا، فقال علي رضي الله عنه وكرّم وجهه: كَذَبْتَ واللهِ حَتَّى تُقِرَّ بِمِثْل ما أَقَرَّتْ بِه" 67.
واحتج بهذا الأثر للقول الأول بأنه اعتبر رضاهما وإقرارهما.
والقول الثَّاني: أنَّه يجعل الجمع والتفريق إلى الحَكَمَيْن.
وقوله: "حتى تُقِرَّ" أي ليس لك أن تمتنع، بل عليك أن تنقاد بحكم الله تعالى، كما انقادت فعلى القَوْل الأول، يوكل الرجل الحَكَمَ الذي هو من أهْلِهِ بالطَّلاقِ وبقبول العوض في الخُلْع، والمرأة حكمها ببذل العوض وقبول الطلاق عليه، ولا يجوز بعثهما
الجزء: 8 - الصفحة: 391
إلاَّ برضاهما 68، فإن لم يرضيا, ولم يتفقا على شَيْءٍ أدَّب القَاضِي الظَّالِم، واستوفى حقَّ المظلوم، وعلى القول الثاني، لا يشترط رِضَا الزوجين في بَعْث الحَكَمَيْن، وإذا رأى حَكَمُ الرجل أن يطلق طلق واستقل به، ولا يزيد على طَلْقَة واحدة، ولكن إن راجع الزَّوْج وداما على الشقاق زاد إلى أن يستوفي الطلقاتِ الثَّلاَثَ، وإن رأى الخُلْعَ وساعده حكم المرأة تخالعا، وإن لم يَرْضَ الزوجان، هذه هي الطريقة الظاهرة، وفي كتاب القاضي ابن كج عن أبي الطَّيِّبِ بن سَلَمَةَ وابن سُرَيْجٍ، القَطْع بأن الفُرْقَة لا تنفذ إلاَّ برضا الزوجين، والقولان في أنَّه هل يحتاج في بَعْث الحكمين إلى رضَاهُمَا وعن أبي إسحاق، طريقة القطع بأن بَعْثَ الحكمين لا يَحْتَاج إلى إذنهما؛ فلعله يُؤَثِّر في صَلاَح حالهما، والخِلاَفُ في نُفُوذ الفُرْقَة بغَيْر إذنهما، وإيراد صاحب التَّتِمَّة، ينطبق على هذه الطريقة ولو رأى الحكمان أن تترك المرأة بَعْضَ حَقِّها من القَسْم أو النفقة أو ألاَّ يتسرى أو لا ينكح عَلَيْهَا غيرها لَمْ يلزمه ذلك بلا خلاف.
وإن كان لأحدهما على الآخر مالٌ يتعلق بالنِّكَاح؛ كالمَهْر والنفقة 69، أو لا يتعلق به، لم يجز للحكمين استيفاؤه من غير رضا صاحِبِ الحَقِّ بلا خلاف وأما الصفات المَشْرُوطَةُ في حق المبعوثين، فلا شَكَّ في اشتراط العقل والبلوغ، ولا بدّ [له] من العدالة إن قلنا: إنه تحكيم، وإن قلنا: إنه توكيل، ففي كتاب القاضي ابن كج: أنه لا يشترط العدالة، كما في سائر الوكالات وهو قضية قوله في الكتاب، "وعلى هذا يشترط عدالتهما"، فإنَّه أشعر بتخصيص الاشتراط بالقول الثاني والأكثرون شَرَطُوها، وإن جعلناه تَوْكيلاً، وقالوا: إذا تعلقت الوكالة بِنَظَرِ الحاكمِ، فلا بدّ وأن يكون الوكيل عَدْلاً كأمين الحاكم، ويجري هذا الخلاف في الحرية والإِسْلاَم، ولا بدّ من الاهتداء إلى ما هو المقصود من بعثهما, ولفظ الكتاب يشعر بتخصيص اعتباره بالقول الثاني، لكن يشترط في التوكيل أيضاً أن يكون الوكيل ممن يتأتى منه المفوَّض إلَيْه، ولا بُدَّ من الذكورة إنْ جَعَلْنَاهُ تحكيماً، وإن جعلْنَاه تَوْكِيلاً، قال أبو عبد الله الحناطي: لا يشترط الذكورة في حكم المَرْأة، وفي حُكْم الرَّجُل وجْهَان بناءً على أن المرأة هل تتوكل في الخُلْع، ولا يشترط فيهما الاجتهاد، إن جعلْنَاه تحكيماً لما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى أن من يفوض إلَيْه القاضي أَمْراً جزئياً لا يشترط فيه إلاَّ عِلْم ذلك البَابِ، وكذلك لا يشترط كونُهُمَا من أهل الزوجين؛ لأن القرابة غير معتبرة في الحكم ولا في الوكالة إلاَّ أنَّ الأَهْلَ أَوْلَى؛ لأَنَّه أشْفَقُ وأقْرَبُ إلى رِعَايَة الصَّلاَح، ولأنَّه أعْرَف ببواطن الأحوال، ولأن القريب قد يفشي سره إلى قريب من غير حِشْمَة، وإن كان الحاكم قريبَ أحَدِ الزوجين، فله أن يذهب بنفسه، وفيما علق عن الإِمام: أنَّه يشترط أن يكون
الجزء: 8 - الصفحة: 392
المبعوثان من أهلهما؛ لظاهر الآية وذكروا في جواز الاقتِصَارِ على حَكَم واحد وجْهَيْن، جواب القاضي ابن كج فيهما المَنْع؛ لأنه إذا كان واحداً، اتهمه كل واحد من الزوجين ولم يُفْشِ إليه سِرَّهُ بتمامه، وقد يحتج له بظاهر الآية ويُشْبِه أن يقال إن جعلناه، فلا يشترط العدد، وإن جعلناه تحكيماً توكيلاً فكذلك إلاَّ في الخُلْع، فيكون على الخِلاَف في تولِّي الواحد [أحد] طرفي العَقْد، وينبغي أن يخْلُو حَكَمُ الرجل بالرجل وحَكَمُ المرأة بالمرأة فيعرفان ما عندهما وما فيه رغبتهما، وإذا اجتمعا لم يُخْفِ أحدُهما عن الآخر ما عنده، ونَفَّذا ما رأياه صواباً، وإذا اختلف رأي الحَكَمَيْن بَعَث إليهما آخرين حتى يجتمعا على شَيْء؛ ذكره الحناطي.
وإذا جُنَّ أحد الزوجين، أو أُغْمِيَ عليه، لم يَجُزْ بعْث الحكمين بعده، وإن جُنَّ بعد استطلاع الحكمين، رأيه لم يَجُزْ تنفيذُ الأَمْر لأنَّهُمَا إنْ جعلا فيه وكيلين، فالوكيل ينعزل بالجُنُون، وإن جعلا حكمين، فلا بُدَّ من دوام الشِّقَاق والخصومة؛ ألا تَرَى أنهما لو عَادَا إلى الصَّلاَح لم يجُزِ التفريق بينهما وبعد الجنون، ولا يعرف دوام الخصومة والشِّقَاق، وفي شرح القاضي ابن كج أنَّه لا يؤَثِّر جنون أحد الزوجين على قولنا إنهما حاكمان وحكى الحناطي وجْهاً على قوْلنا إنه وكالة؛ أن الإِغماء لا يُؤَثِّرُ فيه كالنَوْم، وهذا ينبغي أن يجري في كل وكالة.
ولو غاب أحد الزوجين بَعْد بعث الحَكَمَيْن، نفذ الأمر إن قلنا، إنه توكيل، وإن قلْنَا: تحكيم لم ينفذ, لأنه لا يعرف بقاء الشقاق والخصومة بينهما, ولأن كل واحد منْهُمَا محكومٌ له وعلَيْه، ولا يجوز القَضَاء للغَائِب وفيه وجْه أنَّه يجوز تنفيذُ الأَمْرِ مَعَ الغَيْبَة، ولا يشترط دوام الخصومة وطرد هذا الوجه فيما إذا سَكَتَ أحدهما.
فروع: ولو وكَّل رجلاً، فقال: إذا أخَذْتَ مالي منها، فطلِّقْها أو خَالِعْها أوْ خُذْ مالي ثم طلِّقْها, لم يجُزْ تقديم الطلاق على أخْذِ المال، قال أبو الفرج الزاز؛ وكذلك لو قال: خالِعْها على أن تَأْخُذَ مالي منْها, ولو قال: خذ مالي وطلِّقْها، فهل يشترط تقديم أخذ المال، أم لا يشترط، ويجوز تقديم الطلاق، كما لو قال طلِّقْها وخُذْ مَالِي منْها فيه وجهان رجح صاحب التَّهْذِيب منهما 70 الأَوَّلَ وقال: لو قال: طَلِّقْهَا ثمَّ خُذ مالي منها، جاز تقديم أخْذِ المَالِ على الطَّلاَق؛ فإنه زيادةُ خَيْر، وذكر الحناطي أنَّه إذا بعث القاضي حَكَمَيْنِ فرأى أحدُهما الإِصلاَح، والآخَرُ التفريقَ، ففرق نفذ التفريق، إن جوَّزْنَا الاقتصار على حكم واحد والله أعلم.
الجزء: 8 - الصفحة: 393