لأحمد، حيث قال في رواية: إن كانت السماء مصحية كُرِه صَوْمُهُ، وإلا وَجَبَ صَوْمَهُ عَنْ رَمَضَانَ.
وفي رواية: إن صام الإمام صَامُوا، وإلا أفطروا، وعنه: رواية أخرى مثل مَذْهَبِنَا.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ، وَلاَ تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ شَعبَانَ" 1. ويجوز صَوْمُه عن قَضَاءٍ وَنُذُورٍ وكَفَّارَةٍ 2، وكذا إذا وافق وِردَهُ فِي التَّطوُّعِ بلا كراهية.
روي عن أبي هريرة: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لاَ تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ بِيَومٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ إلا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صِيَاماً كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ" 3.
وعن القاضي أَبِي الطَّيِّبِ، أنه يكره صَوْمُه عَمَّا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضٍ.
قال ابْنُ الصَّباَّغِ: وهذا خلاف القياس؛ لأنه إذا لم يكره منه مالَه سَبَبٌ من التَّطوع، فلأن لا يكرهَ فيه الفرض كَانَ أولى، ولا يجوز أن يصوم فيه التَّطوع الذي لا سبب له خلافاً لأبي حنيفة، ومالك -رحمهما الله- حيث قالا: "لا كراهية في ذلك".
لنا حديث عمار وأيضاً فقد روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَحَدُهَا الْيَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ" 4. وهل يَصِحّ هذا الصَّوْم؟ فيه وجهان كَالْوَجْهَيْنِ فِي الصَّلاَةِ، وَفِي الأَوْقَاتِ المَكْرُوهَةِ.
أصحهما: لا؛ لأنه مَنْهِيٌّ عَنْهُ، كَيَوْمِ العِيدِ.
والثَّاني: نعم؛ لأنه قَابل للصَّومِ فِي الجُمْلَةِ.
ولو نذر صومه فهو عى هَذينِ الوَجهَينِ؛ فإن قلنا: يصح فليصم يوماً آخر، ولو صَامَه خَرَجَ عَنْ نَذْرِهِ، قاله في "التهذيب" ولا يخفى أن اليوم الموصوف بكونه يوم الشك هو الثلاثون من شَعْبَان، ومتى يَتَّصِفْ بهذه الصِّفَة؟ إن طبق الغيم ليلته فهو من شعبان، وليس بيوم شك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ" 5 ولا أثر لِظَنِّنَا الرُّؤْيَةَ لَوْلاَ السَّحَاب لِبُعْد الهلال عن الشَّمْسِ، وإن كانت السَّمَاءُ مصحية وتراءى النَّاسُ الهِلاَلَ فلم يَرَوْهُ، فليس بيوم شكٍّ بطريق الأَوْلى إن لم يتحدث برؤية الهِلاَل أَحَدٌ، وإن وقع في ألْسِنَة النَّاس أنه رؤي، ولم يقل عدل: أنا رأيته، أو قاله عدل، وفرعنا على أنه لا يَثْبُت بِقَوْلِ وَاحِدٍ، أو
قاله عَدَدٌ من النسوة، أو العبيد، أو الفُسَّاق، وَظُنَّ صِدْقُهُمْ، فَهُوَ يَوْمُ شَكٍّ 1، وحكى الموفق بْنُ طَاهِرِ عن أبي مُحَمَّد الباقي، أنه إذا كانت السَّمَاء مصحية ولم ير الهلال فهو يَوْم شَكٍّ، وعن الأستاذ أَبي طَاهِرٍ، أن يوم الشَّكِّ ما تردد بين الجائزين، من غير ترجيح، فإذا شهدت امْرَأَةُ، أو عبد، أَوْ صِبِيّ فقد تَرَجَّحَ أَحَدُ الجَانِبَيْنِ، وخرج اليوم عن كونه يَوْمَ شَكٍّ، والمشهور ما تقدم.
ولو كان في السماء قِطَعُ سَحَابٍ يمكن أن يرى الهلالُ مِنْ خِلاَلِهَا، وأن يخفى تَحْتَهَا، فقد قال الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ: إنه يَوْمُ الشَّكِّ، وقال غيره: إنما يكون كَذَلِكَ بِشَرْطِ التَّحَدُّثِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَتَوَسَّطَ الإمَام بينهما، فقال: إن كان في بَلَد يستقل أهلها بطَلَبِ الهلال، فلم يتحدثوا برؤيته، فالوجه أن لا يُجعل الغَدُ يومَ شَكٍّ، وإن كان في سَفَرٍ، ولم يبعد رؤية أهل القُرَى فيحتمل أن يجعل الغَدُ يَومَ شَكٍّ، -والله أعلم-.
إذا عرفت ذلك فارجع إلى لفظ الكتاب، وأعلم قوله: (إلا يوم العيدين، وأيام التَّشريق) بالحاء و"الميم" و"الألف".
أما "بالحاء" فلأن عنده صَوْمَها صَحِيحٌ عند النذر، فتكون قَابلَة للصَّوْمِ.
وأما بالميم؛ فلأن عنده يجوز للمتمتع صَوْم أيام التَّشريق، وهو رواية عن أحمد.
وقوله: (ولا يصح صوم المتمتع في أيام التشريق) إن قرئ "بالواو" كان مقطوعاً عَمَّا سبق، وأحوج إلى إعلام ما سبق بالواو للقول القديم، فإنها قابلةٌ للصَّوْمِ على ذلك القول، وإن قُرِئَ فلا يصح بالْفَاء ترتيباً له على ما سبق، كان أحسن، وأغنى عن الإعلام بالواو، ويجوز أن يُعَلَّم قوله: (على الجديد) بالواو، ولأنه يقتضي إثبات خلاف في المسألة، وقد ذكر المُزَنِيُّ أن القول القديم في المسألة مَرْجُوعٌ عَنْه، فلم يثبت بَعْضُ الأَصْحَاب فيها خِلافاً.
وقوله: (فَهُوَ مُنْهِيٌّ) معلم بالميم والحاء.
وقوله: (أن يتحدث برؤية الهِلاَل) يجوز إعلامه بالواو.
أما لما روينا عن الشيخ فإنه لا يعتبر التحدث في تفسير يوم الشَّك، أو عن الأُسْتَاذِ، فإنه يجعل خبر العبيد ونحوهم مخرجاً له عن كونه يَومَ شَكٍّ.
قال الغزالي: القَوْلُ فِي السُّنَنِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: تَعْجِيلُ الفِطْر بَعْدَ تَيَقُّنِ الغُرُوبِ بِتَمْرٍ أَوْ مَاءٍ، وَالوِصَالُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَتَأخِيرُ السُّحُورِ مُسْتَحَبٌّ، وَكَذَا إِكْثَارُ الصَّدَقَاتِ وَكَثْرَةُ تِلاَوَةِ
الْقُرْآنِ، وَالاعْتِكَافُ لاَ سِيَّمَا فِي العَشْرِ الأَخِيرِ لِطَلَبِ لَيْلَةِ القَدْرِ، وَكَفُّ اللِّسَانِ عَنِ الهَذَيَانِ، وَكَذَا كَفُّ النَّفْسِ عَنْ جَمِيعِ الشَّهَوَاتِ وَهُوَ سِرُّ الصَّوْمِ، وَتَرْكُ السِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَتَقْدِيمُ غُسْلِ الجَنَابَةِ علَى الصُّبْحِ.
قال الرافعي: من سنن الصَّوْمِ تَعْجِيلُ الفِطْر، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" 1. وإنما يستحب التعجيل بعد تَيَقُّنِ غُروبِ الشَّمْسِ، والسنة أَن يفطر على تَمْرٍ، فإن لم يجد فَعَلَى "ماء"، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ وَجَدَ التَّمْرَ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ" 2.
وذكر القاضي الرّوَيانِي أنه يفطر على التَّمْرِ، فإن لم يجد فَعَلَى حَلاَوةٍ أُخرَى، فإن لم يجد فَعَلَى المَاءِ، وعن القاضي حُسَيْن أن الأولى في زَمَاننا أن يفطر على "مَاءٍ" يأخذه بكَفِّهِ مِنَ النَّهْرِ ليكون أَبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ.
وقوله في الكتاب: (على تمر أَوْ ماء) ليس لَلتخيير، بل الأمر فيه على الترتيب كما بيناه.
ومنها: التَّسحر فهو مَنْدُوبٌ إليه، قال -صلى الله عليه وسلم-: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةٌ" 3.
ويستحب تأخيره ما لم يقع في مَظنة الشَّك.
روي: "أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ تَسَحُّرِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَدُخُولِهِ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً" 4.
ومنها: تَرْكُ الوِصَالِ فهو مكروهٌ لِغَيْرِ النبي -صلى الله عليه وسلم- روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنِ الْوِصَالِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ تُوَاصِلُ، فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى" 5.
قال المَسْعُودِيُّ: أَصَحُّ ما قيل في معناه أني أعطى قوة الطاعِمِ وَالشَّارِبِ.
والوِصَالُ أن يصوم يَوْمَيْنِ فَصَاعِداً، ولا يتناول باللَّيْلِ شَيْئاً، وكَرَاهِيَةُ الوِصَالِ كَرَاهِيَةُ تَحْرِيمٍ أو تنزيه؟ حكى عن صاحب "المهذب" وغيره فيه وجهين:
أحدهما: أنها كراهية تَحْرِيم؛ لظاهر النَّهْيِ، ومبالغة النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فِي مَنْعِ مَنْ وَاصَلَ.
والثاني: أَنَّهَا كَرَاهِيَةُ تَنْزِيه؛ لأن النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ مَخَافَة الضَّعْفِ، وهو أمر غَيْرُ متحقق وظاهر كلام الشافعي -رضي الله عنه- هو الأَوَّلُ، فإنه بعد ما روى خبر الوصال قال: "وفرق الله -تعالى- بين رسوله وبين خلقه، في أمور أباحها له، وحظرها عليهم"، فأشعر ذلك بِكَوْنِه مَحْظوراً، وأطلق في "التهذيب" أن المواصل يَعْصى، وذلك يُشْعِرُ بالحظر أيضاً.
ومنها: الجود والإفْضَال، فهو مندوب إليه في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان آكد استحباباً اَقتداءً بِرَسُول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه: "كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ بالْخَيْرِ، وَكَانَ أجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ" 1. والمعنى في تخصيص رمضانَ بِزِيادة الجُود، وإكثار الصَّدقات تَفْرِيغ الصَّائمين، والقائمين للعبادة بدفع حَاجَاتِهِمْ.
ومنها: كثرة تِلاَوَةَ القُرآنِ والمُدَارَسَةِ بهِ، وهو أن يقرأ على غيره، ويقرأ عليه غيره: "كَانَ جِبْرِيلُ عليه السلام يَلْقَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانِ فَيَتَدَارَسَانِ الْقُرْآنِ" 2. ومنها: الاعْتِكَافَ، لا سِيَّمَا في العُشْر الأخير من رمضان لطلب ليلةِ القدر: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُوَاظِبُ عَلَيْهِ" 3.
ومِنْها: أَنْ يصَوْمَ الصَّائِم لِسَانَهُ عَنِ الكَذِب، والغِيبَةِ، والمُشَاتَمَةِ، ونحوها، ويكف نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ بِكَفِّ الجَوَارِحِ، فَهُو سِرُّ الصَّوْمِ، والمقصود الأَعْظَمُ مِنْهُ، روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلِ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ" 4.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِماً، فَلاَ يَرْفَثْ، وَلاَ يَجْهَلْ، فَإنْ امْرؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ" 5 قال الأئمة: معناه فَلْيقل في نفسه ولينزَجر.
ومنها: ترك السِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ، لما ذكرنا في "سُنَنِ الوضوء" وأيضاً فقد روي عن خباب -رضي الله عنه- أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ، وَلاَ تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَائِمٍ تَيْبَسُ شَفَتَاهُ بِالعشي إِلاَّ كَانَتَا نُوراً بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَومَ
الْقِيَامَةِ" 1. وإذا استاك فَلاَ فرق بين الرطب واليابس بشرط أن يحترز عن ابتلاع شظية وتجرع رطوبة، وقد روي عَنْ عَلِي، وابْنِ عمر -رضي الله عنهم-: "أَنَّهُ لاَ بَأْسِ بالسِّوَاكِ الرَّطْب" 2. وقوله في الكتاب: (ترك السِّواك) معلم بالميم والحاء؛ لأنهما لا يكرهانه بعد الزَّوال، وبالألف؛ لأن المسعودي في آخرين حكوا عن أحمد أنه لا يُكْرَه بعد الزَّوال في النَّفْلِ ليكون أَبْعَدَ عَنِ الرِّيَاءِ فِي الفَرْضِ وبالواو؛ لأن صاحب المعتمد حكى عن القَاضي حسين مِثْلَ مذهب أحمد.
ومنها: يستحب تقديم غسل الجَنَابة عَنِ الجِمَاع، والاحتلام عَلَى الصُّبْحِ، ولو أَخَّرَهُ عَن الطُّلُوعِ لَمْ يفسد صومه: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصْبحُ جُنُباً مِنْ جِمَاع أهْلِهِ، ثُمَّ يَصُومُ" 3 وما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن أَصْبَحَ جُنُباً فَلاَ صَوْمٌ لَهُ" 4 محمول عَند الأئَمِة على ما إذا أَصْبَحَ مُجَامِعاً واسْتِدَامَهُ، ولو طَهُرَت الحَائِضُ لَيْلاً، وَنَوَتْ الصَّوْمَ، ثم اغتسلت بعد طُلُوعِ الفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهَا أيضاً.
هذا شَرْحُ السُّنَنِ الثَّمَانِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْكِتَابِ، ولا يخفى أن منها ما يعم الصَّوْم، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ صَوْمَ رَمَضَانَ، وِللصَّوْمِ وَرَاءَهَا سُنَنٌ.
منها: أن يقول عند الفِطرِ مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكِ أَفْطَرْتُ" 5.
ومنها: أن يُفَطِّرَ الصَّائِمِينَ مَعَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عن عَشَائِهِمْ أَعْطَاهم ما يفطرون به مِنْ شربه، أو تمره، أو غيرهما.
ومنها: الاحتراز عن الحِجَامة، والقُبْلَة، والمُعَانقة، والعِلْك، وقد سبق ذِكْرُها، وكذا الاحتراز عن ذَوْقِ الشيء ومَضْغِ الطَّعَامِ للطِّفْلِ، وإن كان لا يَفْسُدُ الصَّوْمُ بِذَلِكَ.
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّانِي فِي مُبِيحَاتِ الإِفْطَارِ وَمُوجِبَاتِهِ، أَمَّا المُبِيحُ فَهُوَ المَرَض
وَالسَّفَرُ الطَّوِيلُ، وَطَارِئُ المَرَضِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ مُبِيحُ، وَطَارِئُ السَّفَر لاَ يُبِيحُ، وَإذَا زَالاَ وَهُوَ غيْرِ مُفْطِرٍ لَمْ يُبَحِ الإفْطَار، وَالمُسَافرُ إِذَا أَصْبَحَ عَلَى نِيَّةِ الصَّوْمِ فَلَهُ الإفْطَارُ، وَالصَّومُ أَحَبُّ مِنَ الفِطْرِ فِي السَّفَرِ لِتَبْرِئَةِ الذِّمَّة إلاَّ إِذَا كَانَ يَتَضَرَرُ بِهِ.
قال الرافعي: كلام هذا القسم في مُبِيحَاتِ الإِفْطَار، ثُمَّ في أحكامه.
أما المبيح فالمرض والسفر مبيحان بالإجماع، والنص، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ 1 الآية، وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قَالَ: "إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمِ، وَشَطْرَ الصَّلاَةِ" 2.
وَشَرْطُ كَونِ المَرَضِ مُبيحاً، أن يجهده الصَّوْم مَعَه، ويلحقه ضَرَرٌ بشق احتماله على ما عَدَدْنَا وجوه المَضَار في التَّيَمُّم، ثم المرض إن كان مُطْبِقاَ فَلَهُ تَرْكُ النِّية باللَّيْلِ، وإن كان يُحَم وتنقطع نظر إن كان مَحْمُوماً وَقْتَ الشّروع، فله تَرْكُ النية، وإلا فَعَلَيِه أَنْ يَنْوِيَ مِنَ اللَّيْلِ، ثم إنْ عَاد واحتاج إلَى الإفْطَار أفطر، وشرط كُوْنِ السَّفَرِ مُبِيحاً أَنْ يَكُونَ طَوِيلاً مباحاً كما سبق في القَصْر.
ثم في الفَصْل مسائل:
إحداها: لو أَصْبَح صَائِماً وهو صَحِيح، فمرض في أَثْنَاء النَّهَارِ، كان له أن يفطر لوجود المعنى المُحْوِج إلَى الإفْطَارِ مِنْ غَيْرِ اختياره، ولو أصبح صَائِماً مقيماً، ثُمَّ سَافَر لم يَجُزْ لَهُ أن يفطر في ذَلَكَ اليَوْمِ خلافاً لأحمد في رواية، وللمزني.
لنا: أن الصَّوْمَ عِبَادة تَخْتَلِفُ بالسَّفَرِ والحَضَرِ، فإذا أنشأَها فِي الحَضَر، ثم سافر غَلَب حكم الحضر، كالصلاة، واحتج المزني بأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "صَامَ فِي مَخْرَجِهِ إلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى بَلَغ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، ثُمَّ أَفْطَرَ" 3. وبنى هذا الاحتجاج على ظنه أن ذلك كان في يَوْمٍ وَاحِدٍ.
قال الأصحاب: وهو وَهْمٌ فإن بين المدينة وكراع الغميم مَسِيرةَ ثَمَانِيَة أَيَّام، والمراد من الحَدِيث أَنَّهُ صَامَ أَيَّاماً فِي سَفَرِهِ، ثم أفطر، وقد قيل: إن المزني تَبَيَّن لَهُ ذَلِكَ، ثم رجع عن هَذَا الاحْتِجَاجِّ، وإن لم يرجع عن مذهبه.
وقوله في الكتاب: (وطارئ السفر لا يبيح)، يجوز أن يُعَلَّم مَعَ الألف والزاي بالوَاوِ؛ لأن الحَنَّاطِيَّ حَكَى طريقاً أن المَسْأَلة عَلَى وَجْهَيْنِ، وأيضاً فإن الموفق ابن طاهر زعم أن ابن خَيْرَانَ أشار إليه، وعلى المذهب الصَّحيح لو أفطر بالجِمَاعِ لزمه الكفارة
خلافاً لِأَبِي حَنِيفة، ومالك ولأحمد في إحدى الروايتين.
ولو نوى المقيم بالليل، ثم سَافَرَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَإِنْ فَارَقَ العُمْرَان قَبْلَ الطُّلُوعِ فَلَهُ أن يفطر، وإن فارقة بعد الطُّلُوعِ فَلاَ، لأن ابتداء صَوْمِهِ وَقَعَ في الحَضَرِ.
الثَّانِية: لَوْ أصْبَحَ المُسَافِرِ صَائِماً، ثُمَّ أَقَام في خِلاَلِ النَّهَار، فهل له أن يفطر؟ ظاهر المذهب وبه قال أبُو إسْحَاق أَنَّهُ لَمْسَ لَهُ ذَلِك، كما لو افتتح الصَّلاَة في السَّفَرِ، ثم نوى الإِقَامة في أَثّنَائِهَا، أَوْ سَارَت بهِ السَّفِينة فَدَخَل البَلد، وهذا هو الَّذِي ذَكَرَه في الْكِتَاب، وعن ابْنِ أبي هُرَيْرَة أن له الفِطْر لأن الفطر مُبَاحٌ لَهُ في أَوَّلِ النَّهَارِ مع العلم بحال اليوم، فكذلك في آخره، كما لو استدام السَّفر.
ونقل عن "الحاوي" أن هذا هو المنصوص في حرملة.
ولو أصبح المريض صائماً ثم برأ في خلال النهار، فقد قطع كثيرون بأنه لا يجوز له الإِفْطَار، وطرد صاحب "المهذب" حكاية الوجهين فيه ولعله الأولى.
الثالثة: المسافر إذا أَصْبَح على نِيَّةِ الصَّوْمِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ الفطر جاز له أن يفطر لدوام العذر، وقد روي أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَفْطَرَ بَعْدَ الْعَصْرِ بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ بِقَدَح مَاءٍ، لَمَّا قِيلَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ" 1.
وأبدى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحاق، والإمام في المسألة احْتِمَالاً، وَوَجْهاً.
بأنه شَرَعَ في فرض المقيمين فَلْيَلْزَمه، كَمَا لَوْ شَرَعَ في الصَّلاَةِ مُتِماً ثم أراد القَصْرَ، وإذا قلنا: بالمُشْهُور، فهل يكره له الإفطار؟ فيه وجهان عن القاضي الحُسَيْنِ.
الرابعة: لِلْمُسَافِر أنْ يَصُوم، وله أن يفطر لِما روي عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "غَزَوْنَا مَعَ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَمِنَّا مَن صَامَ، وَمِنَّا مَن أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلاَ المفْطر عَلَى الصَّائِمِ" 2. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لحمزة بن عمرو الأسْلَمِي -رضي الله عنه-: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ" 3. وأيهما أفْضَلُ؟ إن كَانَ لاَ يَتَضَّررُ بِالصَّومِ، فالصَّوْمُ أَفْضَلُ.
وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقد ذكرنا وَجْهِه، وما يُحْكَى فِيهِ من الخِلاف في صلاة المُسَافِرين، وإن كَانَ يتضرر بالصَّوْم فالْفِطرُ أَفْضَلُ لَه، لِما روي عن جَابِرِ -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- زَمَاَنَ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَمَرَّ بِرَجُلٍ في ظِلِّ شَجَرَةٍ، يُرَشُّ الْمَاءُ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَا بَالُ هَذا؟ قَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي
السَّفَرِ" 1. وذكر في "التتمة" أنه لو لم يتضرر في الحَالِ لكنه كان يخاف الضَّعْفَ لو صام، وكان السَّفرُ سفرَ حَجٍّ، أو غَزْوٍ فالأولى أَنْ يفطر أيضاً، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- أمر النَّاس بالفِطْرِ عام الفَتْحِ، وقال: "تَقْوُوا لِعَدُوَّكُمْ" 2.
وقوله: (إلا إذا كان يتضرر) ضبط الإمام التّضرر بخوف المرض، ولا شك أن خَوْفَ الهَلاَك في معناه.
واعلم: أن أصل المسأَلة قَدْ ذَكَرَة مَرَّة في صَلاَة المُسَافِرِينَ، لكن زاد هنا شيئين:
أحدهما: بيان علة أَفْضَلِية الصَّوْمِ.
والثاني: استثناء حَالَة التضرر ولو لم يذكرها، واقتصر على ما أورده في هذا الموضع لَكَفى.
وقوله: في أول الفصل: أما المبيح فهو المرض والسّفر يشعر ظاهره بحصر المبيح فيهما، لكن من غلبه العَطَشُ حَتَّى خَافَ الهَلاَك فَلَهُ الفِطْر، وإنْ كَانَ مُقِيماً صَحِيحَ البَدَنِ 3.
قال الغزالي: أمَّا مُوجِبَاتُ الإِفْطَارِ فَأَرْبَعَةٌ الأَوَّلُ القَضَاءُ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَي كُلِّ تَارِكٍ برْدَةٍ (ح) أَوْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ حَيْضٍ، وَلاَ يَجِب عَلَى مَنْ تَرَكَ بِجُنُونٍ أَوْ صِباً أَوْ كُفْرٍ أَصْلِيٍّ، وَمَا فَاتَ مِنْ بَعْضِ الشَّهْرِ في أَيَّامِ الجُنُونِ لاَ يُقْضَى (ح)، وَلَوْ أَفَاقَ في أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَفِي قَضَاءِ ذلكَ اليَوْمِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَجِبُ التَّتَابُع في قَضَاءِ رَمَضَانَ.
قال الرافعي: مقصود الفَصْلِ الكَلاَمُ فِيمَنْ يَلْزَمه قَضَاءُ صَوْمِ رَمَضَانَ، ولاَ شَكَّ أَنَّ مَنْ تَرَكَ النِّية الوَاجبةَ عمداً، أو سهواً فَعَلْيهِ القَضَاءُ، وكذلك كلُّ مَنْ أَفْطَرَ
نعم، لو كان إفطاره بحيث يوجب الكفارة، ففي القضاء خلاف سيأتي ذِكْرُه مِنْ بعد، وما فات بسبب الكُفْر لاَ يَجِبْ قَضَاؤه عَلَى الكَافِرِ الأَصْلِي، قال الله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 4 الآية، ويجب على المرتد خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- على ما مَرَّ في الصَّلاَة والمُسَافِر والمريض إذا أَفْطَرا قَضَيَا، قال الله
تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 1. وما فَاتَ بَالإغْمَاء يَجِبُ قَضَاؤُه، سواء استغرق جَمِيعَ الشَّهْرِ، أو لم يستغرق، لأنه نَوْع مرض يَغْشَى العَقْلَ بخلاف المجنون، ولهذا يَجُوزُ الإِغْمَاء عَلَى الأنبياء عليه السلام ولا يجوزُ الجُنُون عَلَيْهم، ويخالف الصَّلاةَ حيث يُسْقِطُ الإغْمَاءُ قَضَاَءَهَا؛ لأن الصَّلاَة تَتَكَرَّرُ، والإِغْمَاء قد يَمْتَّدُّ وَيَتكَرَّر، فوجوب القَضَاء يَجْرُّ عُسْراً وَحَرَجاً، ونقل صاحب "التهذيب" و"التتمة" عن ابْنِ سُرَيْجٍ أن الإغْمَاء إذا استغرق أَسْقَطَ القَضَاءَ، ويجب على الحَائِضِ قَضَاءُ أَيَّام الحَيْضِ، كما مَرَّ في الحَيْضِ، ولا يجب الصَّوْمُ عَلَى الصَّبِي، والمَجْنُونَ، ولاَ قَضَاءَ عَلَيْهِمَا، ولا فرق في إسْقاط الجُنُونِ، القضاءَ بَيْنَ أَنْ يَسْتَغْرِقَ النَّهار، أو لا يستغرقه، ولا بَيْنَ أن يستغرق الشَّهر، أو لا يستغرقه.
وقال مَالِكٌ: الجنُونُ لا يسقط القَضَاء كالإغماء، وهو إحدى الرِّوايتين عن أَحْمَد، فَلْيَكُنْ قَوْلُه (بجنون) مُعَلَّماً بالميم والألف وبالحاء أيضاً، لأن اللَّفظ يشمل ما إذا ترك بِالْجُنون جَمِيعَ أَيَّامِ الشَّهْرِ، وما إذَا تَرَكَ بَعْضَهَا.
وَعِندَ أبي حنيفة -رحمه الله- إذا أفاق المَجْنُونُ فهي أثِناء الشَّهْر، فعليه قضاءُ مَا مَضَى مِنَ الشَّهْرِ 2.
ويجوز أن يُعَلَّم بِالْوَاو أَيحضّ لِأُمورٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدهَا: أن فيما علق عن الشَّيْخِ أَبِي محمد رحمه الله حكاية قول مثل مذهب مالك.
والثاني: أن المُحَامِلِي ذكر أن المُزَنِي نَقَل في "المنثور" عن الشافعي -رضي الله عنه- مِثْل قول أبي حنيفة.
والثالث: أن المُحَامِلِيّ في آخرين حَكَوا عَنِ ابْنِ سُرَيجٍ مثل مَذْهَبِ مَالِكٍ، وهذا ينافي ما نقل عنه في الإغْمَاء، ويشبه أن يكون أَحَدُهُمَا غَلَطاً، وهذا أقرب إليهِ، لأن كل من نقله ضَعَّفَه.
وقوله: (وما فات من بعض الشهر في أيام الجنون لا يقضى) جَارٍ مَجْرَى التوكيد، والإِيضَاح، وإلا فقوله (على من ترك بجنون) يتناوله بإطلاقه، ولو أعدت العلامات على قولِهِ (لا يقضى) لأصبت.
أما علامة أبي حنيفة فظاهرة وأما غيرها فلأن من يأمر بالقضاء إذا استغرق الجُنون الشَّهْر أولى أن يأمر به عِنْدَ عَدَم الاسْتِغْرَاق، وما ذكرنا كله في الجُنُونِ الذِى لَمْ يَتَّصِلْ بسبب يَقْتَضِي القَضَاء، فأما إِذَا ارتَدَّ ثُمَّ جُنَّ، أو سكر، ثم جُنَّ، فقد روى الحَنَّاطِيّ فيه وجهين في لزوم القَضَاء، ولَعَلَّ الظَّاهِرَ الفرق بين اتصاله بالرِّدَّةِ واتصاله بالسُّكْرِ كَمَا مَرَّ في الصَّلاة.
وقوله: (ولو أفاق في أَثْنَاء النَّهَارِ ففي قضاء ذلك اليَوْمِ وَجْهَانِ) هذه الصُّورة معادة في درج زوال سَائِرِ الأعذار في أَثْنَاءَ النَّهَارِ، حيث قال: (وفي وجوب قضاء هذا اليوم تردد).
وسنشرحه.
ولا يجب التَّتابِع في قضاء رمضان، لما روي أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "سُئِلَ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ فقال: "إِنْ شَاءَ فرَّقَهُ، وإنْ شَاءَ تَابَعَهُ" 1 ويستحب ذلك، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: قال "مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ فَلْيَسْرُدْهُ وَلاَ يَقْطَعْهُ" 2.
واعلم قوله: (ولا يجب) بالميم، لأن الإِمام نقل عن مالك -رحمهما الله- إيجاب التَّتابع فيه، وتابعه المُصَنِّف، لكَن الذي رَوَاه الأكْثَرُونَ عن مالك: أنه لا يجب التَّتابع فيه، وإنما حكوا هَذَا المَذْهَب عَنْ دَاودَ، وبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهر، وذكروا أنهم وإن أوجبوه لَمْ يشرطوه للصِّحَّة.
= والثاني: أن النائم والمغمى عليه عاجزان عن استعمال العقل، ولا فرق بين العديم والعاجز في حق الاستعمال، وأما المجنون المستوعب -قلنا: وجوب القضاء امتنع لمانع وهو الحرج، وإن كان ما ذكرنا من المقتضى موجوداً، أما ههنا بخلافه.
ينظر طريقة الخلاف 69، 70.
قال الغزالي: الثَّانِي: الإمْسَاكُ تَشبهاً بالصَّائِمينَ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُتَعَدِّ بالإِفْطَارِ في شَهْرِ رَمَضَانَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى مَنْ أُبِيحَ لَهُ الفِطْرُ إِبَاحَةً حَقِيقِيَّةً كالمُسَافرِ (ح) والمَرِيضِ (ح) بَعْدَ القُدُومِ وَالبُرْءِ في بَقِيَّةِ النَّهارِ، وَبجِبُ عَلَى مَنْ أَصْبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ مُفْطِراً إِذَا بَانَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى الصَّحِيحِ.
قال الرافعي: الإمساكُ تشبيهاً بالصَّائِمِينَ مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَانَ، كالكفارة، فلا إمساك على من تَعَدَّى بِالإفْطَارِ في نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ.
قال الإمام: والأمر بالأمساك مشبه بالتَّغْلِيظ وطرف من العقوبة، ومضادة القَصْد، ثم الممسك متشبه وليس في عبادة بخلاف المُحْرِم إذا أَفْسَد إِحْرَامَه، ويظهر أثره في أن المُحْرِم بَعْدَ فَسَادِ إِحْرَامه لَو ارْتَكَب مَحْظوراً لزمته الفدية، والممسك لو ارتكب محظوراً لا يلزمه شَيْءٌ سوى الإِثم، وفي الفصل صور.
إحداها: يجب الإمساك على كل من تَعَدَّى بالإِفْطَار في رَمضَان، وكذا لو ارتد أو نوى الخُروجَ مِنَ الصَّوْمِ.
إن قلنا إنه يبطل بنية الخروج، ويجب أيضاً على من نَسِي النِّيَّة من اللَّيْل، وكان نسيانه يُشْعِرُ بِتَرْكِ الاهتمام بأمْرِ العِبَادَةِ، فهو ضَرْبُ تَقْصِيرٍ، ويجوز أن يوجه الَأمر بالأمساك بأن الأكل في نَهَارِ رمضان حَرَام على غير المعذور، فإن فاته الصَّوْم بتقصير أو غير تقصير لَمْ يرتفع التحريم.
الثانية: لو أقام المسافر أَوْ بَرَأَ المريضُ اللَّذان يباح لَهُمَا الإِفْطَار في أثناء النَّهار، فلهما ثلاث أحوال:
إحداها: أن يُصْبِحَا صَائِمَيْن، وداما عليه إلى زَوَال العُذْرِ، فقد ذَكَرْنَا المَذْهَب، وخلاف ابن أبِي هُرَيْرَة فيه.
والثانية: أن يزول عُذْرُهُمَا بَعْدَمَا أَفْطَرَ، فيستحب لَهُمَا الإِمْسَاكُ لِحُرمةِ الوَقْتِ، ولا يجب.
وبه قال مَالِكٌ خلافاً لِأَبي حنِيفَة -رحمه الله- حيث أوجبه.
وبه قال أحمد في أصح الروايتين.
لنا أن زَوَالَ العُذْرِ بَعْدَ التَّرَخُّصِ، لا يؤَثِّر كما لو قَصَر المُسَافِرُ، ثم أقام والوقت بَاقٍ، وإذا أكلا فَلْيُخْفِيَاه كَيْلاَ يَتَعَرَّضَا لِلتُّهْمَة، وَعُقُوبَةِ السُّلْطَانِ، وَلَهُمَا الجِمَاع بعد زَوال العُذْرِ إذا لم تكن المرأةِ صَائِمةً بأن كانت صَغِيرةً، أو طهرت من الحَيْضِ ذَلِك اليَوْم.
والثالثة: أن يُصْبِحَا غَيْر نَاوِيَيْن، وَيزولُ العُذْرُ قَبْل أن يأْكُلاَ، فَهَل يَلْزَمُهُمَا الإِمْسَاكُ؟ فيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: نعم، كما لو يصل المُسَافِرُ حَتَّى أَقامَ، لاَ يَجُوزُ لَهُ القَصْرُ.
وأصحهما: أنه لا يَلْزِمَهُ، لأن من أَصْبَحَ تَارِكاً للِنِّية فَقَدْ أَصْبَحَ مُفْطِراً، وكان كما
لو أكَلَ، والوَجْهَانِ مُفَرَّعَانِ ظَاهِر المَذْهَب في المَذْهَب في الحَالَةِ الأُولَى، فأمَّا مَن جَوَّزَ لَهُ الأكْلَ ثُمَّ فهاهنا أولى أَنْ يَجُوز.
الصُّورة الثَّالثة: إِذَاَ أَصبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ مُفْطِراً، ثم ثبت أنه من رمضانَ فلاَ يخفى أنه يلزمه قَضَاؤهُ، وَهَلْ يجب عليه إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ؟ فيه قَوْلاَن: أصحهما: نعم؛ لأن الصَّوْمَ واجِبٌ عليه إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَعْرِفُه، فَإِذَا بَانَ لَزِمَهُ الإمْسَاك.
قال الإمامُ -رحمه الله- وتخريجه على القَاعِدة التي ذَكَرنا أن الأَمْر بالإمْسَاك تغليظ وعقوبة، أنا قد ننزل المُخْطِئ منزلة العَامِد؛ لانتسابه إلى تَرْكِ التَّحَفُّظِ، ألَا ترى أنا نحكم بحرمان القَاتِل خَطَأ عن المِيرَاث.
والثاني: قاله في البويطي: لاَ، لأنه أفْطرَ بعذر فلم يلزمه إمساك بقية النَّهَارِ كَالمُسَافِرِ إِذَا قدم بعد الإفطار، وفرض أبو سَعْد المُتَولِّي هذين القولين فيما إذا بَانَ أنه من رَمَضَانَ، قَبْل أن يأكل شيئاً، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ ما إذا بَانَ بَعْدَ الأكْلِ، فَقَالَ إن لم نوجب الإِمْسَاك ثم فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
أَظْهَرْهُمَا: الوُجُوب أيضاً.
ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
قوله: (في شهر رمضان) ينبه على ما قَدَّمنا أن وجوب الإمساك من خَوَاصِّ رمضان.
وقوله: (غير واجب على ما أبيح له الفطر) مُعَلَّمٌ بالْحَاء، والألف، ثم اللفظ متناول للحالة الثَّانية، والثَّالثة من أَحْوَال مَسْألة المُسَافِرِ والمريض على ما فَصَّلْنَا، فيجوز أن يُعَلَّم "بالواو" أيضاً للخلاف في الحالة الثالثة، وأيضاً فإنه حكى عن "الحاوي" وجهاً في أن المريض إذا أفطر ثم بَرَأَ هَل يلزمه إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ؟ وذكر أن الوُجُوبَ طريقه أصحابنا البغداديين، والمَنْع طريقة البصريين.
والفرق بين المَرِيضِ والمُسَافِرِ أَنَّ المَرِيضَ إِنَّمَا يفطر لِلْعَجْزِ، فإذا قدر وجب أَنْ يُمْسِك، والمُسَافِر يَفْطر رُخْصَة؛ وإن أطاق الصَّوْم.
وقوله: (إباحة حقيقية) فيه إشارة إلى الفَرْق بين صُورَةِ المَرِيضِ وَالمُسَافِرِ، وصورة يوما الشَّكِّ فإن أصح القولين وجوب الإمْسَاكَ يَومَ الشَّكِّ، وذلك لأن المُسَافِرِ والمريض يُبَاح لَهُمَا الأكْلُ مع العِلْمِ بِحَالِ اليَوْمِ، وَكَونه مِنْ رَمضَانَ حقيقة، وفي يوم الشَّكِّ إِنَّما أُبِيحَ الأَكْلُ، لأنه لم يتحقق كَوْنه من رمضان، فإذا تَحَقَّق لَزِمَه الإمْسَاك.
وقوله: (بعد القدوم) لا يخفى رجوعه إلى المُسَافر، وإن تَخَلَّلَ بينهما ذكر المريض، ثم هو في أكثر النُّسَخِ بَعْدَ القُدُوم وقبله، وطرح بعضهم قبله، لأنه أوضح من أن يَحْتَاج إلَى ذكره، والممكنَ فيه أن يقال: إنما ذكره كيلا يتوهم أن المُسَافِرَ إذا أَكَلَ وتقوى يلزمه الاقتصار عليه تقديراً لِلأكْلِ بِقَدْرِ الحَاجَةِ، وثبت أن بعض المعتنين بهذا الكتاب جعل مكانه "والبرء" وَهُو حَسَنٌ.
قال الغزالي: أَمَّا الصِّبَا وَالجُنُونُ وَالكُفْرُ إِذَا زَالَ لَمْ يَجِبِ الإمْسَاكُ عَلَى وَجْهٍ،
ويجِبُ في وَجْهٍ، وَيجِبُ عَلَى الكَافِرِ دُونَهُمَا في وَجْهٍ، وَبَجَبُ عَلى الصَّبيِّ وَالكافِرِ دُونَ المَجْنونِ في وَجْهٍ لأنَّهُمَا مَأْمُورَانِ عَلَى الجُمْلَةِ، وَفي وُجُوبِ قَضَاءِ هَذَا اليَوْمِ أَيْضاً تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: إذا بلغ الصَّبِيُّ، أَو أَفَاقَ المجنونُ، أو أسلم الكَافِرُ في أَثْنَاء يَوْمٍ -مِنْ رمضانَ، فَهَلْ- يَلْزَمُهُم إمْسَاكُ بقية اليَوْم؟ فيه أربعة أوجه:
أصحهما: لا؛ لأنهم لم يدركوا وقتاً يَسَعُ الصَّوم، ولا أمروا به، والإمساك تَبَعٌ لِلصَّوْمِ، ولأنهم أفطروا بِعُذْرٍ فأشبهوا المُسَافِر والمريض.
والثاني: نعم؛ لأنهم أَدْرَكُوا وَقْتَ الإِمْسَاك وإن لم يدركوا وَقْتَ الصَّوْمِ.
والثالث: أنه يجب على الكافر دون الصَبِيِّ والمجنُونِ، فَإنَّهُمَا مَعْذُورَانِ، لَيْسَ إِلَيْهِمَا إِزَالة مَا بِهِمَا، والكافر مأمورٌ بِتَركِ الكُفْرِ، والإتْيَانِ بِالصَّوْمِ.
والرَّابعُ: أنه يجب عَلَى الصَّبِيِّ، والكَافِر دُونَ المَجْنُون.
أما الكَافِرُ فَلِمَا ذكر.
وأما الصَّبِيّ، فلأنه مُتَمَكِّن مِن الإِتْيَان بالصَّوْمِ، مَأمُور به أمر تدريب على مَا مَرَّ في الصَّلاة بخلاف المَجْنُون.
وقوله في الكتاب: (لم يجب الإِمسَاك) مُعَلَّم بالْحَاء، لأن مذهب أَبِي حنيفة -رحمه الله- مثل الوَجْهِ الثَّانِي بِالأَلِفِ؛ لأنه أَصَحّ الرِوَاَيَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
وقوله: (ويجب) بالميم؛ لأن مذهب مالك كَالْوَجهِ الأول.
وإذا فهمت هذه الوجوه عرفت أن الكافر أولاهم بالوُجُوب والمَجْنُونُ أَوْلاَهُم بِالمَنْعِ، والصَّبِيّ بَيْنَهُمَا، ذلك أن ترتب فتقول، في وجوب الَإمْسَاك على الكَافِرِ وَجْهَان: إن أوجبنا فَفِي الصَّبي وجهان: إن أوجبنا ففي المجنون وجهان، ولك أن تعكس، فتقول: في وجوبه على المجنون وجْهَان.
إن لم يَجِبْ ففي الصَّبِيِّ وجْهان.
وإن لم يَجِبْ فَفِي الكَافِرِ وجْهَان، ولهذا الترتيب نَقَلَ صَاحِبُ "المُعْتَمد" طريقةً قاطعةً بالوُجُوب عَلَى الكَافِرِ.
هذا بَيَانُ الخلاف في وُجوب الإمْسَاك، وهل عليهم قَضَاءُ اليَوْمِ الَّذِي زَالَ العُذْرُ في خِلاَلِهِ؟ أما الصَّبِيّ إذا بلغ في حِلاَل النَّهَارِ، فينظر إن كان نَاوياً من اللَّيْلِ صَائِماً فظاهر المَذْهَبِ أنه لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَيلزَمه الإِتْمَام.
ولو جَامَعَ بَعْدَ البُلُوغِ فِيه فعليه الكَفَّارة، وفيه وجه: أنه يُسْتَحب الإِتْمَام ويلزمه القَضَاء؛ لأنه لم ينو الفَرْض، ويحكى هذا عن ابْنِ سُرَيْجٍ، وإن أصبح مُفْطِراً فَفِيه وَجْهَان: وقال في "التهذيب" قولان:
أحدهما: أنه يَلْزَمُه القَضَاءُ كما إِذَا أدْركَ شيئاً مِنَ الوَقْتِ يَلْزِمَهُ الصَّلاة.
وأَصَّحهما: وبه قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ -رحمه الله-: لا يَلْزَم، وَقَدْ ذَكَرنَا الفَرْق بين
الصَّوْمِ والصَّلاَةِ، في "كِتَاب الصَّلاَةِ" مَعَ طرف من فِقْهِ الْمَسْألَةِ وهذا الخِلاَفُ مُفَّرعٌ عَلَى ظَاهِرِ المَذْهَبِ في أنه إذا بَلَغ صَائِماً فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ فأما من يُوجِب القَضَاء ثُمَّ فهاهنا أوْلَى بِأَنْ يُوجِب.
وأما إذا أفاق المَجْنُون أو أَسْلَم الكَافِرُ فَفِيهمَا طَرِيقَانِ.
أحدُهما: طَرْدُ الخِلاَفِ، وهذا أَظْهَرُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، والأَظْهَرُ مِنَ الخِلاَفِ أنه لاَ قضاء ويحكى ذَلِكَ فِي الكَافِرِ عَنْ نَصِّه في القَدِيم، "والأم"، والبويطي.
والثاني: القطع بالمنع في حق المَجْنُونِ، لأنه لم يكن مأموراً بالصَّوْمِ في أول النَّهَار، وبالإيجَابِ في حق الْكَافِرِ، لأنه مُتَعَدّ بِتَرْكِ الصَّوْمِ، وَهَذَا أَصَحُّ عَنْدَ صَاحِبِ "التهذيب".
ويجوز أن يُعَلَّم قوله فيما سبق، (ولو أفاق في أثناء النهار، ففي وجوب قضَاء هذا اليوم وجهان) بالواو إشارة إلى الطَّرِيقة القَاطِعةِ بالمَنْعِ، وكذلك قوله هاهنا (تردد) لهذه الطريقة، والطَّريقة الجازمة بالإيجَاب في الكَافِرِ، فإنه أَجَابَ عَنْ طَرِيقَة طَرْدِ الخِلاَفِ في الصُّوَرِ إلا أن يفسر التردد الذي أَبْهَمَهُ بتردد الطَّريق في بَعْضِ الصّور، والقول أو الوجه في بَعْضِهَا، وهل لِلْخِلاَف في القضَاءِ تَعَلُّق بالْخِلاَف فهي الإمْسَاك تَشَبُّهاً؟ نقل الإمام عن الصَّيْدَلاَنِيّ أن من يوجب التَّشَبه يعتكف به، ولا يُوجِب القَضَاء، ومن يُوجِب القَضَاء لاَ يُوجِبُ التَّشَبّه.
وعن غيره من الاصحاب أن الأمر بالقَضَاء فرع الأمر بالإِمْسَاك، فمن التزم الإِمْسَاك التزم القَضَاء، ومن لاَ فلاَ، وبنى صاحب "التهذيب"، وغيره الخلاف في وجوب الإمساك على الخِلاَفِ في وجوب القضاء إن أوجبنا القَضَاءَ أَوْجَبْنَاهُ، وإلاَّ فَلاَ، فهذه ثَلاثةُ طُرُقٍ، وهي على اختلافها متفقة على تعلق أحد الخِلاَفين بالآخر، والطَّريق الثَّانِي والثَّالِث يشكلان بالحَائِض والنّفَسَاء إذا طُهَرنَا في خِلاَل النَّهَار، فَإِنَّ القضاء واجبٌ عَلَيْهِمَا لاَ مَحَالَةَ؛ لأن مستغرق الحيض لا يسقط القضاء فمتقطعه أولىَ، والإمساك غَيْرُ وَاجب عَلَيْهِمَا إما بلا خلاف على ما رواه الإمام.
وإما على الأظهر، لأن صاحب "المعتمد" حكى طرد الخِلاَف فيهما، وإذا كان كذلك لم يستمر قولنا بأن القَضَاء فرع الإمْسَاك، ولا بأن الأمْسَاك فرع القَضَاء، والطَّريق الأول يشكل بصورة يوم الشَّكِّ، والمتعدي الإِفْطَار فَإِنَّ القَضَاء لاَزِمٌ مع التَّشَبه والله أَعْلَم.
قال الغزالي: وَمَنْ نَوىَ التَّطَوُّعَ فِي رَمَضَانَ لَمْ يَنْعَقِدْ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرِ لِتَعَيُّنِ الوَقْتِ.
قال الرافعي: أيام رَمَضَانَ مُتَعينة لَصَومَ رَمَضَانَ، فإن كان الشَّخْصُ معذوراً بسفر أو مرض، فإما أن يَتَرَخَّص بالفطر، أو يصوم عن رَمَضَانَ، وليس له أن يصوم عَنْ فَرْضٍ آخر، أو تطوع.
وبه قال مَالِكٌ وأحمد.
وقال أَبُو حَنِيفَة: للمسافر أن يَصُوم عن القَضَاء، والكَفَّارة.
ولو صام عن تَطَوُّع ففي رواية يقع تطوعاً، وفي رواية يَنْصرف إلى الفرض.
وحكى الشيخ أبو محمد تردداً عن أصحابه في المريض الذي له الفِطْر إذا تَحَمَّل المَشَقَّة، وصام عَنْ غَيْرِ رَمَضَانَ، وأعلمت المَسْألة بالواو؛ لأن الإمام حكى خلافاً فِيمَنْ أصبحَ فِي يَوْم رَمَضَانَ غَيْرَ نَاوٍ وَنَوى التَّطوع قَبْلَ الزَّوَالِ فمذهب الجماهير أنه لا يَصِح تطوعه بالصَّوْمِ، وعن أبي إسْحَاق أنه يصح، قال: فعلى قياسه يجوز للمسافر التَّطَوُّع به.
قال الغزالي: الثَّالِثُ الكَفَّارَةُ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ أَثِمَ بِهِ لِأَجْلِ الصَّوْمِ (ح) فَلاَ يَجِبُ عَلَى النَّاسِي إِذَا جَامَعَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفْطِرْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلاَ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي غيْرِ رَمَضَانِ.
قال الرافعي: الأَصْلُ في كَفَّارَةِ الصَّوْم مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-: "أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتُ، قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: وَاقَعْتُ امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً، قَالَ: لاَ؛ قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.
قَالَ: لاَ قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً.
قَالَ: لاَ، قَالَ: اجْلِسْ فَجَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ -وَالْعَرَقُ: المِكْتَلُ الضَّخْمُ- فَقَالَ: خُذْ هذَا فَتَصَدَّقُ بهِ قَالَ: أَعْلَى أَفْقَر مِنَّا؟ فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ، وَقَالَ: أَطْعِمْهُ عِيَالَكَ" 1.
والكلام في مُوجِبِ الكَفَّارَةِ، ثُمَّ فِي كَيْفِيَّتهَا.
أَما الأَوَّلُ فقد قَالَ: (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَن أَفْسَدَ صوم يوم من رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ أَثِمَ بِهِ، لِأَجْلِ الصَّوْمِ) وفي الضابط قيود.
مِنْهَا: الإفْسَاد، فمن جامع نَاسِياً لاَ يَفسُدُ صَوْمُهُ، عَلَى الصَّحِيحَ، كما قَدَّمْنَاه، فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وإن قُلْنا: يفسد صَوْمُه وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وأحمد، فَهَل تُلْزَمُه الكَفَّارَةُ؟ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال أَحْمَدُ-: لانتسابه إلى التَّقْصِير.
وأظهرهما -وبه قال مالك-: لا؛ لأنها تتبع الإثم.
وإذا عَرفت ذلك وَسَمْتَ قَوْلَ (فلا تجب) بالألف، وقوله: (لم يفطر) به وبالميم، وقوله: (على الصحيح) أي: من الطريقين:
ومنها: كون اليَوْمِ مِنْ رَمَضَانَ فلا كفارة بإفساد التَّطَوّع، والنَّذْرِ، والقَضَاءِ، والكَفَّارَةِ؛ لأن النَّصَّ ورد في رمَضَانَ، وهو مَخْصُوصٌ بِفَضَائِلَ لا يشركه غيره فيها.
قال الغزالي: وَلاَ علَى المَرْأَةِ لأنَّهَا أَفْطَرَتْ بِوُصُولِ أَوّلِ جُزْءٍ مِنَ الحَشَفَةِ إلَى بَاطِنِهَا، وَفيهِ قَوْلٌ قَدِيمٌ، ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنَّ الوُجُوبَ لاَ يُلاَقِيهَا، وَقِيلَ: يُلاَقِيهَا، وَالزَّوْجُ يَتَحَمَّلُ، وَلاَ يتَحَمَّلُ الزَّانِي، ولاَ الزَّوْجُ المَجْنُونُ وَلاَ المُسَافِرُ إذْ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا وَلاَ عَنِ المُعْسِرَة فإنَّ وَاجِبَهَا الصَّوْمُ فَلاَ يُقْبِلُ التَّحَمُّلُ، وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ (ح م) بِغَيْرِ جِمَاعٍ مِنَ الأكْلِ وَمُقَدِّمَاتِ الجِمَاعِ، وَيجِبُ بِالزِّنَا وَجِمَاعِ الأَمَةِ وَوَطْءِ البَهِيمَةِ (ح م) وَالإِتْيَانِ فِي غَيْرِ المَأْتَى (و).
قال الرافعي: نُوَضِّحُ فِقْهُ الفَصْلِ ثم نبين أنَّ مَسَائله بأيّ قيد تتعلّق.
المسألة الأولى: المرأة المَوْطُوءة إِن كانت مُفْطِرَةَ بِحَيضِ، وغيره، أو كانت صَائِمَة، ولم يبطل صومها لِكَوَنهَا نَائِمَةً مثلاً، فلاَ كَفَّارة عَلَيْهَا، وإن مكنت طَائِعة حَتَّى وطئها الزَّوْجُ، فقولان:
أحدهما: أنه يَلْزَمُهَا الكَفَّارة، كما يلزم الرّجل؛ لأن الكَفَّارة عَقُوبَة تَتَعَلَّق بِالْوَطْءِ، فيستويان في لُزُومِهَا كَحَدِّ الزِّنَا، وهذا أَصَحُّ الرْوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وبه قَالَ أَبُو حَنِيفة، ويروى مِثلُه عَنْ مَالِكٍ، وَابنِ المُنْذِرِ، وهو اختيار القاضي أَبِي الطَّيِّب.
وَأَصَحُّهُمَا: أنه يختص الزَوْج بِلُزُومِ الكَفَّارَة.
واحتجوا له بأُمُورٍ: أحدهما: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر الأَعرَابِيَّ الَّذِي وَاقَعَ إِلاَّ بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ مع مِسَاسِ الَحَاجَةِ إِلَى البَيَانِ.
والثَّاني: حكى الكرَابِيسي أنه قال: صَوْم المرأة نَاقِص؛ لأنه يعرض أن يبطل بعروض الحَيْضِ، وإذا كَانَ كَذَلِكَ، لم يكن كَامِلَ الحُرْمَةِ، فَلَمْ تتعَلَّق بِهِ الكَفَّارَةُ.
والثالث: ما ذكره في الكتاب، وسنتكلم فيه.
التفريع: إن قلنا بالأول: فلو لَمْ تَجِبْ الكَفَّارَةُ عَلَى الزَّوْجِ لِكَوْنِهِ مُفْطِراً، وَجَبَتْ الكَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وكذا لو لم يبطل صَوْمُه، بأن كَانَ نَائِماً، فَاسْتَدخَلت ذَكَره، أو كَانَ نَاسِياً، وَهِيَ ذاكرة.
ويعتبر في حق كل واحد منهما حاله في اليَسَارِ والإعْسَارِ، وإن قلنا بالقول الأصَحِّ، فالكفارة التي يخرجها الزَّوج تختص به، ولا يلاقيها، أم تقع عنهما جميعاً، وهو يتحمل عنها؟ فيه قولان مُسْتَخْرِجَانِ من كَلاَمِ الشَّافِعِيّ -رضي الله عنه- وقد يعبر عَنْهُمَا بِوَجْهَيْنِ:
أحدهما: أنها تختص به، ولا يلاقيها؛ لأنه لَو تَعَلَّق الوَاجِبُ بِهَا لَأُمِرَتْ بِإخْرَاجِهِ.
والثَّاني: أنها يُلاَقِيهَا، وهو متحمل.
ووجهه صَاحِبا "التهذيب" و"التتمة" بإلحاق الكَفَّارة بثمن ماء الاغتسال، كأنهما قَدَّرَاه متَفقاً عليه، لكن الحَنَّاطِيَّ حَكَى طريقاً آخر قَاطِعاً بأن ثمن مَاءِ الاغْتِسَال عَلَيْهَا، لا عليه، وأشار إلى تَرْجِيحِهِ، ثم الأَصَح من هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عند صاحب الكِتَاب هو الأولُ، وبه قال الحَنَّاطِيّ وآخرون، وذكر الامَامُ أن ظاهر المَذْهَبِ هو الثَّاني، وقد يحتج له بقوله في "المختصر": "والكفارة عليه واحدة عنه"، لكن من قال بالأول حمله على أنها تجزئ عن الفعلين جميعاً، ولا يلزمها كفارة خَاصَّة خلاف ما قاله أبو حَنِيفة، ويتفرع على هَذين القَوْلَين صِوَر:
إحداها: إذا أفطرت بالزِّنا، أو بالوطء بالشُّبْهَة.
فإن قلنا: الوجوب لا يلاقيها، فلا شَيْءَ عَلَيْهَا.
وإن قلنا بالثاني؛ فعليها الكَفَّارة؛ لأن رابطة التَّحَمُّل الزَّوجِيَّة، ونقل عن "الحَاوِي" أن القَاضِي أَبا حَامِدٍ قَالَ: تجب الكَفَّارَةُ عَلَيْهَا بِكُلِّ حَالِ.
الثَّانية: لو كان الزَّوْجُ مَجْنوناً وقلنا بالأول فلا شيء عليها وإن قلنا بالثاني: فوجهان:
أظْهَرهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يَلزَمُهَا الكَفَّارَةُ؛ لأن التَّحَمّل لاَ يَلِيقُ بِحَالِهِ، وَلهَذَا لَمْ تَجِبْ عليه الكفارة لِنَفْسِهِ.
والثَّاني: أنه يلزمه الكَفَّارة لَهَا: لأن مَالَه يَصْلُح لِلتَّحَمُّل، وإنْ كَانَ مُرَاهِقاً، فهو كَالْمَجْنُونِ؛ لأن المذهب أن فِعْلَه لا يُوجب الكَفَّارة، وخرج بَعْضُ الأَصْحَاب من قولنا: إن عمد الصبي عمد أنه يلزمه الكَفَّارة، فعلى هَذَا هُوَ كَالْبَالِغ، ولو كَانَ الزَّوْجُ نَاسِياً أو نائماً فاسْتَدخَلَت ذَكَرَه، فالحكم كما ذَكَرنا في المَجْنُون.
الثالثة: لو كان الزَّوْجُ مسافِراً، والمرأة حَاضِرة، وأفطر بالجِمَاع على قَصْد التَّرَخُّصِ، فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وإن لم يقصد التَّرَخُّص فوجهان في لزوم الكَفَّارة.
أصحهما: أنَّهَا لاَ تَلْزَم؛ لأن الإفْطَار مُبَاحٌ له، فيصير شبهه في دَرءِ الكَفَّارَةِ، وهذا حُكُمُ المَرِيضِ، الَّذِي يُبَاحُ لَهُ الفِطْرِ إِذَا أَصْبَحَ صَائِماً، ثُمَّ جَامَعَ، وَالصَّحِيح إذَا مرض في أَثْنَاء النَّهَار، ثُمَّ جامع فحَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوب الكَفَّارَةِ، فهو كَغَيْرِه، وحكم التَّحمُّلِ كَمَا سَبَقَ، وَحَيْثُ قُلْنَا: لاَ كَفَّارَةَ فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا العراقيون فيما إذا قَدِم المُسَافِر مفطراً، فأخبرته بأنَّها مفطرة وكانت صَائِمَةٌ أن الكَفَّارة عليها، إذا قلنا: إن الوُجوبَ يُلاَقِيها، لأنها غَرَّته وهو مَعْذُورٌ، ويشبه أن يكون هَذا جواباً على قولنا: إن المَجْنُونَ لاَ يَتَحَمَّل، وإلا فَلَيْسَ العُذْرِ هاهنا أوضح من العُذْرِ في المَجنُون، -والله أعلم-.
الرابعة: إذا فرعنا على القول الثاني وهو أن الوجوب يُلاَقيها، وجب اعتبار حَالِهِمَا، ولا يخلو إما أن يُتَّفِق حَالُ الزَّوْجِ والمرأة أو يختلف.
فإن اتفق حَالُهُمَا، نظر إن كَانَا مِنْ أَهْلِ الإعْتَاقِ وَالإطْعَامِ أَجْزَأَ المخرج عَنْهُمَا وإن كانا من أَهْلِ الصِّيَام إِمَّا لِلإعْسَار بالعتق، أو لِكَوْنهِمَا مَمْلوكَينِ، فعلى كُلِّ واحدٍ منهما صَوْم شَهْرَين؛ لأن الصَّومَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، ولا مَدْخَل للتحمل في عِبَادَاتِ الأبدان، وإن اختلف حَالُهُمَا لَمْ يَخُل إما أن يكون الزَّوْجُ أَعْلَى حَالاً مِنها، أو تَكُون هِى أَعْلَى حَالاً مِنْه، فإن كان الزَّوْجُ أَعْلَى حَالاً نُظِر إِنْ كَانَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الإِعْتَاقِ وَهِيَ مِنْ أهْلِ الصِّيَامِ، وَالإِطْعَامِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أظهرهما -ولم يذكر العراقيون غَيْرَه-: أنه يُجْزِئ الإِعْتَاق عَنْهُمَا جَمِيعاً؛ لأن مَنْ فَرْضَه الصِّيَام، أو الإِطْعَام يُجْزِئه التَّكْفِير بِالْعِتْقِ بِطَرِيقِ الأَوْلَى.
نعم، لو كانت أمةً فعليها الصَّوم؛ لأن الإعْتاق لاَ يُجْزِئ عَنْهَا.
قال في "المهذب": إلاَّ إذا قلنا: إن العبد يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ، فتكون الأمة كَالحُرَّة المُعْسِرة.
والثاني: لا يُجْزِئُ عَنْهَا لاختِلاف جِنْسِ الوَاجِب، وعلى هذا فعليها الصِّيام في الصُّورة الأُولَى وعَلَى مِنَ الإطْعَام فِي الصُّورة الثَّانيَة؟ فيها وجهان:
أظهرهما: أنه على الزَّوج، فَإِنْ عَجَزَ فِي الحَالِ ثبت في ذِمَّتِهِ إلى أن يقدر؛ وذلك لأن الكَفَّارة على القَوْلِ الَّذِي عَلَيْهِ نفرع معدودة من مؤنات الزوجة اللاَّزِمَةِ عَلَى الزَّوْجِ.
والثاني -ذكره في "التهذيب"-: أنه عليها؛ لأن التَّحمل كالتَّداخُلِ لا يجزئ عِنْدَ اخْتِلاَف الجِنْس، وإن كان هُوَ مِنْ أهْلِ الصِّيَام، وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الإِطْعَام فَالَّذِي قَالَه الأَئِمَةُ أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ نَفْس، وَيُطْعِمُ عَنْهَا؛ لأن الصَّوم لا يتحمل بهِ، وقضية قَوْلِ مَنْ قَالَ بِإِجْزَاء الإعْتَاقِ عَنِ الصِّيَام فِي الصورة السَّابقة إِجْزَاء للصِّيَامَ عَنِ الإطْعَام؛ لأن مَنْ فَرْضُهُ الإطعَام لَوْ تحمل المَشَقَّة، وَصَامَ أجزأه، والصَّوْم كَمَا لا يتحمل به لا يتحمل وإن كانت الزَّوْجَةُ أَعْلَى حَالاً مِنْه، نظر إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الإعْتَاقِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَام صَامَ عَنْ نَفْسِهِ، وأعتق عنها إذا قَدِر، وإن كَانَتُ مِنْ أَهلِ الصِّيَامِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الإِطعَامِ صَامَتْ عَنْ نَفْسِهَا، وأطعم الزَّوج عَنْ نَفْسِه.
المسألة الثَّانية: إذا أَفْسَدَ صَوْمَه بغير الجماع كالأكل، والشُّرب، والاستمناء، والمُبَاشرات، المفضية إلى الإنزال فلا كَفَّارَةَ عليه؛ لأن النَّص وَرَدَ فِي الجِمَاعِ وَمَا عَدَاهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاه، وَهَلْ يلزمه الفِدْيَة؟ فِيه خِلاَفٌ سَيَأْتِي مِنْ بَعْد.
وقال مالك: تجب الكَفَّارة بِكُلِّ إِفْسَاد يعصى به، إِلاَّ الرِّدَّة والاسْتِمنَاء والاستقاءة.
وقال أبو حنيفة: تَجِب الكَفَّارَة بتناول مَا يقصد تناوله، وَلاَ تَجِب بابتلاع الحَصَاةِ وَالنَّوَاةِ، وَلاَ بِمُقَدِّمَاتِ الجِمَاعِ.
وقال أحمد: لا تَجِبْ بالأكل والشُّرب، وتَجِب بالمُبَاشَرَاتِ المُفْسِدَةِ لِلصَّوْمِ.
الثَّالثة: تجب الكفارة بالزِّنَا وَجِمَاع الأَمَةِ، وكذلك بإتْيَانِ البَهِيمَةِ، والإتيان في غَيْر المأتى، ولا فرق بين أن ينزل أو لاَ يَنْزِل.
وذَهَبَ بَعْضُ الأَصْحَابِ إِلَى بناء الكَفَّارة فيها عَلَى الحَدِّ، إن أوجبنا الحَدَّ فيهما أو أوجبنا الكَفَّارة، وإلا فوجهان:
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- إِتْيَان البَهِيمَةِ إنْ كَانَ بِلاَ إنْزَال لَمْ يتعلق بِهِ الإِفْطَار فَضْلاً عَنِ الكَفَّارَةِ، وإن كانَ مَعَ الإنْزَال أَفْطَرَ وَلاَ كَفَّارَةَ، وَفِي اللّواطِ هَلْ يتوقف الإِفْطَار عَلَى الإِنْزَال؟ فِيهِ رَوَايَتَانِ، وإذا حَصَلَ الإِفْطَار فَفِي الكَفَّارَةِ روايتان.
والأظهر: أن الإِفْطَار لاَ يتوقف عَلَى الإنْزَالِ، وأَنَّ الكَفَّارَةَ تَجِب.
وعند أحمد تَجِب الكَفَّارَةُ فِي اللَّوَاطِ، وَكذَا فِي إِتْيَانِ البَهِيمَةِ عَلَى أَصَحِّ الرِّوايتين.
واعلم أن المَسَائِلَ الثَّلاث في الفَصْل متعلقة بالقَيْدِ الثَّالِثِ في الضابط، وهو كون الإفساد بِجماع تَامّ فيدخل فيه صور المسأَلة الثالثة، ويخرج صور الثّانية، وأما الأولى قَقَدْ قَصَدَ صَاحِبُ الْكِتَاب بِوَصْفِ الجِمَاعِ بِالتَّمَام لِلاحْتِرَازِ عَنْهَا؛ لأن المرأة إِذَا جُومِعَت حَصَلَ فَسَادُ صَوْمِهَا قَبل تَمَام حَدِّ الْجِمَاع بِوُصُولِ أَوَّلِ الحَشَفَةِ إِلَى بَاطِنِهَا، فالجماع يَطْرَأُ عَلَى صَوْمٍ فَاسِدٍ، وَبِهَذَا الَمَعْنَى عَلَّلَ أصح القولين، وهو أن المرأة لا تؤمر بِإخْرَاجِ الكَفَّارة، ويروى هذا التَّعْلِيل عَنِ الأُسْتَاذِ أبِي طَاهِر، وَطَائِفَةٍ، لكن الأكثرين زَيَّفُوه، وقالوا: يتصور فَسَاد صَوْمِهَا بِالْجمَاعِ، بأن يولج وهي نائمةٌ أو نَاسِيَة، أو مكرهة ثم تستيقظ أو تتذكر أو تُطَاوعُ بَعْدَ الإيلاَجِ وتستديمه، والحكم لا يختلف على القولين، فعلى هذا جماع المرأة إذا قلنا: لاَ شَيْءَ عَلَيْهَا والوجوب لا يلاقيها مثنى عن الضابط.
وقوله: (وفيه قول قديم) أراد به القول الثاني، وهو أنها تُؤْمَر بإخْرَاجِ الكَفَّارة، كَالرَّجُلِ وهذا قد نقله الإمام وصاحب الكتاب في "الوسيط" عن "الإملاء"، وليس تسميتة قديماً من هذا الوَجْه، فَإِنَّ "الإِمْلاَء" محسوب من الكتب الجَدِيدة، ولكن رأيت بعض الأئمة روايته عن القَديم، و"الإملاء" معاً، ويشبه أن يكون به في القديم قولان:
أحدهما: كالجديد؛ لأن المُحَامِلِيّ حَكَى القول الصَّحيح عَنِ الكُتُبِ الجَدِيدَةِ والقَدِيمة جميعاً.
وقوله: (ولا يتحمل الزاني) أي على قَوْلِنا: أن الوُجُوبَ يُلاَقِيهَا، والزوج يتحمل.
وأما مواضع العَلامات.
فقوله: (ولا على المرأة) مَرْقومٌ بالحاء والميم.
وقوله: (ولا الزوج المجنون، ولا المسافر) كلاهما بالواو لما قدمنا، وليس قوله: (إذ لا كفارة عليهما) خالياً في حق المسافر عن التفصيل، والخلاف.
وقوله: (ولا عن المُعْسِرة) يشمل ما إذا كَانت معسرةً، وهو قادر على الإعْتَاق، وفي هذه الصُّورة خلاف تقدم، فلا يبعد إعلامه بالواو.
وقوله: (ولا كفارة على من أفطر بغير جماع) معلم بالميم، والحاء، والألف، ويجوز أن يُعَلَّم بالواو أيضاً لأمور:
أحدها: أنه نقل عن "الحاوي" أن أبا علي بن أبي هريرة قال: "تجب بالأكل والشُّرب كفارة فوق كفارة المُرضع، والحَامِل، دُونَ كَفَّارَةِ المُجَامِعِ.
قال: أَقْضَى القُضَاة: وهذا مذهب لا يستند إلى خبر، ولا أثر، ولا قياس.
والثاني: أن أبا خلف الطَبَرِي 1، وهو من تلاميذه القَفَّالُ اختار وجوب الكفارة، بكل ما يأثم بالإفطار به.
والثالث: أن الحَنَّاطِيّ ذكر أن عبد الحكم روى عنه إيجاب الكَفَّارة فيما إذا جَامع فِيمَا دونَ الفرج، فأنزل.
ووطء البهيمة، والإتيان في غير المأتى معلّمان بالحاء والواو.
قال الغزالي: وَلاَ تَجِبُ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَن الصَّبْحَ غَيْرُ طَالِعٍ فَجَامَعَ (ح).
قال الرافعي: إذا ظَنَّ أنَّ الصُّبْحَ غير طَالِعٍ فَجَامع، ثم تَبَيَّن خلافه، فحكم الإِفْطَار قد مر، ولكن لا كفارة عليه؛ لأنه غير مأثُومٍ بما فعل، فلا يَسْتَحِق التَّغْلِيظ.
قال الإمام -رحمه الله-: ومن قال بوجوب الكَفَّارة على النَّاسِي بِالْجِمَاع يقول بمثله هاهنا، لتقصيره بِتَرْكِ البَحثِ، ولو ظَنَّ أن الشَّمْسَ قد غربت فجامع، ثم بأن خلافه، فقد ذكر صاحب "التهذيب" وغيره أنه لا كفارة عليه أيضاً، لأنها تَسْقُط بالشُّبهة، وهذا ينبغي أن يكون مفَرَّعاً عَلَى تجويز الإفطار والحالة هذه، وإلا فتجب الكَفَّارة وفاء بالضَّابِطِ المَذْكُور، ولما يوجب الكفارة.
ولو أكل الصَّائِم نَاسِيًا فَظَنَّ بُطْلاَنَ صَومه فَجَامع، فهل يفطر؟ فيه وجْهَان:
أحدهما: لا، كما لو سَلَّم عن ركعتين من الظُّهْرِ ناسياً، وتكلم عَامِداً لا تبطل صلاتُه.
وأصحهما -ولم يذكر الأكثرون غيره-: أنه يفطر، كما لو جَامَع على ظَنِّ أن الصبح لم يطلع فَبَانَ خِلافُه، وعلى هذا فَلاَ تَجِب الكَفَّارة؛ لأنه وطئ وهو يعتقد أنه غَيْرُ صَائِم.
وعن القَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: أنه يحتمل أن تجب الكفَّارة؛ لأن هذا الظن لا يبيح الوَطْءَ، ولو أفْطر المسافرُ بالزِّنَا مترخصاً فلا كَفَارَةٌ عَلَيْه لأنه وإن أثم بهذا الجِمَاع
لكن لم يأثم به بِسَبَب الصَّوْم، فإن الإفطار جائزٌ له، ولو زنا المقيمُ نَاسياً للصَّوم وقلنا: إن الصوم يفسد بالجَماع نَاسِياً، فلا كَفَّارة عليه أيضاً على الوَجْه الأصح؛ لأنه لم يأثم بسبب الصوم، فإنه كَانَ ناسياً له.
وإذا تَأمَّلْتَ هذه الصور عرفت اشتراكها في شيء واحد، وهو أن المجامع فيها مَأْثُوم بالجِمَاع بسبب الصوم، ثم منها ما لا إثم فيه، ومنها ما فيه إثم، ولكن لا بِسَبَب الصوم، وهي متعلّقة بالقيد الذي ذكره آخراً، وهو قوله: (أثم به لأجل الصوم) وهذا يجوز أن يقدر وصفاً واحداً به يحصل الاحتراز عن الصور كلها فحيث لا إثم، لا إثم بسبب الصَّوم، ويجوز أن يقدر وصفين:
أحدهما: كونه مأثوماً به.
والثاني: كونه مأثومًا به بسبب الصوم، فبالأول يحصل الاحتراز عن الصور التي لا إثم فيها وفيها جِمَاع المُرَاهِقِ والمُسَافر والمَرِيض على قصد الترخص كما سبق، وبالثَّاني يحصل الاحتراز عن الصّور التي يأثم فيها لا بالصّوم.
قال الغزالي: وَتَجِبُ عَلَى المُنْفَرِدِ (ح) بِرُؤْيةِ الهِلاَلِ، وَعَلَى مَنْ جَامَعَ مِرَاراً كَفَّارَاتٌ (ح)، وَتَجِبُ عَلَى مَنْ جَامَعَ ثُمَّ أنْشَأَ السَّفَر (ح).
وَلَوْ طَرَأَ بَعْدَ الجِمَاعِ مَرَضٌ أَوْ جُنُونٌ أَوْ حَيْضٌ سَقَطَ فِي قَوْلٍ وَلَمْ يَسْقُطْ فِي قَوْلٍ، وَتَسْقُطُ بِالْجُنُونِ وَالْحَيْضِ (م) دُونَ المَرَضِ (ح) فِي قَوْلٍ.
قال الرافعي: في الفَصْلِ ثلاث مسائل:
إحداها: إذا رأى هلالَ رمضانَ وحده وَجَبَ عليه صَوْمُه، وإذا صامه وأفطر بالجِمَاع فعليه الكَفَّارة.
وبه قال مَالِكٌ وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله-.
لنا أنه هتك حُرْمَةَ يوم من رمضانَ بإفساد صَوْمِهِ بالجماع، فأشبه سائر الأيام.
ولو رأى هلال شَوَّال وحده، وجَبَ عليه أن يفطر ويخفي إفطاره عن النَّاس كيلا يُتَّهم.
وعن أبي حنيفة وأحمد: أنه لا يفطر برؤيته وحده.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيتَهِ" 1 وإذا رُؤي رجل يأكل يوم الثَّلاثين من رمضان بلا عذر عزر عليه، فلو شهد أنه رأى الهلال لَمْ يقبل؛ لأنه متهم يريد إِسْقَاط التعزير عن نفسه، بخلاف ما إذا شَهِد أولاً فَرُدَّت شهادة، ثم أكل لا يعزر.
الثانية: لو أفطر بالجماع ثم جامع في ذلك اليومِ ثَانياً، فلا كَفَّارة عليه إذ الجماع الثَّاني لم يقع مفسداً، ولو جامع في يومين، أو في رمضانين فعليه كَفَّارَتَان، سواء كَفَّر عن الأول، أو لم يُكَفِّر، وبه قال مالك.
قال أبو حنيفة: إذا جامع في يومين، ولم يُكَفِّر عن الأول لم يلزمه إلا كفارةٌ واحدة.
وعنه فيما إذا كَفَّر روايتان، ولو جَامَعَ في
رمضانين فالمشهور أنه يلزمه كفارتان بِكُلِّ حال، وعنه رواية أخرى: أنه كاليومين.
وقال أحمد: إذا وَطِئَ في يومين فَكَفَّرَ عن الأول فعليه كَفَّارَةُ أخرى؛ وإن لم يُكَفِّر فلأصحابه فيه اختلاف.
لنا أن صوم كل يوم عبادة برأسها، فلا تتداخل كفارتاهما كالحجتين إذا جَامَع فيهما.
الثالثة: إذا أفسد صومه بِالْجِمَاع ثم أنشأً سَفراً طويلاً في يَومِهِ لم تسقط عنه الكَفَّارة؛ لأن السفر المنشأ في أثناء النَّهار لا يبيح الفطر فيه فعروضه لا يؤثر فيما وَجَب مِن الكَفَّارة، وعن صاحب "التقريب" والحَنَّاطِيِّ أن سقوط الكفارة مُخَرَّجٌ على خِلاَفٍ سنذكره في نَظَائِرِهِ، ويروى عن أبي حنيفة -رحمه الله- في المسألة روايتان:
أصحهما: أنها لا تسقط، وصاحب الكتاب لم يرو عنه في "الوسيط" إلا السقوط؛ ولذلك أعلم قوله في الكتاب: (وتجب على من جامع) بالحاء مع الواو.
ولو جامع ثم مرض، ففيه طريقان:
أحدهما: أنه لا تسقط الكفارة أيضاً كالسفر.
أظهرهما: وبه قال مالك وأحمد: أنه لا تَسْقُطِ لأنه هتك حرمة الصَّوم بما فعل.
والثاني: تسقط؛ لأن المرض الطَّارئ يبيح الفطر، فيتبين به أن الصَّوم لم يقع مستحقاً، وبهذا قال أبو حنيفة، ولو طرأ بعد الجِمَاع جنون أو حيض فقولان أشار إليهما في "اختلاف العراقيين".
أظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: أنها تسقط؛ لأن الجنون والحيض يُنَافِيان الصَّوم، فيتبين بعروضهما أنه لم يكن صائماً في ذلك اليوم.
والثاني: لا تسقط لَقَصْدِه الهَتْكَ أولاً، والمسألة في الحيض مُفَرَّعةٌ على أن المرأة إذا أفطرت بالجِمَاع تلزمها الكَفَّارة، وعروض الموت كعروض الحَيْضِ والجنون.
وإذا جمعت بين المرض والجنون والحيض انتظم فيها ثلاثة أقوال، كما ذكر في الكتاب، فإن ضممت السفر إليها، وتعرضت للطريقة البعيدة، حصلت أربعة أقوال، رابعها أنه يسقط بها دون السفر، والله أعلم.
قال الغزالي: ثُمَّ هَذِهِ كَفَّارَة مُرَتَّبَةٌ ككَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَفي وُجُوب القَضَاءِ وَجَوَازِ العُدُولِ مِنَ الصَّوْمِ إِلَى الإِطْعَامِ بِعُذْرِ شِدَّةِ الغُلْمَةِ، وَجَوَازِ تَفْرِيقِ الكَفَّارةِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالوَلَدِ عِنْدَ الفقْرِ، واسْتقرَار الكَفَّارَة في الذِّمَّةِ عَنْدَ العَجْزِ عَنْ جَمِيع هَذِهِ الخِصَالِ وَقْتَ الجِمَاعِ خِلاَفٌ، فَفِي وَجْهٍ نَمِيلُ إِلَى القِيَاسِ وَنَحْمِلُ هَذِهِ القَضَايَا في حَدِيثِ الأعْرَابِيِّ عَلَى خَاصِّيتهمَا، وَفي وَجْهٍ نَعْمَلُ بِظَاهِرِ الحَدِيثِ.
قال الرافعي: القول في كيفية الكَفَّارة إنما يستقصى في "باب الكَفَّارات" 1، والكلام الجملي أن هذه الكفارة مرتبة كَكَفَّار الظِّهار، فيلزم عتق رقبة، فإن لم يجد فَصِيام شَهْرين، فإن لَمْ يَسْتَطع فإطعام سَتِّين مسكيناً لما ذكرنا في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وقال مالك: يَتَخَيَّرُ بين الخِصَال الثلاثة، وهو رواية عن أحمد، والأصح عنه مثل مذهبنا.
ثم في الفصل صور:
إحداها: إذا أفسد صَوْمَه بالوقاع ولزمته الكفارة، هل يلزمه قَضَاء اليوم الذي أفسده معها؟ فيه ثلاثة أوجه، ومنهم من يقول قولان: ووجه للأصحاب، لأنه حكى عن الإمام أنه قال: يحتمل أن يجب القَضَاء، ويحتمل أن يَدْخُل في الكَفَّارة، ولكل وجه.
أحدهما: أنه لا يجب القَضَاءِ؛ لأن الخَلَلَ الحَاصِلَ قد انجبر بالكَفَّارة، ولأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر الأعرابي [بالقضاء مع] الكفارة.
وأصحهما: أنه يَجِبِ، لأنه روي في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للرجل:"وَاقْضِ يَوماً مَكَانَهُ" 2.
وثالثها: أنه إن كفر بالصَّوم دخل فيه القضاء، وإلا فلا لاختلاف الجنس، قال: ولا خلاف في أن المرأة يلزمها القضاء إذا لم تلزمها الكَفَّارة، ولا يتحمل الزَّوج، فإن الكَفَّارة إذا كَانَتْ صوماً لم تتحمل فما ظَنُّك بالقضاء.
الثانية: شدة الغلمة هل يكون عذراً في العُدولِ مِنَ الصِّيَامِ إلى الإِطْعَام؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للأعرابي الذي جاءه، وقد واقع: "صُمْ شَهْرَيْنِ"، قال: هل أتيت إلا من قبل الصوم؟ فقال: "أَطْعِم سِتِّينَ مِسْكِيناً" 3.
والثاني: لا، لِمكان القدرة على الصَّوْمِ، وسنذكر ما الأظهر منهما.
الثالثة: لو كان من لزمته الكَفَّارة فقيراً، فهل له صَرْفُ الكَفَّارةَ إِلى أَهْلِهِ وأولاده؟ فيه وجهان.
أحدها: نعم لقوله -صلى الله عليه وسلم- للأعرابي "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ وَعِيَالَكَ" 4.
وأصحهما: لا، كالزَّكَوات، وَسَائِرِ الكَفَّارَاتِ.
وأما الحديث فلا نسلم أن الَّذِي أمره بصَرْفِهِ إلى الأَهْلِ والعِيَال كَانَ كَفَّارة، وهذا لأنه يحتمل أنه لم يملكه ذلك، وإنما أراد أن يملكه لِيُكَفِّر، فلما أخبره بحاجته صَرَفَهُ إليه صدقة، ويحتمل أنه مَلَّكَهُ وأمره بالتَّصَدُّق به، فلما أخبره بحاجته أَذِنَ في أَكْلِهِ وإطعامه عِيَاله ليبين أن الكفارة إنما تجب إذا فضل عن الكفاية، وإن سلمنا أنه كان كفارة ولكن يحتمل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تَطَوَّع بالتكفير عنه، فسوغ له صرفه إلى الأهْلِ والعيال، فيكون فائدة الخبر أنه يجوز للغيفر التَّطَوع بالكَفَّارة عن الغير بإذنه، وأنه يجوز للمتطوع صَرْفُه إلى أَهْلِ المكفر عنه وَعِيَاله، وهذه الاحتمالات بأسرها منقوله عن "الأم".
الرابعة: إذا عجز عن جميع الخِصَال فهل تستقر الكفارة في ذمته؟ قال الأصحاب: الحقوق المالية الواجبة لِلَّه تنقسم إلى مَا تَجِب لاَ بِسَبَبٍ يباشره العبد، وإلى ما تجب بسبب يباشره، فالأول كزكاة الفِطْر إن كان قادراً وَقْتَ وُجُوبِهَا وجبت، وإلا لم تستقر في ذمته إلى أن يقدر.
والثاني: على ضربين: ما يجب على وجه البَدَل، كجزاء الصَّيد فإن كان قادراً عليه فذاك، وإلاّ ثبت في ذِمَّتِهِ إلى أن يقدر تَغْلِيباً لمعنى الغرامة، وما يجب لا على وَجْهِ البَدَل ككفارة الوقَاع واليَمِين والقَتْلِ والظِّهار ففيها قولان:
أحدهما: أنها تَسْقُط عند العَجْزِ، كَزَكَاةِ الفِطْرِ، وبه قال أحمد:
وأصحهما: أنها لا تسقط كَجَزاء الصَّيْدِ، فعلى هذا مَتَى قدر على إحدَى الخِصَال لزمته.
واحتج للقول الأول بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "لَمَّا أَمَرَ الأَعْرَابِيَّ بِأَنْ يُطْعِمَهُ أَهْلَهُ وَعِيَالَهُ لَمْ يَأمُرُهُ بِالإخْرَاجِ فِي ثَانِي الْحَالِ" 1، ولو وجب ذلك لأشبه أن يبين له.
ولمن رجح الثاني أن يقول: لم قلت: إن المصرف إلى الأهل والعِيال لم يقع تَكْفِيراً، فإنا روينا وجهاً مجوزاً له عِنْدَ الفقر إن سلمنا ذلك، ولكن يحتمل أن يكون الغرض باقياً في ذمته ولم يبين له ذلك؛ لأن حاجته إلى معرفة الوُجوب إنما تمس عند القدرة، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة، وهذا الذي ذَكَرْنَاه يوقفك على أنه لا يمكن الاستدلال بخبر الأعرابي في هذه الصورة، والتي قبلها على الجَمْعِ، وإنما يمكن الاستدلال به في إحداهما؛ لأن المأمور بصرفه إلى الأهل والعيال إما أن يكون كفارة أو لا يكون.
إن كان لم يصح الاستدلال به في هذه الصورة.
وإن لم يكن لم يصح في الصورة السابقة.
وأعرف بعد هذا في لفظ الكتاب شيئين:
أحدهما: أنه أطلق ذكْر الخِلاَف في الصور الأربع وفَسَّره بوجهين، وهو مسلم في الصورة الثانية والثالثة.
وأما الأولى فقد ذكرنا أن من الأصحاب من يجعل الخِلاَف فيها قولاً، وكذا ذكره القفال في "شرح التلخيص".
وأما الرابعة فالجمهور حكوا الخلاف فيها قولين، وإنما أطلق صاحب الكتاب فيها الوجهين تقليداً للإمام.
والثاني: أنه بين أن أحد طرفي الخلاف في الصّور جميعاً يوجه بالقياس.
والثاني: بظاهر الخبر وإذا جرينا على القياس حملنا قِصَّة الأَعْرَابِي عَلَى خاصيته، وخاصية أهله.
قال الإمام: وكثيراً ما كان يفعل ذَلِك رسول -صلى الله عليه وسلم- كما في الأضحية، وإرْضَاع الكَبير ونحوهما، وهذا وإن كان على بُعدٍ فهو أهْوَن من تشويش أصول الشَّرِيعة.
واعلم أن مثل هذا التأويل إنما يصار إليه عند الاضطرار، ولنا عنه مندوحة أما في غير الصّورة الثانية فقد بَيّنَّاه، وأما في الثَّانية فإنما يحتاج إلى تأويل الخبر، فيهما من يجعل الأظهر امتناع العدول إلى الإطعام بعذر شدة الغلمة، ومنهم صاحب الكتاب، فإنه أعاد المسألة في آخر "كتاب الكَفَّارات" وَرجَّحَ وجه الامتناع، وقضية كَلاَمِ الأكثرين التجويز، ولم يورد صاحب "التهذيب" غيره، فإذا صِرْنَا إليه عملنا بِظَاهِرِ الخَبَرِ، واستغنينا عن التأويل.
قال الغزالي: الرَّابعُ: الفِدْيَةُ وَهِيَ مُدٌّ مِنَ الطَّعَامِ مَصْرِفُهَا مَصْرِفُ الصَّدَقَاتِ.
قال الرافعي: الأصل في الفِدْية الخبر والأثر على ما سيأتي ذكرهما (وهي مُدٌّ مِنَ الطَّعام) لكل يوم من أيام رَمَضَان، وجنسه جنس زكاة الفِطْر، فيعتبر على الأصح غالب قُوتِ البَلَدِ، ولا يجزئ الدقيق والسويق كَمَا مَرَّ.
وقوله: (مصرفها مصرف الصدقات) ليس المراد من الصّدقات هاهنا الزكوات، فلا تصرف الفدية إلى الأصناف الثمانية، وإنما المراد التَّطوعات، وهي في الغالب مصروفه إلى الفُقَراء والمَسَاكِين، وكلُ مدٍّ بمثابة كَفَّارة تامة، فيجوز صَرْفُ عَدَدٍ منها إلى مسكين واحد، بخلاف أمداد الكَفَّارة الواحدة، يجب صرف كل واحد مِنْها إلى مسكين، كما سيأتي في موضعه، ويجوز أن يعلم قوله: (مد) بالحاء والألف؛ لأنه روي عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنها مُدٌّ من بُرٍّ أو صاعٌ مِنْ تَمْرٍ.
وعن أحمد -رحمه الله- أنها "مدّ" مِنْ بِرٍّ أو نصف صَاعٍ من تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ.
قال الغزالي: تَجِبُ بِثَلاثةِ طُرُقٍ: (أَحَدُهَا) فَوَاتُ نَفْسٍ الصَّوْمِ فِيمَنْ تَعَدَّى بِتَرْكِهِ وَمَاتَ قَبْلَ القَضَاءِ فَيَخْرُجُ مِنْ تُركتِهِ مُدٌّ، وقَالَ في القَدِيم: يَصُومُ عَنْهُ وَليُّه، وَلاَ يَجِبُ عَلَى مَن فَاتَة بالمِرَضِ، وَيجِبُ عَلَى الشَّيْخِ الهَرِمِ عَلَى الصَّحِيح.
قال الرافعي: فقه الفصل مسألتان:
إحداهما: إذا فاته صوم يوم أو أيام من رمضان ومات قَبْلَ القضاء فله حالتان:
إحداهما: أن يكون موته بعد التمكن من القَضَاء، فلا بد من تَدَارُكِهِ بعد موته، وما طريقه؟ فيه قولان:
الجديد: وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله-: أن طريقه أن يطعم من تركته لكل يَومِ مُدّ؛ لما روي مرفوعاً وموقوفاً على ابن عمر -رضي الله عنهما- "أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوُمٌ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ" 1، ولا سبيل إلى الصوم عنه، لأن الصوم عبادة لا تدخلها النِّيَابة في الحَيَاة، فكذلك بَعْدَ المَوْتِ كالصَّلاة.
والقديم: وبه قال أحمد: أنه يجوز لِوَلِيِّه أن يصوم عنه؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَومٌ صَامَ عَنْهُ وَليُّهُ" 2 وإذا فرعنا على القديم فلو أمر الولي أجنبياً بأن يصوم عنه بأجرة أو بغير أجرة جاز، كما في الحج، ولو استقل به الأجنبي ففي إجزائه وجهان:
أظهرهما: المنع، والمعتبر على هذا القول الوِلاَية، على مَا وَرَدَ في لفظ الخَبَرِ، أو مطلق القَرَابة، أو بشرط العصُوبة، أو الإِرثْ توقف الإمام -رحمه الله- فيه، وقال: لاَ نَقْلَ عِنْدي في ذَلك، وأنت إذا فحصت عن نظائره وجدت الأشبه اعتبار الإرْث 3، والله أعلم.
ولو مات وعليه صَلاَة، أو اعتكاف لم يقض عنه وَلِيُّه، ولا 4 يسقط عَنْهُ الفِدْية، وعن البويطي: أن الشافعي -رضي الله عنه- قال في الاعتكاف: يعتكف عَنْهُ
وليه.
وفي رواية: يطعم عنه وليه قال صاحب "التهذيب": ولا يبعد تخريج هذا في الصَّلاة؛ فيطعم عن كل صَلاَةٍ مُدّاً، وإذا قلنا بالإطعام في الاعتكاف فالقدر المقابل بالمد اعتكاف يَوْمٍ بليلته، هكذا حَكاه الإمام عن رواية شيخه قال: وهو مشكل، فإن اعتكاف لحظة عبادة تَامة، وإن قيس على الصوم، فالليل ثم خارج عن الاعتبار 1.
الحالة الثانية: أن يكون موته قبل التمكن من القضاء، بأن لا يزال مريضاً من استهلال شول إلى أن يموت، فلا شيء في تركته ولا على ورثته 2، كما لو تلف ماله بعد الحَوْل وقبل التَّمَكُّن من الأدَاء لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.
المسألة الثانية: الشَّيْخ الهَرِم الذي لا يَطِيق الصوم أو يلحقه مشقه شديدة فلاَ صَوْمَ عليه، وفي الفدية قولان:
أحدهما: ويحكى عن رواية البويطي وحرملة: أنها لا تجب عليه.
وبه قال مالك، كالمريض الذي يرجى زوال مرضه إذا اتصل مرضه بالموت، وأيضاً فإنه سقط فرض الصوم عنه فأشبه الصَّبِيَّ والمجنون.
وأصحهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنها تَجِب، ويروى ذلك عن ابن عمرو ابن عباس وأنس وأبي هريرة -رضي الله عنهم- وقرأ ابن عباس "وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِديِةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ" 3، ومعناهُ: يُكَلَّفُونَ الصَّوْم فلا يطيقونه، والقولان جَارِيان في المريض الذي لا يرجى برؤه.
وحكم صَوْم الكفارة والنذر حُكْمُ صَوْمِ رَمَضَانَ، ولو نذر 1 في حال العجز صَوْماً، ففي انعقاده وجهان، وإذا أوجبنا الفدية على الشَّيخ، فلو كان معسراً هل تلزمه إذا قَدِر؟ فيه قولان كما ذَكَرنا في الكَفَّارة، ولو كان رقيقاً فعتق ترتب الخلاف على الخلاف في زوال الإِعْسَار، وأولى بأن لا يجب، لأنه لم يكن من أهل الفدية عند الإفطار.
ولو قدر الشيخ بعدما أفطر على الصَّوْم هل يلزمه الصوم قضاء؟ نقل صاحب "التهذيب" أنه لا يلزمه، لأنه لم يكن مخاطباً بالصَّوْمِ، بل كان مخاطباً بالفِدْية، بخلاف المَعْضُوب إذا أَحَجَّ الغيرَ عَنْه، ثم قد يلزمه الحَجُّ في قولٍ، لأنه كان مخاطباً، بالحَجِّ ثم قال من عند نفسه: إذا قدر قبل أن يفدى عليه أن يصوم، وإن قدر بعد الفدية، فيحتمل أن يكون كالحج، لأنه كان مخاطباً بالفدية على توهم أن عذره غَيْر زَائِلِ، وقد بانَ خِلافُه.
واعلم: أن في كون الشَّيْخِ مخاطباً بالفِدْيَة دون الصوم كَلاماً، فإن صاحب "التتمة" في آخرين نقلوا خلافاً، في أن الشيخ هل يتوجه عليه الخطاب بالصَّوم ثم ينتقل للعجز إلى الفدية أم يخاطب بالفِدَاء ابتداء 2؟ وبنوا عليه الوجهين في انعقاد نذره.
وإذا كان كذلك فلصاحب "التهذيب" أن يمنع قول من قال إنه لم يكن مُخَاطباً بالصَّوْمِ.
وأما لفظ الكتاب فقوله: (فوات نفس الصوم) إنما أطلق اللفظ هكذا ليشمل القَضَاء، والأداء، فإن الفدية قد تجب مع القَضَاء على ما سيأتي، ثم ليس الفَوَات موجباً للفِدْية على الإطْلاَق بدليلِ الصَّبي، والمجنون، ومن لم يتمكن مِنَ القضاء؛ بل في بعض المواضعَ، وهو ما إذا أخر القضاء مع الإمكان، وفي حَقِّ الشيخ الهرم، فلذلك قال فوات نفس الصوم فيمن تعدى بتركه، ثم قوله فيمن تعدى بتركه ينبغي أن يحمل على تَرْك الصَّوم نفسه، لا على ترك الأداء؛ والتعدي بترك نَفْسِ الصَّوم بعد ترك الأداء، إنما يكون بالتعدي في ترك القَضَاء، وقد يسبق إلى الفهم من لفظ صَاحِب الكِتَاب هاهنا، وفي "الوسيط" أن المراد التعدي بترك الأداء لكن القولين المَذْكُورين في أنه يصام عنه أو يطعم غير مخصوص به، بل الأكثرون من أصحابنا العراقيين إنما نقلوا القولين في المعذور بترك الأداء إذا تمَكَّن من القضاء، ولم يقض.
وقوله: (يصوم عنه وليه) في الحكاية عن القديم، ليس المراد منه أنه يلزمه ذلك، وإنما القول القديم أنه يجوز له ذلك إن أراده، هكذا، أورده في "التهذيب"، وحكاه
الإمام عن الشيخ أبي محمد، وهو كالمتردد فيه.
ثم قوله: (يصوم) مُعَلَّمٌ بالحاء والميم لِمَا سبق، وبالألف أيضاً، لأن عند أحمد لا يَصُوم عنه في قضاء رمضان، وفيه كلام الكتاب، ولكن لو كان عليه صَوْم نذر، صَامَ عنه وَليّه، وعندنا لا فرق على القولين.
وقوله: (ولا يجب على من فاته بالمرض) المراد منه الحالة الثانية، وهي أن يستمر المرض، ويمنعه من القَضَاء، ولو أفطر بعذر السَّفر ودام السَّفَر إلى الموت فلا شيء عليه أيضاً.
قال الغزالي: الثَّاني: مَا يَجِبُ بِفَضِيلَةِ الوَقْتِ، وَهِيَ في حَقِّ الحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ فَإذَا أَفْطَرَنَا خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا قَضَتَا وَافْتَدَتَا عَنْ كُلِّ يَوْم مُدّاً، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: أنَّهُ لاَ يَجِبُ كالمَرِيضِ، وَهَلْ يُلْحَقُ بهمَا الإِفْطَارُ بِالعُدْوَانِ؟ وَمَنْ أَنْقَذَ غَيْرَهُ مِنَ الهَلاَكِ وَافْتَقَرَ إلَى الإفْطَارِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: الحامل والمرضع إن خَافتا على أنفسهما أَفْطَرَتَا 1 وقَضَتَا ولا فدية عليهما كالمريض، وإن لم يَخَفَا من الصَّوم إلا على الولد فَلَهُمَا الإِفْطَار وعليهما القَضَاء.
وفي الفدية ثلاثة أقوال:
أصحها: وبه قال أحمد: أنها تجب؛ لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ 2 أنه منسوخ الحكم إلا في حق الحامل والمرضع، وعن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في الحامل والمرضع: "إذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا وَافْتَدَتَا" 3. والثاني: أنه تستحب لهما الفدية، ولا تجب، وبه قال أبو حنيفة، والمزني، واختاره القاضي الرّوَيَانِي في "الحلية"، ووجهه تشبيه الحامل بالمريض لأن الضرر الذي يصيب الولد يتأدى إليها، وتشبيه المرضع بالمسافر لأنهما يفطران، لئلا يمنعهما الصَّوْم عما هما بصدده وهو الإرضاع في حَقِّ هذه، والسَّفَرُ في حق ذاك، وقد يشبهان معاً بالمريض والمسافر من حيث إن الإفطار مَانِعٌ لما والقضاء يكفي تداركاً.
والثالث: وبه قال مالك: أنها تجب على المُرْضع دونَ الحَامِلِ، لأن المرضع لا تخاف على نفسها والحامل تخاف بتوسط الخوف على الولد، فكانت كالمريض،
ويحكى القول الأول عن "الأم"، والقديم، والثاني عن رواية حرملة، والثالث عن البويطي، وإذا فَرَّعْنَا على الأصح فلا تتعدد الفدية بتعدد الأولاد في أصح الوجهين، وهو الذي أورده في "التهذيب".
وهل يفترق الحال بين أن ترضع ولدها، أو غيره بإجارة أوغيرها 1؟ نفى صاحب "التتمة" الفرق، وقال: تفطر المستأجرة وتفدى؛ كما أن السفر لما أفاد جواز الإفطار لا يفترق الحال فيه بين أن يكون لِغَرض نَفْسِهِ أو غرض غيره 2.
وأجاب صاحب الكتاب في "الفتاوى" بأن المستأجرة لا تفطر بِخِلاَف الأم، لأنها متعينة طبعاً، وإذا لم تفطر فلا خيار لأهل الصبي، ولو كانت الحامل أو المرضع مُسَافِرة أو مريضة فأفطرت على قصد الترخص بالمرض والسفر فلا فدية عليها، وإن لم تقصد الترخص ففي لزوم الفدية وجهان كالوجهين السابقين في المسافر إذا أفطر بالجماع.
ثم في الفصل مسألتان: إحداهما: إذا أفطر بغير الجماع عمداً في نهار رمضان هل تلزمه الفدية مع القضاء فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنها واجبة على الحامل، والمرضع مع قيام العذر، والترخيص في الإفطار، فلأن تجب عليه، مع أنه غير معذور كان أولى.
وأظهرهما: لا، لأنه لم يرد فيه توقيف، وحيث وَجَبَت الفدية إنما وجبت جابرة، وهي لا تجبر ما تعدى، ولا يليق بعظم جريمته، ويخالف الحامل والمرضع، لأن هناك ارتفق بالإفطار شخصان فجاز أن يتعلق بهما بدلان وهما القضاء والفدية كالجماع، لما ارتفق به الرجل والمرأة تَعَيَّن القضاء والكفارة العظمى، وهاهنا بخلافه، وقَرَّب الإمام الوَجْهين في المسألة بالوجهين في أن من تعمد بترك الأبعاض هل يَسْجُد للسَّهْو؟
الثانية: لو رأى مشرفاً على الهُلاَك بغرق وغيره وهو بسبيل من تخليصه ولكن
افتقر في تخليصه إلى الإفطار فله ذلك 1 ويقضي، وهل تلزمه الفدية فيه وجهان:
أظهرهما: وبه قال القفال: نعم لأنه فِطْرٌ ارتفق بهِ شَخْصَان، كما في حق المرضع.
والحامل.
والثاني: لا، لأن إِيجَاب الفدية مع القضاء بعيد عن القياس، والتعويل في حق المرضع والحامل على التوقيف، والوجهان فيما ذكر الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مبنيان على الخلاف في وجوب الفدية على الحامل والمرضع إن أوجبناها فكذلك، هاهنا، وإلا فلا، وأشار مُشِيرُون إلى تخريج الخلاف هاهنا مع التفريع على وجوب الفِدْيَة ثُمَّ وفرقوا بأن الإفطار ثم لإحياء نَفْسٍ عاجزة عن الصَّوْم خِلْقة، فأشبه إفطار الشَّيْخ الهرم، وهاهنا الغريق غير عاجز عن الصَّوم، -والله أعلم-.
وقوله في الكتاب: (ما تجب بفصيلة الوقت) معناه: أن الفدية قد تَجِبْ جَبْراً، لفوات فضيلة الوقت من تدارك أصل الصَّوْمِ بالقضاء، وليس ذلك مُوجِباً على الإِطْلاق بدليل المسافر والمريض، وإنما تجب في المواضع التي عدها، فلذلك قال: وهو في حق الحامل... " إلى آخره وقوله: و (افتدتا) معلم بالحاء والزاي، ويجوز أن يعلم بالميم أيضاً، وكذا قوله: (لا يجب عليهما)، لأن مالكاً يُفَصِّل، فلا يقول بوجوبها عليهما ولا بنفيها عنهما.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: مَا يَجِبُ لِتَأْخِيرِ القَضَاءِ فَلِكُلِّ يَوْمٍ أُخِّرَ قَضَاؤُهُ عَنِ السَّنَةِ الأوُلَى مَعَ الإِمْكَانِ مُدٌّ، وَإِنْ تَكَرَّرتِ السِّنُونَ فَفِي تَكَرُّرِهَا وَجْهَانِ.
قال الرافعي: من عليه قضاء رمضان وأَخَّرَهُ حتى دَخَل رمضان السَّنةِ القَابِلة، نظر أن كان مسافراً أو مريضاً فلا شيء عليه بالتّأخير، فإن تأخير الأداء بهذا العذر جَائِز فتأخير القضاء أولى بالجواز، وإن لم يكن وهو المراد من قوله: (مع الإمكان) فعليه مع القَضَاء لِكُل يَومٍ مُدّ.
وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة، والمزني.
لنا الأثر عن ابن عمر، وابن عباس -رضي الله عنهم- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ لِمَرَضٍ، ثُمَّ صَحَّ، وَلَم يَقْضِهِ حَتَّى أَدْرَكَ رَمَضَانَ آخَرَ، صَامَ الَّذِي أَدْرَكَ، ثُمَّ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ، ثُمَّ يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً" 2. ولو أخر حَتَّى مضى رمضانَانِ فَصَاعداً، ففي تكرر الفِدْية وجهان:
أحدهما: أنها لا تتكرر، "بل تتداخل كالحدود؛ لأن الفدية إنما وجبت في السَّنَةِ الأولى، لأنه أخرج القضاء عن وقته وهو ما بين الرمضانين وهذا لا يتكرر.
والثاني: أنها تتكرر.
قال في "النهاية" وهو الأصح، لأنه يجب عليه فدية لتأخير سنة، فيجب فديتان لتأخير سنتين، والحقوق المالية لا تَتَداخل، ولو كان قَدْ أفطر عدواناً، وعلقنا به الفدية فأخر القضاء فعليه لِكُلِّ يَوْمٍ فديتان واحدة للإفطار وأخرى للتأخير ولا تداخل لاختلاف الموجب، ورأيت فيما علق عن إبراهيم (المروروزي) ترتيبه على ما لو أخر القضاء حتى مضى رمضانان إن عددنا الفدية ثم فهاهنا أولى، وإلاّ فوجهان لاختلاف جنس الموجب، وإذا أخر القَضَاء مع الإمْكان ومات قبل أن يقضي وقلنا؟ الميت يُطْعَمُ عنه، فوجهان: أصحهما: أنه يخرج من تركته لكل يوم "مُدَّان" أحدهما لتأخير القَضَاء، والآخر لفوات أصْلِ الصوم.
والثاني: ويحكى عن ابْنِ سُرَيْجٍ أنه يكفي مُدّ.
وأما إذا قلنا: إن المَيِّت صَام عنه فصوم الولي يَحْصُلُ به تدارك أصل الصَّوْم، ويفدى عنه للتأخير، وإذا فَرَّعْنَا على الأصح وهو إخراج "مُدَّين" فلو كان عليه قضاء عشرة أيام فمات قبل أن يَقْضِي ولم يبق من شَعْبَانَ إلاَّ خمسة أيام أخرج من تركته خمسة عشر مُداً، عشرة لأصل الصَّوْمُّ، وخمسة للتَّأْخِيرِ؛ لأنه لو عاش لم يمكنه إلا قَضَاء خمسة؛ ولو أفطر بغير عذر أوجبنا به الفدية وأخر حتى دخل رمضان السنَةِ الثانية ومات قبل أن يقضي فالظاهر وجوب ثلاثة أمدادٍ لكل يومٍ، فإن تكررت السّنون زادت الأمداد، وإذا لم يبق بينه وبين رمضان السَّنة الثانية ما يتأتى فيه قضاء الفَائِتِ فهل يلزمه في الحال الفِدْية عما لا يسع الوقت أم لا يلزم إلا بعد مَجِيء رمضان؟ فيه وجهان مشبهان لما إذا حلف لَيَشْرَبَنَّ ماء هذا الكوز غداً فانصب قبل الغد يحنث في الحال أو بعد مجيء الغد؟ ولو أراد تعجيل فدية التأخير قبل مجيء رمضان السنة القابلة ليؤخر القضاء مع الإمْكَان، ففي جوازه وجهان كالوجهين في جواز تعجيل الكَفَّارة عن الحِنْث المحظور 1، فهذا
شرح الطّرق الثلاثة الموجبة للفدية على ما فيها من الخِلاَف، وإذا أردت حَصْرَها فقل: لا شك أن الفدية إنما تجب عِنْدَ فوات الأداء وإذا فات الأداء فإما أن نوجب القضاء أيضاً، وهو في حَقِّ من مات قبل القَضَاء، وفي الشيخ الهرم أولاً يفوت، فإما أن يقع مؤخراً عن رمضان السَّنة القابلة وهو الطريق الثَّالث، أو لا يقع، فتجب لفضيلة الوقت في المواضع المذكورة في الطَّرِيق الثَّانِي.
قال الغزالي: فَأمَّا صَومُ التَّطوعِ فَلاَ يَلْزَمُ (م ح) بِالشُّرُوعِ، وَكَذَا القَضَاءُ (م ح) إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الفَوْرِ.
"
القول في صوم التطوع
":
قال الرافعي: من شَرَع في صَوْمِ تطوع أو في صَلاَة تطوع لم يلزمه الإتمام 1 ولا قضاء عليه لو خرج من صومه، وصلاته، وبه قال أحمد.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله-: لا يجوز الإفطار بِغَيْر عذر، ويجب القضاء، سواء أفطر بعذر أو بغير عذر.
وقال مالك: إن خرج بغير عذر لزمه القضاء، وإلا فلا.
لنا: ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- "دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ: إِنَّا خَبَّأْنَا لَكِ حيساً، قَالَ: "أَمَّا أَنا كُنْتْ أُرِيدُ الصَّوْمَ، وَلَكِنْ قَرِّبِيه" 2. وعن أم هانئ - رضي الله عنه- قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وَأَنَا صَائِمَةٌ؛ فَنَاوَلَنِي فَضْلَ شَرَابِهِ، فَشَرِبْتُ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ سُؤْرَكَ، فَقَالَ: "إِن كَانَ مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ فَصُومِي يَوْماً مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعاً، فَإِنْ شِئْتِ فَاقْضِيهِ، وَإِنْ شِئْتِ فَلاَ تَقْضِيهِ" 3. وعندنا يستحب الإتمام، وإن لم يجب، ولو أفطر فيستحب القضاء؛ ولا يكره الخروج منه بعذر، وإن كان بغير عذر فوجهان:
أظهرهما: أنه يكره.
ومن الأعْذَار أن يَعزّ على من أضَافه امتناعه من الأكل، ولو شرع في صوم القضاء، هل له الخُروجُ مِنْه؟ نظر إن كان على الفور فلا، وإن كان على التَّراخي ففيه
وجهان: أحدهما: ويحكى عن القفَّال: أنه يجوز، لأنه متبرع بالشروع فيه، فأشبه المسافر يشرع في الصوم، ثم يريد الخروج منه.
والثاني: لا يجوز، لأنه صار متلبساً بالفَرْضِ، ولا عذرَ بهِ، فيلزمه إتمامه كما لو شرع في الصَّلاة في أول الوقت، والأول هو الذي أورده المصنف، وصاحب "التهذيب"، وطَائِفَةٌ، وقضية كلام الأكثرين ترجيح الثاني، وبه أجاب الرّويَانِي في "الحلية"، وحكاه صاحب "المعتمد" عن نصه في "الأم" وصوم الكفارة اللاّزمة بسبب حرام كالقضاء الذي هو على الفور، وما لزم بسبب غير مُحَرَّم كالقتل الخطأ فهو كالقضاء الذي هو على التَّراخي، وكذا النذر المطلق، وهذا كله مبنى على انقسام القضاء إلى ما هو على الفور، إلى ما هو على التراخي، وهو الأشهر، فالأول ما تعدى فيه بالإفطار لا يجوز تأخير قضائه؛ لأن جواز التأخير ترفيه لا يليق بحاله.
قال في "التهذيب" وليس له الحالة هذه التأخير بعذر السَّفر.
والثاني: ما لم يتعد به، كما في حق الحائض، والإفطار بعذر السَّفر، والمرض، فقضاؤه على التَّرَاخِي ما لم يدخل رَمَضانُ السَّنَةِ القابلة، وفي كلام بَعْضِ أصحابنا العراقيين ما يرفع هذا الفَرْق المُحَامِلِي يقول في "التجريد"، ومن أفطر في رمضان بعذر أو بغير عذر فطراً لا تجب به كفارة فالقضاء يلزمه، ووقته موسع إلى شَهْرِ رمضانَ الثَّاني، ويمكن تأييد ما ذكروه بأنه قال في "المختصر": "ومن صام متفرقاً أجزأه، ومتتابعاً أحب إلي" والاستدلال أنه أطلق القول باستحباب التتابع في القَضَاء، ولو كان أحد نوعيه على الفَوْرِ لكان التّتابع فيه وَاجِباً لا محبوباً.
وقوله في الكتاب: (وكذا القضاء إذا لم يكن على الفور).
قد عرفت مما سبق أنه يجب إعلامه بالواو، ثم فيه شَيْءٌ من جهة اللفظ وهو أن هذا الكلام معطوف على قوله: (أما صوم التطوع فلا يلزم بالشروع)، فيكون أن القضاء إذا لم يكن على الفور لا يلزم بالشروع أيضاً، وإنما كان يحسن هَذَا أن لو كان ما هو على الفور يلزم بالشروع، وليس كذلك؛ بل هو لازم من ابتدائه إلى انتهائه.
قال الغزالي: وَصَوْمُ التَّطُوُّع في السَّنَةِ صَوْمُ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاء وسِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ عِيدِ رَمَضَانَ، وَفي الشَّهْرِ الأَيَّام البيض وَفِي الأُسْبُوعِ الاثْنِيْنَ وَالخَمِيس، وَعَلَى الجُمْلَةِ صَوْمُ الدَّهْرِ مَسْنُونٌ بِشَرْطِ الإِفْطَارِ يَومَ العِيدَيْنِ وَأَيَّام التَّشْرِيق.
قال الرافعي: الأيام التي يستحب التطوع بصومها تنقسم إلى: ما يتكرر بتكرر السِّنين، إلى ما يتكرر بتكرر المشهور، وإلى ما يتكرر بتَكّرر الأسابيع.
أما القسم الأول: فمنه يَوْمُ عرفة، روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ
سَنَتَيْنِ" 1. وهذا الاستحباب في حق غير الحجيج.
فأما الحجيج فينبغي لهم أَلاَّ يَصُوموا، كي لا يَضْعُفُوا عن الدُّعاء وأعمالِ الحج، ولم يصمه النبي -صلى الله عليه وسلم- "عرفة"، وأطلق كَثِيرٌ من الأئمة كونه مكروهاً؛ لما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْم عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ" 2. فإن كان الشخص بحيث لا يضعف بسبب الصَّوْمِ فقد قال أبو سَعْدٍ المتولي الأول: أن يصوم حيازة للفَضِيلَتَينِ، ونسب غيره هذا إلى مذهَب أبي حنيفة -رحمه الله- وقال: الأولى عندنا ألا يَصُومَ بِحَالِ 3.
ومنه يوم عَاشُوراء روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَة" 4. ويوم عَاشُوراء هو العاشر من المحرم، وَيُسْتَحب أن يَصُومَ معه تَاسُوعاء، وهو التاسع منه، لِما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ، لأَصُومَنَّ الْيَوْمَ التَّاسِعَ" 5.
وفيه معنيان منقولان عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.
أحدهما: الاحتياط فإنه ربما يقع في الهِلاَل غلط 6، فيظن العَاشِر التَّاسع.
والثاني: مخالفة اليهود، فإنهم لا يصومون إلا يوماً واحداً، فعلى هذا لَوْ لَمْ يصم التاسع معه استحب أن يصوم الحَادِي عشر.
ومنه ستة أيام مِنْ شَوَّالٍ، يستحب صَوْمُها.
وبه قال أبو حنيفة، وأحمد -رحمهما الله-؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّال، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ" 7.
وعن مالك: أن صومَها مكروهٌ، والأفضل أن يصومها متتابعةً وعلى الاتصال، ليوم العيد مبادرة إلى العبادة، وإياه عني بقوله: (بعد عيد رمضان).
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أن الأفضل أن يفرقها في الشَّهر.
وأما القسم الثاني فمنه أيام البيض، وهي الثَّالِث عشر، والرابع عشر والخامس
عشر 1 لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "أوْصَى أَبَا ذَرَ رضِيَ الله عَنْهُ بِصِيَامِهَا" 2 وإنما يقال أيام البيض على الإضافة، لأن المعنى أيام الليالي البيض.
وأما القِسْم الثَّالث فمنه يوم الاثنين والخميس، روى أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمُهَما" 3. وروي أنه قال: "تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاثنين وَالْخَمِيس، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وأَنَا صَائِمٌ" 4.
ويكره 5 إفراد يوم الجمعة بالصَّوْمِ، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" 6. وكذا إفراد يوم السَّبْتِ، فإنه يوم اليَهُودِ، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ" 7.
وأما قوله: (على الجملة صوم الدهر مسنون).
فاعلم أن المسنون يطلق لمعنيين.
أحدهما: ما واظب عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا شك أن صَوْمَ الدَّهْرِ ليس مسنوناً بهذا المعنى.
والثاني: الندوب، وفي كون صَوْمِ الدَّهْرِ بهذه الصفة كَلاَم أيضاً، فإن صاحب "التهذيب" -رحمه الله- في آخرين أطلقوا القول بِكَوْنِهِ مكروهاً، واحتجوا بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لعبد الله بْنِ عمر -رضي الله عنهما- "وَلاَ صَامَ مَنْ صام الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلاثةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ" 1. وبما روي أَنَّه "نَهَى عَنِ صِيَامِ الدَّهْرِ" 2.
وفصَّل الأكثرون فقالوا: إن كان يخاف منه ضرراً أو يُفَوِّتُ به حقاً فيكره وإلا فَلاَ، وحملوا النَّهْيَ عَلَى الحالة الأولى، أو على ما إذا لم يفطر العيدين وأيام التشريق.
وقوله: شرط الإفطار يوم العيدين وأيام التشريق ليس المراد منه حقيقة الاشتراط، لأن إفطار هذه الأيام يخرج الموجود عن أن يكون صَوْم الدَّهر، وإذا كان كذلك لم يكن شرطاً لاستثنائه، فإن استنان صوم الدهر يستدعي تحققه، وإنما المراد منه أن صوم سوى هذه الأيام مسنون، -والله أعلم-.
ولو نذر صوم الدهر لزم، وكانت الأعياد وأيام التشريق مستثناة عنه، وكذلك شَهْر رمضَان، وقضاؤه إذا فرض فواته بعذر أو بغير عذر، وهل تجب الفدية لما أخل به من النذر بسبب القضاء؟ حكى أبو القَاسِم الكَرَخِي فيه جهين، والذي أجاب به صاحب "التهذيب" أنه لا فدية، ولو نذر صوماً آخر بعد هذا النَّذْرِ لم ينعقد، ولو لزمه صَوْم كفارة صام عنها، وفدى عن النَّذر، ولو أفطر يوماً من الدَّهْرِ فَلاَ سَبِيلَ إلى القَضَاءِ، ولا فدية إن كان بعذر وإلاّ فتجب الفدية.
ولو نذرت المرأة صوم الدهر، فللزوج مَنْعها، ولا قضاء ولا فدية، وإن أذن أو مات فلم تصم؛ لزمها الفدية 3، -والله أعلم-.