العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 101-139

وإن قلنا: بالأول يكبر 1، وفي التشهد وجهان: أصحهما: أنه لا يتشهد، قال في "التهذيب": والصحيح أنه يسلم سواء قلنا: يتشهد أو لا يتشهد، بقي هاهنا كلامان: أحدهما: البحث عن حد 2 طول الزمان، وفيه الخلاف الذي ذكرناه فيما إذا ترك ركناً ناسياً ثم تذكر بعد السلام أو شك فيه، والأصح الرجوع إلى العرف والعادة، وحاول إمام الحرمين ضبط العرف فقال: إذا مضى من الزمان قدر يغلب على الظن أنه أضرب عن السجود قصداً أو نسياناً فهذا فصل طويل، وإلا فليس ذلك بفصل.
قال: وهذا إذا لم يفارق المجلس فإن فارق ثم تذكر على قرب من الزمان فهذا محتمل عندي؛ لأن الزمان قريب لكن إذا نظرنا إلى العرف فمفارقة المجلس تغلب على الظن الإضراب عن السجود كطول الزمن، قال: ولو سلم وأحدث ثم انغمس في ماء على قرب الزمان فالظاهر أن الحدث فاصل وإن لم يطل الزمان.
واعلم: أنه قد نقل قول عن الشافعي -رضي الله عنه- أن الاعتبار بالمجلس فإن لم يفارقه سجد وإن طال الزمان، وإن فارقه لم يسجد وإن قرب الزمان، لكن الذي اعتمده الأصحاب الرجوع إلى العرف كما سبق وقالوا: لا تضر مفارقة المجلس واستدبار القبلة -والله أعلم-.
والثاني: أن لفظ الكتاب في المسألة وهو قوله: (وإن عن له أن يسجد عاد إلى الصلاة على أحد الوجهين) يمكن حمله على طريقة الجمهور بأن يقال: إنه يسجد ثم في عوده إلى الصلاة الوجهان، ولكنه لم يرد ذلك، وإنما أراد نقل الوجهين في أنه هل يسجد جرياً على طريقة الإمام كما قدمناها؟ إن قلنا: يسجد فهو عائد إلى الصَّلاَةِ وإلاَّ فَلاَ، وقد صرح بذلك في "الوسيط" وغيره هذا كله تفريع على قولنا إن السجود قبل = بسلامها الإمام كسائر الصلوات أم يسر ولا يجهر؟ واختلف عنه هل لهما تكبيرة إحرام أم لا؟ واختلف عنه هل يتشهد لهما إذا كانتا قبل السلام أم لا؟ وأشار القرطبي إلى ترجح القول باشتراط تكبيرة الإحرام إذا كانتا بعد السلام لكن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام وما يتحلل منه بسلام لا بد من تكبير يتحرم به كسائر الصلوات.
ومذهب أبي حنيفة أنه يتشهد بعد سجدتي السهو ثم يسلم، ولا يحتاج عندهم إلى تكبيرة إحرام.
وقال أحمد -رحمه الله-: متى سجد قبل السلام لم يحتج إلى تشهد وكان سلامه بعد السجود هو الذي يتحلل به من الصلاة ليس معلقاً بسجود السهو: وأما إذا سجد بعد السلام فإنه يتشهد بعده ثم يسلم ولم يذكر تكبيرة إحرام وأما أصحابنا فقالوا: إذا فرعنا على الصحيح المنصوص أن السجود مطلقاً قبل السلام فلا تشهد ولا تسليم قطعاً.
قاله في نظم الفرائد، (536 - 540).

السلام، أما إذا قلنا: إنه بعد السلام إما في السَّهْوِ بالزيادة أو على الإطلاق فينبغي أن يسجد على القرب، فإن طال الفصل عاد الخلاف، وإذا سجد فلا يحكم بالعود إلى الصلاة جَزْماً.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: يعود إليها، وهل يتحرم للسجدتين ويتشهد ويتحلل؟ قال في "النهاية": الحكم فيها كحكمها في سجدة التِّلاَوَةِ وسيأتي ذلك، ثم إذا رأينا التشهد فالمشهور أنه يتشهد بعهد السجدتين كما في سجود التِّلاوة يَتَشَهَّد بعده وعن الأستاذ أَبِي إِسْحَاق الإسْفِرَايِينِي 1 -رحمة الله عليه-: أنه يتشهد قبل السجدتين ليليهما السلام، وحكى الحناطي -رحمة الله عليه- على هذين المذهبين قولين، وروي في "البيان" الوجهين في التفريع على القول الأول إذا قلنا: إنه يتشهد 2. قال الغزالي: السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ: سَجْدَةُ التِّلاَوَةِ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ في أَرْبَعَ عَشَرَةَ آيَةَ (م و)

وَلاَ سَجْدَةَ فِي ص (ح م)، وَفِي الحَجِّ سَجْدَتَانِ (م) ثُمَّ هِيَ عَلَى القَارِئ وَالمُسْتَمِع جَمِيعاً، فَإِنْ سَجَدَ القَارِئُ تَأكَّدَ الاسْتِحْبَابُ عَلَى المُسْتَمِعِ، وإِنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ سَجَدَ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ إنْ سَجَدَ إِمَامُهُ، وَلاَ يَسْجُدُ (ح) لِقَرَاءَةِ غيْرِ الإِمَامِ، وَمَنْ قَرَأَ آيَةً فِي مَجْلِسٍ مَرَّتَيْنِ هَلْ تُشْرَعُ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.

القول في سجود التلاوة

قال الرافعىِ: الفصل يشتمل على مسائل: إحداها: سُجُودُ التِّلاَوَةِ سُنَّة، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال بوجوبها.
لنا: ما روي عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- "أَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سُورَةَ النَّجْم فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا وَلاَ أَمَرَهُ بالسُّجُودِ" 1. وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- "أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَر سُورَةَ السَّجْدَةِ فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الأُخْرَى قَرَأَهَا فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ عَلَى رسْلُكِمْ إِنَّ اللهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ" 2. الثانية: في عدد آيات السجدة قولان: "الجديد": أنها أربع عشرة آية، وفي القديم أسقط سجدات المفصل وردها إلى إحدى عشرة؛ لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ 3 واحتج في الجديد بما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ 4 " وكان إسلام أبي هريرة -رضي الله عنه- بعد الهجرة بسنين فرأى إثباته أَولى من النفي.
وأبو حَنِيفَةَ -رحمه الله- يوافق الجديد في العدد ومالك القديم إلا أنهما أثبتا سجدة لا نعدها ونفيا بدلها أخرى نحن نثبتها، أما الأولى فسجدة "ص" عندنا ليست من عزائم السجود، وإنما هي سجدة شكر خلافاً لهما.

لنا: ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "سَجَدَ فِي (ص) 1 وَقَالَ: سَجَدَهَا دَاودٌ تَوْبَةٌ وَسَجَدْتُهَا شُكْرًا" 2. أي: على النعمة التي أتاها الله تعالى داود وهي قبول توبته.
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه-: أنَّهُ كانَ لاَ يَسْجُدُ فِي (ص)، إذا ثبت هذا فلو سجد فيها خارج الصلاة فهو حسن 3، ولو سجد في الصلاة جاهلاً أو ناسياً لم يضر وإن كان عالماً فوجهان: أحدهما: وبه قال ابن كج: لا تبطل طلاته؛ لأن سببه التلاوة.
وأصحهما: تبطل كسجود الشكر، ولو سجد إمامه في "ص" لأنه ممن يراها فلا يتابعه المأموم فيها بل يفارقه أو ينتظره قائماً، وإذا انتظره قائماً هل يسجد للسَّهْوِ؟ فيه وجهان 4: وأما الثاني: ففي الحج عندنا سجدتان خلافاً لهما في الثانية.
لنا: ما روي عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: "قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتيْنِ قَالَ نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلاَ يَقْرَأْهُمَا" 5، وسار ابن سريج إلى إثبات سجدة "ص" والثانية في الحج معاً وجعل آيات السجود خمس عشرة.
لما روي عن عمرو بن العاص أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أقَرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ مِنْهَا ثَلاَثٌ فِي الْمُفَصِّلِ وَفِي الْحَجِّ سَجْدَتَانِ" 6 وعن أحمد روايتان.
إحداهما: مثل مذهب ابن سريج.
وأصحهما: مثل القول الجديد، وإذا وقفت على هذه الاختلافات علمت قوله:

"وهي مستحبة" بالحاء، وقوله في "أربع عشرة آية" بالواو للقول القديم ولمذهب ابن سريج، وقوله: "ولا سجدة في ص" بالميم والحاء والألف والواو، وقوله: "في الحج سجدتان" بالميم والحاء، ثم مواضع السجود من الآيات بينة لا خلاف فيها إلا في "حم" السجدة ففي موضع السجود فيها وجهان: أحدهما: أنه عند قوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ 1 ويروى هذا عن أبي حنيفة وأحمد.
وأصحهما: أنه عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، لأن عنده يتم الكلام.
الثالثة: كما يسن السجود للقارئ يسن للمستمع إليه.
لما: روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- "قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فإِذَا مَرَّ بِسَجْدَةٍ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ".
ولا فرق بين أن يكون القارئ في الصلاة أو لا يكون كذلك، ذكره في "التهذيب" وبه قال أبو حنيفة، وحكى في "البيان" أنه لا يسجد المستمع بقراءة من في الصلاة وأقام هذه المسألة خلافية بيننا وبين أبي حنيفة والأول أظهر وأوفق لإطلاق لفظ الكتاب، وكذلك ظاهر اللفظ يشتمل قراءة الصبي والمحدث 2 والكافر ويقتضي شرعية السجود للمستمع إلى قراءتهم وبه قال أبو حنيفة.
وقال في "البيان" لا اعتبار بقراءتهم خلافاً له، وأما الذي لا يستمع قصداً ولكنه سمع ما رأى فقد حكي عن "مختصر البويطي" أن الشافعي -رضي الله عنه- قال: لا أؤكد عليه كما أؤكد على المستمع وإن سجد فحسن.
وعند أبي حنيفة: لا فرق بينه وبين المستمع والقارئ، ونقل مثله عن بعض أصحابنا لكنه يقول باللزوم ونحن بالاستحباب.
ودليل الفرق ما روي عن عثمان -رضي الله عنه- "أَنَّهُ مَرَّ بِقَاص فَقرَأَ آيَةِ السَّجْدَةِ ليَسْجُدَ عُثْمَانُ -رضي الله عنه- مَعَهُ فَلَمْ يَسْجُدْ وَقَالَ: مَا اسْتَمَعْنَا لَهَا" 3 وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "السَّجْدَةُ لِمَنْ جَلَسَ لَهَا" 4. وذكر في "النهاية" أن السامع لا يسجد؛ لأنه لم يقرأ ولا قصد الاستماع، فلو

سجد لكانت سجدته منقطعة عن سبب ينشئه 1 فحصل في السامع ثلاثة أوجه كما يرى، وإذا سجد القارئ فيكون الاستحباب في حق المستمع آكد وإن كِان أصل الاستحباب لا يتوقف على سجوده، هذا ما ذكره أكثر الأئمة من العراقيين وغيرهم، وحكاه إمام الحرمين عن نصه في البويطي، ونقل الصيدلاني؛ أنه لا يسن له السجود إلا أن يسجد القارئ، ورجح الإمام هذا الوجه واستشهد عليه بما روي "أَنَّ رَجُلاً قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- السَّجْدَةَ فَسَجَدَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ قَرَأَ آخَرُ عِنْدَهُ السَّجْدَةَ فَلَمْ يَسْجُدْ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: سَجَدْتَ لِقِرَاءَةِ فُلاَنٍ وَلَمْ تَسْجُدْ لِقِرَاءَتِي فَقَالَ: كُنْتَ إِمَامَنَا فَلَوْ سَجَدْتَ لَسَجَدْنَا" 2. وحمل الأول 3 ذلك على تفاوت الاستحباب، وحث الثاني على السجود وهذا في غير الصلاة، أما المصلي فإن كان منفرداً سجد لقراءة نفسه، فلو لم يسجد وركع ثم بدا له أن يسجد لم يجز؛ لأنه اشتغل بالفرض فإن كان قبل بلوغه حد الراكعين فيجوز، ولو هوى بسجود التلاوة ثم بدا له فرجع جاز؛ لأنه مسنون فله ألا يتمه كما له أن لا يشرع فيه، وهكذا لو قعد للتشهد الأول وقرأ بعضه ولم يتم جاز، ولو أصغى المنفرد إلى قراءة قارئ في الصلاة أو في غير الصلاة فلا يسجد؛ لأنه ممنوع من الإِصغاء، ولو فعل بطلت صلاته، هذا قضية كلام الأصحاب، وإن كان المصلي في جماعة نظر إن كان إماماً فهو كالمنفرد فيما ذكرنا، ولا يكره له قراءة آية السجدة في الصَّلاة خلافاً لمالك حيث قال: يكره.
ولأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: يكره في السَّرِّيَةِ دون الجَهْرِيَّةِ.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "سَجَدَ فِي الظُّهْرِ فَرَأَى أَصْحَابُهُ أَنَّهُ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فَسَجَدُوا" 4. وإذا سجد الإمام سجد المأموم فلو لم يفعل بطلت صلاته، ولو لم يسجد الإمام لم يسجد المأموم، ولو فعل بطلت صلاته، ويحسن القضاء إذا فرغ ولا يتأكد، ولو سجد الإمام ولم ينتبه المأموم حتى رفع الإمام رأسه من السجود لم يسجد، وإن علم وهو بَعْدُ في السجود سجد، وإن كان في الهَوِيِّ ورفع الإِمَام رأسه رجع معه ولم يسجد، وكذا الضعيف الذي أهوى مع الإمام لسجود التلاوة فرفع الإمام رأسه قبل انتهائه إلى الأرض لبطء حركته يرجع معه ولا يسجد، وإن كان المصلي مأموماً لم

يسجد لقراءة نفسه، بل يكره له قراءة آية السجدة، ولا يسجد لقراءة غير الإمام بل يكره له الإصغاء إليها، ولو سجد لقراءة نفسه أو لقراءة غيره بطلت صلاته.
وقوله في الكتاب: (هي على القارئ والمستمع) ليس (على) هاهنا للإيجاب، وإنما المراد تأكد الاستحباب وكثيراً ما يتكرر ذلك في كلام الأصحاب في هذه السجدة وسجدة السهو، والمراد ما ذكرنا، وقد يستعملون لفظ الوجوب واللزوم أيضاً.
وقوله: (فإن سجد القارئ تأكد الأستحباب على المستمع) إشارة إلى أن أصل الاستحباب ثابت وإن لم يسجد القارئ جواباً على الأظهر المنصوص، ويجوز أن يعلم بالواو؛ لأن من قال: لا يسن للمستمع السجود إلا إذا سجد القارئ لا يقول بتأكد الاستحباب عند عدم سجوده، وإنما يثبته عنده.
وقوله: (ولا يسجد لقراءة نفسه ولا لقراءة غير الإمام) هكذا هو في بعض النسخ، وهو عبارة "الوسيط" وعلى هذا فالمراد ولا يسجد المأموم وهو متعلق بقوله: (أو لقراءة إمامه إن سجد إمامه) ولفظ الكتاب على هذا التقدير ساكت عن حكم الإمام، ولا بأس به للعلم بأن الإمام كالمنفرد في هذا الباب وأمثاله، وفي بعض النسخ: "ولا يسجد لقراءة غير الإمام" وطرح ما سواه، وعلى هذا فالمفهوم من سياق الكلام رجوعه إلى المأموم أيضاً، وسبب الطرح أنا إذا قلنا: ولا يسجد لقراءة غير الإمام دخل فيه نفسه أيضاً، وذكر بعضهم أن المصنف أراد: ولا يسجد المصلي لقراءة غير الإمام.
واعلم قوله: (ولا يسجد) بالحاء على هذا التأويل؛ لأنا نعني بقولنا: لا يسجد: أنه لا يجوز له السجود ولو فعله بطلت صلاته.
وعند أبي حنيفة: لو سجد الإمام والمقتدون لقراءة غيرهم لم تبطل صلاتهم وإن كان لا يجزئهم ذلك، ويسجدون بعد الصلاة، ذكره القدوري وغيره.
الرابعة: لو قرأ آيات السجدة في مكان واحدٍ سجد لكل واحدة سجدة، ولو كرر الآية الواحدة في المجلس الواحد فينظر إن لم يسجد للمرَّة الأولى فيكفيه سجود واحد، وإن سجد للأولى فوجهان: أحدهما: لا يسنجد مرة أخرى، وتكفيه الأولى كما في الصورة السابقة، وبه قال أبو حنيفة وابن سريج.
وأظهرهما: أنه يستحب مرة أخرى لتجدد السبب بعد توفية حكم الأول، وفي المسألة وجه ثالث أنه إن طال الفصل سجد مرة أخرى، إلا فتكفيه السجدة الأولى.
قال في "العدة" وعليه الفتوى.
ولو كرر الآية الواحدة في الصَّلاَةَ فإن كان في الركعة الواحدة فهي كالمجلس

الواحد، وإن كان في ركعتين فيهما كالمجلسين فيعيد السجود، ذكره الصيدلاني وغيره.
ولو قرأ مرة في الصلاة ومرة خارج الصلاة في المجلس الواحد وسجد في الأولى فهذا لم أره منصوصاً عليه في كتب الأصحاب وإطلاقها لخلاف التكرار يقتضي طرده هاهنا، وعند أبي حنيفة: إذا سجد خارج الصلاة 1 لقراءة آية ثم أعادها في الصلاة أعاد السجدة ولم تجزه الأولى بخلاف ما لو لم يسجد حتى دخل في الصلاة وأعادها فإنه يسجد وتجزئه عن التِّلاَوَتَيْنِ.
واعلم أن في قوله: (هل تشرع السجدة الثانية؟) إشارة إلى أن صورة الوجهين ما إذا كان قد سبق في المَرَّة الأولى، وإلا لم تكن سجدته سجدة ثانية والله أعلم.
قال الغزالي: ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنَّ هذِهِ سَجْدَةٌ فَرْدَةٌ وَإِنْ كانَتْ تَفْتَقِرُ إِلَى سَائرِ شَرَائِطِ الصَّلاَةِ، وَيُسْتَحَبُّ قَبْلَهَا تَكْبِيرَةُ مَعَ رَفْعِ اليَدَيْنِ إِنْ كَانَ فِي غَيْر الصَّلاَةِ وَدُونَ الرَّفْعِ إِنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ، وَقيلَ: يَجِبُ التَّحْرُّمُ وَالتَّحَللُ وَالتَّشَهُّدُ، وَقِيلَ يَجِبُ التَّحَرمُ وَالتَّحَلُّلُ دُونَ التَّشَهُّدِ، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ إِلاَّ التَّحَرُّمُ.
قال الرافعي: الكلام في كيفية سجود التلاوة، وشرائطه، ولا خلاف في افتقاره إلى شروط الصلاة كطهارة الحدث، والخبث، وستر العورة، واستقبال القبلة، وغيرها كما في الصلاة.
وأما الكيفية فهو: إما أن يكون في الصلاة أو خارج الصَّلاة، فإن كان خارج الصَّلاة فينوي ويكبر للافتتاح لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إِذَا مَرَّ فِي قِرَاءَتِه بِالسُّجُودِ كَبَّرَ وَسَجَدَ" ويرفع يديه حذو منكبيه في هذه التكبيرة كما يفعل ذلك في تكبيرة الافتتاح في الصلاة، ثم يكبر تكبيرة أخرى لِلْهَوِيِّ من غير رفع اليدين كما في الْهَوِيِّ إلى السُّجُودِ الذي هو من صُلْبِ الصلاة ثم تكبير الهوي مستحب وليس بشرط، وفي تكبير الافتتاح وجهان: أحدهما: وهو الذي ذكره الشيخ أبو محمد واختاره صاحب الكتاب أنه مستحب أيضاً وليس بشرط.
والثاني: أنه شرط وهو قضية كلام الأكثرين فإنهم أطبقوا على الاحتجاج لأحد القولين في السلام بأن السجود يفتقر إلى الإحرام فيفتقر إلى السلام، وسيأتي ذلك، وحكى الشيخ أبو حامد وغيره عن أبي جعفر الترمذي من أصحابنا: أنه لا يكبر تكبيرة

الافتتاح لا وجوباً ولا استحباباً؛ لأن سجود التلاوة ليس صلاة بانفراد حتى يكون له تحرم، والمستحب أن يقوم ويكبر وينوي قائماً ثم يهوي من قيام، وروي ذلك عن فعل الشيخ أبي محمد وعن القاضي الحسين وغيرهما 1. ويستحب أن يقول في سجوده "سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ" لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَقُولُ ذلِكَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ" 2 ويستحب أيضاً أن يقول: "اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْراً وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْراً وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْراً وَاقْبَلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَ مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ"؛ لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "قَالَ ذلِكَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ" 3. ولو قال ما يقوله في سجود صلاته جاز.
ثم يرفع رأسه مكبراً كما يرفع عن سجود صُلْب الصَّلاة، وهل يفتقر إلى السَّلام؟ فيه قولان: أحدهما: لا، كما لو سجد في الصَّلاة.
وأظهرهما: نعم؛ لأنه يفتقر إلى الإحرام فيفتقر إلى التحلل كالصلاة، وعلى هذا هل يفتقر إلى التشهد؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه سجود يفتقر إلى الإحرام والسلام فيفتقر إلى التشهد كسجود الصلاة.
وأصحهما: لا؛ لأن التشهد في مقابلة القيام، ولا قيام فيه بل القيام أولى بالرعاية بدليل صلاة الجنازة فكما لم يشترط ذلك فأولى أن لا يشترط التشهد، ومن الأصحاب من يجمع بين التشهد والسَّلام وبقول: فيهما ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا حاجة إليهما، وهو ظاهر ما نقل عن البويطي.
وثانيها: أنه لا بد منهما.
وثالثها، -وهو الأظهر- أنه لا بد من السَّلاَم دون التشهد، وبهذا قال ابن سريج

وأبو إسحاق، وإذا قلنا: إن التشهد ليس بشرط فهل يستحب؟ ذكر في "النهاية" أن للأصحاب خلافاً فيه هذا كيفية السجود خارج الصلاة، وأما في الصلاة فلا يكبر للافتتاح، ولكن يستحب له التكبير للهوي إلى السجود من غير رفع اليدين، وكذلك يكبر عند رفع الرأس كما يفعل في سجدات الصَّلاَة، وعن أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يكبر لا عند الهَوِيّ ولا عند رفع الرأس كيلا تشتبه هذه السجدة بسجدات الصلاة، ولا فرق في الذكر بين ما لو سجد في الصلاة أو خارجها، وإذا رفع الرأس يقوم منها ولا يجلس للاستراحة ويسن أن يقرأ شيئاً ثم يركع ولا بد من أن ينتصب ثم يرفع فإن الهَوِيّ من القيام واجب كما تقدم.
ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
قوله: "والصحيح أن هذه سجدة فردة" يريد بالفردة أنها لا تفتقر إلى تحرم وتحلل، ولا يريد أنها واحدة لا كسجدتي السَّهْو لأنه قال: "والصحيح" ولا خلاف في أنها واحدة، وعن أحمد أنه يكبر لِلْهَوِيِّ والرفع ويسلم؛ فإن أراد به الاشتراط فليكن قوله: (فردة) معلماً بالألف.
وقوله: (وإن كانت تفتقر إلى سائر شرائط الصلاة) تشتمل على بيان مسألة مقصودة وهي أن شرائط الصلاة مرعِيَّة في سجدة التلاوة، وأشار بالإيراد الذي ذكره إلى أنها وإن كانت كالصَّلاة في اعتبار الشروط لكنها تفارقها في الحاجة إلى التحلل والتحرم على هذا الوجه، ثم الذي يوجد في معظم النسخ وإن كانت تفتقر إلى سائر شرائط الصلاة، وحذف لفظ (سائر) وكأنه حمله عليه اشتهار لفظ السائر في البعض الباقي من الشيء وشرائط الصلاة بأسرها معتبرة في سجدة التلاوة ولم يجز ذكر البعض حتى يضم الباقي إليه بلفظ السائر إلا أن إطلاق السائر بمعنى الجميع صحيح، قال صاحب "الصحاح": وسائر النَّاس جميعهم فإذا المعنى: وإن كانت تفتقر إلى جميع شرائط الصلاة ولا حاجة إلى الحذف.
واعلم أن النية عند صاحب الكتاب معدودة من شرائط الصلاة كما سبق، والتكبير وحده يقع عليه اسم التحريم، والتحريم قال -صلى الله عليه وسلم-: "وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ" وإذا كان كذلك فظاهر اللَّفْظِ يَقْتَضِي اشتراط النّية على الوجه الذي عبر عنه بالصحيح وإن لم يشترط التكبير لكنه في "الوسيط" أخرج النية عن الاعتبار في هذا الوجه وعلى هذا فالنية تكون مستثناة عن قوله: (وإن كانت تفتقر إلى سائر الشرائط)، ويكون التحرم مفسراً بالنية والتكبير معاً إذ بهما تشرع في الصلاة.
وأما قوله: "ويستحب قبلها تكبيرة... " إلى آخره فهو تفريع على هذا الوجه الذي

يقول إنها سجدة فردة لا يشترط فيها التكبير ولا غيره، وقوله: (تكبيرة) يُوهِمُ قصر الاستحباب على تكبيرة واحدة، لكنا ذكرنا استحباب تكبيرتين وإن قلنا بعدم الاشتراط إحداهما للافتتاح والأخرى لِلْهَوِيِّ، وهكذا ذكر جمهور الأصحاب فلا يتوهم قصر الاستحباب على واحدة إذا كان يسجد خارج الصَّلاَة، واعلم عند هذا أنه لا يمكن حمل التكبيرة التي جرت في لفظ الكتاب على تكبيرة الافتتاح بخصوصها؛ لأنه لا تكبيرة للافتتاح إذا كان يسجد في الصَّلاَة، وهو قد جعلها شاملة حيث قال: "ودون الرفع إن كان في الصلاة" ولا يمكن حملها على تكبيرة الهَوِيّ بخصوصها؛ لأنه قد استحب الرفع معها، ولا يستحب رفع اليد مع تكبيرة الهَوِيِّ بحَالٍ، الوجه أن يحمل كلامه على تكبيرة مطلقة، ويقال بأن تكبيرة مستحبة في الصَّلاَة وغير الصلاة ثم في غير الصلاة الأهم تكبيرة الافتتاح، ويستحب معها رفع اليدين، وفي الصلاة لا يفرض إلا تكبيرة الهَوِيّ وليس معها رفع اليد، فهذا تنزيل لفظ الكتاب مع التكلف الذي فيه على ما ذكره الجمهور منهم أصحابنا العراقيون، والصيدلاني وصاحب "التهذيب"، والقاضي الروياني -رحمهم الله- وغيرهم، والمفهوم من كلامه هاهنا وفي "الوسيط" أنه ليس إلا تكبيرة واحدة، وهي للتحرم خارج الصلاة، ولِلْهَوِيِّ في الصلاة، وبه يشعر كلام إمام الحرمين -قدس الله روحه- وعلى هذا فليكن قوله: (ويستحب قبلها تكبيرة) معلماً بالواو للوجه الذي تقدم عن الترمذي، وفي "الوسيط" إشارة إليه.
وقوله: (مع رفع اليدين) معلم بالحاء، لأن عنده لا يرفع يديه.
واعلم قوله: (ودون الرفع إن كان في الصلاة) بالواو؛ لأنه قال في "الوسيط": ولا يستحب رفع اليدين في الصلاة.
وقال العراقيون: يستحب رفع اليدين؛ لأنه يكبر للتحرم، لكن هذا شيء بدع حكم وعلة ولا يكاد يوجد نقله لغيره، ولا ذكر له في كتبهم.
وقوله: "قيل يجب التحرم والتحلل... " إلى رأس الفرع، هذه الوجوه هي المقابلة للصحيح المذكور أولاً كأنه قال: في أقل سجدة التلاوة أربعة أوجه: أحدها: أن الأقل سجدة واجباتها في صلب الصلاة لا غير.
والثاني: سجدة مع التحرم والتحلل والتشهد.
والثالث: مع التحرم والتحلل لا غيره.
والرابع: مع التحرم لا غير وجعل أولها الأصح، وهو متأيد بما حكي عن الشافعي -رضي الله عنه- أنه قال: وأقله سجدة بلا شروع ولا سلام، والظاهر عند الأكثرين اعتبار التحرم والتحلل كما سبق وهو الوجه الثالث، ثم الخلاف في السلام

قولان عند أكثر الناقلين وفي التشهد [قولان] 1 فقوله: (قيل) في هذا الموضع محمول على القول تارة وعلى الوجه أخرى، وتعجب بعض الشَّارحين من لفظ الوجوب في هذه الوجوه، واستحسن إبداله بالاشتراط والاعتبار؛ لأن أصل السجدة لا تجب فكيف يقول: يجب فيها كذا وكذا، ولا شك أن المراد الاشتراط لكن لا حاجة إلى تغيير اللفظ؛ لأن الوجوب في مثل هذا الموضع معهود بمعنى أن الشيء لا بد منه، يقال الوضوء وستر العورة واجبان في صلاة النفل أي لا بد منهما.
قال الغزالي: فَرْعٌ: الأَصَّحُّ أَنَّ هذِهِ السَّجْدَةَ إِذَا فاتَتْ وَطَالَ الفَصْلُ لاَ تُقْضَى، لأِنَّهُ لاَ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِسَجْدَةِ ابتِدَاءً كَصَلاَةِ الكُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاء بِخِلاَفِ النَّوَافِلِ الرَّوَاتِبِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ بِهَا ابْتِدَاءً.
قال الرافعي: سجدة التلاوة ينبغي أن تقع عقيب قراءة الآية أو استماعها، فلو تأخر نظر إن لم يطل الفصل سجد، وإن طال فلا، وضبط الفرق بين أن يطول الفصل أو لا يطول يؤخذ مما ذكرناه في سجود السهو، ولم يجعل إمام الحرمين لمفارقة المجلس أثراً هاهنا مع التردد في تأثيره في باب سجود السهو كما حكيناه عنه ولا يتضح فرق بينهما.
إذا عرفت ذلك فلو فاتت السجدة لطول الفصل هل تقضى؟ ذكر في "النهاية": أن صاحب التقريب حكى فيه قولين وقربهما من الخلاف في أن نوافل الصلاة هل تقضى على ما سيأتي؟ لكن الأصح أن السجدة لا تقضى ولم يذكر الصيدلاني وآخرون سواه؛ لأن النوافل المقضية هي التي تتعلق بالأوقات، أما التي تتعلق بأسباب عارضة كصلاة الخسوف والاستسقاء فلا تقضى والسجود كذلك، ولو كان القارئ والمستمع محدثاً عند التلاوة فإن تطهر على القرب سجد وإلا فالقضاء على الخلاف، [وعن صاحب "التقريب": أنه لو كان يصلي فقرأ قارئ آية السجدة فإذا فرغ هل يقضي؟ فيه هذا الخلاف] 2. قال الإمام: وهذا فيه نظر؛ لأن قراءة غير إمامه في الصلاة لا تقضي سجوده وإذا لم يجر ما يقتضي السجود أداء فالقضاء بعيد، وقطع صاحب "المعتمد" وغيره بأنه لا يسجد كما ذكره إمام الحرمين، وجعلوا هذه المسألة خلافية بيننا وبين أبي حنيفة، وذكر في "التهذيب" أنه يحسن أن يقضي ولا يتأكد كما يجيب المؤذن إذا فرغ من الصلاة 3 وكذا إذا

قرأ الإمام ولم يسجد فإذا فرغ المأموم من الصلاة يحسن أن يقضي ولا يتأكد.
والله أعلم.
وفي الفصل مسألة أخرى وهي: أنه لو خضع الرجل لله تعالى فتقرب إليه بسجدة ابتداء من غير سبب هل يجوز ذلك؟ فيه وجهان عن صاحب "التقريب": أنه يجوز ذلك، وعن الشيخ أبي محمد أنه لا يجوز، كما لا يجوز التقرب بركوع مفرد ونحوه، والعبادات يتبع فيها الورود، وهذا هو الصحيح عند إمام الحرمين والمصنف وغيرهما، وقوله في الكتاب: (إذا فاتت وطال الفصل) ليس على معنى طول الفصل شيء مضموم إلى الفوات وقيد فيه (وإنما هو سبب الفوات) والمراد إذا فاتت لطول الفصل.
وقوله: (لا يقضي) معلم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة يجب على القارئ المحدث والمستمع القضاء بعد الطهارة، وسلم أن الحائض إذا استمعت لا قضاء عليها، وأن المصلي إذا قرأ السجدة ولم يسجد حتى سلم لا يقضي.
وقوله: (لأنه لا يتقرب إلى الله تعالى بسجدة ابتداء) لعلك تقول: لم علل منع القضاء بأنه لا يتقرب بها إلى الله تعالى فاعلم أنه حكي عن صاحب "التقريب" أنه جعل ذلك ضابطاً لما لا يقضي جزماً، ولما يجري الخلاف في قضائه فقال: ما لا يجوز التطوع به ابتداء لا يجوز فرض قضائه كصلاة الخسوف والاستسقاء، وما يجوز التطوع به ابتداء كالنوافل والرواتب ففي قضائه خلاف، ثم إنه جوز التقرب إلى الله تعالى بسجدة ابتداء كما سبق فأجرى الخلاف في قضائها؛ لذلك إذا عرفت هذا فالمصنف بين أن هذه السجدات لا يتقرب بها إلى الله تعالى ابتداء، ورتب عليه المنع من القضاء = سجد المستمع مع القارئ لا يرتبط به ولا ينوي الاقتداء به وله الرفع من السجود قبله، ولو أراد أن يقرأ آية أو آيتين فيهما سجدة ليسجد، فلم أر فيه كلاماً لأصحابنا.
وفي كراهته خلاف للسلف أوضحته في كتابا "آداب القرآن" ومقتضى مذهبنا: أنه إن وإن في غير الوقت المنهي عن الصلاة فيه في غير الصلاة لم يكره، وإن كان في الصلاة أو في وقت كراهتها ففيه الوجهان، فيمن دخل المسجد في هذه الأوقات لا لغرض سوى صلاة التحية، والأصح: أنه يكره له الصلاة.
هذا إذا لم يتعلق بالقراءة المذكورة غرض سوى السجود، فإن تعلق، فلا كراهة مطلقاً، قطعاً ولو قرأ آية سجدة في الصلاة فلم يسجد وَسَلَّمَ يستحب أن يسجد ما لم يطل الفصل، فإن طال ففيه الخلاف المتقدم، ولو سجد للتلاوة قبل بلوغ السجدة ولو بحرف، لم يصح سجوده.
ولو قرأ بعد السجد آيات، ثم سجد، جاز ما لم يطل الفصل.
ولو قرأ سجدة، فسجد فقرأ في سجوده سجدة أخرى لا يسجد.
قال صاحب "البحر": إذا قرأ الإمام السجدة في صلاة سرية استحب تأخير السجود إلى فراغه من الصلاة، قال: وقد استحب أصحابنا للخطيب إذا قرأ سجدة أن يترك السجود لما فيه من النزول عن المنبر والصعود قال: ولو قرأ السجدة في صلاة الجنازة لم يسجد فيها.
وهل يسجد بعد الفراغ؟ وجهان.
أصحهما: لا يسجد.
وأصلهما أن القراءة التي لا تشرع هل يسجد لتلاوتها؟ وجهان.
الروضة (1/ 425، 426).

كصلاة الخسوف؛ لأنه لو قضى من غير تلاوة كان المأتي به على صورة سجدة لا سبب لها والأشبه بإيراده إثبات طريقة جازمة بأن هذه السجدات لا تقضى كصلاة الخسوف والاستسقاء بخلاف الرواتب في قضائها قولان؛ لأنه يتقرب بها إلى الله تعالى ابتداء ولا يتقرب بهذه، وعلى هذا قوله: (الأصح أن هذه السجدات) أي من الطريقين، وقوله: (وقيل يتقرب بها إلى الله تعالى) ابتداء إشارة إلى الطريق الثاني، أي إذا كانت كذلك جرى فيها الخلاف كما في الرواتب.
قال الغزالي: السَّجْدَةُ الثَّالِثَةُ: سَجْدَةُ (ح) الشُّكْرِ وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ هُجُومِ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ بَلِيَّةٍ لاَ عِنْدَ اسْتِمرَارِ نِعْمَةٍ، وَيُسْتَحَبُّ السُّجُودُ بَيْنَ يَدَي الفَاسِقِ شُكْراً عَلَى دَفْعِ المَعْصِيَةِ وَتَنْبِيهًا لَهُ، وَإِنْ سَجَدَ إِذَا رَأَى المُبْتَلَى فَلْيَكْتُمْهُ كَيْلاَ يَتَأذَّى.

القول في سجود الشكر

: قال الرافعي: سجدة الشكر سُّنة خلافاً لمالك حيث قال: هي مكروهة، وبه قال أبو حنيفة في رواية وقال في رواية: لا أعرفها.
لنا ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "رَأَى رَجُلاً نُغَاشِيًّا فَسَجَدَ شُكْراً لِلَّهِ تَعَالَى" 1. وعن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "سَجَدَ فَأطَالَ فَلَمَّا رَفَعَ قِيلَ لَهُ فِي ذلِكَ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْراً فَسَجَدْتُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالى" 2. وليس تسن سجدة الشُّكْرِ عند استمرار النعم، وإنما تسن عند مفاجأة نعمة أو اندفاع بَلِيَّة من حيث لا يحتسب، وكذا إذا رأى مبتلي ببلية أو بمعصية 3 فيستحب أن يسجد شكراً لله تعالى، ثم إذا سجد لنعمة أصابته أو بلية اندفعت عنه لا تعلق لها بالغير أظهر السجود، وإن كان لبلاء في غيره نظر إن لم يكن ذلك المغير معذوراً فيه كالفاسق

فيظهر السجود بين يديه تعييراً له فربما ينزجر ويتوب، وإن كان معذوراً كمن به زمانة ونحوها فيخفى كيلا يتأذى، وكيلا يتخاصما.
وسجود الشكر يفتقر إلى شرائط الصلاة كسجود التلاوة، وكيفيته ككيفية سجود التلاوة خارج الصلاة، ولا يجوز سجود الشكر في الصَّلاة بخلاف سجود التلاوة فإنه يتبع التلاوة، والتلاوة تتعلق بالصلاة 1. قال الغزالي: وَهَلْ يُؤَدِّي سُجُودَ التِّلاَوَةِ وَالشُّكْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: سجود الشكر هل يقام على الراحلة: حكى في "النهاية" فيه وجهين وشبههما بالخلاف في أن صلاة الجنازة هل تقام على الراحلة؟ من حيث أن إقامة السجود على الراحلة بالإيماء يبطل ركنه الأظهر وهو تمكين الجبهة من موضع السجود كما إن إقامة صلاة الجنازة عليها يبطل ركنها الأظهر وهو القيام.
قال: والخلاف فيهما كالخلاف في أن القادر على القيام والقعود هل يتنفل مضطجعاً مومياً أم لا، وسجود التلاوة في النافلة المقامة على الراحلة يجوز بلا خلاف تبعاً للنافلة كسجود السهو فيها، وأما خارج الصَّلاَةِ ففيه الوجهان المذكوران في سَجود الشُّكْرِ، ولفظ الكتاب وإن كان مطلقاً لكن المراد ما إذا كان خارج الصلاة، ثم الأظهر من الوجهين عند الأئمة أنه يجوز أداؤها على الراحلة بالإيماء وليس في "التهذيب" و"العدة" ذكر لغيره.
فإن قلت: ذكرتم في صلاة الجنازة أن الأظهر المنع من أدائها على الراحلة فلم كان الأظهر الجواز هاهنا إن كان الخلاف كالخلاف؟ قلنا: يجوز أن يفرق بينهما بأن صلاة الجنازة تندر فلا يشق فيها تكليف النزول وأيضاً فاحترام الميت يقتضي ذلك، وسجدة التلاوة والشكر يكثران، فلو كلفناه النزول لشق، والخلاف فيما إذا كان يقتصر على الإيماء، فلو كان في مرقد وأتم السجود جاز، وأما الماشي فيسجد على الأرض على الظاهر، كما سبق في السجود الذي هو من صلب الصلاة.
قال الغزالي: الْبَابُ السَّابعُ فهي صلاَةِ التَّطَوُّعِ وَفِيهِ فصْلاَنِ الأَوَّلُ فِي الرَّواتِبِ وَهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العْشَاءِ، وَالوَتْرُ رُكْعَةٌ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَرَكْعَتَين بَعْدَ الظُّهْرِ فَصَارَ سَبْعَ عَشْرَةَ.

القول في صلاة التطوع

قال الرافعي: اختلف اصطلاح الأصحاب في تطوع الصلاة فمنهم من يفسره بما لم يرد فيه مخصوص نقل وينشئه الإنسان باختياره، وهؤلاء قالوا: ما عدا الفرائض ثلاثة أقسام: سنن وهي التي واظب عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ومستحبات: وهي التي فعلها أحياناً ولم يواظب عليها.
وتطوعات وهي التي ذكرنا، ومنهم من يرادف بين لفظتي النافلة والتطوع، ويطلقهما على جميع ما سوى الفرائض 1، وبهذا الاصطلاح ترجم صاحب الكتاب الباب، واختلف اصطلاحهم في الرواتب أيضاً، فمنهم من قال: هي النوافل المؤقتة بوقت مخصوص، وعد منها التراويح، وصلاة العيدين، وصلاة الضُّحَى، ومنهم من قال: هي السُّنَنُ التابعة للفرائض، وبهذا الاصطلاح يتكلم صاحب الكتاب.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن ما سوى الفرائض من الصلوات قسمان: ما تسن فيه الجماعة كصلاة العيدين، والكسوفين، والاستسقاء ولها أبواب مفردة مذكورة بعد هذا، وما لا تسن فيه الجماعة، وينقسم إلى الرواتب وغيرها، وغرض الفصل الأول من الباب: الكلام [في الرَّوَاتِب، وغرض الثاني: الكلام] 2 في مَرَاتِب النوافِلِ، وبعض أحكامها: أما الأول فالرواتب ضربان: الوِتْرُ، وَغَيْرُ الوِتْرِ.
أما غير الوتر فقد اختلف الأصحاب في عدده.
قال الأكثرون: عشر ركعات: ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظُّهْرِ، وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء؛ لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "صليت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِب فِي بَيْتِه، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ في بَيْتِهِ، وحدثتني حفصة -رضي الله عنها- أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ حِينَ يَطْلُعُ الفَجْرُ" 3.

قال في "العدة" وهذا ظاهر المذهب، ومنهم من نقص ركعتي العشاء، يحكى هذا عن نصه في البويطي، وبه قال الخُضَرِيُّ فيما حكاه صاحب "النهاية" وغيره.
ومنهم من زاد على العشر ركعتين قبل الظهر مضمومتين إلى الركعتين اللتين سبق ذكرهما؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنَ السُّنَّةِ بَنَى الله لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" 1 "أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ"، والباقي كما في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
ومنهم من زاد على هذا العدد أربع ركعات قبل العصر؛ لما روي -صلى الله عليه وسلم- قال: "رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعاً" 2. وعن علي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعاً، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ" 3. ومنهم من زاد على هذا العدد ركعتين أخريين بعد الظهر؛ لما روي عن أم حبيبة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ حَافَظَ، عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ" 4. فهذه خمسة أوجه للأصحاب، وليس الخلاف في أصل الاستحباب، وإنما الخلاف في أن المؤكد الرواتب ماذا وإن شمل الاستحباب الكل؛ ولهذا قال صاحب "المهذب" وجماعة: "أدنى الكمال عشر ركعات" وهو الوجه الأول، وأتم الكمال ثماني عشرة ركعة، وهو الوجه الأخير.
وعند أبي حنيفة السُّنَّة: ركعتان قبل الصبح، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعده، وأربع قبل العصر.
وفي رواية: ركعتان بعد المغرب، وأربع قبل العشاء، وأربع بعده، وإن شاء صَلَّى ركعتين، وكل أربع من ذلك فهو بتسليمة واحدة، وفي استحباب ركعتين قبل المغرب وجهان لأصحابنا، منهم من قال باستحبابها، وإن لم يكونا من الرواتب المؤكدة؛ لما روي عن أنس -رضي الله عنه- قال: "صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ

اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قِيلَ: لَهُ رَآكُمْ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: نَعَمْ، فَلَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا" 1. وروى عبد الله المزني [-رضي الله عنه-] 2، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةِ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً" 3 وبهذا الوجه قال أبو إسحاق الطوسي 4، وكذلك أبو زكريا السكري 5. قيل 6: إنه ذكره في "شرح الغنية" لابن سريج، ومنهم من قال: لا يستحبان؟ لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه سئل عنها فقال: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّيهِمَا" 7. وعن عمر -رضي الله عنه-: "أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ عَلَيْهِمَا" 8. وبهذا قال أَبُو حَنِيفَةَ.
وأما لفظ الكتاب فقد ذكر من الأوجه الخمسة وجهين، وهما الأول والرابع، لكنه ضم إليها أقل الوتر، وهو ركعة، فصارت على الوجه الأول إحدى عشرة، وعلى الوجه الثاني سبع عشرة، وهي عدد الفرائض، وهكذا عد ابن القاص الرواتب في "المفتاح" لكنه حسب الوتر ثلاث ركعات، ولم يحسب قبل الظهر إلا ركعتين وقوله: (ركعتين بعد العشاء) معلم بالواو؛ للوجه الذي اختاره الخضري.

وقوله: (والوتر ركعة) بالحاء والميم؛ لما سيأتي -والله أعلم-.
قال الغزالي: أَمَّا الوَتْرُ فَسُنَّةٌ (ح) وَعَدَدُهُ مِنَ الوَاحِدَةِ إِلَى إِحْدَى عَشْرَةَ بِالأَوْتَارِ، وَفِي جوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ تَرَدُّدٌ (1) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل، وَإِذَا زَادَ عَلَى الوَاحِدَةِ فَيَتَشَهَّدُ تَشَهُّدَينِ فِي الأَخِيرَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ، وَتَشَهُّدًا وَاحِداً فِي الأَخِيرَةِ عَلَى الوَجْهِ الثَّانِي، وَهُمَا مَنْقُولاَنِ، وَالْكَلاَمُ فِي الْأُولَى، وَالأَظْهَرُ أَنَّ ثَلاَثةً مَفْصُولَةَ أَفْضَلُ مِنَ ثَلاَثةٍ مَوْصُولَةٍ، وَأَنَّ الثَّلاَثةَ المَوْصُولَةَ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَةٍ فَرْدَةٍ.

القول في أحكام الوتر

قال الرافعي: قد سبق من نظم الكتاب ما يعرف كون الوتر سنة، وهو إدراجه في الرواتب، وعد الرواتب بأسرها من صلاة التطوع، والغرض من التنصيص على كونه سنة هاهنا التدريج إلى بيان أحكامه، والتعرض لمذهب أبي حنيفة حيث قال: وهو واجب.
قال الكرجي: وروي عنه أنه فرض.
لنا ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الوَتْرُ حَقٌّ مَسْنُونٌ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاَثٍ فَلْيَفْعَل" 2 وروي أنه قال: "حَقٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ" 3. ثم في الفصل ثلاث مسائل: إحداها: يجوز أن يوتر بواحدة، وثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، أما الواحدة والثلاث والخمس؛ فلما روي عن أبي أيوب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أنْ يُوتِرَ بثَلاَثٍ فَلْيَفعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفعَلْ" 4 وأما السبع؛ فلما روي عن أبي أمامة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُؤترُ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ" 5. وأما التسع والإحدى عشرة؛ فلما روي عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أوْتِرُوا بِخَمْسٍ، أَوْ سَبْعٍ، أَوْ تِسْعٍ، أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ" 6.1

وأما الإيتار 1 بثلاث عشرة، فقد حكي في "النهاية" تردداً في ثبوت النقل فيه، والمذكور في الكتاب.
أن غاية ما نقل إحدى عشرة، وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، والقاضي ابن كج، ومن تابعهما، قالوا: أكثر الوتر إحدى عشرة، وذكر صاحب "التهذيب"، وأخرون أن الغاية ثلاث عشرة ركعة، ورووا عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "لَمْ يَكُنْ يُوتِرُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَ عَشْرَةَ " 2. وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُوتِرُ بِثَلاَثِ عَشْرَةَ، فَلَمَّا كَبُرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ" 3. وهل يجوز الزيادة على الغاية المنقولة، أما الإحدى عشرة، أو الثلاث عشرة فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن اختلاف فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه السُّنة يشعر بتفويض الأمر إلى [خيبرة] 4 المصلي، وأن له أن يزيد ما أمكنه.
وأظهرهما: أنه لا تجوز الزيادة، ولو فعل لم يصح وتره؛ اقتصاراً على ما ورد النقل به، كما لا تجوز الزيادة في ركعتي الفجر وسائر الرواتب 5. وقال أَبُو حَنِيفَةَ: الوتر ثلاث ركعات، بلا زيادة ولا نقصان.
وقال مَالِكٌ: أقل الوتر ثلاث ركعات، لكن أبا حنيفة يقول: هي بتسليمة واحدة كالمغرب، إلا أنه يجهر فيها جميعاً.
وقال مَالِكٌ: هي بتسليمتين لكن لا يتكلم بعد الكلام لولا يحتاج إلى تجديد النية للثالثة، وسلم أنه لو أحدث في الثالثة لم تبطل الركعتان.
قال: ولو كان مع الإمام أوتر بوتره، ولا يخالفه، وحكي في "البيان" عنه أن أقل

الوتر ركعة، وأقل الشفع ركعتان، وفي هذا المعنى كالأول، ونقل عنه أنه ليس للأكثر حد، وذكر بعضهم: أن الأكثر عنده ثلاث عشرة.
إذا عرفت ذلك فاعلم قوله: (من الواحدة) بالحاء والميم، وقوله: (إلى إحدى عشرة) بهما وبالواو، ثم في قوله: (وعدده من الواحدة إلى إحدى عشرة) استدراك لفظي من جهة الحساب، وهو أنه جعل الواحد من العدد، والحساب يمتنعون عن ذلك، ويجعلون الواحد أم العدد، ويقولون: العدد نصف حاشيته اللتين بعدهما منه سواء، وليس للواحد حاشيتان.
المسألة الثانية: إذا زاد على ركعة واحدة وأوتر بثلاث فصاعداً، فظاهر المذهب: أن له أن يتشهد في الركعة الأخيرة لا غير.
وله أن يتشهد في الركعتين الأخيرتين؛ لأن كل منهما منقول، وروي عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسٍ، وَلاَ يَجْلِسُ إِلاَّ فِي أُخْرَاهُنَّ" 1. وروى عنها أيضاً: "أَنَّهُ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ، لَمْ يَجْلِسْ إِلاَّ فِي الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ، وَبِسَبْع، لَمْ يَجْلِسْ بها إِلاَّ في السَّادِسَة وَالسَّابِعَةِ" 2. وحكي في "النهاية" عن بعض التصانيف: أن من أصحابنا من لم ير الاقتصار في التشهد على الواحد مجزئاً، وحمل ما روي من التشهدين على ما إذا فَصَل بين الركعة الأخيرة وما قبلها بالسَّلاَمِ، ونقل بعضُهم عن "طريقة" القاضي الحُسَين، أن الوتر بثلاث كصلاة المَغْرِب بتشهدين وتسليمة لا يجوز، وربما يقول: تبطل صلاته؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُوتِرُ بثَلاَثٍ لا يَجْلِسُ إِلاَّ فِي أُخْرَاهِنَّ" 3 وروي أنه قال: "لاَ تُوتِرُوا بِثَلاَثٍ فَتَشَبَّهُوا بِالْمَغْرِبَ" 4. والظاهر الأول؛ وهو أنهما سائغان وهو الذي ذكره في الكتاب، ورد الخلاف إلى الأولى، ففي وجه الاقتصار على تشهد واحد أول؛ فَرْقاً بين صلاة المغرب والوتر إذا أوتر بثلاث، وهذا ما اختاره القاضي الروياني في الحلية، وفي وجه الإتيان بتشهدين أولى كيلا يخرج عن وضع سائر الصلوات، وقد أطلق كثيرون منهم صاحب "التهذيب": أنه إن شاء فعل هكذا، وإن شاء هكذا، ومطلق التخيير يقتضي التسوية بينهما.
وقوله في الكتاب: (وإذا زاد على واحدة) أي: ووصل وقوله: (والكلام في الأولى) ينبغي أن يعلم بالواو، لما حكينا من الوجهين، ولو زاد على تشهدين فجلس

في كل ركعتين، ولم يتحلل وجلس في الأخيرة أيضاً، لم يكن له ذلك، فإنه خلاف المنقول، وذكر في "التهذيب" وجهاً آخر: أن له ذلك، كما في النافلة الكثيرة الركعات: المسألة الثالثة: الإيتار بثلاث مفصولة أفضل أم بثلاث موصولة؟ ففيه وجوه: أظهرها -وهو الذي ذكره أصحابنا العراقيون والصيدلاني-: أن المفصولة أفضل، لما روي عن ابن عمر، وابن عباس -رضي الله عنهم- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "والْوَتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ" 1. وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ 2، وَكَانَ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- يُسَلِّمُ، وَيأْمُرُ بَيْنَهُمَا بِحَوَائِجِهِ" 3. والثاني: وبه قال أَبُو زَيْد، [ويحكى عن نصه في القديم-: أن الثلاث الموصولة أفضل، لأن العلماء اتفقوا على جوازها واختلفوا في إفراد الواحدة فالاحتراز عن الخلاف أولى.
والثالث-] 4 ونسبه الموفق ابن طاهر إلى الخضري، والشريف ناصر العمري 5 -رضي الله عنه- أن الثلاثة الموصولة أفضل؛ لأن العلماء اتفقوا على جوازها، واختلفوا في إفراد الواحدة، فكان الوصل أولى.
والثالث: ويحكى عن الشافعي، ونصه في القديم-: أنه إن كان منفرداً، فالفصل أفضل، وإن كان يصلي بقوم فالوصل أفضل؛ لأن الجماعة تنظم أصحاب المذاهب المختلفة، فالإيتار 6 بالمجمع عليه أولى، وعكس القاضي الروياني هذا فقال: أنا أصل إذا كنت منفرداً، وإذا كنت في الجماعة أفضل؛ كيلا يتوهم خلل فيما صار إليه الشافعي

-رضي الله عنه- وهو صحيح ثابت بلا شك، وهل الثَّلاثُ الموصولة أفْضَلُ من ركعة فردة لا شيء قبلها أم هي أفضل؟ فيه وجوه أيضاً: أصحها -وبه قال القفال-: أن الثلاث أفضل؛ لزيادة العبادة.
والثاني: أن الركعة الفردة أفضل؛ لِمُوَاظَبَةِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى الإيتَارِ 1 بِوَاحِدَةٍ، قال في "النهاية": وغلا هذا القائل فجعل الركعة الفردة أفضل من إحدى عشرة ركعة موصولة.
والثالث: الفرق بين المنفرد والإمام كما سبق.
قال الغزالي: وَمِنْ شَرْطِ الوَتْرَ أَنْ يُوتَرَ مَا قَبْلَهُ وَلاَ يَصِحُّ (ح) قَبْلَ الفَرْضِ، وَفِي صِحَّتِهِ بَعْدَ الفَرْضِ وَقَبْلَ النَّفْلِ وَجْهَانِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الوِتْرُ آخِرَ تَهَجُّدِهِ بِاللَّيْلِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الوِتْرُ هُوَ التَّهَجُّدَ.
قال الرافعي: ما سبق من المسائل في كيفية الوتر، وغرض هذا الفصل بيان وقته، وهو من حينِ يصلي العشاء إلى طلوع الفجر، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَدَّكُمْ بِصَلاَةٍ هِي خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، الوَتْرُ جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ" 2. فلو أوتر قبل صلاة العشاء لم يعتد به، سواء كان عامداً أو ساهياً، بأن ظن أنه صلى العشاء، أو صلى العشاء على ظن أنه متطهر، ثم أحدث وتوضأ وأوتر، ثم بأن له أنه كان محدثاً في فرض العشاء.
وعند أبي حنيفة: لو أوتر قبل العشاء سهواً اعتد به.
لنا: القياس على ما لو ظن دخول وقت الفريضة فصلَّى، ثم تبين أنه لم يدخل، وحكي في "النهاية" عن بعض أصحابنا: أنه يعتد بالوتر قبل العشاء، سواء كان عامداً، أو ساهياً.
وعند هذا القائل يدخل وقت الوتر بدخول وقت العشاء لا بفعل العشاء، وظاهر المذهب ما تقدم، ولو صَلَّى العشاء وأوتر بعدها بركعة فردة قبل أن ينتقل، ففيه وجهان حكاهما الشيخ أبو محمد وغيره.
أحدهما: لا يعتد به؛ لأن صفة الوتر أن يوتر ما تقدم عليه من السنن الواقعة بعد العشاء، فإذا لم يوجد غيره لم يكن موتراً.

وأظهرهما: أنه يعتد به؛ لما تقدم من الخبر، وما ادعاه الأول فلا نسلم أن صفة الوتر ذلك، بل يكفي كونه وتراً في نفسه، وعلى التسليم فإنه يوتر ما قبله من فريضة العشاء، فإذا قلنا: لا يعتد به وتراً فقد ذكر إمام الحرمين أنه تَطَوُّعٌ، وإن لم يكن الوتر المشروع، وهذا ينبغي أن يكون على الخلاف فيما إذا نوى الظهر قبل الزوال، هل يكون تطوعاً، أم يبطل من أصله.
واعلم أن المصنف قيد المسألتين في "الوسيط" أعني الإيتار قبل فرض العشاء وبعده بما إذا أوتر بركعة، وهذا القيد لا حاجة إليه في المسألة الأولى بل أطلق الأئمة المنع، وعليه يدل الخبر، وأما في المسألة الثانية فهو محتاج إليه؛ لأن الناقلين للوجهين إنما نقلوهما فيما إذا أوتر بركعة واحدة وليس بينهما وبين فرض العشاء شيء.
وقوله في الكتاب: (وفي صحته بركعة 1 بعد الفرض وقبل النقل وجهان) يحتاج إلى التقييد والإضمار.
معناه: وفي صحة الإيتار بركعة بعد الفرض وقبل أن يتنفل بشيء سواء كان راتبة العشاء، أو الشفع، أو صلاة الليل، والذي يسبق إلى الفهم من ظاهر اللفظ راتبة العشاء، ومطلق الوتر دون الإيتار بركعة.
وقوله: (من شروط الوتر أن يوتر ما قبله) يبين أنه لا بد من تقدم صلاة عليه، ثم هل يكفي تقدم الفرض؟ فيه الخلاف وقوله: (فلا يصح قبل الفرض) معلم بالحاء والواو؛ لما روينا.
وأما قوله: (ويستحب أن يكون الوتر آخر تهجده بالليل) ففي لفظ (التهجد) ما يغني عن قولهْ (بالليل)؛ لأن صلاة النهار لا تسمى تهجداً بحال، ثم فيه مباحثة، وهي أن التهجد يقع على الصلاة بعد الهجود، -وهو النوم- يقال تهجد: إذا ترك الهجود وأما الصلاة قبل النوم فلا تسمى تهجداً 2، وإذا كان كذلك فاللفظ لا يتعرض إلا لمن تهجد، فمتى يوتر من لا تهجد له، ثم لفظ الكتاب يقتضي تأخير المتهجد الوتر إلى أن يقوم ويصلّي، فَهَلْ هو كذلك أم لا؟ إن قلتم: لا.
فكيف يفعل أيوتر مرة قبل النوم، ومرة بعد ما نام وتهجد، وهذا خلاف ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلةٍ" 3، أم يقتصر على ما قبل النَّوْمِ وحينئذٍ لا يكون الوتر آخر التهجد.

وإن قلتم: إنه يؤخر الوتر إلى أن يقوم ويصلي، كما يقتضي لفظ الكتاب، فهذا خلاف ما نقله في "الوسيط"؛ لأنه نقل الخبر المشهور أن أبا بكر -رضي الله عنه-: "كَانَ يُوتِرُ ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَقُومُ وَيتَهَجَّدُ، وَأَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ الله عَنْهُ- كَانَ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ، ثُمَّ يَقُومُ، وَيُصَلِّي، وُيوتِرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لِأَبي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ أَخَذَ بالْحَزْمِ، وَقَالَ لِعُمَرَ -رَضِيَ الله عَنْهُ- أَنَّهُ أَخَذَ بِالْقُوَّةِ" 1. ثم ذكر أن الشافعي -رضي الله عنه- أختار فعل أبي بكر -رضي الله عنه- وكذلك نقل صاحب "النهاية"، والجواب أنه يستحب أن يكون الوتر آخر الصلاة بالليل، روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً" 2. فإن كان الرجل ممن لا تهجد له فينبغي أن يوتر بعد فريضة العشاء وراتبتها، ويكون وتره آخر صلاته بالليل، وأما من له تهجد فقد ذكر أصحابنا العراقيون أن الأفضل له أن يؤخر الوتر، كما نقل عن فعل عمر -رضي الله عنه-، واحتجوا له بما روي عن جابر - رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ خَافَ مِنْكُمْ أَنْ لاَ يَسْتَيْقِظُ مِنْ آخِرَ اللَّيْل، فَلْيُوتِرْ مِنْ أوَّلِ اللَّيْلِ، وَمَنْ طَمِعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَيقِظَ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلاةَ آخِرِ اللَّيلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ" 3. وهذا هو الموافق للفظ الكتاب، وأما ما نقله في "الوسيط" فيجوز أن يجمع بينهما بحمله على من لا يعتاد قيام الليل، فيقال: إن الأفضل له أن يقدم؛ لأنه من الانتباه على خطر ظاهر، ويجوز أن يقدر فيه اختلاف وجه أو قول، وبالجملة فالأمر فيه قريب، وكل سَائِغٌ، روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، وَإِذَا أَوْتَرَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، ثُمَّ قَامَ، وَتَهَجَّدَ لَمْ يُعِدِ الْوِتْرَ" 4. وكذلك روي عن فعل أبي بكر -رضي الله عنه-، ومن أصحابنا من قال: يصلي ركعة حتى يصير وتره شفعاً، ثم يتهجد ما شاء، ثم يوتر ثانياً، ويروى ذلك عن ابن عمر -رضي الله عنهما- يسمى ذلك نقض الوتر.
وأما قوله: (ويشبه أن يكون [الوتر هو التهجد)5 فهذا قريب من لفظ الشافعي - رضي الله عنه- في "المختصر" و"الأم" قال الشارحون: معناه أن الله تعالى أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالتهجد، وأوجبه عليه فقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ 6 نَافِلَةً لَكَ﴾ وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ 7

أي: زيادة لك وفضيلة لك، ويشبه أن يكون المراد من هذا الأمر الوتر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحيي اللَّيْلَ بوتره، وكان الوِتْرَ وَاجِباً عليه، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُتِبَ عَلَيَّ الْوِتْرُ، وَهُوَ لَكُمْ سُنَّةٌ، وَكُتِبَ عَلَيَّ رَكْعَتَا الضُّحَى، وَهُمَا لَكُمْ سُنَّةٌ" (1). وهذا الذي ذكره يبين أنه ليس قوله: (ويشبه أن يكون الوتر هو التهجد) لحصر التهجد في الوتر، حتى يكون كل تهجد وتراً، وإنما الذي يلزم منه أن يكون كل وتر تهجداً مأموراً به، ويجوز أن يعلم ذلك بالواو؛ لأن القاضي الروياني حكى أن بعضهم قال: الوتر غير التهجد وأوّل كلام الشافعي -رضي الله عنه-.
واعلم أن حمل التهجد في الآية على الوتر مع ما سبق أن التهجد إنما يقع على الصلاة بعد النوم مقدمتان يلزم منهما اشتراط كون الوتر بعد النوم، ومعلوم أنه ليس كذلك، فليترك أحدى الدعوتين في الآية.
قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ القُنُوتُ فِي النِّصْفِ الأخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ.

القول في قنوت رمضان

قال الرافعي: يعني: في الوتر، فإن أوتر بركعة قَنَتَ فيها، وإن زاد قَنَتَ في الركعة الأخيرة، وفي استحباب القنوت في الوتر فيما عدا النِّصْفِ الأخير من رمضان وجهان: أحدهما: أن الاستحباب يعم جميع السَّنةِ، وبه قال أَبُو عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ -رضي الله عنه- وأبو الفضل بن عبدان 2، وأبو منصور بن مهران 3، وأبو الوليد النيسابوري 4 من أصحابنا -رحمهم الله-؛ لما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ إِذَا أَوْتَرَ قَنَتَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ" 5.1

وهذا مطلق، وبهذا قال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ.
وأظهرهما: وبه قال جمهور الأصْحَابِ: أن الاستحباب يختص بالنصف الأخير من رمضان؛ "لِأَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ، فَلَمْ يَقْنُتْ إِلاَّ فِي النِّصْفِ الثَّانِي، وَلَمْ يَبْدُ مِنْ أَحَدٍ إِنْكَارٌ عَلَيْهِ فَكَانَ ذلِكَ إِجْمَاعاً".
وعن عمر -رضي الله عنه- قال: "السُّنَّةُ إذَا انْتَصَفَ شَهْرُ رَمَضَانَ أَنْ يلْعَنَ الْكَفَرَةُ فِي الْوِتْرِ بَعدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" 1. فعلى الوجه الأول، لو ترك القنوت سجد للسهو، كما في الصبح، وعلى الوجه الثاني المشهور لو تركه في النصف الأخير سجد لِلسَّهْوِ ولو قنت من غير النصف الأخير سهواً سجد للسهو 2 وذكر القاضي الروياني: أن كلام الشافعي -رضي الله عنه- يدل على كراهية القنوت في غير النصف الأخير، فضلاً عن نفي الاستحباب، ثم حكي عن بعض الأصحاب وجهاً متوسطاً، وهو أنه يجوز أن يقنت في جميع السَّنَةِ من غير كَرَاهِيَةٍ، لكن لو ترك لا يسجد للسَّهْوِ، بخلاف ما لو تركه في النِّصْفِ الأخير يَسْجُد.
قال: وهذا اختيار مشايخ طبرستان، واستحسنه، وأثبت ما روي عن مالك موافقة ظاهر مذهبنا، وروي عنه أنه يقنت في جميع شهر رمضان، وروي في جميع السَّنَةِ، وقد أعلم قوله: (في النصف الأخير) بالحاء والميم والألف؛ إشارة إلى مذاهبهم ثم لنا في موضع القنوت من الركعة وجهان: أصحهما: ويحكى عن نصه في حرمله أنه بعد الركوع؛ لما روينا من حديث عمر -رضي الله عنه- وكما في الصبح، فإن ما قبل الركوع محل القراءة، والقنوت دعاء، فهو في موضع الدعاء، حيث يقول: سمع الله لمن حمده: أليق.
الثاني -وبه قال ابْنَ سُرَيْجٍ-: أنه يقنت قبل الركوع؛ لما روي عن أبي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَقْنُتُ قَبْلَ الرِّكُوعِ" 3. وأيضاً فإن الفرق بين الفرض والنفل مقصوِد، كما أن خطبة الجمعة قبل الصلاة، وخطبة العيدين بعدها، وبهذا الوجه قال مَالِكَ وَأْبُو حَنِيفَة، وبالأول قالَ أَحْمَدُ، وحكي في "البيان" عن بعض متأخري الأصحاب: أنه يتخير بين التقديم والتأخير، وأنه إذا قدم

كبر بعد القراءة، ثم قنت، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ، وقال في "التتمة": إذا قلنا يقنت قبل الركوع، يبتدئ به بعد الفراغ من القراءة من غير تكبير، وبه قالَ مَالِكٌ.
والقنوت: هو الدعاء الذي ذكرناه عن رواية الحسن بن علي -رضي الله عنهما- في "باب صفة الصلاة" واستحب الأئمة، منهم صاحب "التلخيص" أن يضيف إليه ما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قنت به وهو: "اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغفِرُكَ، وَنسْتَهْدِيكَ وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّه، نَشْكُرُكَ وَلاَ نَكْفُرُكَ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُركَ اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُد، وإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفَدُ، نَرْجُوا رَحْمَتَكَ، وَنَخْشَى عَذَابَكً، إِنَّ عَذَابَكَ الْجَدُّ بالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ" ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اهْدِنَا" إلى آخره، هكذا ذكره القاضي الروياني، وعليه العمل، ونقل في "البيان" عن القاضي أبو الطيب أنه قال: كان شيوخنا يدعون بقنوت عمر -رضي الله عنه- بعد الكلمات التي رواها الحسن -رضي الله عنه-، فعكس الترتيب وزاد هو وغيره في المنقول عن عمر -رضي الله عنه- "اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَاب، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِكَ، وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَاصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وألِّفْ بَيْنَ قلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَان وَالْحِكْمَةَ، وَثَبِّتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِكَ، وَأَوْزِعْهُمْ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذي عَاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ، وَعَدُوِّهِمْ إِلهَ الْحَقِّ، وَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ"، ونقل القاضي الروياني عن ابن القاص: أنه يزيد في آخر القنوت: "رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا" إلى آخر السورة واستحسنه 1 ثم حكمه في الجهر، ورفع اليدين، وغيرهما على ما سبق في الصُّبْح.
ويستحب إذا أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى:: ﴿سَبِّحْ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالمُعَوِّذَتَين، رُوِي ذلِكَ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- عَنْ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- 2 وبه قَالَ مَالِكُ.
وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يقتصر على "الإخلاص" في الثالثة.
وقال الكرخي في "مختصره": ليس في الوتر قراءة سورة معلومة، ولكن يقرأ في الأولى بقدر: ﴿سَبِّحْ﴾، وفي الثانية بقدر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة بقدر: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
قال الغزالي: الْفَصْلُ الثَّانِي، فِي غَيْرِ الرَّوَاتِبِ وَمَا شُرِعَتِ الجَمَاعَةُ فِيهَا كالعِيدَيْنِ وَالخُسُوفَيْنِ وَالاِسْتِسْقَاءِ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنَ الرَّوَاتِبِ وَمِنْ صَلاَةِ الضُّحَى وَرَكْعَتَي التَّحِيَّةِ

وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، ثُمَّ أَفْضَلُهَا صَلاَةُ العِيدَيْنِ، ثُمَّ الخُسُوفَيْنِ، وَأَفْضَلُ الرَّوَاِتبِ الوِتْرُ وَرَكْعَتَا الفَجْرِ، وَفِيهِمَا قَوْلاَنِ.

القول في النوافل التي تسن فيها الجماعة

قال الرافعي: النوافل، على ما قدمناه قسمان: نوافل: تسن فيها الجماعة، ونوافل: لا تسن فيها الجماعة.
والتي تسن فيها الجماعة أفضل؛ لأن استحباب الجماعة فيها وتشبيهها فيه بالفرائض يدل على تأكد أمرها، وصلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء كلها من هذا القسم، وأفضلها صلاة العيدين؛ لأن لها وقتاً زمانياً كالفرائض وتليها صلاة الكسوفين؛ لأنه يخاف فوتهما كما يخاف فوت المؤقتات بالزمان؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "رُبَّمَا اسْتَسْقَى وَرُبَّمَا تَرَكَ، وَلَمْ يَتْرِكِ الصَّلاَةَ عِنْدَ الخُسُوفِ بِحَالِ" 1. ثم كلام الأئمة يشعر بحصر ما تسن فيه الجماعة في هذه الصلوات الخمس، وربما صرحوا بذلك، ولفظ الكتاب وهو قوله: (كالعيدين والكسوفين) لا يوجب الحصر، وإنما يفيد التمثيل، وهذا أولى؛ لأن التراويح خارجة عن الخمس، والجماعة مستحبة فيها على الأصح، كما سيأتي ولك أن تبحث هاهنا، فنقول: لفظ الكتاب يقتضي أن تكون التراويح أفضل من الرَّوَاتِبِ؛ لأن الجماعة مَشْرُوعَة في التراويح، وقد حكم بأن ما شرع فيه الجماعة أفضل، فهل هو كذلك؟ أما لا؟ والجواب: أن إمام الحرمين قال: من أئمتنا من سبب تفضيلها على الرواتب إذا قلنا باستحباب الجماعة فيها؛ لأن الجماعة أقوى معتبر في التفضيل، قال: والأصح أن الرواتب أفضل منها، وإن شرعنا فيها الجماعة، وهذا هو الذي ذكره في "العدة" ووجهه بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "لم يداوم على التراويح، وداوم على السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ"، وعلى هذا، فالقول بأن ما شرع فيه الجماعة أفضل غير مجرى على إطلاقه، بل صلاة التراويح مستثناة منه.
وأما القسم الثاني: وهو ما لا تشرع فيه الجماعة، فينقسم إلى ما يتعلق بوقت أو فعل، وإلى التطوع المطلق.
والأول أنواع: منها الرواتب، كما عددناها، ومنها: صلاة الضحى: عن أبي الدَّرْدَاء قال: "أَوْصَانِي خَلِيلِي -صلى الله عليه وسلم- بِثَلاَثٍ لاَ أَدَعَهُنَّ بِشَيءٍ، أَوْصَانِي بِصِيَامٍ ثَلاثةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَلاَ

أَنَامَ إِلاَّ عَلَى وَتْرٍ، وَسُبحَةِ الضُّحَى، فِي الْحَضَرِ والسَّفَرِ" 1. وأقلها ركعتان، والأفضل أن يصلي ثَمَانِي ركعات، وأكثرها اثنتي عشرة، ذكره القاضي الروياني، وورد في الأخبار، ويسلم من كل ركعتين، روي عن أم هانئ -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ سُبْحَةَ الضُّحَى، ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمْ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ" 2 ووقتها: من حين ترتفع الشمس إلى وقت الاستسواء 3. ومنها: تحية المسجد، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ، فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ" 4 ولو صلى الداخل فريضة، أو وِرْداً، أو سُّنة، ونوى التحية أيضاً حصلا، كما لو كبر وقصد إعلام الناس، ولو لم ينو التحية حصلت أيضاً، كذلك ذكره صاحب "التهذيب"، وغيره، ويجوز أن يطرد فيه الخلاف المذكور فيما إذا نوى غسل الجنابة هل يجزئه عن العيد والجمعة إذ لم ينوهما؟ ولو صلَّى الدَّاخِلُ على جنازة أو سجد لتلاوة، أو شكْر لم تحصل تحية المسجد 5 قاله في "التهذيب" ويدل عليه الخبر الذي سبق، فإنه لم يركع ركعتين.
وقضية الخبر أن لا تحصل التحية بركعة واحدة أيضاً، وفيها جميعاً وجه آخر.
ومنها: ركعتا الإحرام.

ومنها: ركعتا 1 الطواف إذا لم توجبهما، وسيأتي ذكرهما في موضعهما.
إذا عرفت ذلك فأوكد ما لا تسن له الجماعة السنن الرواتب؛ لمداومة الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليها، وكثرة الترغيبات فيها، وأفضل الرواتب الوتر وركعتا الفجر؛ لأن الأخبار فيهما أكثر، وأيهما أفضل فيه؟ قولان: القديم: أن ركعتي الفجر أفضل، وبه قال أَحْمَدُ؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِل [أَكْثَر] 2 تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ" 3. وروي أنه قال: "رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا" 4 وعلى هذا فيليهما في الفضيلة الوتر.
والجديد: الأصح أن الوتر آكد، وبه قال مالك؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا" 5. ولأن الوتر مختلف في وجوبه، ولا خلاف في أن ركعتي الفجر سُنَّة 6 وعلى هذا فما الذي يلي الوتر في الفضيلة؟

قال جمهور الأصحاب: يليه ركعتَا الفَجْرِ.
وعن أبي إسحاق "أن صلاة الليل تتقدم عليهما" ونقل في "البيان" عن بعض الأصحاب أن الوتر وركعتي الفجر يستويان في الفضيلة.
ثم بعد السنن الرواتب الأفضل من الصلوات المذكورة صلاة الضحى، ثم ما يتعلق بفعل [كركعتي الطواف] 1، وركعتي الإحرام، وركعتي التحية.
وقوله في الكتاب: (وركعتي الطواف) معلم بالواو؛ للقول الصائر إلى وجوبها، فإن شيئاً من النوافل على ذلك القول لا يكون أفضل منهما.
وقوله: (ثم أفضلها صلاة العيدين) يجوز أن ترجع الكناية إلى النوافل التي شرعت فيها الجماعة، ويجوز أن ترجع إلى النوافل المذكورة كلها، والقول في أن أفضل الرواتب ماذا؟ وأن ركعتي الفجر أفضل أم الوتر؟ كالدخيل في هذا الفصل؛ لأنه ترجمة بغير الرواتب، ولو ذكره في الفصل الأول لكان أحسن، ولعلك تقول: نظم الكتاب يقتضي ألا تكون الجماعة مشروعة في الوتر أيضاً؛ لأنه حكم بأن ما شرع فيه الجماعة أفضل من الرواتب، فيلزم أن لا تكون الجماعة مشروعة في الرواتب، والوتر معدود من الرواتب، فهل هو كذلك أم لا؟ فالجواب: أنا إذا أستحببنا الجماعة في التراويح نستحبها في الوتر أيضاً، وأما في غير رمضان فالمشهور أنه لا تستحب فيه الجماعة؟ وبه قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ وأطلق أبو الفضل بن عبدان حكاية وجهين في اسْتِحبَاب الجماعة في الوِتْرِ.
إذا عرفت ذلك فكلام الكتاب مبني على الأكثر، وهو ما سوى رمضان -والله أعلم-.
قال الغزالي: ويُسْتَحَبُّ الجَمَاعَةُ فِي التَّرَاوِيحِ تأسِّياً بِعُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ: وَقِيلَ: الانْفِرَادُ بِهِ أَوْلى لِبُعْدِهِ عَنِ الرِّيَاءِ.
= الوتر كما اختلف في وجوبه، والذي اختلف في وجوبه ليس هو الأقل ولا أكثر فإن أبا حنيفة هو القائل بوجوبه وهو عنده ثلاث ركعات لا يجوز الزيادة عليها ولا النقصان عنها ثم رفع لي أنه لو كان الأمر كذلك لاختص محله بالثلاثة الموصولة كما صار إليه أبو حنيفة وهو لا يختص فيظهر من ذلك أن المراد من ذلك مقابلة الجنس بالجنس ولا يبعد أن يجعل الشرع العدد القليل أفضل من العدد الكثير مع اتحاد النوع دليله القصر في السفر.

القول في أحكام صلاة التراويح

قال الرافعي: صلاة التراويح عشرون ركعة بعشر تسليمات.
وبه قال أبو حنيفة، وأحمد؛ لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "صَلَّى بالنَّاسِ عِشْرِينَ رَكْعَةٌ لَيْلَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ اجْتَمَعَ النَّاسُ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، ثمَّ قَالَ مِنَ الْغَدِ: "خَشِيتُ أَنْ تُفرَضَ عَلَيْكُمْ فَلاَ تَطِيقُونَهَا" 1. وعن مالك: أنها ست وثلاثون ركعة لفعل أهل المدينة.
قال العلماء: وسبب فعلهم أن الركعات العشرين خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات، وكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين سبعة أشواط، ويصلون ركعتي الطواف أفراداً، وكانوا لا يفعلون ذلك بين الفريضة والتراويح، ولا بين التراويح والوتر، فأراد أهل المدينة أن يساورهم في الفضيلة، فجعلوا مكان كل أسبوع من الطواف ترويحة، فحصل أربع ترويحات وهي ست عشرة ركعة تنضم إلى العشرين، والوتر ثلاث ركعات، تكون الجملة تسعاً وثلاثين؛ فلذلك قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه-: ورأيتهم بالمدينة يقولون: بتسع وثلاثين.
قال أصحابنا: لغير أهل المدينة ذلك؟ لشرفهم بمهاجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقبره، ثم الأفضل في التراويح الجماعة أو الانفراد؟ فيه وجهان، ومنهم من يقول قولان.
أحدهما: أن الانفراد بها أفضل، ويروى هذا عن مالك -رضي الله عنه- لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "خَرَجَ لَيَالِيَ مِنْ رَمَضَانَ، وَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ بَاقِيَ الشَّهْرِ، وَقَالَ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلاَةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ" 2. ولأن الاستخلاء بالنوافل أبعد عن الرياء.
وأصحهما: أن الجماعة أفضل؛ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَابِ -رضي الله عنه- جَمَعَ النَّاسَ علي أُبيَّ بْنِ كَعْبٍ -رضي الله عنه- 3 وَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- الْخُرُوج؟ خَشْيَةِ الافْتِرَاضِ"، وبهذا قال ابْنُ سُرَيْجٍ، وأبو إسحاق والأكثرون، ثم ذكر أصحابنا العراقيون، والصيدلاني وغيرهم؛ أن الخلاف فيما إذا كان الرجل يحفظ القرآن ولا يخاف النوم والكسل، ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه، فأما إذا لم يحفظ أو خاف ذلك فالجماعة أولى لا محالة.

وأطلق آخرون ثلاثة أوجه في المسألة، منهم القاضي ابن كج وإمام الحرمين.
أحدها: أن الانفراد أفضل على الإطلاق.
والثاني: أن الجماعة أفضل.
والثالث: إن كان حافظاً للقرآن آمِناً من الكل ولم تختل الجماعة لتخلفه، فالأفضل أن ينفرد، وإلا فلا، ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة، وإنما يدخل وقت التراويح بالفراغ من صلاة العشاء، كما ذكرنا في الوتر.
قال الغزالي: ثُمَّ التَّطَوُّعَاتُ لاَ حَصْرَ لَهَا، فَإِنْ تَحَرَّمَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يُتِمَّهَا عَشْراً فَصَاعِداً، وَإِنْ تَحَرَّمَ بِعَشْرِ جَازَ لَهُ الاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَلَهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَوْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ إِنْ شَاءَ، وَالأَحَبُّ مَثْنًى مَثْنًى.
قال الرافعي: التطوعات التي لا تتعلق بسبب، ولا وقت، لا حصر لأعدادها، ولا الركعات الواحدة منها.
"وَالصَّلاَةُ خَيْرُ مَوْضُوع، فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ"، هذا لفظ الخبر المشهور عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 1، ثم إذا شرع في تطوع فإن لم ينو شيئاً، فله أن يسلم من ركعة، وله أن يسلم من ركعتين فصاعداً، روي أن عمر - رضي الله عنه- "مَرَّ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى رَكْعَةً، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا صَلَّيْتُ وَاحِدَةً فَقَالَ: إِنَّمَا هِي تَطَوُّعٌ، وَمَنْ شَاءَ زَادَ، وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ" 2. وحكى الأصحاب عن نصفه في "الإملاء": أنه لو صلَّى من غير إحصاءٍ، ثم سلم وهو لا يدري كما صلى أجزأه.
وقال بعض السلف الذي صليت له يعلم كم صليت؟ وإن نوى ركعة، أو عدداً قليلاً، أو كثيراً، فله ذلك، هذا هو المشهور، وحكي في "البيان" عن المسعودي: أن له أن يصلي ثلاث عشرة ركعة بتسليمة واحدة، وهل له أن يزيد؟ فيه وجهان؛ ثم إذا نوى عددًا فله أن يزيد وله أن ينقص حتى لو تحرم بركعة، فله أن يجعلها عشرة فصاعداً، أو بعشرٍ فله أن يقتصر على واحدة ولكن بشرط أن يغير النية قبل الزيادة والنقصان، فلو زاد أو نقص قبل تغيير النية بطلت صلاته.
مثاله: نوى أن يصلي ركعتين ثم قام إلى الثالثة بعد ما نوى الزِّيادة جاز، ولو قام قبلها عمداً بطلت صلاته، ولو قام سهواً عاد، وسجد للسهو وسلم، فلو بدا له بعد

القيام أن يزيد فهل يجب العود إلى القعود ثم القيام منه أم له المضي؟ فيه وجهان: أصحهما: أولهما، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته.
ولو زاد ركعتين سهواً، ثم نوى إكمال أربع صلى ركعتين أخريين، وما سها به لا يحسب.
ولو نوى أن يصلي أربعاً، ثم غير نيته وسلم عن ركعتين جاز، ولو سلم قبل تغيير النية عمداً بطلت صلاته، ولو سلم سَاهِياً أتم أربعاً، وسجد لِلسَّهْوِ، فلو زاد أربعاً وأراد بعد السلام ساهياً أن يقتصر سجد للسهو، وسلم ثانياً، فإن سلامه الأول غير محسوب، ثم إن تطوع بركعة فلا بد من التَّشَهُّدِ فيها، وإن زاد فله أن يقتصر على تشهدٍ واحدٍ في آخر الصلاة، وهو تشهد الركن، وله أن يتشهد في كل اثنتين، كما في الفرائض الرباعية، فلو كان العدد وتراً فلا بد من التشهد في الأخيرة أيضاً، وهل له أن يتشهد في كل ركعة؟ قال إمام الحرمين: فيه احتمال؛ لأنا لا نجد في الفرائض صلاة على هذه الصورة، لكن الأظهر الجواز؛ لأن له أن يصلي ركعة فردة، ويتحلل عنها، وإذا جاز له ذلك جاز له القيام منها إلى أخرى، وهذا ما ذكره المصنف، وسوغ له الأمور الثلاثة في "الوسيط" وأقتصر هاهنا في الأمر الثاني والثالث.
واعلم أن تجويز التشهد في كل ركعة لم يرد له ذكر إلا في "النهاية" وفي كتب المصنف، وأما الاقتصار على تشهد واحد في آخر الصَّلاَة فلا يكون فيه خلاف؛ لأنه لو اقتصر في الفرائض عليه لجاز أيضاً، وأما التشهد في كل اثنتين، وقد ذكره العراقيون من أصحابنا، وغيرهم وقالوا: إنه الأولى وإن جاز الاقتصار على واحد، وذكر في [النهاية] 1 شيئاً آخر، وهو أنه لا تجوز الزيادة على تشهدين بحال، ثم إن كان العدد شفعاً فلا يجوز أن يجعل بين التشهدين أكثر من ركعتين وإن كان وتراً فلا يجوز أن يجعل بينهما أكثر من ركعة تشبهاً في القسمين بالفرائض.
مثاله: إذا صلى ستًّا يتشهد في الركعة الرابعة والسادسة، وإذا صلى سبعاً يتشهد في السادسة والسابعة، وإلى هذا مال المستمدون من كلام المراوزة، ومنهم صاحب "التهذيب" وظاهر "المذهب" الزيادة على تشهدين، ثم قال في "التهذيب": إن صلى بتشهد واحد قرأ السورة بعد الفاتحة في الركعات كلَّها، وإن صلى بتشهدين هل يقرأ على القولين المذكورين في الفرائض؟ والأحب أن يسلم المتطوع من كل ركعتين على مثال الرواتب، سواء كان بالليل أو بالنهار، لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما-

أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "صَلاَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى" 1، وبهذا قال مَالِكٌ وأَحْمَدُ -رحمهما الله- ونعود بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب وبيان موضع العلامات.
قوله: (ثم التطوعات لا حصر لها)، أراد بالتطوع هاهنا ما ينشئه الإنسان باختياره، ولا يتعلق بوقت ولا سبب، لأنه أراد بقوله: (لا حصر لها) أنه لا حصر لركعاتها على ما صرح به في "الوسيط"، والظاهر أن هذا حكم منه على كل واحد منها، وفي أول الباب أراد بالتطوع مطلق النافلة، كما سبق بيانه.
وينبغي أن يعلم قوله: (لا حصر لها) بالحاء، لأن عند أبي حنيفة يكره في نوافل النهار أن تزاد على أربعة ركعات بتسليمة واحدة، وفي نوافل الليل أن تزاد على ثمان ركعات، وذكر صاحب "البيان" أنه يحكم بالبطلان لو زاد على العددين، والأحب عنده في نوافل النهار أن تكون أربعاً، حتى في الرواتب سوى ركعتي الفجر، وفي نوافل الليل يصلي بتسليمة واحدة ثمان ركعات، أو ستاً أو أربعاً، أو ركعتين، ولا فضل لبعضها على بعض، ويجوز أن يعلم بالواو أيضاً لما سبق حكايته عن المسعودي، ويجوز أن يعلم قولة: (أن يتمها عشراً) بالحاء أيضاً، إذ لا مزيد عنده على ثمان ركعات.
وقوله: (جاز له الأقتصار على واحدة) معلم بالميم؛ لأن عنده الشروع في التطوع ملزم، إلا أن يكون هناك عذر، وبالحاء لأمرين: أحدهما: أن الشروع يلزم عليه ركعتين.
والثاني: أن الركعة الفردة ليست بصلاة عنده، وعندنا هي صلاة؛ لما سبق، ولو نوى صلاة تطوع ولم ينو واحدة ولا عدداً، فهل يجوز الاقتصار على واحدة؟ حكى في "التتمة" فيه وجهين مبنيين على ما لو نذر صلاة مطلقة، هل يخرج عن العهدة بركعة أم لا بد من ركعتين؟ وينبغي أن يقطع بجواز الاقتصار على واحدة 2؛ لأنه وإن نوى ركعتين فصاعداً لا يجوز له الاقتصار على واحدة، فعند الإطلاق أولى أن يجوز.
وقوله: (وله أن يتشهد بين كل ركعتين) ينبغي أن يعلم بالواو، لأمرين: أحدهما: أن صاحب "البيان" حكى وجهاً: أنه لا يجلس إلا في الأخيرة.
والثاني: أنا حكينا عن بعض الأصحاب أنه لا يزيد على تشهدين وإن كثرت الركعات، وذلك القائل لا يُجَوِّزُ التشهد بين كل ركعتين.

وقوله: (أو في كل ركعة) اعلم بالحاء، لأنه يقول: بتشهدٍ بين كل ركعتين وبالواو لأن كثيراً من الأصحاب قالوا: إنه بالخيار بين أن يصلي بتشهد واحد وبين أن يتشهد بين كل ركعتين 1 والتخيير بين الشيئين ينفي التمكن من شيء ثالث.
وقوله: (والأحب مثنى مثنى) معلم بالحاء لما سبق.
قال الغزالي: وَأَظْهَرُ الأَقْوَالِ أَنَّ النَّوَافِلِ المُؤَقَّتَةَ تُقْضَى (ح م) كَمَا تُقْضَى الفَرَائِضُ، وَرَكْعَتَا الصُّبْحِ بَعْدَ فَرْضِ الصُّبْحِ أَدَاءٌ بِقَضَاءٍ.
قال الرافعي: غرض الفصل يتضح برسم مسألتين.
أحدهما: في وقت الرواتب وهي ضربان: أحدهما: الرواتب التي تسبق الفرائض ويبقى وقت جوازها ما بقي وقت الفريضة، ووقت اختيارها ما قبل الفريضة.
مثاله: ركعتا الفجر يدخل وقتهما بطلوع الفجر، ويبقى إلى طلوع الشمس، والاختيار تقديمها على صلاة الفجر، وحكى جماعة منهم صاحب "البيان" أن وقت ركعتي الفجر يبقى إلى الزوال ويكون أداء، وإن خرج وقت الفريضة.
والضرب الثاني: الرواتب المتأخرة عن الفرائض فيدخل وقتها بفعل الفرائض، لا بدخول وقتها كما ذكرنا في الوتر، وآخر وقتها يخرج بخروج وقت الفرائض، كما في الضرب الأول؛ لأنها تابعة للفرائض، وحكي في "التتمة" في الوِتْرِ قولاً آخر: أن وقت الوتر يبقى إلى أن يصلي الصبح، ولا يخرج بطلوع الفجر؛ لظاهر ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى صَلاَةِ الصُّبْحِ" 2. وهذا يشبه خلافاً سيأتي ذكره في المسألة الأخرى.
المسألة الثانية: النوافل تنقسم إلى ما لا يتأقت، وإنما يفعل لسبب عارض - وإلى ما يتأقت.
والأول: لا مدخل للقضاء فيه، وهو كصلاتي "الخسوف" و"الاستسقاء" وتحية المسجد.
والثاني: "كصلاتي العيد" و"صلاتي الضحى"، والرواتب التابعة للفرائض في قضائها إذا فاتت قولان مشهوران:

أصحهما، وبه قال أَحْمَدٌ: أنها تقضى لمطلق قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" 1 ولأنها صلاة راتبة بوقت فتستدرك إذا فاتته كالفرائض.
والثاني، وبه قال مالِكٌ: أنها لا تقضى كصلاة الخسوف ونحوها، وهذا لأن الأصل أن لا تقضى وظيفة مؤقتة أصلاً لاقتضاء صيغة التأقيت اشتراط الوقت في الاعتداد بها، لكن خالفنا في الفرئض لأوامر مجردة وردت فيها لتأكدها.
وعن أبي حنيفة: إن فاتت الرواتب مع الفرائض قضيت معها، وإن فاتت وحدها فلا تقضى، ونقل بعض أصحابنا عن مذهب: أنه لا يقضي منها إلا ركعتا الفجر، إذا فاتت مع الفرض، وحكي في "النهاية" قولاً ثالثاً: وهو أن ما أستقل منها، ولم يتبع غيره "كصلاة العيدين" وصلاة "الضحى" يقضي لمشابهتها الفرائض في الاستقلال، وما كان تابعاً لغيره كالرواتب لا يقضى، فهذه هي الأقوال التي ذكرها في الكتاب وإنما قيد "بالمؤقتة" ليخرج القسم الأول، فإنها لا تقضى بلا خلاف.
التفريع: إن قلنا: إنها لا تقضى فلا كلام، وإن قلنا: تقضى فهل تقضى أبداً؟ فيه قولان: أصحهما: وهو اختيار المزني -رحمه الله عليه- نعم كالفرائض لما قضيت جاز قضاؤها أبداً.
وقوله في الكتاب: (كما تقضى الفرائض) يمكن حمله على التشبيه في كيفية القضاء، أي كما تقضى الفرائض أبداً، كذلك هذه، لكنه ما أراد ذلك، وإنما أراد قياس أصل القضاء على الفرائض، وذلك بَيِّنٌ في عبارة "الوسيط".
والقول الثاني: أنها لا تقضى أبداً، وعلى هذا إلى متى تقضى؟ أما صلاة العيد ففيها تفصيل وخلاف مذكور في الكتاب، في باب صلاة العيدين، وأما الرواتب ففيها قولان: أحدها: أنه لا تقضى كالوتر بعد صلاة الصبح، ولا ركعتا الفجر بعد صلاة الظهر.
قال إمام الحرمين: وعلى هذا النسق سائر التوابع؛ لأنه إذا استفتح فريضة أخرى، انقطع حكم التبعية عن الصلاة السابقة، وحكي على هذا القول وجهاً آخر أن الاعتبار بدخول وقت الصلاة المستقبلة لا بفعلها، فعلى هذا تقضى ركعتا الفجر ما لم تزل الشمس، فإن زالت فلا.

والقول الثاني -وقد نقله المسعودي عن القديم-: أنه ما كان من صلاة النهار يقضى ما لم تغرب الشمس، وما كان من صلاة الليل يقضى ما لم يطلع الفجر، فعلى هذا تقضى ركعتا الفجر ما دام النَّهَار باقياً.
وقوله في الكتاب: (وركعتا الصبح بعد فرض الصبح أداء وليس بقضاء)، قصد به بيان أن تأخير ركعتي الصبح إلى ما بعد الفريضة لا يوجب فواتهما [فلا يجري] 1 فيه الخلاف المذكور في القضاء، وتقديمها مستحب لا مستحق، وقد يؤمر بالتأخير بسبب يعرض كمن دخل المسجد والإمام يصلي الصبح، فينبغي أن يقتدي به، ثم بعد الفراغ [يشتغل بركعتي السُّنَّة.
وعن أبي حنيفة أنه لو علم أنه يدرك ركعة من الفريضة بعد الفراغ] 2 من السُّنَّةِ تُقَدَّمُ السُّنَّةُ.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلاَ صَلاةَ إِلاَّ المَكْتُوبَةُ" 3 ثم في معنى ركعتي الصبح سائر التَّوابع المقدمة على الفرائض، وذكرهما جرى على سبيل ضرب المثال، وأراد بقوله: (بعد فرض الصبح) ما لم تطلع الشمس، وقد حكينا من قبل وجهاً أن وقتها يمتد إلى الزوال لكنه ما أراد بذلك، فإن المذهب الظاهر خلافه 4.

جارٍ التحميل