العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 360-399

صَوْمُ عَشْرَةِ بِشَرْطِ التفريق بِيَوْمٍ فَصَاعِدًا.
بشرط التفريق بأربعة أيام ومدة إمكان المَسِير إلى الأهلِ 1. بِشَرْطِ التَّفْرِيقِ بأربعةِ أَيَّام فَحَسَبْ.
بشرط التفريق بمدة إِمْكَانٍ المسير فَحَسب.
ولو صَامَ عَشْرة أيام وَلاَءً، والتفريع على ظَاِهرِ المذهب، وهو لزوم القَضَاء، أجزأه إِنْ لَمْ نَشْتَرِط التَّفْرِيقَ، فإن شَرَطْنَا التفريقَ واكتفينَا بِيَومٍ لم يعتد باليوم الرَّابع، ويعتد بما بعده، ويجعل ذَلِكَ اليَوم كالإفْطَار إِذَا لَمْ يَقَعْ عَنْ هَذِهِ الجهة، ولهذا لو نوى فيه تطوعاً أو قضاءً يُجْزِئه، فعلى هذاَ يَصُومُ يوماً آخر، وقد خرج عن العهدة وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه ضعيف أنه لا يعتد بِشَيْءٍ مما بعد اليومِ الرَّابعِ.
وحكى الحَنَّاطِيُّ عن الإصطخري: وجهاً أضعف من هذا وهو: أنه لا يعتد بالثَّلاثَةِ أيضاً إذا نَوَى التَّتَابُعَ، وإن شرطنا التفريق بأكثر من يَوْمٍ لم يعتد بذلك القدر، ويقاس ما قبله وما بعده بما ذَكَرْنَا.
وأما لفظ الكتاب فقوله: (قضى عشرة أيام) لا يمكن حمله على القَضَاءِ المُقَابِلِ للأَدَاء، فإن العشرة لا تكون قضاءً بهذا المعنى، لكون السَّبْعَةِ مؤداةً فِيهَا، ولكن المراد قَضَاؤهَا في عَشْرَةِ أيام، أو المراد صَامَ عشرة أيام معبراً بلفظ القضاء على ما يشترك فيه القَضَاء والأداء، ويجَوز أن يُعَلَّم بالحاء والواو لما أعلم بهما قوله من قبل: (ولزم القضاء).
وقوله: (ويفرق بين الثلاثة والسبعة بمقدار ما يقع التفرقة في الأداء) لا يمكن من جهة النظم حمله على شَرَائِط التفريق هكذا، وإن كان هو ظاهر المَذْهَبِ عند عامة الأصْحَاب؛ لأنه لو كان هذا حكماً باشتراطه لم يَصِح أن يقول بعده: فإن لم يفعل ففي صِحَّة اليوَم الرَّابع قولان، وأيضاً فإنه حكم بِصِحَّة مَا بُعْدَ اليَوْم الرَّابع إن لم يصح اليومُ الرَّابعُ، ومن شَرْطَ التفريق بِذَلِكَ المقدار لا يكتفي بِيَوْمٍ، فكأنه أرادَ به هكذا ينبغي أن يفعل تحرزا عن الخِلاَف فإن لم يفعل فَفِيه الخِلاَفُ.
وقوله: (فإن لم يفعل فَفِي صِحَّة اليوم الرابع عن هذه الجهة قولان).
فيه إضْمَار معناه: فإن لم يفعل وَوَالَى بَيْنَ العَشْرَةِ وإلاَّ فَلاَ يُلْزَم مِنْ أَنْ لاَ يُفَرِّق بين الثَّلاثَةِ والسَّبْعَةِ بمقدار ما يَقَعْ عَلَيْهِ التفرقة في الأدَء الموالاة لجواز التفريق بمقدار بخالف ذَلكِ المِقْدَار وحينئذ لا يلزم أن يكون صائماً اليومَ الرَّابعَ حتى يقال: هَلْ يعتد به

أم لا؟ ثم لا يخفى أن هذا الخِلاَف هُوَ الخُلاَفُ في أن التفريق هَلْ هُوَ شَرْطٌ أم لا؟ كَمَا مَرَّ ثم يتعين اليَوْم الرَّابع، والحكم بأنه إِنْ لَمْ يَصِحّ صَحَّ ما بعده ذهاب إلى الاكتفاء في التَّفْرِيقِ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، والظَّاهر خلافه على ما أوضحناه فيجب إعلام قوله: (صح ما بعده) بالواو لذلك، ثم للوجه المنقول عن صَاحِب التقريب.
فرع: كل واحد من صَوْمِ الثلاثة في الحَجِّ والسَّبْعَةِ بعده يستحب فيه التَّتَابع وَلاَ يَجِب 1، وروى صاحب "المعتمد" تخريج قَوْلٍ في كفارة اليمين أنه يجب فيهما التتابع.
قال الغزالي: وَإِنْ وُجِدَ الهَدْيُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَوْ وُجِدَ قَبْلَ الشُّروعِ وَبَعْدَ الإِحْرَامِ بِالحَجِّ يَبْنِي عَلَى أَنَّ العِبْرَةَ فِي الكَفَّارَاتِ بِحَالَةِ الأَدَاءِ أَوْ بِحَالَةِ الوُجُوبِ.
قال الرافعي: إذا شرع في الصَّوْمِ ثم وجد الهَدْيَ استحب له أن يهدي، ولا يلزمه سواء شرع في صَوْمِ الثَّلاتة أوْ فِي صَوْمِ السبعة، وبه قَال مَالِكٌ، وكذا أَحْمَدٌ -رحمهما الله- في رواية خلافاً للمزني في الحالتين، ولأبي حنيفة -رحمه الله- فيما إذا شَرَع في صَوْمِ الثَّلاثة، ولو فرغ من صَوْم الثَّلاثةَ وَوَجَدَ الهَدْيَ قبل يوم النَّحْرِ يلزمه الهدي أيضاً عنده، وإن وجد بعده فَلاَ، والخَلاف في المَسْألة شبيه بالخِلاَف في القدرة على العِتْقِ بعد الشّروع في صوم الشَّهْرين وفي وجدان المَاءِ بعد الشُّروعِ فِي الصَّلاة بالتيمم.
ولو أحرم بالحجِّ ولا هَدْيَ ثم وجده قبل الشُّروع في الصَّوْم فيبني ذلك على أن الاعتبار في الكَفَّارَاتِ بحالة الوجوب أو بحالة الأداء أو يعتبر أغْلَظَ الحَالتين، والخلاف فيه يذكر في موضعه -إنْ شَاءَ الله تعالى- فإن اعتبرنا حالة الوجوب أجزأه الصَّوْم، وإن اعتبرنا حالة الأداء أو أغلظ الحالتين لزمه الهَدْي، وهو المنقول عن نَصِّه في هذه المسألة 2. قال الغزالي: وَلَوْ مَاتَ المتَمَتِّعُ قَبْلَ الفَرَاغِ مِنَ اَلْحَجِّ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ نَظَراً إلى الآخَرِ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ الفَرَاغِ أَخْرَجَ مِنْ تَرِكَتِهِ فَإِنْ مَاتَ مُعْسِراً صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ أَوْ فَدَى كُلَّ يَوْمٍ بِمُدٍّ كَمَا فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُرْجِعُ هَاهُنَا إِلَى الأَصْلِ وَهُوَ الدَّمُ.
قال الرافعي: المتمتع الواجد لِلْهَدْيِ إذا مات قبل الفراغ من الحَجِّ هل يسقط عنه الدَّم؟ حكى صاحب "النهاية" وغيره فيه قولين:

أحدهما: نعم؛ لأن الكَفَّارَةَ إنما تَجِب عند تَمَامِ النُّسُكَيْنِ على سبيل الرَّفَاهِيَة، وربح أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وإذا مات قبل الفَرَاغ لم يحصل هذا الغَرَض.
وأصحها: أنه لا يسقط بل يخرج من تركته؛ لأنه وَجَبَ بِالإحْرَام بالحَجِّ والتمتع بالعمرة إلى الحج، وأنه موجود، ولو مات بعد الفراغ من الحج فلَا خلاف في أنه يخرج من تركته.
وأما الصَّومَ فإن مات قبل التمكن منه: ففيه قولان: أحدهما: أنه يهدي عنه؛ لأن الصَّوْمَ قد وجب بالشُّروع في الحَجِّ فلا يسقط من غير بدل، وهذا مصور فيما إذا لم يَجِد الهَديَ في موضعه وله ببلده مَالٌ، وفيما إذا كَانَ يُبَاعُ بِثَمَنٍ غَالٍ.
والثاني: أنه يسقط؛ لأنه صَوْمٌ لم يتمكن من الإتْيَانِ بِهِ، فأشبه صَوْمَ رَمَضَانَ، وهذا أصح قاله ابْنُ الصَّبَّاغِ، وصاحب "التهذيب" وإن تمكن من الصَّوْمِ فلم يصم حتى مَاتَ فَهَلْ هو كصوم رمضان؟ فيه طريقان: أصحهما: نعم؛ لأنه صَوْمٌ مفروضٌ فاته بعد القدرة عليه فعلى هذا يصوم عنه وَلِيُّه في القول القديم، وفي الجديد يطعم عنه من تركته لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّ، فإن تمكن من جَمْعِ العشرة فعشرة أَمْدَادٍ، إلا فَبِالقِسْطِ، وهل يجب صَرْفُهُ إلى فقراء الحَرَمِ أم يجوز صرفه إلى غيرهم؟ فيه قولان: أشبههما: الثاني.
والثاني: أنه لا ينزلَ منزلة صوم رَمَضَانَ، وتجعل الفدية من خواص رمضان كالكفارة العُظْمَى، وعلى هذا: فقولان: أصحهما: أن الرُّجُوعَ إِلَى الدَّمِ، لأنه أقرب إلى هذا الصَّوْمِ من الأمداد، فيجب في فَوَاتِ ثلاثة أيام إلى العَشْرَةَ شَاةٌ، وفي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثُلُثُ شَاةٍ، ويومين ثُلُثَا شَاةٍ، وعن أبي إسحاق إشارة إلى أن اليوم واليومين كإتلاف الشعرة والشعرتين من المحرم، وفيما يقابل به الشعرة الواحدة أقوال: أحدها: مُدٌّ من طعام.
والثاني: دِرْهم.
والثالث: ثلث شاة.
والثَّاني: نقله الإمام والمصنف في "الوسيط" عن رواية صَاحِبِ التقريب أنه لا يَجِبْ شَيْءٌ أصلاً.
فإن قلت: قد عرفت حكم ما إذا تمكن من الصوم وما إذا لم يتمكن فما التمكن؟

قلنا: أما الثَّلاثة فالتمكن من صَوْمِهَا بأن يحرم بالحج لزمان يَسَع صَوْمَهَا قبل الفراغ ولا يكون به مَرَضٌ مَانِع، وذكر الإمام -رحمه الله- أنه لا يجب شيء في تركته ما لم ينته إلى الوطن؛ لأن دوام السَّفَرِ كدوام المَرَضِ، وَصَوْم الأيام الثلاثة وإن كان ثابتاً على الغرباء فلا يزيد تأكده على تكد صَوْمِ رمضان أداء واستدراكاً، وهذا غير مُتَّضِح لأن صَوْمَ الثلاثة بتعين إيقاعه في الحَجِّ وإن كانوا غرباء مُسَافِرين بالنَّصِ، فكيف ينهض السَّفر عذراً فيه؟ وكيف يُقَاسُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ؟ وأما السبعة فإن فَسَّرْنَا الرجوع بالرجوع إلى الوَطَنِ فله التَّأْخِير إلى الوُصول إليه، وكأنه لا يمكن قبله وإن فَسَّرْنَاه بالفراغ من الحَجِّ فكذلك، ثم دوام السَّيْرِ عذر على ما ذكره الإمام -رحمه الله-.
وعن القاضي الحُسَيْنِ -رحمه الله- أنا إذا استحببنا التأخير إلى أن يصل إلى الوطن تفريعاً على أن الرجوع هو الفراغ من الحَجِّ فهل يفدي عنه إذا مات في الطريق؟ فيه وجهان تخريجاً من الوجهين فيما إذا ظَفَرَ بالمَسَاكين، ولم يدفع الزَّكاة إليهم ليدفعها إلى الإمام فَتَلَفَ المَالُ، هل يضمن؟ ولا يخفى بعد ما ذَكَرْنَاه أن قوله: (صام عنه وليه أو فدى كل يوم بمد) ليس المراد منه التخيير، وإنما هو إشارة إلى القولين القديم والجديد المذكورين في صيام رمضان، وأن قوله: (وقيل: إنه يرجع هاهنا إلى الأصل) قول لا وجه، وأن المراد من قوله: (فإن مات معسراً إلى آخره) ما إذا مات بعد التَّمَكُّنِ، وإن كان اللفظ مطلقاً، ويجوز أن يعلم قوله: (صام عنه وليه أو فدى كل يوم بمد) كلاهما بالحاء.
أما الأول: فلأن أبا حنيفة -رحمه الله- لا يقول بصوم الولي.
وأما الثاني: فلما قدمنا أنه إذا لم يَصُم الثَّلاثة في الحَجِّ سقط الصوم واستقر الهَدْيُ، ولفظ الكتاب مطلق، ويجوز أن يُعَلَّم الأول وبالميم والألف أيضاً.

الْبَابُ الثَّانِي فِي أَعْمَالِ الحَجِّ

وَفِيهِ أَحَدَ عَشَرَ فَصْلاً

الفَصْلُ الأوَّلُ فِي الإحْرَامِ

قال الغزالي: وَيَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ (ح) مِنْ غَيْرِ تَلْبِيَةٍ، وَإِنْ ارَمَ مُطْلَقاً ثُمَّ عَيَّنَ بِحَجٍّ أَوْ عُمرَةٍ أَوْ قِرَانٍ فَلَهُ ذَلِكَ، إلاَّ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ يُعَيِّنَ لِلْحَجِّ أَوْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ الحَجُّ بَعْدَ الأَشْهُرِ فَإنَّهُ لاَ يَجُوزُ (و).

قال الرافعي: فوصل الباب تفصيل ترجمته الجملية غير الفصل الأخير، فإنه لا اختصاص له بهذا البَابِ، ولعَلَّ غيره أليقُ به، ومقصودُ الفَصْلِ الأول الكلام فيما ينعقد به الإحْرَام، وفي كيفية انعقاده 1، وينبغي للمحرم أن ينوي وَيُلَبِّي، فإن لم يَنوِ وَلَبَّى فقد حكى عن رواية الربيع أنه يلزمه مَا لَبَّى به، وقال في "المختصر": وإن لم يرد حجاً ولا عمرةً فليس بِشَيْءٍ، واختلف الأصْحَاب على طريقين: أضعفهما: أن المسألة على قولين: أصحهما: أن إحْرَامُهُ لا ينعقد على ما ذَكَرَهُ في "المختصر" لأن الأعمال بالنيات.
والثاني: أنه يلزمه ما سَمَّى؛ لأنه التزمه بقوله، وعلى هذا لو أطلق التَّلْبِيَة انعقد له إحرام مطلق يَصْرِفه إلى ما شَاءَ من كلا النُّسُكَيْنِ أو أَحدهما.
وأصحهما: القطع بِعَدَم الانعقاد وحمل منقول الربيع على ما إذا تلفظ بأحد النُّسُكَيْنِ على التعيين ولم يَنْوِه ولكن نوى الإحرام المطلق فيجعل لفظه تفسيراً وتعييناً للإحرام المطلق 2. واعرف هنا شيئين: أحدهما: أن تنزيل لفظ "المختصر" على صورة المسألة يفتقر إلى إضْمَار؛ لأنه قد لا يريد حجاً ولا عمرة، ولكن يريد نَفْس الإحرام، فالمعنى حجاً ولا عمرةَ ولا أصْلَ الإِحْرَام.
والثاني: أن جعل اللفظ المجرد تفسيراً في صورة التأويل، مشكل كجعله إحراماً في الابتداء، والظاهر أنه على تجرده لا يجعل تفسيراً على ما سيأتي، ولو نوى انعقد إحْرَامه، وإن لم يُلَبِّ، وبه قَالَ مالك وأحمد -رحمهما الله- لأنه عبادة ليس في آخرها ولا في أثنائها نُطْقٌ وَاجِبٌ، فكذلك في ابتدائها كالطهارة والصوم، وعن أبي عَلِيٍّ بْنِ خَيْرَانَ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وأَبِي عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرَي -رحمهم الله- أن التلبية شرط لانعقاد الأحرام لإطباق النَّاسِ على الاعتناء به عِنْدَ الإحْرَامِ، وبه قال أبو حنيفة إلا أن عنده

سَوْقَ الهَدْي وَتقْليدَه والتوجه معه يقوم مقامَ التلبية، وحكى الشَّيْخُ ابُو مُحَمَّدٍ وغيره قولاً للشافعي -رضي الله عنه- مثل مذهبه وحكى الحَنَّاطِيُّ هذا القول في الوجوب دون الاشتراط، وذكر تفريعاً عليه أنه لو ترك التلبية لزمه دَمٌ، وإذا عرفت أن النِّية هِيَ المُعْتَبَرةَ دون التلبية، فيترتب عليه أنه لو لَبَّى بالعمرة ونَوَى الحَجَّ فهو حَاجٌّ، ولو كان بالعَكْسِ فهو مُعتَمِرٌ ولو تلفظ بأحدهما ونوى القَرَان فَقَارِن، ولو تَلَّفظ بالقران ونوى أحدهما فهو مُحْرِمٌ بِمَا نَوَى واعلم أن الإحرام تَارةٌ ينعقد معيناً بأن ينوي أحدَ النُّسُكَيْنِ عَلَى التعيين أو كليهما، ولو أحرم بحجتين أو بعمرتين لم يلزمه إلا وَاحِدَة، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: يلزمانه فيشتغل بِوَاحِدَةٍ، وتكون الأخرى في ذِمَّتِهِ، وتارة ينعقد مطلقاً بأن ينوي نفسَ الإِحْرَام ولا يقصد القران، ولا أحد النسكين فهو جائز، لما روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- أَحْرَمُ مُطْلَقًا وَانْتَظَرَ الْوَحْيَ" 1 ويفارق الصَّلاة فإنه لا يجوز الإحْرَام بها والتعيين بعد؛ لأن التعيين لَيْسَ بِشَرْطٍ في انعقاد الحَجِّ، ولهذا لو أُحرم الضرورة عن غيره انصرف إليه ولو أحرم بالنفل قبل الفرض انصرف إلى الفَرْض، وإذا أحرم مطلقاً فينظر إن أحْرَمَ في أَشْهُرِ فله أن يصرفه إلى ما شَاء من الحج والعمرة والقَرَان، والتعيين بالنِّية لا باللفظ، ولا يجزئ العَمَلُ قبل التعيين، ذَكَرَهُ الشيخ أَبُو عَلِيِّ وغيره، وإن أحرم قبل الأشْهُرِ، فإن صَرَفَهُ إلى العُمْرَةِ صَحَّ، وإن صرفه إلى الحَجِّ بعد دخول الأشهر هل يجوز؟ بَنَاهُ الشيخ أبو علي على مسألةٍ أخرى وهي ما لو أحرم بالعُمْرَة قبل أشهر الحج ثم أراد إدْخَال الحج عليها في الأَشْهُرِ ليكونَ قَارِناً، وفي جوازه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه إنما يصير داخلاً في الحَجِّ من وقت إحْرَامه به، ووقت إحرامه به صَالِحٌ للحج.
والثاني: لا يجوز لأن ابتداء إحْرَامِهِ وقع قبل الأَشْهُرِ، والقارن في حُكْمِ مُلاَبِس بإحرام واحدٍ، ألا ترى أنه لو ارتكب محظوراً لم يلزمه إلا فِدْيَة واحدةٌ، فلو انعقد الحج وابتداء الإحرام سابق على الأشهر لانعقد الإحرام بالحَجِّ قبل الأَشْهُر.
فإن قلنا بالوجه الأول فإذا أحرم مطلقاً ثم دخلت الأشهر فله أن يجعله حجاً وأن يجعله قراناً ويحكى هذا عن الحصري.
وإن قلنا: بالثاني حكمنا بانعقاد الإحرام المطلق عُمْرَةَ، لأنه لا يحتمل أن ينصرف إلى غيرها، وعلى الأول ينعقد على الإبهام، ثم لو صَرَفَهُ إلى الحَجِّ قبل دخول الأَشْهُرِ كان كما لو أحرم بالحَجِّ قبل الأشهر، وقد مضى الكلام فيه.
واعلم أن الصورتين معاً المبنية والمبني عليها مذكورتان في الكتاب.

وقوله (إلا أن يحرم قبل أشهر الحج ثم يعين للحج) أراد به ما إذا أحرم مطلقاً قبل الأشهر ثم صرفه إلى الحَجِّ في الأشهر.
وقوله: (أو يدخل عليه الحج بعد الأشهر) أراد به ما إذا أحرم بالعمرة في غير الأَشْهُرِ، ثم أدخل الحَجَّ عليها في الأشْهُرِ، وإن لم يكن في اللفظ إنباء عنه، وقد أجاب فيهما جميعاً بالمنع وهو ظاهر المذهب في الصورة الأولى.
وأما في الثانية وهي صورة الإدخال فكأنه تابع فيه الشَّيْخَ أَبَا عَلِيّ: فإنه اختاره وحكاه عن عامة الأصحاب، لكن القَفَّالَ اختار الجواز وبه أجاب صَاحِبُ "الشَّامِلِ" وغيره ثم فيما ذكره من جهة اللفظ استدراك، فإنه استثنى الصورتين مما إذا أحرم مُطْلَقًا والصورة الثانية غير داخلة فيه حتى تستثنى، وما الأفضل من إطلاق الإحْرَام وتعيينه؟ فيه قولان: قال في "الإملاء": الإطلاق أفضل، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "أَحْرَمَ مُطْلَقَاً" 1 وأيضاً فقد يعرض ما يمنعه من أحد النسكين، فإذا أطلق أمكن صَرْفُه إلى الآخر.
وقال في "الأم" وهو الأصح: التعيين أفضل، وبه قال أبو حنيفة: -رضي الله عنه- لأنه أقرب إلى الإِخْلاَص، وقد روى عن جابر -رحمه الله- قال: "قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَنَحْنُ نَقُولُ لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ" 2 وعلى هذا فهل يستحب التلفظ بما عَيَّنَهُ؟ فيه وجهان: أصحهما: وهو المنصوص: لا بل يقتصر على النية؛ لأن إخفاء العبادة أفضل.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة: نعم لخبر جابر -رضي الله عنه-، ولأنه يكون أبعد عن النسيان -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوْ أَهَلَّ عَمْرو بإهْلاَلٍ كَإهْلاَلِ زَيْدٍ صَحَّ، فَإِنْ كَانَ إِحْرَامُ زَيْدٍ مُفَصَّلاً أَوْ مُطْلقًا كَانَ إِحْرَامُ عَمْروٍ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ أَطْلَقَ أَوَّلاً ثم فَصّله قَبْلَ إِحْرَامِ عَمْروٍ نُزَّلَ إِحْرَام عَمْروٍ عَلَى المُطْلَق نَظَرًا إلَى الأَوَّلِ أَوْ عَلَى المُفَصَّل نَظَرًا اِلي الآخَرِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَو لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرمًا بَقِيَ إحْرَامُهُ مُطْلَقاً إلاَّ إِذَا عُرِفَ أنَّهُ غَيْرُ مُحْرِمِ، فَإِنْ عُرَفَ مَوْتُهُ انْعَقَدَ لِعَمْروٍ إِحْرَامٌ مُطْلَقاً عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ وَلُغَتِ الإِضَافَةُ فَإنَّهُ نَصَّ في "الأُمِّ" أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ عَنْ مُسْتَأْجِرَيْنِ تَعَارضَنَا وَانْعَقَدَ عَنِ الأَجِيرِ، وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ المُسْتَأجِرِ تَسَاقَطَتِ الإِضَافَتَانِ وَبَقِيَ الإحْرَامُ عَنِ الأَجِيرِ.
قال الرافعي: إذا أَهَلَّ عمرو بما أَهلَّ به زَيْدٌ جَاز لما روي "أَنَّ عَلِيًّا وَأَبَا مُوسَى -

رضي الله عنهما- قَدِمَا مِنَ اليَمَنِ مُهِلِّينَ بمَا أَهَلَّ بهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا" 1 ثم فيه ثلاث مسائل لأن زيداً إما أن يكون محرمًا، أو لا يكون، وإن كان محرماً فإما أن يمكن الوقوف على ما أحرم به أو لا يمكن، والفَصْلُ مشتمل على مسألتين من الثَّلاَثِ.
أحدهما: أن يكون زيدٌ محرماً ويمكن الوقوف على ما أحرم به، فينعقد لعمرو مثل إحْرَامه، وإن كان محرماً بِحَجٍّ فعمِرو أيضاً حَاج، وإن كان معتمراً فمعتمر، وإن كان قارناً فقارِن، وإن كان إحرامه مطلقاً انعقد لعمرو إحرامٌ مطلقٌ أيضاً، ويتخير كما يتخير زَيْد، ولا يلزمه صَرْفُ إحْرَامِهِ إلى ما يصرف إليه زَيْد، وفي "المعتمد" نقل وجه أنه يلزمه، والمشهور الأول، قال في "التهذيب": إلا إذا أراد إحراماً كإحرام زيد بعد تعيينه.
وإن كان إحرام زيد فاسداً فإحرام عمرو ينعقد مطلقاً.
أو لا ينعقد أصلاً؟ عن القاضي أبي الطيب، حكاية وجهين فيه 2. ولو أن زيداً كان قد أبهم إحْرَامه أولاً ثم فَصَّلَهُ قبل إحرام عمرو ففيه وجهان: أْشبههما: أن إحرامه ينعقد مبهماَ نظراً إلى أوَّلِ إحرامِ زَيْدٍ.
والثاني: ينعقد مُفَصَّلاً نظرًا إلى آخره، والوجهان جاريان فيما لو كان زيدٌ قد أحرم بِعُمْرَةٍ ثم أدخل عليها الحَجّ فعلى الأول لا يلزمه إلا العُمْرَة، وعلى الثَّانِي يكونُ قَارِنًا.
وموضع الوجهين ما إذا لم يخطر له التشبيه بآخر إحْرَامِ زَيْدٍ في الحَالِ، وإلا فالاعتبار بالآخر بِلاَ خِلاَف، وما إذا لم يخطر له التشبيه بابتداء إحرامه، وإلا فالاعتبار بالأول بلا خِلاَف، ولو أخبره زَيْدٌ عما أحرم به ووقع في نفسه خِلاَفه فيعمل بما أخبره عنه، أو بما وقع في نَفْسِهِ.
فيه وجهان: وإذا أخبره عن إحرامه بالعمرة وجرى على قوله ثم بأن أنه كان محرماً بالحج، فقد بأن أن إحْرَام عمرو كان منعقداً بالحج، فإن فات الوقت تحلل من إحْرَامه للفوات وأراقَ دماً، وهو في ماله أو مال زيد للتغرير؟ فيه وجهان أورد المسألتين صاحب "المعتمد" وغيره.
الثانية: أن لا يكون محرماً أصلاً فينظر إن كان عمرو جاهلاً به انعقد إحْرَامُه

مطلقاً؛ لأنه جزم بالإحْرَامِ، وجعل له كيفية خَاصَّة فيبقى أصل الإحرام وإن بطلت تلك الكيفية، وإن كان عالمًا بأنه غير محرم فوجهان: أحدهما: أنه لا ينعقد إحرامه أصلاً كما إذا قال: إن كان فلانٌ محرماً فقد أحْرمَت فلم يكن محرماً.
وأصحهما: ولم يذكر الجمهور غيره: أنه ينعقد إحرامه مطلقاً؛ لما ذكرنا في صُورَةِ الجَهْلِ، ويخالف ما إذا قال إن كان محرماً قد أحرمت، فإن هناك علق أصْل إحرامه لإحرامه فلا جرم إن كان محرماً فهو محرم، وإلا فلا وهاهنا الأصْلُ مجزوم به.
واستشهد في الكتاب لهذا الوجه بصورتين نَصَّ عليها في "الأم": أحدهما: لو استأجره رجلانِ ليحج عنهما فأحرم عَنْهُمَا لم ينعقد الإحْرَام عن واحد مِنْهُمَا، لأن الجمع غير ممكن، وليس أحدهما أولى بَصَرْفِ الإحْرَامِ إليه، فلغت الإضافتان ووقع الحَجُّ عن الأَجِيرِ، والتصوير في الإجارة على الذِّمة بَيِّنٌ، وقد تصور في إجارة العين أيضاً وإن كانت إحدى الإجارتين فَاسِدَةٌ؛ لأن الإحْرَام عن الغير لا يتوقف على صِحَّة الإجَارَة.
والثانية: لو استأجره رجلٌ ليحج عنه، فأحرم عن نفسه وعن المستأجر، لغت الإضافتان وتساقطتا وبقي الأحرام عن الإجِير، فلما لغت الإضافة في الصورتين وبقي أصل الإحْرَام جاز أن يَلْغُو هنا التشبيه في الكيفية، ويبقى أصْلُ الإحْرَامِ.
ويحوز أن يعلم قول في الكتاب: (وانعقد عن الأجير) بالحاء، لأن عند أبي حنيفة، إن كان المستأجران أبوي الأجير وأحرم عنهما، أو أحرم عنهما من غير إجارة انعقد الإحرام عن أحدهما، وله صرفه إلى أيهما شاء، وعنه في المستأجرين لأجنبيين روايتان: أظهرهما: مثل مذهبنا.
وقوله: (بأن عرف موته) إشارة به إلى ما ذكره الإمَامُ من أن العلم بأنه غير محرم لا يكاد يتحقق، فإن الاعتبار بالنية ولا يطلع عليها غير الله تَعَالى، وإنما يظهر التصوير إذا شَبَّه إحرامه بإحرام زَيْدٍ وهو يعرف أنه ميت.
والعم أن المسألتين والثالثة التي سنذكرها مفروضات فيما إذا أحرم في الحال بإحرام كإحرام الغير، أما لو عَلَّق بإحرامه في المستقبل فقال: إذا أحرم فأنا مُحْرِمٌ لَمْ يَصِح كما إذا قال: إذا جاء رأس الشَّهْرِ فإنا مُحْرِمٌ لا يصير محرماً بمجيئه؛ لأن العبادات لا تعلق بالأخطار، كذا أورده صاحب "التهذيب" وغيره، ونقل في المعتمد وجهين في صحة الإحرام المعلق بِطُلُوع الشَّمْسِ ونحوه، وقياس تجويز تعليق أصْلِ الإحرام بإحرام الغير تجويز، هذا لأن التعليق موجود في الحالين، إلا أن هذا تعليق بمستقبل، وذاك

تعليق بِحَاضِرِ، وما يقبل التعليق من العقود يقبلها جميعاً -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوْ مَاتَ لو مات زَيْدٌ بَعْدَ الإحرام أو عَسُرَ مُرَاجَعَته فهوَ كمُا لَوْ أَحْرَمَ مُفَصَّلاً ثُمَّ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، وَالقَوْلُ الجَدِيد أنَّهُ لاَ يُؤْخَذُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ اجْتِهَادًا لَكِنْ يَبْنِي عَلَى اليَقِينَ فَيَجْعَلُ نَفْسُهُ قَارِنًا فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ عَنِ الحَجِّ بِيَقِينٍ، وَكَذَا عَنِ العُمْرَةِ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: لاَ يَجُوزُ إِدْخَالُ العُمْرَةِ عَلَى الحَجِّ، فإنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَقَعَ الآنَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: النِّسْيَانُ عُذْرٌ في جَوَاز إِدْخَالِ العُمْرَةِ عَلَى الحَجِّ، فَإِنْ قُلْنَا: يَبْرَأُ عَنِ العُمْرةِ فَعَلَيْهِ دَمُ القِرَانِ وإلاَّ فَلاَ، وَإِنْ طَافَ أَوَّلاً ثُمَّ شَكَّ فَيَمْتَنِعُ إِدْخَالُ الحَجِّ لَوْ كانَ مُعْتَمِراً فَطَريقُهُ أَنْ يَسْعَى وَيَحْلَق وَيَبْتَدِئَ إِحْرَامُهُ بِالحَجِّ وَيتِمَّهُ فَيَبْرأَ عَنِ الحَجِّ بِيَقِين؛ لِأَنَّهُ إِنْ كانَ حَاجاً فَغَايَتُهُ حَلْقٌ في غيْرِ أَوَانِهِ وَفِيهِ دَمٌ، وَإِنْ كانَ مُعْتَمراً فَقَدْ تَحَلَّلَ ثُمَّ حَجَّ وَعَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ، فَالدَّمُ لاَزِمٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلاَ يَضُرُّهُ الشَّكُّ في الجِهَةِ فإِنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْط في نِيَّةِ الكَفَّاراتِ.
قال الرافعي: المسألة الثالثة: أن يكون زيدٌ محرماً لكن يتعذر مراجعته بجنون أو غيبة أو موت بعد الإحْرَام وقد شبهها في الكتاب بمسألة طويلة الفقه فنشرحها ثم نعود إلى هذه فنقول: إذا أحرم بنسك معين من النسكين ثم نسيه قال في القديم: أحب أن يقرن وإن تَحَرَّى رجوت أن يجزئه ونص في الجديد على أنه قارن، ونقل الشَّيْخُ أَبُو عَلِي فيها طريقين: أحدهما: نفي الخلاف في جواز التحري، ونص في الجديد على ما إذا شك، فلم يدر أنه أحرم بأحد النُّسُكَيْنِ أو قرن وأصحهما وهو رواية المعظم: أن المسألة على قولين.
القديم: أنه يتحرى ويعمل بظنه؛ لإمكان إدراك المقصود بالتَّحَرِّي كما في القِبْلَة والأواني.
والجديد: أنه لا يتحرى؛ لأنه تلبس بالإحْرَام يقيناً ولا يتحلل إلا إذا أتى بأعمال المشروع فيه، فالطريق أن يقرن ويأتي بأعْمَال النسكين، وهذا كما لو شَكَّ في صلاته في عدد الركعات يبني على اليَقِينِ، ليتحقق الخروج عما شرع فيه، ويفارق التحري في القِبْلة والأواني، لأن لها علاماتٍ تدل عَلَيْهَا، ولا دلالة هَاهُنَا واعلم أن هذا الفرق مبني على أن الاجتهاد يعتمد النظر في العلامات، وقد ذكرنا في كتاب الطَّهَارَةِ خلافاً فيه، وبتقدير أن يعتمده فناصر القول الأول قد لا يسلم انتفاء الأمارات هاهنا، وبنى الشيخ أبو محمد -رحمه الله- على هذين القولين اختلاف أصحابنا فيما إذا اجتهد جَمْعٌ في أوانٍ منها اثنان فصاعداً بِصِفَةِ الطَّهَارَة، وغلب على ظَنِّ كُلِّ واحد طهارة واحد هل يجوز اقتداء بعضهم ببعض؟ وقال هذا خلاف في أن الاقتداء هل يجوز بالتَّحَري والاجتهاد؟ التفريع إن قلنا: بالقديم فما غلب على ظنه أنه المشروع فيه من النّسكين

مضى فيه وأجزأه، كما لو اجتهد في الثوب والقِبْلة وصَلَّى على مقتضى اجتهاده، وفي "شرح الفروع" ذكر وجه ضعيف أنه لا يجزئه الشَّك.
وفائدة التحري الخلاص من الإحرام.
وإن قلنا: بالجديد فللشَّكِ حالتان.
إحداهما: أن يعرض قبل الإتيان بشيء من الأعمال، فلفظ النَّص أنه قَارِنِ، قال الأصْحَابُ معناه أنه ينوي القَرَان ويجعل نفسه قارنًا لا أنه يحكم بكونه قارنًا لحصول الشَّك، وأغرب أبو عبد الله الحَنَّاطِيُّ رحمه الله - فحكى قولاً أنه يصير قارنًا من غير نية ثم إذا نوى القرآن وأتى بالأعْمَالِ تحلل، وبرئت ذمته عن الحَجِّ بيقين، وأجزأته عن حَجَّةِ الإسْلاَمِ لأنه إن كان محرماً بالحَجِّ لم يضر تجديد الإحرام به وإدخال العمرة عليه لا يقدح فيه جَوَّزْنَاهُ أم لاَ، وإن كان محرماً بالعمرة فإدخال الحَجِّ عليه جائز قبل الاشتغال بالأعمال.
وأما العمرة فهل تجزئه عن عمرة الإسلام إن فرضناها؟ يبني على أن العمرة هل يجوز إدخالها على الحَجِّ أم لا؟ إن جوزناه أجزأته أيضاً؛ لأنه إن كان محرماً بها فَذَاك، وإلا فقد أدخلها على الحَجِّ، وإن لم نجوز إدْخَالَ العمرة على الحج ففيه وجهان: أصحهما: لا تجزئه، لاحتمال أنه كان محرماً بالحَجِّ، وامتناع إدخال العمرة عليه، والعمرة وَاجِبةٌ عليه فلا تسقط بالشَّكِ.
والثاني: ويحكى عن أبي إسْحَاقَ: أنها تجزئه ويجعل الاشتباه عذراً في جواز الإدْخَال، فإن حكمنا بإجزائهما جميعاً لزم دَمُ القَرَانِ، فإن لم يجد صَامَ عشرة أيام، ثَلاَثةٌ في الحَجِّ، وسبعةٌ إذَا رَجَعَ.
وإن قلنا: يجزئه الحُج دون العمرة، ففي لزوم الدَّمِ وجهان: أصحهما: أنه لا يجب؛ لأنا لم نحكم بإجزاء العُمْرَة فلا يلزمه الدَّمُ بالشَّكِ، وهذا هو الذي أورده في الكتاب.
والثاني: يجب؛ لأنه قد نوى القَرَان، وصحة نسمكيه محتملة، فكما لا تحسب العمرة احتياطاً لا يسقط الدّم احتياطاً.
الحالة الثانية: أن يعرض الشَّك بعد الإتيان بِشَيْءٍ من الأعمال وله حالات: إحداها: أن يعرض بعد الوقوف بعرفة وقبل الطواف، فيجزئه الحَجَّ؛ لأنه إن كان محرماً به فذاك، وإن كان محرماً بالعمرة فقد أدخل الحج عليها قبل الطَّواف حيث نوى القَرَان، وذلك جائز، ولا تجزئه العُمْرة؛ لاحتمال أنه كان محرماً بالحَجّ فليس له إدخالُ العمرة عليه بعد الوُقوفِ، هكذا أورده أبو القَاسِم الكَرَخِي، وصَاحِبُ "التهذيب" وهو

جواب أولاً على أن العمرة لا تدخل على الحَجِّ بعد الوقوف، وقد قدمنا وجهاً آخر: أنها تدخل عليه ما لم يأخذ في أسْبَابِ التحلل.
ثم هو مفروض فيما إذا كان وقت الوقوف باقياً، فوقف ثانياً، وإلا فمن الجائز أنه كان محرماً بالعمرة، فلا يجزئه ذلك الوقوفُ عن الحَجِّ.
الثانية: أن يعرض بعد الطَّواف وقبل الوقوف، فإذا نوى القَرَان وأتى بأعمال القرآن لم يجزئه حَجُّه؛ لاحتمال أنه كان محرمًا بالعمرة، فيمتنع إدْخَالُ الحَجِّ عليها بعد الطواف.
وأما العمرة فهل تجزئه؟ يبني على أن إدخال العمرة على أن إدخال العمرة على الحَجِّ هل يجوز؟ وبتقدير أن يجوز، هل يجوز بعد الطواف.
وأما العمرة فهل تجزئه؟ يبني على أن إدخال العُمْرةَ على الحَّجِّ هل يجوز؟ وبتقدير أن يجوز فهل يجوز بعد الطَّواف أم لا؟ إن قلنا: نَعَم أجزأته، وإلا فلا؛ لجواز أنه كان محرماً بالحج وقد طاف، وهذا هو الأصَحّ؛ لأنه شاك في عين ما أحرم به، وفيما أدخله عليه، فأشبه ما لو فاته ظُهْرٌ وعصر، وصلى إحداهما وَشَكَّ فيما صَلَّى يلزمه إعادتهما جميعاً، وذكر ابْنُ الحَدَّادِ في هذه الصورة: أنه يتم أعمال العمرة بأن يركع ركعتي الطواف، ويسعى، ويحلق أو يقصر، ثم يحرم بالحج، ويأتي بأعماله، وإذا فعل ذلك صَحَّ حَجُّه؛ لأنه إن كان محرماً بالحَجِّ لم يضر تجديد الأحرام، وإن كان محرماً بالعمرة، فقد تَمَتَّعُ ولا تصح عمرتُه؛ لاحتمال أنه كان محرماً بالحجّ ولم تدخل العمرة عليه إن لم ينو القَرَان.
قال الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ وَصَاحِبُ التَّقْرِيبِ والأكثرون: إن فعل ذلك فالجواب ما ذَكَره لكن لو استفتانا لم نفت به؛ لجواز أنه كان محرمًا بالحَجِّ، وأن هذا الحلق وقع في غير أوانه، وحينئذ يكون الحلقُ محظوراً، وهذا كما لو ابتلعت دجاجةُ إنسانٍ لؤلؤةَ غَيْره لا نفتي لصاحب اللؤلؤة بِذَبْحِها وإخراج اللؤلؤة، لكن لو فعل ذلك لم يلزمه إلا قدر التفاوت بين قيمتها حيةَ ومَذْبُوحة، وكذا لو استقبلت دابتان لشخصين على شَاهِقٍ، وتعذر مرورهما لا نفتي لأحدهما بِإهْلاَكِ دابة الآخر، لكن لو فعل خلص دابته، ولم يغرم إلا قيمة دابة الآخر، وسواء أفتينا له بذلك على ما ذكره ابْنُ الحَدَّادِ، أو لم نفت، فلو فعل لزمه دم؛ لأنه إن كان محرماً بالحج فقد حلق في غير أوانه، وإن كان محرماً بالعمرة فقد تمتع، فيريق دماً عن الواجب عليه، ولا يعين الجِهَة، كما إذا كانت عليه كفارة قتل أو ظهار فأعتق ونوى عما عليه تُجْزِئه؛ لأن التعيين في الكَفَّارات لَيْسَ بِشَرْطٍ، فإن كان معسراً لا يجد دماً ولا طعاماً صام عشرَة أيامٍ كما يصوم المتمتع فإن كان اللاَّزِم دم التمتع فَذَاك، وإن كان دم الحلق أجزأه ثلاثة أيام والباقي تطوع، ولا يعين الجهَة في صَومِ الثَّلاثَةِ، ويجوز تعيين التمتع في صَوْمِ السَّبْعَةِ، ولو اقتصر على صوم ثلاثةِ أَيامٍ هل

تبرأ ذمته؟ قضية ما ذكره الشَّيْخُ أَبو عَلِي أنها لا تبرأ؛ لأن شغل الذمة بالدم معلوم، فلا بد من تعيين البَرَاءة.
قال الإمام -رحمه الله- ويحتمل أن تبرأ؛ لأن الأصْلَ براءة الذمة، والشغل غير معلوم، وأطلق المصنف -رحمه الله- في "الوسيط" وجهين، تعبيراً عن هذين الكلامين، ويجزِئه الصَّوْمُ مع وجدان الطَّعَامِ؛ لأن الطَّعَام لا مدخل له في دَم التَّمتع، وفدية الحلق على التخيير قال الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 1، ولو أطعم هل تبرأ ذمته أم لا؟ لاحتمال أن اللازم دم التمتع؟ فيه كلام للشيخ والإمام -رحمهما الله- وهذا كله فيما إذا استجمع الرجل شرائط لزوم الدمِ للتمتع، فإن لم يكن مستجمعاً كما لو كان مَكيًّا لم يلزم الدّم؛ لأن شرط التمتع مفقود، ولزوم دَم الحَالِق مشكوكٌ فيه، وإذا جوز أن يكون إحرامه أولاً بالقَرَان فهل يلزمه دم آخر مع الدَّم الذي وصفناه؟ فيه الوجهان السَّابقان.
الثالثة: أن يعرض الشَّكُّ بعد الطواف والوقوف فإن أتى ببقية أعمال الحَجِّ لم يجزئه حَجُّهُ ولا عمرته.
أما الحَجِّ فالجواز أنه كان محرماً بالعمرة فلا ينفع فيه الوقوف.
وأما العمرة: فلجواز أنه كان محرماً بالحَجِّ، ولم يدخل عليه العمرة، فإن نَوَى القَرَان وأتى بأعمال القَارِن، فإجزاء العُمْرَة يبنى على أن العمرةَ هل تدخل على الحِجِّ بعد الوقوف؟ وقياس المَذْكُورِ في الحالة السَّابقَةِ وإن لم يتعرضوا له هَاهُنَا أنه لو أتم أعْمَالَ العمرةِ وأحرم بالحَجِّ وأتى بأعماله مع الَوقوف أجزأه الحَجُّ وعليه دم كما سَبَقَ، ولو أتم أعمال الحج، ثم أحرم بعمرة وأتى بأعمالها أجزأته العمرة، -والله أعلم-.
وفي المولدات وشروحها فرعان شبيهان بالمسألة نُرْدِفُها بِهما: أحدهما: لو تمتع بالعُمْرَة إلى الحَجِّ، وطَافَ للحج طواف الإفاضة ثم بان له أنه كان محدثاً في طواف العُمْرَة لم يصح طوافة ذلك ولا سعيه بعده؛ لأن شرط صِحَّة السعي تقدُّمُ طوافٍ عليه، وبان أن حلقه كان في غير الوقت، ويصير بإحرامه بالحج مدخلاً للحج على العمرة قبل الطَّواف فيصير قارناً، ويجزئه طوافه وسعيه في الحَجِّ عن الحج والعمرة جميعاً، وعليه دمان، دم للقران، ودم لِلْحَلْقِ في غير وقته، وإن بان أنه كان محدثاً في طواف الحج تطهر وأعاد الطواف والسعي، وليس عليه إلا دَمُ التمتع إذا اجتمعت شروطه، وإن شك فلم يدر أنه في أي طوافيه كان محدثاً فعليه أن يعيد الطواف

والسعي، وإذا أعادهما صح حجه وعمرته؛ لأنه إن كان حدثُه في طواف العُمْرَةِ، فقد صار قارناً بإحرام الحَجِّ، فيجزئه طوافه وسعيه المعادان عن النسكين جميعاً، وإن كان في طَوَافِ الحَجِّ فعمرته صَحِيحة، وكذا أعْمَالُ الحَجِّ سوى الطَّوافِ وَالسَّعْي، وقد أعادهما، وعليه دم؛ لأنه إما قارنٌ أو متمتع، وينوي بإراقته الواجب عليه، ولا يعين الجِهَة، وكذا لو لم يجد الدَّم فصام، والاحتياط أن يريق دماً آخر؛ لاحتمال أنه حالق قبل الوقت.
نعم، لو لم يحلق في العُمْرةَ على قولنا إن الحلق استباحةُ مَحْظُورٍ فَلاَ حاجة إليه، وكذا لا يلزمه عند تبين الحَدَثِ في طواف العمرة إلا دمٌ واحد.
والثاني: لو كانت المسألة بحالها إلا أنه جامع بعد أعمال العمرة ثم أحْرَم بالحج، وهذا الفرع ينظر إلى الأصلين: أحدهما: أن جماع النَّاسِ هل يُفْسِد النُّسُك فيوجب البَدَنة كجماع العَامِدِ أم لا؟ وفيه قولان سيأتي ذكرهما.
والثاني: أنه إذا فسد العمرة بالجماع ثم أدخل عليها، هل يدخل ويصير محرماً بالحج؟ فيه وجهان: أظهرهما: عند الشيخ أبي محمد -رحمه الله- وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ: لا؛ لأن الإحرام بالفَسَادِ في حكم المَنْحَل، وإذا انْحَلَّ إحرام العمرة لم يدخل الحَجَّ عليها، كما لو أدخل الحَجَّ عليها بعد الطواف.
والثاني: نعم، وإليه ميل الأكثرين، وبه قال الشَّيْخُ أَبُو زيْدٍ، وحكاه عن ابْنِ سُرَيْجٍ؛ لأنه محرم بالعمرة، ولم يأت بشيء من أعمالها، فأشبهت الصَّحِيحة، ولا أثر لكونهَا فَاسِدة، كما لا أثر لاقتران المفسد بالإحرام، فعلى هذا هل يكون الحج صحيحاً مجزئاً؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن المفسد متقدِّم عليه، فلا يؤثر فيه.
وأصحهما: لا؛ لأن الإحْرَام واحد وَهُوَ فَاسِد، ومحال أن يؤدى بالإحرام الفَاسِد نُسكٌ صَحِيحٌ، فعلى هذا ينعقد فاسداً أو صحيحاً ثم يفسد؟ فيه وجهان ذكروا نظيرهما فيما إذا أصبح في رمضان مجامعاً فطلع الفجر واستدام: أحدهما: أنه ينعقد صحيحاً ثم يفسد، كما لو أحرم مجامعاً انعقد صحيحاً ثم فسد.
وأصحهما: أنه ينعقد فاسداً إذا لو انعقد صحيحاً لما فسد؛ لأنه لم يوجد بعد انعقاد مفسد.
فإن قلنا: ينعقد فاسداً أو صحيحاً ويفسد مضى في النسكين وقضاهما وإن قلنا:

ينعقد صحيحاً ولا يفسد، قضى العمرة دون الحَجِّ، وعلي الوجوه الثلاثة يلزمه دَمُ القَرَانِ، ولا يجب عليه إلا بَدَنةٌ واحدة؛ لأن الإحْرَام وَاحِد، هكذا قاله الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، وحكى الإمام وجهين آخرين إذا حكمنا بانعقاد حَجِّه على الفَسَاد.
أحدهما: أنه يلزمه بَدَنَة أخرى لإفساده الحَجِّ بإدخاله على العُمْرَةِ الفَاسِدة.
والثاني: أنه يلزمه بدنة لإفْسَادِ العُمْرةَ وشاة لإدْخَال الحَجِّ عليها.
كما لو فسد نُسُكُه بِالْجِمَاع، ثم جامع ثَانِياً، يجب عليه للجِمَاع الثَّانِي شَاةٌ في وجه.
إذا وقفت على الأصلين فانظر أن قال: كان الحدث في طَوافِ العُمْرَة، فالطَّواف والسَّعْيُ بعده فَاسِدَان، والجماعُ وَاقِعٌ قبل التَّحَلُّلِ، وفيه طريقان: أحدهما: وبه أجاب الشَّيْخُ: أنه كجماع النَّاسِي، ففي إفسادهِ القولاَن، إذ لا فرق بين أن ينسى فيجامع، وبين أن يجامع وعنده أنه قد تحلل، كما لا فرق بين أن يتكلم في الصَّلاة نَاسياً، وبين أن يتكلم وعنده أنه قد تحلل.
والثاني: أنه لا ينزل منزلة النَّاسِي، قال الإمَامُ -رحمه الله-: وهذا كالخلاف فيما جَامَعَ على ظُنِّ أن الصُّبْحَ غَيْرَ طَالعٍ فبان خِلاَفه، هل يفسد الصَّوم أم يجعل الغَالِط كالنَّاسِي، فإن لم تفسد العُمْرَة به صارَ قَارِناً بإحْرَامِهِ بِالحَجِّ، وعليه دَمَانِ: أحدهما: لِلْقَرَانِ.
والآخر: لِلْحَلْقِ قبل وقته إلا إذا لم يحلق كما سبق، وإن أفسدنَا العمرة به وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ، فعليه بدنة للإفساد ودَمٌ للحلق قبل وقته، وإذا أحرم بالحَجِّ فقد أدخله على عُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ، فإن لم يدخل فَهُو فِي عُمْرَتِهِ كما كان، فيتحلل منها ويقضيها، وإن دخل وقلنا: بفساد الحَجِّ فعليه بدنةٌ لِلإفْسَاد، وَدَمٌ للقران، ودمٌ للحلق قبل وقته، ويمضي في الفاسدين ثم يقضيهما وإن قالَ: كان الحدث في طواف الحج فعليه إعادة الطواف والسَّعْي، وقد صح نُسُكَاهُ وليس عليه إلا دَمُ التمتع، وإن قال: لا أدري أنه في أي الطوافين كاَن، أخذ في كلّ حكم بيقين، فلا يتحلل ما لم يعد الطَّواف والسعي؛ لاحتمال أن حدثه كان في طواف الحج، وهذا حكمه، ولا يخرج عن عهدة الحج والعمرة إن كانا لاَزِمَيْنِ عليه لاحتمال كونه محدثاً في طواف العمرة، وتأثير الجِمَاع في إفساد النُّسُكَينِ على ظاهر المَذْهَب، فلا تبرأ ذمته بالشَّك، فإن كان متطوعاً فلا قضاء لاحتمال الإفساد وعليه دَمٌ.
أما للتمتع إن كان الحدث في طَوَافِ الحَجِّ أو للحلاق قبل الوَقْتِ إن كان في طواف العُمْرَة، ولا تلزمه البدنة؛ لاحتمال أنه لم تفسد العُمْرة، ولكن الاحتياط ذَبْحٌ بدنةٍ، وذَبْحُ شاةٍ أخرى، إذا جوزنا إدخال الحج على العمرة الفَاسِدة، لاحتمال أنه صَارَ قَارِناً بذلك، -والله أعلم-.

إذا عرفت هذا كله، وعدت إلى المسألة الثالثة من مسائل الإحرام المشبه بإحرام الغير، وهي أن يتعذر الوقوف على إحرام ذلك الغير، فاعلم أنها ما حكاه صاحب الكتاب وطائفة بمثابة نسيان ما أحرم به، ففيها القولان القديم والجديد، وقال الأكثرون: لا يَتَحَرَّى بحالِ بل ينوي القَرَان، وحكوه عن نَصِّه في القديم، والفرق في مسألة النسيان حَصَلَ الشَّكُ فِي فِعْلِهِ فله سَبيلٌ إلى التحري والتذكير، وفي المسألة الأخرى الشَّك فِي فِعْلِ الغَيْرِ، ولا سبيل إلى الاطلاع على نيته والتحري في فعله، فأعلم لهذا قوله: في الكتاب: (فو كما لو أحرم مفصلاً) بالواو، ويجوز أن يعلم قوله: (فالقول الجديد) بالواو؛ لما حكينا من الطريقة النَّافِيَة للخلاف عن الشَّيْخِ أَبِي عَلِي.
وقوله: (ولكن يبني على اليقين، فيجعل نفسه قارناً) مشعر بما هو المشهور، وهو أنه يصير قارناً بأن ينويه خلافاً لما حكاه الحَنَّاطِي: أنه يصير قارناً من غير نية، ويجوز أن يعلم بالواو لِذَلك، وأعلم بالألف أيضاً؛ لأن عند أحمد يتخير بين أن يجعله حجّاً أو عمرة، لأن عنده فسخ الحَجِّ إلى العمرة جَائِز، لكن هذا الإعلام إنما كان يحسن أن لو ألزمناه جَعْلَ نَفْسِه قارناً وهو غير لازم، وقد أوضح إمام الحرمين -رحمه الله- ذلك، فقال: لم يذكر الشافعي -رضي الله عنه- القرآن على معنى أنه لا بد منه، لكن ذكره ليستفيد الشَّاك به التحلل مع براءة الذِّمَّة عن النُّسُكَيْنِ، فلو اقتصر بعد النِّسيان على الإحرام بالحَجِّ، وأتى بأعْمَالِهِ حصل التَّحَلّل لا محالة، وتبرأ ذمته عن الحَجِّ؛ لأنه إن كان محرماً بالحَجِّ فذاك، وإن كان محرماً بالعُمْرَة فقد أدخل الحَجِّ عليها ولا تبرأ ذمته عن العُمْرَة؛ لجواز أنه كان من الابتداء محرماً بالحَجِّ، وعلى هذا القياس لو اقتصر على الإحْرَام بالعمرة، وأتى بأعمال القرانِ حَصَلَ التحلل، وبرئت ذِمَّتُهُ عن العُمْرَةِ، إن جَوَّزْنَا إدْخَالَ العمرة على الحَجِّ؛ لأنه إما محرمٌ بِهَا في الابتداء، أو مُدْخِلٌ لَهَا عَلَى الحَجِّ، ولا تبرأ عن الحَجِّ، لجواز أنه كان من الابتداء محرماً بالعمرة ولم يحرم بغيرها، ولو لم يجدد إحراماً بعد النسيان واقتصر على الإتيان بأعمال الحَجِّ يحصل التحلل أيضاً، ولكن لا تبرأ ذمته عن أحد النُّسُكَينِ؛ لشكه فيما أتى به، وإن اقتصر على أعمال العُمْرَةِ، فلا يحصل التَّحَلُّل، لجواز أنه مُحْرِمٌ يحرم بالحج، ولم يتم أعماله.
واختلفت رواية أصحابنا عن أبي حنيفة في المسألة، فنقل ناقلون عنه موافقة الجديد، منهم صاحب "الشامل"، وناقلون موافقة القديم، ومنهم صاحب "التهذيب".
والرواية الثانية تقتضي إعلام قوله: (لا يأخذ بغلبة الظن) بالحاء، وقوله فيما إذا شك بعد الطواف: (فطريقة أن يسعى ويحلق إلى آخره) مشعر بالترخص فيه، والأمر به كما قدمناه عن ابْنِ الحَدَّادِ، وقد صرح باختيار ذلك في "الوسيط".
ووجهه الشيخ أَبُو عَلِيٍّ بأن الحلق في غير وقته قد يباح بالعذر، كما إذا كان به أذىً من رأسه، وضرر الاشتباه لو لم يحلق أكثر لفوات الحَجِّ، لكن الأظهر عند الأكثرين: أنه لا يؤمر به على

ما مر فليعلم قوله: (فطريقه) بالواو لذلك، وقوله: (ويبتدئ إحرامه بالحج ويتمه) أي: عند الإمكان، وهو ما إذا بقي وقت الوقوف، وبالله التوفيق.

الفَصْلُ الثَّانِي فِي سُنَنِ الإِحْرَامِ

قال الغزالي: وَهِيَ خَمْسَةٌ الأُولَى الغُسْلُ تَنَظُّفاً حَتَّى يُسَنَّ لِلحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، ويغْتَسِلُ الحَاجُّ لِسَبْعَةِ مَوَاطِنَ، لِلإحْرَامِ، وَدُخُولِ مَكَّةَ، وَالوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَبِمُزْدَلِفَةَ، وَلرَمْيِ الجَمَرَاتِ الثَّلاَثِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ.
قال الرافعي: من سنن الإحرام أن يغتسل إذا أراده روى: "أَنَّهُ صَلَّى -صلى الله عليه وسلم- تَجَرَّدَ لإهْلاَلِهِ وَاغْتَسَلَ" 1. ويستوي في استحبابه الرجل والصبيّ والمرأة وإن كانت حائضاً أو نفساءَ، لأن مقصود هذا الغسل التنظيف، وقطع الرائحة الكريهة، ودفع أذاها عن الناسِ عند اجتماعهم وقد روى: "أَنَّ أَسْمَاءِ بِنْتَ عُمَيْسٍ امْرَأَةَ أَبِي بَكْرٍ نَفَسَتْ بذِي الْحُلَيفَةِ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ تَغْتَسِلَ لِلإحْرَامِ".
ولو كانت يمكنها القيام بالميقات حتى تطهر، فالأولى أن أن تؤخر الإحْرَام حَتى تطهر وتغتسل 2، ليقع إحرامُها في أكْمَلِ حَاليْهَا.
وإذا لم يجد المحرم ماءً أو لم يقدر على استعماله تَيَمَّم، لأن التيمم يَنُوب عن الغُسلِ الواجب، فعن المندوب أولى، نص عليه في "الأم"، وبقد ذكرنا في غسل الجمعة أن الإمام أبدى احتمالاً في أنه هل يتيمم إذا لم يَجِد المَاء؟ وجعله صاحب الكتاب وجهاً، واختار أنه لا يتيمم، وذلك الاحتمال عَائِدٌ هاهنا بلا شك، وإن لم يجد من الماء ما يكفيه للغُسْلِ توضأ، قاله في "التهذيب" 3. وقوله في الكتاب: (حتى يسن للحائض والنفساء) يجوز إعلامه بالواو؛ لأن إبراهيم المروروذي -رحمه الله- حكى قولاً في أنه لا يسن لهما ذلك، وإذا اغتسلتا فهل تنويان؟ فيه نظر لإمام الحرمين- قَدَّس الله روحه-، والظاهر: أنهما تنويان، لأنهما تقيمان مسنوناً.

واعلم: أن الحَاجَّ يسن له الغُسْلُ في مواطن قد عدَّها في هذا الموضع، ومرة أخرى في كتاب صلاة الجُمُعَةِ مع زيادة طواف الوَدَاعِ، وكنا أخرنا شرح تلك الأغسال إلى هذا الموضع، فنقول: أحدها: الغسل عن الإحرام، وقد عرفته.
والثاني: "الغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- " 1. والثالث: الغسل للوقوف بِعَرَفةَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ.
والرابع: الغسل للوقوف بِمُزْدَلَفَةَ غداة يوم النحر.
والخامس، والسادس، والسابع: ثلاثة أغْسَال لرمي الجَمَرَاتِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ وسببها: أن هذه مواطن يجتمع لها النَّاس فاستحب فيها الاغتسال قطَعاً للروائح الكَرِيهة.
واغتسال يوم التشريق في حق من لم ينفر في النَّفْرِ الأول، فإن نفر سقط عنه غُسْلُ اليَومِ الثَّالِثِ، وهذه الأغسال قد نص عليها الشافعي -رضي الله عنه- قديماً وجديداً، ويستوي في استحبابها الرَّجل والمرأة، وحكم الحائض ومن لم يجد الماء فيها على ما ذَكَرْنَا في الغُسْلِ للإحرام، وزَادَ في القديم غسلين آخرين: أحدهما: لطو اف الإفاضة.
والثاني: لطواف الوداع؛ لأن النَّاسَ يجتمعون لهما، ولم يستحبهما في الجديد؛ لأن وقتها مُتَسَعٌ فلا تغلب الزَّحْمَة فيهما كغلبتها في سَائِرِ المَوَاطِنِ، وعن القاضي أبي الطَّيِّبِ -رحمه الله- حكاية غسل آخر عن القديم، وهو عند الحَلْقِ، فتصير أغسال الحج على هذا عَشْرة.
قال الأئمة -رحمهم الله- ولم يستحب الشافعي -رضي الله عنه- الغسل لرمي جمرة العقبة يَوْم النَّحْرِ لأمرين: أحدهما: اتساع وقته، فإن وقته من انتصاف ليلة النَّحْرِ إلى الزَّوَالِ، ووقت رمي الجمرات من الزَّوَالِ إلى الغُرُوبِ، والتقريب بعد هذا من وجهين: أحدهما: أن اتساع الوقت مما يقلل الزحمة.
والثاني: أن ما بعد الزوال وقت شدة الحر وانصباب العرق، فتكون الحاجة إلى دفع ما يؤذي الغير أكثر.
والثاني: أن في غسل العيد يوم النحر والوقوف بعرفَة غنية عن الغُسْلِ رمي جمرة العقبة، لقرب وقتها منه 2 -والله أعلم-.

قال الغزالي: الثَّانِيَةُ التَّطَيّبُ لِلإحْرَامِ وَلاَ بَأْسَ بِطِيبِ لَهُ جَرْمٌ (ح).
وَفِي تَطْيِيبِ ثَوْبِ الإحْرَامِ قَصْداً لَهُ خِلاَفٌ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَنْزِعُ فَيَكُون عِنْدَ اللّبْسِ كَالْمُسْتَأْنِفِ، فَإِنْ اتَّفَقَ ذَلِكَ فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَجْهَانِ، وَيُسْتَحَبُّ خِضَابُ المَرْأَةِ تَعْمِيماً لِليَدِ لاَ تَظْرِيفاً.
قال الرافعي: يستحب أن يتطيب لإحرامه، لما روي عن عَائِشَة -رضي الله عنها- قالت: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لإحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلحَلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ" 1. ولا فرق بين ما يبقى له أثر وَجُرْمٌ بعد الإحْرَام وبين مَا لاَ يبقى.
قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ مِنْ مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ مُحْرِمٌ" 2. ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: (الثانية التطيب للإحرام) بالواو؛ لأن من الأصْحَاب من روى وجهاً: أنه ليس من السُّنَنِ والمحبوبات، وإنما هو مُبَاح، وأيضاً فإن اللفظ مُطْلَقٌ لا يفرق بين الرِّجَال والنساء، والاستحباب شامل للمصنفين في ظَاهِر المذهب، وحكى في "المعتمد" قولاً عن نقل الدَّاركي: أنه لا يستحب لهن التطيب بِحَالٍ، ووجهًا: أنه لا يجوز لهن التطيبِ بطيبٍ تَبْقَى عَيْنُه، أعلم قوله: (ولا بأس بطيب له جرم) -بالحاء وبالميم-.
وأما بالحاء فلأن شِرْذِمَةٌ روت عن أبي حنيفة -رحمه الله- المنع من ذلك، ومنهم المصنف، ذكره في "الوسيط"، لكن الثابت عنه مثل مذهبنا.
وأما بالميم فلأن عند مالك يكره له التطيب بما تبقى رَائِحَتُه بَعْدَ الإِحْرَامِ، ويروى عنه مَنْعُ التطيب مطلقاً ثم إذَا تطيب لإحرامه فلَه أن يستديم بعد الإحْرَام ما تطيب له، بخلاف ما إذا تَطَيَّبَتِ المَرْأَةُ ثم لزمتها العِدَّة يلزمها إزالته فِي وَجْهٍ؛ لأن في العِدَّة حق الآدمي فتكون المضايقة فيها أكثر، ولو أخذه من مَوْضِعِهِ بعد الإحرام ورده إليه أو إلى موضع آخَر لزمته الفدية، وروى الحَنَّاطِيُّ -رحمه الله- فيه قولين، ولو انتقل من موضعٍ إلى موضع بإسالة العَرَق إياه فوجهان: = في الغسل الرابع أنه للوقوت بمزدلفة، هو الذي ذكره الجمهور، وكذا نص عليه في "الأم".
وجعل المُحَاملي في كتبه، وسليم الرازي، والشيخ نصر المقدسي الغسل الرابع للمبيت بمزدلفة، ولم يذكروا غسل الوقوف بها.
ينظر الروضة (2/ 347).

أصحهما: أنه لا يلزمه شيء، لتولده عن مَنْدُوبٍ إليه مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ منه.
والثَّانِي: أن عليه الفدية إذا تركه، كما لو أصابه من مَوْضِعٍ آخر، لأن في الحالتين أصاب الطِّيب بعدم الإحرام موضعًا لم يكن عليه طِيب، هذا كله في البَدَنِ، وفي تطييب إزار الإحْرَام وردائه وجْهَانِ: أحدهما: لا يجوز؛ لأن الثَّوْبَ يُنْزَعُ وَيُلْبَسُ، وإذا نزعه ثم أعاده كان كما لو استأنف لِبْسَ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ.
وأصحهما: أنه يجوز، كما يجوز تطييب البَدَن، وبعضهم يَنْقُل هذا الخِلاَف قولين، والمشهور الأول، وفي "النهاية" وجه ثالث، وهو الفرق بين أن يبقى عليه عين بعد الإحْرَام فلا يجوز، وبين أن لا يبقى فيجوز، كما لو شد مسكًا في ثوبه واستدامه.
قال الإمام: والخلاف فيما إذا قَصَد تطييب الثوب.
أما إذا طيب بدنه فتعطر ثوبه تبعاً فلا حرج بِلاَ خِلاَف، وإلى هذا أشار في الكتاب حيث قال: (قصداً إليه) فإن جوزنا تطييب الثَّوْب للإحْرَامِ فلا بأس باستدامة ما عليه بعد الإحْرَام كما في البدن، لكن لو نزعه ثم لبسه ففي الفدية وجهان: أحدهما: لا يلزمه؛ لأن العادة في الثَّوْبِ أن ينزع ويعاد فجعل عفواً.
وأصحهما: أنها تلزم كما لو أخذ الطَّيب من بَدَنِهِ ثم رَدَّهُ إليه، وكما لو ابتدأ لبس ثوب مطيب بعد الإحْرَام، وفي الفصل مسألة أخرى وهي: أن المرأة يستحب لها أن تخضب بالحِنَّاء يديها إلى الكُوعَيْنِ قَبلَ الإِحْرَامِ.
وروى: "أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَمْسَحَ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا لِلإحْرَام بالْحِنَّاءِ، وَتَمْسَحَ وَجْهَهَا أَيضاً بِشَيْءٍ مِنَ الْحِنَاءِ" 1. لأنا نأمرها في الإحْرَامِ بنوع تكشف، فلتستر لَونَ البشرَةِ بلون الحِنَّاء، ولا يختص أصْلُ الاستحباب بحَالَةِ الإحرام، بل هو محبوب في غيرها من الأحوال: "رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةَ بَايَعَت رسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْرَجَت يَدَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَين الْحِنَّاءُ" 2 نعم في حالة الإحْرَامِ، ولا فرق بين ذات الزوج والخَلِيَّة، وفي سائر الأحوال يكره الخِضَاب للخلية، قاله في "الشامل" وحيث يستحب فإنما يستحب تعميم اليَد بالخِضَابِ دون التنقيش،

والتَّسْوِيد، والتطريف، فقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنِ التَّطْرِيفِ" 1 وهو أن تخضب أطراف الأصابع، ويكره لها أن تختضب بعدم الإحرام لما فيه من الزّينة وإزالة الشِّعث، ولو فعلت ففيه كلام نذكره في الباب الثَّالِثِ عند ذكر خضاب الرجل شعر لِحْيَتِهِ ورأسه -إن شاء الله تعالى 2 -. قال الغزالي: الثَّالِثَةُ أَنْ يَتَجَرَّدَ عَنِ المَحِيْطِ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ وَنَعْلَيْنِ.
قال الرافعي: إذا أراد الإحرام تَجَرَّدَ عن محيط ثيابه، إذ ليس للمحرم لِبْس المخيط على ما سيأتي، ويلبس إزارَاً ورداءً ونعلين.
روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَار وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ" 3 ويستحب أن يكون الإزار والرداء أبيضين: "فَإِنَّ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَى اللهِ -تَعَالى- الْبِيضُ" وليكونا جديدين، فإن لم يَجِدْ فليكونَا غَسِيلين، ويكره المَصْبوغ؛ لما روي عن عمر: "أَنَّهُ رَأَىَ عَلَى طَلْحَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ وَهُوَ حَرَامٌ، فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّكُمْ أَئِمَّة يُهْتَدَى بِكُمْ فَلاَ يَلْبِسْ أَحَدُكُمْ مِنْ هذِهِ الثِّيَابِ الْمُصْبَغَةِ فِي الإحْرَامِ شَيْئاً" 4. وقوله في الكتاب: (أن يتجرد عن المخيط في إزار إلى آخره) ينبغي أن يعلم فيه أن المعدود من السّنن التجرد بالصفة المذكورة.
فأما مجرد التجرد فلا يمكن عَدُّه من السُّنَنِ؛ لأن ترك لبس المَخِيط في الإحْرَامِ لاَزِمٌ، ومن ضرورة لزومه لزوم التجرد قبل الإحْرَام، وبالله التوفيق.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتيِ الإحْرَامِ ثُمَّ يُلَبِّيَ حَيْثُ تَنْبَعِثُ بِهِ دَابَّتُهُ، وَفي القَدِيمِ بِحَيْثُ يَتَحَلَّلُ عَنِ الصَّلاةِ.
قال الرافعي: يستحب أن يُصَلِّي قبل الإحرام ركعتين؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "صَلَّى بِذِيِ الْحَلْيِفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَحْرَمَ" 5.

وإنما يستحب ذلك في غَيْرِ وقتِ الكراهية.
أما في أوقات الكراهية فأصَحُّ الوجهين الكَرَاهَة على ما مر في فَصْلِ الأوقات المكروهة 1. ولو كان إحرامه في وقت فريضة وَصَلاَّهَا أغنته ذلك عن ركعتي الإحْرَام، ثم إذا صَلَّى نوى وَلَبَّى، وفي الأفضل قولان: أصحهما: أن الأفضل أن ينوي ويلبي حين تنبعث به دابته إن كان راكبًا، وحين يتوجه إلى الطَّريق إن كان ماشياً، لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لَمْ يُهِلَّ حَتَّى انْبَعَثَتْ بهِ دَابَتَهُ" 2. قال الإمام -رحمه الله- وليس المراد من انبعاث الدابة فورانها، بل المراد استواؤها في صَوْبِ مَكَّة.
والثاني: أن الأفْضَل أن ينوي وَيُلَبِّي كما تحلل من الصَّلاَةِ وهو قَاعِد، ثم يأخذ في السَّيْرِ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد؛ لما روي عن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَهَلَّ حِينئَذٍ" 3. ويشتهر القول الأول: بالجديد.
والثاني: بالقديم.
ويروى أيضاً عن المَنَاسِك الصغير من "الأم" واختاره طَائِفَةٌ من الأَصْحَابِ، وحملوا اختلاف الرواية على: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَعَادَ التَّلْبيَةَ عِنْدَ انْبعَاثِ الدَّابَّةِ، فَظَنَّ مَنْ سَمِعَ أَنَّهُ حِينئذٍ لَبَّى، والأكْثَرُونَ على ترجيح الأول.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ أَنْ يُلَبِّيَ عِنْدَ النِّيَّةِ وَيُجَدِّدَهَا عِنْدَ كُلِّ صُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَحُدُوثِ حَادِثٍ وَفِي مَسْجِدِ مَكَّة وَمِنًى وَعَرَفَاتٍ، وَفِيمَا عَدَاهَا مِنَ المَسَاجِدِ قَوْلاَنِ، وَفِي حَالِ الطَّوافِ وَيُسْتَحَبُّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِهَا إلاَّ لِلنِّسَاءِ.
قال الرافعي: لك أن تعلم قوله: (وأن يلبي عند النية) بالواو؛ لوجهٍ قدمناه في أن

التَّلْبيَة من وَاجِبَاتِ الإحْرَام لاَ مِنْ سننه، ثم تكثير التلبية في دوام الإحْرَام مستحبٌ قائماً كانَ أو قاعداً، راكبًا كان أو ماشياً، حتى في حالة الجنابة والحَيْضِ، وأنه ذِكْرٌ لا إِعْجَازَ فِيهِ فأشبه التسبيح، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها- حين حاضت: "افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ" 1. وتجديدُها أفضلُ في كل صُعودٍ وهُبُوطٍ، وحدُوثِ حادثٍ من ركوب أو نزول، أو انضمام رفاق، أو فراغ من صلاة، وعند إقْبَالِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ، ووقت السَّحَرِ.
روى عن جابر -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُلَبِّي فِي حِجَّتِهِ إِذَا لَقِيَ رَكْباً أَوْ عَلَى أكَمَةٌ، أَوْ هَبَطَ وَادِياً، وَفِي أَدْبَارِ الْمَكْتُوبَةِ، وَمِنْ آخِرِ اللَّيْلِ" 2. ويستحب الإتيان بها في مَسجَد مكة، وهو المَسْجُد الحَرَامُ، ومَسْجِدُ الخِيِفِ بِمِنًى، ومسجد إبراهيم عليه السلام بعَرَفَةَ، فإنها مَوَاضِعُ النسك، وفي سائر المَسَاجِدِ قولان: القديم: أنه لا يلبي فيها حذراً من التشويش على المتعبدين والمُصَلِّين، بخلاف المساجد الثَّلاثة، فإن التلبية معهودة فيها، ويروى هذا عن مالك -رحمه الله-.
والجديد: أنه يلبي فيها كَسَائِرِ المَسَاجِدِ، ويدل عليه إطلاق الأخبار الواردة في التَّلْبِيَة، فإنها لا تفرق بين مَوْضِعٍ ومَوْضِعٍ، وهذا الخلاف على ما أورده الأكثرون في أصْلَ التلبية، فإن استحببناه استحببنا رَفْعَ الصوت، وإلا فلا، وهو قضية نَظْمِ الكِتَاب.
وجعل إمام الحَرَمَيْن الخلافَ في أنه هل يستحبُ فيها أن يرفع الصوت بالتلبية؟ ثم قال: إن لم نؤثر رفع الصوت بالتلبية في سَائِرِ المَسَاجِدِ، ففي الرفع في المَسَاجِدِ الثلاثة وجهان، وهل تستحب التَّلبِيَة في طَوَافِ القُدومِ والسَّعْيِ بعده؟ فيه قولان: الجديد: أنه لا يستحب؛ لأن فيها أدْعِيَةً وأذكاراً خاصة فصار كطواف الإفَاضَةِ والوداع، وقد روى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: "لاَ يُلَبِّي الطَّائِفُ".
والقديم: أنه يستحب ولكن لا يَجْهَر بها، بخلاف طَوَافِ الإفاضة فإن هناك شرع في أسباب التَّحَلُّلِ، فانقطعت التلبيه، وهذا التوجيه يعرفك أن قوله في الكتاب: (وفي حالة الطواف قولان) محمول على طواف القُدُومِ، وإن كان اللفظ مُطْلقاً، وفي غيره من أنراع الطَّوَاف لا يُلَبِّي بِلاَ خِلافِ.
ويستحب رَفْعُ الصوت بالتَّلبِيَةِ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَني أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ

يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ" 1. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ" 2. والعج: هو رَفْعُ الصَّوْتِ، وإنما يستحب الرفع في حَقِّ الرجل، ولا يرفع بحيث يجهده ويقطع صَوْتَه، والنساء يَقْتَصِرْنَ على إِسْمَاع أنفسهِنَّ، ولا يَجْهَرْن كما لا يجهرن بالقراءة في الصَّلاَةِ.
قال القَاضِي الرّوَيانِي: ولو رَفعت صوتها بالتلبية لم يحرم؛ لأن صَوْتَها ليس بعَوْرَةِ خلافاً لبعض أصحابنا.
والأحب أن لا يزيد في التلبية على تلبية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل يُكَرِّرُهَا، وبه قال أحمد، وعن أصحاب أبي حنيفة -رحمهم الله- أن الأحب الزيادة فيها، وتلبيته: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعمَةَ لَكَ وَالْمَلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ" 3. وقوله: (إن قد تكسر) على تقدير الابتداء، وقد تفتح على معنى لأن الحمد 4. فإن رأى شيئاً يعجبه قال: لَبَّيْكَ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ، ثبت ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 5 وروى في بعض الرِّوايات أنه قال في تلبيته: "لَبَّيْكَ حَقًّا حقًّا تَعَبُّداً وَرِقّاً" 6. ولو زاد على تلبية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما نقل بأنه مكروه روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان يزيد فيها: "لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بيَدَيْكَ، وَالرَّهْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ".
ويستحب إذا فرغ من التلبية أن يُصَلِّي على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأن يسأل الله رِضْوَانُهُ والجَنَّة، ويستعيذ به من النَّارِ، يقول: أَسْألُكِ رِضَاكَ وَأَسْأَلُكَ الجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ فِي حَجٍّ أو عُمرَةٍ سَألَ اللهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ" 7.

ثم يدعو بما أحب، ولا يتكلم في أثناء التلبية بأَمر ونَهْيٍ وغيرهما، لكن لو سُلِّمَ عليه رد (1)، نص عليه (2)، ومن لم يحسن التلبية بالعربية لَبَّى بلسانه، واعلم أنه يستحب الإتيان بالسُّنَنِ الخمس على التَّرْتِيبِ المَذْكُورِ في الكِتَابِ.
نعم، لم أرَ ما يقتضي ترتيباً بين التطييب والتجرد.
ويستحب أيضاً للمحرم أن يتأهب للإحرام بحلق الشَّعْرِ، وتقليم الظفر، وقصّ الشَّارب، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ غَسَلَ رَأْسَهُ بِأَشْنَانِ وَخَطْمِيِّ (3) " وبالله التوفيق.

الفَصْلُ الثَّالِثُ فَي سُنَنِ دُخُولِ مَكَّةِ

قال الغزالي: وَهِيَ أَنْ يغْتَسِلَ بِذِي طُوًى، وَيَدْخُلَ مَكَّة مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءِ، وَيَخْرُجَ مِنْ ثنِيَّةِ كُدَىٍّ وَإذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الكَعْبَةَ قَالَ: اللهمَّ زِدْ هَذَا البَيّتَ تَشْرِيفاً وَتَعْظِيماً وَتَكْرِيماً وَمَهَابَةً وَبِرّاً وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وَعَظَمِهِ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرهُ تَشْرِيفاً وَتَعْظِيماً وَتَكْرِيماً وَمَهَابَةَ وَبِرْاً، ثُمَّ يَدْخُلَ البَيْتَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيبَةَ فيَؤُمَّ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، وَيبْتَدِئَ طَوَافَ القُدُومِ.
قال الرافعي: المحرم بالحج قد يقرب من مكّة 4 ووقت الوقوف ضَيِّق، فيعدل عن الجَادة إلَى عَرَفَةَ، فَإِذَا وقف دَخَلَهَا، وهكذا يفعل الحَجِيج الآن غالباً، وقد يتسع123

الوقت فيدخلونها، "ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا إِلَى عَرَفَةَ، وَهكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" 1. وفي الفَصْلِ وما بعده ما هو مبني على التَّصْوِير الثاني، وهكذا هو في مصنفات عامة الأصحاب -رحمهم الله-، ونحن ننبه على ما يفترق فيه التَّصْوِيران في مواضع الحاجة -إن شاء الله تعالى-.
إذا عرفت ذلك فلدخول مكة سُنَن.
منها أن يغتسل بِذِي طُوَى وهو من سواد مكَّة قريب منها.
روى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- "أَنَّهُ كَانَ لاَ يَقْدُمُ مَكَّةَ إلاَّ بَاتَ بذِي طُوىً، حَتَّى يُصْبحَ وَيغْتَسِلَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ، وَيذْكُرُ عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ فَعَلَهُ" 2. واعلم أن القصد بقوله: (أن يغتسل بذي طوى) بيان استحباب موضع الغسل؛ فأما كون الغسل للدخول مستحبّاً، فقد ذكره مرة في الفَصْل الثاني من هذا الباب ومرة قبل ذلك في كتاب الجُمَعَةِ.
ومنها: أن يدخل من ثنية كَدَاء -بفتح الكاف والمد- وهو من أعلى مكَّة وإذا خرج خرج من ثنية كُدَى -بضم الكاف- وهو على ما يشعر به كلام الأكثرين بالمد أيضاً، ويدل عليه أنهم كتبوه بالألف ومنهم من قال: إنه بالياء 3 وروى فيه شعراً وهو من أسفل مكة.
وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى" 4. قال الأصحاب وهذه السُّنَّة في حق مَنْ جَاءَ من طريق المدينة والشَّام، وأما الجاءون من سائر الأقطار فلا يؤمرون بأن يدوروا حول مَكَّة، ليدخلوا من ثنية كَدَاء، وكذلك القول في إيقاع الغسل بِذِي طُوَى، وقالوا: إنما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- من تلك الثنية اتفاقاً لا قصداً؛ لأنها على طريق المدينة، وهاهنا شيئان: أحدهما: أن قضية هذا الكلام أن لا يتعلق بنسك واستحباب بالدخول من تلك الثنية في حق الجائين من طريق المدينة أيضاً، وهكذا أطلق الإمام نقله عن الصَّيْدَلاَنِيّ.

والثاني: أن الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ نازع فيما ذكره من موضع الثنية، وقال: ليست هي على طريق المدينة بل هي في جِهَة المعَلاَّ، وهو في أعلى مكة، والمرور فيه يفضي إلى باب بَني شَيْبَةَ، ورأس الردم، وطريق المدينة يفضي إلى باب إبْرَاهِيمَ عليه السلام.
ثم ذهب الشَّيْخُ إلى استحباب الدُّخولِ منها، لكُل جَاءٍ تأسياً برسول الله -صلى الله عليه وسلم- والإمام سَاعَد الجمهور في الحكم الذي ذكروه، وشهد للشيخ بأن الحق في موضع الثنية ما ذكره.
ومنها: إذا وقع بَصَرُهُ على البَيْتِ قال ما روى في الخبر: وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ اللَّهُمَّ زِدْ هذَا البَيْتَ تَشْرِيفاً، وَتَعْظِيماً وَتكْرِيماً وَمَهَابَةً وَزِدْ مَنْ شَرفَه، وعظمه ممَّنْ حَجَّهُ أو اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفاً وَتَكْرِيماً وَتَعْظِيماً وَبِرّاً" 1. ويستحب أن يضاف إليه "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَم فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلاَمِ" يروى ذلك عن عمر -رضي الله عنه 2 -، ويؤثر أيضاً أن يقول: "اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَحِلُّ عُقْدَةً، وَنَشُدُ أُخْرَى وَنَهْبِطُ وَادِياً وَنَعْلُو آخَرَ حَتَّى أتَيْنَاكَ غَيْرَ مَحْجُوبِ أنْتَ عَنَّا، إِلَيْكَ خَرَجْنا وَبَيْتَكَ حَجَجْنَا، فَارْحَمْ مَلْقَى رِجَالِنا بِفَنَاءِ بَيْتِكَ" 3. ويدعو بما أحب من مهمات الدنيا والآخرة وأهمها سؤال المَغْفِرة، واعلم أن بناء البيت رفيع يرى قبل دخول المَسْجِدِ في موضع يقال له رأس الردم، إذا دخل الداخل من أعلى مكة، وحينئذٍ يقف ويدعو بما ذكرنا.
ومنها أن يقصد المَسْجِدَ إذا فرغ من الدعاء ويدخله من باب بَنِي شَيْبَةُ، وقد أطبقوا على استحبابه لكل قادم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- 4 دَخَلَ الْمَسْجِدَ مِنْهُ قَصْداً لا اتِّفَاقاً، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقهِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى طَرِيقِهِ بَابُ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام" والدوران حول المسجد لا يشق بخلاف الدوران حول البلد، وكان المعنى فيه: أن ذلك البَاب في جهة بَابِ الكَعْبَةِ، والرُّكْن الأسْوَدِ وإن كان في زاوية المسجد، ويبتدئ عند دخوله بطواف القدوم.
روي أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- "حَجَّ فَأوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ" 5 أو يؤخر تغيير ثيابه واكتراء منزله إلى أن يفرغ منه، نعم لو كان الناس في

المكتوبة حين دَخَل صَلاَّهَا معهم أولاً، وكذا لو أقيمت الجَمَاعَةُ وهو في أثناء الطواف قَدَّمَ الصَّلاة، وكذا لو خاف فوت فريضة أو سنة مؤكدة.
ولو قدمت المرأة نهاراً وهي ذات جَمَالٍ أو شريفة لا تبرز للرِّجَالِ أخرت الطَّوافُ إِلَى اللَّيْلِ، وليس في حق من قدم الوقوف على دخول مكة طواف قدوم، وإنما هو في حَقِّ من دخلها أولاً لِسَعَةِ الوَقْتِ، ويسمى أيضاً طواف الوُرودِ وطواف التَّحِيَّة، لأنه تحية البُقْعَة يأتى به من دَخَلَهَا، سواء كان تاجراً أو حاجاً، أو دخلها لأمرٍ آخرَ.
ولو كان معتمرًا فطاف للعمرةِ أجزأه ذلك عن طوافِ القُدُومِ، كما أن الفريضة عند دخول المسجد تُجْزِئُ عَن التَّحِيَّة، -والله أعلم-.
ولعلك تنظر في لفظ الكتاب في الدعاء عند رؤية البيت فتقول: إنه جمع أولاً بين المَهَابَةِ والبر، ولم يرووا في الخبر إلا المَهَابة، وذكر أخيراً البر دون المَهَابة، كذا رويتموه في الخبر ونقل المُزَنِي في "المختصر: المَهَابة دون البر، فما الحال فيهما؟ فاعلم أن الجمع بين المَهَابة والبر لم نره إلا لِصَاحِب الكتاب، ولا ذكر له في الخبر، ولا في كُتُبِ الأصحاب، بل البيت لا يتصور منه بِر، فلا يصح إطلاق هذا اللفظ إلا أن يعني البر إليه.
وأما الثاني فالثابت في الخَبَرِ الاقتصار على البر كما أورده، ولم يثبت الأئمة ما نقله المزني.
وقوله: (فيؤم الركن الأسود) كالمستغنى عنه في هذا الوضع، إذ لا بد لكل طَائِفٍ أن يؤم الركن الأسود، ويبتدئ به على ما سيأتي في واجبات الطَّوَافِ، فلو لم يتعرض له هَاهُنَا كما لم يتعرض لسائر وَاجِبَاتِ الطَّوَافِ لما ضَرَّه.
وقوله: ويبتدئ بِطَوَافِ القُدومِ مُطْلَقٌ، لكنه محمول على ما سِوَى المَوَاضِعِ الَّتي بَيَّنَّاهَا.
واختلفوا في أن دخول مكَّة رَاكِبا أولى أم دخولها ماشياً على وجهين، وإن دخلها ماشياً فقد قيل: الأولى أن يكون حَافِياً 1. لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "قَدْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ سَبْعُون نَبِيّاً كُلُّهُمْ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ مِنْ ذِي طُوى تَعْظيماً لِلْحَرَمِ" 2.

قال الغزالي: وكُلُّ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكاً لَمْ يَلْزَمْهُ (ح) الإحْرَامُ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَتَحِيَّةِ المَسْجِدِ.
قال الرافعي: من قصد دخول مكة لا لنسك له حالتان: إحداهما: أن لا يكون ممن يتكرر دخوله كالذي يدخلها لِزِيَارَةٍ أو تجارة أو رسَالَةٍ، وكالمكي إذا دَخَلاِ عَائِداً مِنْ سَفَرِه، فهل يلزمه أن يحرم بالحج أو العمرة؟ فيه طريقان: أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه على قولين: أحدهما: ويحكى عن مالك وأحمد: أنه يلزمه الإحْرَام بحجٍ أو عمرة؛ لإطباق النَّاسِ عَلَيْهِ، والسُّنن يندر يها الاتفاق العملي.
وعن ابْنِ عَبَّاسِ -رضي الله عنهما- أَنَّهُ قال: لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إِلاَّ مُحْرِماً" 1. والثَّاني: أنه لا يلزمه ذلك، ولكن يستحب كَتَحِيَّةِ المَسْجِدِ، وما الأظهر منهما؟ ذكر صاحب الكتاب: أن هذا القول الثَّاني أظهر، وبه قال الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ، إليه مَيْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ ومن تابعه، ورجح المسعودي وصاحب "التهذيب" في آخرين قولُ الوُجُوبِ، وبه أجاب صَاحِب "التلخيص" ولا فرق على القولين بين أن تكون دَارُه فوق المِيقَات أو دونه، وعند أبي حنيفة إن كان داره فوق الميقات لَزِمَه، وإلاَّ فَلاَ.
والطَّرِيق الثَّاني: القطع بالاستحباب، ويحكى هذا عن صاحب التقريب.
والحالة الثانية: أن يكون ممن يتكرر دخوله كالحُطَّابينَ والصَّيَّادِينَ ونحوهم، فإن قطعنا بِنَفْي الوُجوبِ في الحالة الأولى فهاهنا أولى، وإنَ سَلَكْنَا طريقة القولين فهاهنا طريقان: أحدهما: طرد القولين.
وأصَحُّهُمَا: القطع بِنَفْي الوُجُوبِ، وبه أجاب في "التلخيص".
والفرق أن هؤلاء إن امتنعوا من الدخول انقطعوا عن مَعَايِشِهِمْ، ويتضرر به الناس، وأن دخلوا وأحرموا كل مرة شَقَّ عليهم، وفيه وجه ضعيف: أنه يلزمهم الإحْرَام في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّة.
التفريع إن قلنا بالوجوب فلذلك شروط: أحدها: أن يجيء الدَّاخِلُ من خَارجِ الحَرَمِ، فأما أهل الحرم فَلاَ إحرَام عليهم بِلاَ خِلاف.

والثاني: أن لا يدخلها لِقِتَالٍ ولا خائفاً، فإن دخلها لقتالِ بَاغٍ، أو قاطع طريقٍ، أو غيرهما، أو خائفاً منه، أو خائفاً مِنْ ظَالمٍ، أو غريمٍ يحبسه وهو مُعْسِرٌ لا يمكنه أن يطهر لأداء النسك لم يلزمه الإحْرَام بحال: "دَخَلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ غَيْرَ مُحْرِم 1، لأنَّهُ كَانَ مُتَرَصِّداً لِلْقِتَالِ، خَائِفاً غَدْر الْكُفَّارِ".
والثالث: أن يكون حُرّاً، أما العبيد فلا إحرامُ عليهم بِحَالٍ؛ لأن منافعهم مستحقة للسَّادة، ولا فرق بين أن يأذنوا بالدخول أو لا يأذنوا؛ لأن الإذن في الدخول لا يتضمن الإذن في الإحْرَام، رواه الإمام عن اتفاق الأصْحَابِ، ومن يلزم الإحرام بالدّخول لا يبعد منه المنازعة في هذا التوجيه.
وإن أذن السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ في الدخول محرماً فهل يكون حينئذٍ كالأحرار؟ فيه وجهان: أقيسهما: لا؛ لأنه ليس من أهْلِ فَرْضِ النُّسُكِ، فصار كلما لو أذن لَهُ في حُضُورِ الجُمُعَةِ.
وإذا اجتمعت شرائط الوجوب ودخلها غير محرم فهل عليه القضاء؟ قال الإمام: فيه قولان، وقال غيرهما: وجهان: أحدهما: نعم، تداركاً لِلْوَاجِبِ، وسبيله على هذا أن يخرج ويعود محرماً، ولا نقول إن عوده يقتضي إحراماً آخر، كما لو دخلها على قصد النُّسُك يكفيه إحرامهُ بِذَلِكَ النُّسُك، ولا يلزمه بالدُّخُولِ إِحْرَام آخر، وكان الغرض أن لا يعرى دخوله عن الإحْرَامِ لِحُرْمَةِ البُقْعَةِ.
وأصحهما: وهو الذي أورده الأكثرون: أنه لا يجب وله علتان.
إحداهما: أنه لا يمكن القَضَاء؛ لأن دخوله الثَّاني يقتضى إحراماً آخر، وإذا لم يمكن القضاء لم كُمَنْ نذر صَوْمَ الدَّهْرِ وأفطر.
وفرع صاحب "التلخيص" على هذه العلة فقال: "لو لم يكن ممن يتكرر دخوله كالحطابين ثم صار منهم قضى بحصول الإمكان" وربما نقل عنه أنه يجب عليه أن يجعل نفسه منهم.
وأصحهما: وبه قال العِرَاقيونَ والقَفَّال: أنه تَحِية البقعة، فلا يقضي كتحية المَسْجدِ، وزَيَّفُوا العِلَّة الأولى بمَا سَبَقَ في تَوْجِيهِ القَوْلِ الأوَّلِ.
وذكر القَاضِي ابْنُ كِجٍّ تفريعاً على القول بالوجوب: أنَّه إذا انتهى إلى الميقات عَلَى قَصْدِ دخولِ مكة يلزمه أن يُحْرِمَ مِنَ المِيقَاتِ، ولو أحْرَمَ بعد مجاوزته فعليه دَمٌ، بخلاف ما إذا ترك الإحرامُ أصلاً ورأساً؛ لأن نفس العِبَادَةِ لا تجبر بالدَّمِ.

وهل ينزل دخول الحرم منزله دخول مكة فيما ذكرناه؟ قال بعض الشَّارِحين: نعم، والمراد بدخول مكة فيما نحن فيه: دخول الحرم، ولا يبعد تخريجه على خلاف سبق في نظائره (1). وقوله في الكتاب: (وكل من دخل مكة غير مريدٍ نسكاً) فيه إشارة إلى أنه لو كان مريداً نسكاً يلزمه أن يدخلها محرماً على الوجه الذي مُرَّ في موضعه، وليس ذلك موضع الخلاف، ثم لفظ الكتاب وإن كان مطلقاً في حكاية الخلاف، فالمراد ما إذا اجتمعت الشُّرُوط المَذْكُورة.
ثم قوله: (لم يلزمه) معلم بالحاء والميم والألف، ويجوز أن يعلم قوله: (على أظهر القولين) بالواو للطريقة النافية للخلاف.
واعلم أن هذا الفَصْلَ لما كان مترجماً بسنن دخول مكة، وكان الإحرام عند الدُّخولِ في حق من لا يقصد النُّسُكِ معدوداً من المستحبات على ما اختاره صَاحِب الكِتَاب إستحسن إيراد المَسْألَة في هذا الفَصْلِ.

قال الغزالي

###: الفَصْلُ الرَّابعُ في الطَّوَافِ

وَوَاجِبَاُتهُ سِتَّة: الأَوَّلُ شَرَائِطُ الصَّلاَةِ مِنْ طَهَارَةِ الحَدَثِ وَالخَبَثِ وَسَتْرِ العَوْرَة إلاَّ أنَّهُ يُبَاحُ فِيهِ الكَلاَمُ.
قال الرافعي: للطوافْ بأنواعه وظائف واجبه وأخرى مسنونة: القسم الأول: الواجبات وقد عدَّها في الكتاب سبعة: أحدها: الطهارة عن الحدث والخبث.
وستر العورة؛ كما في الصَّلاة، وبه قال مالك، لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: قال "الطَّوَافُ بالبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاَةِ إِلاَّ أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلاَ يَتَكَلَّمُ إِلاَّ بِخَيْرٍ" 2. فلو طاف جُنباً أو محدثاً أو عارياً أو طافت المرأة حائضاً أو طاف وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة لم يعتد بِطَوَافِهِ وكذا لو كان يطأ في مطافه النَّجَاسَاتِ، ولم أَرَ للأئمة رحمهم الله تشبيه مكان الطَّوَاف بِالطَّرِيقِ في حق المتنقل ماشياً أو راكباً، وهو تشبيه لا بأسَ بِهِ، ولو أحدث الطَّائِف في خلال طوافه نظر إن تعمد الحَدَث فقولان في أنه يبني أو يستأنف إذا توضأ، ويقال: وجهان:1

أحدهما: يستأنف كما في الصَّلاة.
وأصحهما: أنه يَبْنِي ويحتمل في الطواف ما لا يحتمل في الصَّلاَة، كالفعل الكثير والكَلاَم، وإن سبقه الحَدَث رتب على حالة التعمد إن قلنا: يبني عند التعمد، فهاهنا أولى، وإن قلنا: يستأنف فهاهنا قولان أو وجهان: والأصح البناء، وهذا كله فيما إذا لم يَطُل الفَصْل، فإن طَالَ فسيأتي حكمه، وحيث لا يجب الاستئناف فلا شك في استحبابه.
وقوله: (شرائط الصلاة) غير مجرى على ظَاهِره، فإن المعتبر في الطواف بَعْضها وهو الطَّهارة، وسترُ العورة، ولا يعتبر فيه استقبال القبلة، وتَرْكُ الكلام، وترك الأفعال الكثيرة، وترك الأكل.
وأعلم قوله: (من طهارة الحدث والخبث وستر العورة) بالحاء؛ لأن عنده لو طاف جنباً أو محدثاً أو عارياً أو طافت المرأة حائضاً لزمت الإعادة ما لم يفارق مكَّة، فإن فارقها أجزأه دَمُ شَاةٍ إن طَافَ مع الحَدَثِ، وبدنه إِنْ طَافَ مع الجَنَابَةِ، وبالألف، لأن عند أحمد رواية مثله، إلا أن الإعلام بهما إنما يَصِح إذا كان المراد من وجوب شرائط الصَّلاَةِ في الطواف: اشتراطها فيه دون الوجوب المشترك بين الشرائط وغيره، فإنا قد نوجب الشَّيْءَ ولا نشترطه، كركعتي الطَّوافِ في الطَّوَافِ على أحد القولين، والذي حكيناه عن أبي حنيفة -رحمه الله- ينافي الاشتراط دون الوجوب المشترك، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّانِي التَّرْتِيبُ (ح) وَهوَ أَنْ يَجْعَلَ البَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ وَيَبْتَدِئَ بالحَجَر الأَسْوَدِ، وَلَو جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَو اسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَلَو ابْتَدَأَ بِغَيْرِ الحَجَرِ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ اِلى أَوَّلِ الحَجَرِ فَمِنْهُ يَبْدَأ الاحْتِسَابَ، وَلَوْ حَاذَى آخِرَ الحَجَرِ بِبَعْضِ بَدَنِهِ في ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: هذا الواجب وما بعده قد يحوج إلى معرفة هيئة البيت، فنقدم في وَضْعِ البيت وما لحقه من التغايير مقدمة مختصرة.
ونقول: لبيت الله تعالى أربعة أرْكَان: ركنان يمانيان، وركنان شَامِيانِ، وكان لاصقاً بالأرض، وله بابان: شرقي وغربي، وذكر أن السَّيْلَ هَدَمَهُ قبل مبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بِعَشْرِ سنين، وأعادت قريش عمارته على الهَيْئَةِ التي هُوَ عليها اليوم، ولم يجدوا من النذور والهدايا والأموال الطيبة ما يفي بالنفقة، فتركوا من جَانِب الحِجْرِ بَعْضَ البَيْتِ، وخلفوا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم عليه السلام، وضيقوا عرض الجدار من الركن الأسود إلى الشَّامي الذي يليه، فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعاً، وهو الذي يسمى

الشَّاذْرَوَانُ، وقد روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة -رضي الله عنها-: "لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالشَّرْكِ لَهَدَمْتُ الْبَيْتَ، وَلَبَنَيْتُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فَألْصَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجعْلْتُ لَهُ بَابَيْنِ شَرْقِياً 1 وَغَرْبياً" ثم إن ابْنَ الزبير -رضي الله عنهما- هدمه أيام وِلاَيَتهِ، وبناه على قَوَاعِدِ إبراهيم عليه السلام، كما تمناه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم لما اسْتَولى عليه الحَجَّاجُ هدمه وأعاده على الصُّورة التي هو عليها اليوم، وهي بناء قريش، والركن الأسود والباب في صَوْبِ الشَّرْقِ، والأسود هو أحد الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، والباب بينه وبين أحد الشَّاميين، وهو الذي يسمى عِرَاقيّاً أيضاً، والباب إلى الأسود أقرب منه إليه، ويليه الركن الآخر الشَّامي، والحَجْر بينهما، وسنصفه من بعد، والمِيزَابُ بينهما، ويلي هذا الركن اليماني الآخر الذي هو عن يمين الأسود.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن مما يعتبر في الطواف شيئان قد يعبر عنهما معاً بالترتيب، وقد يعبر به عن أحَدِهما.
والأول قضية لفظ الكتاب.
أحدهما: أن يجعل البيت عَلَى يَسَارِه.
والثاني: أن يبتدئ بالحَجَرِ الأسود، فيحاذيه بجميع بدنه في مروره، وإنما اعتبرا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كذلك طَافَ وقال: "خُذُوا عَني مَنَاسِكَكُمْ" 2. فلو جعل البَيْتَ على يمينه كما إذا ابتدأ من الحجر الأسود ومَرّ على وجهه نحو الركن اليمانى، لم يعتد بِطَوَافِهِ، وقال أبو حنيفة -رحمه الله- يُعيدُ الطَّوَافَ ما دام بمَكَّةَ فإن فَارَقَهَا أجْزَأَهُ دَمُ شَاةٍ، ولو لم يجعله على يمينه ولكن استقبله بوجهه وطاف معترضاً، فعن القَفَّال فيه وجهان: أحدهما: الجواز، لحصول الطَّوَافِ في يَسَارِ البَيْت.
والثاني: المنع؛ لأنه لم يُولِّ الكعبة شِقَّة الأَيْسَر، والخلاف جَارِ فيما لَوْ ولاَّهَا شِقَّة الأيمن، ومَرَّ القَهْقَريّ نحو الباب، والقياس: جريانه فيما لو استدبرها ومر مُعْتَرضاً، وما الأظهر من هذا الخلاف الذي أورده صاحب التهذيب وغيره؟ في الصورة الثانية أنه يجوز ويكره، وقال الإمام: والأصح: المنع كما أن المصلي لما أمر بأن يولي الكعبة صَدْرَه ووجهه لم يجزه أن يوليها شقه وهذا أوفق لعبارة الأكثرين، فإنهم قالوا: يجب أن يجعل البيت عَلَى يَسَارِه، ولم يوجد ذلك في هذه الصورة، وقالوا: لو جعله

على يمينه لَمْ يَصِحِ، وقد وجد ذلك في صورة الرجوع القهقري، ومن صَحَّح الطواف في هذه الصُورة، فالمعتبر عنده أن يكون تحرك الطائف ودورانه في يَسَارِ البَيْتِ لاَ غَيْرَ، -والله أعلم-.
ولو ابتدأ الطَّائِفُ من غير الحَجَرِ الأَسْوَدِ لم يعتد بما يفعله حتى ينتهي إلى الحَجَرِ الأسْوَدِ فيكون منه ابتداء طوافه، كما لو قدم المتوضئ على غسل الوجه غسل عضوٍ آخر، فإنا نجعل غسل الوَجْهِ ابتداء وضوءه، وينبغي أن يمر عند الابتداء بجميع بَدَنِهِ على الجَحَرِ الأَسْوَدِ، وذلك بأن لا يقدم جُزْءاً من بدنه على جُزْءٍ من الحَجَرِ، فلو حاذاه ببعض بدنه وكان بعضه مجاوزاً إلى جانب البَابِ ففيه قولان: الجديد: أنه لا يعتد بتلك الطوفة.
والقديم: أنه يعتد بها، وتكفي المُحَاذَاة بِبَعْضِ البدن، وهذا الخلاف كالخلاف فيما إذا استقبل الكعبة ببَعْضِ بَدَنِهِ وَصَلَّى: هل تَصِحّ صَلاتُه؟ وفيما علق عن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وغيره أن الخلاف ثُمَّ مُخَّرَجٌ مِنَ الخِلاَفِ في الطَّوَافِ، وعكس الإمام ذلك، فأشار إلى تَخْرِيج هَذَا من ذاك، ولو حَاذَى بجميع البَدَنِ بعضُ الحَجَرِ دون البعض أجزأه، كما يجزئه أن يستقبل بجميع بدنه بَعْضَ الكَعْبَةِ، ذكره أصحابنا العِرَاقيون.
وقوله في الكتاب: (لم يعتد بذلك الشوط)، الشوط هو الطوفة الواحدة، وكَرِهَ الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- هذا اللفظ فاستحب أن يقال: طواف وطوافان.
وقوله: (ولو حاذى آخر الحجر) أراد بآخر الحجر البعض الذي يَلِي البَابَ، ولا حاجة إلى هذا التقييد، بل الخِلاَفَ جَارٍ فيما إذا حَاذَى جميع الحَجَرِ ببعض بدنه.
وقوله: (وجهان) اقتدى فيه بإمام الحرمين -رحمهما الله-، ومعظم الأصْحَابِ حكوا قولين منصوصين كما قَدَّمْنَا.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ خَارِجاً عَنِ البَيْتِ فَلاَ يَمْشِي عَلَى شَاذَرْوَانِ البَيْتِ وَلاَ في دَاخِلِ مَحُوطِ الحَجَرِ، فَإِنَّ سِتَّةَ أَذْرُعِ مِنْهُ مِنَ البَيْتِ، وَلَوْ كَانَ يَمَسُّ الجِدَارَ بيَدِهِ في مُوَازَاةِ الشَّاذَرْوَانِ صَحَّ (ح)؛ لأَنَّ مُعْظَمَ بَدَنِهِ خَارجٌ.
قال الرافعي: الطَّوَاف المأمور به هو الطَّواف بالبيت قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 1 وإنما يكون طائفاً به إذا كان خارجاً عنه، وإلا فهو طَائِفٌ في البَيْتِ، إذا تقرر ذلك فَفِي الفَصْلِ صُوَرٌ:

إحداها: لو مشى على شَاذْرَوَانِ البَيْتِ لم يصح طَوَافُه؛ لما ذكرنا أنه من البيت، وعن المُزَنَي: أنه سماه تأزير البيت، أي: هو كالإِزَارِ له، وقد يقال: له التأزيز -بزائين وهو التأسيس.
الثانية: ينبغي أن يدور في طَوَافِهِ حول الحجَرِ الذي ذكرنا أنه بين الرُّكْنَيْنِ الشَّاميين، وهو موضع حُوّطَ عليه بجدار قَصِيرٍ، بينه وبين كل واحد من الرّكنين فتحة، وكلام جماعة من الأصحاب يقتضي كون جميعُه من البيت، وهو ظاهر لفظه في "المختصر"، لكن الصحيح أنه ليس كذلك، بل الذي هو من البيت منه قدر ستة أذرع تتصل بالبيت، روي أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "نَذَرْتُ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- صلي فِي الْحَجرِ فَإِنَّ سِتَّةَ أَذْرُع مِنْهُ مِنَ الْبَيْتِ" 1. ومنهم من يقول: ستة أذرع أو سبعة كان الأمر فيه على التَّقْرِيب، ولفظ "المختصر" محمول على هذا القدر، فلو دخل إحدى الفتحتين وخرج من الأخرى فَهُوَ مَاشٍ في البيت، لا يحسب له ذلك، ولا طوفه بعده، حتى ينتهي إلى الفَتْحة التي دخل منها، ولو خلف القدر الذي هو من البيت، ثم اقتحم الجدار، وتخطى الحجر على السّمت، صَحَّ طوافه 2. الثالثة: لو كان يطوف، ويمس الجِدَارَ بيده في موازاة الشاذروان، أو أدخل يده في موازاة ما هو من البيت من الحِجْرِ، ففي صحة طوافه وجهان: أحدهما: وبه أجاب في الكتاب: أنه يَصِح؛ لأن معظم بَدَنِهِ خَارجٌ، وحينئذ يصدق أن يقال: إنه طَائِفٌ بالبيت.
وأصحهما: باتفاق فرق الأصحاب وفيهم الإمام: أنه لا يَصِح؛ لأن بعض بَدَنِهِ في البيت، كما لو كان يضع إِحْدَى رِجْلَيْهِ أحياناً على الشاذروانِ ويقفز بالأخرى.
وقوله في الكتاب: (أن يكون بجميع بدنه خارج البيت) لفظ الجميع كالمستغنى عنه، فإنه لو اقتصر على قوله: (أن يكون ببدنه) كان المفهوم منه الجميع، وإذا تعرض له فَلاَ شَكَّ أن مثل هذا إنما يذكر تأكيداً ومبالغة في أنه لا يتحمل خروج البَعْضِ، وهذا

لا يليق به الجواب بِالصِّحة، فيما إذا كان يمس الجِدارَ بيديه في مُوَازَاةِ الشاذروان.
وقوله (ولا في داخل محوط الحِجْر) مطلق، ولكن تعقيبه بقوله: (فإن ستة أذرع منه من البيت) يبين الحد الممنوع عن المَشْي فيه.
قال الغزالي: الرَّابعُ: أَنْ يَطُوفَ دَاخِلَ المَسْجِدِ وَلَوْ في أَخْريَاتِهَا وَعَلَى سُطُوحِهَا وأَرْوقِتهَا فَلَوْ طَافَ بِالمَسْجِدِ لَمْ يَجُزِ.
قال الرافعي: يَجِب ألا يوقع الطَّوافَ خَارجُ المسْجِدِ، كما يجب أن لا يوقعه خَارجَ مَكَّةَ وَالحَرَم، ولا بأس بالحائل بين الطائف والبيت، كالسِّقَايَةِ والسَّوَارِي، ولا بكونه في أخريات المَسْجِدِ وَتَحْتَ السَّقْفِ، وعلى الأرْوِقَةِ والسُّطُوحِ، إذا كان البيت أرفع بِنَاءً على مَا هُوَ اليومَ، فإن جعل سَقْفَ المَسْجِدِ أَعْلَى فقد ذكر في "العدة" أنه لا يجوز الطواف على سَطْحهِ، ولو صَح هذا لزم أن يقال: إذا انهدمت الكعبة والعياذ باللهِ لم يصح الطواف حول عرصتها، وهو بعيد، ولو اتسعت خطة المسجد اتسع المَطَاف، وقد جعلته العباسية أوسع مما كان في عَصْرِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 1. قال الغزالي: الخَامِسُ رِعَايَةُ العَدَدِ فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى سِتَّةِ أَشْوَاطٍ لَمْ يَصِحَّ (ح).
قال الرافعي: تجب رعاية العَدَدِ في الطواف، وهو أن يطوف سبعاً، قلو اقتصر على ستة أشواط لم يجزئه 2، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- طاف سبعاً، وقد قال: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 3. وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لو اقتصر على أكثر الطواف وأراق عن الباقي دماً أجزأه، وبنى على ذلك أنه لو كان يدخل في الأشْوَاطِ كُلِّهَا من إحدى فَتْحَتَي الحِجْرِ ويخرج من الأخرى كفاه أن يمشي وراء الحِجْرِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أو يريق دماً، وتدَواره بما وراء الحجرِ يكون معتداً بِهِ في الأَشْوَاطِ كُلَّهَا.

قال الغزالي: السَّادِسُ رَكْعَتَانِ عَقِيبَ الطَّوَافِ مَشْرُوعَتَانِ وَلَيْسَتَا مِنَ الأَرْكَانِ وَفِي وُجُويهما قَوْلاَنِ، وَلَيْسَ لِتَرْكِهِمَا جُبْرَانٌ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَفُوتُ إِذْ المُوَالاةُ لَيْسَ بِشَرْطِ فِي إجْزَاءِ الطَّوَافِ علَى الصَّحِيحِ.
قال الرافعي: إِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافَاتِ السَّبْعِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ: "رُوِيَ عَنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ" 1 وهما واجبتان أو مسنونتان؟ فيه قولان: أحدهما: واجبتان، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما صَلاَّهُمَا تلا قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ 2. فأفهم أن الآية أمْرٌ بهذه الصَّلاَة والأمر للوجوب.
وأصحهما: مسنونتان، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث الأعرابي: "لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ" 3. واحتج الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ لهذا القول بشيئين: أحدهما: أنها لو وجبت لَلَزِم شَيْءٌ لِتَرْكِهَا كَالرَّمْيِ، وَلاَ يَلْزَمُ.
والثاني: أنها لو وجبت لاختص فعلها بمكَّة، ولا يختص، بل يجوز في بلده، وأي موضع شَاءَ، ولك أن تقول: أما الأول: فيشكل بالأركان، فإنها وَاجِبَةٌ وَلاَ تُجْبَرُ بِشَيْءٍ، وقد تعد هذه الصَّلاة منها على ما سيأتي، ثم الجبر بالدَّمِ إنما يكون عند فوات المجبور، وهذه الصَّلاةَ لا تفوت إلا بأن يموت، وحينئذ لا يمتنع جَبْرُهَا بالدَّمِ، قاله الإمام وغيره.
وأما الثاني: فلم لا يجوز أن تكون واجبات الحَجِّ وأعماله منقسمة إلى ما يختص بِمَكَّة وإلى مَا لاَ يَخْتَص؟ ألا ترى أن الإحْرَام أحد الواجبات، ولا اختصاص له بمكّة.
والمستحب أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ كَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- 4. وأن يُصَلِّيهمَا خلف المقام 5، فإن لم يفعل فَفِي الحِجْرِ، فإن لم يفعل ففي

المَسْجِدِ، فإن لم يفعل ففي أي موضع شاء من الحَرَمِ وغيره، ويجهر بالقِرَاءَةِ فيهما لَيْلاً، ويسر نهاراً.
وإذا لم نحكم بوجوبهما فَلَوْ صَلَّى فريضة بعد الطّواف حسبت عن ركعتي الطَّوافِ اعتباراً بتحية المسجد.
حكى ذلك عن نَصِّه في القديم، والإمام حكاه عن الصَّيْدَلاَنِيِّ نفسِه، واستبعده، وتختص هذه الصَّلاة من بين سائر الصلوات بشيء وهو جريان النيابة فيها، إذ يؤديها عَنْهُ المستأجر.
وقوله في الكتاب: (ركعتان عقيب الطواف مشروعتان) أراد به التَّعَرَضِ لِمَا يشترك فيه القولان، وهو أصْلُ الشَّرْعِيَّة، ثم بين الاختلاف في الوجوب.
وقوله: (وليستا من الأركان) أراد به أن الاعتداد بالطَّوَافِ لا يتوقف عليهما أو شيئاً هذا شأنه، وقد ذكره الإمام أيضاً لكن في طرق الأئمة ما ينازع فيه؛ لأنهم ذكروا القولين في طواف الفَرْضِ، ثم قالوا: إن كان الطواف تطوعاً ففيه طريقان: أحدهما: القطع بعدم الوجوب، وبه قال أبُو زَيْدٍ؛ لأن الأصل الطَّواف لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فكيف يكون تابعه وَاجِباً.
والثاني: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ: طرد القولين، ولا يبعد اشتراك الفرض والنفل في الشَّرَائط، كاشتراط صلاة الفَرْضِ والتطوع في الطَّهارة، وستر العورة، وغيرهما، وكذا اشتراكهما في الأركان كالركوع، والسجود، وغيرهما، ومعلوم أن هذا التوجيه ذهاب السهونهما رُكناً أو شرطاً في الصَّلاَةِ، وعلى التقديرين فالاعتداد يتوقف عليهما.
وقوله: (في وجوبهما قولان) يجوز إعلامه بالواو؛ لأنه إن أراد مطلق الطَّوَافِ ففي النفل منه طريقة قاطعة بنفي الوجوب كما عرفتها، وإن أراد الفرض منه ففيه طريقة قاطعة بالوجوب حكاها الشيخ أَبُو عَلِيّ.
وقوله: (وليس لتركهما جبران لأنه لا يفوت) معناه ما مر من أنه يحتمل تأخيرهما، ويجوز فعلهما في أي مَوْضِعٍ شاء، ولكن حكى صاحب "التتمة" عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أنه إذا أخر يستحب له إراقة دم.
وقوله: (إذ المولاة ليست بِشَرْطِ في أجزاء الطواف) فيه أولاً تعرض لمسألة مقصودة وهي: أن الطائف ينبغي أَن يوالي بين أشواط الطواف وأبْعَاضِه، فلو خالف وفَرِّق هل يجوز البِنَاءُ على ما أتى به؟ فيه قولان: أصحهما: الجواز، وهما كالقولين في جواز تفريق الوُضُوءِ، لأن كل واحد منها عبادة يجوز أن يتخللها ما لَيْسَ مِنْهَا، بخِلاَف الصَّلاَةِ، والقولان في التفريق الكثير بلا عُذْرٍ، فأما إذا فرق يسير أو كثراً بالعُذْرِ، فالحكم على ما بَيَّنَّ في الوُضُوءِ.
قال الإمام: والتفريق الكثير هو الذي يغلب على الظَّنِّ تركه الطَّواف.

أما بالإضراب عنه أو لظنه أنه أنْهَاه نِهَايَتَهُ.
ولو أقيمت المكتوبة في أثناء الطواف فتخليلها بينها تَفْرِيقُ بِالْعُذْرِ.
وقطع الطَّواف المفروضِ بِصَلاةِ الجَنَازَةِ والرَّواتِبِ مَكْرُوهٌ، إذ لا يحسن تَرْكُ فَرْضِ لعَيْنِ بِالتَّطَوُّعِ أو فرضِ الكفَايَةِ.
إذا وقفت على المسألة فقوله: (لا يفوت، إذ الموالاة ليست بِشَرْطٍ في أجزاء الطَّواف) ليس تسليماً لكون الركعتين من أجزاء الطواف فإن ذلك يناقض قوله من قبل: (إنهما ليستا من الأركان) ولكن المعنى: أن الموالاة إذا لم تشترط في أجزائه فأولى أن لا تشترط بينه ويين ما هو من توابعه، وهذا شَرْحُ واجبات الطواف، وفي وجوب النية 1 فيه خِلاَفٌ نذكره من بعد.
قال الغزالي: أَمَّا سُنَنُ الطَّوَافِ فَهِيَ خَمْسٌ: الأُولَى أَنْ يَطُوفَ مَاشِياً لاَ رَاكِباً، وَإِنَّمَا رَكَبَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِيَظْهَرَ لِيُسْتَفْتَى.
قال الرافعي: القسم الثاني: من وظائف الطَّوَافِ السُّنَن.
فمنها: أن يطوف ماشياً ولا يركب إلا بعذر مرض ونحوه كيلا يؤذي النَّاس، ولا يلوث المسجد: "وَقَدْ طَافَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي الأَكْثَرِ مَاشِياً، وَإِنَّمَا رَكِبَ فِي حَجَّةِ 2 الوَدَاعِ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَسْتَفْتِيَ المُفْتُونَ".
فإن كان الطائف مترشحاً للفتوى فله أن يتأسى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فَيَرْكَب، ولو رَكِبَ مِنْ غير عُذْرٍ أجزأه ولا كراهة، هكذا قاله الأصْحَاب.
وقال الإمام: وفي القلب من إدْخَالِ البَهِيمَةِ المَسْجِد، ولا يؤمن تَلْوِيثها بشيء فإن أمكن الاستيثاق فذاك، وإلا فإدْخَال البهائم في المسْجِدِ مَكْرُوهٌ.
ويجوز أن يعلم قوله: (أن يطوف ماشياً) بالميم والحاء؛ لأن عندهما ليس ذلك مِنَ السُّنَنِ، بل يجب أن يطوف ماشياً إن لم يكن له عذر، فإن ركب فعليه دم، وبالألف لأنه يروي عن أحمد مثله.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ تَقْبِيلُ الحَجَرِ الأَسْوَدِ، وَمَسُّ الرُّكْنِ اليَمَاني بِاليَدِ، فَإِنْ مَنَعَتِ

الزَّحْمَةُ عَنِ التَّقْبِيلِ اقْتَصَرَ علَى المَسِّ أَو الإشارةِ، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ في آخِرِ كُلِّ شَوْطٍ، وَفي الأَوْتَارِ آكَدُ.
قال الرافعي: ومن السنن أن يستلم الحجر بيده في ابتداء الطَّوَافِ، لما روى عن جابر -رضي الله عنه- أن النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "بَدَأَ بِالْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ وَفَاضَتْ عَينَاهُ مِنَ الْبُكَاءِ" 1. وَيُقَبِّلُهُ؛ لما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال وهو يَطُوف بالركن: "إِنَّمَا أَنْتَ حَجَرٌ وَلَولاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُقَبِّلُكَ لَمَا قَبَّلْتُكَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَبَّلَهُ" 2. ويضع جبهته عَلَيْهِ؛ لما روى عن ابْنِ عَبَّاس -رضي الله عنهما-: "أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرُ الأَسْوَدَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ بِجَبْهَتِهِ" فإن منعته الزَّحْمَةُ من التقبيل اقتصر على الإسْتلاَم فإن لم يمكن اقتصر على الإشارة باليد، ولا يشير بالفَم إلى التقبيل، ولا يقبل الركنين الشَّاميين ولا يستلمهما، ولا يقبل الركن اليَمَانِي، ولكن يستلمه باليد، وروي عن أحمد أنه يُقَبِّلُهُ، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يستلمه ولا يُقَبِّلُه.
لنا ما روى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِي وَالأَسْوَدَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، وَلاَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ" 3. قال الأئمة: ولعل الفَرْقَ ما تقدم أن اليمانيين على قواعد إبراهيم عليه السلام دون الشَّامِيين.
ثم حكى الإمام أنه يتخير حين يستلم الركن اليماني بين أن يُقَبِّل يده ثم يَمَس الرُّكْنَ كالذي ينقل خِدْمَة إليه، وبين أن يمسّه ثم يقبل اليد كالذي ينقل يُمْناً إلى نَفْسِهِ، وهكذا يتخير بين الوجهين إذا مَنَعَتْهُ الزحمة من تقبيل الحَجَرِ، ولم يورد المعظم في الصُّورتين سِوَى الوَجْهِ الثَّاني.
وقال مالك -رضي الله عنه- لا يُقَبِّلُ يَدَهُ فيهما، ولكنه بعد الاستلام يضع يدَهُ عَلَى فيهِ.
ولو لم يستلم الركن باليد، ولكنه وضع خشبة عليه ثم قَبَّلَ طَرَفَهَا جَازَ أيضاً 4، روى عن أبي الطُّفَيلِ قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَطُوفُ بالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنِ بِمحْجَنٍ وُيقَبِّلُ الْمحْجَنَ" 5.

جارٍ التحميل