ولو قطع أنملة لها شعبتان؛ أصليةٌ وزائدةٌ، وقالوا: لا يمكن اعتبارُ الزائدةِ بشيء، فيقدِّر الحاكم لها 1 شيئاً بالاجتهاد، ولا يبلغ به أرش أصلية 2، وكان يجوز أن يقوَّم، وله الزائدةُ بلا أصلية، ثم يقوم دونها؛ كما فعل في السنن الشاغية، أو يعتبر بأصلية؛ كما اعتبرت لحيةُ المرأة بلحية الرجُلِ، ولحيتها كالأعضاء الزائدة، ولحيته كالأعضاء الأصلية.
ولو ضرب إنساناً بالسوط أو غيره، أو لطمه، ولم يظهر له أَثَرٌ، لم 3 يتعلَّق به ضمانٌ، فإن اسودَّ أو اخضرَّ، وبقي الأثر 4 بعد الاندمال، وجبت الحكومة، فإن زال الأثر بعد أخذ الحكومة، رُدَّت وضُبِطت هذه الصور؛ بأن قيل: إذا بقي أثر الجناية من ضعفٍ أو شينٍ، وجبت الحكومة، وإذا لم يبق أثر، فإن لم تكن الجناية جرحاً، بل ضرباً 5 ونحوه، لم يجب شيء، وإن كان جرحاً، فوجهان:
فرع: لو كسر عظماً في غير الرأس والوجه، وعادَ بَعْد الجبر مستقيماً، فإن بقي فيه ضعفٌ وخللٌ؛ وهو الغالب، فيجب الحكومة، وإلا فعلى الوجهين، وإذا كان مع الضعْفِ اعوجاجٌ، كانت الحكومة أكثر، وليس الجاني أن يقول كسره ثانياً؛ لينجير مستقيماً، ولو فعل، لم تسقط الحكومة الأُولَى، ويجب للكسر الثاني حكومةٌ ثانية؛ لأنها جنايةٌ جديدةٌ.
وقوله في الكتاب: (وقيل: تقدَّر 6 الجراحةُ داميةً؛ حتى يظهر تفاوت"، هذا هو الوجه الثاني من قوله على أحد الوجهين، والأمر فيه على التدريج كما بيَّنا، وإنما يترقَّى إلى حالة سيلان 7 الدم، إذا لم يظهر النقصان في 8 الأحوال التي هي 9 أقرب 10 إلى الاندمال.
وقوله: "أو أفسد المنبِتَ من لحية امرأة"، إنما ذكر بهذه اللفظة؛ لأن إزالة الشعور بحلق ونحوه؛ من غير إفساد المَنْبِتِ، لا يجب به حكومة أصلاً؛ لأن الشعور تعودُ مرة بعد أخرَى، ولا تفوت.
المسألة الثانية: إن كان للجراحة أرشٌ مقدَّر كالموضحة، فالشينُ حواليها يتبعها 11، ولا يفرد بحكومة؛ لأنه لو استوعبَ بالإيضاح جميعَ موضعِ الشين، لم يكن
فيه إلا أرش موضِّحة، وقد سبق هذا، أو نحو منه، وهذا إذا كان الشينُ في محلِّ الإِيضاح، فأما إذا أوضح رأسه، واتسع الشين؛ حتى انتهى إلى القفا، فقد حكى الإِمام فيه تردُّداً عن الأصحاب لتعدية محلِّ الإيضاح 1، وهل المتلاحمةُ كالموضِّحة في استتباع الشين، إذا قدَّرنا أرشها بالنسبة إلى الموضحة، ففيه وجهان:
أشبهُهُما: نعم، وإن لم يكن للجراحة أرشٌ مقدَّر، فقد مرَّ أن ما دون الموضِّحة من جراحات الرأس، إذا أمكن تقديرها 2 بموضحة على الرأس، يجب فيها أكثر الأمرين من قسْطِ أرش الموضِّحة، ومن الحكومة؛ على ما قاله الأكثرون، والجراحات على البدن، إن أمكن تقديرها بالجائفَةِ؛ بأن كان بقربها جائفةٌ، هل تقدَّر بها كالتقدير بالموضِّحة، أم الواجب فيها الحكومةُ لا غير؟ ذكر القاضي الرُّويانيُّ في "جمع الجوامع": أنه على وجهين، وفي إيراده ما يشعر بترجيح الأول، وإذا عرفتَ ذلك، فإن قدرت الجراحة بالنسبة إلى جراحةٍ مقدَّرةٍ الأرشِ، وأوجبنا ما يقتضيه 3 التقسيطُ لكونه أكثر من الحكومة، فالشين تابع 4 له؛ لا يفرد بحكومة؛ كالموضحة، وما يتقدَّر 5 أرشه من الجراحات، وإن كانت الحكومة أكثر، وأوجبناها، فقد وفينا حق الشين، وأوجبنا ما هو قضية.
هذا ما يتلخَّص من كلام الأصحاب، وعلى ذلك يحمل قوله في المختصر: "ولو جَرَحَهُ فَشَانَ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ شَيْئاً يَبْقَى، فإنْ كَانَ الشيْنُ أكْثَرَ مِنَ الجُرْحِ، أُخِذَ بِالشَّيْنِ، وإنْ كَانَ الجُرْحُ أَكْثَرَ مِنَ الشَّيْنِ أُخِذَ بالجُرْحِ، وَلَمْ يَزِدْ لِلْشَّيْنِ"، وقال الإِمام حاكياً عن النصِّ، ومعبراً عنه:"إذا اندملتِ الجراحةُ، فإن كان الجرحُ أكثرَ من الشيْن، فالواجب حكومةُ الجرحِ، وإن كان الشيْنُ أكثر، فالواجبُ حكومة الشيْنِ، ولم يطب 6 له الفرْقُ بين الشيْنِ والجرح أصلاً؛ من حيث إن الجراحاتِ إذا اندملت، وبقي لها أثر في محلِّها، فاسم الشين يقع عليه، وعلى محله؛ لأن الشين هو الأثر المنكر 7؛ من تغيُّر لون وتحوَّلِ، واستحشافٍ، وتغيره يبقى ولحمه يزيد، ثم أشار إلى أن المقصود أنه ينظر إلى أثر محلِّ الجراحة، وإلى ما حواليه، فيحمل وجوب أكثرهما حكومةً، ويتبعها
حكومة أقلُّهما حكومة، وحكى عن الأصحاب فيه وجهين:
أحدُهُما: الأخذُ به، قال: وهو الذي ذكره الشيخان الصيدلانيُّ وأبو مُحَمَّد.
وثانيهما: وجوب الحكومتين جميعاً، فإن كان ذلك متولِّداً من جناية، وحكاه عن اختيار القاضي واختاره، وقرَّب الخلاف من الخلاف في أن الأصبع الشَّلاَّء، إذا قطعت مع ما يقابلها من الكف، هل يندرج تحت حكومتها حكومةُ ذلك الجزء (1) من الكفِّ، فان موضع الجراحة بمثابة (2) الأصبع الشَّلاَّء، والشين المتصلُ به بمثابة جرم (3) الكف، فعلى رأي تتبع حكومة الكف وحكومة الأصبع؛ كما تتبع ديتها، وعلى رأي: يقال: الحكومة ضعيفةٌ لا تقوى على الاستتباع؛ بخلاف الدية، وذكره تفريعاً على أنه يجب أكثرُ الحكومتين ويتبعُها الأقلُّ (4) وجهَيْن فيما لو استويا:
أحدهما: أنهما تجبان، إذ ليست إحداهما بالإتباع أولَي من الأخْرَى.
وأظهرهما: أنه لا يجبُ الأخذ بهما.
والأشبهُ نسبتها إلى الجراحة؛ فإنها الأصل، والشَّيْن حادث منها, ولا يخفى أن ما أورده صاحب الكتاب منتزعٌ (5) من طريقة الإِمام ومختصرٌ منه.
" فَرْعٌ"
لو أوضح جبينه، وأزال حاجبه، فعليه أغلظُ الأمرين من أرش الموضِّحة، وحكومة الشين، وإزالة الحاجب، قاله في التتمة 6.
النوع الثاني في القطعِ المُبِينِ للأعضاء.
فرغْنَا عن الكلام في "الجراحات".
والنوع الثاني من الجنايات: إبانةُ الأطرافِ والأعضاءِ، فمنْهَا الأذنان، فظاهر المذْهَب، وبه قال أبو حنيفة وأحمدُ: أن في استئصالهما قطعاً أو قلعاً كمالَ الدِّية، وحُكِيَ قولٌ أو وجةٌ مخرَّج؛ أن فيهما الحكومة؛ لأن السمع لا يحلهما, وليس فيهما منفعة ظاهرة 7، وإنما فيهما جمالٌ وزينة، فاشبهتا الشعور؛ قال الإِمام 8 والذي12345
يقوي 1 هذا الوجهَ: أنه لم يُجْزِ 2 رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- للأذنين ذِكْراً في كتابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مع سائر الأعضاءِ الَّتي أوجبَ فيها الدِّيَةَ، وذلك يُشْعِر بإخراجها عن الأعضاء التي لها بدلٌ مقدَّر، ولكن الموجهين 3 لظاهر المذهب رَوَوْا 4 عن كتاب عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّ في الأذنين 5 خمسِينَ من الإبل 6، وعن عمر وعليٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ أنَّهُمَا قالا: في الأذنين الدية 7.
واحتجُّوا أيضاً؛ بأن الأذن جنس مثنَّى 8 من الأعضاء، مضمونٌ، فيضمن بكمال الدية؛ كاليدين، والعينين، وبأن فيهما مع الجمال منفعةً من وجهين:
أحدهما: أنها تجمع الصوت وتؤديه إلى الصماخ ومحلِّ السماع.
والثاني: أنها تمنع الماء والهوامَّ؛ فإنه يحيى بسبب معاطفها وتعاريجاتها بدبيب الهوامِّ، فيطردها.
وإذا قلنا؛ بالظاهر، ففي إحدى الأذنَيْنِ نصْفُ الدية، وفي بعضها بقسط، وتقدَّر بالمساحة، ولا فرق 9 بين الأعلى والأسفل، كان اختلفا في الجمال والمنفعة؛ كما لا فَرْقَ بين الأسنان والأصابع، كان اختلفتْ في المنافعِ، ولا فرق في الديَةِ بين أذن السميع والأصمِّ؛ لاستوائهما في السلامة، وليس السمعُ في نفس الأذن، ولو ضرب 10 على أذنه، فاستحشفت، والاستحشافُ في الأذن كالشلل 11 في اليَدِ، يقال: استحشفَتِ الأذنُ، إذا يَبِسَتْ، وصارَت كَحَشَفِ التَّمْرِ، وفيما يجب علَى الجاني قولانِ منقولانِ عن "الأم":
أصحهما، على ما ذكر في "التهذيب": أنه يجب كمالُ الدية، كما لو ضرب على يده، فشَلَّت.
والثاني، ويحكَى عن أبي حنيفة: أنه لا يجب إلا الحكومة؛ لأن منفعتها لا تبطلُ بالاستحشاف؛ بخلاف شلل اليد؛ فإنه تُبطل منفعتها، وأشار في الكتاب إلى بناء الخلاف عَلَى أن الدية في الأذن تجبُ، لما فيها من جمع الصوت، أو لما فيها من مَنْع
الهوامِّ، فإن اعتبرنا (1) الجمع، لم (2) تجبِ الديةُ؛ لبقائه بعد الاستحْشَاف، وإن اعتبرنا (3) المنْعَ وجب (4) لسقوط الحسن بالاستَحشاف، وبطلانِ الشعور بالدَّبيب.
ولو قطع أذنين مستحشفتين، يبنى عَلَى هذا الخلاف، إن قلنا: هناك تجبُ الدية، فههنا تجب الحكومةُ؛ كما لو قطع يداً شلاء، وإن قلنا: تجب الحكومة، فالواجب ههنا الدية؛ لأن المنفعة المرعية (5) إنما بطَلَتْ (6) بالقطع.
وعن الشيخ أبي حامدٍ: القطعُ بوجوب الحكومة؛ كما في العين القائمة، واليد الشَّلاَّء، وإذا أوجبنا بقطع الممستحشفتين الحكومةَ، فهل يشترط ألا تنقص هذه الحكومة مع الحكومة الواجبة بالجناية التي حَصَل بها الاستحشاف عن كمال الدية؟ حكى القاضي ابن كَجٍّ فيه وجهين.
وقوله في الكتاب: "والمقدَّر من الأعضاء" يعني المقدر بذْلُهُ (7).
ولفظ "الأُذُنْينِ" مُعْلَم بالواو، وكذلك قوله: "نصْف الدِّية"، وقوله: "لأن فيه منفعة جَمْعِ الصَّوْتِ" لا يختص بالأصمِّ، بل الغرض بيانِ منفعةِ العُضْو، والردّ على من لم يوجِبْ فيه إلا الحكومة.
" فَرْعٌ"
لو لم يقتصرْ على استئصال الشَّاخص، بل أوضح معه العظم، لم يجعل أرش الموضِّحة تبعاً لدية الأذن؛ لأنَّه لا يتبع مقدَّرٌ مقدَّراً 8.
قال الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: العَيْنَانِ وَفِي إِحْدَاهُمَا إِذَا فُقِئَتِ النِّصْفُ، وَفِي عَيْنِ الأَعْوَرِ النِّصْفُ (م) وَفِي عَيْنَيِ الأَخْفَشِ كَمَالُ الدِّيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجبُ في فَقْء العينَيْنِ كمالُ الدية، وفي إحداهما نصفُها؛ لما روي عن 9 النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "في العينينِ الدِّيَةُ" 10، وفي كتاب عَمْرو بن حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الذي كتبه رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "فِي العَيْنِ خَمْسُونَ مِنَ الإبِلِ" 11، وعينُ الأعورِ المبصرةُ كغيرها؛ لا يجب فيها إلا نصفُ الدية؛ كما أن يد الأقْطَع لا يجبُ فيها إلا نصْفُ الدية، وقال مالك وأحمد: في عين الأعور كمالُ الدية.
ولو فقأ الأعورُ مثْلَ عينه المبصرة مِنْ إنسان، فله القصاص خلافاً لأحمد، فإن1234567
عفا المجنيُّ عليه عن القصاص، فله نصف الدية، وعن مالك أن له جميعَ الدية، وتكمل الدية 1 في عينَيِ الأحول والأعمش، قال في الصحاح 2: والعَمَشُ ضعْفُ الرؤيةِ، مع سَيْلاَنِ الدمع في أكثر الأوقات، ويقال: إنَّ خلل الأعمش في الأجْفَان، والأعشَى: هو الذي لا يبصر بالليل، ويبصر بالنهار، والأخفشُ والخَفَش: صغَرُ العَيْن، وضعفُ البَصَر خلقةً، ويقال: الأخفش الذي يُبْصِرُ بالليل، دون النهار، وهذا لأن المنفعة باقيةٌ في أعين هؤلاء، ومقادير المنفعة غير منظور إلَيْها؛ ألا ترى أنه لا ينظر إلى قوة البطش، والمَشْي وضعفهما، وإذا كان في العَيْنِ بياضٌ لا ينقص الضوء، لم يمنع القصاص، ولا كمال الدية، وكان كالثَّالِيلِ في اليد والرِّجْل، ولا فرق بين أن يكون على بياض الحَدَقة، أو سوادها، وكذا لو كان على النَّاظِر 3 إلا أنه رقيقٌ لا يمنع الإبصار، ولا ينقص الضوء، فإن كان ينقص الضوء نُظِرَ: إن أمكن ضبطُ النقصان بالاعتبار بالصحيحة التي لا بياض فيها سقط 4 من الدية قسْطُ ما انتقص وإن لم يمكنِ الضبطُ، فالواجب الحكومة 5، وفرق بينه وبَيْن عين الأعمشِ؛ بأن البياض نقْصُ الضوء الذي كان في أصلِ الخِلْقَة، وعيْن الأعمش لم ينقص ضوءُها عما كان في الأصل.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: الأَجْفَانُ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُ الدِّيَةِ (م) وَفِي بَعْضِ الوَاحِدِ
يُقَدَّرُ نِسْبَتُهُ مِنَ الرُّبُع، وَلَيْسَ فِي إِفْسَادِ مَنَابِتِ الأهْدَابِ وَسَائِرِ الشُّعُورِ إِلاَّ الحُكُومَةُ خِلاَفاً لِأَبِي حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَفِي انْدِرَاجِ حُكُومَةِ الأهْدَابِ تَحْتَ دِيَةِ الأَجْفَانِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: في الأجفان كمالُ الدية؛ لأن فيها جمالاً ومنفعة، أم الجمالُ، فظاهر، وأما المنفعة؛ فلأنها تقي الحَدَقَة عن الحَرِّ والبَرْد، والقَذَى والآفات، وعن مالك: أن فيها الحكومةَ، وفي جَفْنَيْ إحدى العينَيْن نصْفُ الدية، وفي كلِّ واحدة منهما الربع؛ وذلك لأن كل متعدِّد من أعضاء البدن يجبُ في جنسه الدية، وتوزع الدية على عدد ذلك الجنس، ألا تَرَى أن الدية توزَّع على اليدين والرِّجْلين؛ حتى يجب في اليد الواحدة النصفُ، وعلى الأصابع العُشْرُ؛ حتى يجب في إحداها العشر؛ قال الإِمام: هذا مطَّرد إلا أن يقدِّر الشرع بدلَ الواحدِ من ذلك الجنس؛ كما فعل في السن, وفي بعض الجفْنِ الواحدِ قسطُه من الربع، وإنما يجب كمالُ الدية في الأجفان، إذا استُؤْصِلَتْ، وقد يقطع معظم الجفْن، فيتقلَّص الباقي، ويوهم الاستئصال فليحقق، ولا فرق بين الجَفْن الأعلَى والأسفل، وجفنُ الأعمَى كجفن البصير، وكذلك جفن الأعمش، والعَمَش بمنزلة المَرَض فيه، ولا ديةَ في جَفْن المستحشف، وإنما يجب فيه الحكومةُ، ولو ضرب على الجفن، فاستحشف، فعليه الدية، ولا يجيء فيه الخلافُ المذكورُ في استحشاف الأذن؛ لبقاء المنفعة هناك، مع الاستحشاف، وإذا قلع الأجفان مع العينين، وجب دية للأجفان 1، وأخرى للعينين.
الثانية: إزالة الأهداب وسائر الشعور؛ كشعر الرأس واللحية؛ بالحلق وغيره من غير إفساد المَنْبِتِ: لا يوجب إلا التعزير 2، فإن أفسد منبتها، فعليه الحكومة؛ لأن الفائت 3 بتلفها الزينةُ والجمالُ، دون المقاصد الأصلية، وبهذا قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: تجب الدية بكمالها في أربعةِ من الشُّعُور، وهي: الأهداب، والحاجبانِ وشَعْرُ الرأْس واللِّحية، فإنْ لم يكُنْ على الأجفان أهدابٌ، فالواجب بقطعها الديةُ؛ عَلَى ما تبيَّن، وإن قطعت وعليها الأهْدَابُ فهلْ يجب مع الدية حكومةُ الأهداب في دية الأجفان؟ فيه وجهان:
أحدُهما: أنه تجب الحكومة مع الدية؛ لأن فيها جمالاً وفائدةً زائدةً، وهي أنها
يحتد بها النظر، وإذا أسبلت 1 دارت الغبار مع نفوذ البصر.
وأظهرهما؛ على ما ذهب إليه القاضي الطَّبريُّ والشيخُ أبو محمَّد وغيرهما: أن حكومة الأهداب تدخلُ في دية الأجفان؛ كما تدخلُ حكومة الكفِّ في الأصابع، وكما أن الشَّعْر على الساعدِ والساقِ لا يفرد بالحكومة؛ واستشهد لهذا الوجْه أيضاً بأن الشَّعر عَلَى محلِّ الموضِّحة لا يُفْرَد بالحكومة، بل يدخل في أرْش، وهذا يشعر بالقَطْع به، وكذلك ذكره الإِمام وغيره، لكن في كتاب القاضي ابن كج حكايةُ وجهين في دُخُول حكومة الشعْر تحت أرش الموضِّحة، والظاهر الأول، وإن ثبت الخلافُ، وأجاب صاحب "التتمة" بما يوافق الوجه الآخر، فقال فيما إذا أوضح على الرأس أو الجبين 2، وأزال الشعر، إنه يجب عليه أغلظ الأمرين من الأرش أو الحكومةِ؛ كما حكينا عنه فيما إذا أَوْضَحَ جبينه، وأزال الحاجب، ويمكن أن يعود الخلاف هناك أيضاً، وقوله في الكتاب: "خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ" بخلاف رسْم الكتاب، ويجوز أن يعلم لفظ "الأجْفَان وربع الدية" بالميم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: الأنْفُ وَفِي قَطْعِ جَمِيعِ مَا لاَنَ مِنَ المَارِنِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي بَعْضِهِ البَعْضُ بِالنِّسْبَةِ، وَهُوَ مَعَ الحَاجِزِ بَيْنَ المَنْخَرَينِ ثَلاَثُ طَبَقَاتٍ، فَفِي كُلِّ طَبَقَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَقيلَ الحَاجِزُ فِيهِ حُكُومَةٌ، وَفِي ظَاهِرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ المَنْخِرَينِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب في قطع المارن، وهو ما لان من الأنف، وخلا من العظم -كمالُ دية النفس؛ لما رُوِيَ في كتاب عمرو بْنِ حَزْم الَّذي كتبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "وَفِي الأَنْفِ إِذَا أَوْعَبَ جَذعاً- الدِّيَةُ" 3 أي: استوعب وحمل ذلك على المارن، دون جميع الأنف؛ لما رُوِيَ عن طَاوُسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قال: "عِنْدِي كتابُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وفيه: "وفي الأنْفِ، إذاً قُطِعَ مَارِنُهُ مَائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ" 4، ويروى: "وفي الأنفِ، إذا استُؤْصِل المارن الديةُ الكاملةُ" 5 ولأن الأنف عضوٌ فيه جمال، وفيه منفعة جمع الروائح، ومنع الغبار، وسائر ما يؤدي الدماغَ عنه، وهو فرد في جنسه، فكمل فيه الديةُ؛ كاللسان والذكر، والمارنُ ثلاثُ طبقات؛ الطرفان، والوترة، الحاجزة بينهما، وكيف تتوزَّع عليها الدية؟ فيه وجهان:
أحدهما؛ وبه قال أبو علي الطبريُّ: أنها تتوزَّع عليها جميعاً؛ لتعلق الجمال والمنفعة بها، فلو رفع الجاجز وحده، فعلَيْه ثلث الدية، ولو قطع إحدى الطرفَيْن، فكذلك، ولو قطعهما دون الحاجز أو أحدهما، مع الحاجز، فعليه ثلثا الدية، ولو قطع أحدهما، ونصف الحاجز، فعليه نصْفُ الدية.
والثاني، ويحكَى عن ابن سُرَيْجٍ وأبي إِسحاق: أن الدية تتعلَّق بالطرفين، وليس في الحاجز إلا الحكومة؛ لأن الجمال وكمالَ المنفعةِ فيهما دُون الحاجز، وعلَى هذا ففي الحاجزِ وحده الحكومةُ، وفي قطع أحد الطرفين نصفُ الدية، وفي قطعهما دون الحاجز تمامُ الدية، وفي قطعِ أحدهما مع الحاجز أو بعض الحاجز نصفُ الدية وحكومة، وفي "التهذيب": أن هذا الوجه الثاني أصحُّ، ونقل أبو إسحاق الشِّيرازيُّ؛ أنه المنصوصُ، لكن إيراد الكتاب يقتضي ترجيحَ الأول، وإليه ذهب القاضيان الطبريُّ والرويانيُّ، وقد يؤيَّد بأنه إذا قطع جميع المارن لا يجبُ إلا ديةٌ واحدةٌ، ولو كانت 1 الديةُ في مقابلة الطرَفَيْن، وكان واجب الحاجز الحكومة، لأشبه ألا تدخل 2 حكومته في الدية، كما لو قطع مع المارن شيئاً بما يتصل بالشفة أو من الخدِّ، فإنه يجب لذلك حكومةٌ مع الدية، ويخرَّج مما ذكره الإمامُ نقلاً وتلخيصاً أنه لا يجب في أحد الطرفين النصْفُ، ولا الثلث، ولكن ينسب ما أُبِينَ إلى ما بقي، ويوزَّع الواجب عليهما، فيجب ما يقتضيه التقْسيط، وأقام هذا وجهاً آخر، لكنه لا يستغنى عن النظر في أن الدية يجبُ في مقابلة الطرفين، أو الطبقات الثلاث، ثم إنْ جعلنا الدية في مقابلة الطرفين، فلا يكاد يُفْرَضُ تفاوت بينهما, ولا يكون الواجب إلا النصف، وإن جعلنا في مقابلة الطبقات الثلاثِ، فيظهر تفاوت الطرفين على الوَتَرَة، ويكون الواجب فَوْقَ الثلاث، ودون النصْفَ، وأنف المجذوم إذا سَقَط بعضُه، وقطع الباقي، يجبُ فيه قسْط الباقي من الدية، وأنف الأخشم 3 كأنف السَّليم؛ فإن الشمَّ لا يحل الأنف، ولو ضرب على أنفه فاستحشف أو قطع أنفاً مستحشفاً، فعلى الخلاف المذكور في الأذن.
وقوله في الكتاب: "وفي قطع جميع ما لان مِنَ المارِنِ كلُّ الدية"، في هذه اللفظة نظرٌ، فإن المارن هو الذي لاَنَ، ويجب بقطعه الدية؛ لأنه من المارن، فكان ينبغي أن يقول: وفي قَطْعِ جميعِ ما لاَنَ من الأنف، وهو المَارِنُ، وقد يتكلَّف، فيحمل "مِنْ" على بيان الجنس، ويقال: المعنَى في جميع ما لان مِنْ هذا الذي يُقَال له المارن.
وقوله: "وفي بعْضه البغض بالنسبة"، يعني إذا قطع بعْض المارِنِ، اعتبر [الباقي] بالمساحة، وأخذ قسط المقطوع من الدية، ثم الاعتبار بالجملة التي يقابلُها الدية، وفيه الخلافُ الذي بيَّناه.
" فَرْعٌ"
لو شق مارنه، فذهب منه شيء، ولم يلتئم، فعليه من الدية قسطُ الذاهب، وإن لم يذهب منه شيء التام أو لم يلتئم، فعليه الحكومة، ولو انجبرت القصبةُ بعْد الكسر، فعليه الحكومةِ، فإن بقي معوجّاً، كانت الحكومة أكثر.
قال الْغَزَالِيُّ: الخَامِسُ الشَّفَتَانِ وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ الدِّيَةِ (م)، وَحَدُّهُ فِي عُرْضِ الوَجْهِ اِلَى الشِّدْقَيْنِ، وَفِي طُولِهِ إِلَى مَحَلِّ الاَرْتِفَاقِ عَلَى وَجْهٍ، وَإلَى مَا يَسْتُرُ عَمُوُدَ الأَسْنَانَ عَلَى وَجْهٍ، وَإِلَى مَا يَنْتُو عِنْدَ الانْطِبَاقِ عَلَى وَجْهٍ وَهُوَ الأَقَلُّ، وَقِيلَ: إِذَا قَطَعَ مِنَ الأَعْلَى مَا لاَ يَنْطَبِقُ عَلَى الأَسْفَلِ، فَقَدِ اسْتَوفَى الْكُلَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في قطع الشفتين، إذا استوعبَنا كمالَ الدية؛ لما رُوِيَ في كتاب عمرو بْن حزم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الَّذي تكرَّر ذكره، وفي الشفتين الدِّية، ولأن فيهما جمالاً ومنفعةً ظاهرةً لما يتعلَّق بهما من تمام الكلام، وإمساك الرِّيق والطعام، ولا فرق بين أن يكُونا غليظتَيْن أو رقيقتَيْنِ، كبيرتين أو صغيرتين، وفي إحداها نصفُ الدية، وتستوي في ذلك العليا والسفلى، وإن فرض تفاوتٌ في المنفعة، كما في اليدين والأصابع، وبه قال أبو حنيفة، وهو روايةٌ عن مالك، ويروَى عنه أن في العليا ثُلُثَ الدية، وفي السفلَى الثلثين؛ لأنها التي تمسك الريق والطعام، وتتحرَّك عند المضغ والكلام، وقد تعكس الرواية, ويقال: يجبُ في العليا الثلثان، وفي السفلَى الثلُثُ؛ لأن الجمال في العليا أكثر، وبجب بقطع بعض الشفة بعْضُ الدية على ما يقتضيه التقسيطُ، وحدُّ الشفة في عُرْض الوجه إلى الشِّدْقين، وقد يقال: حدُّ الشفَةِ في الطُّول فتحةُ الفم من الجانب إلى الجانب الآخر، وهذه العبارة معناها معنى الأوَّل، والمراد بالطول طُول الفم، وأما في عرض الفم 1 فقد جمع الإِمام في حدِّها أوجهاً: أحدها: أنه من المتجافي إلى محلِّ الارتتاق؛ لوقوع الاسم عَلَى جميع ذلك، وموضع الارتتاق من الأعلى يقرب من الوترة، ومن الجانب الأسفل يقع في محاذاة نهاية العَنْفَقَةِ.
والثاني: أن الشفة من حرف الفم إلى المَوْضِع الذي يستر اللِّثة، وعُمُورَ الأسنان، ولا يكاد هذا القائل يُسَلِّم تناول الاسم ما وراء ذلك.
والثالث، عن الشيخ أبي محمَّد: أنه القدر الذي ينتو عند إطباق الفم؛ كما أنه يراعى هذا القدر في الشُّفْرَيْن.
والرابع: أن القدر الذي لو قطع لم تنطبق الشفة الأخرَى على الباقي هو كلُّ الشفة، حكاه الإِمام عن مرامز كلام الأئمة.
والوجه الثالث: أقلُّ المقادير، والأول أكثرها، والثاني معتدلٌ متوسِّط، وروي ذلك عن نصه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم"، وهو الذي أورده أكثر المتكلِّمين في حد الشفة.
وقوله في الكتاب: "وفي كل واحدةٍ نصْفُ الدية" معْلَم بالميم؛ لما روينا.
وقوله: "إلى ما يستر عُمُورَ الأسْنَانِ"، وقد يقال بدله: "إلى ما يستر اللِّثة"، وقد يجمع بينهما، والعُمُورَ جمعُ: عَمْرِ، وهو: اللحم بين الأسنان، واللَّثَة: اللحمُ حوْلَ السِّنْخ، وهو وراء العُمُورَ، فيجوزَ أن يقدَّر فيه اختلاف، ويجوز أن يبني الأمرُ على التقريب (1)، وذكر اللثة يغني عن ذكر العُمُور، فإنها وراء العمور، ولا ينعكس، وذكر في "الوَسِيطِ" بعد حكاية هذه الوجوه أن تقدَّر كل الشفة بأن يقدر قوساً طرفاه عند الشِّدْقَيْن، ومُحَدَّبُه (2) عند إلارتتاق، أو ما دونه، على أحد الوجوه، فما يحويه مقعر هذا القوس، هو كلُّ الشفة، وفي "النهاية" نحْوٌ من هذا، لكن على الوجه الأول خاصَّة، ويشبه أن يقال: لا معنى لتقدير القوْسِ واعوجاج الخَطِّ، ولكن موضع الارتتاق بما يحاذي وتره الأنف من الأعلى، إلى موضع الارتتاق مما يحاذي الشِّدْقَ من الأسفل يقرب من المسامتة، فليعتبر خط مستقيم من (3) محاذاة الوَتَرَة إلى محاذاة الشِّدْق، وكذلك في الشفة السفلَى ويكون حدُّ الشفتين معاً شكْلَ مربَّع مستطيل أو غير مستطيل، ولا يبعد عن العُرْف، وإطلاق الاسم أخذ شيء من الشِّدْق في حد الشفة، لكن قال الإِمام: لم يَصِرْ إليه أحدٌ من الأصحاب.
" فَرْعٌ"
(4) لو ضرب على شفته، فأشلَّها، فصارت منقبضة لا تسترسل، أو مسترسلة لا تنقبض، فعليه الدية 4، ولو قطع شفةً شلاء، فعليه الحكومة، ولو شق1235
فروع
.
شفتيه 1، ولم يبن 2 منها شيء ليم يلزمه إلا الحكومة 3، ولو قطع شفة مشقوقةً، ففي "التهذيب" و"التتمة"؛ أن فيها ديةً ناقصةً بقدر حكومة الشق، ولو قطع بعض الشفة، وتقلَّص الباقي حتى بقي المقطوع كالذي قطع جميعها منه، ففيه وجهان:
أحدهما: أن الدية تتوزَّع على ما قطع، وعلى ما بقي 4.
والثاني: يجب كمالُ الدية؛ لأن منفعة الباقي قد بطَلَت بالجناية، فصار كما لو قَطَع بعض الأصابع، وأشل بعضها، وهل يتبع حكومة الشارب دية الشفة، نقل [القاضي] ابن كج فيه وجْهَيْن.
قال الْغَزَالِيُّ: السَّادِسُ فِي لِسَانِ النَّاطِقِ كَمَالُ (ح) الدِّيَةِ، وَفِي الأخْرَسِ الحُكُومَةُ، وَفِي الصَّبِيِّ كَمَالُ الدِّيَةِ إلاَّ إِذَا قُطِعَ عَقِيبَ الوِلاَدَةِ وَلَمْ يُظْهَرْ أَثَرُ القُدْرَةِ بِالتَّحْرِيكِ وَالبُكَاءِ فَإنَّ السَّلاَمَةَ لَمْ تَسْتَيْقَنْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في اللسان كمالُ دية النَّفْسِ؛ لما روي عن كتاب عَمْرِو بنِ حَزْم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "وفي اللِّسَانِ الدية"، وأيضاً: ففيه جمالٌ ومنافعُ ظاهرة، كمنفعة النطق التي تتميز بها الإنسان عن البهيمة، وكمنفعة الذوق، وكالإعانة على المضغ بردِّ اللقمة إلى الأضراس، وقد روي أن رسول الله به.
سُئِلَ عَنِ الْجَمَالِ، فَقَالَ: "هُوَ في اللِّسَانِ" 5، ولسان الألْكَنِ، والمُبَرْسَم الذي ثقلَ كلامه كغيره، وكذلك لسانُ الأَرَثِّ والألْثَغِ، ويجعل ما فيه من الضعْفِ كَضعف البطش في اليد، قال القاضي الرُّويانيُّ: ويحتمل أن يقال خلافه، وفي لسان الأخرَسِ حكومةٌ، كما في اليد الشلاَّء، سواءٌ كان
الخرس أصليّاً أو خَرِسَ بمرضٍ، وعن أبي الطيِّب بن سلَمَة؛ أنه يمكن تخريج قول؛ أنَّ الواجب فيه الديةُ، والمذهب الأوَّل؛ وذلك إذا لم يذهب الذوْقُ بقَطْع لسان الأخرس، أو كان قد بَطَل ذوقه من قبل، فأما إذا قطع لسانه، فذهب ذوقه، وجبت الدية؛ لذهاب الذوق، ولو تعذر النطقُ، لا لخللٍ في اللسان، ولكنه ولد أصمَّ، فلم يحسن الكلام؛ لأنه لم يسمع شيئاً، فالواجبُ فيه الديةُ أو الحكومةُ، فيه وجهان يجيء ذكرهما 1، وإذا قطع لسان الطفل، نُظِرَ إن نطق بـ"بابا" و"دَادَا" ونحوهما، أو كان يحركه عند البكاء، والضَّحِك، والامتصاص تحريكاً صحيحاً، وجبت الدية؛ لظهور آثار الكلام فيه، وعن أبي حنيفة؛ خلافه، كان لم يوجد نطقٌ وتحريكٌ في أن بلغ وقت النطق والتحريك، فالواجب فيه الحكومة؛ لإشعار الحال بالعجز، كان لم يبلغ بأن قطع لسانه عَقِيب الولادة، فالذي أورده في الكتاب أنه لا يجب الدية؛ لأن سلامته غير مستقيمة، والأصْلُ براءة الذمَّة عن الدية، وحكى الإمام قطْعَ الأصحاب به، ووقفة لشيخه أبي محمَّد فيه، والذي يوجد في كتب عامة الأصحاب وجوب الدية؛ أخذاً بظاهر السلامة، كما تجب الديةُ في يده ورجله، كان لم يكن بَطَش في الحال، وهذا ما حكاه القاضي ابن كَجٍّ عن أبي إسحاق، وذكر أن أبا الحسين نقل في المسألة قولين، وليعلَم لما ذكرنا قوله: "إلاَّ إذا قُطِعَ عَقِيبَ الولادةِ، ولم يظهر أثرُ القُدْرة"، وقوله: "وفي الأخْرَسِ حكومةٌ" يجوز أن يُعْلَم بالألف؛ لأن عنده في لسان الأخرسِ ثلثَ الدية في أظهر الروايتين.
ولو قطع بعض لسان الصبيِّ، واقتضى الحال إيجابَ الحكومة، فأخذناها، ثم إنَّه نطق ببعض الحروف، وعرفنا سلامة لسانه بلغنا بالحكومة القَدْر الذي يقتضيه القطْعُ من الدية، ولو كان للسانه طرفانِ، نُظِرَ: إن استويا في الخلقة، فهو لسان مشقوق، فيجب بقطعهما الدية، وبقطع أحدهما قسْطُه من الدية، وإن كان أحدهما تامَّ الخلقة أصليّاً، والآخر ناقصَ الخلقة زائداً، ففي قطعهما ديةٌ وحكومة، وفي الأصلي الدية، وفي الزائدِ الحكومةُ، ولا يبلغ بحكومته ديةُ قدره من اللسان من ثلث وربع وغيرهما، وفي قطع اللهاة الحكومة.
قال الغَزَالِيُّ: السَّابعُ: الأسْنَانُ وَفِي كُلِّ سِنٍّ تَامَّة أَصْلِيَّةِ مَثْغُورَةِ غَيْرِ مُتَقَلْقِلَةِ بِالهَرَمِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ مِنْ غَيْرِ تَفَاضُلِ، وَفِي الشَّاغيَةِ حُكُومَةٌ، وَفِي سِنٍّ مِنَ الذَّهَبِ تَشَبَّثَ بِهَا
اللَّحْمُ وَاسْتَعَدَّتْ لِلمَضْغِ حُكُومَةٌ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَفِي قَطْعِ نِصْفِ السِّنِّ نِصْفُ الأَرْشِ، وَفِي إِدْخَالِ السِّنْخِ فِي حِسَابِ السِّنَّةِ وَجْهَانِ، وَبَقِيَّةُ الذَّكَرِ مِنَ الحَشَفَةِ، وَحَلَمَةُ الثَّدْيَيْنِ مِنَ الجُمْلَةِ، وَقَصَبَةُ الأَنْفِ مِنَ المَارِنِ كَالسِّنِّ مِنَ السِّنْخِ فِي أَنَّ حُكُومَتَهَا هَلْ تَنْدَرجُ عِنْدَ الاسْتِئْصَالِ؟ وَفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُ يَجِبُ بِجَمِيعِهَا حُكُومَةٌ إِذَا اسْتُؤْصِلَتْ مَعَ دِيَةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب في كلِّ سنٍّ من الذَّكَر الحُرِّ المسْلِمِ خمْسٌ من الإبل، لما روي في كتاب عَمْرو بن حَزْم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الذي كتبه رسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإبِلِ" 1، وعن عبد الله بن عَمْرو بن العاص -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ أن النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "فِي كُلِّ سِنِّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ" 2، ولا فرق في وجوب الدية بين أن يكونَ تفويتُ السن بالقلع، أو القطع، أو الكسر، ولو قلع سنه، فبقيت متعلِّقة بعروق، ثم عادت إلى ما كانت، ذكر الرويانيُّ في "جمع الجوامع"؛ أنه لا دية؛ لأن الدية إنما تجبُ بالإبانة، ولم توجد، وعليه حكومة الجناية، وتستوي الأسنان في الدية، وإن اختلفتْ منافعها؛ لما روي عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: "جَعَلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَصَابعَ اليَدِ وَالرِّجْلِ سَوَاءً" 3، وقال: الأسنانُ سواءٌ، الثَّنِيَّةُ والضِّرْس سواءٌ، وهذه [وهذه] 4 سواء، واختصاص بعضها بزيادةِ طولٍ لا يوجب الاختصاص بمزيد بدلٍ؛ كما في الأصابع، وضبط صاحب الكتاب القيودَ التي تعتبر في السنِّ لتكميل الدية؛ فقال: "في كلِّ سِنٍّ تَامَّةٍ أَصْلِيَّةٍ... " إلى آخره، وهي أربعة:
الأول: أن تكون أصليةً؛ ففي السن الشاغية الحكومة دونَ الدية 5، ولو سقطَتْ سنَّة، فاتخذ سنّاً من ذهب، أو حديد، أو عظم ظاهِرٍ، لم يلزم بقلعها الديةُ، وأما الحكومة، فإن قلعت قبل الالتحام، لم يلزم أيضاً، ولكن يعزر القالع، وإن قلعت بعد تشبُّث اللحم بها، واستعدادها للمضغ والقطع، فقولان:
أحدهما: أنه يجب الحكومةُ؛ لما فيها من المنفعة والجمال.
وأظهرهما: المنع؛ لأنها مُلْحَقَة، وليست جزءاً من الشخْص، قال الإِمام: ولا يتصوَّر أن يلتحم على اللحم ذهبٌ، والله أعلم.
القيد الثاني: أن تكون تامَّة، وتكمل الدية بكسر ما ظهر من السنِّ, وإن بقي السِّنْخ 1 بحاله؛ لأن السنَّ اسم للظاهر، والمستتر باللحم يسمى سِنْخاً، ولأن الجمال والمنفعة من العضِّ، والقطع 2، والمضغ، وجمع الريق، كلُّ ذلك يتعلَّق بالظاهر، ومنفعة المستتر حملُ الظاهر وحفظُه، وهو مع الظاهر كالكَفِّ مع الأصابع، ولو قلع السنن من 3 السِّنْخ لم يجبْ زيادة على أرش السنِّ, بل تدخل حكومة السنخ في دية السن؛ كما تدخلُ حكومة الكفِّ في دية الأصابع، هذا ما أطلقه الجمهورُ، وحكى الإِمام في ذلك طرقاً:
إِحْدَاها: أن فيه وجهين:
أظهرهما: ما أجاب به الجمهور، واحتجَّ له بأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "في كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ في مِنَ الإبِلِ"، والأولَى حمل كلامه على ما يجري مثله في العُرْف، وقلع السن من الأصْل هو الذي يتَّفق، فأما قطع الظاهر، فلا يتفق إلا باعتمادٍ وتكلف.
والثاني: أنه يجب حكومة للسنخ، مع أرش السنِّ؛ لزيادة الجناية بقلع السِّنْخ.
والثانية: القطْعُ بالوجْه الأَوَّل.
والثالثة: القطع بالثاني؛ تعليلاً بأن السِّنْخَ باطنٌ؛ فيفرد بالحكومةِ 4.
ولو كسر الظاهر واحد، وجاء آخر، وقلع السِّنْخ، فعليه الحكلومة، وعلى الأول الدية؛ بلا خلاف، ولو عاد الأول، وقلعه بَعْد الاندمال، فعليه الحكومة مع الدية، وإن قلعه قبل الاندمال، فوجهان عن القاضي الحُسَيْن، والذي يوافق إطلاق أكثرهم؛ أن الجواب كذلك.
والثاني: أن حكومة السِّنْخ تندرجُ تحت دية السنِّ؛ كما لو قلعهما معاً، ويجوز أن يفرق بين قلع الأوَّل وغيره، كما في رفع الحاجز بين الموضحتين، وطرد مثل هذا في قطع الكف بَعْد قطع الأصابع؛ إما من قاطع الأصابع أو غيره، ولو قطع بعض الظاهر،
وأبْقَى 1 بعضه فعليه قسط ما قطع من الأرش، وكيف يقسَّط، أينسب المقطوع إلى الظاهر وحده 2؛ حتى يكون نصفاً مَثَلاً، أو اللِّثة مع السنخ؛ حتى يكون ربعاً؟ الوجه أن يقال: إن أوجبنا في قلع الظاهرِ مع السِّنْخ أرشاً وحكومة، فالتوزيع على الظاهر وحده، وإن أدرجنا الحكومةَ تحت الأرش، فوجهان حكاهما المتولِّي، والإمامُ، وصاحبُ الكتاب:
أصحُّهما؛ وهو جواب المُعَظَم: أن التوزيع على الظاهر وحده؛ لأنا نوجب فيه تمام الأرش، وإذا وجب جميع الأرش في جميعه، وَجَبَ بعضه في بعضه، وهذا كما أن دية اليد، إذا وجبت بقطع الأصابع، وَجب في بعضها قسطه، ولا ينظر إلى الكف، وأيضاً: فالسنخ مستتر، وغوصه مختلفٌ يتعذَّر الوقوف عليه، والنسبة إليه.
والثاني: أن التوزيع على الظاهر، والسِّنْخ جميعاً؛ لأن السِّنْخ مع الظاهر كالشيء الملتحم؛ بخلاف الأصابع مع الكف، فإنها منفصلةٌ عنها، مربوطةٌ بها بالأعصاب والرِّباطات، ومن ذهب إلى هذا الوجْهِ، قال: قضيَّته ألا يجب تمام الأرش عنْد قطْعَ جميع الظاهر، لكن إذا قطع الجميع، لم يبق للسِّنْخ منفعةٌ بها مُبَالاةٌ، فإن منفعته المقصودة حمل الظاهر، وحفظه؛ فلذلك أتممنا الأرْشَ فيه، وإذا بقي من الظاهر بعضه، ففي السِّنخ منفعة حمله، فوزعنا الأرش عَلَى ما ذهب، وعلى جميع ما بقي منتفعاً به، وفي معنى ما نَحْنُ فيه صُوَرٌ:
منها: أن الدية تكمل في قطع الحَشَفة، ولو استؤْصلَ الذكَرُ، فيفرد بقية الذكر بحكومةٍ، أو تندرج حكومتها تحْتَ دية الحشفة؟ حكى الإِمام فيه طريقين:
أحدهما: أن فيه وجهين.
والثاني: القطع بالاندراج.
ومنْها: حَلَمَةُ الثدْيِ فيها كمالُ الدية، ولو استؤصل الثدْيُ، ففيه الطريقان، والأصحُّ فيهما الاندراج.
ومنها: في المارِنُ كمالُ الديةِ؛ على ما سبق، ولو قطعه مع القَصَبة، فهل يجب حكومة القصبة، أو لا يجب إلا الديةُ؟ ذكر الإِمام أن فيه وجهين، وأن المذهب الظاهرُ فيهما الاندراج 3، وههنا كلام، وهو أنا قدَّمنا أن قصبة الأنف محلُّ الموضحة في
الوجه، وكذا محلُّ الهاشمة والمنقلة، وذكرنا وجهين في أن الجراحة الواصلَةَ إلَى داخل الأنف، هل تكون جائفة، وإذا كان كذلك، فقطع قصبة الأنف وإبانتُها أعظَمُ من المُنَقَّلة، فيجب أن يجب فيه مع أرش المارنِ أرشُ المنَقِّلة، وهكذا حكى القاضي ابن كَجٍّ الجواب فيه عن نصِّه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم"، ولم أجد تغيره تعرُّضاً لذلك، وإذا قلنا؛ بالاندراج في هذه الصورة، فلو قطع بعض الحَشَفة، أو الحَلَمة، أو المارن، فالمقطوعُ يُنْسَب إلى الحَشَفة، أو جميع الذكر وإلى الحَلَمة، أو جميع الثَّدْي؟ وإلى المارن أو إلى المارن مع القَصَبة؟ فيه الوجهان المذكوران في قَطْع بعض الظاهر من السنِّ، والأصحُّ التوزيع على الحَشَفة، والحَلَمة، والمارن، وحدُّها كما ذكرنا في السنِّ والسِّنْخ، وإذا اختلف الجانِي في القدْر المكسُور من الظاهر، والمجنىُّ عليه، فالمصدَّق الجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته.
" فُرُوعٌ"
لو كسر واحد بعض ما ظهر، ثم جاء آخر، وكسر الباقي من الظاهر، فعلى كلِّ واحد قسطُ ما كسره من الأرش، ولو قطع الثاني الباقِيَ مع السِّنْخ، فعن نصِّه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم" أن عليه قسْطَ الباقي من الأرش، وحكومة للسنخ، وللأصحاب فيه طريقان:
أحدهما: أن فيه وجهين:
أحدهما: الأخذُ بظاهر هذا النصِّ، وإيجاب حكومة للسنخ؛ لأنَّ الباقي بعض السنخ، وإنما يجعل السنخ تابعاً لجميع السن.
والثاني: أنه كما يتبع الجميع يتبع البعض؛ لأنَّه لا فائدة للسنخ إلا حملُ ما عليه مِنْ كلِّ السن أو بعضها.
وأظهرهما؛ وبه قال الشيخ أبوحامد، وعليه جرى ابن الصَّبَّاغ، وصاحب "التهذيب" وغيرهما: أنه ينظر في جناية الأول؛ فإن كسر بعض السن في العرض، وبقي الأسفل بحاله، فليس على الثاني حكومةٌ للسنخ، بل يدخلُ في أرش الباقي من السن, كما لو قطعت أنامل رجُلٍ، ثم جاء آخرُ، وقطع يده من الكوع، لا يلزمه حكومة الكف، بل تدخلُ في دية ما بقي من الأنامل، وإن كسر بعضها في الطول، فحكومة للسنخ بقَدْر ما يجب الباقي من السنِّ تدخل في أرشه، وما لا شيء فوقه من السنخ = المنقلة فيجب أن يجب فيه أرش المارن أرش المنقلة وهكذا حكى القاضي ابن كج الجواز فيه عن نصه في الأم ولم أجد لغيره تعرضاً لذلك.
انتهى.
تجبُ حكومته؛ كما ذكرنا، فيما إذا قطع كَفّاً عليها بعض الأصابع دون بعض، ولو ظهر بعض السنخ؛ كخلل أصاب اللثة، لم يلحق ذلك بالظاهر، بل كمال الدية فيما كان ظاهرًا في الأصل.
ولو تناثر بعضُ السنِّ أو تآكل، ففي قلعها قسطُ ما بقي من الدية، فإن اختلفا في قَدْر المتناثر أو المتآكل، فالقولُ قولُ المجنيِّ عليه مع يمينه.
ولو كانت أسنانُهُ من الأعلَى طويلةً ومن الأسفلِ قصيرةً, أوبالعكس، لم يؤثر ذلك، ووجب لكل واحدةٍ كمالُ الأرش، والغالب أن الثنايا من الأسنان تكونُ أطول من الرَّبَاعِيَاتِ بقليل، فإن كانت ثنايا إنسان مثل الرباعيات، أو أقصر منها، ففيما يجب فيها اختلافٌ للأصحاب:
حكى الإِمام عن الأكثرين؛ أنه لا يجب فيها تمام الأرش، ولكن ينقص منه بحسب نقصانها، وهذا ما أورده الرُّويانيُّ، قال: ويخالف هذا ما إذا كانت أسنانُ الصف الواحد بأسرها قصيرةً، فإن الغالب أنَّ مثل ذلك لمعنًى في الخلقة، وتفاوت الأسنان في الصف الواحد يُشْعِر بأنه قد أصاب المنبِتَ خللٌ، وأن النقصان [كان] لذلك، وقال قائلون: يكمل فيها الأرش؛ لوقوع الاسم عليها، ودخولها تحْتَ قوله -صلى الله عليه وسلم- 1: "فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإْبِلِ" وهو ما أورده في "التهذيب"، وسَوَّى بين [أن تكون الرَّبَاعِيَاتُ أطْولَ من الثنايا، وَبيْن أن تكون الثنايا أطْوَلَ، إذا تفاحش] 2 التفاوت بينهما.
ولو كانت إحدى السنين من الأعلَى أو الأسفل أقصرَ من أختها، فقلعت القصيرة ينقص من ديتها بقدر نقصانها؛ لأن العادةَ الغالبة أنهما لا يختلفان، وإذا اختلفا، كانت القصيرة ناقصة، فإن انتهى صغَرُ السن إلى أن بطَلَت منفعته، ولم تصلُحْ للمضغ، ففي قلعها الحكومةُ دون الدية، كاليد الشَّلاَّء.
وقوله في الكتاب: "كالسنِّ من السِّنْخ في أن حكومَتَها تندرجُ عند الاستئصال" وحقُّ النظْم أن يقال: كالسِّنْخِ من السنِّ.
وقوله: "وفيه وجه أنَّه يجبُ لجميعها حكومةٌ، إذا استؤصِلَتْ مع دية"، في اللفظ تقديمٌ وتأخير، والمعنى: يجب لجميعها، إذا استؤصلَتْ حكومةٌ، مع دية أو حكومةٌ مع ديةٌ 3، إذا استؤصلَتْ.
قال الْغَزَالِيُّ: وَسِنُّ الصَّبِيَّ فَضْلَةٌ كَشَعْرِهِ فَلَيْسَ فِيهِ أَرْشٌ وَلا قِصَاصٌ إِلاَّ إِذَا بانَ
بالآخِرَةِ فَسادُ المَنْبِتِ، فَإذَا ماتَ قَبْلَ التَّبَيُّنِ فَفِي الأَرْشِ وَجْهَانِ لِتَقابُلِ الأَصْلَيْنِ، والمَثْغُورُ إِذَا عَادَ نَادِراً فَفِي اسْتِرْدَادِ الأَرْشِ قَوْلاَنِ، والمُوَضِّحَةُ إِذا الْتَحَمَتْ بِلَحْمٍ جَدِيدٍ لاَ يُسْتَرَدُّ أَرْشُها لأَنَّهُ جَدِيدٌ، والبَطْشُ والبَصَرُ إذَا عَادَ يُسْتَرِدَّ لإنَّهُ الأَوَّلُ، وَقَدْ عَادَ، والسِّنُّ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا.
قَالَ الرَّافِعيُّ: القيد الثالث: أن تكونَ مثغورةً، فلو قلع سن صبيٍّ، لم يثغر، فقد سبق في "كتاب الجراح" أنه لا يستوفى 1 في الحال قصاصٌ ولا ديةٌ؛ لأن الغالب أنها تعود، فهي كالشَّعْرَ يُحْلَق، ولكن ينتظر عودُها، فإن عادت، فلا قصاص ولا دية، وتجب الحكومة، إن بقي شَيْن، وإلا فعلى ما ذكرنا في الحكومات؛ أنه لا يجب شيء، أو يعتبر حال الجناية، وقيام الألم، وإن لم تعد، وفسد المنبت، استوفى القصاص أو الدية 2، فإن مات الصبي قبل أن يتقين 3 الحال، ففي وجوب الأرش وجهان، وقيل قولان 4:
أحدهما: يجب؛ لأن الجناية قد تحقَّقت، والأصل عدم العَوْد 5.
والثاني: المنع؛ لأن الأصل براءة الذمة، والظاهر أنه لو عاش لعادَتْ، وهذا أقوى 6؛ على ما قالَهُ القاضي ابن كَجٍّ وغيره؛ وعلى هذا فتجب الحكومة، قال في "التتمة": وذلك على طريقة من يعتبر حالة الجناية، وتواصل الألم.
ولو قلع قالع سنَّ الصغير وجاء آخر وجنَى على منبته جنايةً أبطلت النبات، قال الإِمام: لا وجه لإيجاب الأرش على الثاني ولا عليهما؛ أما الأوَّل، فيجوز أن يقال بوجوبه عليه، ويجوز أن يقتصر على الحكومة، ولو سقطَتْ سنه بنفسها، ثم جنى جانٍ، وأفسد المنبت، فيجوز أن يقال بوجوب الأرش على الثاني؛ لأنه أفسد المنبت، ولم يسبق جناية يُحالُ الفساد عليها.
ولو قلع سنّ مثغور، فأخذ منه الأرش، فعادت السنُّ على ندرة عودها، فهل يسترد الأرش؟ فيه قولان؛ بناء على أن ما يعود يقام مقام الأول، ويجعل كأنه لا فوات،
أو يجعل العائدُ نعمةٌ جديدةٌ خوَّلها الله تعالى بلا توقُّع وانتظار، وقد ذكرنا في "الجراح" قولين، والحالة هذه، في سقوط القصَاص؛ بناءً على المعنيين، والظاهر أنه لا يسقط، وأن الأرش لا يسترد، والموضِّحة إذا التحمت والتأمتْ بعد ما أخذ أرشها, لم يستردَّ؛ كما ذكرنا أنه لا يؤثر في سقوط القصاص، وحكَيْنا عن صاحب "التقريب" وجهًا في الجائفة؛ أنها إذا التحمت، زالَ حكمها، وأن الإِمام رأى طرده في الموضحة، ورأى تخصيصه بما إذا كان الحاصلُ مجرَّد خرق والتئام 1 من غير أن يزول لحْمٌ، ويحدث بدله.
ولو جنَى على إنسان جناية أذهبتْ بطش يده في الحال، وأخذت الدية؛ لظنِّ الزوال، وحصول الشللِ، ثم قويتَ اليدُ، وصارت تبطش، أو جثَى على عينه، فصار لا يبصر، وأخذت الدية لظنِّ زوال البصر، ثم إنه أبصر 2، فالدية مستردة 3؛ لان الشَّلَل والعَمَى المحقَّقَيْن لا يزولان، وقد تبيَّن لنا بما جرى أنه لا زوال، وأن ذلك الظنَّ كان خطأً، وكذا القول في السمع وسائر المعاني 4.
وقوله في الكتاب: "فلَيْسَ فيه أرشٌ ولا قصاصٌ إلاَّ إذا بانَ فَسادُ المَنْبتِ" يعني: إذا مضت المدة التي يتوقَّع فيها العَوْد، فلم يعد يحكم بوجوب الأرش أو القصاص، وهذا هو الظاهر، ولكن ذكر صاحب الكتاب في القصاص قولين، وإن 5 بان فساد المنبت، فيجوز أن يعلم لذلك الاستثناء هاهنا بالواو، وقوله: "والموضِّحة إذَا التحمَتْ بلحمٍ جديدٍ لا يستردُّ أرشُها؛ لأنه جديد" ذكر اللحم الجديد في التصوير، ثم التعليل بأنه جديدٌ لا يحسن موقعه، ولو قال: إذا التحمَتْ، لا يستردُّ أرشُها؛ لأنَّه جديدٌ، لكان أحسن، والمعنَى الذي التحَمَ، حدث من الغد إلاَّ أنه الأول بخلاف البطْش والبَصَر.
وقوله: "والسنُّ دائرٌ بينهما" أعادَ ذكْر السنِّ بعد ذكر القولين وفي عَوْدها؛ إشارة إلى أن السنَّ تلحق في أحد القولَيْن بالموضِّحة، إذا التحمت، وفي الثاني بالبَطْش، إذا عاد.
واعلم أن الوجْه المنْقُول في التحامِ الجائفَةِ المجرى في الموضِّحة، إن اختصت بما إذا كان الحاصلُ مجرَّد الخرق والالتَئام، وكما ذكره الإِمام، فلا يجوز أن يعلم له قوله: "لا يستردُّ أرشُها"؛ لأنه صوَّر فيما إذا كان الالتحام بلحم جديدٍ؛ لكن، يجوز أن يُعْلَمَ له قوله في الجراح: "وَلَوْ عادَتِ الموضِّحةُ ملتئمةً، لم يسقط القصَاصُ".
" فَرْعٌ"
لو قلع سنّ صغير، فطلع بعضها، وماتَ الصغيرُ قبل أن يتمَّ نباتها، فعليه من الدية قسْطٌ ما لم ينبت، إن قلنا بوجوب الدية فيما إذا مات قبل النبات، والحكومةُ إن قلنا لا تجب هناك الديةُ، حُكِيَ هذا التصويرُ والتفريعُ عن نصِّ الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- 1؛ وذلك يقوي رواية من روى الخلافَ في المسألة قولين، وقد حكاهما القاضي ابن كَجٍّ عن "الأم"، ولو قلعها قبل تمام الطلوع آخَر، فعن نصه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه ينتظر بها، إن لم تنبت، فعليه الديَةُ، وإن نبتت، لزمته حكومةٌ أكثر من حكومة القَلْعِ في المرة الأولَى.
قال الغَزالِيُّ: وَسِنُّ الشَّيْخِ الهَرِمِ إِذا تَقَلْقَلَتْ فَفِيهَا الأَرْشُ إِذَا كَانَ الظَّاهِرُ ثَباتَها، وَإنْ كَانَ الظَّاهِرُ سُقُوطَها فَقَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القيدُ الرابعُ: كونها ثابتةً غير متقلقلة، فإن كانت متحرِّكة، نظر: إن كانت الحركةُ يسيرةً؛ لا تنقص المنافع، لم يؤثر تحريكها في القصاص، ولا في الأرش، وإن كان بها اضطرابٌ شديدٌ, وتحرُّك قويٌّ بسبب مرض أو هَرَمٍ، فينظر؛ إن بطَلَت منفعتها، ففي قلعها الحكومةُ دون الأرشِ، وإن انتقصتْ منافعها، فقد أطلق مطلقون قولَيْن في وجوب الأرش، وقال الإِمام: إن كان الظاهرُ الغالبُ على الظن نباتَها، وجب الأرش بلا خلاف، وكان نقصانُها كالأمراض الحاصِلَة في الأعضاء، وإن كان الغالِبُ على الظنِّ سقوطَها، فهذا موضع القولَيْن:
أحدهما: أن الواجب الحكومةُ دون الأرش، لِنُقْصَانِ المنفعة؛ كما في اليد الشَّلاَّء.
وأصحُّهما: وجوبُ الأرش؛ لتعلُّق الجمال، وأصل المنفعة بها في المَضْغ، وحفْظِ الطعام، وردِّ الريق، ولا أثر لضعفها؛ كضعف البطش والمشْيِ، ولو ضرب سن إنسان، فتزلزلت وتحرَّكت، نُظِرَ؛ إن سقطت بعد ذلك، وجب الأرش، وإن عادتِ كما كانت، فمنهم من يقول: تجب الحكومةُ، ومنهم من يقولُ: لا يجبُ شيء، ويشبه أن يكون هذا الخلافُ هو الخلافَ المذكورَ فيما إذا اندملَتِ الجراحةُ، ولا نقص ولا شَيْن، وإن بقيت كذلك ناقصةَ المنفعةِ، فالواجب عليه الأرش أو الحكومةُ؟ فيه القولان السابقان، فإن قلعها آخر، فعليه الأرْشُ، أن أوجبنا على الأولِ الحكومةَ، والحكومةُ إن
أوجبنا على الأولِ الأرشَ، ثم عن الشيخ أبي حامد؛ أنا إذا أوجبنا الحكومةَ هاهنا، فتكون الحكومة أقلَّ من الحكومة في السنن المتحرِّكة بالهَرَم، أو المرض؛ لأن النقصان الحاصل ههنا قد غرمه الجاني الأول؛ بخلاف نقصان المرض والهَرَم، وفي "التتمة"؛ أنه ليس على الجاني الثاني إلا الحكومةُ؛ بخلاف ما إذا كان الاضطرابُ لمرض وكِبَر، والاختلال الحاصلُ بالجناية يخالف الاختلالَ الحاصلَ من غير جناية؛ بدليل أنه لو قتل مريضًا انتهى إلى آخِرِ رمقٍ، يلزمه القصاص، ولو انتهى إلَى تلك الحالة بجناية جانٍ، لا يجب القصاص على الثاني، وإذا جنَى على سنٍّ، فاضطربتْ، وانتقصت منفعتها، وقلنا: إنَّ الواجبَ عليه الحكومة، فعاد وقلعها قبل أن يضمن الحكومة، فعليه الأرش بكماله، ولو قلع سنّاً سوداء كاملةَ المنفعة، نُظِرَ؛ إن كانت سوداءَ قبل أن يثغر، وبعده، فعليه كمالُ الأرش، وإنْ كانَتْ في الأصل بيضاءَ، فلما ثغر، نبتت سوداءَ أو نبتتْ [بيضاء]، [ثم اسوَدَّتْ]، فعن نص الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه يراجع أهل الخبرة، فإنْ قالوا: إن ذلك لا يكونُ إلا لعلَّةٍ حادثةٍ، ففي قلعها الحكومةُ، وإن قالوا: لم يحدثْ ذلك لعلَّة، أو قالوا: مثل هذا قد يكون لمرضِ وعلَّةٍ، وقد يكون لغير ذلك، وجب كمال الأرش، والردُّ إلى الحكومة للمرض، مع كمال المنفعة خلافُ القياس، وإن ضرب على سِنَّة، فاسودَّتْ، فالواجب فيه الأرشُ أو الحكومةُ؛ نقل المزنيُّ اختلافَ نصٍّ فيه، وذكر الأصحاب طريقين:
أحدهما؛ وبه قال المزنىُّ، وابن سلمة، وابن الوكيل: أن فيه قولين:
أحدهما: يجبُ الأرش؛ لأنه أذهبَ روُحَ العضو وطراوته، فصار كما إذا أشلَّ 1 اليد، ويحكَى هذا عن أبي حنيفة، ومالك.
وثانيهما: تجب الحكومة؛ لأن الفائت الجمالُ دون المنفعة، فأشبه ما إذا جنَى على يده، فاسوَدَّتْ.
وأصحُّهما، وبه قال أبو إسحاق، وابن أبي هريرة، وعامَّة الأصحاب: تنزيلُ النصَّيْن على حالين، إن فاتت المنفعةُ مع الاسوداد، وجب تمام الأرش، وإلا فالواجبُ الحكومة، ولو اخضرت السنُّ بجناية 2، أو اصفرَّتْ، وجبت الحكومة 3، وحكومةُ الاخضرار أقلُّ، وحكومةُ الاصفرار أقلُّ.
واعلم أن قوله في أول الضبط: "غير متقلقلة
بالهَرَم" إشارةٌ إلى هذا القيد الرابع، لكن الحكم لا يختص بالهرم، بل التقلقل بالمرض في معناه، ولو لم يتعرَّض للهرم، أو قال بالهَرَم ونحوه، لكان أحسن.
قال الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَلَعَ جَمِيعَ الأسْنَانِ فَكَانَتِ اثْنَيْنِ وَثَلاَثينَ لَمْ يَجِبْ إلاّ مائةٌ مِنَ الإِبِلِ فِي قَوْلٍ كَيْلا يَزِيدَ عَلَى الدِّيَةِ، وَفِي قَوْلٍ مائَةٌ وَسِتُّونَ لِكُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ، فَإِنْ قُلْنا بِالمائَةِ فَذَلِكَ عِنْدَ اتِّحَادِ الجانِي وَالْجِنَايَةِ، فَلَوِ اقْتَلَعَهَا مُتَفَرِّقاً مَعَ تَخَلُّلِ الانْدِمَالِ فَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَإِنْ كانَ عَلَى التَّعَاقُبِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، والجِنايَةَ المُتَّحِدَةُ أَنْ يَسْقُطَ الكُلُّ بِضَرْبةٍ واحِدَةٍ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: الأَسْنَانُ في غالب الفطْرَة اثنتانِ وثَلاثُون، أربعٌ منها ثنايا، وهي الواقعةُ في مُقَدَّم الفم اثنتان من الأعلَى، واثنتانِ من الأسْفَل، ويليها أربعٌ من الأعلَى، والأسفل يقال لها الرَّبَاعِيَات، ثم أربعٌ ضواحِكُ، وأربعة أنياب، وأربعة نواجز، واثنا عشرة أَضْرَاسٌ، ويقال: لها الطَّوَاحِن، وفي قلع الواحدةِ منها خَمْسٌ من الإِبل؛ على ما سبق، ولو قلع عددًا، وجب ما يقتضيه الحساب ما لم يجاوز عشرين، فإن جاوز عشرين، فقولان:
أحدهما: لا يجب عليه إلا مائةٌ من الإبل؛ لأن الأسنان [من] جنسٍ متعدِّد من الأجزاء والأطراف؛ فلا يضمن بأكثر من دية النفس؛ كالأصابع وسائر الأعضاء.
وأصحُّهما: أنه يجب لكل واحدة خِمسٌ من الإبل؛ حتى إذا كانت اثنتين وثلاثين، فيجب مائة وستُّون من الإبل؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ"، وعن أبي حفْصِ بنِ الوكيلِ، وغيره القطْعُ بالقول الثاني، فيجوز أن يُعْلَم لذلك قوله في الكتاب: "لم يجِبْ إلا مائةٌ من الإبل" في قولٍ بالواو، وهذا الخلافُ فيما إذا اتحد الجاني والجنايةُ، فأما إذا تعدَّد الجانِي؛ كما إذا قلع واحدٌ عشرين سنّاً، وقلع آخر ما بَقِيَ، فعلَى كلِّ واحدٍ أرْشُ ما قلعه.
وِلو اتحد الجاني، وتعدَّدت الجناية، نُظِرَ؛ إن تخلَّل الاندمال بأن قلع سنّاً، وتركه حتى بَرَأت اللِّثة، وزال الألم، ثم قلع سنّاً أخرى، وهكذا إلى استيعابِ الأسنان، فعليه أرشٌ كاملٌ لكل سنٍّ، وإن لم يتخلَّل الاندمال، ففيه طريقان:
أحدهما: القطع بوجوب أرشٍ لكلِّ سنٍّ؛ لتعدد الأفعال.
وأظهرهما: أنه على قولَيْن؛ لأن الجنايتين قبل الاندمال بمثابة الجناية الواحدَةِ، وصورةُ الجناية الواحدة أن يسقطها جميعًا بضربة واحدة أو يسقيه دواءً يسقطها، وقوله في الكتاب: "ولو قلع جميع الأسْنانِ، وكانت اثنتَيْنِ وثلاثين" فيه إشارةٌ إلى أنها قد تزيدُ عَلَى هذا العدد، وقد تنقص، وإذا زادَتْ، ففي كتاب القاضي ابن كَجٍّ ما يخرَّج منه وجْهَان:
أحدهما: أنه يجب لكلِّ سنٍّ مما زاد أرشٌ أيضًا لظاهر الخبر.
والثاني، عن رواية أبي الحُسَيْن: أن الواجب لما زاد الحكومةُ؛ لأن الغالب في الأسْنَان هذا العددُ، فالزائد عليه كالأصبع الزائدة.
قال الغَزاليُّ: الثَّامِنُ اللَّحْيَانِ وَفِيهِما كَمَالُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كانَ عَلَيْهِما الأَسْنَانُ لَمْ يَنْدَرجْ دِيَةُ الأَسْنَانِ عَلَى الأَظْهَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في اللَّحْيَيْنِ الديةُ؛ لما فيها من كمال المنفعة والجَمَال، وفي أحدهما، إن ثبت الآخر، ونصف الدية، واللَّحْيَان هما العَظْمان اللَّذان عليهما تنبت الأسنان السفْلَى، وملتقاهما الذَّقَن، وقال أبو سعد المتولِّي: وفي إيجاب الدية في اللَّحْيَين إشكالٌ؛ لأنه لم يردْ فيه خبر، والقياسُ لا يقتضيه بل اللَّحْيُ من العظام الداخلةِ، فيشبه التَّرْقُوَةَ والضِّلَعَ، وأيضًا: فإنه لا دية في السَّاعد، والعَضُد، والسَّاق، والفَخِذ، وهي أيضًا عظامٌ فيها جمال ومنفعة، ثم إن لم يكن على اللَّحْيَيْن أسنانٌ، فذاك، وهو كَلَحْيتَي الطفلِ قبل نبات الأسنان، ولُحْييَ الشيخ بَعْد تناثرها، ولَحْيَيَ من سقطت أسنانُه باقةٍ أوَ جنايةٍ, وإن كانت 1 عليها أسنان 2، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يجب إلا ديةُ اللَّحْيين، ويدخل فيها أروشُ الأسنانِ إتباعاً للأقل الأكثرَ؛ كما تدخل حكومةُ الكَفِّ في دية الأصابع.
وأصحُّهما: أنه يجب دية اللَّحْيين، وأروش الأسنان عليه، والمَبْلَغ إذا كانت الأسنان ستَّ عَشْرة على الغالب -مائةٌ وثمانون من الإبل؛ وذلك لأنَّ كلَّ واحد من العضوين مستقلٌّ برأسه، ولكل واحد منهما بدلٌ مقدَّر، فلا يدخل أحدهما في الآخر؛ بخلاف اليد وجميع الأصابع، وأما الأسنان العلْيا، فمنبِتُها عظم الرأس، فلو قلع منها شيئًا من العظم، فعليه الحكومةُ مع الأَرْش.
قال الغَزالِيُّ: التَّاسِعُ: اليَدَانِ وَفِيهِمَا مَعَ الكَفِّ كَمالُ الدِّيَةِ وَتَكْمِلُ الدِّيَةُ بِلَقْطِ الأَصَابعِ فَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ، وَلَوْ قَطَعَ مَعَ السَّاعِدِ أَوِ المِرْفَقِ أَوِ العَضُدِ فَيَجِبُ حُكُومَةِ السَّاعِدِ والعَضُدِ وَلا يَنْدَرجُ بِخِلاَفِ الكَفِّ، وَفِي كُلِّ أُنمُلةٍ ثُلُثُ الْعُشَرِ إِلاَّ فِي الإِبْهامِ فَهِيِ.
أنْمُلَتانِ وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الأَرْشِ، فَإِنْ كانَ عَلَى العَظْم كَفَّانِ باطِشَانِ فَفِي الزَّائِدَةِ حُكُومَةٌ، فَإنْ كانَتْ إِحْداهُمَا مُنْحَرِفَةً عَنِ السَّاعِدِ أَوْ ناقِصَةً بِأصْبُع أَو ضَعِيفَةَ البَطْشِ فَهِيَ الزَّائدَةُ، فَإنْ كانَتْ المُنْحَرِفَةُ أَقْوَى بَطْشاً فَهِيَ الأَصْلِيَّةُ والَّتِي عَلَيْهَا أُصْبُعٌ زائِدَةٌ تُجْعَلُ
زائِدَةً في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنْ تَسَاوَيا فَفِي كِلْتَيْهِما دِيَةٌ وَحُكُومَةٌ، وَلا قِصَاصَ في إحْداهُما، وَفِيها نِصْفُ دِيَةِ اليَدِ وَزِيَادَةُ حُكُومَةٍ لأَنَّهُ نِصْفٌ فِي صُورَةِ الكُلِّ، وَلَوْ قُطِعَتِ اليَدُ الباطِشةُ فاَشْتَدَّتِ اليَدُ الأخْرَى بِالقَطْعِ وَبَطَشَتْ فَفِي اسْتِرْدادِ الأَرْشِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب بقطع اليدين الديةُ بالإجماع، وعن معاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "وَفِي اليَدَيْنِ الدَّيَةُ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إِحْدَاهُما نِصْفُها" 1؛ روي في كتاب عِمْرِو بن حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "في اليَدَيْنِ مائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي اليَدِ خَمْسُونَ" 2 وتكمل الدية بِلَقْطِ الأصابع؛ لما روي: "فِي كُلِّ أُصْبُع مِنْ أَصَابعِ اليَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ"، ولو قطع من الكوع، فالواجبُ هو الواجبُ فَي لَقْطِ الأصابعِ، وحكومةُ الكف تدخلُ في ديتها، ولا يزاد بسبب الكف شيء 3 ولو قطع 4 بعض الساعد، أو المرفَقِ، أو المنكب، وجب حكومتها مع الديةِ، بخلاف الكَفِّ؛ لأنَّ الكف مع الأصابع كالعضو الواحد؛ ألا تَرَى أن أصل الكف يأخذ في الانشعاب والانقسام الظاهر في الأصابع، وبهما جميعًا يتمُّ البطش، وعليهما يقع اسم اليدِ والساعدِ والعضدِ، وخلقتهما 5 تخالفُ خلقةَ الكفِّ والأصابع، هذا هو المذهبُ، وعن أبي عُبَيْدِ بن حربويه، أن نهاية اليد التي يجبُ فيها الديةُ، الإبطُ والمَنْكِب، ويجب فيما دون ذلك قسْطُه من الدية؛ واحتجَّ الأصحاب لوقوع اسم اليدِ على الأصابع والكفِّ؛ بقوله تعالَى في حد السرقة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] فقطع رسول الله -صلى الله عليه وسلمِ- السارق من الكوع 6، ويجوز أن يُعْلَم للوجه المذكور من لفظ الكتاب قوله: "وَتَكْمُلُ الدِّيَةُ بِلَقْطِ
الأصابع".
وقوله: "فَيَجِبُ حكومةُ الساعِدِ والعَضُدِ"، "وأَرْش كُلِّ أصبع" وحْدَها عَشْرٌ من الإِبل يستوي في ذلك جميعُ الأصابع، روي في كتاب عَمْرو بن حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "وَفِي كُلِّ أصْبُعٍ مِمَّا هُنالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ"، وفي كل أنملة ثلثُ أرش الأصبع؛ لأن كل أصبع ثلاثُ أناملَ، إلا الإبهام، فهي أنملتان، ففي كلِّ واحدة نصف الأرش، وعن أبي حنيفة ومالك؛ أن في كل واحدة ثلثَ الأرش، وهي ثلاثُ أنامل أيضًا، إلا أن إحداهما غائصةٌ، ولو انقسم أصبع بأربع أنامل متساوية، ففي كل واحدة ربع الأرش.
والذي ذكرناه من اندراج حكومةِ الكَفِّ، موضعُهُ ما إذا قطع مِنَ الكُوع وأبَانَ الأصابعَ والكَفَّ بجناية واحدة 1، فأما إذا قطع واحدٌ الأصابعَ، وآخرُ الكفَّ أو وقطع الأصابعَ، ثم قطع الكف بَعْد الاندمال، أو قبله، فعلَى ما ذكرنا في فصل الأسنان.
وقوله في الكتاب: "وَفِي كُلِّ أنملةٍ ثُلُثُ العَشْرِ" الأحسنُ أن يقرأ ثلث العَشْرِ بفتح العين؛ لأنه تقدم قوله: "عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ"، ويمكن أن تضم العينُ، ويراد عُشْر الدية.
إذا كان على مِعْصَم إنسانٍ كَفَّان مع الأصابع، أو على العَضُد ذراعانِ وكفان، أو على المنكب عضُدَانِ وذراعانِ وكفان مع الأصابع، نُظِرَ؛ إن لم يبطشْ بواحدة منهما، فليس فيهما قصاصٌ ولا ديةٌ، وإنما الواجبُ فيهَما الحكومةُ؛ كاليدِ الشَّلاَّء, وإن كان فيهما بطْشٌ، فإن كانت إحداهما أَصْلية، والأُخْرَى زائدة، ففي الأصلية القصاصُ أو الديةُ، وفي الزائدة الحكومةُ، وطريقُ تمييز الزائدة عن الأصلية بأن 2 ينظر، إن اختصَّت إحداهما بالبَطْش أو بقوَّة البطش، فهي الأصلية، ولا فرق بين أن تكُونَ الباطشة، أو التي هي أقوَى بطشا على استواء الذراع أو منحرفةً عنه؛ لأن اليد خلقتْ للبطش، وهي أقوى دليلٍ على كونها أصليةٌ، وإن استويا في أصل البطش، وكيفيَّته، فإن كانت إحداهما مستويةً، والأخرى منحرفةً فالمستويةُ الأصليَّة، وإن كانت إحداهما كاملةُ الأصابع، والأخرَى زائدة، ففيه وجْهَان عن القاضي الحُسَيْن؛ أنَّ المعتدلة هي الأصليَّة؛ لأن الزيادة على الكمال نقصانٌ، وقال الأكثرون: لا يؤثَّر ذلك في التمييز 3، فإن اليد
الأصليَّة كثيرًا ما تشتملُ على الأصبع الزائدة، والزيادة على القوة أدلُّ منها على الضعْفِ، ولو كانت إحداهما ناقصةٌ بأصبع، لكنها مستوية، والأخرى كاملةُ الأصابعِ، لكنها منحرفة، فأيتهما الأصليَّة، فيه احتمالٌ عند الإِمام، وإن لم تتميَّز 1 الزائدةُ عن الأصلية بوجْهٍ من الوجوه، فهما كَيَدٍ واحدةٍ؛ حتى يجب في قطعهما القصاص أو كمال الدية، ويجب مع القصاص أو الديةِ حكومةٌ لزيادة الصورة، وعن المزنيِّ؛ أنه لا قصاص بقطعهما؛ لنقصانهما وتشوُّه خلقهما، ولو قطعت إحداهما، لم يجب القصاصُ، ويجب فيها نصفُ دِيَةِ يد وزيادةُ حكومة؛ لأنها نصف في صورة الكلِّ، قال في "الوسيط": هذا ما قيل، وجعلُها نصفاً مع احتمال كونها زائدةً مشكلٌ، وهذا يشير إلى أن يقال إحداهما أصلية، والأخرَى زائدة، ويؤخذ في الأحكام باليقين، وفي كتاب القاضي ابن كج عن أبي الحُسَيْن روايةُ وجه؛ أنه لا يجب الحكومةُ مع نصف الدية، فيجوز أن يُعْلَمَ لذلك قولُه في الكتاب "وَزِيادَةُ حُكُومةٍ" بالواو، والظاهر الأول، وإذا قيل به، فلو قطع أصبع منها، ففيه نصفُ ديةِ أصبع وزيادةُ حكومة، ولو قطعتْ أنملة، فنصفُ ديةِ أنملةٍ، وزيادةُ حكومةٍ، ولو عاد الجانِي بَعْد قطع إحدى اليَدَيْن، وأخذ الأرش، والحكومة منه، وأراد المجنيُّ عليه القصاصَ، ورد ما أخذه إلى قَدْر الحكومة، هل له ذلك؟ فيه وجهان منقولاَنِ في "النهاية":
أحدهما: لا؛ لأن القصاص يتعلق بقطعِ اليدين جميعًا، وقد سبق منه أخذ الأرش عن إحداهما، وأخذُ الأرش يتضَّمن إسقاط القصاص, ولا عود إلى القصاص بعد إسقاطه.
والثاني: نعم؛ لأن القصاصَ لم يكن ممكناً حينئذ، وإنما أخذ الأرش؛ لتعذُّر استيفاء القصاص، لا لإسقاطه 2، فإذا قطع الثانية، حصل الإمكان، ولو قطع صاحب اليدين الباطشتَيْن يدَ معتدلٍ، لم تقطع يده للزيادة، وللمجنيِّ عليه أن يقطع إحداهما، ويأخذ نصف دية اليد ناقصاً بشيء، وإن بادر وقطَعَهُمَا، عُزِّر، وأخذت منه الحكومة للزيادة، وإن كانت إحدَى يدَي القاطع زائدةٌ، وأمكن إفراد الأصلية بالقَطْع، قطعت، ولم يلزمه شيء آخر، وإنْ عرَف أن إحداهما زائدة، ولم يعرف عَيْنُها 3، لم تقطع واحدةٌ منهما كذلك، حكاه القاضي الرُّويانيُّ، ولو كانت إحدَى يدَي الشخْصِ باطشة دون الأخرى، فقطعت الباطشةُ، واستوفينا ديتها، فصارت الأخرَىَ باطشةً أو كانتْ
ناقصةَ البطش، فقوي بطشها؛ فقد تبيَّن أن الباقية هي الأصليةُ، حتى لو قطَعَها قاطعٌ، يلزمه القصاص، أو كمال الدية، وهل يستردُّ من المجنىُّ عليه الأرشَ، فيرد إلى مقدار الحكومة؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وإلا فقد قدرنا الأولَى أصليةً، والثانية أصلية، ولا تجتمع أصليتَان على مِعْصَمٍ واحد.
وأظهرهما: أنه لا يتبع ما مضَى، وهذه نعمةٌ من الله تعالَى، وقرب بعضهم الخلافَ من الخلاف في عَوْد السنِّ، وفرق بينهما فَارِقُون، وقالوا: السنُّ تعودُ في محلِّ الجناية، والبطش ههنا حصل في غير محلِّ الجناية، ولو كانت اليدان باطشتَيْنِ على السواء، فقطعت إحداهما، وغرمنا القاطع نصفَ ديةِ اليدِ، وزيادةَ حكومةٍ، فإن زادتْ قوة الأولَى, واشتد بطشها، فهل يستردُّ من أرش الأولَى ما يرده إلى قدر الحكومة؟ فيه مثل هذا الخلافِ، وإن ضعُفَت الثانية، لما قطعت الأولَى، وبطَلَ بطْشُها، عرفنا أن الأصلية هي المقطوعَة، فعَلَى قاطعها القصاصُ أو كمالُ الدية؟ قال القاضي ابن كَجٍّ: ويحتمل أن يقال: لا يجبُ القصاص؛ لأن الضعْفَ الذي حدَثَ يحتملُ أن يكون لسراية ألَمٍ أو علةٍ حادثةٍ، لا لكونها زائدة.
قال الْغَزَالِيُّ: العَاشِرُ التَرْقُوَةُ والضِّلَعُ فَفِي كَسْرِ كُلِّ ضِلَعٍ جَمَلٌ تَقْلِيدًا لَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَحُكُومَةٌ عَلَى قَوْلٍ آخَرِ قِيَاساً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا تكمل الديةَ في كَسْر الضِّلْع والتَّرْقُوَةُ، إذْ لم يردْ فيهما توقيفٌ, ولا هما في معنَى ما وردَ التوقيفُ فيه، بل هما شبيهانِ بسائر العظام الباطنةِ؛ كعظم الساق والفَخِذ، والترقوة: العظْمُ المتَّصلُ بين المنكب وثُغْرة النَّحْر، ولكلِّ واحدٍ ترقوتان، وما الذي يجبُ في كسرهما؛ عن نصِّ الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "اختلاف الحديث" وغيره؛ أن فيه جَمَلاً وفي "الأم" وغيره؛ أن فيه حكومةً، وفيهما طريقانِ للأصحابِ:
أحدهما، وبه قال المُزَنِيُّ، وصاحبُ "الإِفصاح":أنَّ فيه قولَيْن:
القديم، وبه قال أحمد: أنه يجب فيهما 1 جَمَلٌ؛ لما روِيَ عن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ 2.
والجديدُ: أن واجبه الحكومةُ؛ كما في سائر العظام، فإن انجبر ولا شين، ولا اعوجاج، فقد مَرَّ حكمه.
والثاني، وبه قال أكثرهم: القَطْع بأنَّ الواجب فيه الحكومة، وحملوا ما رُوِيَ عن قضاء عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى أن الحكومة في الواقعة كانَتْ قدر جَمَلٍ.
ويجوز أن يعلم لفظ "الجَمَل" في الكتاب بالحاء والميم، ولفظ "الحُكُومة" بالألف، وقد يوهِمُ نظم الكتاب ترجيحَ قول الجمل، والظاهر عند عامة الأصحاب القَوْل الآخر.
قال الغَزالِيُّ: الحادِي عَشَرَ الحَلَمَتانِ مِنَ المَرْأَةِ فِيهِمَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَفِي حَلَمَتَي الرَّجُلِ قَوْلاَنِ إِذْ لاَ مَنْفَعَةٌ لَهُمَا.
قَالَ الرافِعِيُّ: في حلمتَي المرأة تمامُ ديتها؛ لما فيهما من الجَمَالِ، ومَنْفَعَة الإِرضاع، وفي إحْداهُما نصْفُها، والحَلَمة هي رأْس الثدْي الذي يلتقمُهُ المرتَضِعُ، ويقال: المجتمعُ ناتئاً على رأس الثدْي، وهذه العبارةُ أحسنُ؛ لتناولها حَلَمَةَ الرجل، قال الإِمام: ولونُ الحَلَمة في الغالب يخالِفُ لون الثدْي، وحوالَيْها دائرةٌ على لوْنها، وهي من الثَّدْيِ، لا من الحلمة، ولو قطع الثَّدْي 1 مع الحلمة، لم يجب إلا الدية، ويدخلُ فيها حكَومةُ الثدْي، وفيه وجهٌ قدَّمناه، وعن الماسرجسيِّ نقله قولاً 2، ولو قطع مع الثدْي جلدةَ الصدر، وجبت حكومة الجِلْدة، مع الدية، بلا خلاف، وإن وصلت الجراحةُ إلى الباطن، وجب مع دية الثدْيِ أرشُ الجائفة، وفي حلمتَي الرَّجُلِ طريقان:
أظهرهما: أن فيهما قولَيْنِ:
أحدهما: أنه يجبُ الدية؛ كما في المرأة؛ إلحاقاً باليد والرِّجْل، وغيرهما.
وأصحُّهما: أنه لا يجب إلا الحكُومة؛ لأنه ليس في حَلَمة الرَّجُل منفعةٌ مقصودةٌ وإنما فيها جمالٌ مجرَّد، ويقال: هذا منصوصٌ، والأول مخرَّج.
والثاني: القطْعُ بالقول الثاني.
ولو قَطَع مع حلمة 3 الرَّجُل الثَّنْدُوَةَ، ففي "التهذيب"؛ أنا إنْ أوجبنا الديَةَ في حَلَمَتِهِ 4، دخلَتْ فيها حكومةُ الثندوة، وإلا وجبتْ حكومتهما معًا، وقال الإِمام: تحْتَ
حلمة الرجل، إن لم يكُنْ هَزِيلاً، لحمةٌ تسمَّى الثَّنْدُوَة، وليست هي من الحَلَمَةِ بمنزلة ثَدْيِ المرأة من حلمتها، فإنهما من المرأة كالعضوِ الواحدِ، وليست تلك اللحمةُ مع الحَلمة كذلك، فتفرد الثندوة بالحكومةِ؛ بلا خلاف، وفي "جمع الجوامع" للرُّويانيِّ نحوٌ من هذا الكلام، يقال ذكره الصيدلانيُّ من عنده، وهو صحيح، إن شاء الله تعالَى.
" فَرْعَان"
أحدهما: تقطع حلمةُ المرأة بحلمة المرأة، وفي "التتمة" وجه؛ أنه إن لم يتدلَّ الثديُ، لا يجب القصاص؛ لاتصالها بلحم الصدر، وتعذُّر التمييز، والمشهورُ الأول، قال في "التهذيب": ولا يجري القِصاص في الثدْي؛ لأنه لا يمكن رعايةُ المماثلة فيه، وللمجنيِّ عليها أن تقْطَع الحلمة، وتأخذ حكومة الثدْي، ولك أن تمنع القولَ بأنه لا يمكنُ رعايةُ المماثلة فيه، وتقول: الثدْيُ هذا الشاخصُ، وهو أقرب إلى الضبْطِ من الشفتَيْن والألْيَتَيْنِ ونحوهما:
وتقطع حلمة الرجل بحلمة الرجل إن أوجبنا فيهما الدية أو الحكومة، وتقطع حلَمَة المرأةِ بحلَمَة الرجُلِ، وبالعكس إن أوجبنا في حلمة الرجلِ الديةَ، وإن أوجبنا فيها الحكومةَ لم تقطع حَلَمة المرأة بحَلَمة الرجُلِ، وإن رضيتْ؛ كما لا تقطع الصحيحة بالشَّلاَّء وتقطع حلَمَةُ الرجل بحلمةِ المرأة، إن رضيتْ؛ كما تقطع الشَّلاَّء بالصحيحة, إذا قنع المستحِقُّ بها.
الثاني: سبق في الطهارات ذكر وجهَيْن في أنه هَلْ يستدلُّ بنهود الثدْي، وتدليه (1) على أنوثة الخنثَى:
أحدهما، ويحكَى عن أبي علي الطَّبَرِيَّ: نعم، وبه قال الأكثرون: لا، فإن قطعهما قاطع، قال في "البيان": إن قلنا بقول أبي عَلِيٍّ، فعليه ديةُ امرأة، وإن قلنا بقول الأكثرين، فإن قلنا: يجب في ثَدْي الرجلِ الديةُ، فتجب ديةُ امرأة؛ أخذًا باليقين، وإن قلنا: تجب الحكومةُ، فالواجب عليه الحكومةُ.
فرع
ثالث: لو ضرب ثدْي المرأة، فشَلَّت، فعليه الدية، ولو كان ناهداً، فاسترسل ثديها,لم يجب إلا الحكومة؛ لأن الفائت مجرَّد الجمال، ولو استرسل بالضَّرْب ثدْيُ الخنثى، ولم يجعل نهود 2 الثدي أمارة الأنوثة، ففي "البيان" أن القاضي أبا الفتوح قَالَ: لا تجبُ الحكومة؛ لجواز أن يكون رجلاً، فلا يلحقه نقص بالاسترسال، ولا يفوتُ جمال؛ فإن بان امرأةً، وجبت الحكومة.1
وقوله في الكتاب: "كمال الدية" يعني ديةَ المرأةِ، فليعلم لفظ القولَيْن بالواو؛ لطريقة القطعَ [والله أعلم].
قال الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَ عَشَرَ الذَّكَرُ والأُنْثُيَانَ وَفِيهِمَا دِيَتانِ، وَفِي ذَكَرِ الخَصِيِّ والْعِينّينِ دِيَةٌ، وَفِي ذَكَرِ الأشَلِّ حُكُومَةٌ، وَتَكْمَلُ بِقَطْعِ الحَشَفَةِ وَلا يَزِيدُ بِالاسْتِئْصالِ، وَفِيهِ وَجْةٌ آخَرُ أنَّهُ يَزِيدُ حُكُومَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الذكَرِ كمالُ الدية، وكذلك في الأُنْثَيَيْنِ؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ في كتاب عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الأنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ"، ويروى "وفي البَيْضَتَيْنِ"، وفي إحدى الأُنْثَيَيْنِ نصفُ الديةُ يستوي اليمنى 1 واليسرى، ولا فرق بين ذكَر الصغيرِ والكبيرِ، والشيخ والشابِّ، والعِنِّينِ والخَصِيِّ، وغيرهم، وعن أبي حنيفةَ؛ أن ذكر الخصيِّ لا يجب فيه إلا الحكومةُ، وبنى على ذلك؛ أنه لو قطع قاطع أنثَيَيْهِ، ثم ذكَرَهُ، فعليه ديةٌ وحكومةٌ؛ لأنه حين قطعِ الذَّكَرِ خُصِيَ، وإن قطعهما معًا أو قطع الذكر قبل الانثيَيْنِ، فعليه ديتان، وروى القاضي الرويانيُّ مثله عن مالك؛ واحتجَّ الأصحاب بإطلاق الخبر، وبأن ذكَر الخَصِيِّ سليم، وهو قادرٌ على الإِيلاج، وإنما الفائتُ الإِيلاد، وبأنهما عضوانِ يضْمَن كل واحد منهما بالدية، ففوات أحدهما لا يوجبُ نقصان بَدَلِ الآخرِ؛ كالشفتَيْنِ واللِّسان، وفي الذكر الأشلِّ حكومةٌ؛ كما في اليد الشَّلاَّء ولو ضرب ذَكَرَهُ حتى شلَّ، فعليه الدية، ولو خرج عن أن يمكنه الجماعُ به من غير شَلَلٍ، وتعذَّر انقباضٌ وانبساطٌ، ففي "الشامل"، و"التهذيب" وغيرهما؛ أن عليه الحكومة؛ لأن العضْوَ ومنفعته باقيان، والخلل في غيرهما، وعلى هذا، فلو قطعه قاطعٌ بعد ذلك، فعليه القصاص، أو كمالُ الدية، والمسألةُ غير صافيةٍ عن الإشكال، وربما نَعُود إليها، وتكمل الديةُ بقَطْع الحَشَفة؛ لأن معظم منافع الذَّكَر، وهو لذَّةَ المباشرة، يتعلَّق بها، وأحكام الوطء تدور عليها، فهي كالأصابع مع الكفِّ، وفي قطع بعض الحَشَفَةِ قسْطُهُ من الدية، فالتقسيط يكون على الحشفة خاصَّة، أو على جملة الذكَرِ؟ فيه خلاف، وقد تقدم، وذكر في "التتمة"؛ أن هذا إذا لم يختلَّ مجرى البَوْل؛ بأن قطع بعض الذكر طولاً، أما إذا اختلَّ، فعليه أكثر الأمرين من قسْطه من الدية، وحكومة فساد المجرَى، وأنه لو قطع جزءًا من الذكَرِ مما تحْت الحَشَفة، فإن انتهتِ الجراحة إلى مجرى البَوْل، فقد مرَّ الخلاف في أنَّها هل تكون جائفةٌ، وإن لم تنته، فإن قلنا في قطع بعض الحشفة؛ إنَّ التقسيط على الحشَفة وحْدَها، فعليه الحكومةُ ههنا، وإن قلنا: التقسيطُ على جميع الذَّكَر، فعليه قِسْطُ المقطوع من الدية، وأنه إذا لم يَبِنْ شيئًا من
الذكَرِ، ولكن شقَّه طولاً، زالت منفعُتهُ بذلك، وجبتِ الدية، كما في الشَّلَل، ويجب في بقية الذَّكَر وحْدها الحكومةُ، وفي استئصالِ الكلِّ الديةُ، وتدخلُ حكومةُ البقيَّة في دية الحَشَفة، وفيه وجه أنه يجب دية وحكومة، والمسألة مكرَّرة مذكورةٌ مرَّة في فصل الأسنان.
قال الغَزالِيُّ: الثَّالِثَ عَشَرَ: الألْيَتَانِ وَفِي قَطْعِ ما أَشْرَفِ مِنْهُمَا عَلَى البَدَنِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَإِنْ لَمْ يُقْرعَ العَظْمُ.
قَالَ الرافِعِيُّ: في الألْيَتَيْنِ الديةُ؛ لما فيهما من الجمال، والمنفعة الظَّاهرة في القُعُود والركوب وغيرهما، وفي إحداهما نصفُها، والأليَةُ هي القَدْر الناتئ المُشْرِف على استواء الظهر والفخذ، فيجب بقطعه الديةُ، ولا يشترط قرع العظم وإيصال الحديدة إليه، ولو قطع بعض إحداهما، وجب قسْط المقطوع، إن عرف قدره، وأمكن الضبط، وإلاَّ فالواجب الحكومة، ولا فرق في ذلك بين الرجُل والمرأة، ولانظر إلى اختلافِ القَدْر الناتئ، واختلاف الناس فيه كاختلافهم في سائر الأعضاء.
ولو قطع ألْيَتَهُ، فنبتت والتحم الموْضِع، قال في "التهذيب": لا تسقط الدية على ظاهر المذهب، كالموضِّحة، إذا التحمت.
قال الغَزالِيُّ: الرَّابعَ عَشَرَ: الشُّفْرَانِ وَفِيمَا أَشْرَفَ مِنْهُمَا عَلَى المَنْفَذِ دِيَةُ الَمَرْأَةِ وَهُوَ القَدْرُ النَّاتِئُ عِنْدَ الانْطِبَاقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في شُفْرَي المرأةِ الديةُ؛ لأن فيهما جمالاً ومنفعةً؛ فإن بهما يقع الالتذاذُ بالجِمَاع، وفي إحداهَما نصفُ الدية، ويستوي في ذلك السمينة والهزيلةُ، والبكر والثيبُ، والرتقاء والقَرْناء، فإن النقصان والخَلَل في حقِّهما في داخل الفَرْج، لا في الشُّفْرَين، وكذلك لا فرق بين المختونة وغيرها، فإن الختانَ لا يَرِدُ على الشُّفْرين، والشُّفران: هما اللحمان المشرفانِ على المنفذ، ويقال: هما اللحمانِ المحيطانِ بالفَرْجِ إحاطةَ الشفتين بالفَم، وعبَّر الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عن الشُّفْرِين بِالأَسْكَتَيْنِ، قال أبو النصر بْن الصَّبَّاغ وَغيره: أهلُ اللغة يقولون الإسْكَتَانِ حاشيتا الفرج، والشُّفْرانِ 1 هما الطرفانِ المشرفان، ويقال: الشُّفْران هما القدر الناتئ عند الانطباق من اللحمين المحيطَيْن بالفَرْج، والعبارات كلُّها ترجع إلى شيء واحد، ولا خلاف في الحقيقة، قال الإِمام: ولو ظن ظانٌّ أنَّ قطع الشُّفْرين هو الذي يزيلُ انطباق أحدهما على الآخر، فهذا لا يتأتى تصويره 2 إلاَّ مع قطع لحمٍ كثيرٍ في الباطن، ولا ريب أن العلماء لم يريدُوا
بالشُّفْرين ذلك، ولو جنَى على شُفْرَيْها، فَشَلَّتَا؛ فعليه كمالُ الدية، ولو قطع مع الشُّفْرَيْنِ الرَّكَبَ، وهو عانَةُ المرأة، فعليه حكومةٌ مع الدِّية، وكذا لو قطع شيئًا مِنْ عانة الرجل مع الذَّكَر، ولو قطع شُفْرَي [المرأة] 1 البكرِ، وأزال بالجنايةِ جلدةَ البكارة، فعليه مع دية الشُّفْرين أرْشُ البَكارة، ولو قُطِعَ شُفْرَا المرأة، ثم جرح جارحٌ موضَعُهما بقَطْع لحم وغيره، لم يلزمه إلا الحكومة.
قال الغَزالِيُّ: الخَامِسَ عَشَرَ: الرَّجُلاَنِ وَهُمَا كاليَدَيْنِ، وَرِجْلُ الأَعْرَجِ كَرِجْلِ الصَّحيحِ، وَرِجْلُ مَنِ امْتَنَعَ مَشْيُهُ بِكَسْرِ الفِقَارِ كالصَّحِيحِ عَلَى الأظْهَرِ، وَفِي التِقَاطِ أَصَابعِ الرِّجْلَيْن كَمالَ الدِّيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الرِّجْلَيْنِ الديةُ، وفي إحداهما نصفُها؛ لما سبق من الخبر، ومنفعتهما ظاهرةٌ، ورِجل الأعرج كرِجْل الصحيح، كما أن يد الأعْسَرِ 2 كيد الصحيحِ؛ وذلك لأنه لا خلل في العضو، وقد بيَّنَّا ذلك في الجراح، وفي الرِّجْل التي تعطَّل مشيها بكسر الفَقَارِ وجهان:
أحدهما: أن الواجبَ فيها الحكومةُ؛ كما في اليد الشَّلاَّء؛ لأن تعطُّل المنفعة كزوالها في تعذُّر الانتفاع.
وأظهرهما: وجوبُ الدية؛ لأن الرِّجْل صحيحةٌ، لا آفةَ بها، وخلَلُ غيرها لا يوجِبُ نقصان بدلها، وتكمل دية الرجلَيْن بالتقاط أصابعهما، والقَدَمُ كالكَفِّ، والساقُ كالساعدِ، والفَخِدُ كالعضدِ، وأناملُ أصابع الرجلِ كأناملِ أصابع اليدِ، وقدمانِ على ساقٍ وساقان على ركبة؛ كَكَفَّيْنِ على معْصَم، وساعدَيْن على عَضَّد، وقد بينا الحكْمَ في جميع هذه الصُّور، وكذلك يقاس بما تقدَّم حكم الرِّجْل الشلاء، وحصول الشلل بالجناية عليها، قال الإِمام: وبين أصابع اليدين وأصابع الرِّجْلين تفاوتٌ عظيم 3، ومنفعةُ الرِّجل العظمى وهي 4 المشي تبقى ما بقي القدمان، وإنما تفوتُ بفوات الأصابعِ سرعةُ المشْي، وإن مَنِعَ 5 ذلك من الاحتباء والقَبْض والبسط وتعاطي الأعمال، والآلات المتعلِّقة بأصابع اليدين، لكن حَسَم الشرْعُ النظَر إلى أقدار المنافع، وأجرى أجْنَاس الأعضاء مُجْرَى واحدًا في تكميل دياتها.
قال الغَزالِيُّ: السَّادِسَ عَشَرَ: الجِلْدُ وَفِي سَلْخِ جَمِيعِهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجلْدُ كالجنس الواحدِ من الأعضاء؛ من حيث إنه معدٌّ لغرض واحدٍ، فيجب في سَلْخه الدية، قال الأئمة -رحمهم الله-: وسَلْخُ جميعِهِ قاتلٌ، لكن 1 قد يفرض حياةٌ مستقرةٌ بعده، فيظهر إيجاب الدية فيه، لو حَزَّ غيرُهُ رقبته 2، وحكى الإِمام عن الشيخ أبي عليٍّ؛ أنه لو قطعت يداه 3 بعد سَلْخ الجلْد، توزَّع مساحةُ الجلد على جميع البدن، فما يخص اليدين يحطُّ من دية اليدين، ويجبُ الباقي، وعلَى هذا القياسِ، لو قطع يد إنسان، ثم جاء آخر، وسلخ جلده، فيجب عَلَى من سلخ دية الجلد محطوطًا عنْها قسْطُ اليدين من الجلد، والله أعلم.
قال الغَزالِيُّ: النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنَ الجِنَايَاتِ مَا يُفَوِّتُ المَنَافِعَ وَهِيَ عَشَرَةٌ: الأُوْلَى العَقْلُ فَإِذَا أَزَالَهُ بِالضَّرْبِ فَدِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَوْ زَالَ بِقَطْعِ يَدَيْهِ فَالنَّصُّ أنَّهُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ لأنَّ العَقْلَ لَيْسَ لَهُ مَحَلٌّ مَخْصُوصٌ فَيَنْدَرجُ تَحْتَ كُلِّ عُضْوٍ تَكْمُلُ فِيهِ الدِّيَةَ، فَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيهِ فَزَالَ عَقْلُهُ فَدِيَتانِ، وَقِيلَ: لاَ يَنْدَرجُ العَقْلُ لأنَّهُ لَيْسَ فِي اليَدِ وَهُوَ القِيَاسُ، وَإِذَا شَكَكْنا في زَوالِ العَقْلِ راقَبْنَاهُ فِي الخَلَوَاتِ ثُمَّ لَمْ نُحَلِّفْهُ لأنَّهُ يَتَجَانَنُ فِي الجَوَابِ.
قَالَ الرافِعيُّ: هذا النوع الثالث في الجنايات المفوِّتة للمنافع:
فمنها: العَقْلُ، ويجب بإزالته الديةُ، روي في كتاب عَمْرو بْنِ حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "وَفِي العَقْلِ الدِّيَةُ" 4 ويذكر أنه مذهب عُمَر وزيد بْن ثابِتٍ -رَضِي اللهُ عَنْهُمَا- ولم يخالَفا فيه، وأيضًا: فالعقل أشرفُ المعانِي، وبه يتميز الإنسانُ عن البهيمة، ولا ينتفع بشيء انتفاعَهُ بالعقل، ولا يجب فيه القصاص؛ لعدم الإمكان، ولو انتقص عقله، ولم تستقم أحواله، نُظِرَ، إن أمكن الضبطُ، وجب قسط الزائل، والضبط قد يتأتى بالزمان بأن كان يُجَنُّ يومًا، ويفيق يوماً، فيجب نصف الدية، أو يومًا ويومين، فيجب الثلث، وقد يحصُلُ بغير الزمان، وذلك بأن يقابل صواب قوله، ومنظوم فعله بالخَطأ المصروح منهما، وتعرفُ النسبة بَيْنَهما، فيجب قسْطُ الزائل، وإن لم يمكنِ الضبطُ بأن كان يفزع أحيانًا مما لا يفزع منه، أو يستوحش إذا خَلاَ، فيجب فيه حكومةٌ يقدِّرها الحاكم باجتهاده، وذكر صاحب "التتمة" أن الديةَ إنَّما تجب عند تحقُّق الزوالِ بأن قَالَ
أهْلُ الخبْرة: إن العارض الذي حَدَث لا يزول، أما إذا توقَّعوا الزوال، [أو قال أهل الخبرةِ: إنَّ العارِضِ الذي حَدَثَ يزُولُ، فيتوقَّف] 1 في الدية، فإن مات قبل الاستقامة، ففي الدية وجهان؛ كما إذا قلع سنَّ مثغور، فمات قبل أن تعود 2. ثم في الفصل مسألتان: إحداهما: يُنْظَر في الجناية الَّتي ذهب بها العَقْل، إن لم يكن لها أرش، كما لو ضرب رأسه، أو لطمه، فزال عقله، فعليه ديةُ العَقْل، وإن كان لها أرشٌ؛ إما مقدَّر كالموضِّحة، وقطْعِ اليدِ، والرِّجل، وإما غير مقدَّر؛ كالجراحات الموجبة للحكومات، ففيه قولان: القديم 3، وبه قال أبو حنيفة: أنه يدخلُ الأقل في الأكثر، فإن كانت ديةُ العقلِ أكثر؛ كما لو أوضح رأسه، فزال عقله، دخَلَ فيها أرشُ الموضِّحة، وإن كان أرشُ الجنايةِ أكثرَ؛ كما إذا قطع يديه مع بعض الذراعِ، أو يدَيْه ورجلَيْه، فزال عقله -يدخل فيه ديةُ العَقل؛ ووجّه بأن العقل يشبه الرُّوحَ؛ من حيث إنَّ زواله يشبهُ زوال الروح في زوال التكليفِ، ويشبه فواتَ منفعة البَصَر؛ من حيثُ إنه يبقى الجمالُ في صورة الأعضاء مع زواله؛ كما يبقى الجمال 4 في الحَدَقة بَعْد [زوال الضوء، فلشبهة بالرُّوح يدخل أرْش الجناية في دِيَتِهِ، إذا كان الأرش أقلَّ، ولشَبَهِهِ بالضوء] 5 لا يجمع بين بَدَله وبَيْن أرش الجناية على الجرم، كما لا يجمع بين دية الضوء وأرش العَيْن القائمة، وإن كان تفويتُ العين القائمة لا 6 يوجبُ حكومةَ، بل يدخل الأقل في الأكثَرِ، والجديدُ الأصحُّ، وبه قال مالك وأحمد: أنه لا يدخلُ واحدٌ منهما في الآخر، بل يجب أرش الجناية ودية العقل جميعًا؛ لأنها جنايةٌ، أبطلت منفعةً غير حالَّة في محل الجناية؛ فصار كما لو أوضَحَه، فذهب سمعه أو بصره، لا يدخل أرش الموضِّحة في دية السمع والبصر، ولا بالعكس، فعلى هذا لو قطع يدَيْه ورجلَيْه، فزال عقله، وجبت ثلاثُ ديات، وعلى الأول لا يلزم إلا ديتان، هذا هو المشهُور من كيفية الخلافِ في المسألة، ووراءه شيئان: أحدهما: في المهذَّب وغيره؛ أنه إن كان أرشُ الجناية مثلَ الدية، أو أكثرَ،
وجبت ديةُ العقلِ معه، ولا تداخل قولاً واحدًا، وإنما الخلافُ فيما إذا كان أرشُها دون الدية، هل تدخل الديةُ في العقل.
والثَّاني: نقل الإِمام عن القاضي الحُسَيْن؛ أن أرش الجناية، إن لم يكن مقدَّراً، لم يدخل في دية العقل قولاً واحدًا، وإنما الخلافُ في الجناية التي لها أرشٌ مقدَّر، وأما ما أورده في الكتاب، فالسابِقُ إلى الفَهْم منه وضْع الخلافِ في أنَّ دية العَقْل، هل تنْدَرج تحْت أرش الجناَيةِ؛ ووجّه الاندراج بأن العَقْل لا يختصُّ بعضو معيَّن يحلّ فيه؛ حتى يجتنب موقعه فأيُّ عضو مضمون بالدية، أفضى قطعه إلى زواله، جعل كأن العقل كان حالاً فيه حلولَ الضوء في الحَدَقة، لكن هذا يخالفُ ما حكينا عن الكيفية المشهُورة، ويخالف أيضًا ما ذكره الإمامُ فيما لو قطع يَدَيْ رجل، وزال عقله، وقلنا: يجبُ ديةٌ واحدةٌ، فإن لفظ الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يشيرُ إلَى أن الدية الواجبةَ ديةُ العقلِ، وديةُ اليدِ تندرج تحتها، ويخالف أيضًا قضية تشبيه العَقْل بالروحِ، فإن دية الروح لا تندرجُ تحت أروش الأطراف، وإنما تندرج الأروش 1 تحْتَها، ثم سياقُ الكتاب يُشْعِرُ بأن النصَّ الاندراجُ، وأن مقابلة وجْةٌ واحتمالٌ، وبأن الظاهر الأول، وإن كان القياسُ الثَّاني، لكن الخلاف في المسألة مشهورٌ بالقولَيْن، والظاهر الثاني عند الجمهور.
الثانية: لو أنكر الجانِي زَوالَ العقل، ونسبه إلى التجانُنِ، راقبناه في الخَلَوات، وأوقات الغَفَلات، فإن لم تنتظم أفعاله وأقواله، أوجبنا الدية، ولا نحلِّفه؛ لأنه يتجانن في الجواب، ويعدل إلى كلام آخَرَ؛ ولأن تحليفه يثبتُ جنونه، والمجنون لا يَحْلِف، وإن وجدناها منظومةً، فالقول قول الجاني مع يمينه، وإنَّما حلف؛ لجواز أنها صدَرَت منه اتفاقا أو جرياً على ما اعتاده 2.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: السَّمْع وَفِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَفِي إِحْدَاهُما نِصْفُ الدِّيَةِ، وَقِيلَ: حُكُومَةٌ لأنَّ مَحَلَّ السَّمْعِ وَاحِدٌ، وَلَوْ قِيلَ: السَّمْعُ بَاقٍ وَقَدْ وَقَعَ فِي الطَّرِيقِ ارْتِتَاق فَتَعَطُّلُ المَنْفَعَةِ كَزَوالِهَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَيَجْرِي فِيما إِذَا ذَهَبَ سَمْعُ الصَّبِيِّ فَتَعَطَّلَ نُطْقُهُ أَوْ ضُرِبَ صُلْبِ إِنْسَانٍ فَتَعَطَّلَ رِجْلُهُ فَفِي تَعَدُّدِ الدِّيَةِ خِلافٌ، وَإِذَا شَكَّ فِي السَّمْعِ جُرِّبَ
بِصَوْتٍ مُنْكَرٍ بغْتَةً، وَإِنْ نَقَصَ السَّمْعُ جرِّبَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ سِنَّهِ بِقُرْبِ المَسافَةِ وَبُعْدِها، فَإنْ كذَّبَهُ الجَانِي حُلِّفَ المَجْنيُّ عَلَيْهِ.
قَالَ الرافِعِيُّ: في إبطالَ السمع كمالُ الدية؛ لما رُوِيَ عن مَعاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم-قَالَ: "وَفِي السَّمْعِ الدِّيَةُ" 1 ولو أبطل السمْعَ من إحدى الأذنين، ففي وجهٍ عن الشيخ أبي محمَّد؛ أنه يعتبر ما نقص من السمع، ويجب قسْطُه من الدية، وقد يقال: يَجِبُ فيه الحكومة؛ وذلك لأن السمع واحدٌ، وإنما التعدّد في المنفذ، بخلاف ضوء البَصَر، فإن تلك اللطيفةَ متعدِّدة، ومحلُّها الحَدَقة، والمشهور أنه يجب نصْفُ الدية، لا لتعدد السمع، ولكن 2 ضبط النقصان بالمنفذ أولَى وأقرب من ضبطه بغَيْره، ولو قطع الأذن، وبَطَل السمع، وجبت ديتانِ؛ لأن السَّمْعَ ليس في الأذُن.
ولو جنَى عليه، فكان لا يسمعُ في الحال، لكن قال أهل البصر: إنَّه يتوقَّع عوده، نُظِرَ؛ إن قدَّروا مدة، انتظرنا تلك المدة، فإن لم يعد، أخذت الدية، واستثنى الإمامُ ما إذا قدَّروا مدة يغلبُ على الظن انقراضُ العمر، قبل انقضائها، وقال: الوجهُ أن تُؤْخَذَ الدية، ولا ينتظرَ هذه المدة كما لو لم يقدِّروا، وإن لم يقدَّروا مدة، فتؤخذ الدية في الحال؛ لأن الانتظار والتأخيرَ لا إلى غَاية؛ كالتفويت، فإن عاد 3، ردَّت الدية، إذا بان أنه لم يزل، وإن قال أهل البصر: لطيفةُ السمع باقيةٌ في مقرِّها، ولكن ارتتق داخل الأُذُنِ بالجنايةِ, وامتنع نفوذ الصوت، ولم يتوقَّعوا زوالَ الارتتَاقِ، فهلْ يكون تعطُّل المنفعة كزوالها؛ حتَّى تجب الديةُ بكمالها؟ ذَكَرُوا فيه وجْهَيْن، وألحقوهما بالوجْهَيْن فيما إذا أذهب سمع الصبيِّ، وتعطَّل لذلك نطقه، فإنَّ الطفل يتدرَّج إلى النُّطْق تَلَقِّياً مما يسمعُ، فهل يجب لتعطيل النطْقِ ديةٌ مضمومةٌ إلى دية السمع؟ فيه وجهان، ومال الإِمام -رحمه الله- في مسألة الارتتاق إلى وجوب الدية، وقال: بقاءُ السمعِ وسلامتُه ليْسَ موثوقاً به، والأظهر، وهو الجواب في "التتمة" وجوبُ الحكومة؛ فإنَّ التعطيل لا ينزَّل منزلة الزوال.
وأما قوله في الكتاب: "أو كسر صلب إِنْسان، فتعطَّل رجله، ففي تعدَّد الدية خلافٌ"، فهذا يُشْعِر بأن كسر الصُّلْب يوجبُ الدية بنفسه، وأنه إذا تعطَّلت الرِّجْل، كان تعطيلها كتعطيل 4 النطْقِ؛ حتى تجب دية أخرى على رأْي، وفي كلام الإمامِ أيضًا ما يقتضي تعلّق الديةِ بمجرَّد كَسْر الصُّلْب، لكن الظاهر خلافه على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
ثم الكلام في صورتين:
إحداهما: لو أنكر الجانِي زوالَ السمعِ، امتحن المجنيُّ عليه؛ بأن يصاح به في نومه وغفلته صياحَ مُنكِر، وبأن يتأمَّل حاله عند صَوْت الرعْدِ الشديدِ، فإن ظهر منه انزعاجٌ واضطرابٌ، ظهر 1 كذبه، ومع ذلك يحلف الجانِي؛ لاحتمال أن الانزعاج بسبب آخرَ اتِّفاقيَّ 2، وإن لم يظهر عليه أثر، بأن صدقه، ومع ذلك يحلفُ لاحتمال أنه يتجلَّد ويتكلَّف، وإن ادَّعى بطلان السمع من إحدى الأذنَيْن، وأنكر الجاني حُشِيَتِ السليمةُ، وامتحن في الأخرَى على ما ذكرنا.
الثانية: إذا انتقص سمعه من الأذنَيْن، فإن عرف قدْر ما نقص؛ بأن عرف أنه كان من أَيِّ موضع يسمع، وهو الآن يسمع ممَّا دون تلك المسافة، فيضبط ما انتقص، وُيؤْخذ قسْطُه من الدية، وإن لم يعرف، ولكن ساءَ سَمْعُه، وثقل أذنه، فالذي أورده أكثرهم، وعليه جرى صاحب "التَّهْذيب" وغيره: أنه لا سبيل إلى تقديره، ويجب حكومة يقدِّرها الحاكم باحتهاده، وذكر الإمَامُ وغيره أنه تقدَّر بالاعتبار بسمع رجل سليبم السمعِ في مثل سنِّه وصحَّته؛ بأن يجلس بجنب المجني عليه ويُؤْمَرُ من يرفعُ الصوت ويناديهما من مسافة بعيده لا يسمع فيها 3 واحد منهما، ثم يقرب المنادي شيئًا فشيئاً إلى أن يقول السليمُ: سَمِعْتُ، فَيعْلَم على الموضع، ثم يديم المنادِي ذلك الحدَّ من رفع الصوت، ويقرب إلى أن يقول المجنيُّ عليه سمعت، فيضبط ما بينهما من التفاوت، وإنِ انتقص السمع من إحدى الأذنين، فيقدر النقصانُ بأن تصمَّم 4 العليلة، ويضبط منتهى سماعِ الصحيحةِ، ثم تصمّم الصحيحة، ويضبط منتهى 5 سماع العليلة، ويضبط ما بينهما من التفاوُت، ويؤخذ قِسْطُه من الدية، ويمكن أن يكون الفرقُ بين انتقاصِ السمعِ من إحدى الأذنَيْن؛ حيث اتفقوا على الاعتبار بالأخرى، ولم يعدلوا إلى الحكومة وبين أن يكُونَ الانتقاصُ في الأذنين جميعًا، حيث اختلفوا في أنَّ الواجب الحكومة، أو يعتبر المجنيُّ عليه بغيرة، والأشخاص يتفاوتون في السمْع حدَّةً وكَلاَلاً؛ بحسب الأمزجة، فاستعبد اعتبار شخصٍ بشخصٍ، ولم يستبعد اعتبار أذُنِ شخصٍ بأذنه الأخرَى، وإن كذبه الجاني فيما يدعيه؛ مِنِ انتقاص السمع، فالجواب في "التهذيب" وغيره؛ أن القول قولُ المجنيِّ عليه مع يمينه، سواءٌ ادعى الانتقاصَ في الأذنين، أو
إحداهما؛ لأنه لا يعرف إلا من جهته، وهذا قوله في الكتاب في آخر الفصل: "فَإِنْ كذَّبه الجانِي حَلَفَ المجنيُّ عليه"، قال في "الوسيط": فلو قال الجاني: "حَلِّفُونِي" فإن الأصل بقاءُ السمع، قُلْنا: لو فتح هذا البابُ، لم يعجز من يستخير 1 الجنايةَ عن الحَلِف، وجريان الَجناية سببٌ مظهر لجانب المجنيِّ عليه، فتصديقه أَوْلَى.
وقوله: "في إحداهما نصْفُ الدية" قضيةُ هذا اللفظ تعدُّد السمع، والسمع واحد؛ عَلَى ما مرَّ، وإنما التعدد في طريقه، والمرادُ بطلان السمع من إحْدَى الأذنَيْنِ.
وقوله: "وإذا شك في السمع" أي ادعى المجنيُّ عليه ذهابَ السمع ونازعه الجاني، وشككنا في أن الصادق أيهما، فيمتحن بالطريق المذكور؛ لتظهر الأمارة الدالَّة على صدق الصادق منهما، وكذب الكاذب.
وقوله: وإنْ نقص السَّمْعُ، جرب" كلمة "جُرِّب" ههنا غير واقعة موقعها؛ بخلاف ما في الصورة السابقة؛ فإن المقصود ههنا تقديرُ بدَلِ ما نقص بالنسبة المذكورة لا الامتحان.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ: البَصَرُ وَفِي إبْطَالِهَا مَعَ بَقاءِ الحَدَقَةِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَيسْتَوِي فِيه الأَعْمَشُ والأَخْفَشُ، وَمَنْ فِي حَدَقَتِهِ بِياضٌ لا يَمْنَع أصْلَ البَصَرِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي إِحْدَاهُمَا النِّصْفُ، وَيُمْتَحَنُ بِتَقْرِيبِ حَدِيدَةٍ مِنْ حَدَقَتِهِ مُغَافَصَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في ضوء العينين 2 تمامُ الديةِ؛ روي عن مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-؛ أنَّه قَالَ: "في البَصَرِ الدِّيَةُ" 3 ولأن إتلافَ المنْفَعَة المقْصُودةِ 4 من العُضْوِ تقتضي وجوبَ الدية؛ كإبطالِ منفعةِ البَطْش من اليد، وفي إذهاب ضوء إحداهما نصفُ الدية، ولا فرق بين ضَعِيفِ البصرِ، بالعَمَشِ وغيره، ولا بَيْن الأَحْوَل والأَخْفش وغيرهما، ولو فقأ عينيه، لم تجبْ إلا ديةٌ كاملةٌ، كما لو قطع يديه؛ بخلاف ما لو قطع أذنَيْه، وبطل سمعه؛ لما مر أنه ليس السمْعُ في الأذنين، ولو قال عدلان: إنَّ البصر، وإن اختلَّ، يعود إلى ما كان فيفرَّق بين أن يقدروا مدةً أو لا يقدِّروا، ويكون الحكم على ما مرَّ في الأذنين، ولو مات المجني عليه قبل مُضِيِّ تلك المدَّة، فلا قصاص للشبهة 5، وفي الدية طريقان.
أحدهما: أنها على الوجهين فيما إذا قَلَع سنَّ غيرِ مثغور، ومات قبل أوانِ البيان.
وأصحهما: القطْعُ بوجوبها؛ لأن الظاهر في السنِّ العَوْدُ، ولو عاش 1 لاستمرار العادة، وههنا بخلافه، ولو قال الجاني: ماتَ بعد عَوْد السنِّ أو البصرِ، وقال الوارثُ: بل قبله، فالمصدَّق الوارث؛ لأنَّ الأصل عدم العود.
وإذا ادعى المجنيُّ عليه زوالَ البصر، وأنكر الجاني، فالذي أورده جماعةً من الأئمة، وهو المنقول عن "الأم" أنه يراجع أهل الخبرة، فإنهم إذا وقفوا الشخْص في مقابلة عين الشمس، ونظروا في عينيه، عرفوا 2 أن الضوء ذاهبٌ أم 3 قائمٌ بخلافِ ما في السمع لا يراجعون فيه؛ لأنه لا طريق لهم إلى معرفته، وقال آخرون، وعليه جرى صاحب الكتاب: إنَّه يمتحن بتقريب حَيَّة، أوْ عقرب منه، أو حديدة من حدقته مغافصة، فإن انزعج واضطرب، فالقول قول الجاني مع يمينه؛ وإلا، فالقول قوله مع يمينه، ويمكن أن يقدَّر في هذا اختلافٌ قولٍ أو وجهٍ، ورد في "التتمة" الأمر إلَى خيرة الحاكم إنْ أراد أن يراجعهم، فعل، وإن أراد أن يمتحنه، فَعَل، وإذا رجع أهْلُ الخبرة، فشَهِدوا بذَهَاب البصر، فلا حاجة إلَى التحليف، ويؤخذ الدية بخلاف الامتحان، فإنه لا بد من التحليف بَعْده، ولا يقبل في ذَهاب البَصَر، إنْ كانتِ الجنايةُ عمْداً إلاَّ شهادة رجلَيْن، وإن كان خطأً، قبلت شهادة رجُلٍ وامرأتينِ، وإن ادعى ذهاب البصر من إحدى العينَيْن، فيراجع أهل الخبرة، أو يمتحَنُ، كما ذكرنا في العينين.
وإن انتقص 4 ضوءُ العينين، ولم يَزُلْ، فإن عرف مقداره؛ بأنْ كان يرى الشخص من مسافة مضبوطةٍ، فصار لا يراه إلا مِنْ بعضها، فيجب من الديةِ قِسْطُ الذاهب، وإن لم يعرف، فعلى الطريقين المذكورين في السَّمْع، فمنهم من اعتبره بمثله في السنِّ والصحَّة، وقال الأكثرون: يجب حكومة يقدِّرها الحاكمُ، ولا يعتبر بغيره؛ لاختلاف الناس في الإِدراك 5، ويروى عن الماسرجسيِّ أنه قال: رأيتُ صيَّاداً [كان] يرى الصَيْد = لا يعود بصره فمات قبلها أو أصاب عينه شيء يجبها فذهابها من الجاني الأول حتى نستيقن أن ذهابها من وجع أو جناية وليس على الجاني الآخر إلا حكومة وكان على الجاني الأول القود إن كان عمدًا أو العقل إن كانت الجناية خطأ.
انتهى.