كِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِ
قال الغزالي: وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمِيَاهِ، وَلَوِ انْقَطَعَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ استُحِبَّ لِغَيْرِهِمْ أَيضًا هَذِهِ الصَّلاَةُ، وَلاَ بَأْسَ بِتَكْرِيرِهَا إِذَا تَأخَّرَتِ الإِجَابَةُ، وَإنْ سُقَينَا قَبْلَ الصَّلاَةِ خَرَجْنَا للشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالوَعْظِ، وَهَل نُصَلِّي لِلْشُّكْرِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: المراد من الاسْتِسْقَاءِ في الباب مسألة الله تعالى سُقْيَا عباده عند حاجتهم إليه، وله أنواع:
أدناها: الدُّعاء المجرَّد من غير صلاة ولا خلف صلاة، إمّا فرادى أو مجتمعين لذلك.
وأوسطها: الدّعاء خلف الصلوات، وفي خطبة الجمعة ونحو ذلك.
وأفضلها: الاسْتِسْقَاء بركعتين وخطبتين كما سنصفه.
والأخبار وردت بجميع ذلك، وأنكر أبو حنيفة -رحمه الله- استحباب النوع الثالث.
وقال: "المسنون في الاسْتِسْقَاء هو الدعاء، والخطبة والصلاة لها بدعة".
لنا: ما روي عن عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عن عمه أنّ رسول الله: "خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَدَعَا وَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ" 1.
وعن ابْن عباس -رضي الله عنهما- أنَّ النبي: "خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى مُتَبَذِّلاً مُتَوَاضِعاً، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي الْعِيدَ" 2. ولا فرق في اسْتِحْبَاب الاسْتِسْقَاء بين
الجزء: 2 - الصفحة: 383
أهل القُرى والبَوَادِي والأَمصار ولا بين المقيمين والمسافرين، ويُسنُّ لهم جميعاً الصلاة والخطبة له لاستواء الكلِّ في الحاجة.
وقوله في الكتاب: "وهي سنة" أُعلم بالحاء لرجوعه إلى ترجمة الباب وهي صلاة الاستسقاء.
وقد حكينا عن أبي حنيفة أن الصلاة غير مسنونة.
وقوله: "عند انْقِطَاع المِيَاهِ".
بيان لِلسَّبب الدَّاعي إلى الاسْتِسْقَاء وعمم به ما إذا انقطع المطر، وما إذا غارت العُيُون في ناحية أو انبثقت الأنهار ونحوها؛ لحصول الضّرار بجميع ذلك، ولا بد من قيد في قوله: "عند انقطاع المياه" وهو أن تمسّ الحاجة إليها في ذلك الوقت وإلاَّ فلا يستسقون، ثم في الفصل مسائل: أحدها: إذا انقطع المياه عن طائفة من المُسْلِمِين استحبّ لغيرهم أن يصلوا وَيَسْتَسْقوا لهم ويسألوا الزيادة لأنفسهم 3.
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَرْجَى الدُّعَاءِ دُعَاءُ الأخَ لِلأْخ بِظَهْرِ الْغَيْب" 4، وقد اثنى الله -تعالى جدّه- على الدّاعين لإخوانهم بقوله: "رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ" 5.
الثانية: إذا استسقوا فسقوا فذاك وإن تأخرت الإجَابة استسقوا وصلّوا ثانياً وثالثاً حتى يسقيهم الله -تعالى جدّه- فإنَّ الله يحب المُلحِّينَ في الدعاء.
وحكى القَاضِي ابْنُ كَجٍّ وجَّهَا آخر: أنهم لا يفعلون ذَلك إلا مرّة واحدة إذ لم ينقل زيادة عليها، ثم على
الجزء: 2 - الصفحة: 384
الأوّل الصحيح، هل يعودون من الغد أم يصومون ثلاثة أيام قبل يوم الخروج كما سيأتي استحباب ذلك للخروج الأول؟ قال في "المختصر": يعودون من الغَدِ.
وحكي عن القديم" أنهم يقدمون صوم ثلاثة أيّام، واختلفوا فيهما على طريقين:
منهم من قال: هما قولان: وبه قال ابن القطان، وزعم أنه ليس في الاسْتِسْقَاء مسألة فيها قولان سوى هذه.
والأول منهما أظهر.
وقال الشيخ أبُو حَامِدٍ وغيره: هما مُنَزَّلان على حالين إن لم يشقَّ على الناس ولم ينقطعوا عن مصالحهم عَادُوا غدًا وبعد غدٍ، وإن اقتضى الحال التّأخير أيّاماً استأنفوا للخروج صوم ثلاثة أيام 6.
وقوله في الكتاب: "ولا بأس بِتَكْرِيرها"، هذه الكلمة لا توجب إلاَّ نَفْي الخروج والكراهة.
لكن الّذي قاله الجمهور أَنَّ التَّكرير مستحبٌّ نعم الاستحباب في المرَّة الأولى آكد.
الثالثة: لو تأهَّبوا للخروج لصلاة الاسْتِسْقَاء فسقوا قبل وعد الخروج خرجوا للوعظ والدّعاء والشّكر على إعطاء ما عزموا على سؤاله، وهل يصلون شكراً؟.
حكى المصنّف وإمَامُ الحَرَمَيْنِ فيه وجهين:
أحدهما: لا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَا صَلَّى هَذِهِ الصَّلاةَ إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ" 7.
وأصحهما: وهو الذي ذكره الأكثرون وحكاه المُحَامِلِيُّ عن نصه في "الأم": أنهم يصلُّون للشكر كما يجتمعون ويدعون.
وأجرى الوجهان فيما إذا لم تنقطع المياه وأرادوا أن يصلُّوا للاستزادة.
وقوله: "خرجنا للشكر يبين أن صلاة الاستسقاء تقام في الصحراء بخلاف صلاة الخسوف؛ لأن النبي: "كَانَ يَخْرُجُ لِلاسْتِسْقَاءِ إِلَى الصَّحْرَاءِ" 8، أو لأن النَّاس يكثرون فيه فلا يَسَعُهُمُ المسجد غالباً.
قال الغزالي: وَالأَحَبُّ أَنْ يَأمُرَ الإِمَامُ النَّاسَ قَبْلَ يَوْمِ المِيعَادِ بِصَوْمِ ثَلاثَةِ أَيَّام وَبِالْخُرُوجِ مِنَ المَظَالِمِ، ثُمَّ يَخْرُجُ يِهِمْ فِي ثِيَابِ بَذْلَةٍ وَتَخَشُّعٍ مَعَ الصِّبيَانِ وَالبَهَائِمِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على آداب لهذه الصلاة: منها: أن يأمر الإمام النّاس بصوم ثلاثة أيَّام قبل اليوم الذي هو ميعاد الخُروج وبالخروج عن المظالم في الدَّم
الجزء: 2 - الصفحة: 385
والعِرض والمال، وبالتَّقرب إلى الله -تعالى جدّه- بما يستطيعون من الخير، ثم يخرجون في اليوم الرابع صياماً، ولكل واحدة من هذه الأمور أثر في إجابة الدّعاء على ما ورد في الأخبار.
ومنها: يخرج بهم في ثياب بُذِلَةٍ وَتَخَشُّع، ولا يتزينون ولا يتطيبون، لما قدمناه من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، لكن يتنظَّفون بالماء والسِّواك وما يقطع الروائح الكريهة ويخالف العيد؛ لأن ذلك يوم زينة وهذا وقت مسألة واستكانة، فاللائق به التَّواضع ولبس بَذْلَة الثِّياب دون جديدها.
ومنها: يستحبُّ [إخراج] 9 الصِّبيان والمَشَايخ؛ لأن دُعَاؤهم إلى الإجابة أقرب، وكذلك إخراج مَنْ لا هَيْئَةَ لها من النِّساء، وفي إخراج البهائم قصداً وجهان ذكرهما صاحب "النِّهاية" وغيره.
أحدهما: لا يستحب إذ ليس لها سؤال وأهليّة طلب لكن لو أخرجت فلا بأس.
وأصحهما: أنه يستحبُّ إخراجها؛ لما روي أنها تستسقي 10.
وعن رسول الله أنه قال: "لَوْلاَ رِجَالٌ رُكَّعُ، وَصِبْيَانٌ رُضَّعُ، وَبَهَائِمُ رُتَّعُ، لَصُبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ صَبّاً" 11. وقوله في الكتاب: "والبَهَائم" جواب على هذا الوجه، وإدراج له في حدِّ الأحب، وليكن معلّماً بالواو للوجه الأول.
وأما خروج أهل الذِّمَّة فقد نص الشَّافعي -رضي الله عنه- على كراهته والمَنْع منه إن حضروا مستسقى المسلمين؛ لأنهم ربّما كانوا سبب القحط واحتباس القَطْر، وإن تميزوا ولم يختلطوا بالمسلمين لم يمنعوا 12؛ لأنهم مُسْتَرْزقة وقد تعجل إجابة دعاء الكافر اسْتدراجاً له.
وحكى القاضي الرُّوياني وجهاً آخر: أنهم يمنعون وإن تميزوا إلا أن يخرجوا في غير يوم المسلمين، وهذا يقتضي إعلام قوله: "وأهل الذمة" بالواو، على أن إيراد الكتاب يقتضي إدراج الخروج بهم في حَدّ الأحبّ، لكن الجمهور ساكتون عنه والتّفصيل في أنهم يمنعون أم لا؟ ومن الآداب أن يذكر كل واحد من القوم في نفسه ما
الجزء: 2 - الصفحة: 386
فعل من خير فيجعله شافعًا.
ومن الآداب أن يستسقى بالأكابر وأهل الصَّلاح، سيّما من أقارب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ 13، وَمُعَاوِيةُ بِيَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ" 14 -رضي الله عنهم-.
قال الغزالي: وَيُصَلِّي بِهِم رَكْعَتَيْنِ كَصَلاَةِ العِيدِ وَيَقْرَأُ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَينِ "إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً".
قال الرافعي: قد روينا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي الْعِيدَ" 15.
وفي رواية: "صَنَعَ فِي الاسْتِسْقَاءِ مَا صَنَعَ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى" 16.
فينبغي أن ينادي لها الصَّلاة جامعة، ويكبّر في الأولى سبع تكبيرات زائدة، وفي الثانية خمساً ويجهر فيهما بالقراءة، ويقرأ في الأولى سورة (ق)، وفي الثانية (اقْتَرَبَت) 17. وعن بعض الأصحاب: أنه يقرأ في إحدى الركعتين (إنَّا أَرْسَلنَا) 18 حكاه الصيدلاني وغيره، وهو المذكور في الكتاب، ولتكن تلك الركعة هي الثانية ويقرأ في الأولى (ق) رعاية لنظم السور، وهكذا حكاه في "التَّهذِيب"، ثم روى المحاملي عن لفظ الشّافعي -رضي الله عنه-: أنه يقرأ فيهما ما يقرأ في العيدين، وإن قرأ (إِنَّا أَرْسَلْنَا) كان حسنًا، وهذا يثسعر بأنه لا خلاف في المسألة، وإن كان سائغاً، ومن أثبت خلافاً في أن الأحبّ ماذا؟.
وقال: الأصح: أنه يقرأ فيهما ما يقرأ في العيد، وعلى هذه الطريقة أعلم قوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَا) بالواو، وسبب تعيين هذه السورة، أنها لائقة بالحال لما فيها من ذكر الاستسقاء، قال الله -تعالى جده-: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ 19 الآية.
وأما وقت إقامة هذه الصلاة فمنهم من قال: هي كصلاة العيد في الوقت؛ لأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "صَلاَّهَا فِي هذَا الْوَقْتِ" وهذا ما ذكره صاحب "التهذيب"، وحكاه الإمام عن الشيخ أبِي عَلِيٍّ واستغربه، وذكر الرُّوياني وآخرون: أن وقتها يبقى بعد الزَّوال ما لم يصل العصر، ولك أن تقول: قدمنا وجهين ذكرهما الأئمة في أنَّ صلاة الاسْتِسْقَاء هل تكره في أوقات الكراهية أم لا؟ ومعلوم أَنَّ الأوقات المكروهة غير داخلة في وقت صلاة
الجزء: 2 - الصفحة: 387
العيد ولا فيه مع انضمام ما بين الزَّوَال والعصر إليه فيلزم أن لا يكون وقت الاسْتِسْقَاء منحصراً 20 في ذلك، وليس لحامل أن يحمل الوجهين في أوقات الكراهية على قضائها، فإن صلاة الاستسقاء لا تقضى 21. وقد صرح صاحب "التَّتِمَّة" بأن صلاة الاسْتِسْقَاء لا تختص بوقت دون وقت بل أي وقت صلاها من ليل أو نهار جاز.
وقوله: "ويصلي ركعتين" معلم بالحاء لما سبق أنه لا تستحب الصلاة.
وقوله: "كصلاة العيد" بالميم والألف؛ لأن عند مالك ليس في هذه الصلاة تكبير زائد وبه قال أحمد في رواية:
قال الغزالي: ثُمَّ يَخْطُبُ كَخُطْبَةِ العِيدِ وَلَكِنْ يبُدِّلُ التَّكْبِيرَاتِ بِالاسْتِغْفَارِ، ثُمَّ يُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ فِي الخُطبَةِ الثَّانِيَةِ، وَيْسَتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِيهِمَا وَيحَوِّلُ رِدَاءَهُ تَفَاؤُلاً بِتَحْوِيلِ الحَالِ فَيَنقْلِبُ الأعْلَى إلَى الأَسْفَلِ وَالَيَمِينَ إِلَى اليَسَارِ وَالظَّاهِرَ إلَى البَاطِنِ، وَيتْرُكُة كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَنْزِعَ ثِيَابَهُ.
قال الرافعي: قوله: "ثم يخطب" مرقوم بالألف؛ عنده لا خطبة لصلاة اسْتِسْقَاء، ولكن يدعو الإمام ويكثر في دعائه من الاسْتِغْفَار وهو مخير بين أن يدعو قبل الصلاة أو بعدها، وعندنا يخطب له، لما روى ابن عباس -رضي الله عنهما- أنَّ النبي: "صَنَعَ فِي الإسْتِسْقَاءِ كَمَا صَنَعَ فِي الْعِيدِ" 22. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم-: "خَرَجَ إِلَى الإِسْتِسْقَاءِ فَصَلَّىَ رَكْعَتَيْنِ وَخَطَبَ" 23.
إذا ثبت ذلك فينبغي أنْ يخطب خطبتين، وهما في الأَرْكَان والشرائط كما تقدم، ويبدل التَّكبيرات المشروعة في أول خُطْبَتي العيد بالاستغفار، فيقول: "أسْتَغفِرُ اللهَ الَّذِي
الجزء: 2 - الصفحة: 388
لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيَّومُ وَأتُوبُ إِلَيْهِ" ويختم كلامه بالاستغفار أيضاً ويكثر منه في الخطبة ومن قوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ 24.
ويجوز أن يعلم قوله: "يبدل التكبيرات بالاستغفار" بالواو؛ لأن صاحب "البَيَان" حكى عن المُحَاملي أنه يكبِّر في أول الخطبتين، كما يكبِّر في أوّل خطبتي العيد.
وقوله: "لكن يبدل" استدراك واستثناء عن تشبيه هذه الخطبة بخطبة العيد، لكن افتراقهما غير منحصر فيه، بل يفترقان في أمور أخر: منها: أن يستقبل القِبْلَة في الخطبة الثانية كما سنذكر.
ومنها: أن يدعو في الأولى بما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما - أنّ النبي: كان إذا استسقى قال: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئاً مَرِيئاً، مَرِيعاً غَدَقاً، مُجَلَّلاً سَحّاً، طَبقاً دَائِماً، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الغَيْثَ، وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلاَدِ مِنَ الَّلأوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لاَ نَشْكُوهُ إِلاَّ إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الأرْضِ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْىَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلاَءِ مَا لاَ يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّاراً، فَأرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدرَاراً" 25. ويكون في الخطبة الأولى وصدر الثَّانية مستقبلاً الناس مستدبراً للقبلة كما في الجمعة والعيد ثم يستقبل القبلة ويبالغ في الدعاء سرّاً أو جهراً، قال الله -تعالى جدّه-: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ 26 وإذا أسرَّ دعا الناس سرّاً ورفعوا أيديهم في الدّعاء.
وقد روى عن أنس -رضي الله عنه- أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ" 27.
قال العلماء: وهكذا السّنة لمن دعا لدفع البَلاَء جعل ظهر كفَّيه إلى السَّمَاء، وإذا سأل الله -تعالى- شيئاً جعل بطن كفه إلى السماء.
قال الشافعي -رضي الله عنه-: وليكن مِنْ دُعَائهم في هذه الحالة: "اللَّهُمَّ أَنْتَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعْدَتْنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَأَجِبْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا، اللَّهُمَّ فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةٍ في مَا قَارَفْنَا، وإِجَابَتِكَ فِي سُقْيَانَا وَسَعَةٍ في رِزْقِنَا".
وقوله في الكتاب: "ويستقبل القبلة فيها"، ربما أوهم استحباب الاستقبال في جميعها وليس كذلك، بل المراد: أنه يستقبل القِبْلَةَ في أثنائها.
ثم إذا فرغ من الدّعاء مستقبلاً أقبل بوجهه على النّاس وحضَّهم على طاعة ربهم،
الجزء: 2 - الصفحة: 389
ويصلي على النبي ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ آية أو آيتين ويقول: أستغفر الله لي ولكم، ثم ينزل، هذا لفظ الشَّافعي -رحمه الله-.
ويستحب عند تحوّله إلى القيام أن يحول 28 رداءه، وهل ينكسه مع التحويل؟ فيه قولان:
الجديد: نعم.
والقديم: لا، وبه قال مالك وأحمد، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يفعل واحداً منهما.
والتحويل: أن يجعل ما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر، وبالعكس.
والتنكيس: أن يجعل أعلاه أسفله وبالعكس.
أما التَّحوَّل فهو منقول عن فعل رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- 29. وأما التَّنكيس فقد نقل: أَنَّهُ هَمَّ به، لَكِنْ كان عليه خَمِيصَةٌ، فثقلت عليه، فقلبها مِنَ الأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ" 30، فرأى الشَّافعي -رضي الله عنه- في الجديد اتباعه فيما هم به لظهور السَّبب الدَّاعي إلى التَّرك، ومتى جعل الطرف الأسفل الَّذي على شقّه الأيسر على عاتقه الأيمن والطرف الأسفل الذي على شقّه الأيمن على عاتقه الأيسر فقد حصل التحويل والتنكيس جميعاً، وهذا كله في الرِّداء المربع.
فأمّا المقوّر والمثلّث فليس فيه إلاَّ التَّحْويل، والنَّاس يفعلون بأرْدِيَتِهِمْ مثل ما فعل الإمَام؛ والسبب في ذلك التَّفاؤل بتحويل الحال من الجدُوبَة إلى الخَصب، "وكَانَ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يُحَبُّ الْفَأْلَ" 31 وإذا حوَّلوا الأَرْدِيَة تركوها كذلك إلى أن ينزعوا الثِّيَاب.
وقوله: "ويحوِّلُ رداءه" مرقوم بالحاء لما ذكرنا.
وقوله: "فيقلب" مرقوم به أيضاً وبالميم والأف والواو للقول القديم الصَّائر إلى أنه لا يقلب الأعلى إلى الأسفل، وهذا الكلام تفسير منه لِلتَّحويل والتَّنْكيس مندرج فيه، فقد أخذ في التَّفسير قلب الظَّاهر إلى البَاطن، وإنما قلَّد فيه إمام الحرمين -رحمه الله-، فقد حكي عن الجديد أنه يقلب أسفل الرِّدَاء إلى الأعلى، ويقلب ما كان من جانب اليمين إلى اليسار، ويقلب ما كان باطناً يلي الثِّياب
الجزء: 2 - الصفحة: 390
منه إلى الظاهر، فتحصل ثلاثة أوجه من التَّقليب.
واعلم أنَّ هذا الوجه الثَّالث لم يذكره الجُمْهُور، وليس في لفظ الشافعي -رضي الله عنه- تعرُّض له، والوجه حذفه؛ لأن الأمور الثَّلاثة لا يمكن اجتماعها إلا بوضع ما كان منسدلاً على الرأس أو لفه عليه، ومعلوم أنَّ هذه الهيئَةَ غير مأمور بها وليست هي من الارْتِدَاء في شيء، وفيما عدا ذلك لا يجتمع من الأمور الثلاثة إلا أثنان، إما قلب اليمين إلى اليسار مع قلب الظاهر إلى الباطن، أو قلب اليمين إلى اليسار مع قلب الأعلى إلى الأسفل، أو قلب الظَّاهِرِ إلى البَاطِنِ مع قلب الأعلى إلى الأسفل، فإن شككت فيه فجرِّبه يزل شكّك (1)،
-[والله أعلم]-
.32
الجزء: 2 - الصفحة: 391