كِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِ
وجُوب القطْع [بسرقتهما] 1، وأن تلك 2 القوة غير معتبرة.
وقوله: "وقيل: يجب، مهما أخذ من مال الشريك قدْر نصاب" معناه ظاهر، والمقصود ما إذا كانت الشركةُ على المناصفة، وقد يوجَدُ في النسخ "مِنْ مال الشركة" ويحتاج إلى تأويل، وتقييد [المعنى] 3 "مهما أخذه من مال الشركة قدْر نصاب يَخُصُّ الشريك من المأخوذ".
وقوله "وأما الابن، فلا يُقْطَع بسرقة مال أبيه وكُلِّ مَن يستحِقُّ عليه النفقة، وإن كان غنيّاً" ليس الغرضُ منه الكلامَ في المسألة بعْد ذكرها في الشرط الخامس، حيث قال: "ولا يُقْطَعُ 4 مَنْ يَسْتحِقُّ النفقة على المسروق منه بالبعضية" وإنما الغرض هاهنا الإشارة إلى الفرْق بين الابن 5، حيث لا يُقْطَع، وإن لم يكن بصفة الاستحقاق؛ بأن كان غنيّاً وبيْن مال بيْت المال؛ حيث قال في الوجه الثاني: إنه، إنما [لا] 6 يقْطَع سارقُه بشرط أن يكون متصفاً بصفة الاستحقاق، ولكن يكفي في مثل هذا إشارةٌ خفيفةٌ 7، ولا حاجة بعد ذكر الابْن إلى أن يقول: وكلِّ مَنْ يستحِقُّ عليه النفقة، وكذلك فعل في "الوسيط" وقوله "ويقطع بسرقة باب المسجد وأجذاعه" مُعلَمٌ بالحاء والواو، وقوله "وفي فرشه وجهان" يعني الحُصُر والبوارِيَ وغيرهما، ويجوز إعلام لفظ "الوجهين" بالواو؛ لأن القاضي الرويانيَّ قال في "جمع الجوامع": لا خلاف بين الأصحاب في أنه لا قَطْع في سرقتها.
وقوله "وفي قنديله وجهان مرتَّبان" لِيُحْمَلْ على قنْديل الزينة، ليترتب الخلاف فيه على الخلاف في الفُرُش، وينزل منزلة الأبواب والجُذُوع التي يَضْعُف فيها الخلاف، فأما القنديل الذي يُسْرَج فيه، فقد سَوَّوْا بينه وبين الحُصُر، ويمكن أن يُحْمَل على القنديل الَّذي يُسْرَج فيه، ويُجْعَل جهة الترتيب أن منفعته الاستضاءة، وهي أضعف من منفعة الجُلُوس على الحُصُر.
فرع: يجب الحدُّ على من زَنَى بجارية بيت المال، وإن قلْنا: لا يجب القطْع بسرقة ماله، وفيه وجهٌ ضعيفٌ.
قال الغَزَالِيُّ: (الشَّرْطُ الخَامِسُ) كَوْنُ المَالِ خَارِجاً عَنْ شُبْهَةِ اسْتِحْقَاقِ السَّارِقِ فَلاَ قَطْعَ عَلَى مُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ إِذَا سَرَقَ مِنْ غَرِيمِهِ المُمَاطِلِ جِنْسَ حَقِّهِ، وَإِنْ سَرَقَ عَيْنَ جِنْسِ
حَقِّهِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَإِنْ لَمْ يَكنْ مُمَاطِلاً قُطِعَ، وَلاَ يُقْطَعُ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ عَلَى المَسْرُوقِ مِنْهُ بِالبَعْضِيَّةِ، وَفِي الزَّوْجَةِ خِلاَفٌ، فَإنْ قُلْنَا: تُقْطَعُ الزَّوْجَةُ فَيُقْطَعُ الزَّوْجُ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ فَفِي الزَّوْجِ خِلاَفٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الاتِّحَادِ العُرْفِيِّ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُقْطَعُ فَفِي عَبْدِ الزَّوْجِ وَجْهَانِ، وَلاَ شَكَّ في أَنَّ وَلَدَ الزَّوْجِ يُقْطَعُ إِذْ يُقْطَعُ وَلَدُ الأَبِ وَهُوَ الأَخُ، وَمِن الشُّبْهَةِ المُؤَثِّرَةِ ظَنُّ السَّارِقِ مِلْكَ المَسْرُوقِ أَوْ مِلْكَ الحِرْزِ أَوْ كوْنَ المَسْرُوقِ مِلْكَ أَبِيهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْل مسائل:
إحداها: إذا سرق مستحِقٌّ الدَّيْن من مال المدْيُون، فعن نصَّ الشافعيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-[أَنَّه] 1 لا يُقْطَعُ، وبإطلاقه أخذ بعْضُهم فيما حكاه القاضي ابن كج؛ لأن له شبهةً فيه.
والأظهر: أن يفَصَّل؛ إن أخْذه لا على قَصْد استيفاءِ الحقِّ، فيقْطَع، وكذا لو قصد استيفاءه، والمديون غير جاحدٍ، ولا مماطلٍ، وإن كان جاحداً أو مماطلاً، فلا يُقْطَع؛ لأنه ممكن 2 من أخذه، وهل يُفْرَق بين أن يأخُذ من جنْس حقه أو من غير جنْسه؟ حكَى الإِمام فيه طريقَيْن:
أظهرهما: أنه لا فَرْق.
والثاني: تخريجُه 3 على الخلاف في أنَّه، هلْ يحلُّ له أن يأخُذ غير الجنْس، إذا ظَفِر به، ولو أخذ زيادة على قَدْر حَقِّه، لم يجب القطع أيضاً على الصحيح؛ لأنه إذا تمكَّن من الدخول والأخْذِ، لم يكن المال محرَّزاً منه، وفيه وجهٌ أنه إذا بلغتِ الزيادة نصاباً؛ وكانت مستقلةً، وجب القطْع، ويجوز أن يُعلَم لفظ "الخلاف" من قوله "ففيه خلاف" بالواو لأحد الطريقين، وقوله، في غير المماطل "قُطع" بالواو للوجه المطلق.
[المسألة] 4 الثانية: من يستحِقُّ النفقة بالبعْضية على المسرُوق منه، لا يُقْطَع بسرقة ماله، وذلك كالابن يَسْرق مال أحد الأبوين أو الأجْداد والجدَّات، وبالعكس، لمَا بين الأصُول والفُرُوع من الاتحاد، وأنَّ مالَ كلِّ واحد من النوعين مرصدٌ لحاجة الآخر، ومن حاجته أن لا يُقْطَع يده بسرقة ذلك المال، وليس القطْع كحدِّ الزنا، حيث افترق الحالُ بين أن يَزْنِي الابن بجارية الأب، وبين أن يزني الأب بجارية الابن، لما مر في النكاح، وفي "شرح المستعمل" لأبي محمَّد الإصطخريِّ من أصحابنا: أن عند مالك: يقطع الولدُ بسرقة مال الأبوين، بخلاف العكس، فيمكن أن يُعلَم لذلك قوله "ولا يُقْطَع
من يستحقُّ النفقة" بالميم، ويجب القطع، بسرقة مال الأخ والعمِّ وسائر المحارم خلافاً لأبي حنيفة، وهو قياس مذهبه في النفقة، وإذا سرَق أحدُ الزوجينِ [من] مال الآخرِ، فإن كان في مسكَنِها [و] 1 لم يكن محرَّزاً عن الآخر، فلا قَطْع، وإن كان محرَّزاً عنه، فالذي نقل المزنيُّ: أنه لا قَطْع أيضاً، وعن نصِّه في اختلاف أبي حنيفة والأوزاعيِّ، وقد يقال له سير الأوزاعي أنه يجب 2 القطع، وعن رواية الحارث 3 بن سُرَيْج: أنه يُقْطَع الزوج بسرقة مال الزَوجة، ولا تُقْطَع هي بسرقة ماله، وفي هذه النصوص طرُقٌ.
أحدها: أن في المسألة قَولَيْن.
أحدهُما: لا يجب القطْع على واحدٍ منهما بسرقة مال الآخر، وبه قال أبو حنيفة: لأنهما يتحدان عرفاً، وينبسط كلُّ واحد منهما في مال الآخر، فأشبها الوالد والولد، وأيضاً فإن لكل واحد منهما شبهةً في مال الآخر، أما الزوجة، فإنها تستحق النفقة، وأما الزوج، فإنه يَمْلِك الحجر على الزَّوْجة ومنْعَها من التصرُّف في مالها على قول بعْض الفُقهاء.
وأصحُّهما: أنه يجب، وبه قال مالك وأحمد، واختاره المزنيُّ، لعموم آية السرقة، وأخبارها، وأيضاً فالزوجية عقْدُ تَمْلِك به المنفعة [فلا] يؤثِّر في إسقاط الحد، كالإجارة، ولا يسقط بها الحدُّ عن الأجير، إذا سَرَق من المستأجر، وكذا بالعكس.
والثاني: أن فيها ثلاثة أقْوال: هذان، والثالث: الفرْق، فلا تقطع الزوجة بسرقة مال الزوج، ويقطَعُ الزوْج بسرقة مالها، وذلك لافتراقهما في استحقاق النَّفَقَة.
والثالث: القطْع بوجوب القْطع، وحمل نص المنْع على ما إذا لم يكُنْ، المال محرَّزاً عن السارق، حكى الطريقة الأولَى والثالثة الشيخ أبو حامد وجماعة، والثانية ذكَرها القاضيان أبو حامد والطبريُّ أبو الطيِّب، وهي التي أوردها الإِمام وصاحبُ "التهذيب" وصاحب الكتاب في "الوسيط" ويقرُب منها الذي ذكره هاهنا من الترتيب، فحَكَى أولاً الخلافَ في أن الزوجة، هل تُقْطع إن قلْنا: إنها تُقَطع، فالزوج أولَى، وإن قلْنا: لا تُقْطَع هي، ففي الزوج خلاف، ويجوز أن يُعْلَم لفظ "الخلاف" بالواو؛ لقطع
من قطع بالمَنْع، وقوله "فيقطع الزوج" بالحاء ثم أطلق الأصحابُ أنَّ من لا يُقْطع بالسرقة من مال إنسان، لا يُقْطع عبده بالسرقة من ماله أيضاً، فكما لا يقطع الأبُ بسرقة مال الابن [وبالعكس]، لا يُقطَع عبدُ أحدِهِما، إذا سرق [من] مال الآخرِ، وإذا سرق عبْدُ أحَدِ الزوجَيْن من مال الآخرِ، فهو على الخلاف في سرقة أحدِهما من مال الآخر، وعن الصيدلانيِّ وجهٌ: أنه يُقطع العبد، وإن لم يُقطَع السيد؛ لأن للسيد [شبهة استحقاق] النفقة بخلاف العبد، وأيضاً؛ فلو لم يُقطَع عَبْدُ الوالدِ بسرقة مال الولد؛ لأن مال الولد كَمَالِ الوالد؛ لَما قُطِعَ ابن الولد، وهو الأخ بسرقة مالِ الوَلدِ؛ لأنه ماله كمالِ الوالدِ، وهذا ما رجَّحَّه الإِمام، والمشهورُ المنصوصُ: أنه لا يُقْطَع 1؛ لأن يد العبد كيد السيد، فكأن السيد هو الذي أخذه، ويدل عليه ما رُوِيَ أن عمرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْه- أُتِيَ بعَبدٍ لِرَجُلٍ سَرَقَ مرْآةً لِزَوْجَةِ الرَّجُل قِيمَتُهَا سِتُّونَ دِرْهَماً، فَلَمْ يَقطَعْهُ، وَقَالَ: "خَادَمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ"، وذكروا فيما إذا سرق مكاتَبُ أحدِ الزوجيْنِ من مال الآخر وجهَيْنِ، إذا قلْنا: لا يجب القطع على العبد، كما لو سرق المكاتَبُ؛ مال سيده، ففيه خلاف سيأتي.
وعن القاضي الحُسَيْن: أنا إذا لم نَقْطَع عَبْد أحدِ الزوجين بسرقة مال الآخر [وجب أَلاَّ نقطع ولد أحدهما بسرقة مال الآخر،] 2 كان كان السارق ربيباً له، وغَلِط في ذلك؛ لأنَّا لو قلنا به لوجب ألا نقطع الأخ بسرقة مال الأخ، فإن ابن الأب أقربُ من ابن الزوْج أو الزوجة، وعن أبي الحُسَيْن بْن القطَّان فيما حكاه القاضي ابن كج: أنه، لو كان للرجُل امرأتانِ، فسَرَقت إحداهما من مال الأخرَى، فوجوب القطْع على الخلاف فيما إذا سَرَقَ أحد الزوجَيْن من مال [الآخر] 3 وكذا إذا سرق الأبُ من مال زوجة الابْن أو الابنُ من مالِ زوجةِ الأبِ، قال: ويُحتمل أن يُقطَع بوجوب القطْع على [إحدى] 4 المرأتين بسرقة مال الأخرَى؛ لأنه ليس بينهما اتحادٌ واختلاط، ولا لها في مالها شبهةٌ، وليس يد المرأة كيد الزوْجِ، بخلاف عبد الزوج أو الزوجةِ؛ فإن يده كَيَدِهما، وقوله "ولا شك [في] أن ولد الزوج" يعني أنه لا خلاف فيه، ولم يُعتدَّ بما حكاه الإِمام عن القاضي، كما فعله الإِمام، وما يناسب مسائلَ الفَصْل: أن العبد لا يُقْطَع بسرقة مال سيَّده؛ لشبهة استحقاق النفقة، بخلاف ما لو زَنَى بجاريتهِ والمستولدة والمدبَّرة، ومَنْ بعْضُه رقيقٌ في ذلك كالقِّن، وفي المكاتَبِ وجهان:
أحدهما: يُقطَع، لاستقلاله ملكًا وتصرفاً ويَداً.
والثاني: المَنْع؛ لأنه قد يَعْجَز، فيصير كما كان؛ ولأنه عبْدٌ ما بَقيَ علَيْه درْهمٌ، وبهذا قال صاحب "التلخيص" 1 وهو الذي أورده القاضي الرويانيُّ، ولا خلاف أن السيِّد لا يُقْطع بسرقة ما في يد الملوك، وإن قدَّرنا له ملكًا، ولو سرق مِن الذي بعْضُه مملوكٌ له، ما ملَكَه بنِصْفه الحرِّ، فعن القفَّال: أنه لا يُقطَع؛ لأن المال في الحقيقة لجميع بَدنِه، وهو يملك بعْضَه، فيصير شبهةً، وعن الشيخ أبي عليٍّ، أنه يجب؛ لأنه مَلَكَهُ بِنصْفه الحرّ ملكًا تاماً، فهو كما لو قاسَم شريكاً له، ثم سرق مما صار للشريك.
[الثالثة:] 2 إذا أخذ المالَ على صورة السرقةِ عَلَى ظنِّ أن المأخوذ ملْكُه أو ملْكُ أبيهِ أو ابنهِ أو أنَّ الحرزَ ملْكُه حكى صاحب الكتاب وغيره؛ أنَّه لا قطْع عليه؛ للشبهة، وهو قياس ما إذا وطئ امرأةً على ظنِّ أنها زوجته أو أمَتُهُ، وفي "التهذيب" أنه لو سرق نصاباً من دار، وهو يَظُنُّ أن الدار دارُه، والمالَ ماله، يُقْطَع وألحقه بما إذا سرق دنانيرَ ظنَّها فلوساً لا تبلغ نصاباً، والأقرب الأول.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَيْسَ مِنَ الشُّبْهَةِ كَوْنُ الشَّيْءِ مُبَاحَ الأَصْلِ كَاَلحَطَبِ وَلاَ كوْنُهُ رَطْباً كَالفَوَاكهِ وَلاَ كَوْنُهُ مُتَعرِّضاً لِلفَسَادِ كَالمَرَقَةِ وَالجَمْدِ وَالشَّمْعِ المُشْتَعِل، وَمَنْ قُطِعَ فِي عَيْنِ مَرَّةً فَسَرَقَ مَرَّةً أُخْرَى قُطِعَ ثَانِياً، وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ المَالِ مِنْ يَدِ المُودَعِ وَالوَكِيلِ وَالمُرْتَهِنِ، وَيُقْطَع بِسَرِقَةِ المَاءِ إِذَا قُلْنَا: إنَّهُ مَمْلُوكٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما تكلَّم في الشبهة المؤَثِّرة في دفْع القَطْع أردَفَهَا بما لا يؤَثِّر، وقد يظن تأثيرُه، وفيه صور:
منْها: لا أثر لكَوْن الشَّيْء مباحَ الأصْل؛ كالحطب والحشيش والصُّيود، وما يؤْخَذ من المعادِنِ، وقال أبو حنيفة: لا قَطْع فيما كان مباحاً في الأصل، إلا في خشَب الساج، وألْحَقَ [به ملحِقُون] الأبنوسَ والصَّنْدَلَ والعْودَ، واستثنَى على مذْهبه الخشَب المعمُولَ كالسُّرُرِ والأبواب، ومِن الصيود الدجج، ولم يُسْتَثْنَ الطين والزجاج المعمولَيْنِ، واستَثنَى من المأخوذِ من المعْدِن الجواهِر.
لنا: القياسُ على ما سلَّمه، وأيضاً، فإنه مالٌ محرَّزٌ فيتعلق القطْع بسرقته، وإن كان أصله على الإباحة؛ كالدراهم والدنانير.
ومنها: لا أثر لكَوْن المسروق رَطْباً أو متعرِّضاً للفساد؛ كالرُّطَب والتِّين والتُفَّاح والبُقُول والرياحين والشواء والهريسة والفَالُوذَج، وكالجَمْد والشَّمْع المُشْتَعِل، وبه قال مالك وأحمد.
وعند أبي حنيفة: لا قطْع في سرقتها، وربَّما يُرْوَى مثْلُه عن مالك.
لنا: إطلاق آية السرقة، وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عن التَّمْر المُعَلَّق، فَقَالَ: مَنْ سَرَقَ منْهُ شَيْئًا بَعْدَ أنْ يَأْوَيهُ 1 الجَرينُ، فَبَلَغَ ثمنَ المِجَنِّ، فَعَلَيْهِ القَطْع 2 وكان ثمن المجَنِّ عندهم رُبعَ دينار وثلاثة دراهمَ، وإنما اعتبر إيواء الجَرِين، ليصير محرَّزاً، فإن بساتينهم، لم تكنْ محُوطَةً محرَّزة، وعلى ذلك، حُمِل قوله -صلى الله عليه وسلم- 3 "لاَ قَطْعَ في تَمْرٍ، وَلاَ كَثر" [والكثر] 4 جُمَّار 5 النخْل، وهو شحمُه، وعن عثمان -رَضِيَ اللهُ عنْهُ- أنه قطعَ سارقاً في أتْرُجَّةٍ قِوِّمَتْ بثلاثة دراهم.
ومنها: إذا سرق عيناً، فقُطِعت يدُه، فسرقها مرةً أخرى من المالك الأول أو من غَيْره، قُطِع ثانياً، وقال أبو حنيفة: لا يُقطَع إلا أن يَتبدَّل المالك أو يتغير 6 العيْن بصنعةٍ فيها كالغَزْل، يُنْسَج، والرُّطَب يُثْمِر.
لنا: أن القطْع عقوبةٌ يتعلَّق بفعل في عين، فيتكَّرر بتكرُّر ذلك الفعل، كما لو زَنَى بامرأة وحُدَّ ثم زَنَى بها ثانياً.
ومنها: لا يُشْترط أن يكون المسروقُ في يد المالك، بل السرقةُ من يد المُودَع والمرتَهِن والوَكِيل وعامِلِ القراض والمستعير 7 والمستأجر يوجِبُ القطْع؛ لأن أيديهم ثابتةٌ على المال بحَقِّ، كيد المالك، وهذا لا خلافَ فيه، ثُمَّ الخَصْم فيها المالكُ، وعند أبي حنيفة: لمَنْ في يده أن يُخَاصِم.
ومنها: إن قلْنا: لا يُمْلَك المَاء، فلا قطْع بِسرقته، وإن قلْنا: إنه يُمْلَك، ففيه وجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لأنه لا يُقْصَد سرقته، فهو كالشيء التافه الذي لا يُقْصَد بالسرقة، وبهذا يقول أبو حنيفة.
وأصحُّهما: أنه يُقْطَع؛ لأنه مال يباع ويبتاع، ويجري الوجهان في سرقة التُّرَاب؛ لأنه لا يُقْصَد سرقته؛ لكثرة وجوده.
ومنْها: يجب القطْع بسرقة المُصْحَف، وكتب التفسير، والحديث، والفقه، وكذا كتب الأشْعار التي يحلُّ الانتفاع بها، وما لا يحلُّ الانتفاع به لا قَطْع في سرقته، إلا أن يبلغ الجلْدُ والقرطاسُ نصاباً، وعند أبي حنيفة: لا قَطْع بسرقة المُصْحَف وسائر الكُتُب، [إن] كان عليها حليةٌ تبلغ نصاباً، فكذلك؛ لأن عنده إذا سَرَقَ ما يُقْطَع فيه، وما لا يُقْطع [فيه] 1 دفعةً واحدةً، لم يُقْطَع.
ومنْها: يجب القطْع بسرقة قُرُون الحَيَوان، وقال أبو حنيفة: لا يجبُ معمولةً كانتْ أو لم تَكُنْ.
قال الغَزَالِيُّ: (الشَّرْطُ السَّادِسُ) كَوْنُه مُحَرَّزاً وَهُوَ مَا عَلَى سَارِقِهِ خَطَرٌ لِكَوْنِهِ مَلْحُوظاً غَيْر مُضَيَّع إمَّا بِلِحَاظٍ دَائِمٍ إنْ لَمْ يَكُنِ المَوْضِعُ حَصِيناً كَالمَتَاعِ الموْضُوع في صَحْرَاءَ أَوْ بِلِحَاظٍ مُعْتادٍ إنْ كَانَ فِي الموْضِعِ حَصَانَةٌ كَالحَوَانِيتِ وَالدُّورِ، والمُحَكَّمُ فِيهِ العُرْفُ، وَفيهِ مَسَائِلٌ: (الأُولَى) الإِصْطَبلُ حِرْزٌ لِلدَّوَابِّ لاَ لِلثِّيابِ، وَعَرَصَةُ الدَّارِ حِرْزٌ لِلأَوَانِيَ وَثيَابِ البَذْلَةِ لاَ لِلنُّقُودِ وَالحُلِيِّ، وَالمُحَرَّزُ مَا لاَ يُعَدُّ صَاحِبُهُ مُضَيِّعاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يشترط لوجُوب القطْع أن تكون السرقةُ مِن الحِرْز، فلا قطْع في سرقة ما لَيْس بمحرَّز، واحتُجَّ له بما رُوِيَ عن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ قَطْعَ فِي تَمْرٍ مُعَلَّقِ، وَلاَ فِي حريسة جَبَلٍ، فَإِذَا أَوَاهُ المِرَاحُ أَو الجَرِينُ، فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ" 2 وحريسة الجبل ما سُرِقَ من الجبل من المواشي، ويقال: إن سارقها يُسمَّى حارساً، اشترط للقَطْع إيَواء المراح والجرين، فدل على أنه لا قطْع فيما لم يحرَّز، ويختلف الحِرْز باختلاف الأحوال والأموال؛ لأن الشرع اعتبر الحِرْز، ولم يبيِّن له حدّاً، [فيرجع] 3 فيه إلى العرْف؛ كالقبض والتفرُّق عن مكان البيع وإحياءِ المَوَات.
وقوله "وهو ما على سارقه خَطَرٌ" إلى آخره أَشَارَ بِهِ إلى فقْه ذكَره الإمامُ؛ تلخيصُه أن السارق يأخُذ المال في خُفْيَة باختزالٍ واحتيالٍ، لا اعتماداً على الشَّوْكة والقوَّة،
فحكم بالقطْع زجراً؛ لئلا يضيع المال على المالك، وذلك إذا احتاط المالِكُ بصيانة المَال، فإن السارق حينئذ يكُون على خَطَر، من أن يَطَّلع عليه وتَعْظُم جنايته، إذا اختزل منتهزاً للفُرْصة، أما إذا ضيَّع المالك فقد جَرَّأ السارق، ومكَّنه من أخذ المال بلا خطَر، فلا تعْظُم جنايتُه، والتعويلُ في صيانة المال وإحرازِهِ على شيئَيْن:
أحدهما: الملاحظة [والمراقبة] 1.
الثاني: حصانة الموْضِع ووثاقته، فإن لم يكْن للموضِعِ حصانةٌ، كالمال المُوضَعِ في الصحراء أو المَسْجد أو الشارعِ اعتبر مدوامة اللّحاظ، وإن كان له حصانةٌ، انضم إليها اللّحاظُ المعتادَ، كفَى ولم يعتبر مداومته، ويُحَكَّم في ذلك العرْفُ، ثم فَصَّل الغرضَ بالكلام في مسائل:
إحداها: الإصطَبْل حرْزٌ للدوابِّ على نفاستها وكثرة قيمتها، وليس حِرْزاً للثياب 2 والنقود؛ لأن إخراج الدوابِّ مما يظهر ويبعد الاجتراء عَلَيْه، بخلاف ما يخفُّ ويسْهُل حَمْلُه وإخراجُه، والصِّفة في الدار وعَرصَتِها [حرزان] للأواني وثياب البذلَة دون الحَلْي والنقود، فإن العادَةَ فيها الإحرازُ في المخازِنِ، وكذا الثياب النفيسة تُحَرَّز في الدُّور، وفي بيوت الخانات والأسواق المنيعة، والمتين والمتبن حرز للتبن دون الأواني والفُرُش، وقوله في الكتاب لا "للثياب".
وقوله "لا للنقود" ليعلما بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة ما كان حرزاً لمالٍ، كان حرزاً لكلِّ مالٍ، وقوله "والمحرَّزُ ما لا يُعدُّ صاحِبُهُ مضيِّعاً" عبارة مختصرةٌ ضابطةٌ لكنها من قبيل تعريف الشيْء بِضِدَّهِ.
فرْع: الموْضِع الذي هو حِرْز لنَوْع من المال يكونُ حرْزاً لما دونه، وإن لم يكن حرزاً لما فوقه [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ) المَوْضُوعُ فِي الشَّارع وَالمَسْجدِ مُحَرَّزٌ بِلِحَاظِ صَاحِبِهِ بِشَرْطِ ألاَّ يَنَامَ وَلاَ يُولِّيهُ ظَهْرَة، وَهَلْ يُشْتَرطُ ألاَّ يَكُونَ زِحَامٌ يَشْغَلُ الحِسَّ عَنْ حِفْظِ المَتَاعِ؟ فِيهِ
وَجْهَانِ، والمَلْحُوظُ بِعَيْنِ الضَّعِيفِ فِي الصَّحْرَاءِ لَيْسَ مُحَرَّزاً إِذَا كَانَ لاَ يُبَالِي بِهِ، وَالمَحْفُوظُ فِي قَلْعَةٍ مُحْكمَةٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَلْحُوظاً لَيْسَ بِمُحرَّزٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا نام في الصَّحْراء أو المسْجِد أو الشارعِ عَلَى ثوبه أو توسَّد عيبته أو متاعه أو اتَّكأ عليه، فجاء سارقٌ، وأخذَ الثوب من تحته أو العيبة التي توسَّدها، وجَب القطع؛ لأنه محرَّز به، ويدِلُّ عليهِ حديثُ صفوان، وسَرِقَة ردائه 1، وكذا لو أخذ المِنْدِيل من رأسه أو المَدَاسَ من رِجْله أو الخَاتَمَ من أُصْبَعِهِ، ولو زال رأْسه عما توسَّده أو انقلب في النَّوْم عن الثوب، وخلاَّه، فلا قَطْعَ 2 بسرقته؛ لأنه ما بقي محرَّزاً، وكذا لو رفع السارقُ النائمَ عن الثَّوْب أولاً، ثم أخذ 3 الثوب، ولو وضع متاعه أو ثوْبه بقربه في الصحراء أو المسْجِد، فإن نام أو ولاَّه ظهْرَه، أو ذَهَل عنْه بشاغل، لم يكن محرَّزاً، وإن كان مستيقظاً يلاحظه، فتغفله السارقُ، وأخذ المال، قُطِع، وفي كتاب القاضي ابن كج وجْهٌ آخر أنه لا يُقْطَع؛ لأنه لا بد، وأن تَعْرِض له فتراتٌ، وليس هناك من يلاحظه غيره، والظاهر الأولُ، وهل يُشْترط ألاَّ يكونَ في الموْضِع ازدحام الطارقين؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، ويكفي الملاحظة، ولكن لا بد بسبب الزحمة [من مزيد مراقبةٍ وتحفُّظٍ.
وأصحُّهُما: نعم ويخرج المال بسبب الزحمة] 4 عن أن يكون محرَّزاً؛ لأن الملاحظة لا تبقى على التثبُّت في أشخاص كثيرين، وأُجْرِيَ الوجهان في الخبَّاز والبَزَّاز وغيرهما، إذا كثر ازدحام النَّاسِ على باب حانُوتهم.
قال الإِمام: ولو فُرِضَ وضع المتاع في شارع، وكان ملحوظاً بملاحظةِ جَمْعٍ، فيصير عدد اللاَّحِظينَ في معارضة عَدَد الطَّارِقِين، [كلاحظ] 5 في الصحراء في معارضة طارِق، ويُشْترط أن يكون الملاحظُ بحَيْث يقْدِر على المنْع، لو اطَّلع على أخْذ السارق،
إما بنفسه أو [بالاستغاثة] 1 والاستنجاد، وأما إذا كان ضعيفاً لا يبالي به السارقُ، وكان الموضع بعيداً عن الغَوْث، [فليس بحرز] فالشخص ضائع 2 مع ماله وينبغي ألاَّ يفرق فيما ذكرنا في الصحراء بين أن تكون مواتاً أو ملكاً، وأما قوله "المحفوظ في قلعة محكمة، إذا لم يكن محلوظاً، ليس بمحرَّز" [فالمقصود] منه أن الركْن الأعظم في كوْن المال محرَّزاً الملاحظةُ، [فلا] يُغْنَي حصانةُ الموضع عن أصل الملاحظة حتى إن الدار [المنفردة] 3 في طرف البلد أو في البَريَّة لا تكون حرزاً، وإن تناهت في الحصانة، وكذا القْلعة المحْكَمة [لأنه] 4 إذا لم يكن الموضع مرقوباً، [سهل] 5 الوصول إلى ما فيه بالنَّقْب [والتسلُّق] 6 من غير خَطَر.
نعم، لا يحتاج عند حصانة الموضع إلى دوام الملاحظة بخلاف ما ذَكْرنا في الصحراء، وتمامُ الكلام فيما يُعْتَبَر في الدار وسائر الأبنية ليَحْصُل بها الإحْراز يأتي في الفصْل بَعْد هذا.
وَمَنْ أدخل يده في حبيب إنسانٍ أَو في كُمِّه [وأخذ] المال أو طَرَّ جيبه أو كُمَّه، وأخذ المال، قُطِع؛ لأنه محرَّز به، ولا فَرْق بين أن يربطه في الكُمِّ أو لا يربطه، ولا إذا رَبَط، بين أن يكون الرباط داخلاً أو خارجاً.
وعن أبي حنيفة: أنه لا قطْع على من طَرَّ الجيْبَ، وأخرج المال.
وإن أخذ من [رأس] منديل إنسان، وهو على رأسه قال في "التهذيب" إن كان قد شدَّه عليه قُطِعَ، وإلا فلا.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): الدَّارُ باللَّيْل مُحَرَّزٌ وَلَوْ نَامَ فِيهَا صَاحِبُها إنْ كَانَ البَابُ مُغْلَقاً، وَإِنْ كَانَ مَفْتُوحاً فَضَائِعٌ، وَبِالنَّهَارِ قَدْ يُعْتَمَدُ بِلِحَاظِ الجيرَانِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَمَّا أَطْرَافَ الحَوَانِيتِ مُحرَزَةٌ بِأعْيُنِ الجِيرَانِ وَالمَارَّة وإِنْ غَابَ عَنْهَا صَاحِبُها أَوْ نَامَ، وَلَوْ تَغَفَّلَ السَّارِقُ صَاحِبَ الدَّارِ وَهُوَ مُتَيَقِّظٌ وَالبَابُ مَفْتُوحٌ وَهُوَ يَتَرَدَّدُ فِي الدَّارِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوِ ادَّعَى السَّارِقُ أنَّهُ نَامَ وَضَيَّعَ سَقَطَ القَطْعُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ كَمَا فِي دَعْوَى المِلْكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الدار، إن كانت منفصلةٌ عن العمارات؛ بأن كانت في باديةٍ أو في [الطَّرَف] الخَرَاب من البلد أو في بُستان، فليْست [هي] بحرز لما فيها، إن لم يكْن فيها أحدٌ سواء كان البابُ مفتوحاً أو مغلقاً، فإن كان فيها صاحبُها أو حافظٌ آخرُ، نُظِر، إن
كان نائماً، والباب مفتوح فليستْ هي بحرز لما فيها، وإن كان مغلقاً، فقد حكى صاحب "البيان" فيه وجهين عن رواية المَسْعُودِّي الذي أجاب به الشيْخ أبو حامد وَمَنْ تابعه أنها تكون حرزاً، والموافِقُ لما أطلقه الإمامُ وصاحبُ "التهذيب" خلافُه 1.
وإن كان مَنْ فيها متيقظاً، فالأمتعة فيها محرَّزةٌ سواء كان الباب مفتوحاً أو مغلَقاً
نعم، لو كان ممَّن لا يبالي به وهو بعيدٌ عن الغَوْث، فالحُكْم على ما ذَكَرْنا في المْلحوظ بعَيْن الضعيف في الصحراء، وكذا لو كان النائمُ ضعيفاً على ما أجاب به الشَّيْخ أبو حامدٍ، وإن كانت الدار متَّصِلة بالدُّور الآهلة، فينظر إن كان الباب مغلقاً، وفيها صاحبها أو حافظٌ آخَرُ، فهي حرزٌ لما فيها ليلاً ونهاراً متيقظاً كان الحافظُ أو نائماً؛ لأن السارق على خَطَرٍ من اطَّلاَعه وتنَبُّهه بحركاته واستغاثته بالجيران، وإن كان الباب مفتوحاً، فإن كان مَنْ فيها نائماً، لم تكن هي حرزاً بالليل، وأما بالنهار، ففيه وجهان:
أحدهما: أنها تكون حرزاً؛ لأنه قد يعتاد ذلك اعتماداً على نَظَر الجيران ومراقبتهم، وذلك إذا كانوا يطرقون هناك، فصار كالأمتعة على أطراف الحوانيت، فإنها تكون مُحرَّزة بنَظَر المارَّة والجيران.
وأصحُّهما: لا، كما لو لم يكُن فيها أحدٌ، والباب مفتوحٌ، ويخالف الأمتعة على أطراف الحوانيت، فإنَّ الأعين تقع عليها، ولا تقع عَلَى ما في داخل الدار، وأيضاً، فالجيران يتساهَلُون إذا علموا بأنَّ صاحب الدار فيها.
والوجهان في أيام الأَمْن، فأما في زمان الخوْف والنهب، فالأيام كالليالي، هذا قضية ما في "التهذيب" وغيره، [وإن] كان مَنْ فيها متيقظاً، لكنه لم يتم الملاحظة؛ بأن كان يتردَّد في الدار، فَتغفَّله السارق وسرَق، فعن حكاية الشيخ أبي عليٍّ فيه وجهان، ويقال إن القَّفال جعلَهما جوابَيْن في درسَيْن.
أشبههما، ويُحْكَى عن النص: أنه لا يجب القطْع، ولا يُجْعل ما في الدار، والحالة هذه، محرزاً للتقصير بإهمال المراقبة مع فتح الباب.
ولو كان يبالغ في الملاحظة؛ بحيث يحصُل الإحراز بمثله في الصحراء، وانتهز السارقُ الفرصَة، فلا خلاف في وجوب القطْع، ولو فتح صاحبُ الدار بابَهُ، وأَذِنَ للناسِ في الدُّخول عليه، لشراء متاعهم، كما يفْعَلُه الذي يَخبز في داره، فوجهان؛ لأن الزحْمةُ تشغل الحسَّ على ما سبق، وأما إذا لم يكُنْ فيها أحدٌ، فالظاهر، وهو الجواب في "التهذيب" أنه إن كان الباب مغلقاً فهو حرز بالنهار في وقت الأمن، وليست حرزاً
في وقت الخوف، ولا بالليالي، فإن كان مفتوحاً، لم يكن حرزاً أصلاً 1، ومَنْ جعل الدارَ المنفصلةَ عن العمارات حرزاً عند إغلاق الباب فأولَى أن يجعل المتَّصِلَة بها عند الإغلاق حرزاً، وإذا ادعى السارقُ أن صاحب الدارِ نامَ أو ضَيَّع ما فيها أو أعرض عن اللَّحاظ، فالمذكور في الكتاب: أنه يَسْقُط القطْع بمجرَّد دعواه كما في دعْوَى المِلْك، ولا شك في أنه يجيء فيه الوجْه المذكور هناك.
واعلم أن الأمر في جميع ذلك مبنيٌّ على العارة الغالِبَة في الإحراز، وعلى هذا الأصل قال الأصحاب: النَّقْدان والجواهرُ والثيابُ لا يكون محرزة إلا بإغلاق الباب عليها، وأمتعةُ العطَّارين والبقَّالين والصَّيَادِلة، إذا تَرَكَهَا صاحبُ الحانوت عَلَى باب الحانوت، ونام [فيه] أو غاب عنه، فإن ضمَّ بَعْضَها إلى بعْض وربَطَهَا بحبل أو عَلَّق عليها شبكة، أو وضع لوْحَيْن على وجْه الحانوت مخالَفَيْن، كفى ذلك إحرازاً بالنهار، لأن الجيران والمارَّة، ينظرون، وفيما فعل ما ينبِّههم، لو قصد السارق، وإن تركها متفرَّقة، ولم يقيَّد بشيء ممَّا ذكرنا، لم تكن محرزة.
وأما بالليل، فلا تكون محرزة إلا بحارس، قال الروياني: والبَقْل والفِجْل، قد يُضم بعضُه إلى بعضٍ، ويُطْرح عليه حصيرٌ ويُتْرك على باب الحانوت، وفي السوق، وهناك حارسٌ ينام ساعة ويدور ساعةً، فيكون محرزاً، وقد يزين العامي حانوته أيام العيد بالأمتعة النفيسة، ويَشُقُّ عليه [حملها] 2 رفْعها بالليل، فيَدَعها [ويلقى] عليها قطعاً، وينصب حارساً، فيكفي ذلك إحرازاً بخلاف ما في سائر الأيام؛ لأن أهل السوق يعْتَادون ذلك فيتقوى بعْضُهم ببعض، والثياب على باب حانوت القَصَّار والصَّبَّاغ كأمتعةِ البقَّالين والعطَّارين، هذا فيما ينقل في العادة إلى داخل بناء، ويغلَقُ عليه بابٌ، فأما الأمتعة الثقيلة التي يَشقُّ نقفها كالحَطَب، فهي محرَّزة بأن يُشدَّ بعضَها إلى بعْضٍ، وكذلك الخُزَف والقُدُور تُحرَّز بالشرائح التي تنصب على وجه الحانُوت، [وإن] تركت متفرَّقة، لم تكن محرَّزة، وفي وجْه: لا يكفي الشَّدُّ بل لا بد أن يكون عليها بابٌ مغلَق أو يكون على سطْح محوطٍ، والظاهر الأول، حيث جرت العادة به، وكذا الطعامُ في الغرائر في مواضع البيع محرَّزاً إذا شدَّ بعضَها إلى بعْض، بحيث لا يمكن أخذ شيء منْه إلا بحَلِّ الرِّباط أو فتق بعْض الغراثر، نصَّ عليه الشَّافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وقد جرت العادة به بمِصْر، قال القاضي الرويانيُّ: ورأيت في بلدنا صبر الأرز 3 يترك في موضع البيع، وتغطَّى بالأكسية والمُسُوح، فهي محرَّزة، والحَطَب
والقصيل على السطح المحوط 1 محرزان، والأجْذاع الثِّقال على أبواب المَسَاكِن محرَّزة، وفي "التهذيب" أن متاع البقَّال في الحانوت بالليل محرَّز في وقت الأمن، إذا كان الباب مغلقاً، وفي غير وقت الأمن، لا بد منْ حارسٍ، ومتاعُ البيَّاع والبزَّاز لا يكون محرَّزاً إلا بالحارس وأن الكدس في الصحراء والزَّرْع والقطن قصيلاً كانا أو اشتدا لحر، وخرج الجَوْز والبَذْر المستتر بالتراب، ليست محرزة إلا بحارس وفي جمع الجوامع للرويانيِّ: أن الزرع في المزارع محرز، وإن لم يكن حارسٌ، وفي تعليقة الشيخ إبراهيم المروروذي: أن الزرْع إذا كان قصيلاً، لا يحتاج إلى الحارس؛ لأنه لا يُحْفظ مثله في العادة، وهذا يجري في البذْر المستَتِر، ولو كانت هذه الأشياءِ في مَحُوطٍ، فهي كالثمار في البساتين، والثمار على الأشجار، إن كانت في البرية، لا تكون محرزةً إلا بالحارس، وفي الكَرْم والبساتين المحوطَةِ كذلك، إن كانت بعيدةً عن الطريق والمساكن، [وإن] كانت متصلة بها، والجيران يراقبُون في العادة، فيه محرزة، وإلا، احتيج إلى الحارس والأشجار في أفنية الدُّور محرزةً وفي البريَّة يحتاج إلى الحارِسِ، والحنطة في مطامير المفازة، والتبن في المتبن، والثلج في المثلجة، والجَمْد في المَجْمَدة في الصحراء غير محرزة إلا بحارس، وبابُ الدار والحانوت والمغلاق والحلقة على الباب محرزة بالتركيب والتسمير، وكذا [الآجر] إذا سرق من صحْن الدار، أو استخرجه من الجدار داخلاً [أو] خارجاً ليلاً أو نهاراً، وجب القطْعَ، والشرط في كونها محرزةً أن تكون الدارُ بحيث تحرز ما فيها، ولو كان باب الدار مفتوحاً، فدخل داخلٌ [وقلع] باب بيت [وأخرجه]، فعن أبي إسحاق: أنه لا قطْع، كما لو أخذ متاعاً آخر منْها، وعن الأكثرين: أنه يجب القطْع، والبابُ محرزٌ بالتركيب والنَّصْب كباب الدارِ، والقُفْل على الباب محرز كالباب والحلقة، وعن أبي الطيب بن سلمة فيما رَوَى القاضي ابن كج أنَّه ليس بمحرز؛ لأن الأقفال للإحراز به لا لإحْرازِهِ.
قال الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ) الخِيَامُ لَيْسَتْ كَالدُّورِ فِي الحَصَانَةِ فَيُفْتَقَرُ إِلَى زِيادَةِ لِحَاظٍ، وَلَكِنْ لإِحْكَامِ الرُّبُط وَتَنْضِيض الأَمْتِعَةِ تَأثِيرٌ فِي الاسْتِغْنَاءِ عَنْ دوَام اللِّحَاظِ، وَالدَّوَابُّ مُحَرَّزَةٌ بِنَظَرِ الرَّاعِي فِي الصَّحْرَاءِ إِذَا كَانَ عَلَى نَشْزٍ، وَالقِطَارُ مُحَرَّزٌ بِالقَائِدِ فِي صَحْرَاءَ خَالٍ أَوْ سِكَّةٍ مُسْتَوَيةٍ وَهُوَ تِسْعَةٌ مِنَ الإبِلِ فَإِنْ كَانَ لاَ يُلاَحِظُ مَا وَرَاءَهُ فَالمُحَرَّزُ بِالقَائِدِ الأَوَّلِ وَبِالرَّاكِبِ مَرْكوبُهُ وَمَا أَمَامَهُ وَوَاحدٌ مِنْ خَلْفِهِ وَبِالسَّائِقِ جَمِيعُ مَا أَمَامَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل يشتمل على مسألتين:
إحداهما: الخيامُ يَرْبُطها وتنضيد الأمتعة فيها يفيد نَوْعاً الإحراز، وتُغْني عن دوام اللحاظ المعتبر في الأَمتعة الموْضُوعة في الصحراء، لكنَّها ليست كالدُّور في الحصانة، فإنها في نفْسِها قابلة للسرقة، فإذا ضرب في الصحراء خيمةً، وآوى إليها ومتاعاً، فسرق منها سارقٌ، أو سَرَقَها، نُظِر؛ إن لم يَشُدَّ أطنابَها، ولم يرسل أذيالَهَا، فهي وما فيها كالمتاع الموضوعِ في الصحراء، وإنْ شدَّها بالأوتادِ وأرْسَلَ أذْيالها، فإن لم يكن صاحبُها فيها، فلا قَطْع؛ لأنها لا تُعدُّ محرَّزة، إذا لم يكن فيها أحدٌ، وفيه وجه: أن الخيمة في نفسها تكون مُحرَّزة، ولا يكون ما فيها محرَّزاً، وإن كان صاحبُها فيها [مستيقظاً] أو نائماً أو تَامَ بقرْبها، وجب القطْع بسرقتها أو سرقة ما فيها؛ لحصول الإحراز في العادة، وقال أبو حنيفة: يجب القطع على مَنْ سرق منْها، ولا يجب على مَنْ سَرَقَها وحْدها أو مع المتاع.
قال الأئمة: والشرط هناك أن يكونَ هناك [من] يتقوى به، فأما إذا كان في مفازة بعيدة عن الغوْث، وهو مِمَّن لا يبالَى به، فلا إحراز، وكذا لو ضرب الخيمة بين العمارات، يكون الحُكْم كما في المتاع الموضوع بين يَدْيهِ في السوق، وهل يُشْترط إسبال باب الخيمةِ، إذا كان من فيها نائماً؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجهين، ورأى الأظهر أنه لا يُشْترط، ولو شَدَّها بالأوتاد، ولم يرسل أذيالها، وكان يمكن الدخولُ فيها منْ كل وجه، فهي محرَّزة، وما فيها ليس بمحرَّزٍ، هكذا ذكروا، وقد يُفْهَم منه أن الأمتعة والأحمالَ، إذا شُدَّ بعضُها ببَعْضٍ، يكون محرَّزة بعْض الإحراز، وإن لم يَكنْ هناك خيمةٌ.
ولو أن السارق نحَّى النائِمَ في الخيمة أولاً عنْها، ثم سَرَق، فلا قطْع؛ لأنها لم تكن حِرْزاً حين سَرَقَ.
وقوله في الكتاب "لكنْ لإحكام الرُّبُطِ وتنضيد الأمتعة" إلى آخره، يمكن أن يُجْعل معناه أن إحكام رُبُط الأمتعة وتنضيد الأمتعة فيها له تأثيرٌ في الاستغناء عن دوام اللِّحَاظ، ويمكن أن يقال: المعنَى أن الأحكام والتنضيد يؤثرانِ في الجُمْلة، فكذلك حال الخيمة المشدُودة، والأمتعة المنضدة فيها [والله أعلم].
المسألة الثانية: المواشي والأبنية المغلَقَة الأبواب محرَّزة، إذا كانت متصلةً بالعمارات، سواءٌ كان صاحبها فيها أو لم يكنْ، وسواء كان مستيقظاً أو نائماً؛ للعادةِ، وان كانت في البرية، [فلا] تكون محرَّزةً إلا إذا كان صاحبُها فيها، إمَّا مستيقظاً أو نائماً، فان كان البابُ مفتوحاً، فيُشْترط أن يكون مستيقظاً، ويكفي أن يكون المراحُ من حطَبٍ أو حشيشٍ، وأما في غير الأبنية، فلها أحوال:
إحداها: إذا كانت الإبلُ ترعى في الصحْرَاء، فهي محرَّزةٌ، إن كان معها حافظ
يراها جميعاً، ويبلغها صوته، إذا زجَرَها، وإن لم يرَ بَعْضَها؛ لكونه في وهْدةٍ أو خلْفَ جَبَلٍ أو حائطٍ، فذلك البعضُ ليس بمحرَّز، ولو نام عنها أو تشاغَل، لم تكن محرَّزةً، وإن لم يبلُغ صوتُه بعْضَها، فكذلك؛ على ما أورده صاحب "المهذب" وغيره، وسكت ساكتُون عن اعتبار بلوغ الصوْت، وكأنهم اكتَفُواْ بالنَّظَر؛ اعتماداً على أنه، إذا قصد ما يراه أمْكَنَهُ أن يعدو إليه فيدفع، والحُكْم في الخيل والبِغال والحمير، وهي ترعى على ما ذكرنا في الإبل، وكذا الغنم إذا كان الراعي على نَشْزٍ من الأرض يراها جميعاً، فهي محرَّزةٌ، وإن كانت متفرقة إذا بَلَغها صوتُه.
الثانية: أن تكون سائرةً، أما الإبلُ، فإن كانت مُقَطَّرة، وكان يسوقها سائقٌ، فهي محفوظة به، إن كان ينتهي النظَرُ إليها، وإن كان يقودُها قائد، يُشْترط أن يلتفت إليها كلَّ ساعة، وإلا، فهو مضيِّع، ويشترط أن ينتهي نظَرهُ إلَيْها، إذا التفت، فإن كان لا يرى البعْضَ لحائل جبل أو بناءٍ، إذا كانت تسير في العمران، [فذلك] البعْضُ ليس بمحرَّز، وفي كتاب القاضي ابن كج وجْه آخر: أنه لا يُعْتبر انتهاء النظَر إلى آخرها، ويَكْفِي النَّظَرُ إحرازاً، وليجيءْ هذا في سوقها أيْضاً، وعند أبي حنيفة: المحرَّز بالقائد البعير الذي يقودُه لا غَيْر.
و [كذا] لو رَكِب الحافظُ الأول منْها، فالحكم كما لو كان يقودُها، ولو ركب غيرُ الأول، فهو لما بين يَدَيْه، كالسائق، ولمَا خلفه كالقائد، وعن أبي حنيفة أن المحرَّز بالراكب ما رَكِبَه، وما أمامه وواحدٌ مما خلْفه.
وحيث يُعتبر انتهاء نَظَره إليها، ففي اعتبار بلوغ الصوْت ما من، وقد يستغني بنظر المارَّة عن نَظَره، إذا كان يُسيِّرها في سوقٍ مثلاً، وإن لم تكنْ مقطَّرة، بل كانت، [تساق أو تقاد،] فمنهم من أطلَقَ القول بأنَّها غير محرَّزة؛ لأن الإبل لا تَسِير هكذا في الغالب، وعلى هذا جرى صاحب "التهذيب" وعن "الإفصاح": أنه لا فرْق بين أن تكون مقطَّرة أو لاَ تَكُونَ، وبهذا أخذ القاضي الرويانيُّ، وقال: المعتَبَرُ أن يَقْرُب منه، ويقع نظره عليها، ولا تعتبر صورة التقطير، وإذا اعتبرنا التَّقْطير، فينبغي ألاَّ تريد القطَارُ الواحدُ على تسْعةٍ؛ للعادة الغالبة، فإن زادتْ، فهي كغير المقطَّرة، ومنهم مَن أطْلَق ذكْر التقطير، ولم يعتدَّ بعدد، والأحسن توسُّطٌ أورده أبو الفرج السرخسيُّ في "الأمالي" فقال: في الصحراء لا يتقيَّد القطار بعدد، وفي العُمْران، يعتبر ما جَرَت العادة بأن يَجْعَلها قطاراً واحداً، وهو ما بين سبْعَةٍ إلى عَشَرةٍ، فإن زاد، لم تكُن الزيادة محرَّزَةً، والخيل والبغال والحمير والغنم السائرة كالإبل السائرة، إذا لم تكْن مقطرة، ولم يعتبروا التقطير فيها، لكنه معتاد في البغال، وعدد الغنم المحرَّزة بالواحدِ يختلفُ بالبلد والصحراء.
وقوله في الكتاب "والدواب محرَّزة بِنَظَر الرَّاعِي في الصحراء" يعني إذا كانت ترعى، وقوله "والقطار محرَّزٌ بالقائِد" يعني إذا كانت الإبل تسير، وكان القائد يلاحِظُ ما وراءه، يُبَيِّنُه قولُه من بعْد "فإن كان لا يُلاَحِظُ ما وراءه" وقوله أو"سكة مستوية، وذلك ليقع بصره على الكل إذا لاحَظ، واعتبر كون الصحراء خاليةً إشارةً إلى أنه لو كان في المارَّة كثرةٌ، حصل الإحراز بنَظرهم.
وقوله "وهو تسعة من الإبل" في بعض النسخ "سبْعةٌ"، والأول [هو] (1) الموافِقُ لما حكيناه عن السرخسيِّ وغيره، وعلى التقديرين، فيجُوز إعلامه بالواو، لما قدَّمناه.
وقوله "وبالراكب مركوبهُ وما أمامه" وقوله "وبالسائق جميع ما أمامه" فيشترط في "ما أمامها" أن ينتهي البَصَر إلَيْه؛ على ما سبق.
والثالثة: إذا كانت الإبلُ مناخةً، فإذا لم يكن معَها أحدٌ، فليست بمحرَّزة، وإن كان معها صاحبُها، فإن كانت معقولةُ لم يضرَّ نوْمُه ولا اشتغاله عنْها؛ لأن في حلِّ المقولة ما يوقِظُ النائمَ، وينبه المشتغلَ، كان لم تكنْ معقولةً، فيُشْترط أن ينظر إليها ويُلاَحظها.
فُروعٌ:
المتاعُ على الدابَّة المحرَّزة محرَّزٌ يجب على سارقه القَطْع، سواءٌ سرق المتاع من الوعاء أو معَه أو مع الدابَّة.
وعن أبي حنيفة: أنَّه لا يجب القطع، إلا إذا سرق من الوعاء، وإذا كان يَسُوق بقرةً، والعجْلُ يتبعها خلفه، فإن العجْل إنما يكون محرَّزاً، إذا كان قريباً منه، بحيث يراه إذا التَفَتَ، وإذا كان يلتفتُ كلَّ ساعة، كما ذكرنا في "قائد القطار"، وعن المسعوديِّ: أن الغنم المرسَلَة في سكة تَشْرَع إليها أبوابُ الدور، لا تكون محرَّزة حتى تأوي إلى موْضِع، وليكن هذا فيما إذا كثُرَتْ وتعذَّرت الملاحظةُ، ومن دخل المراحَ، وحلَبَ من ألبان الغنَمِ، أو جَزَّ من أصوافها ما يبلني نصاباً وأخرَجَهُ، قُطِع، وعند أبي حنيفة: لا قطْع في اللبن؛ بناءً على ما نقلناه [عنه] 2 في الأشياء الرَّطْبَة، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ) لاَ قَطْعَ عَلَى النَّبَّاشِ فِي نُرْبَةٍ ضَائِعَةٍ، وَيُقْطَعُ إِذَا سَرَقَ الكَفَنَ مِنْ قَبْرٍ فِي بَيْتٍ مُحَرَّزِ مَحْرُوس، وَمِنْ مَقَابِرِ البِلاَدِ وَجْهَانِ، وَحَيْثُ يَجِبُ فَفِي الثَّوْبِ الموْضُوعِ مَعَ الكَفَنِ وَالمَلْفُوفِ زِيَادةً عَلَى العَدَدِ الشَّرْعيَّ وَجْهَانِ، ثُمَّ الكَفَنُ لِلوَارِثِ فَهُوَ الخَصْمُ فِي السَّرِقَةِ، فَإنْ كَفَّنَهُ أجْنبيٌّ فَالطَّلَبُ لِلأَجْنَبِيِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ظاهر المذْهَب، وجوبُ القطْع على النبَّاش بسرقة الكَفَن في1
الجملة، وعن ابن خيران: أن فيه قولاً آخر: أنَّه لا يجبُ بحال؛ لأن الكفَنَ موضُوعٌ للبِلَى غير محرَّز، ويذكر أن أبا حفْص بْنَ الوكيل، نَسَب ذلك إلى القول القديم، وبه قال أبو حنيفة، ووجه الأول، وقطع أكَثر الأصحاب به [بما] روي عن البراء بن عازب أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ نَبَّشَ، قَطَعْنَاهُ" 1.
وعن عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْها- أنَّهَا قَالَتْ: "سَارِقُ موْتَانَا كَسَارِقِ أحيائنا" ويتفرَّع على المذهب المشهورِ صوَرٌ.
إحداها: إن كان القبرُ في بيت محرَّزٍ، وجب القطْع بسرقة الكَفَن منه، قال الإمام: ولو كانت المقبرةُ محفوفةً بالعمارات ينذُرُ تخلف الطارقينِ عنْها في زمن يتأتى فيه النبْش، أو كان عليها حرَّاسٌ مرتَّبُون [فهي] 2 بمثابة [البيت المحرَّزِ]،، وإن كان القبرُ في مفازةٍ وبقعةٍ ضائعةٍ، فوجهان:
أحدهما: أن الكَفَنَ، والحالةُ هذه، ليس بمحرَّز، وسرقته كسرقة المتاع من الدار البعيدَةِ عن العمران؛ وهذا؛ لأن السارق يأخُذ من غير خَطر، ولا يحتاج إلى انتهاز فرْصة، وبهذا الوجْه، أجاب الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ، وصاحب الكتاب، وعزاه الإِمام إلى جماهير الأصحاب.
والثاني، وَيُحْكَى عن اختيار القفَّال، والقاضي الحُسَيْن، ورجَّحه أبو الحسن العبَّادي: أن القبر حِرْزٌ للكفن، حيث كان؛ لأن النفوس تهاب الموتى، ولذلك لا يعدُّ الدافن في مثل ذلك الموضع مضيَّعاً، وفرَّع صاحب "التهذيب" على الوجهين، فيما إذا كان القبر في بيت محرَّزٌ فسرق الكَفَن منه حافظُ البيت، فعلى الوجهِ الأولِ؛ لا يجب القطْع، وعلى الثاني؛ يجب، وإن كان القبر في مقابر البلاد الواقعةِ عَلَى طرف العمارات، فإن كان لها حارسٌ، وجب القطْعُ، وإلا، فوجهان:
أصحهما؛ على ما [ذكره] القاضي الرويانيُّ، وغيره: أن الجواب كذلك؛ لأن القبر في المقابر حرزٌ في العادة، كما أن البيْتَ المغلَقَ في العمران حرْزٌ، وان لم يكن فيه أحدٌ.
والثاني: المنْع؛ لأنه ليس دونه بابٌ مغلَقٌ، ولا عليه حارسٌ، فصار كالمتاع الموضوع هناك.
الثانية: إن وضع [في القبر شيء] سوَى الكَفَن، هل يتعلَّق القطْع بسرقته؟ قال الإِمام: إن كان القبر في بيت فَبَلِيَ، وإن كان في المقابر فوجهان:
أحدهما: نعم، ويكون محرَّزاً بما يكون الكفَنُ محرَّزاً به.
وأصحهما، وهو الذي أورده أكثرهم: المنع؛ للعادة، ويخالف الكفن؛ فإنَّ الشرع قطَع فيه النباشَ، وجَعَلَه محرَّزاً لضرورة الحاجة إلى التكفين والدفْن، ليبقى مصوناً، وخصَّص الإِمام الوجْه الأوَّل بما إذا كان من جنْس الكفن؛ كثَوْب وُضِعَ فيه، وكما إذا كفن الميت في أكثر من خمسة أثوابٍ، ففي الزيادة على الخمسة التي تَلِي الميتَ الخلافُ، لكن ذلك الوجْه لا يختص بهبة التكفين ولا بجنس الثياب، فإنَّ القاضي الرويانيِّ حكَى في "جمع الجوامع" إجراء الخلاف فيما لو وَضَعَ في القبر مضربةً أو وسادةً للمَيِّت، وعن بعْضهم: أنه أجراه فيما لو دَفَن معه دراهمَ أو دنانيرَ، بل في "الرْقم" للعباديِّ: أن القاضي الحُسَيْن حَكَى عن القفَّال وجوبَ القطْع فيما إذا دفَن [معه] مالاً في بَرِّيَّة تبْعُد الهم والأوهام عن الدفْن فيه، والتابوت الذي يُدْفَن فيه الميت كالأكفان الزائدة، والزيادةُ في الطِّيب على ما يُستحبُّ تطبيب الميت به كسائر الأموال، وعن الماسرجسي: تعلقُّ القطْعِ بالقَدْر المستحَبِّ منه، كالكفن، قال ابن الصبَّاغ: إلا أنه لا يكادُ يجتمع منه ما يبلغ نصاباً.
الثالثة: إذا كفن الميت من تركته، فَلِمَنِ الكفن؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه للورثة، كسائر مخلَّفاته، لكن يُقدَّم حق الميت فيه كما يُقدَّم قضاء ديونه، كان كان المِلْك للورثة، وعلى هذا، فلو سرقه أحد الورثة أو ابنُه، فلا قطْع عليه.
والثاني، عن أبَوَيْ عليِّ بن أبي هريرة والطبريِّ: أنه يبقى على ملْك الميِّت؛ لحاجته إليه وانصرافه إلى مصلحته، وإن كان لا يثبُتُ له المِلْك ابتداءً، وهذا كما أنه يبقى الدَّيْن في ذمته، وإن لم يَثْبُتْ عليه ابتداء.
والثالث: أن الملْكَ فيه لله تعالى؛ لأن الوارِث لا يتمكَّن من التصرُّف فيه، والميِّت لا يملك شيئاً، [فإن] قلْنا: إن الملْك فيه للوارِث، فالخَصْمُ في السرقة الوارثُ؛ على ما سيأتي؛ أن السارق يُقْطَع بمطالبة المسروق منه، ومخاصَمَتِهِ، فإن قلنا: إن الملْكَ فيه للميِّت، فعن ابن أبي هريرة: أن الخَصْم فيه الوارثُ أيضاً؛ لأنه القائم مقامه في حقوقه، وقال غيره: الخصْمُ فيه الحاكم والوارثُ لا ينوب عنه فيما لا يملكه، وإلى هذا يرجع ما حُكِيَ عن صاحب "الإفصاح" أن الإِمام يقْطَع ولا حاجة إلى خَصْمٍ، وإنما اعتبر خصومة الحَيِّ؛ لأنه ربما ملَّكه أو أباحَ له أخْذَه، فإذا اعترف به، سَقَطَ الحد، ومثل هذا لا مجالَ له في الكفَن، وإذا قلْنا: إنه لا مالك له، فالأمر فيه إلى
الحاكِمِ، هذا ما ذكره الأصحاب، وزاده الإِمام، فقال: إن كان مَنْ يذهَبُ إلى أن المِلْك في الكفن للميت أو لله تعالَى، يقول: يتعيَّن ردُّه بعد ما أخَذَه النباش إلى المَيِّتِ، ولا يجوز للوارث إبدالُهُ بغيره [فالتفريع] والخلافُ في أن الخصْم مَنْ هو صحيحٌ، لكن هذا قول عَريٌّ عن التحصيل، والوجْه عنْدي أن للوارثِ إبدالَهُ بعْد ما انفصل عن الميِّت، وحينئذ، فيجِب القطْع بأنه الخصْم لا غير، وإذا أكل الميتَ سَبُعٌ أو ذَهَبَ به السيل وبقي الكفَنُ، فإن قلْنا: إنه ملْكٌ للورثة، اقتسموه، وإن قلنا: إنه ملك للميِّت، فوجهان:
أحدهما: أنه يُصرَف إلى الورثة أيضاً؛ لأن ما كان للميِّت ينتقل إلى الورثة، [وإنما] قُدِّم الكفن لِحَاجَتِهِ إليه، وقد بَطَلت الحاجة.
والثاني: يُجْعَل في بيت المال؛ لأنه لم ينتقل بالمَوْت إلى الوارث، فلا يختص به بعْد ذلك، وهذا ما أورده ابن الصبَّاغ وغيره، وإن قلْنا: لا يملكه أحدٌ، فيُجْعل في بيت المالِ بلا خلاف، هذا كلُّه فيما إذا كُفِّن من تركته، فإن كَفَّنه أجنبي، أو [كُفِّن] من بيت المال، فلمن هو؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على الخلاف المذكُور فيما إذا كُفِّنَ من تركتِه.
والثاني: القطْع بأنه يبقى على ملْك الأجنبيِّ أو حُكْم بيت المال؛ لأن نقْل المِلْك إلى غير مالِكٍ لا يمكِنُ، والميت لاَ يَمْلِك ابتداءً، وغيرُ الميت لم يَمْلِكُ، فكان الأجنبيَّ معير للكَفنِ إعارةً لا رجوع فيها كالإعارة للدَّفْن.
والقولُ في أن الخَصْم في السرقة مَنْ هُوَ، وفي أنه، لو أكله سبُعٌ إلى مَنْ يُردُّ الكفن، مبنيٌّ على الخلاف في المِلْك.
"
فروع
":
أحدُها: إذا كَفَّن السيدُ عبْدَه، فالملْك في الكفن للسيد أو لا يَمْلكه أحدٌ؟ فيه وجهان، وذكر أنه لا يجيْء فيه أن يملكه العبْدُ؛ لأن العبد لا يمْلِك إلا بتمليك السيد على القول القديم، والسيدُ لم يَمْلكه، ولمنازع أن ينازع فيه ويَجْعل التكفينَ تمليكاً، كما جُعِل تكفينُ الأجنبيِّ تمليكاً على رأْي، وحُكم بأن الكَفَن ملْك للميت.
والثاني: إذا سُرِقَ الكَفَنُ، وضاع، كُفِّنَ ثانياً من التركة، فإن لم يوجَدْ، فهو كمن مات، ولا كفَنَ له.
والثالث: إنما يُقْطَع النباش، إذا أخرج الكفَنَ منْ جميع القبر، أما إذا أخرج من اللَّحْد إلى فضاء القبْر وترَكَه هناك؛ لخوف أو غيره، لم يُقْطع، هذا هو المنصوص والمشهور، ويجوز أن يُخَرَّج ذلك على الإخْراج من البَيْت إلى صَحْن الدار.
وقوله في الكتاب "لا قَطْع على النبَّاش" ليعلم بالواو، وقوله "في تربةٍ [ضائعةٍ] " 1 هذه الصورة تحتمل "التربة" وتحتمل "البَرِّيَّة" بالباء والراء 2، وتشديد الراء والياء.
وقوله "وُيقْطَع، إذا سَرَق" معلَمٌ بالحاء والواو، وقوله "في بيْت محرَّز محروسٍ" الجمع بين اللفظين لا ضرورةَ إليه، وإنما هو تأكيدٌ، وقوله "ثم الكفن للوارث" وقوله " [فالطلب] للأجنبي" مُعْلَمَان بالواو.
قال الغَزَالِيُّ: (السَّادِسَةُ) إِذَا كَانَ الحِرْزُ مِلْكاً لِلسَّارِقِ وَلَكنَّهُ فِي يَدَ المَسْرُوقِ مِنْهُ بِإجَارَةٍ قُطِعَ، وَإِنْ كَانَ بِغَصْبٍ لَمْ يقْطَعْ لِأَنَّهُ لَيْسَ حِرْزاً فِي حَقِّهِ، وَهَلْ تَكُونُ الدَّارُ المَغْصُوبَةُ حِرْزاً عَنْ غَيْرِ المَالِكِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ عَارِيَّةً فَثَلاثَةُ أَوْجُهٍ يُفْرَقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الرُّجُوعَ بِالدُّخُولِ أَوْ لاَ يَقْصِدَ كَمَا يُفْرَقُ فِيمَنْ وَطِئَ حَرْبيَّةً بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الاسْتِيلاَءَ أَوْ لاَ يَقْصِدَ فِي نَسَبِ وَلَدِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي الحِرْزِ مَالٌ مَغْصُوب لِلسَّارِقِ فَأَخَذَ غَيْرَ المَغْصوبِ فَفِي القَطْعِ وَجْهَانِ لِشُبْهَةِ جَوَازِ الدُّخُولِ، وَإِنْ جَوَّزْنَا لِلأَجْنَبِيِّ انْتِزَاعِ المَغْصُوبِ لِلْحِسْبَةِ جَرَى فِيهَا الوَجْهَانِ أَيْضاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في المسألة جملتان:
إحداهما: إذا كان الحرْزُ ملكًا للسارق، نُظِر؛ إن كان في يدِ المسروقِ منْه بإجارةٍ فسرق منْه المؤَجِّر، فعليهِ القطْع؛ لأن المنافِعَ بعَقْد الإجارة مستحَقَّةٌ للمستأجِرِ، والإحْراز من المنافع، وفي هذا التوجيه ما يبين أن التصْوير فيما إذا استحَقَّ المستأجِرُ إيواء المَتَاع إليه بالإجارة، وإحرازه به دون مَنْ يستأجِرُ محوطاً للزراعة، فآوى إلَيْه ماشية مثَلاً.
وقال أبو حنيفة: لا يجِب القطْع على المؤجِّر، وسلَّم أنه لو أجَّر عبْده لحفْظِ متاعٍ، ثم سَرَقَ المؤجِّر من المتاع الذي كان يحْفَظُه العبْدُ، أنه يجب القطْع.
وإن كان الحرْز في يده بإعارة، وسرق المُعِيرُ منه مال المستعير 3، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجب القطْع؛ لأن الإعارةَ لا تلزم، وله الرجوعُ، متَى شاء، فلا يحْصُل الإحراز عنه.
وأصحُّها، وهو المنصوص 4: أنه يجب؛ لأنه سرقَ النصاب من الحِرْزِ، وإنما يجوز له الدخُول، إذا رجع، وعليه أن يمهل المعير بقَدْر ما ينقل فيه الأمتعة.
والثالث: الفرْق بين أن يدْخُل الحرْز على قصْد الرجُوع عن العاريَّة، فلا يُقْطَع، وبين أن يدْخُل على قصد السرقة، ويأخذ المال، فيُقْطَع، كما [أنه] إذا وطئ حربيةً يُفْرَق بين أن يَقْصِد القهْر والاستيلاء، فيملكها، ولا حدَّ عليه، ويثبت النسب، لو أولَدَها، ويين أن لا يقصد ذلك، فعليه الحدُّ، ولا يثبت النسب، [ولو] أعار عبداً لحفْظِ مالٍ أو رَعْي غنم ثم سرَق ممَّا كان يحْفَظُه عبده حكَى الإِمام فيه طريقين:
أحدهما: أن في القطع الخلافَ المذكورَ فيما إذا كان الحِرْزُ مستعاراً.
والثاني: القطْع بالوجوب؛ لأن الإحراز هاهنا بملاحظةِ العبْد، لا بنَفْس العبْد المملوك، ولو أعار قميصاً، فلبسه المستعيرُ، وَطَرَّ المعير جيبه، وأخذ دراهم، وجب عليه القطْع، ولا يكاد يجيء الخلاف فيه، ولو كان الحرْز في يده بغصب، فسَرق مالكُ الحرْزِ منه متاعه، فلا قطْع؛ لأن له الدخول والهجوم عَلَيْه، فلا يكون محرَّزاً عنه، كان سرق منه أجنبيٌّ فوجهان:
أحدهما، ونسبه بعْضُهم إلى النصِّ: أنه يلزمه القطْع؛ لأنه لا حقَّ له فيه، وليس له الدخول.
وأصحُّهما: المنعُ، ولا تكونُ الدارُ المغصوبةُ حرزاً للغاصب؛ لأن [الإحْرَاز] من المنافع، والغاصبُ لا يستحقها، قال الإِمام: ويمكن أن يقْرُب هذا من التردُّد في أن الواحدَ من المسلمين، إذا رأَى عَيْناً مغصوبةً في يدِ غاصبٍ، هل له إزالة يده عنها حسبةً؟ ولو اشترى الحرْزَ، وسرقَ منه قبل القبض مالَ البائعِ، فإن لم يوفِّر الثمَن بعْدُ، وجب القطع؛ لأن له حقَّ الحبس، فأشبه المستأجِرَ، وإن كان قد وفَّر الثمن، فوجهان:
أصحهما: أنه لا يجب، ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
الثانية: إذا غصب مالاً أو سرقة وأحْرَزه في حِرْزِه، فجاء [مالك 1 الحال]، وسرق من ذلك الحِرْز مالاً للسارق أو [الغاصب] 2، هل عليه القطْع؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا؛ لأن له أن يَدْخُل الحرْزَ ويَهْتِكَه لأخذ ماله، فالذي يأخذه من الغاصب يأخذه، وهو غَيْر محرَّز عنه.
والثاني: يجب؛ لأنه إذا أخذ مالَ الغاصِب، [غير] عرَفْنَا أنَّه هتك الحرْزَ للسرقة، لا؛ لأخذ مالِه، وخصَّص المخصِّصون للوجهين بما إذا كان مالُ الغاصب متميزاً عن ماله، [فأخذه] وحْده أو مع مال نفسه، فأما إذا كان مخلوطاً به؛ بحيث لا يتميز أحدُهما عن الآخر، فلا قطْع بحال، وهذا تخريج على قوْلنا: إن المال المشتركَ لا يُقْطَع واحدٌ
من الشريكَيْن بسرقته؛ وذلك لأن الاختلاط المانعَ من التميز موجبٌ للشركة والشُّيوع، ولو دخل، وأخذ مال نفسه، فلا قطْع بحال، وإن سرق أجنبيٌّ المال المغصوبَ أو المسروقَ، فهل عليه القطْع؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وإلى ترجيحه مال صاحب "الشامل"؛ لأنه سرق نصاباً من حرْز مثله بلا شبهة.
والثاني: لا؛ لأنَّ المالك لم يرْضَ بإحرازه فيه، فكأنه غير محرَّز، قال في "البيان": وهذا هو الصحيح؛ ويؤيِّده ما أشار إليه الإِمام وصاحب الكتاب في "الوسيط" وهو بناء الوجهَيْن على الخلاف في أنَّه، هل يجوز للأجنبيِّ أخذُ المغصوب؛ حسبةً؛ ليردَّه إلى مالكه؟ إن قلْنا: نعم، فلا قطْع عليه، كما لا قطْع على المالك، وإن قلْنا: لا، فيقطع، والذي أورده صاحب "التهذيب" أنه يُقْطع [إذا] أخذَ على قصْد السرقة، وقال: لا فرْق بين أن يكون عالماً بأنه مغصوب أو لاَ يَكُون، وإذا حَكْمنا بوجوب القَطْع بسرقة المغصوب والمسروق، فالخَصْم فيهما المالكُ، وعن أبي حنيفة: أن الخُصْمَ في السرقة المالكُ، وفي الغَصْب الغاصبُ.
وقوله في الكتاب "وإن جوَّزنا للأجنبيِّ انتزاعَ المغْصُوبِ للحسبة، جرى فيها الوجهان أيضاً" يقتضي تخصيصَ الوجهين بما إذا جوَّزنا له الانتزاع، والجَزْم [بالمَنْع] 1 إذا لم نجوِّزه، وذلك لا ينْطبق على ما حَكْيناه عن الإِمام، وعن "الوسيط" والوجْه بناءُ الخلافِ على الخلاف فيما لا يُشْعِر به لفظ الكتاب.
فرع: إذا سرق الطعامَ في عام القْحط والمَجَاعة، نُظِر؛ إن كان يوجد، لكنَّه عزيزٌ 2، والثمن غال، وجب القطْع، وإن كان لا يوجَدُ، ولا يَقْدِر عليه، فلا قطع؛ لأنه كالمضْطَرِّ؛ وعلى هذه الحالة، يُحْمَل ما يُرْوَى عن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنّه لا قَطْعَ فِي عَام المَجَاعَةِ 3.
قال الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي: نَفْسُ السَّرِقَةِ وَهِيَ الإِخْرَاجُ) وَالنَّظَرُ فِي ثَلاَثةِ أَطْرَافٍ: (الأَوَّلُ) فِي إِبْطَالِ الحِرْزِ وَهُوَ بِالنَّقْبِ وَفَتْحِ البَابِ، وَإِنْ نَقَبَ وَعَادَ لِلإخْرَاجِ لَيْلَة أُخْرَى
فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لا يُقْطَعُ إلاَّ إِذَا اطَلَّعَ المَالِكُ وَأَهْمَلَ، وَلَوْ أَخْرَجَ غَيْرَهُ فَلاَ قَطْعَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ تَعَاوَنَا حَتَّى يَشْتَرِكَا فِي النَّقْبِ وَالإِخْرَاجِ قُطِعَا، وَإِن أشْتَرَكَا فِي النَّقْبِ وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ بِالإِخْرَاجِ فَالقَطْعُ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَلَوْ أَخَذَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي النَّقْبِ سُدُساً وَالآخَرُ ثُلُثاً فَلاَ قَطْع إِلاَّ عَلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الاشْتِرَاكِ فِي النَّقْبِ التَّحامُلُ عَلَى آلة وَاحِدَةٍ بَل التَّعَاقُبُ فِي الضَّرْب شَرِكَةٌ بِخِلاَفِ قَطْعِ اليَدِ فِي القِصَاصِ، وَلَوْ دَخَلَ أحَدُهُمَا وَأَخْرَجَ المَالَ إِلَى بَابِ الحِرْزِ فَأدْخَلَ الآخَرُ يَدُهُ وَأَخَذَهُ فَعَلَيْهِ القَطْعُ لاَ عَلَى الأَوَّلِ، وَإِنْ وَضَعَ الأَوَّل خَارجَ الحِرْزِ فَعَلَيْهِ لاَ عَلَى الآخِذِ، وَإِنْ وَضَعَ عَلَى وَسَطِ النَّقْبِ وَأَخَذَ الآخَرُ فَقَوْلانِ: (أَحَدُهُمَا): أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا (وَالثَّانِي) أَنَّهُ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حصَل الفراغُ من الرُّكْنِ الأَوَّل، وهو المسروق وتبيَّنَ ما يُعتَبَرَ فيه؛ لوجوب القطع، وهذا الركْن الثاني كلامٌ في نفس السرقة، وقد مرَّ في صدْر الباب؛ أن السرقةَ أخذُ المالِ على وجْه الخُفية، فمن أخذ عياناً، كالمختَلِس والمنتهب، لم يلزمه القطْع، والمخْتَلِسُ الذي يعتمدُ الهَرَب، والمنتهب الذي يعتمد القوَّة والغلَبة، وكذلك لا قطْع على المودَعِ إذا جَحَد، وعن أحمد: أن عليهم القطْع.
لنا: ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال 1: "لَيْسَ عَلَى المُخْتَلِسِ وَالمُنتَهِبِ وَلاَ عَلَى الخَائِنِ قَطْعٌ، وفُرِقَ بينهم وبيْن السارق من جهة المَعْنَى بأن السارق يأخُذُ المالَ في خُفْية، فلا يتأتَّى منْعه، فُشرع القطْع زجراً، وهؤلاء يقْصِدون المال عياناً، فيمكن دفْعُهم بالسلطان
وغيره، وقوله "وهي الإخراج" لا يمكن [حمله] على الإخراج من البيت أو الدارِ؛ لما ذكرنا أنه، لو كان في مسْجِدٍ أو شارع 1، وعنده متاعٌ يلاحظُه، فتغفَّله إنسانٌ، وأخذ متاعه، يكون سارقاً، ويلزمه القطْع، وإن لم يُخرج من بيت ودار، ولكن أراد إخراجه عن أن يكون محرَّزاً بنقله عن موْضِع إحرازه، ولفظه في "الوسيط": وهي عبارةُ عن إبطال الحِرْز، ونقْل المال، يعني أن الأخذ في السرقة هكذا يكون، ثم إنه أودَعَ الغرَضَ في ثلاثة أطْرافٍ؛ إبطال الحرز، وكيفيَّة النقْل، والمحلّ المنقول إلَيْه.
أما الأوَّلُ؛ فإبطال الحرْزِ؛ وقد يكون بالنَّقْب وفتح الباب، وقد يكون بتغييبه عن نَظَر الملاحِظ، وفيه صورٌ:
إحداها: إذا نقب، ثم عاد، وأخرج النصاب في ليلة أخرَى، حكى القاضي ابن كج عن النَّصِّ؛ أنه، إن علم صاحبُ الحرْز بالنَّقْب، أو كان ظاهراً يراه الطارقون، وبقي كذلك، فلا قَطْع؛ لانهتاك الحرز، وإلا، فعن ابن سُرَيْج وغيره: أنه يُقْطَع، كما لو نقَب في أوَّل الليل، وأخْرَج المال من آخر، وعن غَيْره، أنه يُحْتمل أَلَّا يُقْطَع، لأَنَّه عاد بعْد انتهاك الحِرْز؛ فصار كما لو جاء غيره، وأخذ المال، فحَصَل وجهان، ولْيُصْرَف إليهما قولُه في الكتاب، و [في] "الوسيط": فالظاهر أنه يُقْطَع والخلافُ شبيه بالخلافِ فيما إذا أخرج [نصاباً] 2 على دفعات.
ولو نقب واحدٌ ودخل [آخر] 3 الحرْزَ، وأخرج المال، إما على الاتصال أو بعْده، فلا قَطْع على واحدٍ منهما؛ أما الأول؛ فلأنه لم يأخذ شيئاً.
وأما الثاني؛ فلأنه أخَذَ من حْرزٍ مهتوكٍ، ويجب على الأول ضمانُ الجدار 4، وعلى الثاني ضمانُ ما أخذ، ومِنَ الأصحاب مَنْ قال في وجوب القَطْع على الثاني الخلافُ الذي سَنْذكر فيما إذا نَقَب اثنان، وأخَذَ أحدهما المسروقَ، ووضعه على النقْب [فأخذه] الآخر، ووجْهُ الوجوب أَلاَّ يتخذ ذلك ذريعةً إلى إسقاط الحدِّ، والظاهر الأوَّل، وهو المذكور في الكتاب.
نعَمْ، لو كان في الدارِ حافظٌ قريبٌ من النقب، وهو يلاحِظُ المتاع، فالمال محرَّز به، فيجب الضمان على الآخر، وإن كان نائماً، فلا يكون المال محفوظاً به في أصحِّ الوجهين، كما ذكرنا فيمن نام في الدار، وبابُهُ مفتوحٌ، وليعلَمْ قوله "فلا قطْع عليهما" مع الواو بالحاء؛ لأن في النهاية أن أبا حنيفة يوجِبُ القطْع على الناقِبِ بعلة أنَّه رِدْءٌ وعون للسارق.
الثانية: إن تعاون شريكانِ علَى النقاب، وأخرَجا [نصابَيْن] 1، إما بأن أخرج كلُّ واحدٍ نصاباً، أو حملا متاعاً يساوي نصابَيْن، [فعليهما] 2 القطْع، وإن تعاونا على النقب، وانفرد أحدُهما بالإخراج، فالقطع على المُخْرج خاصَّةً، والآخر ليس بسارقٍ، قال الإِمام: ورأيْتُ في بعض التعاليق حكايةَ وجهَيْن في وجوب القطْع على المُخْرِج، وهو ضعيفٌ، وفي "جمع الجوامع" للقاضي الرويانيِّ: أنه، لو نقَب واحدٌ، ودخل مع آخر، وأخرجا المال معاً، فالقَطْع على من جمع بين النقْب والإخراج دون الآخر، وأن عند أبي حنيفة: إذا اشترك جماعةٌ في النقْب، وحمل أحدهم المالَ، فإن خَرَجُوا قبله أو بعده، ولم يصحبوه، لم يُقْطَعوا، وإن صحِبُوه، قُطِعوا؛ بناءً على أن رِدْءَ قاطعِ الطريق كالقاطِعِ.
ولو اشتركا في النقْب، ولم يُخرجا إلا نصاباً واحداً، فقد مرَّ أنه لا قطع على واحدٍ منهما، وإن أخرج أحدهما بعْد الاشتراك في النقْب ثلثاً وآخر سدساً، فالقطع على صاحب الثلثِ خاصَّة، وقد مر هذا من قبل وبيَّنَّا أن عن أبي حنيفة ما يقْتَضِي إعلامَ قوله "فلا قطع إلا عَلَى صاحب الثلث" بالحاء، وفيم يحْصُل به الاشتراك في النقب؟ فيه وجهان:
أحَدُهما: أنه لا يحْصُل حتى يأخذَا آلَةً واحدَةً، ويستعملاها معاً، كما لا [تَحْصُل الشركةُ] في قطع اليد إلا بأن يأخذَا حديدةً، ويتفقا على إمرارها.
وأظهرهما، وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يُشْترط ذلك، بل تثبت الشركة، وإن أخذ هذا لَبنَاتٍ، وهذا لَبنَاتٍ؛ لأنه قد حصل التعاونُ على النقْب، والنقبُ ذريعة إلى المقصود؛ وليس هو سرقةٌ في نفْسه، فلا يُتَأَنَّق في تصويرها كما يُتَأَنَّق في تصويرِ القطع.
الثالثة: الشريكان في النقْب، إذا دخل أحدُهما، ووضَع المتاعَ قريباً من النقْب أو دَخَلَ أحدُ السارقَيْنِ، ووضعه قريباً من باب الحِرْز وأدخل الآخر يده، وأخذه فالقَطْع على الثاني الذي أخرجه من الحرْز، لا على الأوَّل، وكذا لو وقَفَ أحدُهما على طَرَف السطْح، ونزل الآخر، وجمع الثيابَ وربَطَهَا بحبْل، فرَفَعَها الواقفُ، فالقَطْع عليه، لا على الأول، وعليهما الضمان، ولو وضع الداخلُ المتاعَ خارجَ الحرْز أو الباب، وأخذه الآخَرُ، فالقطع على الذي أخرج دون الآخرِ، أو فأخذه المناقب فلا قطع على واحد منهما، ويجوز أن يُعْلَم لفظ "القَوْلَيْن" في الكتاب بالواو؛ لما ذكر الإِمام أن الصيدلانيِّ قطَع بنفيْ القطْع عنهما، والمشهورُ إثباتُ القولَيْن، وعن القاضي أبي حامِد: أنهما منصوصانِ في القديم، وذكر القاضي الرويانيُّ: أنه لو ناول الداخلُ الخارجَ في فمِ النقْب، لم يُقْطَع
واحدٌ منهما؛ لأن الداخلَ لم يُخْرِج من تمام الحرْز، والخارجُ لم يتناولْه من الداخل، ذكر ذلك بعْد حكاية القولَيْن في التصوير السَّابِق، ويُشْبِه أن يكونَ هَذَا جواباً على الأصَحِّ، وإلاَّ، فلا يتضحُ فرْقٌ بين أن يضَعَه فيأخُذَه الخارج، وبيْن أن يناوِلَه من يده.
ولو نَقَبَ اثنانِ ودَخَلاَ وأخَذَ أحدُهما المالَ وشدَّه على وسط الآخر فخَرَجَ به الآخَرُ فالقَطْع عليه، ولا قَطْع على الأوَّل، ولو أن الآخَر حَمل آخِذَ المال، فأخْرَجَه، والمتاعُ في يده، وجب القطْع على المَحْمُول، وفي الحامل وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأن حمْل مَنْ حَمَّل المال حَمْلٌ للمال.
والثاني: لاَ، وهو الذي أورده الرويانيُّ؛ لأنه لم يحمِلْه بنَفْسِه، ومن حَلَف ألاَّ يحمل طبقاً فحمل رجلاً حاملاً طبقاً لا يحنَثُ في يمينه؛ وَعَلَى هَذَا لو نَقَبَ زَمِنٌ وأعْمَى، وأدْخلَ الأعْمَى الزَّمِنَ، فأخذ الزمِنُ المتاعَ، وخَرَج به للأعْمَى، [وحمله الأعمى وأخرجه] يجب القطْع على الزَّمِن، وفي الأعْمَى الوجهان.
وفي "البيان" أن الأعْمَى، إذا حمل الزَمِنَ، وأدخله الحرْزَ، فدلَّ الزمِنُ الأعمَى على المال، وأخذه، وخَرَج به، فيجب القطْع عليهما أو لا يجبُ إلا علَى الأعْمَى؟ وفيه وجهان: أصحُّهما الثاني.
وقوله في الكتاب "فعَلَيْه لا عَلَى الآخِذِ" يجوز أن يُعْلَم بالحاء؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة: أنه لا قطْع على واحد منهما؛ لأنَّه خرج، ولا شيْء معه.
فرْعٌ: لا فرق في هتْك الحِرْز بين النَّقْب، وكسْرِ البَابِ، وقلْعِه، وفتح المغْلاَق والقُفْلِ، وتسوُّرِ الحائطِ، بل يجب القطْع بأخْذِ المال في جميع هذه الأحْوَال.
قال الْغَزَالِيُّ: (اَلطَّرَفُ الثَّاني في وُجُوهِ النَّقْلِ) فَلَوْ رَمَى المَالَ إِلَى خَارجِ الحِرْزِ قُطِعَ أَخَذَهُ أَوْ تَرَكهُ، وَلَوْ اسْتَخرَجَ مِنَ الحِرْزِ بِمِحْجَنِ قُطِعَ، وَلَوْ أَكَلَ فِي الحِرْزِ لَمْ يُقْطَعْ، وَلَوِ ابْتَلَعَ دُرَّةً فِي الحِرْزِ فَثَلاثَةُ أَوْجُهِ يُفْرَقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهَا بَعْدَ الانْفِصَالِ عَنْهُ وَبَيْنَ أَلاَّ يُقْصِدَ ذَلِكَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فِيهِ صورتَانِ:
إحداهما: إذَا رَمَى المَالَ إلى خارج الحْرز من النقْب أو الباب أو مِنْ فوق الجدارِ، لزمه القطْع، ولا فرْق على ظاهر المَذْهَب بيْن أن يأخُذْه بَعْدما رماه، وبين أن يتركه حتَّى يضيع أو يأْخذه غير، وفيه وجْهٌ أنَّه، إذا لَمْ يأْخُذْه، فلا قطْع عليه؛ لأن الموجود حينئذٍ إتلافٌ لا سرقةٌ؛ وعلى هذا، فلو أخذه مُعينُه، فهل يكفي ذلك؛ لوجُوب القطْع عليه؟ أبدى الإِمام تردُّداً فيه، وحكَى عن أبي حنيفة: أنه لا يجبُ القطْع
على الرامِي إذا لم يأخُذ ما رماه، ولا مُعِينُه، فيجوز أن يعلم لذلك قوله: "أو تركه" بالحاء مع الواو.
ولو أدخل يده في النَّقْب أو أدخل فيه محْجناً، وأخرج المتاع، قُطِع، وعند أبي حنيفة: لا يجب القطْع، إلا أن يكون ضيِّقاً لا يمكن الدُّخُول فيه، وسلَّم أنه لو أدخل اليدَ في الجوالِقِ فَسَرَقَ منه، يُقْطَع، ولو أرسل محْجَناً أو حَبْلاً في رأْسه كلاَّبٌ من السَّطْح، وأخرج به ثوباً أو آنيةً، قُطِع، وقد لا ينارعُ أبو حنيفة فيه، والمِحْجَن السَّوط المعقف الرأْس ونحوه.
الثانية: لو أتلف المالَ في الحِرْزِ بأكْلٍ أو إحراقٍ، لم يلزمْه القطْع، وقد سبق لهذا ذكْرٌ، ولو ابتلع في الحِرْز جوهرةً أو دينَاراً، فعن الشيخ أبي حامدٍ وابن الصَّبَّاغ وغيرهما: أنه إن لَمْ يَخْرُج منه، فلا قطْع؛ لأنه استهلكها في الحرْز، فأشبه ما إذا أكَل الطَّعَام، وإن خرجَتْ منه، فوجهانِ:
أحدهما: يجب القطع؛ لأنَّها باقيةٌ بحالها غيْر فاسدةٍ، فأشبه ما إذا أخرجها في فيه، أو في وعاءٍ.
والثاني: لا يجب؛ لأنه بالابتلاع صار في حُكْم المستهلك؛ ألا ترى أن للمالك أن يُطَالِب بالقيمة في الحال؟ وأيضاً، فإنه كالمُكْرَهِ في إخراجه؛ لأنه يلزمه الخروج، ولا يمكنه إخراجُه من جَوْفه، وهذا أصحُّ فيما ذكر المحامليُّ، ولو وضع المتاع على وسط النقْب، [فأخذه] الآخر، وأخرجه، وهو يساوي نصابَيْن، ففيه قولان:
أحدهما، ويُنْسب إلى رواية الحارث 1 بن سُرَيْج البقال: أنه يجب القطْع عليهما؛ لأنهما اشتركا في النقب، وتعاونا على الإخراج؛ فأشبه ما إذا أخرجا معاً، وأيضاً، فلئلا 2 يُجْعَل ذلك ذريعةً إلى إسقاط القطع.
وأصحُّهما، وهو رواية الربيع والمزنيِّ: أنه لا قطْع على واحدٍ منهما؛ لأنهما تفرَّقا في الإخراج، ولم يوجَدْ في واحدٍ منهما الإخراجُ من تمام الحرْز، فصار كما لو نقب أحدُهما، ودخَل، ووضعَ المتاع على وَسْط النقب، [فأخذه] الآخر، أو دَخَلَ غير المناقب، ووضَعَه عليه، قال الماوردي: وذكر أبو العَيَّاض وجْهاً: أنَّها إن خرَجَتْ بدواءٍ وعلاجٍ، لم يُقْطع، وإن خرجَتْ عفواً بغَيْر دواءٍ وعلاجٍ، قطِع، فيصير وجْهاً رابعاً، وطائفةً والأول أصحُّ عند الإِمام والرويانيِّ.
وأطلق مطلقون الوجهَيْن، ولم يقيدوا بما إذا خرجَتْ فنَزَّل بعضهم المطلَقَ على
المقيَّد، ورأى الإِمام إثباتَ وجْه فارق بيْن أن تَخْرُج منه بعْد خروجه من الحرْز، فيُجْعل سارقاً، وبين أَلاَّ يَخْرُج، فبيّن أنها فسدت، وانمحقت، فلا يجعل سارقاً، وأورد صاحب الكتاب الوجه الفارِقَ على منوال آخر ههنا، وفي "الوسيط" فقال: إن أخَذَها بعْد الانفصال عنه، كان سارقاً، وإلا، فلا، ولم أره لغيره، ولو أخذ الطيِّب، فتطيَّب به في الحِرْز، ثم خرج، فإن لم يمكن أن يجمع منه ما يبلغ نصاباً، فلا قطْع، وإن أمكن فوجهان؛ عن رواية الماسرجسي؛ أشبههما أن الجواب كذلك؛ لأن استعماله يُعدُّ استهلاكاً له؛ كأكْل الطعام.
والثاني: يجب القطع؛ لبقاء عينه، وإمكان الانتفاع.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ وَضَعَ المَتَاعَ عَلَى المَاءِ حَتَّى جَرَى بِهِ إِلَى خَارجِ الحِرْزِ قُطِعَ، وَكَذَلِكَ لَوْ فَتَحَ أَسْفَلَ الكَنْدُوجِ حَتَّى انْصَبَّ، وَلَوْ وَضَعَ عَلَى ظَهْرِ دَابَّةٍ فَخَرَجَتْ قيل: لاَ يُقْطَعُ لاِخْتِيَارِ الدَّابَّةِ، وَقِيل: إنْ سَارَتْ عَلَى الفَوْرِ قُطِعَ وَإلاَّ فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ بِالعَكْسِ وَهُوَ تَرَدُّدٌ فِي أَنَّ التَسَبُّبَ هَلْ يَكْفِي لِلْقَطْعِ؟ وَلَوْ أَخْرَجَ شَاةٌ فَتَبِعَتْها سَخْلَتُهَا أَوْ غَيْرُهَا خُرِّجَ عَلَى الخِلاَفِ لاِخْتِيَارِ الدَّابَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صُورٌ:
إحداها: لو كان في الحرْز ماءٌ جارٍ، فوَضَعَ المتاع عليه، حتى خرَجَ، وجَب القطع؛ فإنه المُخرج، كما لو جَذَبه بمِحْجَن، وفي "البيان" أن الشيخ أبا حامد حَكَى وجهاً ضعيفاً، أنه لا يجب، ولايْتُه في [تعليقة] إبراهيم المروروزي أيضاً، وقال الإِمام: تخريجه من الوجْه الذي سنذكر، إن شاء الله تعالى، في صورة الكندوج: وإن كان الماء راكداً، فحركه حتى خرج به، فهو كالجاري، وإن حَرَّكَهُ غيره، حتى خرَجَ، فالقطْع عليه، وإن زاد الماء بانفجار أو مجيءْ سيل، فخرجَ به، فوجهان:
أظهرهما: أنه لا يجبُ القطْع، وإذا كان في البستان أُتْرُجٌّ، والماء يدخُل من أحد طرفيْه، ويخْرُج من الآخر فجمع النارَ والوقودَ في طَرَفٍ ووضعه على الماء، حتى دخَل، وعلا الدُّخَان، فأسقط الأتْرُجَّ في الماء، وخرج من الطَّرَف الآخر، فأخذه، أو رَمَى بالأحجار [من خارج البستان] إلى الأشجار، حتى تناثرت الثِّمار في الماء، وخرَجَت من الجانب الآخر، ذكر إبراهيم المروروزي أنَّ القاضي الحُسَيْن قال في كَرَّة: لا يجب القطْع، وهو المذْهب، وقال في كَرَّة: يجب، كما لو أخذ الثوْب منْ خارج الحِرْز بمحجن، ولو كانت الريحُ تهبُّ، فعرض المتاع لها، حتى خرجت به أو وَضَعَه على طَرَف النقْب، [فطارت] به الريحُ، وجب القطع، ولا أثر لمعاونة الريح، كما أنها لا تمنع وجوبَ القصاص وحلَّ الصيد، والحالة هذه، ولو كانت الريحُ راكدةً، فوضعه
على طَرَف النقْب، فهبت، وأخرجته فوجهان، كما في صورة زيادة الماء، [والظاهر] أنه لا يجب.
الثانية: ذكرنا فيما سبَق في انثيال الحنْطة عنْد فتح أسْفل الكندوج وجهاً: أنه يتعلَّق به القطْع، ولا يُنَزَّل منزلة الإخْراج باليَدِ، وقد يُسلِّم من قال به وجوبَ القَطْع فيما إذا وَضَع المتاع على الماء، [فخرج] به، ويُفرِّق بأنَّ هناك وجد منه فعْلٌ في المال، وهو الوضْع على الماء، وههنا، لم يوجَدْ منه إلا النقْب، وبيَّنا هناك أن الصحيح نزولُه منزلةَ الإخْراج باليد، وعلى هذا، فهل يُشْترط أن يخرج قدْر النصاب دفعةً واحدةً أو يجب القطْع؟ وإن خرج بالتدريج؟ فيه وجهان قد سبَقَا.
الثالثة: إذا وضع المتاع في الحِرْز على ظَهْر دابَّة، وسيَّرها بسوق أو قَوَدٍ، حتى خَرَجَتْ أو عقَدَ اللؤلؤةَ على جناح طائر، وطيَّره، فقد أخرح المال عن الحرز بما فَعَل، فعليه القَطْع، وفي "البيان" عن رواية الشيخ أبي حامِدٍ حكايةُ وجه ضعيف.
ولو كانت الدابَّة في السير، فوضع المتاعَ عليها فخرجَتْ به، فهو كما لو سيرها، ولو لم تكنْ سائرة ولا سيرها، بل كانت واقفة، فوضع عليها المتاع، فسارت [به]، وخرجت به ففيه طرق:
أظهرهما: أن في وجوب القطْع 1 وجهين:
أحدهما: أنه يجب؛ لأن الخروج حَصَل بفعْله، فإن الدابة، إذا أثقلت بالحَمْل سارت.
[و] 2 أصحهما: المنع؛ لأن للدابَّة اختيارًا في الذهاب والوقوفِ، وقد لا تسير بعْد التحريك، فيصير اختيارُها شبهةً دارئَة للقطْع.
والثاني، ويحكى عن القاضي أبي الطَّيِّب: القطع بالوجه الثاني.
والثالث: أنها، إن سارت على الفَوْر قُطِع؛ لإشعار الحال بأنها سارَتْ بفعله، وإن وقفت زَماناً، ثم سارت، ففيه وجهان.
والرابع، وهو اختيار الشيخ أبي علي وغيره: أنها، إن وقفت، ثم سارَتْ فلا قطْع، وإن سارت في الحال، فوجهان؛ لشبهة اختيار الحيوان، ولو أخرج شاةً، فتبعتها أخرَى أو سَخْلَتُها، ولم تكن الأولَى وحْدها نصاباً، ففيه هذا الخلاف، وعن الشيخ أبي علي: القطْع بالوجوب ههنا؛ لأن [طبعها] 3 الاتباعُ، والظاهر الأول، وبالمنع [أجاب] 4 في "التهذيب" وفي دخول السخْلَة في ضمانه وجهان، وأشار الإِمام إلى
ترتيب ما نَحْن فيه على الخلافِ المذكورِ في وجوب الضمان، إذا فتح القفص عن طائر، والقطْعُ أوْلَى بالمنع، قال: ولو فَصَلَ فاصلٌ بين الحيوان المطمئن في الناس وبيْن الذي يَغْلب عليه النِّفَار 1، لكان وجهاً، وقوله في الكتاب "وهو تردُّد في أن التَّسَبُّبَ، هَلْ يكفي للقَطْع؟ أراد به أن الخلاف في الصُّوَر المذكورة قد يستند إلى مباشرةِ الإخراجِ، ولم يوجَدْ في هذه الصور، لكنه تسبَّب إلى الخروج بواسطة الغَيْر؛ فعلى رأْي يُكْتَفَى به كما يُكْتَفَى به لوجوب الغرم؛ وعلى رأْي، يحتاط للقطْع، فلا يناط إلا بالمباشرة، ولو نقب الحرز، ثم أمر صبيّاً لا يميز بإخراج المال، فأخرجه، فعن بعْضهم: أنه، كما لو وضع المتاع على البهيمة، فخرجت به منْ غير تسير، وعن أكثرهم: أنه يجبُ عليه القطْع، وأَمْرُه كتسيير البهيمة، وإن كان مميِّزاً، [وله] اختيار صحيحٌ ورؤية؛ فلا يجعل آلةً للآمر، [فلا قطع] والعبْدُ الأعجميُّ كالصبيِّ الذي لا يميِّز.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَمَلَ عَبْداً صَغِيراً مِنْ حَرِيمِ دَارِ سَيِّدِهِ قُطِعَ لِأَنَّهُ حَرَّزَهُ إِلاَّ أَنْ يَبْعُدَ عَنْهُ فَلَوْ دَعَاهُ وخَدَعَهُ فَهُوَ مُمَيِّزٌ فَلاَ قَطْعَ، وَإِلاَّ فَهُوَ كَالبَهِيمَةِ، وَلَوْ أُكُرِهَ المُمَيِّزُ بِالسَّيْفِ عَلَى الخُرُوجِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ حَمَلَ عَبْداً قَوِيّاً فَلَمْ يَمْتَنِعْ فَلاَ قَطْعَ إِذْ حَرَّزَهُ قُوَّتُهُ وَهُوَ مَعَهُ، وَكَذَا إِنْ كَانَ نَائِماً، وَلَوْ حَمَلَ حُرّاً وَمَعَهُ ثِيَابُهُ فَفِي دُخُولِ الثِّيَابِ تَحْتَ يَدِهِ نَظَرٌ، فَإِنْ كَانَ قَوِياً لَمْ تَدْخُلْ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفاً تَدْخُلُ وَهَلْ يَكُونُ سَارِقاً؟ وَجْهَانِ، وَلَوْ نَامَ عَلَى البَعِيرِ وَعَلَيْهِ أَمْتِعَةٌ وَأَخَذَ السَّارِقُ زِمَامَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنَ القَافِلَةِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ يُفَرَقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ القَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، وَفِي الرَّابعِ بَيْنَ الحُرِّ وَالعَبْدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وفيه مسألتان:
أحدهما: العبْد الصغيرُ الذي لا يميِّز، يجب القطْع بسرقته، إذا كان محرَّزاً، وإنما يكون محرَّزاً، إذا كان في دارِ السيدِ أو بفناءِ داره، وسواءٌ كان وحْده أو كان يلْعَب مع الصبيان؛ لأنه لا يُعدُّ مضيِّعاً، إذا كان عَلَى باب الدار، [فإن] بَعُد عنه، ودخل سكة أخرَى، فهو مضيِّع، ولا فرق بين أن يحمله نائماً أو مستيقظاً مربوطاً، وبين أن يدْعُوهَ فيتبعه؛ لأنه لا تمييز 2 له، فهو كالبهيمة تساقُ أو تقاد، ويجيء فيه الخلافُ الذي ذَكْرناه في تسيير 3 البهيمة والمجنونُ والأعْجمي الذي لا تمييزَ لَهُ، كالصَّغير الذي لا يميز [له]، وإن كان الصغيرُ مميِّزاً، فسرقه نائماً أو سكران أو مربوطاً فعلى ما ذكرنا في غَيْرِ المميِّز، ولو دَعَاه وخَدَعَه، فتبعه باختياره، فَلَيْس ذلك بسرقة، وإنَّما هو خيانةٌ، ولو
أكرهه بالسيف حتى خرج من الحِرْز، فقد حكَى الإمامُ وصاحبُ الكتاب فيه وجهَيْن:
أحدهما: لا يجب القطْع؛ لأنَّه فارق الحِرْزِ بِفِعْله.
والثاني: يجب 1 كما لو ساق البهيمة بالضرب والتعنيف، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" ولو حمل عبداً قويّاً قادراً على الامتناع، فلم يمتنع، فلا قطْع؛ لأن حرْزته قوته، وهي معه، [ولو] حمله، وهو نائمٌ أو سكرانُ، قال الإِمام: الوجه عنْدنا القطْع بثبوت يده عليه، وإن كانت عرضة للزوالِ، حتى إذا فرض تلفَ قبل التيَقُّظ يلْزَمه الضمانُ؛ لأن المنقول لا يتوقَّف ثبوت اليد عليه على الاستيلاء والتمكن من المقاومة عنْد طَلب الاسترداد، قال: وفي تحقيق السرقة نَظَرٌ؛ لأن مثل هذا العبد محرَّز بيده وقوته، واحتمال الضعْف إياه لا ينهيه من صون إلى ضياع، هكذا ذكَره على الترديد، وتابعه صاحب الكتاب في "الوسيط" وههنا أطلق القولَ بنفي 2 القطْع، ثم أنشأ 3 الإِمام من هذا المنتهَى شيئاً آخر، فقال: من جلس 4 وحده، حيث لا مستغاث 5 يجار إليه، وهو يلاحظ متاعه، فتغفّله ضعيفٌ، [وأخذ] 6 المال، ولو شعر به صاحبُ [المال] 7، لطَرَده، فهل نقول: لا قَطْع عليه، كما لو أخذه قويٌّ لا يبالي بصاحب المال، أو نقول: يختلف 8 الحكم بحَسَب اختلاف الآخِذِينَ؟ الرأي الظاهر عندنا الاختلافُ، ولا يبعد اختلاف الحُكْم باختلاف حالِ الآخذين، كما يختلف أصلُ الإحراز 9 باختلاف أصناف الأموال؛ وعلى هذا، فقوله في الكتاب فيما سبق والملحوظ يُعيِّين الضعيف في الصحراء ليس [بمحرّز]، إذا كان لا يبالَى به محمولٌ على ما إذا كان الآخِذُ قَوِيّاً.
المسألة الثانية: الحرُّ لا يضمن باليد، فلا قطْع بسرقته، وإن كان صغيراً؛ لأنه ليس بمال، وعن مالك: أنه يجب القطْع بسرقته، وإن كان في عنقه قلادة أو معه مالٌ يبلغ نصاباً من ثيابه أو غيرها؟ فوجهان:
أحدهما: أنه يجبُ القطْع، وبه قال ابن أبي هريرة؛ لأنه سرق نصاباً.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه في يدٍ الصبيِّ ومحرَّز به 1، فلم يُخْرِجْه من حرزه، وهذا يوافق مذْهَب أبي حنيفة، هكذا أطلق الوجهين أكثرُهُم، وصوَّر الإِمام فيما إذا كان الصبيُّ نائماً أو مربوطاً عنْد الحمْل، وقال: يجري الوجهان في أن مَنْ حَملَه على غير صورة السرقة، هل تدْخل الثياب التي عليه في ضمانه، ولو حمل حرّاً مستقلاً، [وأخرجه] من الحِرْز، وعليه ثيابُه أو معه مالٌ آخر، قال الإِمام: تُقدَّم عليه مسأَلة، وهي أنه لو نام إنسانٌ على البعير، وعليه أمتعة، فجاء سارقٌ، وأخذ بزمامه وأخْرَجَه عن القافلة، وجعله في مضْيَعَة، ومجموع ما [ذُكِرَ] 2 فيه أربعة أوجَه:
أحدها: أنه يجب عليه القطْع؛ لأنه أخرج نصاباً من الحِرْز والمأمَن 3 إلى المضيعة.
والثاني: لا يجبُ؛ لأن البعير وما عليه محرَّز بالراكب، ولم يُخْرِجْه من يد الراكب.
والثالث: يُفْرَق بين أن يكون الراكبُ قويّاً لا يقاومه السارقُ، ولو انتبه، فلا يجب القطْع وبين أن يكون ضعيفاً لا يبالي به السارق، فعليه القطْع، ولا اعتبار بيد الضعيف.
والرابع، وهو الصحيح، ولم يورد كثيرون سواه: أنه يُفْرَق بين أن يكون الراكبُ حرّاً؛ فلا يجب القطْع؛ لأن المتاع والبعير في يده، وبين أن يكون عبداً، فيجب؛ لأن العبد في نفسه مسْروقٌ يتعلَّق به القطْع، ثم بني الإمامُ على الخلاف في المسألة خلافاً حكاه في أن المستقلَّ، إذا حمله حاملٌ هل يَدْخُل ما عليه من الثياب تحْت يد الحامل؟ قال: والقول بدخولها تحْت يده بَعِيْد، وهو في الحر القوي أبْعَدُ منه في الحرِّ الضعيف، ثم رتَّب فقال: حيث لا تثبت يد الحاملِ على الثياب، فلا سرقة [و] 4 إن أثبتنا اليد، والمحمولُ ضعيفٌ، فقد تثبت السرقة، وإن أثبتناها، والمحمولُ قويٌّ، ففي السرقة
وجهان، وإلَى بعض هذه الجُمَل يشير قولُه في الكتاب "ففي دخولِ الثيابِ تحْت يده نَظَرٌ 1 " إلى آخره، ويجوز أن يُعلَم قوله "لم يدخل" وقوله "تدخل" كلاهما بالواو؛ لما حكيناه عن كلام الإِمام، والظاهر أنَّه لا تثبت السرقةُ وأن ما مع الحُرِّ لا يدخل في يد الحامل؛ لأن يد المحمول ثابتةٌ على ما معه، ولذلك نقولٌ: ما يُوجَدُ مع اللقيط يُحْكم بكونه في يده.
ولو سرق حَلْياً من عُنُقِ صَبيٍّ أو سرق ثيابه، وجب القَطْع، وإنما يكون ما معه محرَّزاً، إذا كان العبد الصغيرُ في نفْسه محرَّزاً، وقد بيَّنَّاه، ولو سرق قلادةً من عنق كَلْبٍ أو سرَقَها مع الكلب، وجب القطْع، وحِرْزُ الكلب لِحرْز [الدوابِّ] 2.
قال الغَزَالِيُّ: (الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي مَحَلِّ المَنْقُولِ إِلَيْهِ) وَلاَ يُقْطَعٌ بِالنَّقْلِ مِنْ زَاوِيَةِ الحِرْزِ إلَى زَاوِيَةٍ أُخْرَى، وَلَوْ نَقَلَ مِنَ البَيْتِ إلَى صَحْنِ الدَّارِ وَهُوَ أَيْضاً مُحَرَّزٌ فَثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ يُفْرَقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ العَرَصَةُ حِرْزاً لَهُ وَمَا لَيْسَ حِرْزاً لَهُ، وَلَوْ أَخْرَجَ مِنْ حُجْرَةِ الخَانِ إِلَى العَرَصَةِ فَهُوَ كَعَرَصَةِ الدَّارِ إِذَا كَانَ مُحَرَّزاً وَإِلاَّ فَكَالشَّارعِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّزاً، وَالسِّكَةُ المُنْسَدَّةُ الأَسْفَلِ كَالشَّارعِ لاَ كَعَرَصَةِ الخَانِ، وَعَرَصَةُ الخَانِ أَيْضاً حِرْزٌ لِبَعْضِ الأَمْتِعَةِ أَيْضاً لَكِنْ فِي حَقِّ السُكَّانِ لَيْسَ بِحِرْزٍ، وَلاَ قَطْعَ عَلَى الضَّيْفِ إِذَا سَرَقَ إِذْ لَيْسَ مُحَرَّزاً عَنْهُ، وَكَذَا الجَارُ إِذَا سَرَقَ مِنْ طَرَفِ حَانُوتِ الجَارِ حَيْثُ يُحَرَّزُ بِلِحَاظِ الْجِيرَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: نقْلُ المتاع من بعْضِ زوايا الحِرْز إلى بَعْضِ لا يوجب القَطْع، ولو نقل من البيتِ إلى صحْنِ الدار، ولم يَخْرُج من الدار، فيُنْظَر؛ إن كان باب البيت مغلَقاً، وبابُ الدار مفتوحاً، وجب القطْع؛ لأنه أخرجه من حِرْزِه، وجعَلَه في محلِّ الضياع، وإن كان باب البيت مفتوحاً وباب الدار مغلقاً، فلا قطْع، ووجِّه بأن إحراز المتاع، والصورةُ هذهِ، بباب الدار، وهو مغلَقٌ كما كان، فالنقل من البيت إلى العرصة، كهو من زاوية إلى زاوية، [وهذا] التوجيه على ما هو قضيةُ كلام الإِمام، إنما يستمر في المتاع الذي تَكُون عرصةُ الدار حرزاً له، فإن كان مما لا يُحرَّز بالعرصة، فإنما لا يجب القَطْع؛ لأنه ليس محرَّزاً في نفْسه، فإنَّ البيت المفتوح بابه كالعرصة، وإن كان البابان مغلَقَيْن معاً، ففي وجوب القطع وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنه أخرجه من حِرْزه.
وأظهرهما، ويروى عن نصه في رواية الربيع: المَنْع؛ لأنه لم يَخْرُج من تمام
الحِرْز؛ فأشبه ما إذا أخرج من الصندوق في البيت، ولم يخرج من البيت، قال الإِمام: والوجهان فيما إذا كان المتاعُ محرَّزاً بالعرصة، فإن لم يكُنْ كذلك، ففي القطع وجهان مرتبان على الوجهين في الحالة الأُولَى، والفرق أن الدار مَضْيَعَة بالإضافة إلى هذا المَتَاع، وإنما جرى الخلاف؛ لأن العرصَة، وإن لم تُحرِّز ذلك المتاع، فإغلاق الباب عليها مزيدُ استيثاق للمحرَّز الذي هو حِرْزٌ له، وبُخَرَّجُ من هذا الترتيب ثلاثةُ أوجهٍ عند الاختصار، كما ذكره في الكتاب.
ثالثُها: الفرْق بين ما إذا كان المتاع محرَّزاً بالعرصة، وبين ما إذا لم يكُنْ، ويُنْسَب هذا إلى ابن القطَّان، وإن كان باب البيت والدار معاً مفتوحَيْن، [فالمال] ضَائِعٌ، إذا لم يكن محرَّزاً باللِّحاظ، فلا يجب القطع بما جرى، وهذه الأحوال الأربعُ وهو أن يكون باب البيت مغلقاً دون باب الدار، وبالعكس، [وأن يكونا مغلقين] 1 وأن يكونا مفتوحَيْن، ظاهره التصويرُ، إذا لم يوجَدْ من السارق تصرُّف في باب الدار؛ بأن تسلَّق الجدار وتدلَّى في الدارِ، وأخرج المتاع من البَيْت إلى العرصة، أما إذا فتح بابَ الدارِ المغلَق، ثم أخرج المتاعَ من البيت إلى العرصة، فالحِرْز الذي يهتكه السارقُ في حكْم الحِرْز الدائم، ولذلك يجب القطْع على مَنْ نقَب، ثم دَخَل، وأخرج المال، ولا يُقال: إنه بالنقب خرج عن كَوْنه محرَّزاً، وإذا كان كذلك، فيكون الحُكْم، كما لو نقل إلى العرصة، وبابُ الدارِ مغلقٌ، وهذا ما رآه الإِمام أظْهَر، فإن أغلق البابَ بعْد ما فتحه، فهو أظهر، وجميعُ ما ذكرناه فيما إذا كانت الدارُ وما فيها من البيوتِ لواحد، فأما الدارُ الَّتي يَسْكُنها جماعةٌ، وينفرد كلُّ واحد منهم بحُجْرة أو بيتٍ فيها اكتراه 2 مثلاً، وفي معْناها الخانات والمدارِسُ والرباطات، فهي في حق مَنْ لا يَسْكن الخان، كالدار المختصة بالشخص الواحد، حتى إذا سَرَقَ من حُجَرِها أو مِن صَحْنِها وما يحرِّزه الصحْنُ، وأخْرَجَ من الخان 3، وَجَب القطع، وإن أخْرَج من البيوت، والحجر إلى صَحْن الخان، ففيه وجهان:
أحدهما: يجب القطْع بكلِّ حال؛ لأن صحْن الخان ليس حرزاً لصاحب البيت، بل هو مشترك بين السُّكَّان، فهو كالسِّكَّة المشتركة بين أهْلِها، وهذا ما أورده صاحب "المُهذَّب" وجماعة.
والثاني، وهو المذكورُ في الكتاب "والتهذيب" وغيرهما: أنه كالإخراج من بيوت الدَّار إلى صحْنِها، [فيفرق] الحالُ بين أن يكون بابُ الخان مفتوحاً أو مغلَقاً، وَيَقْرُب
من هذا ما حكى عن "المنْهاج" للشيخ أبي محمَّد: أنه إن كان بالليل، لم يُقْطَع؛ لأن الباب يكون مغلَقاً بالليل، وإن كان بالنهار، فيُقْطَع.
وأما إذا سرق واحدٌ من السُّكَّان، فإن سرق من العرصة، فلا قَطْع؛ لأنها مشتركةً بينهم، وما فيها غير محرَّز عنْهم، قال الإِمام: وهذا، إذا كان فتح الباب هيِّناً على من يَخْرُج منها، [بأن] كان موثَقاً بالسَّلاسل ونحوْها، فأما إذا كان موثقاً بالمغاليق، وله مفتاح بيَدِ حارس، وكان يحتاج مُخْرِج المتاعِ إلى معاناة ما يحتاج إليه من يحاول الدخول من خارج، فهذا فيه تردُّد، وإن أخْرَجَه من بعْض البيوت إلى الصَّحْن، وكان باب البيت مغلقاً، فعليه القطْع والصحْن في حقِّ السكَّان كالسكَّة المنْسدة بالإضافة إلى الدُّور، ولا فَرْق بين أن يكون الباب [مفتوحاً أو مغلقاً]، [كما إذا كان على السِّكَّة بابٌ لا فَرْق بين أن يكون مفتوحاً أو مغلقاً]، وذكر الإِمام احتمالاً أنه لا يجب القطْع بالإخْراج إلى السكَّة؛ لأنها مملوكة لأصحاب الدُّور، وهي مِنْ مرافقهم، فتشبه عَرَصَة الدار، وقد يُفْرَق على الظاهر؛ بأن الأمتعة قد تُوضَع في العرصة اعتماداً على ملاحظة سكَّان الحُجُر والبيوت بخلاف السِّكَّة، وقوله في الكتاب "ولو أخرج من حُجْرة الخان إلى العَرَصَة" فيه كلمات:
إحداها: أن المقصود ما إذا كان المُخْرِج من غير السكان، فإن كان منْهُم، فقد أطلقوا وجوب القَطْع بلا تفصيل ولا نَقْل خلاف.
والثانية: قوله "فهو كَعَرَصَة الدار" قد عرفَت الخلافَ فيه، وأن هذا جوابٌ على أحد الوجهين، [ثم] قد عرفْتَ من قبل أن عرصةَ الدارِ قد تكون حِرْزاً بأن كان الباب مغلَقاً، وقد لا تكون، فلو اقتصر على قوله "كالعرصة" ولم يذكر ما بعده، حَصَل غرض التفصيل، وإذا ذَكَر، فالمعنى كعرصة الدار التي هي حِرْز، إن كانت عرصة الخان حرْزاً.
والثالثة: قوله "إن لم يكن مُحَرَّزاً" إما أن يكون تقييداً للشارع أو يكون رَاجِعاً إلى صَحْن الخان، والأول غير متوجِّه؛ فإن الشارع ليس بحرْز أصلاً، وإن فرضت ملاحظة، فالإحراز بها، لا بالشارع، وإن قُدِّر رجوعه إلى صَحْن الخان، ففي قوله "وإلا فكالشارع" [غنية عنه]؛ لأن معناه، وإن لم يكن محرْزاً، وقوله "والعرصة أيضاً حِرْزٌ لبعض الأمتعة" يعني كما أن الحجرة 1، يجب القطْع على مَنْ سرق منها، [فأخرج] إلى العرْصة وإلى خارج الخان، فكذلك ما تحرِّزه العرصة، يجب القطْع بإخراجه، منْها، إذا كان السارقُ من غير سكَّان الخان، فإن كان منهم، فلا قَطْع لأن المال غير محرَّز عنه، ويناسِبُ هذه الصورةَ صُوَرٌ:
إحداها: إذا سرق الضيْفُ من مال المُضِيفِ، نُظِر؛ إن سَرقَ من موضع هُوَ غير محرَّز عنه، لم يُقْطَعْ؛ لما روي عن جابر أنه رَجلاً أنزل ضيفاً في مشربة له فوجد متاعاً له قد أخفاه 1، فأتى به أبا بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فقال: [خل] 2 عنه فَلَيْسَ بِسَارِقٍ، إنما هي أمانةٌ، قد أخفاَها؛ وأيضَاً، فإنه غير محرَّز عنه، فأشبه الخيانة في الوديعة، وإن سَرَقَ مِنْ بيْت محرَّز عنه، قُطِع، وعن أبي حنيفة: أنه لا يُقْطَع.
لنا أنه سرق نصاباً من الحِرْز فأشبه غير الضيف، وعلى هذه الحالة حُمِل ما رُويَ أن رجلاً مقْطُوع اليد والرِّجْل قَدِمَ المدينة، ونزل بأبي بكر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَكَان يُكْثِر الصلاةَ في المَسْجِد، فقال أبو بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ما ليلك بِلَيْلِ سارقٍ، فلبثوا ما شاء الله، ففقدوا حُلِيّاً لهم، فجعل ذلك الرجُلُ يَدعو على مَنْ سَرق مِنْ أهل هذا البيت الصالح، فمر 3 رجُلٌ بصائغ في المدينة، فرأى عنده حُلِيّاً، فقال: ما أشبه هذا بحلي آل أبي بَكر، فقال للصائغ ممن اشتريته، فقال: من ضيف أبي بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فأخذ ذلك الرجُل، فأقر فبكى 4 أبو بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فقال أبْكي لعزته باللهِ، ثم أمر فقطعت يده.
الثانية: الجَار، إذا سَرَق مِنْ طَرَف حانوتِ الجارِ، [حيث يُحرَّز] 5 بلحاظ الجيران، لم يلزمْه القطْع؛ لأنه محرَّز به لا عنه.
الثالثة: مَنْ دَخَلَ الحمَّام مستحماً، فسرق، لم يُقْطَع، وإن دخل سارقاً، وهناك حافظٌ [من الحمامي] أو غيره، قُطِع، وإن كان نائماً أو مُعْرِضاً، أو لم يكن هناك أحدٌ، فلا قَطْع، قال في "التهذيب" وغيره: إنما يجب القطْعُ بسرقة ثَوْبٍ منْ داخل الحمام، إذا استحفظ الحمامي [بحفظه]، فإن لم يستحفظه، فلا ضمان على الحمَّامي بترك الحفْظ، ولا قَطْع على مَنْ سرقه، كان استحفظْ، فتَرَكَ الحفْظ، فعليه الضمانُ، ولا قَطْع على السارق.
وإذا أذن صاحبُ الدكَّان في دخول الناس للشِّراء 6، من دخل مشترياً، وسرق، لم يُقْطع، ومن دخَل سارقاً، قُطِع، وإن لم يأذَنْ في الدخول، قُطِع مَنْ سَرَقَ منْه بكل حال.
قال الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ: السَّارِقُ) وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ والالْتِزَامُ فَلاَ قَطْعَ عَلَى الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، وَيَجِبُ عَلَى الذِّمِّي ثُمَّ يُسْتَوفَى قَهْراً لَوْ سَرَقَ مَالَ مُسْلِمٍ، وَإِنْ سَرَقَ مَالَ ذِمِّيٍّ فَإذَا تَرَافَعُوا، وَإِذَا زَنَى بِمُسْلِمَةٍ رُجِمَ قَهْراً وَإِنْ كَانَ الحَدُّ للهِ تَعَالَى، أَمَّا المُعَاهَدُ
فَثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا): أنَّه كَالذِّمِّيِّ (وَالثَّانِي): لاَ يُقْطَعُ أَصْلاً (وَالثَّالِثُ): أَنَّهُ يُقْطَعُ إِنْ شُرِطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي العَهْدِ، وَلَوْ زَنَى بِمُسْلمَةٍ فَفِي الحَدِّ طَرِيقانِ قِيلَ كَالسَّرِقَةِ، وَقِيلَ: لاَ يُقَامُ قَطْعاً لِأَنَّهُ لاَ خُصُومَةَ لِلآدَمِيِّ فِيهِ، وَيَسْتَوِي فِي القَطْعِ المَرْأَةُ وَالرَّجُلُ وَالعَبْدُ وَالحُرُّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وفيه مسألتان:
إحداهما: يُشْترط لوجوب القطْع: أن يكون السارقُ مكلَّفًا؛ فلا قطْع على الصبيِّ والمجنون، وقد رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بجَارِيَةٍ سَرَقَتْ، فَوَجَدَهَا لَمْ تَحِضْ، فَلَمْ يَقْطَعْهَا" 1 ويجيء في السكران الخلافُ المذَكورُ في غير موضع.
وأن يكون ملتزماً للأحكام؛ فيجب على المُسْلِم القطْعُ بسرقة مال المُسْلِمِ والذميِّ، وكذلك على الذميِّ لالتزامه الأحكام، وكذلك يُحدُّ الذميُّ، إذا زَنَى ثم في "التهذيب" وغيره: أنا، إذا قلْنا: يجب على حاكمنا أن يَحْكُم بيْنَهُم، أقام عليه الحدَّ والقَطْعَ، وإن لم يرض، وإنْ قلنا: لا يجب، فلا يُحدُّ ولا يُقْطَع، إلا برضاه سواءٌ كان المسروقُ منْه مسلماً أو ذميّاً، وإن كان يجبُ الحكْم بين المسلم والذميِّ بلا خلاف؛ لأن القطع حقُّ الله تعالى لا حق المسروق منه، وأشار الإِمام إلى القطْع فيما إذا سَرَقَ مال مسلم؛ بأنه يُقْطَعَ ولا يتوقَّف الأمرُ على رضَاه، وذكر أنه إذا سَرَقَ مال ذميٍّ، فإنما يُقْطَع، إذا ترافَعُوا إلَيْنَا، ويجيْء القولان في إجبار الممتنع، إذا جاءنا الخَصْم 2، وأنه إذا زَنَى بذمية فَعَلَى القولَيْن في أنَّا نحكم بينهم قَهْراً أو اختيارًا، وإذا زَنَى بمسلمة، ففي كلام الأصحاب أن الحدَّ على القَوْلين أيضاً، قال: وهذا غلَطٌ، والوجه القطْع بإقامة الحدِّ قهراً، وإن كان ذلك لله تعالى؛ لأنا لو فَوَّضْنَا الأَمْرَ إلى رضاه لَجَرَّ ذلك فَضِيحَةً عَظِيمَةً، وَغَايَتُنا أن نَحْكُمَ بِنَقْضِ العَهْدِ.
وإذا طَلَبَ تَجدِيداً، فلا بد من التَّجْدِيدِ، وكيف ما قدر، فالظَّاهِرُ أنه لا يعتبر الرِّضَا على الإِطْلاَقِ على ما تَبيَّنَ في "باب الزِّنَا"، وفي "كتاب النكاح".
وأما المُعَاهَدُ، ومن دَخَلَ بأَمَانٍ، فهل يُقْطَعُ إذا سَرَقَ؟
فيه ثلاثة أقوال:
أحدها -ويحكى عن سِيَر الأَوْزَاعِيِّ- نعم، كما يُقَامُ عليه القِصَاصُ وحَدُّ القَذْفِ، ولأنه في عَهْدِ، فأشبه الذِّمِّيَّ.
والثاني: لا، وهو المَنْصُوصُ في أكْثَرِ كُتُبِهِ؛ لأنه لم يَلْتَزِمِ الأَحْكَام، فَأشْبَهَ الحَرْبِيَّ.
والثالث: إن شُرِطَ عَليه في العَهْدِ القَطْعُ لو سَرَقَ قُطِعَ، وإلا لم يُقْطَع؛ لأنه إذا عَهِدَ على هذا الشَّرْطِ، فقد الْتَزَمَهُ.
ومنهم من اكْتَفَى في التَّفْصِيل بأن يشترط عليه ألا يَسْرِقَ، ولم يذكر كثير من الأَصْحَاب إلا القولين [الأولين] 1، ورَجَّحُوا الثاني، والتفصيل حَسَنٌ.
هذا هو المَشْهُورُ، ووَرَاءَهُ طَرِيقَانِ:
أحدهما: في كِتَاب القَاضِي ابنِ كَجِّ: أن أَبَا إِسْحَاقَ، وأبا علي الطَّبَرِيَّ قَطَعَا بِنَفْيِ القَطْعِ.
والثاني في "البيان": أن منهم من قَطَعَ بِقَوْلِ التفصيل، ولا خلاف في اسْتِرْدَادِ المَسْرُوقِ إن كان بَاقِياً، وفي التَّغْرِيمِ إن كان تَالِفاً.
ولو سَرَقَ مُسْلِمٌ مَالَ المُعَاهَدِ، قال الإِمام: التفصيل فيه [لهو في المُعَاهَدِ، إذا سرق مَالَ المُسْلِم، إذ يبعد أن يُقْطَعَ المُسْلِمُ بمال المُعَاهَدِ، ولا يقطع المُعَاهَدُ بمال المسلم] 2. ولوَ زَنَا مَعَاهَدٌ بمُسْلِمَةٍ فطريقان:
أحدهما: أن في حَدِّ الزِّنَا الخِلاَفَ المَذْكُورَ في القَطْعِ.
والثاني: القَطْعُ بالمَنْعِ؛ لأنه مَحْضُ حَقِّ الله -تعالى- لا يَتَعَلَّقُ بخُصُومَةِ الآدَمِيِّ وطَلَبِهِ.
وهذا ما يُوافِقُ إِيرَادَ العِرَاقِيِّينَ وصَاحِبَ 3 "التهذيب"، وَيجُوُز أن يُعْلَمَ لما أَوْرَدْنَاهُ قوله في الكتاب: "ثم يستوفى قَهْراً" 4 بالواو.
وكذا قوله: "رجم قَهْراً".
"فرع": هل يَنْتَقِضُ "عَهْدُ المُعَاهَدِ" بالسَّرِقَةِ؟
حكى القاضي ابن كَجٍّ عن أبي الحُسَيْن أن فيه وجهين، وعن أبي إسْحَاقَ وغيره أنه إن شرط عليه ألا يَسْرِقَ انْتَقَضَ عَهْدُهُ إذا سَرَقَ وإلا لم يَنْتَقِضْ.
المسألة الثانية: إذَا حَصَلَ في السَّارِقِ الشَّرْطَانِ: التكليف والالْتِزَامُ، وَجَبَ القَطْعُ من غير فَرْقٍ بين الرَّجُلِ والمرأة، والحُرِّ والعَبْدِ، ولاَ فَرْقَ بين أن يكون العَبْدُ آبِقاً أو غَيْرَ آبِقٍ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ أنه لا يُقْطَعَ الآبِقُ؛ بِنَاءً على أن القَضَاءَ على الغَائِبِ لا يجوز وفي القَطْعِ قَضَاةٌ على السَّيِّدِ الغائب.
وقوله في الكتاب: "وشرطه التَّكْلِيف والالْتِزَام"، يُشْعِرُ بِحَصْرِ [الشرط] 1 فيهما، لكن يشترط لِوُجُوب القَطْع في السارق شَرْطٌ ثالث، وهو أن يكون مُخْتاراً، فالمكْرَهُ على السَّرِقَةِ لا قَطْعَ عليه.
وقوله: "رجم قَهْراً"، ليعلم بالواو.
وكذا قوله: "ثلاثة أَقْوال" لِطَرِيقَتَي القَطْعِ والقَاطِع بالتفصيل، قد ينزل النصين 2 على الحالتين.
قال الغَزَالِيُّ: (النَّظَرُ الثَّانِي مِنَ الكِتَابِ فِي إثْبَاتِ السَّرِقَةِ وَحُجَّتُها) وَتَثْبُتُ بِاليَمِينِ المَرْدُودَةِ، وَيَبْعُدُ إيجَابُ الرَّجْمِ بِاليَمِينِ المَرْدُودَةِ فِي الزِّنَا بِالجَارِيَةِ المَمْلُوكَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد مَرَّ في أَول السَّرِقَةِ [أن] 3 مَقْصُودَ هذا الطَّرَفِ [بَيَانُ] 4 ما تَثْبُتُ به السَّرِقَةُ وحكم في الكتاب بأنها تَثْبُتُ بثلاث حُجَجٍ:
إحداها: اليمين المَرْدُودَةُ، فإذا ادَّعَى على إنسان سَرِقَةَ نِصَابٍ يوجب القَطْعَ، وأَنْكَرَ، فإن حَلَفَ فلا غُرْمَ، ولا قَطْعَ.
وإن نَكَلَ تُرَدُّ اليَمِينُ على المُدَّعِي، فإذا حَلَفَ ثَبَتَ المَالُ، ووجب القَطْعُ أيضاً، كذلك أَوْرَدَهُ صاحب الكتاب، وحَكَاهُ الإِمام عن الأَصْحَاب وكذا أورده إبراهيم المَرْوَزِيُّ في تعليقه، وَوُجِّهَ بأن اليَمِينَ المَرْدُودَةَ كالبَيِّنَةِ أو كإقرارَ المُدَّعَى عَلَيْهِ، والقطع يثبت بالأَمْرَيْنِ، فَأشْبَهَ القِصَاصَ يثبت باليمين المَرْدُودَةِ.
والذي أورده [ابن] 5 الصَّبَّاغ، وصاحب "البيان"، وغيرهما أنه لا يَثْبُتُ به القَطْعُ؛ لأن القَطْعَ في السَّرِقَةِ حَقٌّ لله تعالَى، فلا يثبت بيمين المُدَّعِي، كما إذا قال: اسْتَكْرَهَ فلان جَارَيتِي على الزِّنَا، فأنكر المُدَّعَى عَلَيْهِ، ونَكَلَ عن اليَمِينِ، فَحَلَفَ المُدَّعِي اليمين المَرْدُودَةَ، يثبت المَهْرُ، ولا يَثْبُتُ حَدُّ الزنا 6.
وهذا [أَنْدَاه] الإِمام على سبيل الاحْتِمَالِ، وقد يؤيد ذلك بِظَاهِرِ لفظه في "المختصر"، حيث قال: "لا يُقَامُ على سَارِقٍ حَدٌّ إلا بأن يَثْبُتَ على إِقْرَارِهِ حتى يُقَامَ عليه الحَدُّ، أو بِعَدْلَيْنِ يقولان: [إن] هذا بِعَيْنِهِ سَرَقَ مَتَاعاً لهذا"؛ فإنه حَصَرَ الإثبات في الإقرار والبَيِّنَةِ.
وليعلم لما بَيَّنَا قوله في الكتاب: "ويثبت [الغُرْمُ] باليمين المردودة" [بالواو] 1.
قال الغَزَالِيُّ: وَتَثْبُتُ أَيْضاً بِالإِقْرَارِ مَعَ الإِصْرَارِ، فَإنْ رَجَعَ لَمْ يَسْقُطِ الغُرْمُ، وَفِي سُقُوطِ القَطْعِ قَوْلاَن، وَقِيلَ: يَسْقُطُ القَطْعُ، وَفِي سُقُوطِ الغُرْمِ بِالتِّبَعِيَّةِ قَوْلاَنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَوْ أَقَرَّ بِاسْتِكْرَاهِ جَارِيةٍ عَلَى الزِّنَا ثُمَّ رَجَعَ سَقَط الحَدُّ، وَلاَ يَسْقُطُ المَهْرُ، ولَوْ أَقَرَّ السَّارِقَ قَبْلَ الدَّعْوَى فَهَلْ يُقْطَعُ فِي الحَالِ أَوْ ينْتَظَرُ طَلَبُ المَالِكِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ يُنْتَظَرُ سَيِّدُ الجَارِيَةِ إِذَا أَقَرَّ بِالزِّنَا بِهَا مَعَ الإكْرَاهِ لِأَنَّ مَالِكَ الجَارَيةِ لَوْ قَالَ: كُنْتُ مَلَكْتُكِ قَبْلَ هَذَا فَكذَبَ لَمْ يَسْقُط الحَدُّ، وَبِمِثْلِهِ يَسْقُطُ الحَدُّ فِي السَّرِقَةِ إِذْ يُقْطَعُ بِطَلَبِ المَالِكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحُجَّةُ الثانية 2: الإِقْرَارُ، فإذا أقر بِسَرِقَةٍ توجب القَطْعَ أجرى عليه حكمها، ولا يشترط تَكْرِيرُ الإِقْرَارِ، كما في سائر الحقوق.
وبه قال أبو حَنِيْفَةَ وَمَالِكٌ.
وقد يحتج له بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدَّ اللهِ تَعَالى" 3، ولم يفرق بين أن يُكَرِّرَ أو لا يُكَرِّر.
= والصواب الذي أورده العراقيون منهم المحاملي والجرجاني والماوردي وابن الصباغ وهو قضية كلام البغوي وغيره من المراوزة وصرح به البغوي في تعليقه وظاهر نصوص الشَّافعي قال في الأم: لا يقام على سارق حد إلا بواحد من وجهين: إما اعتراف يثبت عليه حتى يحد وإما شاهدان، وذكر في المختصر نحوه.
وقال الدارمي: لا قطع نصاً.
قال الماوردي: لأنه من حقوق الله المحضة التي لا يدخلها الأيمان في إثبات ولا إنكار فصارت اليمين مقصورة على العزم دون القطع وإنما أعجب من الإِمام ونقله عن الأصحاب ومتابعة الغزالي له وقد أشارا جميعاً إلى استشكاله وحسباه محل وفاق وإنما هو وجه شاذ لبعض المراوزة وأحسبه متفرغاً من وجه شاذ أن اليمين المردودة متعدى إلى ثالث على أن في انتزاعه منه نظراً وقد وافق الإِمام والغزالي على المنع في الزنا بأمة الغير وأنها كهذه المسألة وأخذ ذلك صاحب الخادم وزاد أدنى زيادة.