العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 324-363

وذهب الأكثرون إلى تقرير النصين، وفرقوا بوجهين: أحدهما: أنه يحتمل في الإقرار أن يريد فدرهم لازم، أو فدرهم أجود منه، ومثل هذا لا يقدح في الطلاق.
والثاني: أن الطلاق انشاء والإقرار إخبار، والإنشاء أقوى وأسرع نفوذًا، ولهذا لو أقر اليوم بدرهم لا يلزمه إلاَّ درهم، وغدا بدرهم لا يلزمه إلاَّ درهم ولو تلفظ بالطلاق في اليومين وقعت طلقتان، وهذا أظهر في المذهب، لكن لابْنِ خَيْرَانَ أن يمنع الفرق الأول ويقول: يجوز أن يريد فطالق مهجورة، أو لا تراجع، ويجوز أن يريد فطالق حرمتك وما أشبهه.
وأما الثاني: فإنه يناقض الفرق المذكور في مسألة درهم ودرهم وطالق وطالق.
وقوله في الكتاب: "يلزمه درهم واحد" معلّم -بالحاء والألف- لأن عندهما يلزمه درهمان.
وقوله: "يقع طلقتان" يجوز إعلامه -بالواو- لأنه لم يذكر طريقة النقل والتخريج بتمامها، حتى يستغني عن الإعلام، وإنما ذكر التخريج من الطلاق في الإقرار.
ورأيت في بعض الشروح أن ابْنَ أبِي هُرَيْرَةَ -حكى قولاً منصوصًا للشافعي -رضي الله عنه- أنه يلزمه درهمان، ويتأيد هذا القول منصوصًا كان أو مخرجًا بما إذا قال: درهم ودرهم، فإنه يلزمه درهمان، ولا يمتنع فيه مثل التقديرات المذكورة في "الفاء"، ولو قال: عليَّ درهم فقفيز حنطة، فلا يلزمه إلاَّ درهم، أو ويلزمانه جميعًا، فيه هذا الخلاف.
وذكر أبُو العَبَّاسِ الرّويَانِيُّ في "الجُرْجَانِيَّاتِ" أن قياس ما ذكرناه في الطلاق أنه إذا قال: بعتك بدرهم فدرهم، يكون بائعًا بدرهمين؛ لأنه إنشاء.
الرابعة: قال عليَّ درهم، بل درهم لم يلزمه إلاَّ درهم لجواز أن يقصد الاستدراك، فيتذكر أنه لا حاجة إليه، فيعيد الأول ولو قال: درهم لا بل درهم ولكن درهم، فكذلك ولو قال: درهم لا بل درهمان أو قفيز حنطة لا بل قفيزان لم يلزمه إلاَّ درهمان وقفيزان؛ لأن "بل" للاستدراك، ولا يمكن أن يكون المقصود هاهنا نفي المذكور أولاً لاشتمال الدرهمين على الدرهم والقفيزين على القفيز، وإنما المقصود في الاقتصاد على الواحد، وإثبات الزيادة عليه، وهذا يشكل بما إذا قال: أنت طالق طلقة، بل طلقتين فإنه يقع الثلاثة، ولا أدري لِمَ يتصرفوا فيهما هاهنا تصرفهم فيما سبق من المسائل؟ ثم ما ذكرناه مفروض فيما إذا أرسل ذكر المقر به أما إذا قال: له عندي هذا القفيز، بل هذان القفيزان لزمه الثلاث؛ لأن القفيز المعين لا يدخل في القفيزين

المعينين، وكذلك لو اختلف جنس الأول والثاني مع الإرسال بأن قال: عَلَيَّ درهم، بل ديناران.
أو قفيز شعير لزمه الدرهم والديناران، أو قفيز حنطة بل قفيز الحنطة وقفيز الشعير لأن الأول غير داخل في الثاني، فهو راجع عن الأول مثبت للثاني والرجوع لا يقبل، وما أقر به ثانيًا يلزمه، ولو قال: درهمان بل درهم أو عشرة، بل تسعة يلزمه الدرهمان والعشرة؛ لأن الرجوع عن أكثر لا يقبل، ولا يدخل الأقل فيه، ولو قال: دينار بل ديناران بل ثلاثة، يلزمه ثلاثة ولو قال: دينار بل ديناران، بل قفيز بل قفيزان، لزمه ديناران وقفيزان، ولو قال: دينار وديناران، بل فقفيز وقفيزان، فثلاثة دنانير وثلاثة أقفزة وقس على ما ذكرنا ما شئت.
قال الغزالي: (السابع) إِذَا قَالَ: يَوْمَ السَّبْتِ عَلَيَّ أَلْفٌ وَقَالَ ذَلِكَ يَوْمَ الأَحَدِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلاَّ أَلْفٌ وَحِدٌ، إلاَّ أَنْ يُضِيفَ إِلَي سَبَبيْنِ مُخْتَلِفيَنْ، فَلَوْ أَضَافَ أَحَدَهُما إِلَي سَبَبٍ وَأَطْلَقَ الآخَرَ نُزِّلَ المُطْلَقُ عَلَى المُضَافِ، وَكَذَلِكَ لوَ قَامَتِ الحُجَّةُ عَلَى إِقْرَارَيْنِ بتَارِيِخَيْنِ جُمِعَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ بِلُغَتَيِنْ إِحْدَاهُمَا بِالعَجَمِيَّةِ وَالأُخْرَى بِالعَرَبِيَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَالأَصَحُّ أَنَّهُ يَجْمَعُ نَظَرًا إِلى المُخْبَرِ عَنْهُ، وَفي الأَفْعَالِ لاَ يَجْمَعُ أَصْلاً.
قال الرافعي: القول الجملي في الفصل أن تكرير الإقرار لا يقتضي تعدد المقر به؛ لأن الإقرار إخبار ألا ترى أنه يحتمل فيه الإبهام؟ ولو كان إنشاء لما احتمل، وتعدد الخبر لا يقتضي تعدد المخبر عنه، فيجمع إلاَّ إذا عرض ما يمنع الجمع، والتنزيل على واحد، فحينئذ يحكم بالمغايرة، وفيه مسألتان: إحداهما: إذا أقر لزيد يوم السبت بألف، وأقر له يوم الأحد بألف، لم يلزمه إلا ألف واحد، سواء اتفق الإقراران في مجلس واحد، أو مجلسين، وسواء كتب به صكًّا، وأشهد عليه شهودًا على التعاقب، أو كتب صكًّا بألف، وأشهد عليه، ثم كتب صكًّا بألف وأشهد عليه.
وبه قال: مالك وأحمد رحمهما الله خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله فيما إذا كتب صكين، وأشهد عليهما، وفيما إذا أقر في مجلسين، ومن أصحابه من لا يفرق بين المجلس والمجلسين، ولو أقر في أحد اليومين بالألف، وفي الآخر بخمسمائة دخل الأقل في أكثر، ولو أقر [مرة بالعربية وأخرى بالعجمية لم يلزمه إلاَّ واحد، ولا اعتبار باختلاف اللغات والعبارات] 1. وإذا لم يمكن الجمع كما إذا أقر في يوم السبت ألف

من ثمن عبد، ويوم الأحد بألف من ثمن جارية، أو قال مرة: صحاح، ومرة مكسرة لزمه الألفان، ولم يجمع، وكذا لو قال: قبضت منه يوم السبت عشرة، ثم قال: قبضت منه يوم الأحد عشرة، أو طلقتها يوم السبت طالقة، ثم قال: طلقتها يوم الأحد طلقة، ولو قال: يوم السبت طلقتها طلقة ثم أقر يوم الأحد بطلقتين، لم يلزمه إلا طلقتان، ولو أضاف أحد الإقرارين إلى سبب أو وصف الدراهم بصفة، أو أطلق الإقرار الآخر نزل المطلق على المضاف لا مكانة.
وقوله في الكتاب: "وكذلك لو قامت الحجة على الإقرارين بتاريخين جمع بينهما" كان الغرض منه الإشارة إلى تكرير الإشهاد والصك لا تأثير له وإلا فالحجة على الإقرارين لا تفيد إلا ثبوت الإقرارين وقد تبين في أول الفصل أن تعدد الإقرار لا يوجب تعدد المقر به والله أعلم.
المسألة الثانية: لو شهد شاهد على أنه أقر يوم السبت بألف أو بغصب [دار وشهد شاهد آخر على أنه أقر يوم الأحد بألف أو بغصب تلك الدار] 1 لفقنا بين الشهادتين، وأثبتنا الألف والغصب؛ لأن الإقرار لا يوجب حقًا بنفسه؛ إنما هو إخبار عن ثابت، فينظر إلى المخبر عنه، وإلى اتفاقهما على الإخبار عنه، وكذا لو شهد أحدهما على إقراره بألف بالعربية، والآخر على إقراره بالعجمية، ولو شهد شاهد على أنه طلق يوم السبت، وآخر على أنه طلقها يوم الأحد، لم تثبت شهادتهما؛ لأنهما لم يتفقا على شيء واحد، وليس هو إخبار حتى ينظر إلى المقصود، والمخبر عنه.
وعن صاحب "التقريب" أن من الأصحاب من جعل الإقرارين والطلاقين على قولين بالنقل والتخريج.
قال الإمام رحمه الله أما التخريج من الطلاق في الإقرار، فهو قريب في المعنى، وإن بعد في النقل؛ لأن الشاهدين لم يشهدا على شيء واحد، بل شهد هذا على إقرار، وشهد ذاك على إقرار آخر، والمقصود من اشتراط العدد في الشهادة زيادة التوثق والاستظهار، وإذا شهد كل واحد على شيء لم يحصل هذا المقصود فاتجه ما ألا يحكم بقولهما.
وأما التخريج من الإقرار في الطلاق، فبعيد نقلاً ومعنى؛ لأن من طلق اليوم، ثم طلق غدًا، والمرأة رجعية، فزعم أنه أراد طلقة واحد، لم يقبل منه، فكيف يجمع بين شهادة شاهد على طلاق اليوم وشهادة آخر على طلاق الغد [ويجرى التخريج على ضعفه في سائر الإنشاءات وفي الأفعال كالقتل والقبض وغيرهما والمذهب

الأول] (1) حتى لو شهد أحدهما أنه قذف يوم السبت أو بالعربية، والثاني على أنه قذف يوم الأحد، أو بالعجمية، لم يثبت بشهادتهما شيء، أو شهد أحدهما على إقراره بأنه يوم السبت قذف، أو بالعربية قذفه، والثاني على إقراره بأنه يوم الأحد قذفه، أو بالعجمية قذفه، فلا تلفيق أيضًا؛ لأن المقر به شيئان مختلفان، وقد قطع به الشيخ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ.
ولو شهد شاهد بألف من ثمن مبيع، وآخر بألف من قرض، أو شهد أحدهما بألف استقرضه يوم السبت، وآخر بألف استقرضه يوم الأحد لم تثبت شهادتهما، لكن للمدعي أن يعين أحدهما، ويستأنف الدعوى عليه، ويحلف مع الذي شهد له، وله أن يدعيهما، ويحلف مع كل واحد من الشاهدين، وإن كانت الشهادتان على الإقرار شهد أحدهما أنه أقر بألف من ثمن مبيع، وشهد الثاني على إقراره بألف من قرض، ففي ثبوت الألف وجهان: الظاهر: أنه لا يثبت أيضًا، وربما بنو الوجهين على الوجهين فيما إذا ادعى عليه ألفًا من ثمن مبيع، فقال المدعى عليه: لك عليَّ ألف، ولكن من قرض، هل يحل للمدعي أخذ الألف لاتفاقهما عليه أو لاختلافهما في الجهة؟.
إن قلنا: اختلاف الجهة يمنع الأخذ لم يثبت الألف، وإلاَّ ثبت.
ولو ادعى ألفا فشهد أحد الشاهدين على أنه ضمن ألفًا، والثاني على أنه ضمن خمسمائة، ففي ثبوت خمسمائة قولان عن ابْنِ سُرَيْجٍ، وهذا قريب من التخريج المذكور في الإنشاءات، أو هو هو.
ولو شهد أحد شاهدي المدعى عليه أن المدعي استوفى الدَّين، والآخر على أنه أبرأه فلا يلفق على المذهب، ولو شهد الثاني أنه بريء إليه منه.
قال أبو عَاِصمٍ العبَّادِيِّ: يلفق؟ لأن إضافة البراءة إلى المديون عبارة عن إيفائه، وقيل بخلافه.

فرع

أورده في هذا الموضوع: ادعى على رجل ألفين، وشهد له شاهد بألفين وآخر بألف، ثبت الألف، وله أن يحلف مع الذي شهد بالألفين، ويأخذ الكل، وكذا الحكم لو كانت الشهادتان على الإقرار.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله: لا تثبت الألف وسلم أنه لو شهد أحدهما بثلاثين، والآخر بعشرين ثبتت العشرون، كالألف والألفين.1

وفيه وجه لأن لفظ "الثلاثين" لا يشتمل على "العشرين"، ولفظ "الألفين" يشتمل على "الألف" وربما يسمع أحد الشاهدين بالألف، وغفل عن الآخر، ولو ادعى ألفًا، فشهد له شاهد بألف، والآخر بألفين، فالثاني شهد بالزيادة قبل أن يستشهد ففي مصيره بذلك مجروحًا وجهان، إن لم يصر مجروحًا، فشهادته في الزيادة مردودة، وفي المدعي قَوْلاَ تبعيض الشهادة.
وقطع بعضهم بثبوت الألف، وخص الخلاف بالتبعيض بما إذا اشتملت الشهادة على ما يقتضي الرد، كما شهد لنفسه ولغيره.
فأما إذا زاد على المدعي، فقوله في الزيادة ليس بشهادة، بل هو كما لو أتى بلفظ الشهادة في غير مجلس الحكم.
وإن قلنا: إنه يصير مجروحًا، فقد ذكر في "التهذيب" أنه يحلف مع شاهد الألف، ويأخذه.
قال الإمام رحمه الله تعالى: إنه على هذا الوجه بما يصير مجروحًا في الزيادة، فأما الألف المدعى، فلا جرح في الشهادة عليه، لكن إذا ردت الشهادة في الزائد، كانت الشهادة في المدعي على قولي التبعيض، فإن لم نبعضها فلو أعاد الشهادة بألف قبلت لموافقتها الدعوى، وهل يحتاج إلى إعادة الدعوى؟.
قال فيه وجهان: أظهرهما: المنع، ونختم الباب بخاتمتين: إحداهما: في فروع لائقة بالباب.
منها: لو أقر بجميع ما في يده، أو نسب إليه صح، فلو تنازعا في شيء أنه هل كان في يده يومئذ؟ فالقول قول المقر، وعلى المقر له البينة، ولو قال: ليس لي مما في يدك إلاَّ ألف صح، وعمل بمقتضاه، ولو قال: لا حق لي في شيء مما في يد فلان، ثم ادعى شيئًا منه وقال: لم أعلم كونه في يده في يوم الإقرار صدق بيمينه.
ولو قال: لفلان عليَّ درهم أو دينار لزمه أحدهما، وطولب بالتعيين.
وعن رواية الشيخ أَبِي عَلِي وجه ضعيف: أنه لا يلزمه شيء: ولو قال: عليَّ ألف، أو على زيد، أو على عمرو لم يلزمه شيء، وكذا لو قال على سبيل الإقرار: أنت طالق أولاً، فإن ذكره في معرض الإنشاء طلقت، كما لو قال: أنت طالق طلاقًا لا يقع عليك.
ولو قال: عليَّ ألف درهم، وإلاَّ لفلان عليَّ ألف دينار لزمه، وهذا للتأكيد،

والإِقرار المطلق يلزمه، ويؤاخذ به المقر على المذهب المشهور، وخرج فيه وجه: أنه لا يلزمه حتى يسأل المقر عن سبب اللزوم؛ لأن الأصل براءة الذمة، والإقرار ليس موجبًا في نفسه، وأسباب الوجوب مختلف فيها، فربما ظن ما ليس بموجب موجبًا، وهذا كما أن الجرح المطلق لا يقبل، وكما أنه لو أقر بأن فلانًا وارثه، لا يقبل حتى يبين جهة الوراثة، ولو قال: وهبت منك كذا، أو خرجت منه إليك لم يكن مقرًّا بالقبض لجواز أن يريد الخروج منه بالهبة.
وعن القَفَّالِ الشاشى أنه مقر بالقبض؛ لأنه نسب إلى نفسه ما يشعر بالإقباض بعد المفروغ منه، ولو أقر الآن بعين مال لابنه، فيمكن أن يكون مستند إقراره ما يمنع الرجوع، ويمكن أن يكون مستنده مالاً يمنع، وهو الهبة، فهل له الرجوع عن أقضى القضاة الماوردي وأبي الطيب أنهما أفتيا بثبوت الرجوع تنزيلاً للإقرار على أضعف الملكين، وأدنى السببين، لما ينزل على أقل المقدارين.
وعن الشيخ العَبَّادِيِّ أنه لا رجوع؛ لأن الأصل بقاء الملك للمقر له، ويمكن أن يتوسط، فيقال: إن أقر بانتقال الملك منه إلى الابن، فالأمر كما قال القاضيان، وإن أقر بالملك المطلق، فالأمر كما قال العَبَّادِيُّ: ولو أقر في وثيقة بأنه لا دعوى له على فلان، ولا طلب بوجه من الوجوه، ولا سبب من الأسباب، ثم قال: إنما أردت في عمامته أو قميصه، لا في داره.
قال القاضي أبُو سَعِيدٍ بن أبي يوسف: هذا موضع تردد، والقياس أنه يقبل؛ لأن غايته تخصيص عموم، وهو محتمل.
الثانية: المقر به المجهول قد تمكن معرفته من غير رجوع إلى المقر وتفسيره، وذلك بأن يحيله على معروف، وذلك ضربان: أحدهما: أن يقول له: عليَّ من الدراهم بوزن هذه الصنجة، أو بالعدد المكتوب في كتاب كذا، أو بقدر ما باع به فلان عبده، وما أشبه ذلك، فيرجع إلى ما أحال عليه.
الثاني: أن يذكر ما يمكن استخراجه بالحساب، فمن أمثلته مسالة "المفتاح" وهو أن يقول: لزيد عليَّ درهم إلاَّ نصف ما لابنه عليَّ ولابنيه عليَّ ألف إلاَّ ثلث ما لزيد عليَّ ولمعرفته طرق: أحدها: أن يجعل لريد شيئًا، ويقول للإبنين ألف إلاَّ ثلث شيء، فيأخذ نصفه وهو خمسمائه إلاَّ سدس شيء، ويسقط من الألف يبقى خمسمائة وسدس شيء، وذلك يعدل شيئًا، فالمفروض لزيد لأنه جعل له ألفًا إلاَّ نصف ما لابنه، فسقط سدس شيء لسدس شيء يبقى خمسة أسداس شئ في مقابلة خمسمائة، فيكون الشيء التام ستمائة،

وهو ما لزيد، فهذا أخذت ثلثها، وهو مائتين، وأسقطته من الألف، فبقي ثمانمائه، وهي ما أقر به للاثنين.
والثاني: أن يجعل لزيد ثلاثة أشياء لاستثنائه الثلث منه، ويسقط ثلثها من الألف المضاف إلى الإبنين فيكون لهما ألف ناقص شيء، ثم تأخذ نصفه، وهو خمسمائة ناقصة بنصف شئ، وتزيده على ما فرضناه لزيد، وهو ثلاثة أشياء تكون خمسمائة وستين ونصف شئ، وذلك يعدل الألف درهم، فسقط خمسمائة بخمسمائة تبقى خمسمائة في مقابلة ستين ونصف شيء، فيكون الشيء ما بين، وقد كان لزيد ثلاثة أشياء فهي إذًا ستمائة.
الثالث: أن تقول: استثنى من أحد الإقرارين النصف، ومن الآخر الثلث، فيضرب مخرج أحدهما في مخرج الآخر يكون ستة، ثم ينظر في الجزء المستثنى من الإقرارين، وكلاهما واحد، فتضرب واحدًا في واحد يكون واحدًا تنقصه من الستة يبقى خمسة، فتحفظها وتسميها المقسوم عليه، ثم تضرب ما يبقى من مخرج كل واحد من الجزءين بعد إسقاطه في مخرج الثاني، وذلك بأن تضرب ما يبقى في مخرج النصف بعد النصف وهو واحد في مخرج الثلث، وهو ثلاثة يحصل ثلاثة تضربها في الألف المذكور في الإقرار يكون ثلاثة آلاف تقسمها على العدد المقسوم عليه، وهو خمسة يخرج نصيب الواحد، وهو ستمائة وهو ما لزيد، وتضرب ما يبقى في مخرج الثلث بعد الثلث، وهو اثنان في مخرج النصف، وهو اثنان يكون أربعة تضربها في الألف يكون أربعة آلاف تقسمها على الخمسة يخرج من القسمة ثمانمائة فهو ما للإبنين.
ولو قال: لزيد عليَّ إلا ثلثي ما لعمرو، ولعمْرو وعشرة إلا ثلاثة أرباع ما لزيد، تضرب المخرج في المخرج، يحصل اثنا عشر، ثم تضرب أحد الجزئين في الباقي وهو اثنين في ثلاثة يكون ستة تسقطها من اثني عشر، يبقى ستة تضرب الباقي في مخرج الثلث بعد إخراج الثلثين، وهو واحد في أربعة، يكون أربعة تضربها في العشرة المذكورة في الإقرار، يكون أربعين تقسمها على الستة، يكون ستة وثلثين، وذلك ما أقر به لزيد، ثم تضرب واحد، وهو الباقي في مخرج الربع بعد إخراج الأرباع الثلاثة، يكون ثلاثة تضربها في العشرة، يكون ثلاثين تقسمها على الستة، يكون خمسة وهو ما أقر به لعمرو، والطريقان الأَولان يجريان في أمثال هذه الصور بأسرها.
وأما الطريق الثالث فإنه لا تطرد فيما إذا اختلف المبلغ المذكور في الإقرارين، وتخرج فيما إذا كانت الأقارير ثلاثة فصاعدًا، مثل أن يقول: لزيد عشرة إلاَّ نصف ما لعمرو ولعمرو عشرة، إلاَّ ثلث ما لبكر ولبكر عشرة إلاَّ ربع ما لزيد إلى تطويل لا يؤثر ذكره في هذا الموضع.
ولو قال: لزيد عليَّ عشرة إلاَّ نصف ما لعمرو، ولعمرو ستة إلاَّ ربع ما لزيد

يكون مقرًّا لزيد بثمانية، ولعمرو بأربعة، ولو قال: لزيد عليَّ عشرة إلاَّ نصف ما لعمر، ولعمرو عشرة إلا ربع ما لزيد كون مقرًّا لزيد بخمسة وخمسة أسباع، ولعمرو بثمانية، وأربعة أسباع وقد يصور صدور كل إقرار من شخص بأن يدعى مالاً على زيد وعلى عمرو، فيقول زيد: لك عليَّ عشرة إلاَّ نصف مالك على عمرو، ويقول عمرو: لك عليَّ عشرة إلاَّ ثلث ما على زيد فطريق الحساب لا يختلف والله أعلم بالصواب.

البَابُ الثَّالِثُ، في تَعِقْيبِ الإِقْرَارِ بِمَا يَرْفَعُهُ

قال الغزالي: وَلَهُ صُوَرٌ: (الأُولَى) إِذَا قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ من ثُمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مِنْ ضَمَانِ شَرْطٍ فيه الخِيَارُ فَفي لُزُومِهِ قَوْلاَنِ يَجْرِيَانِ في تَعْقِيبِ الإِقْرَارِ بِمَا يَنْتَظِمُ لفَظًا في العَادَةِ وَيَبْطُلُ حُكْمُهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ إِنْ سَلَّمَ سَلَّمْتُ، فَعَلَي قَوْلٍ لا يُطَالَبُ إِلاَّ بِتَسْليِمِ العَبْد، وَعَلَى قَوْلٍ يُؤَاخَدُ بِأوَّلِ الإِقْرَارِ، وَلَوْ قَالَ: أَلْفٌ لا يَلْزَمُ يَلْزَمُهُ لأَنَّهُ غَيْرُ مُنتْظِم، وَقِيلَ قَوْلانِ، وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ قَضَيْتُهُ فَالأَصَحُّ أنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَقِيلَ قَوْلانِ، وَلَوْ قَالَ: أَلْفٌ إِنْ شَاءَ اللهُ فَالأَصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ، وَقِيلَ قَوْلانِ، وَلَوْ قال: أَلْفٌ مُؤَجَّلٌ فَالأَصَحُّ أنَّهُ لا يُطالَبُ في الحَالِ، وَقِيلَ: قَوْلاَنِ، وَلَوْ ذَكرَ الأَجَلَ بَعْدَ الإِقْرَارِ لَمْ يُقْبَلْ، وَلَوْ قَالَ: أَلْفٌ مُؤَجَّلٌ مِنْ جِهَةِ تَحَمُّلِ العَقْل قُبِلَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَوْ قَالَ: مِنْ جِهَةَ القَرْضِ لَمْ يُقْبَل قَوْلاً وَاحِدًا وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ إِنْ جَاَء رأْسُ الشَّهْرِ فَهُوَ عَلَى القَوْلَيْنِ إِذْ وَقَعَ لُزوُمُ الإقْرَارِ بِالتَّعْليِقِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَعَلَيَّ أَلْفٌ لَمْ يَلْزَمْهُ أَصْلاً، لأَنَّ الإِقْرَارَ المُعَلَّقَ بَاطِلٌ (الثَّانِيَةُ) إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ثُمَّ جَاءَ بِأَلْفٍ وَقَالَ: هُوَ وَدِيعَةٌ عِنْدِي قُبِلَ، لأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يكَوُنَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالتَّعدِّي وَكَانَ لاَزِمًا عَلَيْهِ، وَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ في سقُوُطِ الضَّمَانِ لَوِ ادَّعَى التَّلَفَ بَعْدَ الإِقْرَارِ، وَفِيِه قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بالوَدِيعَةِ أَصْلًا فَيَلْزَمُهُ أَلْفٌ آخَرُ، وَهُوَ أَظْهَرُ فِيما إِذَا قَالَ: عَلَيَّ وَفي ذمَّتي أَوْ قَالَ: أَلْفٌ دَيْنًا.
قال الرافعي: تعقيب الإقرار بما ينافيه إما بالأسْتِثْنَاءِ 1، أو غيره.

والثاني: ينقسم إلى ما يرفعه أصلاً، إلى غيره.
والأول: ينقسم إلى ما لا ينتظم لفظًا، فيلغوا، وإلى ما ينتظم، فإِن كان مفصولاً لم يقبل، وإن كان موصولاً، ففيه خلاف والثاني إن كان مفصولاً لا يقبل أيضًا، وإن كان وصولاً ففيه خلاف بالترتيب هذا عقد الباب، وإذا مرت بك مسائله عرفت أن كل واحدة من أي قبيل هي؟ وأما الاستثناء، فسيأتي حكمه.
فمن المسائل إذا قال: لفلان عليَّ من ثمن خَمْرِ أو كَلْبٍ، أو خِنْزِيرٍ، نظر إن وقع قوله: من ثمن خمر منفصلاً عن قوله: عليَّ ألف لم يقبل ولزمه الألف، وإن كان موصولاً، ففيه قولان: أحدهما وهو اختيار المُزَنِيِّ وأبِي إِسْحَاق: أنه يقبل، ولا يلزمه شيء؛ لأن الكل كلام واحد، فيعتبر بآخره، ولا يتبعض ولأن الإقرار إخبار عما جرى، وهذه المعاملات = بالوسائط الموضوعة له نحو: قام القوم، وأسْتَثني زيدًا، وخرجوا ولم يخرج زيد.
تنبيه الإخراج إنما يأتي على قول من يجعله عاملاً بطريق المعارضة، إذ الإخراج لا يتحقق إلا بعد الدخول، وأما على قول من يجعله مبنيًا فلا إخراج عنه، كما سنبيّنه.
وحدّه ابن عَمْرون من النحاة بأن ينفي عن الثاني ما يثبت لغيره بإلا أو كلمة تقوم مقامها، فيشمل أنواع الاستثناء: من متصل، ومنقطع، ومفرد، وجملة، وتام، ومفرغ، وخرج الوصف بإلا أو غيرها، وذكر ابن الحاجب أن المتصل والمنقطع لا يمكن تحديده بعد واحد على القول بالأشتراك والمجاز لتغاير حقيقتهما، إذ الأول حقيقة، والثاني مجاز.
وجمعهما ابن مالك في حد واحد، فقال: تحقيقًا أو تقديرًا.
وقد يقال: هو قوة حدّين.
وذكر إمام الحرمين في باب الإقرار من "النهاية" أن الفقهاء يسمون تعليق الألفاظ بمشيئة الله استثناء في مثل قول القائل: أنت طالق، وأنت حر إن شاء الله.
وفي "المحيط" للحنفية يسمى الاستثناء بإلا وأخواتها استثناء التحصيل، وبمشيئة الله استثناء التعطيل.
قال الخفاف: الاستثناء ضد التوكيد، يُثبت المجاز ويحققه، وصرح النحاة بأن اللفظ قبل الاستثناء يحتمل المجاز، فهذا جاء الاستثناء رفع المجاز وقرره، فاللفظ قبل الاستثناء ظني، وبعده قطعي، وهذا معاكس لقول الحنفية، فإنهم عَدُّوا الاستثناء من المخصصات، وعندهم أن العام قبل التخصيص قطعي، وبعده ظني.
قيل: ولا منافاة بينهما.
لأن احتمال التجوز قبل التخصيص ثابت، وبعد التخصيص كذلك، إلا أن الاستثناء يقرر المجاز في إخراج شيء، ويحقق أن المراد ما بقي تحقيقًا ظاهرًا لا يخالف ما لم تأت قرينة، كما قبل الاستثناء، إلا أن القرينة قبله يشترط فيها القوة.
وهل الإخراج من الاسم أو الحكم أو منهما؟ أقوال، أصحها الثالث، وهو مذهب سيبويه.
وهل هو إخراج من اللفظ ما لولاه لوجب دخوله أو لجاز؟ فيه قولان، رجح سليم في "التقريب" الأول.
قال: وإلا لم يفترق الحال بين الاستثناء من الجنس وغيره، فلما فرق بينهما، وجعل من الجنس حقيقة ومن غيره مجازًا، ثبت ما قلنا.
ينظر البحر المحيط 3/ 275، 276.

على فسادها جارية بين الناس، فعلى هذا اللمقر له تحليف المقر إنه كان من ثمن خمر أو خنزير، وأصحهما عند العراقيين وغيرهم أنه لا يقبل ويلزم الألف 1 ويبعض كلامه.
والثاني: لا يقبل، فيعتبر أوله، ويلغى آخره، لأنه وصل بإقرار ما يرفعه، فأشبه ما إذا قال: عليَّ ألف لا تلزمني أو فصل -قوله: عن ثمن خمر عن الإقرار، وبهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله- فعلى هذا لو قال المقر: كان ذلك من ثمن خَمْرٍ، وظننته لازمًا، فله تحليف المقر له على نفيه، ويجري القولان فيما إذا وصل بإقراره ما ينتظم لفظه في العادة، ولكنه يبطل حكمه شرعًا إذا أضاف المقرّ به إلى بيع فاسد، كالبيع بأجل مجهول، وخَيار مجهول وقال: تكفلت ببدن فلان، بشرط الخيار أو ضمنت لفلان، كذا بشرط الخيار، وما أشبه ذلك، وفي كلام الأئمة -رضي الله عنهم- ذكر مأخذين لهذا الخلاف.
أحدهما: بناه على القولين في تبعيض الشهادة، إذا شهد لابنه وأجنبي، ولك أن تقول: هذا لا يشبه مسألة الشهادة، لأن الشهادة للأجنبي، والشهادة للابن أمران لا تعلق لأحدهما بالآخر، وإنما قرن بينهما الشاهد لفظًا، والخلاف فيها شبيه بالخلاف في تفرق الصَّفقة [وأما هاهنا، فالمذكور أولاً مستند إلى المذكور آخرًا، ولكنه فاسد في نفسه، مفسد للأول، ولهذا] 2 لو قدم ذكر الخمر، فقال: لفلان عليَّ من ثمن الخمر ألف لم يلزمه شيء بحال، وفي الشهادة لا فرق بين أن يقدم ذكر الابن أو الأجنبي، ثم هب أنهما متقاربان، لكن ليس بناء الخلاف في الإقرار على الخلاف في الشَّهادة بأولى من القلب، والعكس.
والثاني: أنه يجوز بناء هذا الخلاف على الخلاف في حد المدعي، والمدعى عليه.
إن قلنا: المدعي من لو سكت ترك، فهاهنا لو سكت عن قوله: من ثمن خمر لترك، فهو بإضافته إلى الخَمْر مدعٍ، فلا يقبل قوله، ويحلف المقر له.
وإن قلنا: المدير من يدير أمرًا باطنًا، قبل قول المقر؛ لأن الظاهر معه، وهو براءة الذمة، والمقر له هو الذي يدعي أمرًا باطنًا، وهو زوال أصل البراءة، ولك أن تقول: لو صَحَّ هذا البناء لما اقترن الحال بين أن يضيفه إلى الخمر موصولاً، أو مفصولاً، ولوجب أن يخرج التعقب بالاستثناء على هذا الخلاف.

وقال الإمام -رحمه الله- بعد ذكر القولين: كنت أود لو فصل بين أن يكون المقر جاهلاً بأن ثمن الخمر لا يلزم، وبين أن يكون عالمًا، فيعذر الجاهل دون العالم، ولكن لم يصر إليه أحد من الأصحاب.
منها: إذا قال: عَلَيَّ أَلْفٌ من ثمن عبد لم أقبضه، إذا سلمه سلمت الألف، ففيه طريقان: أحدهما: أن قبول قوله: من ثمن عبد لم أقبضه، على القولين السابقين، وفي قول يقبل، ولا يطالب بالألف إلاَّ بعد تسليم العبد.
وفي قول: يؤخذ بأول الإقرار، ولا يحكم بثبوت الألف ثمنًا، وهذا ما أورده في الكتاب.
وأصحهما: القطع بالقبول، وثبوته ثمنًا، ويفارق صور القولين، فإن المذكور آخرًا منها يرفع المقر به وهاهنا بخلافه، وعلى هذا فلو قال: عليَّ ألف من ثمن عبد، واقتصر عليه، ثم قال مفصولاً: لم اقبض ذلك العبد، قيل أيضًا لأنه علق الإِقرار بالعبد، والأصل فيه عدم القبض، نعم لو اقتصر على قوله: لفلان عليَّ ألف، ثم قال مفصولاً: هو من ثمن عبد، لم أقبضه لم يقبل، ولا فرق عندنا بين أن يُعَيِّنَ العبد، فيقول: عَلَيَّ ألف من ثمن هذا العبد، إِذا سلمه سلمت الألف، وبين أن يطلق، فيقول: من ثمن عبد.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إنْ عين قُبِلَ، وإن أطلق لم يقبل، ولزمه الألف.
ومنها: لو قال: عليَّ الألف لا يلزمني، أو عليَّ ألف أو لا، لزمه الألف؛ لأنه غير منتظم 1 لو قال: عليَّ ألف قضيته، ففيه طريقان: أحدهما: القطع بلزوم الألف، لقرب اللفظ من عدم الانتظام 2 فإن ما قضاه لا يكون عليه، بخلاف قوله: من ثمن الخمر، فإنه ربما يظن لزومه وهذا أصحّ عند صاحب الكتاب.
وأصحهما: عند الجمهور أنه على القولين؛ لأن مثله يطلق في العرف، والتقدير كان عليَّ ألف فقضيته ولو قال ابتداء: كان لفلان عليَّ ألف فقضيته.
يقبل فكذلك هاهنا

[ويجري الطريقان فيما إذا قال: لفلان على ألف أبرأني عنه، ولو ادعى عليه ألفًا، فقال: قد قضيته، فالمشهور ما ذكرناه في الباب الأول، وهو أنه إقرار] 1 وجعله أَبُو عَلِيُّ البندنيجي بمثابة ما لو قال: عليّ ألف قضيته.
ومنها: إذا قال: عليَّ ألف إن شاء الله، فالصحيح أنه لا يلزمه شيء؛ لأنه لم يلزم بالإقرار، وقد علقه على المشيئة، وهي غيب عنا، وأيضًا فإن الإقرار إخبار عن واجب سابق، والوقع لا يتعلق بالغير.
وعنِ صاحب "التقريب" أن من الأصحاب من جعله على الخلاف فيما إذا قال: من ثمن خَمْرٍ؛ لأنه لو اقتصر على أول الكلام لكان إقرارًا جازمًا، ولو خرجوا طريقًا آخر جازمًا باللزوم لكان قريبًا، بناء على أن تعليق السابق لا ينتظم وبهذا قال أحمد.
ولو قال: عليَّ ألف إن شئت، أو شاء فلان، فالمشهور بطلان الإقرار، وقال الإمام رحمه الله: الوجه تخريجه على القولين؛ لأنه نفي بآخر كلامه مقتضى أوله، قال: وليس ذلك، كقوله: إن شاء الله فإنه يجري في الكلام كالتردد بخلاف التعلق بمشيئة غيره، ووجهه بعضهم للمذهب المشهور في قوله إن شاء الله وإن شاء زيد، فإن مثل هذا الكلام يطلق للالتزام في المستقبل، ألا ترى أنه لو قال: لك عليَّ كذا إن رددت عبدي الآبق، كان ذلك التزاما في المستقبل، ولو قال: عليَّ ألف إذا جاء رأس الشهر، أو إذا قدم فلان، أطلق مطلقون أنه لا يكون إقرارًا، لأن الشرط لا أثر له في إيجاب المال، والواقع لا يعلق بالشرط.
وذكر الإمام رحمه الله، وغيره: أنه على القولين؛ لأن صدر الكلام صيغة التزام، والتعليق يرفع حكمه ويمكن أن يكون إطلاق من أطلق اقتصارًا على الأظهر من القولين في المسألة، وهذا إذا أطلق، وقال: قصدت التعليق.
أما إذا قال: قصدت به كونه مؤجلاً إلى رأس الشهر، فسيأتي، ولو قدم التعليق، فقال: إن جاء رأس الشهر، فعليَّ ألف لم يلزمه شيء؛ لأنه لم توجد صيغة التزام جازمه؛ نعم لو قال: أردت به التأجيل برأس الشهر قبل وفي "التتمة" حكايته وجه أن مطلقه يحمل على التأجيل برأس الشهر وبهذا أجاب فيما إذا آخر صيغة التعليق، فقال: عليَّ ألف إذا جاء رأس الشهر، ولم يذكر غيره، فيجوز أن يعلم لذلك قوله في الكتاب: "لم يلزمه أصلاً" -بالواو- قوله في الصورة الأولى، "فهو على قولين أيضًا"، ولعلك تقول: ما حكيت في صورة التَّعْلِيْق أفهمني أن الظَّاهر مذهب بطلان الإقرار فيما إذا قال: من ثمن الخمر والخنزير، أن الأصح عند العراقيين وغيرهم لزوم ما أقر به، فهل

من فارق؟!.
والجواب: أنه يمكن أن يقال: دخول الشَّرطِ على الجملة يصير الجملة جزءًا من الجملة الشرطية والجملة إذا صارت جزءًا من جملة أخرى تغير معناها.
وقوله: "من ثمن خمر أو خنزير" لا يغير معنى صدر الكلام، وإنما هو بيان جهته، فلا يلزم من إلاَّ يبعض الإقرار عند التعليق، بل يلغي تحرزًا من اتخاذ جزء الجملة جمله برأسها ألاَّ يتبعض في الصُّورة الأخرى.
ومنها: لو قال: عليَّ ألف مؤجل إلى وقت كذا، نظر إن ذكر الأجل مفصولاً لم يقبل، وإن ذكره موصولاً، ففيه طريقان كالطريقين فيما إذا قال ألف من ثمن عبد، لم أقبضه، والظاهر القبول، وبه قال أحمد.
وإذا قلنا: لا يقبل، فالقول قول المقر له مع يمينه في نفي الأجل، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
وأعلم لذلك قوله في الكتاب: "لا يطالب في الحال" بالحاء.
قال الإمام: وموضع الطريقين ما إذا كان الدَّين المقر به مطلقًا، أو مستندًا إلى سبب، وهو بحيث يتعجل، ويتأجل.
أما إذا استند إلى جهة لا تقبل التأجيل، كما إذا قال: ألف أقرضنه مؤجلاً، فيلغو ذكر الأجل، بلا خلاف، وإن أسنده إلى جهة يلازمها التأجيل، كالدِّيَةِ المضروبة على العاملة، فإن ذكر ذلك في صدر إقراره، بأن قال: قتل ابن عمي فلانًا خطأ، ولزمني من دية ذلك القتيل كذا مؤجلًا إلى سنةٍ انتهاؤها كذا، فهو مقبول لا محالة.
وإن قال: عليَّ كذا من جهة حمل العَقْل مؤجلًا إلى وقت كذا، فطريقان: أحدهما: القطع بالقبول؛ لأنه كذلك يثبت.
والثاني: أنه على القولين، والطريق الأول هو المذكور في الكتاب، لكن الثاني أظهر؛ لأن أول كلامه ملزم لو اقتصر عليه، وهو في الإسْنَادِ لتلك الجهة مدعٍ، كما في التأجيل.

فرع

لو قال: بعتك أمس كذا، فلم تقبل فقال: قد قبلت، فهو على قولي تبعيض الإقرار إن بعضناه، فهو مصدق بيمينه في قوله: قبلت، وكذا الحكم فيما إذا قال لعبده: أعتقتك على ألف، فلم تقبل، ولامراته خَالَعْتُكِ على ألف، فلم تقبلي وقال لا قبلنا.

فرع إذا قال أقر الآن بما ليس عليَّ لفلان عليَّ ألف، أو ما طلقت امرأتي، ولكن أقر

بطلاقها، فأقول طلقتها.
عن الشيخ أبِي عَاصمٍ أنه لا يصح إقراره.
وقال صاحب "التتمة": الصحيح أنه كما لو قال عليَّ ألف لا يلزمني لفلان.
ولو قال: عليَّ ألف وزعم أنه وديعة، فأما أن يذكر ذلك مفصلاً، أو متصلاً.
الحالة الأولى: وهي المذكورة في الكتاب أن يذكره منفصلاً فإن أتى بألف بعد إقراره، وقال: أردت هذا، وهو وديعة عندي، فقال المقر له: هو وديعة، ولي عليك ألف آخر دينًا، وهو الذي أردته بإقرارك، ففيه قولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- وأحمد: أن القول قول المقر له، فما أتى به وديعة، وعليه ألف دينًا؛ لأن كلمة "علي" تقتضي الثبوت في الذمة، ولهذا لو قال: علي ما على فلان، كان ضامنًا، والوديعة لا تثبت في الذمة، فلا يجوز التفسير بها.
وأصحهما: أن القول قول المقر مع يمينه؛ لأن الوديعة يجب حفظها، والتخلية بينها وبين المالك، فلعله أراد بكلمة "علي" الإخبار عن هذا الواجب، ويحتمل أيضًا أنه تعدى فيها، حتى صارت مضمونة عليه، فلذلك قال: هي عليَّ، وأيضًا فقد تستعمل "عليَّ" بمعنى "عندي"، وفسر بذلك قوله تعالى مخبرا: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: 14].
وحكى الإمام طريقة قاطعة بالقول الثاني، والمشهور إثبات القولين، وقد نسبهما الشيخ أبُو حَامِدٍ إلى نَصِّهِ في "الأم"، ولو كان قد قال: عليَّ ألف في ذمتي، أو ألف دينًا، ثم جاء بألف، وفسر كما ذكرنا، فإن لم تقبل في الصورة الأولى فهاهنا أولى وإن قبلنا هناك فوجهان: أحدهما: يقبل لجواز أن يريد الألف في ذمته، إن تلفت الوديعة، لأني تعديت فيها.
وأصحهما: أنه لا يقبل، والقول قول المقر له مع يمينه؛ لأن العين لا تثبت في الذمة وقوله في الكتاب تفريعًا على قبول التفسير بالوديعة ولا يقبل قوله في سقوط الضمان لو ادعى التلف أراد به ما ذكره الإمام من أن الأصحاب قالوا الألف مضمون، وليس بأمانة، لأن قوله: "علَيَّ" يتضمن الإلتزام، فلو ادعى تلف الألف الذي زعم أنه وديعة لم يسقط الضمان عنه، ولو ادعى رده لم يصدق؛ لأنه ضامن، وإنما يصدق المؤتمن، والمفهوم من هذا الكلام أنه لايصدق في دعوى تلفه بعد الإقرار، أو رده، لكن فيه إشكال توجيهًا ونقلًا.
أما التوجيه فإن كلمة "عليَّ" يجوز أن يريد بها صيرورتها مضمونة عليه لتعديه، ويجوز أن يريد بها وجوب الحفظ، والتخلية، ويجوز أن يريد بها عندي، كما سبق، وهذان المعنيان لا ينافيان الأمانة.

وأما النقل، فلأن قضية إيراد غيرهما أنه إن ادعى أنه تلف أورده قبل الإقرار لم يصدق؛ لأن التَّالف والمردود لا يكون عليه بمعنى من المعاني، فإن ادعى التلف بعد الإقرار، فيصدق، وقد صرح به صاحب "الشامل" في موضعين من الباب.
الحالة الثانية: أن يذكره على الاتصال، فيقول: لفلان عليَّ ألف وديعة، فيقبل، وتأويل كلامه على ما مر.
وعن الشيخ أبِي إِسْحَاقَ: أنه على القولين فيما لو قال: عليَّ ألف قضيته، وهو متوجه تفريعًا على عدم القبول حالة الانفصال.
وإذا قلنا بالقبول فإذا أتى بألف، وقال: هذا هو، فبع به، وإن لم يأت بشيء، وادعى التلف، أو الرد، ففي القبول وجهان بناهما في "التهذيب" على تأويل كلمة "عليَّ" إن حملناها على وجوب الحفظ قُبِلَ، وهو الأصح، وإن حملناه على صَيْرُورَتِهِ مَضْمونًا عليه، فلا يجوز أن يثبت في الحالة الأولى مثل هذا الخلاف، نظرًا إلى المعنيين، ولو قال: معي أو عندي ألف، فهو محتمل للأمانة، مصدق في قوله: إنه كان وديعة، وفي دعوى التلف والرد، ولو قال: له عندي ألف درهم مضاربة دينًا، أو وديعة دينًا، فهو مضمون عليه، ولا يقبل قوله في دعوى التلف، والرد نص عليه، ووجهوه بأن كونه دينًا عبارة عن كونه مضمونًا، فإن قال: أردت به أنه دفعه إلى مضاربة أو وديعة، بشرط الضمان لم يُقبل قوله، لأن شرط الضمان في الأمانة لا يوجب الضمان، هذا إذا فسر منفصلاً، وإن فسره متصلاً، ففيه قولا تبعيض الإقرار، ولو قال: عندي ألف عارية، فهي مضمونة عليه، صححنا إعارة الدراهم، أو أفسدناها؛ لأن الفاسد كالصحيح في الضمان، ولو قال: دفع إليَّ ألفًا، ثم فسره بوديعة وزعم تلفها في يده صدق بيمينه، وكذا لو قال: أخذت منه ألفًا.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا قال: أخذت منه ألفًا، ثم فسره بوديعة، وقال المأخوذ منه: بل غصبته، فالقول قول المقر له؛ لأن الأخذ منه قد لا يكون برضاه ودفعه يكون برضاه وعن القَفَّال أنه قال؛ المذهب عندي أنه يفرق بين اللفظين، كما قال أبو حنيفة رحمه الله، ولو ذكره على الاتصال، فقال: أخذت من فلان ألفًا وديعة، فعند أبى حنيفة لا يقبل، وعلى ما ذكره القَفَّالُ يجيء فيه القولان في تبعيض الإقرار، وظاهر المذهب لا يخفى والله أعلم.
قال الغزالي: (الثَّالِثَةُ): إِذَا قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لَكَ عَارَيةٌ قُبِلَ لأَنَّ الإِضَافَةَ بِاللاَّمِ تَحْتَمِلُ العَارِيَةَ إِذَا وُصِلَ بِهِ، وَقِيلَ فِيهِ قَوْلانِ، وَلَوْ قَالَ: هِيَ لَكَ هِبَةٌ ثُمَّ قَالَ: أَرَدتُّ هِبَةً قَبْلَ القَبْضِ قُبِلَ أَيْضًا، وَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُ وأَقْبَضْتُ، أَوْ رَهَنْتُ وَأَقْبَضْتُ ثُمَ قَالَ: كَذَبْتُ

لَمْ يُقْبَلْ، وَلَوْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّ القَبْضَ بِالقَوْلِ قَبْضٌ، أَوْ أَشْهَدتُّ عَلَى الصَّكِّ عَلَى العَادَةِ، وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ ليَحْلِفَ الخَصْمُ؟ فِيهِ خِلافٌ، وَلَوْ أَقَرَّ ثُمَّ قَالَ: لُقِّنْتُ بِالعَرَبِيَّةِ وَهُوَ عَجَمِيُّ لا يَفْهَمُ قُبِلَ دَعْوَاهُ بِالتَّحْلِيفِ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على ثلاثة مسائل: إحداها: إذا قال: هذه الدار لك عارية، فهو إقرار بالإعارة، وله الرجوع عنها.
وقال صاحب "التقريب": هي لك إقرار بالملك لو اقتصر عليه، وذكر العارية ينافيه، فيكون على القولين في تَبْعِيضِ الإقرار، وأجابوا، عنه بأن الإضافة بـ"اللام" تقتضي الاختصاص بالملك، أو غيره، فإن تَجَرَّدَت، وأمكن الحمل على الملك حمل عليه؛ لأنه أظهر وجوه الاختصاص، بالملك، وإن وصل بها، وذكر وجهًا آخر من الاختصاص، أو لم يمكن العمل على الملك، كقولنا: الجل للفرس حمل عليه، ولو قال: هذه الدار لك هبة عارية بإضافة الهبة إلى العارية، أو هبة سكنى، فهو كما لو قال: لك عارية، بلا فرق.
الثانية: الإقرار بالهبة لا يتضمن الإقرار بالقبض على المشهور.
وفي "الشامل" ذكر خلاف في المسألة إذا كانت العين في يد الموهوب منه، وقال: أقبضتني.
ولو قال: وهبته، وخرجت منه إليه فقد مر أن الظَّاهر أنه ليس بإقرار بالقبض أيضًا، وكذا لو قال: وهبت منه وملكها كذا قال في "التَّهْذِيْبِ" أما إذا أقر بالقبض مع الهبة، فقال: وهبت وأقبضت، أو سلمته منه، أو حازه منى لزمه الإقرار، عاد، وأنكر القبض، وذكر لإقراره تأويلاً، أو لم يذكر، فهو كما ذكرنا في "الرَّهْن" إذا قال: رَهَنْتُ وأقبضته، ثم عاد وأنكر المذكور في الرَّهْن أنه له تحليفه، وقيل: لا يحلفه إلاَّ أن يذكر للإقرار تأويلاً.
وقوله في الكتاب: "أو رهنت" "وأقبضت" كالمكرر؛ لأنه أورده ثم، إلاَّ إنه أورد الخلاف هاهنا فيما إذا ذكر لإقراره تأويلاً، وهناك أجاب بالأصح، وهو أنه يحلف، ولو أقر ببيع أو هبة، وقبض ثم قال: كان ذلك فاسدًا وأقررت لظني الصحة لم يصدق، لكن له تحليف المقر له، فإن نكل حلف المقر، وحكم ببطلان البيع والهبة، ولو أقر بإتلاف مال على إنسان، وأشهد عليه ثم قال: كنت عازمًا على الإتلاف، فقدمت الإشهاد على الإتلاف لم يلتفت إليه بحال، بخلاف ما لو أشهد على نفسه، ثم قال: كنت عازمًا على أن أستقرض منه، فقدمت الإشهاد على الاستقراض لأن هذا معتاد، وذلك غير معتاد.

الثالث: إقرار أهل كل لغة بلغتهم إذا عرفوها صحيحة، فلو أقر عجمي بالعربية، أو بالعكس، وقال: لم أفهم معناه، ولكن تلقنته فتلقنت صدق بيمينه، إن كان ممن يجوز إلاَّ يعرفه، وكذلك الحكم في جميع العقود، والحلول، وكذا لو أقر، ثم قال: كنت يوم الإقرار صغيرًا، وهو محتمل صدق بيمينه إذ الأصل الصغر، وكذلك لو قال: كنت مجنونًا، وقد عهد له جنون، ولو قال: كنت مكرهًا، وثم أمارات الإكراه من حبس أو توكيل، فكذلك، وإن لم تكن أمارة لم يقبل قوله، والأمارة إنما تثبت بإقرار المقر له، أو بالبينة، وإنما تؤثر إذا كان الإقرار لمن ظهر منه الحبس والتوكيل، أما إذا كان في حبس زيد لم يَقْدَحْ ذلك في الإقرار لعمرو، ولو شهد الشهود على إقراره، وتعرضوا لبلوغه، وصحّة عقله، واختياره، فادعى المقر خلافه لم يقبل لما فيه من تكذيب الشهود، ولا يشنرط في الشهادة التعرض للبلوغ، والعقل والطواعية، والحرية والرشد، ويكتفي بأن الظاهر وقوع الشهادة على الإقرار الصحيح، وفي مجهول الحرية قول أنه يشترط التعرض للحرية، وخرج منه اشتراط التعرض لسائر الشروط، والمذهب الأول.
قال الأئمة: وما يكتب في الوثائق أنه أقر طائعًا مع صحة عقله، وبلوغه احتياط، ولا تقيد به شهادة الإقرار لكونه طائعًا، وأقام الشهود عليه بينة على كونه مكرهًا قدم بينة الاكراه، ولا تقبل الشهادة على اجمراه مطلقًا، بل لا بد من التفصيل.
وقوله في الكتاب في مسألة التلقين "تقبل دعواه بالتحليف" إنما يذكر هذا اللفظ فيما لا يصدق فيه الشخص، لكنه يحلف فيه الخصم، وهاهنا هو مصدق على ما بينا والله أعلم بالصواب.
قال الغزالي: (الرابعة): إِذَا قَالَ: الدَّارُ لِزَيْدٍ بَل لعَمْرٍو وَسلَّمَ إلَى زَيْدٍ وَيُغَرَّمُ لِعَمْرو في أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُهَا من زَيْدٍ وَمِلْكهَا لِعَمْرٍو ويَبْرَأُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى زَيْدٍ فَلَعَلَّهُ مُرْتَهِنٌ أَوْ مُسْتَأجَرٌ.
قال الرافعي: فيها مسألتان: إحداهما: إذا قال: غصبت هذه الدار من زيد، لا بل من عمرو، أو قال: غصبت هذه الدار من زيد، وغصبها زيد من عمرو، أو قال: هذه الدار لزيد، لا بل لعمرو، فنسلم الدار لزيد، وهل يغرم المقر قيمتها لعمرو؟ فيه قولان منصوصان: أحدهما: وهو الذي نقله في "المختصر" في الصورة الأولى أنه لا يغرم؛ لأنه اعتراف للثاني، بما يدعيه، وإنما منع الحكم من قبوله، وأيضًا فإن الإقرار الثاني صادف

ملك الغير، فلا يلزمه شي، كما لو أقر لعمرو بالدار التي هي في يد زيد لعمرو.
والثاني: أنه يغرم، وبه قال أحمد، لأنه حال بين عمرو وبين داره بإقراره الأول والحيلولة تثبت الضمان بالإتلاف ألا ترى أنه لو غصبت عبدًا، فأبق من يده ضمنه، وهذا أصح عند الأكثرين، وفي الصورة الثالثة طريقة قاطعة بأنه لا يجب الغرم مذكورة في "التهذيب" و"التتمة" موجه بأنه لم يقر بجناية في ملك الغير، بخلاف الصورتين الأوليين فإنه أقر فيهما بالغَصْبِ، فضمن لذلك وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا قال: غصبت هذه الدار من فلان، بل من فلان غرم للثاني، ولو قال: هذه لفلان، بل لفلان لا يغرم للثاني، فيجوز أن يعلم لذلك قوله في الكتاب: "ويغرم لعمرو" بالحاء، ويجوز أن يعلم قوله: "في أقيس القولين" -بالواو- إشارة إلى الطريقة القاطعة بنفي الغرم، واختلفوا في موضع القولين، حيث ثبتا، فقال قائلون: هما مخصوصان بما إذا انتزعها الحاكم من يد المقر، وسلمها إلى زيد، فأما إذا سلمها إلى زيد، فأما إذا سلمها إلى زيد بنفسه غرمها لعمرو، بلا خلاف.
وقال آخرون: يجريان في الحالتين 1 لأن سبب انتزاع القاضي أيضًا إقراره، ولو باع عينًا وأقبضها، واستوفى الثمن ثم قال: كنت قد بعته من فلان، أو غصبته لم يقبل قوله: على المشتري، وفي غرامته القيمة للمقر له طريقان: أحدهما: أنه على القولين.
وأصحهما: عند صاحب "التهذيب" ورواه الماسرجس عن ابْنِ أَبِى هُرَيْرَة القطع بأنه يغرم لتفويته عليه بتصرفه، وتسليمه؛ لأنه استوفى عوضه، وللعوض مدخل في الضمان، ألا ترى أنه لو غر بحرية أمة فنكحها، وأحبلها، ثم أجهضت بجناية جانٍ يغرم المغرور الجنين لمالك الجارية، لأنه يأخذ الغرة، ولو سقط ميتًا من غير جناية لا يغرم، وينبني على هذا الخلاف، أن مدعي العين المبيعة، هل له دعوى القيمة على البائع مع بقاء العين في يد المشتري.
إن قلنا: لو أقر يغرمه القيمة، فله دعواها، وإلاَّ فلا، ولو كان في يد إنسان عين، فانتزعها منه مدعٍ بيمينه بعد نكول صاحب اليد، ثم جاء آخر يدعيها، هل له طلب القيمة من الأول.
إن قلنا: النكول، ورد اليمين، كالبينة، فلا كما لو كان الانتزاع بالبينة، وإن جعلناها كما الإقرار، ففي سماع دعوى الثاني عليه القيمة الخلاف.

الثانية: إذا قال: غصبت هذه الدار من زيد؛ لأنه اعترف له باليد.
والظاهر: كونه محقًّا فيها، ثم الخصومة في الدار تكون بين زيد وعمرو، ولا تقبل شهادة المقر لعمرو؛ لأنه غاصب، وفي غرامته لعمرو طريقان: أحدهما: أنه على القولين فيما إذا قال: غصبتها من زيد المقر، لا بل من عمرو، واختاره في "التهذيب".
وأصحهما: القطع بأنه لا يغرم؛ لأن الإقرارين هناك متنافيان والإقرار الأول مانع من الحكم بالثاني، وهاهنا لا منافاة لجواز أن يكون الملك لعمرو، تكون في يد زيد بإجارة، أو رهن، أو وصية بالمنافع، فيكون الآخذ منه غاصبًا منه، ولو أخر ذكر الغَصْب، فقال: هذه الدار ملكها لعمرو، وغصبتها من زيد، فوجهان: أظهرهما: أن الحكم كما في الصورة الأولى لعدم التنافي، فتسلم إلى زيد، ولا يغرم لعمرو.
والثاني: أنه إذا أقر بالملك أولاً لم يقبل إقراره باليد لغيره، فتسلم إلى عمرو، وفي الغرم لزيد القولان، هكذا أطلقوه، وفيه مباحثه؛ لأنا إذا غرمنا المقر في الصورة السابقة للثاني، فإنا نغرمه القيمة؛ لأنه أقر بالملك، وهاهنا جعلناه مقرًّا باليد دون الملك، فلا وجه لتغريمه القيمة، بل القياس أن يسأل عن يده أكانت بإجارة، أو برهن، أو غيرهما، فإن أسندها إلى الإجارة غرم قيمة المنفعة، وإن أسندها إلى الرَّهْن غرم قيمة المرهون ليتوثق به في دينه، وكأنه أتلف المرهون، ثم إن وفي الدَّين من موضع آخر، فترد القيمة عليه.
وقوله في الكتاب "يبرأ بالتسليم إلى زيد" يجوز إعلامه بالواو؛ لأنه أراد البراءة عن الغرم لعمرو على ما هو بين في "الوسيط"، وقد عرفت الخلاف فيه.

فرع

إذا قال: غصبت هذه العين من أحدكما، فيطالب بالتعيين، فإن عين من أحدهما سلمت إليه، وهل للثاني تحليفه ينبني على أنه لو أقر للثاني، هل يغرم له القيمة؟ إن قلنا: لا فلا إن قلنا: نعم، فنعم؛ لأنه ربما يقر له إذا عرضت اليمين عليه، فيغرم، فعلى هذا إن نكل ردت اليمين على الثاني، وإذا حلف، فليس له إلاَّ القيمة.
ومنهم من قال: إن قلنا: إن النكول ورد اليمين، كالإقرار من المدعى عليه، فالجواب كذلك.

أما إذا قلنا: كالبينة، فتنتزع الدار من الأول، وتسلم إلى الثاني، ولا غرم عليه للأول، وعلى هذا فله التحليف.
وإن قلنا: لا يغرم القيمة، لو أقر للثاني طمعًا في أن ينكل، فيحلف المدعي، ويأخذ العين، وإن قال المقر: لا أدري من أيكما غصبت، وأصر عليه فإن صدقاه، فالعين موقوفة بينهما حتى يتبين المالك، أو يصطلحا، وكذا إن كذباه، وحلف لهما على نفي العلم، هذا ظاهر المذهب في الفرع، وللشيخ أَبِي عَلِي فيه تطويل في "شرح الفروع" لكنه لم يتنقح لي تنقيح كلامه، فتركته والله اعلم بالصواب.
قال الغزالي: (الخامسة): إِذَا اسْتَثنَي عَنِ الإِقْرَارِ مَا لاَ يَسْتَغرِقُ صَحَّ كَقَوْلهِ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلاَّ تِسْعَةً يَلْزَمُهُ وَاحِدٌ، وَلَوْ قَالَ: عَشَرَةٌ إِلاَّ تِسْعَةً إِلاَّ ثَمَانِيَةً يَلْزَمَهُ تِسْعَةٌ، لأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ كَمَا أنَّهُ مِنَ الإثْبَاتِ نَفْيٌ.
قال الرافعي: الكلام من هذا الموضع إلى آخر الباب في الاستثناء، وهو جائز في الإقرار والطلاق وغيرهما، بشرط أن يكون متصلاً، ولا يكون مستغرقًا فإن سكت بعد الإقرار [طويلاً] أو تكلم بكلام أجنبي عما هو فيه، ثم استثنى لم ينفع الاستثناء 1. ولو استغرق، فقال؛ عشرة إلاَّ عشرة، فعليه العشرة؛ لأن هذا الاستثناء غير منتظم في البيان، ولو قال: على عشرة إلاَّ تسعة، أو سواء واحد، صح الاستثناء، ولزمه في الصورة الأولى درهم، وفي الثانية تسعة، ولا فرق بين استثناء الأقل من الأكثر، وبين عكسه.
وعن أحمد أنه لا يجوز استثناء الأكثر من الأقل.
فقوله في الكتاب: "يلزمه واحد" يصح إعلامه بالألف لذلك، ويصح إعلامه بالميم؛ لأن في "التتمة" أن مالكًا لا يصح عنده استثناء الآحاد من العشرات، ولا المئين من الألوف، وإنما يصح استثناء العشرات من المئين، والألوف.
وفي "الذخيرة" للبندنيجي أن مالكًا لا يصح الاسثناء في الإقرار أصلاً، ثم الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات؛ لأنه مشتق من الثنى، وهو الصرف، والصرف إنما يكون من الإثبات إلى النفي، وبالعكس، فلو قال؛ عليَّ عشرة إلاَّ تسعة إلاَّ ثمانية فعليه تسعة، المغنى إلاَّ تسعة لا يلزم إلا ثمانية فتلزم فتكون الثمانية والواحد

الباقي من العشرة، والطريق فيه، وفي نظائره أن يجمع كل ما هو إثبات، وكل ما هو نفي، فيسقط المنفي من المثبت، فيكون الباقي هو الواجب، فالعشرة في الصورة المذكورة، والثمانية مثبتتان يجمعهما، ويسقط التسعة المنفية من المجموع، يبقى تسعة، ولو قال: عشرة إلاَّ تسعة إلاَّ ثمانية إلاَّ سبعة، وهكذا إلى الواحد، فعليه خمسة لأن الأعداد المثبتة ثلاثون والمنفية خمسة وعشرون.
قال الإمام وطريق تمييز المثبتات من المنفيات أن ينظر إلى العدد المذكور أولاً، فإن كان شفعًا فالأوتار منفية والأشفاع مثبتة، وإن كان وترًا فالعكس، ولهذا شرط وهو أن تكون الأعداد المذكورة على التوالي الطبيعي، أو يتلو كل شفع منها وترًا، وبالعكس، ولو قال: ليس لفلان عليَّ شيء إلاَّ خمسة، فعليه خمسة، ولو قال: ليس له عليَّ عشرة إلاَّ خمسة لم يلزمه شيء عند الأكثرين؛ لأن عشرة إلاَّ خمسة خمسة فكأنه قال: ليس عليَّ خمسة.
وفي "النهاية" وجه آخر: أنه يلزمه خمسة، بناء على أن الاستثناء من النفي إثبات، ولو أتى باستثناء بعد استثناء والثاني مستغرق صح الأول، وبطل الثاني.
مثاله قال: عليَّ عشرة إلاَّ خمسة، إلاَّ عشرة أو عشرة إلاَّ خمسة إلاَّ خمسة يلزمه خمسة وإن كان الأول مستغرقًا، كقوله: عشرة إلاَّ عشرة إلاَّ أربعة.
فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: يلزمه عشرة، ويبطل الاستثناء الأول لاستغراقه، والثاني لبطلان المستثنى فيه يلزمه أربعة ويصح الاستثناءان؛ لأن الكلام إنما يتم بآخره وآخره يخرج الأول عن كونه مستغرقًا، ويصيره كأنه استثنى من أول الكلام ستة.
قال في "الشامل": وهذا أقيس.
والثالث: أنه يلزمه ستة؛ لأن الاستثناء الأول باطل، لاستغراقه، فيكون وجوده كعدمه، ويرجع الاستثناء إلى أول الكلام.
ولو قال: عليَّ عشرة إلاَّ عشرة إلاَّ خمسة، فعلى الوجه الأول يلزمه عشرة، وعلى الأخيرين خمسة، هذا إذا لم يكن في الاستثناء عطف، أما إذا قال: عشرة إلاَّ خمسة، وإلاَّ ثلاثة أو عليَّ عشرة إلاَّ خمسة، وثلاثة فهما جميعًا مستثنيان من العشرة، ولا يلزمه إلاَّ درهمان، فإن كان العددان بحيث لو جمعا حصل الاستغراق، كما إذا قال: عليَّ عشرة إلاَّ سبعة وثلاثة، فيلزمه عشرة؛ لأن "الواو" تجمعهما، وتوجب الاستغراق أو يخص الثاني بالبطلان؛ لأن الأول صح استثناؤه، والثاني مثل العدد الباقي، فهو المستغرق فيه وجهان.

قال الشيخ أبو علي: أصحهما الثاني، ورأى أن يفرق بين قوله: عشرة إلاَّ سبعة وثلاثة وبين قوله عشرة إلاَّ سبعة إلاَّ ثلاثة فيقطع في الصورة الثانية بالبطلان لأنهما استثناءان مستقلان، فيحصل من ذلك وجه ثالث فارق ومهما كان في المستثنى، والمستثنى منه عددان معطوف أحدهما على الآخر، ففي الجمع بينهما وجهان، كما في الصورة السابقة: أصحهما: ويحكى عن نصه في الطلاق، وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ والأكثرون أنه لا يجمع؛ لأن الواو العاطفة وإن اقتضت الجمع، لكنها لا تخرج الكلام عن كونه ذا جملتين من جهة اللفظ، والاستثناء، ويدور على اللفظ مثاله إذا قال: عليَّ درهمان ودرهم، إلاَّ درهمان إن لم يجمعه لزمه ثلاثة؛ لأنه استثنى درهمان من درهم، وإن جمعنا لزمه درهم، فكان الاستثناء من ثلاثة، ولو قال علىَّ ثلاثة إلا درهمين ودرهمًا فإن لم يجمع لزمه درهم، وصح استثناء الدرهمين إن جمعنا لزمه ثلاثة وكان الاستثناء مستغرقًا، ولو قال: ثلاثة إلاَّ درهماً، ودرهمين فإن لم نجمع لزمه درهمان، وإن جمعنا، فثلاثة، ولو قال: درهم فدرهم ودرهم إلاَّ درهماً ودرهمًا ودرهمًا لزمه ثلاثة على الوجهين؛ لأنا إن جمعنا جمعنا في الطرفين، وإن لم نجمع كان مستثنيًا درهماً من درهم، وحكم هذه الصورة في الطلاق، كحكمها في الإقرار، وقد ذكر صاحب الكتاب أكثرها في الطلاق، ولو قال: على عشرة إلاَّ خمسة أو ستة.
قال في "التتمة": يلزمه أربعة؛ لأن الدرهم الزائد مشكوك فيه، فصار كما لو قال: عليَّ خمسة أو ستة لم يلزمه إلاَّ خمسة، ويمكن أن يقال: يلزمه خمسة؛ لأنه أثبت العشرة، واستثنى منه خمسة، واستثنى درهماً زائدًا مشكوكًا فيه فلو قال: علىَّ درهم غير دانق، فقضية النحو وبه قال بعض الأصحاب أنه إن نصب "غير" فعليه خمسة دوانيق؛ لأنه استثناء وإلاَّ فعليه درهم تمام؛ إذ المعنى عليه درهم لا دانق.
وقال الأكثرون: السابق إلى فهم أهل العرف منه الاستثناء، فيحمل عليه، وإن أخطأ في الإعراب، والله أعلم.
قال الغزالي: (السادسة): الاسْتِثْنَاء مِنْ غيْرِ الجِنْسِ صَحِيحٌ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمِ إِلاَّ ثَوْبًا مَعْنَاهُ قِيمَة ثَوْبٍ، ثُمَّ لِيُفَسِّرْ بِمَا يَنْقُصُ قِيمَتَهُ عَنِ الأَلْفِ، فَلَوِ اسْتَغْرَقَ بَطُلَ تَفْسِيرُهُ في وَجْهٍ، وَأَصْلُ اسْتِثَنَائِهِ في وَجْهٍ.
قال الرافعي: الاستثناء من غير الجنس صحيح، كما إذا قال: عليَّ ألف درهم، إِلاَّ ثوباً، أو عبداً.
وقال مالك وأَبُو حَنِيْفَةَ لا يصح إلاَّ المكيل والموزون والمعدود، ويستثنى بعضها

من بعض مع اختلاف الجنس.
وقال أَحْمَدُ: لا يصح ذلك بحال وحجة المذهب مشهورة في الأصول، ثم عليه أن يبين ثوباً، وتستغرق قيمته الألف، فإن استغرق، فالتفسير لغو، وفي الاستثناء وجهان: أحدهما: أنه لا يبطل؛ لأنه صحيح من حيث اللفظ، وإنما الخلل فيما فسر به اللفظ، فيقال له: هذا التفسير غير صحيح، ففسره بتفسير صحيح.
والثاني: أنه يبطل الاستثناء، ويلزمه الألف؛ لأنه بين ما أراد باللفظ، فكأنه تلفظ به، والوجه الأول أصح عند صاحب "التهذيب".
وقال الإمام وغيره: الثاني أصح، وهو الأشبه، ويصح استثناء المجمل من المجمل والمجمل من المفصل، وبالعكس، فالأول كما إذا قال: ألف إلاَّ شيئاً، فيبين جنس الألف أولاً، ثم يفسر الشيء بما لا يستغرق الألف من الجنس الذي بينه المفسر به.
والثاني: كما إذا قال: عليَّ عشرة دراهم إلا شيء، ويفسر الشيء بما لا يستغرق العشرة.
وإذا قال: على شي إلاَّ درهماً يفسر الشي بما يزيد على الدرهم، وإن قّل، وكذا لو قال: ألف إلاَّ درهما، ولا يلزمه من استثناء الدرهم أن يكون الألف دراهم، ومهما بطل التفسير في هذه الصورة، ففي بطلان الاستثناء الوجهان، وإن اتفق اللفظ في المستثنى منه، كما إذا قال: عليّ شيء إلا شيئاً أو مال إلاَّ مالاً، فقد حكى الإمام عن القاضي فيه وجهين: أحدهما: أنه يبطل الاستثناء، كما لو قال: عليَّ عشرة إلاَّ عشرة.
والثاني: لا يبطل لوقوعه على القليل، والكثير، فلا يمتنع حمل الثاني على أقلّ ما يتمول، وحمل الأول على الزائد على أقل ما يتمول.
قال: وفي هذا التردد غفلة؛ لأنا إن ألغينا استثناؤه اكتفينا بأقل ما يتمول، وإن صححناه ألزمناه أيضاً أقل ما يتمول، فيتفق الجوابان، ويمكن أن يقال: حاصل الواجب لا يختلف، لكن التردد غير خالٍ عن الفائدة، فإنا إذا أبطلناه الاستثناء لم نطالبه إلاَّ بتفسير اللفظ الأول، وإن نبطله طلبناه بتفسيرهما وله آثار في الامتناع من التفسير، وكون التفسير الثاني غير صالح للاستثناء الأول، وما أشبه ذلك.
قال الغزالي: (السابعة) الاسْتِثْنَاءُ عَنِ العَيْنِ صَحِيحٌ كَقَوْلِهِ: هَذِهِ الدَّارُ لِفُلاَنٍ إِلاَّ ذَلِكَ البَيْتَ، وَالخَاتَمُ إلاَّ الفَصَّ، وَهَؤُلاَءِ العَبِيدُ إلاَّ وِاحِدًا، ثُمَّ لَهُ التَّعْيِينُ، فَإنْ مَاتُوا اِلاَّ وَاحِداً فَقَالَ: هُوَ المُسْتَثنَى قَبْلُ، وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلاَنِ.

قال الرافعي: صحته من المطلقان، كما إذا قال: هذه الدار لفلان، إِلاَّ هذا البيت، وهذا القميص إلاَّ كميه، وهذه الدراهم إِلاَّ هذا الواحد، وهذا القطيع إلاَّ هذه الشاة أو هذا الخاتم إلا هذا الفص ونظائره.
وفيه وجه: أنه لا يصح؛ لأن الاستثناء المعتاد هو الاستثناء من الأعداد المطلقة.
وأما المعينات، فالاستثناء فيها غير معهود، ولأنه إذا أقر بالمعين، كان ناصًّا على ثبوت الملك فيها، فيكون الاستثناء بعده رجوعًا، والأول ظاهر المذهب، وقد نص عليه في بعض الصور المذكورة، واقتصر في الكتاب هاهنا على ما هو الظاهر، لكنه قال في "الطلاق" لو قال: أربعتكن طوالق إلا فلانة 1 لم يصح هذا الاستثناء عند القاضي الحُسَيْنِ، كما لو قال: هؤلاء الأعبد الأربعة لفلان إلاَّ هذا الواحد لم يصح؛ لأن الاستثناء المعين لا يعتاد، وأجاب بعدم الصحة من غير ذكر الخلاف، والكلام في مسألة الطلاق يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، ولو قال: هؤلاء العبيد لفلان إلا واحداً، فالمستثنى منه معين، والمستثنى غير معين، وهو الصحيح إذا جوزنا الاستثناء من المعين، والرجوع إليه في غير المعين، فإن ماتوا إلاَّ واحداً فقال هو الذي أردته بالاسشاء قُبِلَ قوله مع يمينه؛ لأنه محتمل.
وفيه وجه: أنه لا يقبل بالتهمة، وندرة مثل هذا الاتفاق، وهو ضعيف بإجماع من نقله.
وقوله في الكتاب قبل: "وقيل: فيه قولان" يقتضي أولاً أن يكون الخلاف قولاً.
وثانيًا إثبات طريقين: طريقة جازمة، وطريقة خلافية، وفيهما نظر من جهة النقل.
ولو قال: غصبتهم إِلاَّ واحداً فماتوا إلاَّ واحداً، فقال: هو المستثنى قُبِلَ، بلا خلاف؛ لأن أثر الإقرار ينفي في الضمان، وكذا لو قتلوا في الصورة الأولى إلاَّ واحداً؛ لأن حقه يثبت في القيمة، فلو قال: هذه الدار لفلان، وهذا البيت منها لي، أو هذا الخاتم لفلان، وفَصُّهُ لي قُبلَ؛ لأنه إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، فكان كالاستثناء والله اعلم وقد فرغنا من شرح أَبواب الكتاب، سوى الأخير، ونذكر قبل الشروع فيه مسائل وفروع بقيت علينا مما يورد تعددًا في الإقرار، وإن كان بعضها أجنبيًا عنه.
منها: جارية في يد إنسان جاء غيره، وقال له: بعتك هذه الجارية بكذا أو سلمتها إليك، فأدِّ الثمن، وقال من في يده: بل زوجتنيها على صداق كذا، وهو علىَّ فإما أن يجري هذا التنازع، وصاحب اليد لم يولده، أو يجري بعد أن أولدها.

فأما في الحالة الأولى، فيحلف كل منهما على نفي ما يدعيه الآخر، فإن حلف سقط دعوى الثمن والنكاح، ولا مهر، سواء دخل بها صاحب اليد، أو لم يدخل؛ لأنه وإن أقر بالمهر لمن كان مالكاً، فهو منكر له، وتعود الجارية إلى المالك، ثم أحد الوجهين إنها تعود إليه، كما يعود المبيع إلى البائع لإفلاس المشتري بالثمن.
والثاني؛ أنها تعود بجهة أنها لصاحب اليد بزعمه، وهو يستحق الثمن عليه، فقد ظفر بغير جنس حقه من ماله، فلى هذا يبيعها، ويسوفي ثمنها، فإن فضل شيء فهو لصاحب اليد، ولايحل له وطؤها، وعلى الأول يحل له وطؤها، والتصرف فيها، ولابد من التَّلَفُّظ بالفسح، وإن حلف أحدهما دون الآخر، نظر إن حلف مدعي الثمن على نفي التزويج، ونكل صاحب اليد عن اليمين على نفي الشراء حلف المدعي اليمين المردودة على نفي المشتري، ووجب الثمن، وإن حلف صاحب اليد على الشراء، ونكل الآخر عن اليمين على نفي التزويج، حلف صاحب المردودة على النكاح وحكم له بالنكاح وبأن رقبتها للآخر، ثم ارتفع النكاح بطلاق، أو غيره حلت للسيد في الظاهر، وكذا في الباطن إن كان كاذبًا.
وعن القاضي الحُسَيْنِ، أنه إذا نكل أحدهما عن اليمين المعروضة عليه اكتفى من الثَّاني بيمين واحدة يجمع فيها بين النفي والإثبات، والمذهب الأول.
الحالة الثانية: إذا كان قد أولدها صاحب اليد، فالولد حر، والجارية أم ولد له باعتراف المالك القديم، وهو يدعي الثمن، فيحلف صاحب اليد على نفيه، فإن حلف على نفي الشراء لسقط عنه الثمن المدعى، وهل يرجع المالك عليه بشئ؟.
فيه وجهان: أحدهما: أنه يرجع بأقل الأمرين من الثمن، أو المهر، لأنه يدعي الثمن، وصاحب اليد مقر له بالمهر، فالأقل منهما متفق عليه.
والثاني: لا يرجع بشيء، لأن صاحب اليد أسقط الثمن عن نفسه بيمينه، والمهر الذي يقر به لا يدعيه الآخر، ولا يتمكنا من المطالبة به، وهل لصاحب اليد تحليف المالك على نفي الزوجية بعد ما حلف على نفي الشراء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه لو ادعى ملكها، وتزويجها يعد اعترافه بأنها أم ولد لآخر لم يُقبل، فكيف يحلف على ما لو أقر به لم يُقبل؟ والثاني: نعم طمعًا في أن ينكل فيحلف، ويثبت له النكاح، فلو نكل صاحب اليد عن اليمين على نفي الشراء، حلف المالك القديم المردودة، واستحق الثمن، وعلى كل حال فالجارية مقررة في يد صاحب اليد، فإنها أم ولده أو زوجته، وله وطؤها في الباطن، وفي الظاهر وجهان:

أحدهما: الحل، ووجه المنع أنه لا يدري أنه يطأ زوجته أو أمته وإذا اختلفت الجهة وجب الاحتياط للبضع كما قال الشافعي رضي الله عنه فيما إذا اشترى زوجته بشرط الخيار أنه لا يطأها في زمان الخيار لأنه لايدري أيطأ زوجته أم أمته.
واعتذر الإمام عن هذا النص وقال: ليس المنع في هذه الصورة لاختلاف الجهة، بل لأن الملك فى زمن الخيار للمشتري على قول، وإذا ثبت المِلْكُ انفسخ النكاح، والملك الثابت ضعيف لا يفيد حل الوطء، ونفقتها على صاحب اليد إن جوزنا له الوطء، وإلاَّ فقولان ذكرهما أبو إسحاق.
أحدهما: أنه على المالك القديم؛ لأنها كانت عليه، فلا يقبل قوله في سقوطها، وإن قبل هما عليه، وهو زوال المِلْكُ وزوال الاستيلاء.
وأصحهما: أنها في كسب الجارية، ولا يكلف بها المالك القديم، كما لا يكلف بنفقة الولد، وإن كانت حريته مستفادة من قوله أيضاً، فعلى هذا لو لم يكن لها كسب كانت من محاويج المسلمين، ولو ماتت الجارية قبل موت المستولد ماتت رقيقة، وللمالك القديم أخذ الثمن مما تركته من اكتسابها؛ لأن المستولد يقول: إنها بأسرها له، وهو يقول: إنها للمستولدة، وله عليه الثمن، فيأخذ حقه منها، والفاضل موقوف لا يدعيه أحد، وإن ماتت بعد موت المستولد ماتت حرة، ومالها لوارثها النسيب، فإن لم يكن فهو موقوف: لأن الولاء لا يدعيه واحد منهما، وليس للمالك القديم أخذ الثمن من تركتها لأن الثمن بزعمه على المستولدة، وهي قد عتقت بموته، فلا يؤدي دينه بما جمعته بعد الحرية، هذا كله فيما إذا أصرَّا على كلامهما.
أما إذا رجع المالك القديم، وصدق صاحب اليد لم يقبل في حرية الولد، وثبوت الاستيلاء، ويكون اكتسابها له ما دام المستولد حيًّا، فإذا مات عتقت، وكان اكتسابها له، ولو رجع المستولد، وصدق المالك القديم لزمه الثمن، وكان ولائها له.
ومنها: إقرار الورثة على الميت بالدَّين والعين مقبول كإقراره، ولو أقر بعض الورثة عليه بدين، وأنكر البعض فقولان: القديم، وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله أن على المقر أيضاً جميع الدَّين من نصيبه من التركة إن كان وافيًا، وإِلاَّ صرف جميع نصيبه إليه؛ لأن الدَّين مقدم على الميراث، فإذا أقر بدين على الميت لم يحل له شيء من التركة، ما بقي شيء من الدَّين، ويحكى هذا عن ابْنِ سُرَيْجٍ، واختاره القاضي الرُّويانِيُّ.
والجديد: أنه لا يلزمه من الدَّين إلاَّ نسبة نصيبه من التركة؛ لأن الوارث لا يقر بالدَّين على نفسه، وإنما يقر على الميت بحكم الخلافة عنه وأيضاً فإن أحد الشريكين في العبد المشترك إِذا أقر بجناية لم تلزمه إلاَّ بحصته، فكذلك هاهنا.

وقال بعض المتلقين عن الشيخ ابْنِ عاَصِم: يجب القطع بأن على المقر توفية جميع الدَّين مما في يده عند الإمكان، فإن المقر في نصيبه لا يتقاعد عن الأجنبي في جملة التركة ولو أقر أجنبي بدين في التركة يستغرقها لزمه إقراره حتى لو وقعت التركة يوماً من الدهر ألزم بصرفها إلى ذلك الدَّين، والقولان محمولان على أن بإقراره يثبت جميع الدَّين على الميت تبعاً لثبوته على المقر، أم لا يثبت إلاَّ حصته، وفائدته المتقدم على الوصية، فعلى قول: يتقدم جميع الدين المقر به على الوَصَايَا.
وعلى قول: حصته والمشهور الأول.
وإذا قلنا بالجديد، فلو مات المنكر ووارثه المقر فهل تلزمه جميع المقر به الآن؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم لحصول جميع التركة في يده، ويتفرع على القولين فرعان: أحدهما: لو شهد بعض الورثة بدين على المورث.
إن قلنا: لا يلزمه بالإقرار إلاَّ حصته تقبل.
وإن قلنا الجميع لم تقبل؛ لأنه متهم بإسقاط بعض الدَّين عن نفسه، ولا فرق بين أن تكون الشهادة بعد الإقرار أو قبله؛ لأنه متهم بالعدول من طريق الإقرار إلى طريق الشهادة وعليه إظهارها على مورثه بأحد الطريقين.
وعند أبِي حَنِيْفَةَ إِن شهد قبل الإقرار قبل، وإِن شهد بعده فلا.
الثاني: كيس في يد رجلين فيه ألف درهم فقال أحدهما لثالث لك نصف ما في الكيس فيحمل إقراره على النصف الذي في يده، أو على نصف ما في يده، وهو ربع الجميع؟.
فيه وجهان، بناء على القولين السابقين، وبنى على الخلاف فيما إذا أقر بأحد الشريكين في العبد المشترك بالسوية بنصفه أنه يحمل على نصيبه، أم يوزع النصف المقر به على النصفين، وهذا الخلاف الثاني مذكور في الكتاب في "باب العتق".
ومنها: مات عن اثنين فأقر أحدهما بأن أباه أوصى لزيد بعشرة، فهو كما لو أقر عليه بدين، فعلى القديم تتعلَّق كل العشرة بثلث نصيبه.
وعلى الجديد يتعلّق نصف العشرة بثلث نصيبه، وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ، بخلاف "ما قال في الإقرار بالدين، ولو أقر أحدهما بأنه أوصى بربع ماله، وأنكر الآخر، فعلى المقر أن يدفع ربع ما في يده إلى الموصى له، ولو أقر بأنه أوصى بعين من أعيان أمواله، نظر إن لم يقتسما التركة، فنصيب المقر في تلك العين يصرف إلى الموصى له والباقي للمنكر وإن اقتسماهما نظر، إن كانت تلك العين في يد المقر، فعليه دفعة إلى

الموصى له وإن كانت في يد المنكر، فللموصى له أخذ نصف القيمة من المقر؛ لأنه فوته عليه بالقسمة، ولو شهد المقر للموصى له قبلت شهادته، ويغرم المشهود عليه نصف قيمة العين، كما لو خرج بعض أعيان التركة مستحقًّا.
ومنها: لو قال لعبد: أعتقتك على ألف، وطالبه بالألف، فأنكر العبد، وحلف سقطت دعوى المال، ويحكم بعتق العبد لإقراره، وكذلك لو قال: بعت منك نفسك، إذا صححنا هذا التصرف وهو الصحيح ولو قال لولد عبده: بعتك والدك بكذا، فأنكر فذلك لاعترافه بصيرورته حرًّا إذا دخل في ملك أبيه.
ومنهما: إذا قال: لفلان عندي خاتم، ثم جاء بخاتم، وقال: هذا هو الذي أقررت به.
فعن الشافعي رضي الله عنه أنه قال في موضع يقبل منه ذلك وعليه تسليمه إلى المقر له، وقال في موضع آخر لا يلزمه التسليم.
قال الأصحاب: الأول محمول على ما إذا صدقه المقر له.
والثاني على ما إذا قال: الذي أقررت به غيره، وليس هذا لي، فلا يسلم ما جاء به إليه، والقول قول المقر في نفي غيره والله أعلم بالصواب 1.

" البَابُ الرَّابعُ في الإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ وَمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الإِقْرَارِ"

قال الغزالي: إِذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: هَذَا ابنْيِ الْتَحَقَ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يُكَذِّبَهُ الحِسُّ بِأَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ سِنَّاً مِنْهُ، أَوِ الشَّرْعُ بأَنْ يَكُونَ مَشْهُورَ النَّسَبِ، أَو المُقِرُّ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا فَيُنْكِرَ، فَلَوْ اسْتَلْحَقَ مَجْهوُلاً بِالغًا وَوَافَقَهُ لِحَقَ، وَلَوْ كَانَ صَغِيراً لَحِقَ في الحَالِ حَتَّى يَتَوَارَثَانِ في الصغَرِ، فَلَوْ بَلَغَ وَأنْكَرَ فَفِي اعْتِبَارِ إِنْكَارِهِ بَعْدَ الحُكْمِ بِهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ مَاتَ صَبِيٌّ وَلَهُ مَالٌ فَاسْتَلْحَقَهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَوَرِثَ، وَإِنْ كَانَ بَالِغاً فَاسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ المَوْتِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، لِأَنَّ تَأَخِيْرَهُ إِلَى الَمْوتِ يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَوْفًا من إِنْكَارِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الإقرار بالنسب لا يصح إلاَّ إذا كان المقر بالصفات المعتبرة في المقرين كما سبق، ثم لا يخلو إما أن يلحق النسب بنفسه أو بغيره.
القسم الأول: أن يلحق النسب بنفسه، فيشترط فيه أمور.
أحدها: ألا يكذبه الحس، ويكون ما يدعيه ممكناً، فلو كان في سن لا يتصور أن يكون ولداً للمستلحق بأن كان أكبر سنًا منه، أو مثله، أو كان المستلحق أكبر، ولكن بقدر لا يولد لمثله.
فلا اعتبار بإقراره.
ولو قدمت امرأة من الرُّوْم أو غيرها من بلاد الكفر 1، ومعها صبي، فادعاه رجل من المسلمين لحقه إن احتمل أنه خرج إليها، أو أنها قدمت قبل ذلك، وإن لم ينقدح احتمال لم يلحقه.
والثاني: ألا يكذبه الشرع، بأن يكون المستلحق معروف النسب من غيره؛ لأن النسب الثابت من شخص لا ينتقل إلى غيره، ولا فرق بين أن يصدقه المستلحق، أو = الواو آخره جيم، والعامة تشدد الواو وهو فارسي معرب.
قال ابن الجواليقي وغيره وفسره الشيخ المصنف باللحاف.

يكذبه، وفيما جمع من "فتاوي القَفَّال" أن المنفى بالِّلعَانِ لا يصح استلحاقهِ؛ لأن فيه شبهة للملاعن.
والثالث: أن يصدقه المقر له إذا كان ممن يعتبر تصديقه، فإن استلحق بالغًا، فكذبه لم يثبت النسب، إلاَّ أن يقيم عليه بينة، فإن لم تكن بينة حلف، فإن حلف سقط دعواه، فإن نكل حلف المدعي، وثبت نسبه، وكذا لو قال رجل لآخر: أنت أبي فالقول قول المنكر مع يمينه، وإن استلحق صغيرًا ثبت نسبه حتى يرث منه الصغير لو مات، ويرث هو لو مات الصغير، وإن استلحق صغيرًا، فلما بلغ كذبه، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يندفع النسب؛ لأنا إنما حكمنا به حين لم يكن إنكار.
وأظهرهما: أنه لا يندفع؛ لأن النسب مما يحتاط له، فهذا حكم بثبوته لم يتأثر بالانكار، كما لو ثبت بالبينة، وعلى هذا لو أراد المقر تحليفه.
قال ابْنُ الصَّبَّاغ: ينبغي ألا يمكن منه؛ لأنه لو رجع لم يقبل، فلا معنى لتحليفه، ولو استلحق مجنونًا فأفاق وانكر فهو على الوجهين، ولو استحلق صبيًا بعد موته لحقه كان له مال، أو لم يكن، ولم ينظر إلى التهمة بطلب المال، بل يورث؛ لأن أمر النسب مبني على التغلب، ولهذا نثبته لمجرد الإمكان حتى أنه لو قتله، ثم استلحقه يقبل، ويحكم بسقوط القصاص.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله: لا يلحقه.
وأما إذا كان بالغًا ففيه وجهان؛ لأن شرط لحقوق البالغ تصديقه، ولا تصديق، ولأن تأخير الاستلحاق إلى الموت يوشك أن يكون خوفاً من إنكاره، وهذا أظهر عند القَاضِي الحُسَيْنِ وصاحب "التَّهْذِيْبِ" والأكثرون على أنه يلحقه كالصغير، ومنعوا كون التصديق شرطاً على الإطلاق، بل هو شرط إذا كان المستلحق أهلاً للتصديق.
وأما الكلام الثاني، فهو تمسُّك بالتهمة، وقد بَينَّا أنه لا اعتبار بها في النسب، ويجري الوجهان فيما إذا استحلق مجنونًا طرأ جنونه بعد ما بلغ عاقلاً، ولو ازدحم اثنان فصاعداً على الاستلحاق، نظر إن كان المستلحق بالغاً ثبت نسبه ممن صدقه، وإن كان صبيَّاً لم يلحق بواحد منهما، بل الحكم ما هو مذكور في الكتاب في "باب اللَّقِيْطِ" فإذا عدم زحمة الغير شرط رابع للحقوق، وهكذا كله فيما إذا كان المستلحق ذكراً حرًا.
أما استلحاق المرأة والعبد، فسيأتيان في اللَّقيط إن شاء الله.
ولو استلحق عبد الغير، أو معتقته لم يلحقه إن كان صغيراً مُحَافَظَةً على حق الولاء للسيد، بل يحتاج إلى البينة، وإن كان بالغًا وصدقه ففيه خلاف نذكره هنالك 1.

ولو استلحق عبداً في يده، نظر إن لم يوجد الإمكان بأن كان أكبر سنًّا منه لغا قوله، وإن وجد، فإن كان مجهول النسب لحقه إن كان صغيراً، وحكم بعتقه، وكذا إن كان بالغًا وصدقه، وإن كذبه لم يثبت النسب، وفي العتق وجهان، وكذا لو كان المستلحق معروف النسب من غيره.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "التحق به" يجوز إعلامه -بالميم- لأن البندنيجي حكى عن مَالِكٍ أنه إن شاع في الناس أنه استلحق من ليس ولداً له لم يلحقه، وإن اجتمعت الشرائط التي ذكرناها.
قوله: "أو المقر له" ليس فيه إلاَّ اعتبار عدم التكذيب، وهو معتبر، لكنه غير مكتفي به، بل المعتبر تصديقه عند الإمكان صرح به صاحب "الشامل" وغيره، وقضيته أنه لو سكت لم يثبت النسب.
وقوله: "فلو استلحق مجهولاً بالغًا" لفظ "المجهول" لا ضرورة إليه في هذا الموضع، فإنه فقد بين اشتراطه من قبل، وإِذا كنا في شرط لم نحتج فيه إلى التعرض لسائر الشروط إلاَّ للإيضاح.

فرع

لو استلحق بالغًا عاقلاً، ووافقه، ثم رجعا.
قال ابْنُ أبِي هُرَيْرَةَ رحمه الله: يسقط النسب كما لو أقر بمال ورجع، وصدقه المقر له.
وعن الشيخ أبي حامد أنه لا يسقط؛ لأن النسب المحكوم بثبوته لا يرتفع بالاتفاق، كما لو ثبت بالفراش 1 والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ كَانَ لَهُ أَمَتَانِ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ وَلَدٌ وَلاَ زَوْجَ لَهُمَا فَقَالَ: أَحَدُهُمَا ابْنِي عُلِّقَتْ بِهِ أُمُّهُ فِي مِلْكِي طُولِبَ بِالتَّعْيِينِ، فَإِنْ عَيَّنَ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَعِتْقُهُ وَأمِّيَّةُ الوَلَدِ لْلأُمِّ، فإنْ مَاتَ كَانَ تَعْيِينُ الوارِثِ كَتَعْيِنِهِ، فَإِنْ عَجَزْنَا عَنْهُ فَإِلْحَاق القَائِفِ كَتَعْيِينِهِ، فَإنْ عَجَزْنَا فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُة عُتِقَ وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَلاَ مِيَراثُهُ إِذَ القُرْعَةُ لاَ تُعْمَلُ إلاَّ فِي العِتْقِ، وَهَلْ يُقْرَعُ بَيْنَ الأَمَتَيْنِ للاسْتِيْلاَدِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ أُمِّيَّةَ الوَلَدِ فَرْعُ النَّسَبِ = قال في الخادم: الأصح الأستلحاق، ولهذا قال في "التتمة" إن الحر إذا أقر بنسب عبد غيره أو عتقه إن قبلنا إقرار الرقيق بالنسب قبلنا الإقرار بنسبه أيضاً، وإن لم يقبل إقرار الرفيق ولا العتيق لم يقبل إقرار الحر بنسبهما لئلا يتضرر السيد.
انتهى، وسيأتي في كتاب اللقيط أنه يقبل إقرار العتيق والعبد بالنسب.

وَقَدْ أَيِسَ عَنْهُ، وَهَلْ يُوقَفُ نَصِيبُ ابْنٍ مِنَ المِيْرَاثِ؟ فِيْهِ خِلاَفٌ لأنَّهُ نَسَبٌ أَيس مِنْ ظُهُوْرِهِ فَيَمْتَنِعُ التَّوْرِيثُ بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَمَّةٌ لَهَا ثَلاَثَةُ أَوْلاَدٍ فَقَالَ: أَحَدُهُمْ ابْنِي فَإِنْ عَيَّنَ الأَصْغَرَ تَعَيَّنَ، وَإِنْ عَيَّنَ الأَوْسَطَ عُتِقَ مَعَهَ الأَصْغَرُ وَثَبَتَ نَسَبُهُمَا، إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ اسْتِبْرَاءَ بَعْدَ وِلاَدَةِ الأَوْسَطِ وَرَأَيْنَا ذَلكَ نَافِيًا لِلنَّسَبِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ البَيَان وَعَجزِنَا عَنْ تَعْيِينِ الوَارِثِ وَالقَائِفِ أُقْرعَ بَيْنَهُمْ، وَأُدْخِلَ الصَّغِيرُ في القُرْعَةِ، وَفَائِدَةُ خُرُوجِ القُرْعَةِ عَلَيْهِ اقْتِصَارُ العتق عَلَيْهِ وَإلاَّ فَهُوَ عَتِيقٌ فِي كلِّ حِالٍ، وِفِي وَقَفْ الميِرِاثِ الخِلاَفُ الَّذِي مَضَى.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان، تقدم علهيما أن له جارية ذات ولد إذا قال: هذا ولدي من هذه الجارية ثبت نسبه عند الإمكان، وهل تكون الجارية أم ولد؟ فيه قولان، ويقال: وجهان: أحدهما: لا لاحتمال أنه استولدها بالنكاح، ثم ملكها، وحينئذ لا تكون أم ولد له، وكذلك تحمل أنه استولدها بشبهة ثم ملكها وحينئذ لا تكون أم ولد أيضاً على أحد القولين: والثاني: نعم؛ لأن الظاهر أنه استولدها في الملك؛ لأنه حاصل محقق، والنكاح غير معلوم والأصل فيه العدم، وللمسألة خروج ظاهر على قول يقابل الأصل والظاهر، وما الأظهر من الخلاف في المسألة؟ ذكر الشيخ أَبُو حَامِدٍ وجماعة أن الثاني أظهر، وهو ظاهر نصه في "المختصر" لكن الأول أقرب إلى القياس، وأشبه بقاعدة الإقرار، وهي البناء على اليقين، ولقوته أعرض الأكثرون عن التَّرْجِيحِ، وأرسلوا ذكر الخلاف، ومن ذهب إليه لم يصعب عليه جعل النَّص على الصورة الآتيه.
ولو قال: أنه ولدي ولدته في ملكي فطريقان: أحدهما: بالقطع بثبوت أُمِيَّهِ الولد لتصريحه بالولادة في الملك.
وأصحهما: أنه على القولين لا حتمال أن يحبلها قبل الملك بالنكاح، ثم يشتريها وتلد بالملك، ولو قال: إنه ولدي استولدتها به في ملكي، أو علقت به ملكي، انقطع الاحتمال، وكانت أم ولد له لا محالة، وكذا لو قال: هذا ولدي منها، وهي في ملكي منذ عشرين سنة، وكان الولد ابن سنة، وهذا كله مفروض إذا لم تكن الأم مزوجة، ولا فراشاً أما إذا كانت مزوجة لم ينسب الولد إلى السيد، ولم يعتد باستلحاقه للحوقه بالزوج، وإن كانت فراشاً له، فإِن أقر بوطئها فالولد يلحقه بحكم الفراش لا بالإقرار،

ولا يعتبر فيه إلاَّ الإمكان، ولا فرق في الإقرار بالاستيلاد بين أن يكون في الصَّحَّة أو في المرض؛ لأن انشاءه نَافِذٌ في الحالتين.
إِذ تبين ذلك فالمسألة الأولى إذا كان له أمتان لكل واحدة منهما ولد، فقال: أحدهما ولدي، فَلِلأَمَتَيْنِ أحوال: أحدها: ألا تكون واحدة منهما مزوجة، ولا فراشًا للسيد، فيؤمر بالتعيين، كما لو أقر بطلاق إحدى امرأتيه، فإذا عين أحدهما ثبت نسبه، وكان حرًّا وورثه، وهل تصير أمه أم ولد له؟ ينظر، إن لم يزد على استلحاقه، فقولان على ما قدمنا، وإن صرح بإنه استولدها به في ملك اليمين صارت أم ولد له وإن صرح بأنه استولدها به في النكاح لم تصر أم ولد، وإن أضافه ألى وطء شبهة، ففيه قولان يذكران في موضعهما.
ولو قال: استولدتها بالزِّنَا مفصولاً عن الاستلحاق لم يقبل، وكانت أُمِّيَّةُ الولد على القولين فيما إذا أطلق الاستلحاق، وإِن وصله باللفظ.
قال في "التهذيب": لا يثبت النَّسَب ولا أمية الولد، ولك أن تقول: ينبغي أن يخرج على قولي تبعيض الإقرار.
ولو ادعت الأَمَةُ الأُخرى أن ولدها هو الذي استلحقه، وأنها التي استولدها، فالقول قول السيد مع يمينه وكذا لو بلغ الولد وادّعى فإن نكل السير، حلف المدعي وقضى بمقتضى يمينه ولو أن السيد مات قبل التعيين قام ورثته في التعيين وحكم تعيينهم حكم تعيينه في النسب والحرية والإرث، وتكون أم المعين مستولده إن ذكر السَّيِّدُ ما يقتضي ثبوت الاستيلاد، وإلاَّ سئلوا، وحكم بيانهم حكم بيان المورث، فإن قالوا: لا نعلم أنه بما استولدها، فعلى الخلاف فيما إذا أطلق المستلحق استلحاقه، ولو لم يكن وارث 1. فهو كما لو أطلقه الاسْتِلْحَاق، ويجوز ظهور الحال لِلْقَائِفِ مع موت المستلحق بأن كان قد رآه أو بأن يرى قبل الدفن، أو بأن يرى عصبته، فيجد الشبه، فإن عجز عن الاستفادة من القائف لعدمه، أو لإلحاقه الولدين به، أو نفيهما، أو أشكل الأمر عليه أقرعنا بينهما لنعرف الحر منهما، ولا ينتظر بلوغ الولدين حتى ينتسبا، بخلاف ما لو تنازع اثنان في ولد قائف؛ لأن الاشتباه هاهنا في أن الولد أيهما، فلوا اعتبر الانتساب فربما، ينتسب كل واحد منهما إليه، فلا يرتفع الإشكال، ولا يحكم لمن خرجت قرعته بالنسب والميراث؛ لأن القرعة على خلاف القياس، وِإنما ورد الخبر بها في العِتْقِ، فلا تعمل في النسب والميراث.

نعم هل يوقف نصيب ابْنٍ بين من خرجت القرعة له وبين الآخر؟ فيه وجهان سيأتي توجيههما.
والاظهر: منهما في المسألة الثانية، واختيار المُزَنِيِّ أنه يوقف.
وأما الاستيلاد فهو على التفصيل السابق، فإن لم يوجد من السَيِّدِ ما يقتضيه لم يثبت، وإن وجد فهل تحصل أمية الولد في أم ذلك بخروج القرعة؟ حكى الإمام فيه وجهين.
وقال المذهب: أنها لا تحصل؛ لأنها تتبع النَسَب، فهذا لم يجعله ولداً لم يجعلها أم ولد، والذي أورده الأكثرون أنها تحصل؛ لأن المقصود العِتْقُ، والقرعة عاملة فيه، فكما تفيد حريته تفيد حريتها، وعلى هذا الخلاف يحمل قوله في الكتاب: "وهل يقرع بين الأمتين في الاسِتْيَلاد؟ فيه خلاف" وقد يتبادر إلى الفهم من ظاهره إخراج القرعة بهما مرة أخرى، ولا يفعل ذلك إذ لا يؤمن خروج القرعة على غير التي خرج لولدها.

فرعان

: أحدهما: حيث يثبت الاستيلاد، فالولد حُرُّ الأصل لا ولاء عليه، وحيث لا يثبت فعليه الولاء إلاَّ إذا نسبه إلى وطء شبهة، وقلنا: أنها لا تفسير أم ولد إذا ملكها بعد ذلك.
والثاني: إذ لم يثبت الاستيلاد، ومات السيد ورث الولد أمه أمه، وعتقت عليه، وهذا إذا تعين لا بالقرعة، وإن كان معه وارث آخر عتق نصيبه عليه، ولم يشتر، هذا تمام الكلام في الصورة الأولى وهي المذكورة في الكتاب.
والثانية: إذا كانت الأمان مزوجتين لم يقبل قول السيد، وولد كل أمه يلحق بزوجها، وإن كانت فراشا للسيد، فإن كان قد أقر بوطئها لحقه الولدان بحكم الفراش.
الثالثة: إذا كانت إحداهما مزوجة لم يتعين إقراره في الأُخرى، بل يطالب بالتعيين فإن عين ولد المزوجة لم يُقبل، وإن عين في ولد الأخرى قُبِلَ، وثبت نسبه، وإن كانت إحداهما فراشًا له لم يتعين إقراره في ولدها، بل يؤمر بالتعيين، فإن عيّن في ولد الأُخرى لحقه بالإقرار، والولد الآخر ملحق به بالفراش.
المسألة الثانية: إذا قال من له أمة لها ثلاثة أولاد: أحد هؤلاء ولدي، والتصوير فيما إذا لم تكن مزوجة، ولا فراشًا للسيد قبل ولادتهم، فيطالب بالتعيين، فمن عينه منهم، فهو نسيب حر وارث، والقول في الاستيلاد على التفصيل الذي مَرَّ، ثم إذا كان المعين الأصغر فالأكبران رقيقان فلكل واحد منهما أن يدعي أنه الولد، والقول قول المنكر مع يمينه، فإن كان المعين الأوسط فالأكبر رقيق، وأمر الصغير مبني على استيلاد الأمة فإذا لم نجعلها مستولدة، فهو رقيق كالأم، وإن جعلناها مستولدة، فينظر إن لم

يدع الاستبراء بعد الأوسط فقد صارت فراشاً له بالأوسط، فيلحقه الأصغر ويرثه وإن ادعى الاستبراء، فينبني على أن نسب ملك اليمين هل ينتفي بدعوى الاستبراء؟ فيه خلاف مذكور في "اللعان".
وإن قلنا: لا ينتفي، فهو كما لو لم يدع الاستبراء.
وإن قلنا: ينتفي فلا يلحقه الأصغر، وفي حكمه وجهان: أظهرهما: أنه كالأم يعتق بوفاة السيد؛ لأنه ولد أم الولد، وأم الولد إذا ولدت من زوج، أو زنا عتق بعتقها.
والثاني: أنه يكون قِنًّا؛ لأن ولد أم الولد قد لا يكون كذلك، كما لو أحيل الراهن الجارية المرهونة، وقلنا: إنها لا تصير أم ولد له، فبيعت في الحق، وولدت أولادًا ثم، ملكها وأولادها، فإِنا نحكم بأنها أم ولد له على الصحيح، والأولاد أرقاء لا يأخذون حكمها، وأيضاً فإنه إذا أحبل جارية بالشبهة، ثم أتت بأولاد من زوج أو زنا، ثم ملكها، وأولادها تكون أم ولد له على قول، والأولاد لا يأخذون حكمها.
وإذا أمكن ذلك لم يلزمه من ثبوث الاستيلاد أن يأخذ الولد حكمها بالشك والاحتمال، ولصاحب الوجه الأول أن يقول: الاولاد في الصورتين المذكورتين ولدوا قبل الحكم بالاستيلاد، فالأصغر ولد بعد الحكم بالاستيلاد.
على أن بعضهم حكى في صورة الرَّهْن وجهاً أن الأولاد يأخذون حكمها، ولا يبعد أن يجئ مثله في صورة الإحبال بالشبهة.
وذكر في "التتمة" وجهاً آخر فيما إذا لم يكن يدع الاستبراء أنه لا يثبت نسبه، ويكون حكمه حكم الأم يعتق بموت السيد؛ لأن الاستبراء حصل بالأوسط، ولم أر لغيره ذكر، وإن كان المعين الأكبر، فالقول في حكم الأوسط والأصغر كما ذكرناه في الأصغر إذا عين الأوسط، ولو مات السيد قبل التعين عين وارثه، فإن لم يكن وارث أو قال: لا أعرف عرضوا على القائف ليعين، والحكم على التقديرين، كما لو عَيَّن السيد، فإِن تعذر معرفة القائف نص أنه يقرع بينهم لمعرفة الحرية، وثبوت الاستيلاد على التفصيل الذي سبق، واعترض المزني في المختصر بأن الأصغر حر بكل حال عند موت السيد: لأنه إما أن يكون هو المقر به أو يكون ولد أم الولد، وولد أم الولد يعتق بموت السيد، وإن كان حرًّا بكل حال وجب ألا يدخل في القرعة أيضاً لاحتمال أنها لا تخرج على غيره، فيلزم إرقاقه.
واختلف الأصحاب في الجواب عنه، فسلم بعضهم حريته، وقالوا: إنه لا يدخل في القرعة ليرق إن خرج لغيره، بل ليرق غيره إن خرجت عليه، ويقتصر العتق عليه،

وهذا ما ذكره في الكتاب، ومنها آخرون بناء على أنها وإن كانت أم ولد، فولد أم الولد يجوز أن يكون رقيقاً.
والأظهر الأول: وهو عين الوجه الأول المذكور فيما إذا عين الأوسط، وادعى الاستبراء بعده، وقلنا: إنه ينتفي به النسب، ثم إذا أقرعنا بينهم، وخرجت القُرْعَةِ لواحد منهم، فهو حر، والمشهور أن النسب والميراث لا يثبتان، كما ذكرنا في المسأله الأولى.
وعن المُزَنِيَّ في "المختصر الكبير" أن الأصغر نسيب بكل حال؛ لأنه بين أن يكون هو المراد بالاسْتِلْحَاقِ، وبين أن يكون ولد أمته التي صارت فراشاً له بولادة من قبل وجرى الأصحاب على رأيهم في الطَّعْنِ على اعتراضاته متبادرين، لكن الحق المطابق لما تقدم أن يفرق بين ما إذا كان السيد قد ادَّعَى الاستبراء قبل ولادة الأصغر، وبين ما إذا لم يدَّعه ويساعده في الحالة الثانية، وإذا ثبت النسب ثبتت الحرية لا محالة، وحيث لا نحكم بثبوت النسب، فهل يوقف الميراث؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنا نتيقن أن أحدهما ابنه، وإن لم تُفِدِ القُرْعَةُ تعيينه، فأشبه ما إذا طلق إحدى امرأتيه، ومات قبل البيان حيث يوقف نصيب امرأة.
والثاني: لا؛ لأنه إشكال وقع البائس من زواله، فأشبه ما إذا غرق المُتَوارِثَانِ، فلم يدر أنهما ماتا مَعاً، أو على التعاقب لا توريث، ولا وقف وهذا أصح عند الأكثرين.
واختار المُزَنِيُّ الوقف، واختلفت الرواية عنه في كيفيته، ففي رواية ابْنِ خُزَيْمَةِ وجماعة أنه إذا كان له ابن معروف النسب يدفع إليه ربع الميراث، ويدفع ربعه إلى الأصغر، ويوقف النصف.
وفي رواية ابْنِ عَبْدَانَ المَرْوَزِيِّ في آخرين أنه يدفع نصف الميراث إلى المعروف النسب، ويوقف النصف للمجهول، واعلم أن الرواية الأولى مبنية على ما ذهب إليه المُزَنِيُّ من أن الأصغر نسيب بكل حال، فهو والمعروف ابنان يقينًا، فيدفع النصف إليهما، ويوقف النصف بينهما وبين الأكبرين، فيجوز أن يكون الأوسط ابناً دون الأكبر والرواية الثانية اختيار الشافعي -رضي الله عنه- وجوابًا على أنه لا يثبت نسب واحد منهم على التعيين، ولكن يعلم أن فيهم ابناً، فيقف النصف له، ويدفع النصف إلى الابن المعروف.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "قال أحدهم: ابني" أراد ما إذا ذكر معه ما يقتضي الاستيلاد على أمة صور في المسألة الأولى، حيث قال: فقال أحدهما: إني علقت به في ملكي ألا ترى أنه حكم بعتق الأصغر عند تعيين الأوسط؟ وإنما يكون كذلك إذا ثبت الاستيلاد.

وقوله: "عتق معه الأصغر" يجوز إعلامه بالواو للوجه المنقول عن "التهذيب".
وقوله: "أقرع بينهم" بالحاء؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة أن الأصغر حُرٌّ كله، ويعتق من الأوسط ثلثاه؛ لأنه حر في الحالتين، وهما إذا عينه أو عين الأكبر، فالأكبر رقيق في حالة، وهي إذا عين الأصغر، ومن أكبر ثلثة؛ لأنه حر في حالة، هي إذا عين فيه رقيق في حالتين، وهما إذا عين في الأوسط أو الأصغر.
قال: ويعتق من الأم ثلثاها؛ لأنه قد عتق ثلثا ولدها.
وقوله: "وأدخل الصغير في القرعة أعلم بالرأي لما تقدم، ويجوز أن يعلم بالواو أيضاً؛ لأنه نقل في "النهاية" وجهاً عن بعض الأصحاب أن الصغير يخرج عن القرعة، قال: وهو ضعيف؛ لأنه إنما يقرع بين عبدين يتعين أن فيهم حرًّا، ومن الجائز أن يكون المستلحق الأصغر، ويكون الأكبران رقيقين، فكيف يقرع بينهما.
وقولة: "وإلاَّ فهو عتيق بكل حال" معلم -بالواو- لما مر.
قال الغزالي: أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِأَخُوَّةِ غَيْرِهِ أَوْ بِعُمُومَتِهِ فَهُوَ إِقْرَارٌ بِالنَّسَبِ عَلَى الغَيْرِ فَلاَ يُقْبَلُ إِلاَّ مِنْ وَارِثٍ مُسْتَغْرِقٍ، كَمَنْ مَاتَ وَخَلَفَ ابْناً وَاحِداً فَأَقَرَّ بِأَخٍ آخَرَ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَمَيِرَاثُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ زَوْجَةٌ اعْتُبِرَ مُوَافَقَتُهُمَا (و) لِشَرِكَتِهِمَا في الإِرْثِ، وَكَذَا مُوَافَقَتُهُ المَوْلَى (و) المُعْتِقَ، وإِنْ خَلَّفَ بِنْتًا وَاحِدَةً وِهِيَ مَعُتَقَةٌ ثَبَتَ النَّسَبُ بِإقْرَارِها لِأَنَّهَا مُسْتَغْرَقَة، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَقَةَ فَوَافَقَهَا الإِمَامُ ففِيِهِ خِلاَفٌ؛ لِأَنَّ الإِمَامَ لَيْسَ بِوَارِثٍ إِنَّمَا هُوَ نَائِبٌ، وَلَوْ خَلَّفَ اثْنَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأخٍ ثَالِثٍ وَأَنْكَرَ الأخَر النَّسَبُ وَلاَ المِيرَاثُ (ح) عَلَى القَوْلِ المنَصْوُصِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَثْبُتُ بَاطِنًا وَفِي الظَّاهِرِ خِلاَفٌ، فَلَوْ مَاتَ وَخَلَّفَ ابْنًا مُقِرَّاً فَهَلْ يَثْبُتُ الآنَ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، لِأَنَّ إِقْرَارَ الفَرْعِ مَسْبُوقٌ بِإنْكَار الأَصْلِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فِيَما إِذَا لَمْ يُخَلِّف إِلاَّ الأَخَ المُقِرَّ، وَلَوْ كَانَ سَاكِتًا فَمَاتَ فَأَقَرَّ ابْنُهُ ثَبَتَ لاَ مَحَالَةَ، وَالأَخُ الكَبِيرُ مَعَ الصَّغِيرِ لاَ يَنْفَرِدُ بِالإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوْ أَقَرَّ بِشَخْصٍ فأَنْكَرَ المُقِرُّ لَهُ نَسَبَ المُقِرِّ فَقِيلَ: إِنَّهُ لاَ يُشَارَكُ لِأَنَّ مُوجِبَ قَوْلِهِ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ لَهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الإِقْرَارَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الكُلَّ.
قال الرافعي: القسم الثاني: أن يلحق النسب بغيره مثل أن يقول: هذا أخي ابن أبي، أو ابنْ أمي، أو بعمومه غيره، فيكون ملحقًا للنسب بالجَدّ، والكلام في فصلين: أحدهما: في ثبوت النسب، ويثبت النسب بهذا الالحاق.
بالشرائط المقدمة، فيما إذا لحق بنفسه، وبشرائط أخر:

احداهما: أن يكون الملحق به ميتاً، فما دام حياً ليس لغيره الإلحاق به، وإن كان مجنونًا.
والثانية: ألا يكون الملحق به قد نفى المقر به، أما إذا نفاه، ثم استلحقه وارثه بعد موته، ففيه وجهان: أحدهما: اللحوق، كما استلحقه المورث بعد ما نفاه بلعان وغيره.
والثاني: المنع؛ لأنه نسب قد سبق الحكم ببطلانه، ففي إلحاقه به بعد الموت إلحاق عارٍ بنسبه، وشرط الوارث أن يفعل ما فيه حظ الموروث لا ما يضر به.
ولم يورد صاحب "التهذيب" من الوجهين إلاَّ الثاني، ولا معظم العراقيين إلاَّ الأول، وهو الأشبه.
والثالثة: صدور الإقرار من الورثة الحجائزين للتركة، وفيه مسائل: إحداها: إقرار الأجانب لا يثبت به النسب، ولو مات مسلم عن ابْنِ كافر، أو قاتل، أو رقيق لم يقبل إقراره عليه بالنسب، كما لا يقبل إقراره عليه بالمال، ولو كان له ابنان مسلم وكافر لم تعتبر موافقة الكافر، ولو كان الميت كافراً كفى استلحاق الكافر، ولا فرق في ثبوت النسب بين أن يكون المقر به كافراً، أو مسلماً.
الثانية: لو مات وخلف ابناً واحداً، وأقر بأخٍ آخر يثثبت نسبه ولو مات وخلف ابنين، أو بنتين أو بنات فلابد من اتفاقهم جميعاً، وكذلك تعتبر موافقة الزوج والزوجة، لأنهما من الورثة.
وفيهما وجه؛ لأن الزوجيه تنصرم بالموت، ولأن المقربه النسب، ولا شركة لهما في النسب، ويجرى مثل هذا الخلاف في المعتق، لو خلف بنتاً واحدة، فإن كانت حائزة بأن كانت معتقه يثبت النسب بإقرارها، وإن لم تكن حائزه، وافقها الإمام، فوجهان جاريان فيما إذا مات مَنْ لا وارث له، فألحق الإمام به مجهولاً، والخلاف مبني على أن الإمام له حكم الوراث، أو لا؟ والذي أجاب به العراقيون أنه يثبت النَّسَب بموافقة الإمام، ثم هذا الكلام فيما إذا ذكر الإمام ذلك لا على وجه الحكم، أما إذا ذكره على وجه الحكم.
فإن قلنا: إنه يقضي لعلم نفسه ثبت النسب، وإلاَّ فلا.
الثالثة: لا فرق بين أن تكون حيازة الملحق تركة، الملحق به بغير واسطة، فإن كان قد مات قبل جده، والوراث ابن الابن فلا واسطة.
الرابعة: البالغ من الوارثين لا ينفرد بالاقرار على الصحيح ونقل الإمام وجهاً أنه

ينفرد، ويحكم بثبوت النسب في الحال، وربما يوجه بأن أمر النسب خطر، فالظاهر من حال كامل الحال من الورثة أن يعتني به، ولا يجازف فيه، وعلى الأول ينتظر بلوغ الصبي، فإِذا بلغ الصبي، ووافق البالغ ثبت النسب حينئذ، فإن مات قبل البلوغ، نظر إن لم يخلف سوى المقر ثبت النسب، وإن لم يجدد إقراره، وإن خلف ورثة سواه اعتبر موافقتهم، إن كان أحد الوارثين مجنونًا، فهو كما لو كان أحدهما صبيًا، ولو خلف بالغين عاقلين، وأقر أحدهما وأنكر الآخر، ثم مات، ولم يخلف إلاَّ أخاه المقر، فأظهر الوجهين أنه يثبت النسب،؛ لأن جميع الميراث قد صار له.
وثانيهما: المنع؛ لأن إقرار الفرع مسبوق بإنكار الأصل، ويجري الخلاف فيما إذا أخلف المنكر وارثًا، فأقر ذلك الوارث.
والوجهان عند القاضي الحُسَيْنِ مبنيان على الوجيهن في اسْتِلْحَاق من نفاه المورث، ولو أقر أحد الاثنين، وسكت الآخر، ثم مات الساكت، وابنه مقر ثبت النسب لا محالة؛ لأن إقراره غير مسبوق بتكذيب الأصل.
الخامسة: لو أقر الوارث المستغرق بإخوة مجهول،.
فأنكر المجهول نسب المعروف لم يتأثر بقوله النسب المشهور.
وفيه وجه: أن المقر يحتاج إلى البينة على نسبة لاعترافه بنسب المجهول، وإنكاره إياه، والمذهب الأول، وفي ثبوت نسب المجهول وجهان: وجه المنع: أن المقر ليس بوارث بزعمه.
والثاني وهو الأصحه: أنه يثبت لحكمنا بأنه وارث حائز ولو أقر بإخوة مجهول، ثم إنهما أقرا بنسب ثالث، وأنكر الثالث نسب الثاني، ففي سقوط نسب الثاني وجهان: أصحهما: السقوط؛ لأنه ثبت بنسب الثالث، فاعتبر موافقته لثبوت نسب الثاني، ولو أقر بإخوة مجهولين، فصدق كل واحد منهما الآخر ثبت نسبهما، وإن كذب كل واحد منهما الآخر، فوجهان: أصحهما: ثبوت النسب لوجود الإقرار ممن يحوز التركه، فإن صدق أحدهما، وكذبه الآخر ثبت نسب المصدق دون المكذب، هذا إذا لم يكن المجهولان توأمين، فإن كانا توأمين، فلا أثر لتكذيب أحدهما الآخر، فإذا أقر الوارث بأحدهما ثبت نسب كليهما.
السادسة: إذا أقر بنسب من يحجب المقر، كما إذا مات عن أخ، أو عم، فأقر بابن للميت، فأحد الوجهين: أنه لا يثبت نسبه؛ لأنه لو ثبت لورث، ولو ورث لحجب المقر، وإذا حجب خرج عن الأهلية للإقرار، وإذا بطل الإقرار بطل النسب.

وأصحهما: في "التوريث" في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى ثم التوريث قد ينتفي بأسباب وموانع، ولا يبعد أن يكون هذا منها.

الفصل الثاني في

ثبوت الميراث

قال الغزالي: وَالمُقِرُّ يَحْتاَجُ إِلى البَيِّنَةِ، وَلَوْ أَقَرَّ الأَخُ بِابْنٍ لأَخِيهِ المَيِتِّ، فَالظَّاهِرُ أنَّهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ دوُنَ المِيرَاثِ، إِذْ لَوْ ثَبَتَ لَحَرُمَ الأَخُ وَلَخَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ الإِقْرَارِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا يَثْبُتَانِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا لاَ يَثْبتَانِ.
قال الرافعي: المقر به لا يخلو إما أن يكون ممن لا يحجب المقر به عن الميراث، أو ممن يحجبه، أو يحجب بعض الورثة المقرين، دون البعض.
الحاله الأولى: إذا لم يحجب المقر، فيشتركان في التركة على فرائض الله -تعالى- ولو أقر أحد الابنين المستغرقين بأخ، وأنكر الآخر، فظاهر المذهب، وهو المنصوص أنه لا يرث؛ لأن الإرث فرع النسب، وإنه غير ثابت، كما سبق وإذا لم يثبت الأصل لم يثبت الفرع، وعن صاحب "التقربب" حكايته وجه تخريج أن المقر له يرث، ويشارك المقر بما في يده، ورأيت ذلك لابْنِ سُرَيْجٍ، وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله ومَالِكٌ وأَحْمَدُ -رحمهما الله- ويتأيد بمسائل: منها: لو قال أحد الابنين: فلانة بنت أبينا، وأنكر الآخر حرم على المقر نكاحها، مع أنه فرع النسب الذي لم يثبت.
لو قال أحدهما لعبد في التركة: إنه ابن أبينا، هل يحكم بعتقه فيه وجهان.
ومنها: لو قال أحد شريكي العقار الثالث: بعت منك نصيبي، فأنكر لا يثبت الشراء، وفي ثبوت الشفعة للشريك خلاف.
ومنها: لو قال: لزيد على عمرو كذا، وأنا به ضامن، فأنكر عمرو، ففي مطالبة المقر بالضمان خلاف.
والأصح: المطالبة.
ومنها: إذا اعترف الزوج بالخلع، وأنكرت المرأة ثبتت البينونة، وإن لم يثبت المال الذي هو الأصل.
وإذا قلنا: بظاهر المذهب، وكذلك في ظاهر الحكم.
فأما في الباطن فهل على المقر إذا كان صادقًا أن يشركه فيما في يده؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كما في الظاهر.
والثاني: نعم.
قال ابْنُ الصَّبَّاغ: وهو الصحيح؛ لأنه عالم باستحقاقه، محرم عليه منع حقه منه،

جارٍ التحميل