الإذن (1) والله أعلم.
البَابُ الثَّانيِ فيِ الطَّوَارِئ، وَفِيهِ ثَلاثَةُ فُصُولٍ
قال الغزالي: الأُوَّلُ في النُّقْصَانِ فَإِذَا غَصَبَ مَا قِيمَتُة عَشْرَةٌ فَعَادَ إِلَى دِرْهَمِ وَرَدَّهُ بِعَيْنِهِ فِلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لأَنَّ الفَائِتَ رَغَبَاتُ النَّاسِ لاَ شَيْءٌ مِنَ المَغْصُوبِ، وَإِنْ تَلِفَ فَالَواجِبُ عَشَرَةٌ وَهُوَ أَقصَى القِيمَةِ، وَإِنْ تَلَفَ بَعْضُهُ كَالثَّوْبِ إِذَا أَبلاَهُ حَتَّى عَادَ إِليَ نِصْفِ دِرْهَمٍ بَعْدَ رُجُوعِ الأَصْلِ إلَى دِرْهَمٍ ضَمِنَ القَدْرَ الفَائِتَ وَهُوِ نِصْفُ الثَّوْبِ بِنَصْفِ أَقْصَى القِيَمِ وَهُوَ خَمْسَةٌ، وَرَدَّهَا مَعَ الثَّوْبِ البَالي.
قال الرافعي الطوارئ على المغصوب إما أن تعود إلى ذاته أو لا تعود إليها، فالأول إما أن تكون بزيادة أو نقصان، وإما أن لا تعود إلى ذاته.
فأهم ما نتكلم فيه من هذا النوع تصرفات الغاصب، فلذلك اشتمل الباب على ثلاثة فصول:
أولها: في النقصان، والناقص من المغصوب، إِما قيمته أو شيء من أجزائه وصفاته، أو كلاهما.
القسم الأول: أن يكون النقصان في القيمة وحدها، كما لو غصب ما قيمته عشرة، فرده بحالة، وقد عادت قيمته إلى درهم، فلا شيء عليه.
وقال أَبُو ثَوْرٍ: عليه نقصان القيمة، كما لو تلف المغصوب، والصورة هذه تلزمه أقصى قيمته عشرة.
لنا أن الفائت رغبات الناس لا شيء من المغصوب، بخلاف ما إذا أتلف، فإن الواجب هناك البدل، فوجب الأكثر لكونه مأموراً بالرد في تلك الحالة، وإذا كانت العين باقيةٌ، فالواجب ردها، وقد أتى به.
وليعلم قوله في الكتاب: "فلا شئ عليه -بالواو- لمذهب أبِي ثَوْرٍ، فإنه وإن كان داخلاً في طبقه أصحاب الشَّافعي -رضي الله عنه- فله مذهب برأسه، ولا يُعَدُّ تفرده وجهاً، لكن حكى المُوَفَّقُ بْنُ طَاهِرٍ أن من الأصحاب من يوافقه، وأيضاً فإن الإِمَامَ بعد1
توجيه مذهبه بأنه تسبب إلى تفويت تلك الزيادة بإدامة اليد العادية.
قال: وهذا يجده القياس منقاساً.
القسم الثاني: أن يكون النقصان في كليهما، فالجزء التالف مضمون بقسط من أقص القيم من يوم الغصب إلى التلف، والنقصان الحاصل بتفاوت السوق في الباقي المردود غير مضمون.
مثاله: غصب ثوباً قيمته عشرة، وانخفض السوق، فعادت قيمته إلى درهم، ثم لبسه، فأبلاه حتى عادت إلى نصف درهم يرده خمسه دراهم؛ لأن بالاستعمال والإبلاء تنسحق أجزاء من الثوب، وتلك الأجزاء، والصورة هذه نصف الثوب لانتهاء قيمته إلى نصف درهم، بعد ما كانت قبل الاستعمال درهماً، فيغرم النصف بمثل نسبته من أقصى القيم، كما يغرم الكل عند تلفه بالأقصى، ولو كانت القيمة عشرين، وعادت بانخفاض السوق إلى عشرة، ثم لبسه وأبلاه، حتى عادت إلى خمسة لزمه مع رده عشرة، ولو كانت عشرة، وعادت بانخفاض السوق إلى خمسة، ثم لبسه، وأبلاه حتى عادت إلى درهمين، لزمه مع رده ستة؛ لأنه تلف بالإبلاء ثلاثة أخماس الثوب، فيغرمها بثلاثة أخماس أقصى القيم.
وذكر الشيخ أبُو عَلِيٍّ أن بعض من شرح "المولدات" أخطأ في هذه الصورة؛ فقال: يلزمه ثلاثة؛ لأنها الناقصة بالإبلاء، ولا عبَرة بالخمسة التي هي نقصان السوق، وقياس قول هذا القائل أن يلزمه في الصورة الأولى، وهي المذكورة في الكتاب نصف درهم، وفي الثانية خمسة دراهم، ولو غصبه وقيمته عشرة، فاستعمله أولاً حتى عادت بالإبلاء إلى خمسة؛ ثم انخفض السوق فعادت قيمته إلى درهمين، فرده يلزمه مع الرد الخمسة الناقصة بالإبلاء، ولا يغرم النقصان الحاصل في السوق في البالي الباقي، ولو غصب ثوباً قيمته عشرة، ولبسه وأبلاه حتى عادت القيمة إلى خمسة، ثم ارتفع السوق، فبلغت قيمته، وهو بالٍ عشرة، فظاهر كلام ابْنِ الحَدَّادِ أنه يغرم مع رد الثوب عشرَة لأن الباقي من الثوب نصفه، وهو يساوي عشرة، فلو بقي كله لكان يساوي عشرين، فيغرم عشرة للتالف.
واختلف الأئمة فيه فساعده بعضعهم، وخالفه الجمهور على انقسامهم إلى مغلط ومؤل، وقالوا: لا يغرم مع رده إلاَّ الخمسة الناقصة بالاستعمال، ولا عبَرة بالزيادة الحاصلة بعد التلف، أَلاَ تَرَىَ أنَّه لو تلف الثوب أكله، ثم زادت القيمة لم يغرم تلك الزيادة.
قال الإمام والصفات كالأجزاء في ذلك كله، حتى لو غصب عبداً صانعاً قيمته مائة، فنسي الصنعة، وعادت قيمته إلى خمسين، ثم ارتفع السوق، فبلغت قيمته ناسياً
مائة، وقيمة مثله إذا أحسن تلك الصنعة مائتين، لا يغرم مع رده إلاَّ خمسين.
واعلم أن الجواب في صور إبلاء الثوب كلها مبني على أن أجره مثل المغصوب لازمه، مع أرش النقصان الحاصل بالاستعمال، وهو الأصح وقد مَرَّوجه آخر أنَّه لا يجمع بينهما، فعلى ذلك الوجه الجواب لزوم أكثر الأمرين من المقادير المذكورة، أو أجره المثل، ولو اختلف المالك والغاصب في قيمة الثوب الذي أبلاه أنها متى زادت، فقال المالك: زادت قبل الإبلاء، فاغرم التالف بقسطه منها، وقال الغاصب: بل زادت بعده قال ابْنُ سُرَيْجٍ: المصدق الغاصب؛ لأنه غارم، كلما لو تلف كله، واختلفا في أن القيمة زادت قبل التلف أو بعده.
وأما القسم الثالث، وهو أن يكون النقصان في شيء من الأجزاء أو الصفات بعدها فيوضحه المسائل الآتيه على الأثر والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ مَزَّقَ الثَّوْبَ خِرَقاً لَمْ يَمْلِكْهُ (ح) بَلْ يَرُدُّ الخِرَقَ وَأَرْشَ النَّقْصِ، وَإِنْ كَانَتِ الجِنَايَةُ لاَ تَقِفُ سِرَايَتُهَا اِلى الهَلاَكِ كَمَا لَوْ بَلَّ الحِنْطَةَ حَتَّى تَعَفَّنَتْ، أَو اتَّخَذَ مِنْهَا هَرِيَسَةٌ، أَوْ مِنَ التَّمْرِ وَالسَّمْنِ حَلْوَاء، فَنَصَّ الشَّافِعيُّ رَحمَةُ الله عَلَيْهِ أَنَّ المَالِكَ بِالِخَيارِ بَيْنَ أَنْ يأُخُذَ المَعِيبَ وَأَرْشَ النَّقْص أَوْ يُطَالِبَ بِمِثْلِ أَصْلِ المَالِ، فَإِنَّ مَصِيَرِهُ إِلى الهَلاَكِ فيِ حَقِّ مَنْ لاَ يُرِيدُهُ فَكَأنَّهُ هَالِكٌ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ وَهُوَ القِيَاسُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلاَّ مَا بَقِيَ من مِلْكهِ وَأَرْشُ النَّقْصِ.
قال الرافعي: النقصان الحاصل في المغصوب نوعانِ:
أحدهما: ما لا سرايه له، فعلى الغاصب أرشه، ورد الباقي لا فرق في ذلك بين أن يكون الأرش قدر القيمة، كما في يدي العبد، أو دونها، ولا بين أن يفوت معظم منافعه، أو يفوت، ولا بين أن يبطل بالجناية عليه الاسم الأول وألاَّ يبطل.
قال أَبُو حَنِيْفَةَ: إذا كان الواجب قدر القيمة، أو فوت الغاصب معظم منافعه بجنايته، كما لو مزق الثوب المغصوب خرقاً، أو شَقَّهُ طولاً أو كسر قوائم الدابة، أو بعضها لم يكن للمالك أن يغرمه شيئاً إلاَّ أن يترك المغصوب إليه، وكذا لو ذبح الشاة، أو صبغ الثوب بما لا يقبل بعده لوناً آخر، وهو السواد، قال: فإذا تصرف بما أبطل الأسم الأول ملك، وغرم قيمته، ولا سبيل للمالك إلى أخذه منه، وهذا كما إذا غصب حِنْطَةً فطحنها، أو دقيقاً فخبزه، أو شاة فذبحها وشواها، أو صفراً واتخذه آنية، أو ثوباً فخاط منه قميصاً، وساعدنا في قطع أذن الدابة، وإحدى يدي العبد، وما أشبهها أنه يأخذ الباقي، ويغرمه الأرش.
واحتج الشَّافعي -رضي الله عنه- فقال: جناية قطع اليدين فوق جناية قطع إحداهما، فإذا لم يستفد بالغرامة في أدنى الجنايتين ملكًا وجب إلاَّ يستفيد في أعلى الجنايتين بطريق أولى.
وعبارة الأصحاب أنه جنى على ملك الغير، فلا يتوقف تغريمه على تمليكه، كما لو قطع إحدى اليدين، ولو أراد المالك ترك الناقص عند الغاصب، وتغريمه بدله لم يكن له ذلك، فإنه عين ملكه.
ونقل صاحب "المهذب" وغيره وجهاً أنه إذا طحن الطعام المغصوب للمالك ترك الدقيق ومطالبته بالمثل؛ لأنه أقرب إلى حقه من الدقيق.
والنوع الثاني: ما له سراية لا تزال تزداد إلى الهلاك الكلي، كما لو بل الحنطة، وتمكن منها العفن السَّاري، أو اتخذ من الحِنْطة المغصوبة هريسةٍ، أو غصب سمناً وتمراً ودقيقاً، واتخذ منها عصيدة نقل العراقيون عن نصه -رضي الله عنه- في "الأم" أنه يجعل كالهالك ويغرم بدل كل مغصوب من مثل، أو قيمة.
وقول آخر عن رواية الرَّبيع أنه يرده مع أرش النقصان، ثم قالوا: فيه طريقان للأصحاب:
أحدهما: إثبات القولين، وجه الثاني القياس على النوع الأول من النقصان، ووجه الأول أنه مشرف على التلف والهلاك، ولو ترك حاله لفسد، فكأنه هالك.
والطريق الثاني: القطع بالقول الأول، وجعله كالهالك أظهر عندهم، سواء أثبت القولين أو لا.
وأما الإمام وصاحب "التهذيب" فإنهما رويا في المسألة قولين:
أرجحهما: أنه يرده مع أرش النقصان، وليس للمالك إلاَّ ذلك.
والثاني: أنه يتخير المالك بينه وبين أن يغرمه بدل ماله من مثل، أو قيمة، ويجعل كالهلاك؛ لأن أرْشَ النقص السَّارى لا يكاد ينضبط، فله أن يكفى مؤنة نفسه الاطلاع عليه وأيضاً، فإنه إذا لم يرده وتركه بحاله يهلك، بخلاف ما إذا طحن الحِنْطَة، فإنه وإن لم يرد الدقيق، فلو تركه بحاله لا يهلك.
ونسب الإمام التخير هكذا إلى نص الشَّافعي -رضي الله عنه- وبه أجاب طائفة، منهم الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ والمَسْعُودِيُّ، وهو كالمتوسط بين ما اختاره العراقيون، وبين ما اختاره الإمام، وصاحب "التهذيب"، وذكر البندنيجى قولاً آخر عن رواية أَبِي إسحاق في الشرح أنَّه يتخير الغاصب بين أن يسكنه ويغرمه، وبين أن يرده مع أرش النقصان، ويخرج المختصر من هذه الروايات أربعة أقوال:
تغريمه: كما هلك رده وأرش النقصان.
تخيير: المالك تخيير الغاصب.
وإذا قلنا بالأول، فقد أورد أبُو سَعِيدٍ المُتَوِّلى وجهين 1 في أن الحنطة المبلولة لمن تكون؟
أحدهما: تبقى للمالك كيلا يكون العدوان قاطعاً حقه، كما لو نجس زيته، وقلنا: إنه لا يطهر بالغسل، فإن كونه للمالك أولى به.
والثاني: أنها تصيير للغاصب؛ لأنا ألحقناه بالهلاك في حق المالك، ولو هلك لم يكن للمالك غير ما أخذه ضماناً، وكذلك هاهنا، وإذا حكمنا بتغريمه الأرش مع الرد، فإنه يغرم أرش عيب سارٍ، وهو أكثر من أرش الفائت.
ثم قال الشيخ المتولى: إن رأى الحاكم أن يسلم الجميع إليه فعل، وإن رأى سلم أرش النقص المتحقق في الحال إليه، ووقف الزيادة إلى أن تتيقن نهايته، وفي هذا توقف؛ لأن المعقول من أرش العيب الساري أرش العيب الذي شأنه السّرَاية، وأنه حاصل في الحال.
أما المتولد منه، فيجب قطع النظر عنه، إذ الكلام في النقصان الذي لا تقف سرايته إلى الهلاك، فلو نظرنا إلى المتولد معه لا نجر ذلك إلى أن يكون أرش العيب الساري تمام قيمته، وهو عود إلى القول الأول، وقد بَيَّنَ في "شرح المفتاح" الشيخ أبُو حَامِدٍ السلمي ذلك، فإنه قال في التعبير عن قول التخيير: إن شاء المالك ضمنه ما نقص إلى الآن، ثم لا شيء له من زيادة فساد تحصل من بعد، وإن شاء تركه، إليه، وطالبه بجميع البدل.
ومن صور النوع الثاني ما إذا صَبَّ الماء في الزيت، وتعذر تخليصه منه، فأشرف على الفساد.
وعن الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ تردد في مرض العبد المغصوب، إذا كان سارياً عسر العلاج، كالسل والاستسقاء، ولم يرتضه الإمام؛ لأن المرض الميئوس منه قد يبرأ، والعفن المفروض في الحنطة يفضي إلى الفساد لا محالة 2.
وقوله في الكتاب: "وفيه قول مخرج" لم أجد غيره يصفه بكونه مخرجاً، وقد
ذكرنا أنهم نقلوه عن رواية الرَّبِيْع، ولا حاجة مع النقل إلى التخريج، نعم ربما لا يبلغ النقل المخرج، فيقع الحافر على الحافر، والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ جَنَى العَبْدُ المَغْصُوبُ جَنَايَةً قَتَلَ بِهَا قِصَاصاً ضَمِنَ الغَاصِبُ للمَالِكِ أَقْصَى قِيمَتِهِ إذْ حَصَلَ الفَوَاتُ تَحْتَ يَدِهِ، وإنْ تَعَلَّقُ الأَرْشُ بِرَقَبَتِهِ ضَمِنَ الغَاصِبُ لِلمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَمَا يَضْمَنُ المَالِكُ إذَ مَنَعَ البَيْعَ وَكَأنَّ الغَاصِبَ مَانِعٌ، فَإنْ تَلَفَ العَبْدُ في يَدِهِ ضَمِنَ لِلمَجنِيِّ عَلَيْهِ الأَرْشَ وَلِلمَالِكِ القِيمَةَ، وَإِنْ سَلَّمِ القِيمَةَ اِلىَ المَالِكِ فَللِمَجْنيِّ عَلَيْهِ التَّعَلُّقُ بِهِ لأنَّهُ بَدَلُ عَبْدٍ تَعَلَّقَ بِهِ أَرْشُهُ، فَإذَا أَخَذَهُ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ رَجَعَ المَالِكُ عَلَى الغَاصِبِ بَمِا أَخَذَهُ لأنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ.
قال الرافعي: مقصود الفصل الكلام في جناية العبد المغصوب، وسب ذكره في هذا الموضع أن الجناية أحد أنواع النقصان، ونحن نذكره، ونضم إليه حكم الجناية عليه.
أما جنايته، فينظر إن جنى بما يوجب القصاص، واقتص منه في يد الغاصب، غرم الغاصب أقصى قيمة من يوم الغَصْب إلى الأقتصاص، وإن جنى بما يوجب القصاص في الطرف، واقتص منه في يده غرم بدله، كما لو سقط بآفة سماوية ولو اقتص منه بعد الرد إلى السيد، غرم الغصب أيضاً؛ لأن سبب الفوات حصل في يده، وكذا الحكم لو ارتد، أو سرق في يد الغاصب، ثم قتل، أو قطع بعد الرد إلى المالك، ولو غصب مرتدّاً أو سارقاً، فقتل أو قطع في يد الغاصب، هل يضمنه الغاصب؟
في "النهاية" أنه على الوجهين، في أنه إذا اشترى مرتدّاً أو سارقاً، فقتل، أو قطع في يد المشترى، فمن ضمان من يكون القطع والقتل؟ ولو جنى المغصوب على نفس، أو مال جناية توجب المال متعلقاً برقبته، فعلى الغاصب تخليصه بالفداء.
قال الإمام: وبم يفدية بأرش الجناية بالغاً ما بلغ، أو بأقل الأمرين من الأرش، ومن قيمة العبد فيه قولان، كما إذا أراد المالك تخليص العبد الجاني، وفداه، قال: وهذا؛ لأن وجوب بذل الأرش بتمامه في حق المالك، ووجهه أنه امتنع من البيع، ولو رغب فيه ربما.
وقع الظفر بمن يشتريه بمقدار الأرش، ومثل هذا موجود في حق الغاصب؛ لأنه بالغصب مانع ملكه من بيعه وينزل ذلك منزله المالك المانع، ويترتب عليه تضمينه المجني عليه، وهذا ما أشار إليه صاحب الكتاب بقوله: "كما يضمن المالك إذا منع اليع، وكأنه الغاصب مانع".
ولك أن تقول: لو كان يضمنه للمنع من البيع أسقط الضمان إذا رده إلى المالك لارتفاع الحيلولة، ولا يسقط بل لو بيع في الجناية بعد الرد إلى المالك، غرمه الغاصب
أيضاً، كما سيأتى ولم يوجه العراقيون تضمينه بذلك، وإنما وجهوه بأن جناية العبد لنقص دخله، كسائر وجوه النقصان، وسواء جرى الوجهان، كما ذكره الإمام أولاً، فالظاهر أنه لا يجب على الغاصب تحصيله إلاَّ بأقل الأمرين، وهو المذكور في "التتمة"، فإذا ثبت أن الجانى والجناية مضمونان على الغاصب، فلا يخلو إما أن يتلف العبد في يد الغاصب، أو يرده إن تلف في يده، فللمالك تغريمه أقصى القيم، فإذا أخذها، فللمجنى عليه إن لم يغرم الغاصب له بعد أن يغرم الغاصب، وله أن يتعلق بالقيمة التي أخذها المالك؛ لأن حقه كان متعلقاً بالرقبة، فيتعلق ببدلها، كما أن العَيْن المرهونة إذا أتلفها متلف يتوثق المرتهن ببدلها.
وحكى الشيخ أَبُو عَلِيٍّ وَجْهاً أن القيمة المأخوذة تسلم للمالك، ولا يطالبه المجني عليه بها، وإنما يطالب الغاصب، كما أن المجني عليه لو أخذ الأرش لم يكن للمالك التعلق به، فهما كرجلين لكل واحد منهما دين على ثالث، والصحيح الأول، وإذا أخذ المجني عليه حقه من تلك القيمة، يرجع المالك بما أخذه على الغاصب؛ لأنه لم يسلم له، بل أخذ منه بجناية مضمونة على الغاصب، ثم الذي يأخذه المجني عليه قد يكون كل القيمة بأن كان الأرش مثل القيمة، وقد يكون بعضها بأن كانت القيمة ألفاً، والأرش خمسمائة، فلا يأخذ إلاَّ خمسمائة، ولا يرجع المالك إلاَّ بخمسمائة؛ لأن الباقي قد سلم له، وكذا لو كان العبد يساوى ألفاً، فرجع بانخفاض السوق إلى خمسمائة، ثم جنى، ومات عند الغاصب، فغرمه المالك الألف لم يكن للمجنى عليه إلاَّ خمسمائة وإن كان أرش الجناية ألفاً؛ لأنه ليس له عليه إلاَّ قدر قيمة الجناية، وإن رد العبد إلى المالك، نظر إن رده بعد ما غرم المجني عليه، فذاك، وإن رد قبله، فبيع في الجناية رجع المالك على الغاصب بما أخذه منه؛ لأن الجناية حصلت حين كان العبد مضموناً عليه، ويخالف ما إذا جنى في يد المالك، ثم غصبه غاصب، فرده، ثم بيع في تلك الجناية، حيث لا يرجع المالك بشيء؛ لأن الجناية حصلت، وهو غير مضمون عليه.
وفرع ابْنُ الحَدَّادِ على ذلك، فقال: إذا جنى في يد المالك جناية تستغرق قيمته، ثم غصب وجنى في يد الغاصب جناية أخرى مستغرقة، ثم رده إلى المالك، ثم بيع في الجنايتين وقسم الثمن بينهما نصفين، يرجع المالك على الغاضب بنصف قيمة العبد؛ لأن إحدى الجنايتين وجدت، والعبد في ضمانه، فإذا أخذه كان للمجني عليه الأول التعلق به، ولا حق للمجنى عليه الثاني.
ووجه الشيخان أبُو عَلِي وأَبُو مُحَمَّدٍ بأن سبب وجوب هذا النصف إنما هو الغصب، فإنه بالغصب ضمن ما يجنى المغصوب، والغصب مقدم على الجناية الثانية،
فلا يأخذ المجنيّ عليه الثاني، بما يوجب به شيئاً، كما لو جنى عبده على رجل، ثم قطعت يده، ثم جنى على آخر، ثم قتل أو مات من سراية القطع، فإن أرش اليد لا يأخذ منه المجني عليه الثاني شيئاً لوجوبه بالقطع المتقدم على الجناية عليه، ثم إذا أخذ المجني عليه الأول لم يرجع المالك على الغاصب؛ لأنه أخذه بسبب جناية غير مضمونة على الغاصب، ولو كان الفرع بحاله، وتلف العبد بعد الجنايتين في يد الغاصب، فله طلب القيمة من الغاصب، وللمجني عليه أخذها، فإذا أخذها، فللمالك الرجوع بنصفها على الغاصب؛ لأنه أخذ منه النصف بجناية مضمونه على الغاصب، فإذا رجع فللمجني عليه الأول أخذه؛ لأنه بدل ما تعلق به حقه قبل الجناية الثانية وإذا أخذه لم يكن له الرجوع على الغاصب مرة أخرى؛ لأنه مأخوذ بجناية غير مضمونة على الغاصب، هذا ظاهر المذهب في الحالتين.
وقيل: إذا رد العبد، وبيع في الحالتين، فالنصف الأول يرجع به المالك سلم له، ولا يؤخذ منه، وإنما يطالب المجني عليه الأول الغاصب بنصف القيمة، وإذا ثبت في يد الغاصب بعد الجنايتين، لا يأخذ المالك شيئاً ولكن المجني عليه الأول يطالب الغاصب بتمام القيمة، والمجنى عليه الثاني يطالبه بنصف القيمة.
ولو جنى العبد المغصوب في يد الغاصب أولاً، ثم رده إلى المالك، فجنى في يده جناية أخرى، وكل واحد منها مستغرق القيمة فبيع فيهما، وقسم الثمن بينهما، فللمالك الرجوع على الغاصب بنصف القيمة للجناية التي هي مضمونة عليه، فإذا أخذه، قال الشيخ أَبُو عَلِيٍّ: سمعت الشيخ القَفَّالَ مرة يقول: ليس لواحد من المجني عليهما أخذه.
أما الثاني، فلأن الجناية عليه مسبوقة بجناية مستغرقة، وحق الثاني لم يثبت إلاَّ في نصف القيمة، وقد أخذه.
وأما الأول، فلأن حق السيد في القيمة يثبت بنفس الغصب، وهو متقدم على حتى المجني عليه، فما لم يصل حقه إليه لا يدفع إلى غيره شيئاً.
وقال: وليس هذا بشئ، بل للمجنى عليه، الأول أخذه، كما في المسألة السابقة، ولا عبَرة بثبوت حق السيد في القيمة، فإن حق السيد، وإن كان متقدماً، فيتقدم عليه حق المجني عليه، كما في نفس الرقبة.
قال: وقد ناظرت القَفَّالَ، فرجع إلى قولى، وعلى هذا فإذا أخذه المجني عليه الأول، رجع به المالك على الغاصب مرة أخرى، ويسلم له المأخوذ ثانياً؛ لأن الأول قد أخذ تمام القيمة، والثاني لم يتعلق حقه إلاَّ بالنصف، وقد أخذه، ولو جنى في يد الغاصب، ثم في يد المالك، كما صورنا، ثم قتله الغاصب، أو غصبه ثانياً، فمات
عنده أخذت القيمة منه وقسمت بين المجني عليهما ثم للمالك أن يأخذ منه نصف القيمة؛ لأنه أخذ منه جناية مضمونة عليه، فإذا أخذه كان للمجنى عليه الأول أن يأخذه منه، ثم له أن يرجع به على الغاصب مرة أخرى، ويسلم له المأخوذ في هذه المرة، وقد غرم الغاصب، والصورة هذه القيمة مرتين: مرة بجناية العبد في يده، ومرة بالقتل، وعلى قياس الوجه الذي سبق يأخذ المجني عليه الأول تمام القيمة من الغاصب، والثاني نصف القيمة، وللمالك نصف القيمة ولا تراجع.
هذا هو القول في جناية العبد المغصوب.
وأما الجناية عليه، فإن قتل، نظر بأن وجب القصاص بأن كان القاتل عبداً، والقتل عمداً، فللمالك القصاص، فهذا اقتص برئ الغاصب؛ لأنه أخذ بدل عبده، ولا نظر مع القصاص إلى تفاوت القيمة، كما لا نظر في الأحرار إلى تفاوت الدّية، فإن لم يجب القصاص بأن كان الجاني حرّاً، فعليه بالجناية قيمة يوم القتل، سواء قتله الغاصب، أو أجنبى، والمالك بالخيار بين أن يطالب به الغاصب، أو الجانى، لكن الإقرار على الجانى، ثم إنْ كانت قيمته قبل يوم القتل أكثر، ونقصت في يد الغاصب، فعليه ما نقص بحكم اليد، وإن كان الجاني عبداً، فإن سلمه سيده، وبيع في الجناية، نظر إن كان الثمن مثل قيمة المغصوب أخذه، ولا شيء له على الغاصب، إلاَّ إذا كانت القيمة قد نقصت عنه قبل القتل، وإن الثمن أقل أخذ الباقي من الغاصب فإن اختاره سيده فداه.
إن قلنا: يفدية بالأرش أخذه، ولا شئ له على الغاصب، إلاَّ على التقدير المذكور.
وإن قلنا: يفدي بالأقل من أرش الجناية، وقيمة الجاني، فإن كانت قيمة المغصوب أكثر من قيمة الجاني، فالباقي على الغاصب، إن كانت أقل، أو مثلها أخذها المالك، ولا شئ له على الغاصب، إلاَّ على التقدير المذكور.
ولو اختار المالك تغريم الغاصب الفداء فله ذلك ويأخذ منه جميع قيمة المغصوب، ثم يرجع الغاصب على سيد العبد الجانى بما غرم إلاَّ ما لا يطالب به، إلاَّ الغاصب، هذا إذا كانت الجناية قتلاً.
أما الجراحات، فأما أن يكون لها أرش مقدر في حق الحر، أو لا يكون لها أرش مقدّر، فالواجب في القسمين ما بينا من قبل، فإذا كان الواجب ما نقص من قيمته بالجناية، كان المرعى حالة الاندمال، فإن لم يكن حينئذ نقصان لم يطالب بشئ، وإذا كان الواجب مقدراً من القيمة، كالمقدر من الدّية، فيؤخذ في الحال، أو يؤخر إلى الاندمال، فيه قولان، كما لو كانت الجناية على الحُرِّ، وسيأتي ذلك في موضعه -إن
شاء الله تعالى- وإذا كان الجاني غير الغاصب، وغرمناه المقدر من القيمة، وكان النقص أكثر من ذلك المقدر، فعلى الغاصب ما زاد على المقدر، فإن المقدر أكثر مما نقص من القيمة، فهل يطالب الغاصب بالزيادة على ما نقص من القيمة؟
ذكرنا فيما إذا سقطت يده بآفة أن الأصح أنه لا يطالب وهاهنا الظاهر أنه يطالب، والقرار على الجانى، وترددوا فيما إذا قطعت يده قصاصاً، أو حدّاً؛ لأنه يشبه السقوط بآفة من حيث إنه تلف بلا بدل، ويشبه الجناية من حيث حصوله بالأختيار، فإن اجتمعت جناية المغصوب، والجناية عليه، كما إذا قتل العبد المغصوب إنساناً، ثم قتله في يد الغاصب إنسان، فللمغصوب منه أن يقتص، ويسقط به الضمان عن الغاصب، ويبطل حق ورثة من قتله المغصوب؛ لأن العبد الجانى إذا هلك، ولم يحصل له عوض يضيع حق المجني عليه، نعم لو كان المغصوب قد نقص عند الغاصب بعروض عيب بعد ما جنى، فلا يبرأ الغاصب من أرش النقصان، ولولى من قتله التمسك به وإن عرض عيب قبل جنايته، فاز المغصوب منه بالأرش؛ لأن الجزء المقابل للأرش كان مقصوداً عند الجناية، ولو لم يقتص المغصوب منه، بل عفا على المال، أو كانت الجناية موجبة للمال، فحكم تغريمه وأخذه المال على ما مر في الجناية عليه من غير جناية منه، ثم إذا أخذ المال كان لورثة من جنى عليه عبده التعليق به؛ لأنه بدل الجاني على مورثهم، فإذا أخذوه رجع المغصوب منه على الغاصب مرة أخرى؛ لأنه أخذ منه بسبب جناية مضمونة عليه، ويسلم له المأخوذ 1 ثانياً على ما مر نظيره والله أعلم بالصواب.
قال الغزالي: وإِذَا نَقَلَ الغَاصِبُ التُّرَابَ مِنْ أَرْضِ المَالِكِ فَعَلَيْهِ رَدُّ التُّرَابِ بِعَيْنِه أَوْ رَدُّ مِثْلِهِ اوِ الأَرْشُ لِتَسْوِيَةِ الحَفْرِ، وَالبَائِعُ إِذَا قَلَعَ أَحْجَارَهُ يَكَفِيهِ تَسْوِيةُ الحَفْرِ وَلاَ يَلْزَمُهُ الأرْشُ، وَقِيِلَ في المَسْئَلَتَيْنَ قَوْلاَنِ بِالنَّقُلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَالاكْتِفَاءُ بالتسويةِ في المَوضعَيْنِ أَوْلَى فَإنَّهُ لاَ يَتَفَاَتُ، بِخِلاَفِ بِنَاءِ الجِدَارِ بَعْدَ هَدْمِهِ، وَلَيْسَ لِلغَاصِبِ أَنْ يَنْقُلَ التُّرَابَ إِلَى
مِلكْهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ مَنَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إِلاَّ إِذا تَضَرَّرَ الغَاصِبُ بِهِ لِتَضْيِيقِهِ مِلْكَهُ أَوْ لِوقُوُعِهِ في شَارعِ يَحْذَرُ مِنَ التَّعَثُّرِ بِهِ ضَمَاناً، وَلَو حَفَرَ بِئْراً في دَارِهِ فَلَهُ طَمُّهَا وَإنْ أَبَاهُ المَالِكُ لِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ ضَمَانِ التَّرَدَيِّ، فَإِنْ أَبْرَأَهُ المَالِكُ فَالأَظْهَرُ أَنَّ رِضَاهُ الطَّارِئَ كَالرِّضَا المَقْرُونِ بِالحَفْرِ حَتَّى يَسْقُطَ الضَّمَانُ بِهِ فَلاَ يَجُوزَ لَهُ الطَّمُّ بَعْدَ رِضَاهُ.
قال الرافعي: نقل التراب من الأرض المغصوبة تارة يكون من غير إحداث حفر فيها، كما إذا كشط عن وجهها، وتارة يكون بإحداث حفرة فيها، كما إذا حفر بئراً، أو شق نهراً.
الحالة الأولى: إذا كشط وجه الأرض، ونقل التراب، فللمالك إجباره على رده إن كان باقياً، وإن تلف، وانمحق بهبوب الرياح والسيول الجارية رد مثله إليه، وعليه إعادة وضعه وهيئته، كما كانت من انبساط، أو ارتفاع، وإن لم يطالبه المالك بالرد، نظر إن كان له فيه عرض بأن دخل الأرض نقص، وكان ذلك النقص يرتفع بالرد ويتوقع منه 1 الأرش أو كان نقل التراب إلى ملكه، وأراد تفريغه إلى ملك غيره أو شارع يحدث من التعثر به الضمان، فله الاستقلال بالرد، وإن لم يكن شيء من ذلك، بل نقله إلى موات، أو من أحد طرفي الأرض المغصوبة إلى الآخر، فإن منعه المالك من الرد لم يرده، وإن لم يمنعه، فهل يفتقر الرد إلى إذن المالك؟ حكى في "التتمة" فيه وجهين، بناء على الوجهين في أنه إذا منعه، فخالف فرد، فهل للمالك مطالبته بالنقل ثانياً إلى الأرض؟ إن قلنا: لا: رد من غير إذن المالك.
وإن قلنا: نعم افتقر إلى إذنه، وهو المذكور في الكتاب، وهو الأظهر، وإذا كان له غرض في الرد، فرده إلى الأرض، فمنعه المالك من بسطه لم يبسطه، وإن كان في الأصل مبسوطاً والله أعلم.
الحالة الثانية: إذا حفر في الأرض المغصوبة بِئْراً، فأمره المالك بطَمِّهَا لزمه الطَّمُّ وإن لم يأمره المالك كان له أن يستقل بالطَّمِّ ليدفع عن نفسه خَطَر الضمان لو تردَّى فيها مترد، وأيضاً قد يكون في الطَّمِّ بعض الأغراض المذكورة في الحالة الأولى.
وقال المُزَنِيُّ: لا يعلم إلاَّ بإذن المالك، فإن منعه المالك، وقال: رضيت باستدامة البئر، فإن للغاصب غرض في الطَّمِّ سوى دفع ضمان التردي، فله، الطم، وإن لم يكن له غرض سواه، فوجهان:
أحدهما: له الطم أيضاً؛ لأن الإذن الطارئ لا يرفع حكم الحفر المتقدم.
وأظهرهما، ويحكى عن أبي حنيفة: المنع، ويندفع عنه الضمان لخروجه عن أن يكون جناية وتعدياً، ولو لم يقل: رضيت باستدامتها، واقتصر على المنع من الطَّمِّ ففي "التتمة" أنَّه كما لو صرح بالرضا ليضمنه إياه.
وقال الإمام: لا يضمنه، ولو كان الغاصب قد طمَّ البئر بآلة نفسه، فله نقلها، وللمالك إجباره عليه فإن تركها، ووهبها منه لم يلزمه القبول على أظهر الوجهين، وحيث قلنا في الحالتين: إنه يرد التراب إلى الأرض المغصوبة لوقوعه في ملكه أو في شارع، فذاك إذا لم يتيسر نقله إلى موات ونحوه في طريق الرد، فإن تيسر لم يرده إلاَّ بالإذن كذا قاله في "النهاية"، وذكر أنه إنما يستقل بعلم البئر إذا بقي التراب الأول بعينه.
أما إذا تلف ففي الطم بتراب آخر دون إذن المالك وجهان، وينبغي أن يجرى هذا الخلاف في الحالة الأولى، وفيما إذا طلب المالك الرد والطَّمِّ عند تلف ذلك التراب.
والظاهر فيها جميعاً أنه لا فرق بين التراب وغيره.
أما إذا أعاد هيئة الأرض في الحالتين إلى ما كانت عليه إما بطلب المالك أو دونه، نظر إن لم يتفق في الأرض نقص، فلا أرش عليه ولكن عليه أجرة المثل لمدة الحفر والرد، وإن بقى فيها نقص وجب عليه الأرش مع الأجرة، هذا ما به الفتوى في مسألة الفصل من أولها إلى هذا الموضع، وورائه تصرف الأصحاب.
قالوا: النص فيما نحن فيه أن يجب أرش النقص الحاصل بالحفر، ولم يوجب التسوية؛ لأنه نص على ذلك فيما إذا غرس في الأرض المغصوبه؛ ثم قلع بطلب المالك، وإذا باع أرضاً فيها أحجار مدفونة، فقلعها، ونقلها نص أنه يلزمه تسوية الأرض، واختلفوا فيها على طريقين:
أحدهما: أن في الصورتين قولين بالنقل والتخريج:
أحدهما: أن الواجب في الموضعين أرش النقصان؛ لأن إلزام التسوية مقابلة فعل بمثله، فصار كما إذا هدم جدار الغير لا يكلف بإعادته.
والثاني: أن الواجب التسوية لتعود الأرض إلى ما كانت، ومهما أمكن التضمين بالمثل، لا يصار إلى التضمين بالقيمة، ويفارق هدم الجدار، كما تقدم في "البيع".
والطريق الثاني: تقرير النصين، وفرقوا بأن الغاصب متعّدٍ، فغلظ عليه الأمر بإيجاب الأرش لكن لا متانة لهذا الفرق؛ لأن مؤنة التسوية قد تزيد على أرش النقصان الحاصل بالحفر، فلا يظهر زيادة تغليظ بإبحاث الأرش، وأيضاً فإنا إذا أوجبنا التسوية، وبقي بعد التسوية نقصان من الأرش يجب أرشه، نص عليه الأئمة، ولا بد منه، وإلاَّ كان الضمان دون الفائت، وإذا أوجبنا أرش النقصان الباقي بعد التسوية مع التسوية لم يكن فيه تخفيف، والله أعلم.
وإذا نظرت في لفظ الكتاب أفهمك ظاهره انصراف الطريقين إلى شئ آخر، وهو أن الواجب مجرد التسوية أم يجب مع التسوية أرش النقص الباقي؛ لأنه قال: "فعليه رد التراب"، والأرش، وأيضاً قال: يكفيه تسوية الحفر، ولا يلزمه الأرض، وأيضاً قال: والأكتفاء بالتسوية في الموضعين أولى، لكن الأعتماد على ما نقلناه، وإن كان المراد ما أشعر به ظاهره، كما انتظم الوجه بقوله، فإنه لا يتفاوت بخلاف بناء الجدار بعد هدمه؛ لأن هذا المعنى لا يقتضي القناعة بالتسوية، والإضراب عن أرش النقصان الباقي بعدها، وإنما هو توجيه القول الصائر إلى وجوب التسوية.
والفرق بين إعادة الجدار بعد هدمة، وبين التسوية على ما مَرَّ، فإذاً يجب تأويل ظاهر الكتاب، بأن يحمل قوله: "فعليه رد التراب على رده وتسليمه إلى المغصوب منه، لا إلى الأرض، ويكون معنى قوله: والأرش لتسوية الحفر.
وقوله: "يكفيه تسوية الحفر، ولا يلزمه الأرش" يؤمر بالتسوية، ولا يكلف الأرض، أو ما أشبه ذلك، ويجوز أن يعلم -بالواو-.
وقوله في الكتاب: "وتسوية الحفر" في مسألة بيع الأرض التي فيها حجارة مدفونه من كتاب "البيع" كما عرفته هاهنا وكنا قد أحلنا شيئاً من الكلام فيه إلى هذا الموضع.
واعلم أن توجيه هذا الخلاف الذي شرحناه يقتضى طرده في طَمِّ البئر، لكنهم سكتوا عنه.
وقوله: "وليس للغاصب أن ينقل التراب إلى ملكه" يجوز إعلامه -بالواو- ولما سبق.
وقوله: "فله طمها وإن أباه المالك" أي: لم يرده، ولم يأذن فيه.
أما إذا صرح بالمنع مع الرضا باستدامة البئر، فهو على الوجهين الدين ذكرهما عقبه.
وليعلم قوله: "وإن أباه" بالزاي.
وقوله: "فإن أبرأه المالك" أي: عن ضمان التردي، وهذا اللفظ قد استعمله كثير من الأصحاب.
قال الإمام: وليس المراد منه حقيقة الإبراء فإن الضمان حق عساه يثبت للمتردي، فكيف يبرئ عن حق الغير قبل ثبوته، وإنما المراد الرضا بابقاء البئر، كما قدمناه.
قال الغزالي: وَإذَا خَصَى العَبْدَ فَعَلَيْهِ كَمَالُ قِيمَتِهِ، فَإِنْ سَقَطَ ذَلِكَ العُضُوُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةِ فَلاَ شَيْءَ (و) عَلَيْهِ لأَنَّهُ بِهِ تَزِيدُ قِيمَتُهُ، وَكذَلِكَ إِذَا نَقَصَ السَّمْنُ المُفْرِطُ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنَ القِيمَةِ.
قال الرافعي: إذا خصى 1 العبد المغصوب فهو على القولين السابقين، في أن جراح العبد، هل تتقدر؟ إن قلنا بالجديد، وهو أنه يتقدر لزمه كمال القيمة.
وإن قلنا: لا يتقدر فالواجب ما نقص من القيمة 2، فإن لم ينقص شئ، فلا شيء عليه، ولو سقط ذلك العضو بآفة سماوية، وزادت قيمتة ورده، فلا شيء عليه على القولين، نعم قياس الوجه الذي قدمناه في أنه يضمن بالتلف تحت اليد العادية، كما يضمن بالجناية أن يجب كمال القيمة، فلو كان بالجارية سمن، فزال ورجع إلى حد الاعتدال، ولم تنقص قيمتها لم يلزمه شيء؛ لأن السمن ليس له بدل مقدر، بخلاف الانثبيين، ويجوز أن يعلم لما ذكرناه قوله: "فعليه كمال قيمته" -بالواو- وكذا قوله: "فلا شيء عليه" والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ عَادَ الزَّيْتُ بِالإغْلاَءِ إلَى نِصْفِهِ ضَمِنَ مِثْلَ نِصْفِهِ وَإِنْ لَمْ تَنْقُصِ القِيمَةُ لأَنَّ لَهُ مِثْلاً، وَكَذَا في إغْلاَءِ العَصِيرِ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لاَ يُضْمَنُ في العَصِيرِ لأَنَّ الذَّاهِبَ مَائِيَّةٌ غيرُ متَمَوَّلَةٍ بِخلاَفِ الزَّيْتِ.
قال الرافعي: إذا غصب زيتاً أو دهناً فأغلاه، فأما أن تنقص عينه، أو قيمتة، أو كلاهما، أو لا ينقص واحد منهما، فإن نقصت عينه، دون قيمتة، كما إذا غصب صاعين قيمتهما درهمين، فعادا بالإغلاء إلى صاع قيمتة درهمان، ففيه وجهان
أحدهما: ويروى عن صاحب "التلخيص" أنه يرده، ولا غرم عليه؛ لأن ما فيه من الزيادة والنقصان استند إلى سبب واحد، فيجبر النقصان بالزيادة.
وأصحهما، وهو المذكور في الكتاب أنه يرده، ويغرم مثل الصاع الذاهب؛ لأن للزيت بدلاً مقدراً، وهو المثل، فصار كما لو جنى وخصى العبد، والزيادة الحاصلة أثر محض لا ينجبر به النقصان، كما لا يستحق به الغاصب شيئاً، إذا لم يكن نقصان.
وإذا نقصت قيمتة، دون عينه رده مع أرش النقصان.
وإن انتقصا جميعاً، فالواجب عليه مع رد الباقي مثل ما ذهب بالإغلاء، إلاَّ إذا كان ما نقص من القيمة أكثر مما نقص من العين، فيلزمه مع الذاهب أرش نقصان الباقي، وإن لم ينقص واحد منهما رده، ولا شيء عليه.
ولو غصت عصيراً وأغلاه، فهل هو الزيت حتى يضمن مثل الذاهب، إذا لم تنقص القيمة.
فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وبه قال أَبُو عَلِي الطَّبَرِيُّ؛ لأنه مضمون بالغلي كالزيت.
والثاني: لا، وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، والفرق أن حلاوة العصير باقية، والذاهب منه مائية ورطوبة لا قيمة لها، والذاهب من الزيت زيت متقوم، وهذا أصح مما ذكره الشيخ أبُو حَاِمدٍ وَالقاضي الروياني، ومن قال به قطع بأنه لا يضمن مثل العصير الذاهب.
وإيراد صاحب الكتاب يقتضى ترجيح الوجه الأول، وربما يقول: من رجحه الذاهب من الزيت المائية أيضاً إلاَّ أن مائيته أقل، وعلى هذا أن يعود الوجهان المذكوران في أنه هل يضمن مِثْل الزيت الذاهب إذا لم تنتقص القيمة؟
والخلاف المذكور فيما إذا أغلى العصير يجري فيما إذا صار خلاًّ، وانتقص عينه دون قيمتة، وكذا إذا صار الرطب تمراً، والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ هَزَلَتِ الجَارِيةُ ثُمَّ سِمِنَتْ، أَوْ نَسِيَ الصَّنْعَةَ ثُمَّ تَذَكَّرَ، أَوْ أَبْطَلَ صَنْعَةَ الإِنَاءِ ثُمَّ أَعَادَ مِثْلَهُ فَفيِ حُصُولِ الجَبِرْ وَجْهَانِ، وَلَو أَعَادَ صَنْعَةَ أُخْرى فَلاَ يَخْيَرُ أَصْلاً.
قال الرافعي: نقصان المغصوب، هل ينجبر بالكمال بعده، ينظر إن كان الكمال من الوجه الذي حصل فيه النقصان، كما لو هزلت الجارية 1 ثم سمنت، وعادت، كما كانت، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه ينجبر، ويسقط الغرم، كما لو أبق العبد، فعاد، وكما لو جنى على عين، فابيضت، ثم زال البياض.
وأظهرهما: المنع؛ لأن السمن الثاني غير الأول، ويروى هذا عن الإِصْطَخْرِيِّ، والأول عن ابن أَبي هرَيْرة، والوجهان عند القاضي أَبِي الطَّيِّبِ مبنيان على الَخلاف، إِذا قلع سن كبير، وعاد، وضعفه صاحب "التتمة"؛ لأن عود سن الكبير نادر، وعود السمن ليس بنادر، فهو بعود سن الصغير أشبه، وأجرى الوجهان فيما إذا كان العبد المغصوب صانعاً، فنسى الصنعة، ثم تذكرها أو تعلمها، ومنهم من قطع هاهنا بالأنجبار؛ لأن السمن الثاني زيادة في الجسم محسوسة مغايرة لما كان، وتذكر الصنعة لا يعد في العرف شيئاً متجدداً، والظاهر هاهنا الانجبار، سواء ثبت الخلاف أو لا.
ومنهم من قطع في السمن بعدم الانجبار، وخص الخلاف بالصورة الثانية، وحكاه في "التهذيب" عن صاحب "التلخيص".
وإذا قلنا: بالأنجبار، فلو لم تبلغ القيمة بالعائد إلى القيمة الأولى، ضمن ما بقى من النقصان، وانجبر ما وراءه بما عاد، ويجري الخلاف فيما إذا كسر الحُلى، والإناء المغصوبين، ثم أعاد تلك الصنعة 1.
ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: "وجهان" -بالواو- للطريقة القاطعة بعدم الأنجبار، بعود السمن وبالانجبار في تذكر الصنعة، وإن كان الكمال من وجه آخر بأن نسي صنعه، وتعلم أخرى أو أبطل صنعة الإناء، وأحدث صنعة أخرى، فلا انجبار بحال، وعلى هذا لو تكرر النقصان، وكان الناقص في كل مرة مغايراً للنوع الناقص في المرة الأخرى ضمن الكل، حتى لو غصب جارية قيمتها مائة، فسمنت، وبلغت القيمة ألفاً، وتعلمت صنعة، فبلغت القيمة ألفين، ثم هزلت، ونسيت الصنعة، فعادت قيمتها إلى مائة يردها ويغرم ألفاً وتسعمائة 2، ولو علم العبد المغصوب سورة من القرآن، أو حرفة فنسيها، ثم علمه، حرفة، أو صورة أخرى فنسيها أيضاً ضمنها، وإنْ لم تكن مغايرة، كما إذا علمه سورة واحد، أو حرفة واحدة مراراً، وهو ينساها في كل مرة.
فإن قلنا: لا يحصل الانجبار بالعائد، ضمن النقصان كل مرة.
وإن قلنا: يحصل ضمن أكثر المرات نقصاناً، والله أعلم.
فرع: لو زادت قيمة الجارية بتعلم الغناء، ثم نسيته.
نقل القاض الروياني عن النَّص أنه لا يضمن النقصان؛ لأنه محرم والمضمون الزيادة المحترمة 3.
وعن بعض الأصحاب: أنه يغرمه، ولهذا لو قتل عبداً مغنياً يغرم قيمتة.
قال: وهو الأختيار.
فرع آخر: مرض العبد المغصوب، ثم برئ، وزال أثر المرض لا شيء عليه مع رده.
وفيه وجه بعيد: أنه يضمن النقص الحاصل بالمرض، ولا يسقط عنه بالبرئ، وكذا الحكم فيما لو رده مريضاً، ثم برئ، وزال الأثر.
فرع آخر: غصب شجرة فتحات ورقها، ثم أورقت أو شاة فجز صوفها، ثم نبت غرم بالأول، ولا ينجبر بالثاني، بخلاف ما لو سقط سن الجارية المغصوبة، ثم نبت أو انمعط شعرها، ثم نبت يحصل الانجبار قاله في "التهذيب" لأن الورق والصوف متقومان، فيغرمهما وسن الجارية وشعرها غير متقومين، وإنما يغرم أرش النقص الحاصل بفقدانها، وقد زال والله أعلم بالصواب.
قال الغزالي: وَلَوْ غَصَبَ عَصِيراً فَصَارَ خَمْراً ضَمِنَ مَثْلَ العَصِيرِ لِفَواتَ المَالِيَّةِ، وَلَو صَارَ خَلاًّ فَالأَصَحُّ أنَّهُ يُرَدُّ مَعَ أَرْشِ النُّقْصَانِ إِنْ كَانَ الخَلُّ أَنْقَصَ قِيْمَةً، وَقِيْلَ: يُغَرَّمُ مِثْلُ العَصِيرِ، وُيرَدُّ الخَلُّ وَهُوَ رِزْقٌ جَدِيدٌ كَالسَّمْنِ العَائِدِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فيِ البَيْضِ إِذَا تَفَرَّخَ، وَالبِذْرِ إِذَا زُرعَ، وَالأَصَحُّ الأكْتِفَاءُ بِهِ فَإنَّهُ اسْتِحَالَة إلَى زَيادَةٍ، وَلَوْ غَصَبَ خَمْراً فَتَخَلَّلَ فيِ يَدِهِ، أَوْ جِلْدَ مَيْتَةَ فَدَبَغَهُ فَالأَصَحُّ أَنَّ الخَلَّ (ح) وَالجِلْدَ لِلمْغَصْوُبِ مِنْهُ، وَقِبلَ: بَل للْغَاصِبِ فَإنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِ مِمَّا لاَ مِالِيَّةِ لِلمالِكِ فِيهِ.
قال الرافعي: في باقي الفصل مسألتان:
إحداهما: إذا غصب عصيراً، فتخمر عنده كان للمغصوب منه تضمينه، مثل العصير لفوات المالية، وذكروا أن على الغاصب إراقة الخمر، فلو جعلت محترمة، كما لو تخمرت في يد المالك من غير قصد التخميرية لكان جائزاً، ولو تخللت في يد الغاصب فوجهان:
أصحهما: أن النحل للمالك وعلى الغاصب أرش النقصان، إِن كانت قيمة النحل أنقص.
والثاني: أنه يغرم مثل العصير؛ لأنه بالتخمير كالتالف، وعلى هذا ففي الخل وجهان:
أحدهما: أنه للغاصب، كما لو غصب الخمر، فتخللت في يده يكون الخل للغاصب على وجه.
وأظهرهما: أنَّه للمالك؛ لأنه فرع ملكه، ويجوز أن يكون الخل له، ولا يسقط الضمان اللازم قبل التخلل، كما في السمن العائد على أحد الوجهين، ويجرى هذا
الخلاف فيما إذا غصب بيضة، فتفرحت عنده، أو بذراً فزرعه، فنبت أو بذر قز، فصار قزَّاً، فعلى الأصح الحاصل للمالك، ولا يغرم الغاصب شيئاً إلاَّ أن يكون الحاصل أنقص قيمة مما غصبه؛ لأن المغصوب قد عاد إليه زائداً، وعلى الثاني يغرم المغصوب لهلاكه، والحاصل للمالك في أظهر الوجهين، وللغاصب في الآخر.
وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ والمزني، ويجوز أن يعلم لما ذكرنا قوله: "ويرد الخل" بالواو.
وقوله: "والأصح الاكتفاء به" بالحاء والزاي.
لأن اكتفاء المالك مفرع على أنه له وهما لا يجعلان الحاصل له، ثم الأكتفاء فيما إذا لم يكن الحاصل نقص، وهو الغالب.
المسألة الثانية: إذا غصب خمراً، فتخللت في يده، أو جلد ميتة، فدبغه فوجهان:
أصحهما: أن الخل والجلد للمغصوب منه؛ لأنه فرع ملكه، فعلى هذا إذا تلف في يده غرمه.
والثاني: أنهما للغاصب لحصولهما عنده بما ليس بمال.
وفي المسألة طريقان آخران:
أحدهما: القطع بأن الخل للمالك، وتخصيص الوجهين بالجلد؛ لأن الجلد صار مالاً يفعله، والخمر تخللت بنفسها.
والثاني: القطع بأن الجلد للمالك، وتخصيص الوجهين بالخل؛ لأن جلد الميتة يقتنى، والخمر التي غصبها لا يجوز اقتناؤها، فإن كانت الخمر محترمة كانت كجلد الميتة.
وإذا جمعت الطرق، واختصرت قلت: هما للمالك، أو للغاصب، أو الخل للمالك، والجلد للغاصب، أو بالعكس فيه أربعة أوجه.
وإذا حكمنا بأنهما للمالك، وذلك فيما إذا لم يكن المالك معرضاً عن الخمر والجلد.
وأما إذا كان قد أراق الخمر أو ألقى جلد الشاة الميتة، فأخذها أحد، هل للمعرض استرداد الحاصل؟ فيه وجهان 1؛ لأنه أبطل اختصاصه بالإلقاء.
وقوله في الكتاب: "فإنه حصل بفعله فيما لا مالية للمالك فيه" هذا في الجلد ظاهر، وفي الخمر كأنه يعني به الحفظ، والإمساك إلى أن تتخلل، والله أعلم بالصواب.
قال الغزالي: الفَصْلِ الثَّانِي فيِ الزِّيادَةَ فَإذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، أَوْ ثَوَباً فَقَصَّرهَ، أَوْ خَاطَهُ، أَوْ طِيِناً فَضَرَبهُ لِبِنَاً، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَسواهَا لَمْ يَمْلِكْ (ح) شَيئًا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ يَرُدُّهُ عَلىَ حَالِهِ وَأَرْشَ النَّقْصِ إنْ نَقَصَ، وَإِنْ غَصَبَ نُقْرَةً فَصَاغَهَا حَلياً رَدَّها كَذَلِكَ، وَلَوْ كَسَرَه ضِمِنَ الصَّنْعةَ وَإِنْ كَانَتْ من جِهَتِهِ؛ لأَنَّهَا صَارَتْ تَاِبَعةً لِلنُّقْرُةِ، فَإِنْ أَجْبَرَهُ المَالِكُ عَلىَ رَدَّهِ اِلَي النُّقْرُةِ فَلَهُ ذَلِكَ وَلاَ يَضْمَنُ أرْشَ الصَّنْعَةِ، وَيَضْمَنْ مَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَةِ أصْلِ النُّقْرَةِ بِالكَسْرَ.
قال الرافعي: الزيادة في المغصوب تنقسم إلى آثار محضة وإلى أعيان:
أما القسم الأول: فالقول الجملي فيه أن الغاصب لا يستحق بتلك الزيادة شيئاً لتعديه، ثم ينظر إن لم يمكن رده إلى الحالة الأولى رده بحاله، وأرش النقص، وإن نقصت قيمته، وإن أمكن رده إلى الحالة الأولى، فإن رضي به المالك لم يكن للغاصب رده إلى ما كان، وعليه أرش النقص، إن كان فيه نقص إلاَّ أن يكون له غرض في الرد إلى الحالة الأولى، فله الرد، وإن ألزمه الرد إلى الحالة الأولى لزمه ذلك، وأرش النقص إن نقص عما كان قبل تلك الزيادة.
إذا تقرر ذلك، فمن صور هذا القسم طحن الحنطة، وقصارة الثوب، وخياطته، وضرب الطين لبناً، وذبح الشاة وشَيّها، ولا يملك الغاصب المغصوب بشيء من هذه التصرفات، بل يردها مع أرش النقص، إن نقصت القيمة وقد ذكرنا خلاف أَبِي حَنِيْفَةَ، وإنما تكون الخياطة من هذا القسم إذا خاط بخيط المالك.
أما إذا كان الخيط للغاصب فستأتى نظائرة -إن شاء الله تعالى- في الطحن والقصارة والذبح والشيء لا يمكن الرد إلى ما كان، وكذا في شَقِّ الثوب وكسر الإناء، ولا يجبر على رفو الثوب، وإصلاح الإناء؛ لأنه لا يعود إلى ما كان بالرفو والإصلاح، وعن مالك: أنه يجبر عليها، كما في تسوية الحفر، ولو غزل القطن المغصوب رد الغزل وأرش النقص إن نقص، ولو نسج الغزل المغصوب، فالِكْربَاس للمالك مع أرش النقص، إن فرض مقص، وليس للمالك إجباره على نقضه، إن كان لا يمكن رده إلى الحالة الأولى ونسجه ثانياً، وإن أمكن كالخز فله إجباره عليه، فإن نقضه ونقصت قيمتة عن قيمة الغزل في الأصل غرمه ولا يغرم ما كان قد زاد بالنسيج، وفات بالنقص؛ لأن المالك أمره بذلك، فإن نقض من غير إذن المالك ضمنه أيضاً، ولو غصب نقرة، وضربها دراهم صاع منها حليّاً، أو غصب نحاساً أو زجاجاً، واتخذ منه إناء فإن رضي المالك رده كذلك، لم يكن له رده إلى الحالة الأولى إلاَّ أنْ يكون ضرب الدراهم بغير إذن السلطان، أو على غير عياره؛ لأنه حيئنذ يخاف التعبير، وحيث مُنع من الرد إلى ما
كان فخالف، غرم للنقصان الحاصل بزوال الصنعة الحاصلة عند الغصب، ولو أجبره المالك على رده إلى ما كان لزمه للرد فإذا، امتثل لم يغرم النقصان الحاصل بزوال الصنعة، لكن لو نقص عما كان بما طرأ أو زال غرمه.
قال الغزالي: وَلَوْ غَصَبَ ثَوْياً قَيمتُهُ عَشَرَةٌ وصَبَغَهُ بِصَبْغٍ قِيْمتُهُ عَشَرَةٌ فَصَارَتْ قَيِمَة الثُّوبِ عِشْرِينَ فَهُمَا شَرِيكَانِ، فَيُبَاعُ وُيقَسَّمُ الثَّمَنُ بَينَهُمَا، فَإِنْ وِجُدَ زُبُونٌ يَشْتَرِي بِثَلاَثيِنَ صُرِفَ إِلَي كُلِّ واحِدٍ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَإِنْ عَادَ الثَّوبُ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ بِالصَّبْغِ حسِبَ النُّقْصَانُ عَلىَ الصَّبْغِ، وَإِنْ عَادَ إِلَي ثَمَانِيَةِ ضَاعَ الصَّبْغُ وَغُرِّمَ الغَاصِبُ دِرْهَمَينِ، وَكَذَا القَوْلُ فيِ ثُبوتِ الشَّرِكَةِ إِذَا طَيَّرَ الرِّيُحِ الثَّوْبَ إِلَى إِجَّانَةِ صَبَّاغٍ، أَوْ صبَغَ الثَّوْبِ المغْصُوب بِصَبْغِ مغَصْوب مِنْ غَيْرهِ، فَإِنْ قَبِلَ الصَّبْغُ الفَصْلَ أُجْبِرَ الغَاصِبُ عَلىَ فَصْلِهِ كَمَا يُجْبَرُ عَلىَ قَلْعِ الزَّرْعِ وَالغِراسِ وَالبِنَاءِ وَإِنْ نَقَصَ زَرْعُهُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لاَ يُجبَرُ عَلىَ فَصلِ الصَّبغِ إنْ كَانَ يَضِيعُ بالفَصْلِ أو لاَ تَفِيِ قَيِمتُهُ بِمَا يَحْدُثُ فيِ الثَّوْبِ من نُقْصَانٍ بسَبَبِ الفَصْلِ، وَمَهْمَا طُولِبَ بِالفَصْلِ وَكَانَ يَسْتَضِرُّ بِهِ فَلَوْ تَركَهُ عَلىَ المَالِكِ أُجْبِرَ عَلىَ قَبُولِه فيِ وَجْهٍ كَالنَّعْلِ فيِ الدَّابَّةِ المَرْدُودَة بِالعَيْبِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيهِ ضَرَرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ الإِجْبَارُ عَلىَ القَبُولِ، وَلَوْ بَذَلَ المَالِكُ قِيمَةَ الصَّبغِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَتَملَّكَ عَلَيْهِ الثَّوْبُ للِخَلاَص مِنَ الشَّرِكَةِ سَهُلَ، بِخِلاَفِ المعُيِرِ يَتَمَلَّكُ بِنَاءَ المُسْتَعيرِ بِبَدَلٍ لأَنَّ بَيْعَ العَقَارِ عَسِيِرٌ، وَمَهْمَا رَغَبَ المَالِكُ فيِ بَيْعِ الثَّوبِ أُجْبِرَ الغَاصِبُ عَلىَ بَيْعِ الصَّبْغِ لِيَصِلَ كُلُّ وَاحِدِ إِلَى الثَّمَنِ، فإنْ رَغِبَ الغَاصِبُ فَفيِ إِجْبَارِ المَالِكِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: القسم الثاني: الأعيان، فمن صورة صبغ الثوب المغصوب، ونقدم عليه صورتين مقصودتين في نفسهما، ويحتاج إليهما في مسألة الصبغ:
إحداهما: إذا غصب أرضاً، وبنى فيها أو غرس أو زرع، كان لصاحب الأرض أن يكلفه القلع.
قال صلى الله عليه وسلم: (لَيْسِ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ) 1 وعن أَحْمَدَ: أنَّه لا يكلف
قلع الزرع مجاناً؛ لأن له غاية تنتظر، ولكن بخير صاحب الأرض بين أن يبقيه بأجرة وبين أن يتملكه ويغرم مثل البذر وأجرة عمله، ولو أراد الغاصب القلع لم يكن للمالك منعه، فإنه عين ماله، وإذا قلع فعليه الأجرة، وفي وجوب التسوية أو الأرش ما قدمناه في نقل التراب، وإن نقصت الأرض لطول مدة الغراس، فيجمع بين أجرة المِثْل، وأرش النقص، أو لا يجب إلا أكثرهما، فيه الخلاف المذكور، فيما إذا أبلى الثوب بالأستعمال، ولو أراد صاحب الأرض أن يتملك البناء، أو الغراس بالقيمة، أو تبقيتهما، أو الزرع بالأجرة، هل على الغاصب إجابته؟
قال في "التتمة": فيه وجهان:
أحدهما: نعم كالمستعير بل أولى، فإن الغاصب متعّدٍ.
وأظهرهما: المنع لتمكنه من القلع بلا غرامة، بخلاف المعير، وهذا ما ذكره الإمام حكايته عن القاضي الحُسَيْنِ.
ولو غصب من رجل أرضاً وبذراً، وزرعها به، فللمالك أن يكلفة إخراج البذر من الأرض، ويغرمه أرش النقصان، وليس للغاصب إخراجه إذا رضي به المالك.
الصورة الثانية: إذا زَوَّقَ الدَّار المغصوبة نظر إن كان بحيث لو نزع حصل منه شيء، فللمالك إجباره على النزع، وإن تركه الغاصب ليدفع عنه كلفة النزع، هل يجبر المالك على قبوله؟
فيه وجهان نشرحهما في مسألة الصبغ.
ولو أراد الغاصب نزعه، فله ذلك؛ لأنه عين ماله، ولا فرق بين أن يكون للمنزوع قيمة، أو لا يكون، فإذا نزع فنقصت الدار عما كانت قبل التزويق، لزمه الأرض، وإن كان التزويق محض تمويه، لا يحصل منه عين لو نزع، فليس للغاصب النزع إن رضي المالك، وهل له إجباره عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه قد يريد تغريمه أرش النقص الحاصل بإزالته.
والثاني: لا، كما في الثوب إذا قصر.
وقال في "التهذيب": وهو الأصح إذا عرفت ذلك عدنا إلى الصبغ، وقلنا: للصبغ الذي يصبغ به الثوب المغصوب أحوال:
الحالة الأولى: أن يكون للغاصب فينظر إن كان الحاصل تمويهاً محضاً، فالحكم على ما ذكرنا في التزويق، وإنْ حصل بالانصباغ عين مال فيه، فأما إلاَّ يمكن فصله عنه، أو يمكن.
القسم الأول: إذا لم يمكن فصله عنه، فعن صاحب "التقريب" حكاية قول عن القديم أنه يفوز به صاحب الثوب تشبيهاً له بالسمن.
والمذهب المشهور أنه ليس له ذلك، لكن قضية الشركة بين المالك والغاصب؛ لأنه عين مال له انضم إلى ملك المغصوب منه، بخلاف السمن، وبخلاف القصارة والطحن ونحوهما، فإنهما آثار محضة، وحينئذ ينظر إن كانت قيمة الثوب مصبوغاً مثل قيمته، وقيمة الصبغ قبل الصبغ، كما إذا كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة، وهو يساوي بعد الصبغ عشرين، فهو بينهما بالسوية حتى لو وجدا راغباً باعاه منه بثلاثين إلى كل واحد خمسة عشرة وإن عادت قيمة الثوب المصبوغ فهي بينهما وإن نقصت قيمته مصبوغاً عن قيمتهما بأن عاد الثوب مصبوغاً وللتصوير كما سبق إلى خمسة عشرة، أطلق الأكثرون بأن النقصان محسوب من الصبغ؛ لأن الأصل هو الثوب والصبغ، وإن كان عيناً، كالصفة التابعة للثوب، فيكون الثوب المصبوغ بينهما أثلاثاً الثلثان للمغصوب منه، والثلث للغاصب.
وفي "الشامل" و"التتمة" أنه إن كان النقصان لانخفاض سوق الثياب، فالنقصان محسوب من الثوب، وإن كان لانخفاض سوق الأصباغ، فمن الصبغ وكذا لو كان النقصان بسبب العمل؛ لأن صاحب الصبغ هو الذي عمل، ويمكن أن يكون إطلاق من أطلق منزلاً على هذا التفصيل، وإن كانت قيمتة بعد الصبغ عشرة انمحق الصبغ، ولا حق فيه للغاصب، وإن تراجعت القيمة، وكان الثوب مصبوغاً يساوي ثمانية، فقد ضاع الصبغ، ونقص من الثوب درهمان، فيرده مع درهمين، وإن زادت قيمة الثوب مصبوغاً عن قيمتها قبل الصبغ، بأن بلغت ثلاثين في الصورة المذكورة، فمن أطلق الجواب في النقصان أطلق القول هاهنا بأن الزيادة بينهما على نسبة ماليهما، ومن فصل قال: وإن كان ذلك لارتفاع سوق الثياب، فالزيادة لصاحب الثوب، وإن كان لارتفاع سوق الأصباغ، فهي للغاصب، وإن كان للعمل والصنعة، فهي بينهما؛ لأن كل واحد منهما قد زاد بالصنعة والزيادة الحاصلة بفعل الغاصب، إذا استندت إلى الأثر المحض تسليم للمغصوب منه.
القسم الثاني: إذا أمكن فصله من الثوب، فعن صاحب "التقريب" نقلاً عن القديم أنَّه إنْ المفصول لا قيمة له، فهو كالسمن.
والمذهب أنه ليس كالسمن؛ وأنه لا يفوز به المغصوب منه، وهل يملك إجبار الغاصب على فصله فيه وجهان.
أحدهما: نعم، كما يملك إجباره على إخراج الغِرَاس، ويحكى هذا عن ابْنِ خَيْرَانَ وأَبِي إسحاق في الزيادات على الشرح.
والثاني: لا، وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ لما فيه من الضرر، بخلاف الغِرَاس، فإنه لا يضيع بالإخراج، ولأن الأرض بالقلع تعود إلى ما كانت، والثوب لا يعود، ولأن الأشجار تنتشر عروقها وأغصانها، فيخاف ضررها في المستقبل، وهذا أظهر عند أصحابنا العراقيين.
وقال صاحب "التهذيب": طائفة: الأول أصح، وكذا ذكره الإمام، وحكى قطع المراوزة به، وأن موضع الوجهين ما إذا كان الغاصب يخسر بالفصل خسراناً بيناً، وذلك قد يكون لضياع المنفصل بالكلية، وقد يكون لحقارته بالأضافة إلى قيمة الصبغ، ومن جملة الضياع أن يحصل في الثوب نقصان بسبب الفصل لا يفي بأرشه قيمة المفصول، ولو رضي المغصوب منه بإبقاء الصبغ، وأراد الغاصب فصله، فله ذلك إن لم ينتقص الثوب، وإن انتقص.
قال الإمام: يبنى على الخلاف في أن المغصوب منه هل يجبره على الفصل؟
أن قلنا: لا لم يفصله.
وإن قلنا: نعم فله ذلك، وهو الأظهر، ويحكى الأول عن أبِي الطَّيِّب ابْنِ سَلَمَةِ وإن تراضيا على ترك الصبغ بحاله، فهما شريكان، وكيفية الشركَةِ كما بينَا في القسم الأول، ثم الكلام في فروع:
أحدها: لو ترك الغاصب الصبغ على المالك، ففي إجباره على القبول وجهان.
ووجه الإجبار صيرورته كالصفة التابعة للثوب، وَأيضاً، فإن المشترى إذا أنعل الدابة، ثم اطلع على عيبها، فردها مع النعل لكان يعيبها لو نزع النعل يجبر البائع على القبول، ووجه المنع القياس الظاهر، ويدل عليه أنه لا جبر على قبول البناء والغِرَاس إذا تركه الغاصب.
وذكر القاضى الروياني أن الأول ظاهر المذهب، لكن الثَّانِي أقيس وأشبه، ويخالف مسألة النعل؛ لأن الغاصب متعّدٍ، والمشتري غير متعّدٍ على أنه لو ألحق بما إذا صبغ المشتري الثوب، بما زاد في قيمتة، ثم اطلع على عيبه، فرده مسامحاً بالصبغ لكان أقرب لما مَرّ من أن الصبغ يصير ملكًا للبائع.
فأما في مسألة النعل، فإنه يجبر على قبول النعل، وفي دخول النعل في ملكه اختلاف مذكور في موضعه.
وذكر الإِمَامُ في الفرع شيئين:
أحدهما: أن في موضع الوجهين طريقين:
أحدهما: أنهما مطردان فيما إذا أمكن فصل الصبغ، وفيما إذا لم يمكن.
وأظهرهما: التخصيص بما إذا أمكن.
وقلنا: إِن الغاصب يجبر على الفصل وإلاَّ فهما شريكان لا يجبر واحد منهما على قبول الهبة من الآخر.
وعلى هذا فطريقان:
أحدهما: أن الوجهين فيما إذا كان يتضرر بالفصل إما لما يناله من التعب، أو لأن المفصول يضيع كله، فإن لم يكن كذلك لم يلزم القبول بحال.
والثاني: أن الوجهين فيما إذا كان الثوب ينقص بالفصل نقصاناً لا يفي بأرش قيمته الصبغ المفصول، فإن وَفي لم يلزمه القبول وإن تعيب أو ضاع معظم المفصول.
والثاني: إذا قلنا بلزوم القبول على المغصوب منه، فلا حاجة إلى تلفظه بالقبول.
وأما من جهة الغاصب، فلا بد من لفظ يشعر بقطع الحق، كقوله: أعرضت عنه، أو تركته إليه أو أبرأئه عن حقي أو أسقطته، قال: ويجوز أن يعتبر اللفظ المشعر بالتمليك.
الثاني: لو بذل المغصوب منه قيمة الصبغ، وأراد أن يتملكه على الغاصب، هل يجاب إليه.
فيه وجهان، سواء كان الصبغ مما يمكن فصله، أو مما لا يمكن.
أحدهما: نعم، ويجبر الغاصب على قبوله لينفصل الأمر بينهما، وقد شبه ذلك بما إذا رجع المعير، وقد بني المستعير، أو غرس، فإن له أن يتملكه عليه بالقيمة، وبهذا قال أبُو حَنِيْفَةَ.
وأظهرهما: وهو المذكور في الكتاب المنع، ويفارق مسألة العارية, لأن المعير لا يتمكن من القلع مجاناً، فكان محتاجاً إلى التمليك بالقيمة وهاهنا بخلافه، وأيضاً فإن بيع العقار عسير، وبيع الثوب سهل، وبه يحصل الخلاص من الشركة.
وفي "التتمة" أنه إن كان الصبغ بحيث لو فصل حصل منه شئ ينتفع به، ففي تملك المغصوب منه الوجهان المذكوران في الغِرَاس والبناء، وإن كان لا يحصل منه شئ، فله تملكه لا محالة، فيتولد من هذا وجه ثالث فارق.
الثالث: متى اشتركا في الثوب المصبوغ، فهل لأحدهما الانفراد ببيع ما يملكه منه؟ جعله الإمام على الوجهين في بيع دار لا مَمَرَّ لها؛ لأنه لا يتأتى الانتفاع بأحدهما دون الآخر.
والأظهر: المنع، فلو رغب مالك الثوب في البيع، ففى "المهذب" و"التهذيب"
أنه يباع، ويجبر الغاصب على موافقته، ووجهه أن المالك إن لم يتمكن من بيع الثوب وحده فامتناع الغاصب منع له من بيع ماله، وإن تمكن فلا شك في عسر البيع عليه لقلة الراغبين فيه، والغاصب متعّدٍ، فليس له الإضرار بالمالك بالمنع من البيع، وتعسيره، وإن رغب الغاصب في البيع، ففي إجبار المالك على موافقته وجهان.
أحدهما: يجبر تسوية بين الشريكين ليصل كل واحد منها إلى عين ملكه.
وأظهرهما: المنع كيلا يستحق المتعدى بتعديه إزالة ملك غير المتعدي.
وفي "النهاية" أن واحداً منهما لا يجبر على موافقة الآخر على قياس الشركة في الأموال.
الحالة الثانية: أن يكون الصبغ مغصوباً من مالك الثوب أيضاً، فإن لم يحدث بفعله نقصان، فلا غرم على الغاصب، وهما شريكان في الثوب المصبوغ، كما سبق في الغاصب، والمالك، وإن حدث نظر إن كانت قيمتة مصبوغاً عشرة، والتصوير كما تقدم، فهو لصاحب الثوب، ويغرم الغاصب الصبغ، للآخر وإن كانت قيمته خمسة عشر روى صاحب "التهذيب" أن الثوب بينهما بالسوية، ويرجعان على الغاصب بخمسة.
قال: والقياس أن يكون بينهما أثلاثاً، كما مر في الحالة الأولى، وهذا ما نقله غيره، وهو الحق فإن كان مما يمكن فصله، فلهما تكليف الغاصب الفصل، فإن حصل بالفصل نقص فيهما، أو في أحدهما كما كان قبل الصبغ غرمه الغاصب، ولصاحب الثوب وحده طلب الفصل، أيضاً إذا قلنا: إن المالك يجبر الغاصب على الفصل في الحالة الأولى، وهذا إذا حصل بالانصباغ عين مال في الثوب، فإن لم يحصل إلاَّ بمؤنة، فالحكم ما بينا في التزويق، ويقاس بما ذكرنا في الحالتين ثبوت الشركة، فيما إذا طير الريح ثوب إنسان في إجَّانة صباغ فانصبغ، لكن ليس لأحدهما أن يكلف الآخر الفصل، ولا التغريم إن حصل نقص في أحدهما، إذ لا تعدى، ولو أراد صاحب الثوب تملك الصبغ بالقيمة، فعلى ما تقدّم.
الحالة الثالثة: أن يكون الصبغ مغصوباً من مالك الثوب أيضاً، فإن لم يحدث بفعله نقصان، فهو للمالك، ولا غرم على الغاصب، ولا شئ له إن زادت القيمة؛ لأن الموجود منه أثر محض، وإن حدث بفعله نقصان غرم الأرش، وإذا أمكن الفصل، فللمالك إجباره عليه، وليس للغاصب الفصل، إِذا رضي المالك.
واعلم أن المذكور في الكتاب هو الحالة الأولى، وفي أثنائها تعرض للثانية.
وقوله في أول الفصل: "فلهما شريكان" يجوز إعلامه -بالواو- لما حكى عن القديم من تنزيله منزلة السمن.
وقوله: "فيباع" ليس المراد منه البيع القهري، وإنما الغرض هاهنا أنه إذا بيع كان الثمن بينهما كما كان الثوب مشتركًا بينهما، ثم إن رضيا بالبيع فذاك، إلاَّ فهل يجبر أحدهما الآخر فيه ما قد عرفته.
وقوله: "وإن عاد الثوب إلى خمسة عشر بالصبغ" يمكن أن يفهم من قوله: "بالصبغ" الاحتراز عما إذا كان النقصان بسبب تراجع الأسواق، فإن النقصان حينئذ لا يحسب من الصبغ إذا كان التراجع في الثياب على ما حكيناه عن "الشامل" و"التتمة".
وقوله: "وكذا القول في ثبوت الشركة إذا طيرت الريح الثوب" إِنما قال: "في ثبوت الشركة" ولم يقل: "وكذا القول فيما إذا طيرت الريح الثوب"؛ لأن الصورتين اللتين ذكرهما ليستا كما إذا صبغ الثوب المصبوغ بضبغ نفسه في جميع الأحكام المذكورة لأنه إذ لو رجع الثوب مصبوغاً إلى ثمانية لا يغرم صاحب الإجَّانة شيئاً بحال وإنما الصورتان كتلك الصورة في ثبوت الشركة فيهما، حيث ثبتت الشركة فيهما، ويجوز أن يعلم -بالواو- لأن قياس القول القديم أن يفوز صاحب الثوب بالصبغ في الصورتين، ولا تثبت الشركة.
وقوله: "كما يجبر على قلع الزرع والغِرَاس والبناء وإن نقص زرعه به" أشار بقوله "وإن نقص زرعه به" إلى أنه لا عبرة بما يعرض في الصبغ من ضرر، بسبب انتشاره وتمدده، كما لا عبرة بنقصان الزرع.
وقوله: "ومهما طولب بالفصل" وكان يستضرُّ به.
وقوله: بعد ذلك: "وإن لم يكن عليه ضرر لم يكن له الإجبار على القبول" جواب على طريقة تخصيص الوجهين بما إذا تضرر بالفصل، وقد بَيَّنَا ما فيه من الأختلاف، فيجوز إعلام قوله: "لم يكن له الإجبار" بالواو.
وقوله: "لم يكن له يتملك" معلم بالحاء والواو.
وقوله: "أجبر الغاصب على بيع الصبغ" -بالواو- لما حكينا عن "النهاية".
فرع: إذا كان الصبغ للغاصب، وقيمته عشرة، وقيمة الثوب عشرة، وبلغت قيتة مصبوغاً ثلاثين، ففصل الغاصب الصبغ، ونقصت قيمة الثوب عن عشرة لزمه ما نقص عن عشرة، وكذا ما نقص عن خمسة عشر، إن فصل بغير إذن المالك، وطلبه، وإن فصل بإذنه لم يلزمه إلاَّ نقصان العشرة، وإن عادت قيمتة مصبوغاً إلى عشرة لتراجع الأسواق، وكان التراجع في الثياب، والأصباغ على وتيرة واحده، فالثوب بالسوية بينهما، كما كان، والنقصان داخل عليهما جميعاً، وليس على الغاصب غرامة ما نقص مع رد العين، نعم لو فصل الصبغ بعد تراجع القيمة إلى عشرة، فصار الثوب يساوي
أربعة دراهم، غرم ما نقص، وهو خمس الثوب بأقصى القيم، والمعتبر في الأقصى خمسة عشرة، إن فصل بنفسه، وعشرة إن فصل بطلب المالك له، والله أعلم.
قال الغزالي: وإِذَا غَصَبَ زَيْتاً وَخَلَطَهُ بِزَيْتِهِ فَالنَّصُّ أنَّهُ كَالإِهْلاَكِ فَيَضْمَنُ المِثْلَ مِنْ أَيْنَ شَاءَ، وَتَخْرِيجُ الأَصْحَابِ أنْ لاَ ضَمَانَ لأَنَّهُ لَوْ خَلَطِهُ بِمِثْلِهِ فَهُوَ مُشْتَرِكٌ، وإِنْ خَلَطَهُ بِالأَجْوَدِ أَوُ بِالأَرْدَإِ فَقَوْلاَنِ، إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ هَالِكٌ غُرِّمَ مِثْلَهُ مِنْ أَيْنَ شَاءَ، وإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مُشَتَرَكٌ فَيُبَاعُ الكُلُّ وَيُوزَّعُ عَلَى نِسْبَةِ القِيمَةِ، وَلاَ يُقَسَّمُ الزَّيْتُ (و) بِعَينِهِ عَلَى تَفَاوُتٍ فَيُؤَدِّىَ اِلى الرِّبَا، وخَلْطُ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ كَخَلْطِ الزَّيْتِ بِالزَّيْتِ، وَخَلْطُ الزَّيْتِ بِالشَّيْرَجِ أَوْلَى بِجَعْلِهِ إِهْلاكاً، وَخَلْطُ الحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ لَيْسَ بإِهْلاَكٍ بَلْ يَلْزَمُهُ الفصْلُ بِالاِلْتِقَاطِ.
قال الرافعي: إذا خلط الزيت المغصوب بغيره، لم يخل إما أن يتعذر التمييز بينهما، أو لا يتعذر، إن تعذر، فإما إن يكون ذلك الغير من جنسه أو لا يكون.
إن كان من جنسه كالزيت والزيت والحنطة والحنطة، نظر إن خلطه بأجود من المغصوب، فالنص أنه كما لو هلك 1 حتى يتمكن الغاصب من أن يعطيه قدر حقه المخلوط، ونص في التفليس فيما إذا خلطه بالأجود، ثم فلس على قولين:
أحدهما هذا حتى لا يكون للبائع إلاَّ المضاربة بالثمن.
والثاني: أنهما شريكان في المخلوط، ويرجع البائع إلى حقه منه، واختلف الأصحاب على طريقين:
أظهرهما: إثبات القولين في الغصب أيضاً، وجه جعله هالكاً تعذر رده، والوصول إليه، وأيضاً فإن قلنا بالشركة لاحتجنا إلى البيع، وقسمة الثمن بينهما، كما سيأتي، فلا يصل المالك إلى عين حقه، ولا إلى مثله مع وجود العين، والمثل أقرب إلى حقه من الثمن، ووجه الشركة القياس على مسألة الصبغ، على ما إذا اختلط الزيتان بنفسهما أو برضا المالكين، وأيضاً فلو غصب صاعاً من هذا، وخلطهما وجعلناهما هالكين، ينتقل الملك فيهما إلى الغاصب، وذلك يملك التعدى.
وأظهر القولين: عند الأكثرين الأول المنصوص.
وعند الإمام والمتولي الثاني.
والطريق الثاني القطع بالقول الأول والفرق أنا إذا لم نثبت الشركة هناك، لا يحصل للبائع تمام حقه بل يحتاج إلى المضاربة وهاهنا يحصل للمالك البدل، وإن خلطه بمثله، ففيه الطريقان، وطريق ثالث هو القطع بالشركة؛ لأن في إثبات الشركة اتصال المالك، إلى بعض حقه بعينه، وإلى بدل بعضه من غير زيادة تقوم على الغاصب، فكان أولى من أتصاله إلى بدل الكلّ.
وحكى ذلك عن ابْنِ سُرَيْجٍ وأبى إسحاق، وإن خلطه بأردأ منه فالنص أنه كالهالك أيضاً، ويجيء فيه الطريقان المَذكوران في الأجود، ولكن المنصوص في "التفليس" والحالة هذه ليس إلاَّ قول الشركة وذكرنا أن بعضهم خرج غيه قولاً آخر يمكن أن يكون مخرجاً من نصفه هاهنا، ويكون في الصورتين قولان بالنقل والتخريج من الطريقين ويمكن أن يكون قول الهلاك في الأردأ مخرجاً من توجيهه في الأردأ فإن الشَّافعي -رضي الله عنه- قال الذائب إذا اختلط انقلب حتى لا يوجد عين ماله على ما مَرّ.
وأذ اختصرت قلت في الخلط المطلق ثلاثة أوجه.
ثالثهما، الفرق بين أن خلط بغير المثل، فيكون المغصوب هالكاً، وبالمثل فيشتركان.
التفريع: إن جعلنا الاختلاط كالهلاك، فللغاصب أن يعطيه المثل من غير المخلوط، وله أن يعطيه منه إذا كان بالمثل، وكذا لو خلطه بالأجود؛ لأن المخلوط خير من المغصوب، وليس له أن يعطيه قدر حقه من المخوط إذا خلط بالأردأ إلاَّ إذا رضي المالك، وإذا رضي فلا أرش له كما إذا أخذ الرديء من موضع آخر.
وإن حكمنا بالشركة، فإن خلط بالمثل، فقدر زنته من المخلوط، وإن خلط بالأجود، كما إذا خلط صاعاً قيمته درهم بصاع قيمته درهمان، نظر إن أعطاه صاعاً من المخلوط، أجبر المالك على قبوله, لأن بعضه من حقه، وبعضه خير منه، وإلاَّ فيباع المخلوط، ويقسم الثمن بينهما أثلاثاً فإن أراد قسمه عين الزيت على نسبة القيمة، فالظاهر أنه لا يجوز, لأنه يكون قد أخذ ثلثي صاع لجودته في مقابلة صاع، وهو رِبَا، عن رواية الْبَويْطِيىِّ أنه يجوز، وبنى ذلك على أن القسمة إفراز حق، لا بيع.
وفي المسأله وجه أنه يكلف الغاصب تسليم صاع من المخلوط؛ لأن اكتساب المخلوط صفة الجودة بالخلط، كزيادة متصله تحصل في يد الغاصب، وإن خلط بالأردأ، كما إذا خلط صاعاً قيمته درهمان بصاع قيمته درهم، أخذ المالك من المخلوط
صاعاً مع أرش النقصان؛ لأن الغاصب متعدّ، بخلاف ما إذا خلط المشتري بالأردأ، وأفلس فإن البائع إما أن يقنع بصاع من المخلوط، أو يضارب مع الغرماء، فإن اتفقا على بيع المخلوط، وقسمة الثمن أثلاثاً جاز، وإن إراد قسمة عين الزيت على نسبة الثمنين.
فمنهم من جعله على الخلاف المذكور في طرف الأجود.
ومنهم من قطع بالمنع, لأنه أمكن الرجوع إلى صاع منه مع الأرش، ولا حاجة إلى احتمال القسمة المشتملة على التفاضل.
وخلطة الخل بالخل، واللبن باللبن كخلط الزيت بالزيت، وإذا خلط الدقيق بالدقيق.
فأن قلنا: إنه مثلي، وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، منه كخلط الزيت بالزيت أيضاً.
وإن قلنا: إنه متقوم.
فإن قلنا: إن المختلط هالك، فالواجب على الغاصب القيمة.
وإن قلنا: بالشركة فيباع ويقسم الثمن بينهما على قدر القيمتين، فإن أراد قسمة الدقيق على نسبة القيمتين والخلط بالأجود أو الأردأ.
فهو على ما ذكرنا في قسمة الزيت المخلوط، وإن كان الخلط بالمِثلِ، فالقسمة جائزة إن جعلناها إفرازاً، وإن جعلناها بيعاً لم تجز؛ لأن بيع الدقيق بالدقيق لا يجوز، هذا إذا كان الخلط بالجنس.
أما إذا خلط المغصوب بغير جنسه، كما لو خلط زيتاً بشيرج أو ذهن بانٍ 1. أو دهن جَوْزٍ، أو خلط دقيق حنطة بدقيق شعير، فالمغصوب هالك لبطلان فائدته، وخاصيته باختلاط غير الجنس به، بخلاف الجيد مع الردئ.
ومنهم من جعله على السابق، ووجه ثبوت الشركة ما لو خلطا بالرضا، وهذا ما اختاره صاحب "التتمة" هاهنا أيضاً.
وقال: إن تراضيا على بيع المخلوط، وقسمة الثمن جاز، وإن أراد قسمته جاز، وكان المغصوب منه باع ما يضمن في يد الغاصب من الزيت، بما يصير في يده من الشِّيرج.
قال الإمام، وألحق الأصحاب بخلط الزيت بالشِّيرجِ لَتّ السَّوِيْقِ بالزَّيْتِ، وهو بعيد وإنما هو كصبغ الثوب، وهذا في الخلط الذي يتعذّر معه التمييز فإن لم يتعذر التمييز وجب عليه التمييز والفصل بالالتقاط، وإن شق سواء خلط بالجنس كالحِنْطَةِ
البيضاء والحمراء، أو بغير الجِنْسِك الحنطة والشَّعِيرِ والمواضع الذي ينبغي أن يعلم عليها من الفَصْلِ غير خافية والله أعلم.
فرع: لو خلط الزيت بالماء، وأمكن التمييز لزم التمييز، وأَرْش النقص إن كان فيه نقص، وإن لم يمكن التمييز، فهو كخلطه بِالبَانِ 1،
ألاَّ يبقى له قيمة فيكون هالكاً لا محالة فإن حصل فيه مميز، أو غير مميز نقص سار، فقد سبق حكمه والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَو غَصَبَ سَاجَةً وَأَدْرجَهَا في بنَائِهِ لَمْ يَمْلِك بَلْ يَرُدُّ (ح) عَلَى مَالِكِهِ وَإِنْ أَدَى إِلَى هَدْم بِنَائِهِ، وَإنْ أَدْرَجَ في سَفِينَةٍ لَمْ يَنْزعْ إنْ كَانَ في النَّزْعِ إِهْلاَكُ الغَاصِبِ، أَوْ إهْلاَكُ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ، أَوْ إِهْلاَكُ مَالٍ لِغَيْرِهِ وَلَكِنْ يُغَرَّمُ في الحَالِ للِحَيْلُولَةِ إِلَى أَنْ يَتَيَسَّرَ الفَصْلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلاَّ مَالُ الغَاصِبِ فَفِي جَوَازِ النَّزْعِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا غصب سَاجَةً وأدرجها في بنائه، أو بني عليها، أو على آجُرٍّ مَغْصُوب لم يملك المغصوب، وعليه إخراجه من البناء، ورده إلى المالك، وبه قال ماَلِكٌ وأحْمَدُ.
وعند أبِي حَنِيفَةَ: يملك ويغرم قيمته.
لنا أنه بني على ملك الغير عدواناً، فلا يزول به ملك المالك قياساً على ما لو غصب أرضاً، وبنى عليها، وأيضاً فإن القدرة على المَثْلِ تمنع من العدول إلى القيمة؛ لأن المثل أقرب إلى المغصوب، فأولى أن تمنع القدرة على العين العدول إلى القيمة، وهذا ما لم تعفن الساجة، فإن عفنت بحيث لو أخرجت لم تكن لها قيمة، فهي مستهلكة، فإن أخرجها، وردها لزمه أرش النقص إن دخلها نقص، وفي الأجرة ما ذكرنا في إِبلاءِ الثوب بالاستعمال.
ولو أدرج لوحاً مغصوباً في سفينة، نظر إن لم يخف من النزع هلاك نفس، ولا مال بأن كانت على وجه الأرض أو مرساة على الشَّط، أو أدرج في أعلاها, ولم يخش من نزعه الغرق، أو لم يكن فيها نفس، ولا مال، ولا خيف هلاك السفينة نفسها نزع ورد، وخلاف أبى حنيفة عائد فيه.
وإن كان في لُجَّةِ البحر، وخيف من النزع هلاك حيوان محترم، سواء كان آدمياً -أما الغاصب، أو غيره- أو غير آدمي 2 لم تنزع حتى تصل إلى الشط، وإن خيف من النزع هلاك مال إما نفس السفينة، أو غيرها، فهو إما للغاصب، أو لمن وضع ما له فيها، وهو يعلم أن فيها لوحاً مغصوباً، أو لغيرهما، إن كان لغيرهما لم ينزع أيضاً، وإن كان لهما فوجهان:
أصحهما: عند الإمام: النزع كما يهدم البناء لرد السَّاجَة، ولا يبالي بما يضيع عليه.
والثاني: وهو الأصح عند ابْنِ الصَّبَّاغ وغيره أنه لا ينزع؛ لأن السفينة لا تدوم في البحر، فيسهل الصبر إلى انتهائها إلى الشط، بخلاف الساجة المدرجة في البناء، فإن البناء للتأبيد.
وحيث لا تنزع إلى الرسول إلى الشط توجد القيمة للحيلولة إلى أن يتيسر الفصل، فحينئذ يرد اللَّوح مع أَرش النقص إن نقص، ويسترد القيمة إن قلنا: لا يبالي في النزع بهلاك مال الغاصب، فلو اختلطت التي أدرج منها اللوح بسفن الغاصب، ولا توقف على النزع إلاَّ بفصل الكل حكى في "المُهَذّبِ" فيه وجهين 1 والله اعلم بالصواب.
قال الغزالي: وَكَذَا لَوْ غَصَبَ خَيْطًا وَخَاطَ بَهِ جُرْحَ آدَمِيٍّ أَوْ حَيَوانٍ مُحْتَرَمِ غَيْرِ مَأْكُولٍ وَكَانَ في نَزْعِهِ خَوْفُ هِلاَكٍ لَمْ يَنْزَعْ إِذْ يَجُوزُ الغَصْبُ بِمِثْلِ هَذَا القَدْرِ ابْتِدَاءً بَلْ يُغَرَّمُ قِيمَتَهُ، فَإِنْ مَاتَ المَجْرُوحُ أَو ارْتَدَّ فَفِي النَزْعِ خِلاَفٌ لأَنَّ فِيهِ مُثْلَة، وَفِي الحَيَوَانِ المَأْكُولِ خِلاَفٌ لأَنَّهُ ذَبْحٌ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ، وَيَنْزَعُ عَنِ الخِنْزِيرِ وَالكَلْبِ العَقُورِ إِذْ لاَ حُرْمَةَ لَهُمَا.
قال الرافعي: الخَيطُ المَغْصُوب إن خيط به ثوب ونحوه، فالحكم كما في البتاء على السَّاجَة، وإن خيط به جرح حيوان، فهو إما محترم أو غيره.
القسم الأول: المحترم وهو الآدمي وغيره.
أما الآدمي فإن خيف من نزعه منه هلاكه لم ينزع، وعلى الغاصب قيمته، ثم إن خاَطَ جرح نفسه، فالضمان مستقرٌّ عليه، وإن خاط جرح غيره بإذنه، وهو عالم بالغَصْبِ، فقرار الضمان عليه، وإن كان جاهلاً، فعلى الخلاف فيما إذا أطعم المغصوب غيره، وفي خوف الهَلاَك خوف كُلِّ محذور يجوز العدول إلى التّيمم من الوضوء وِفَاقاً وخِلاَفاً.
قال الإمام: ولو رتب انقدح وجهان:
أحدهما: أن ترك الخيط أولى لقيام القيمة مقامه.
والثاني: أن نزعه أولى لتعلقه بحق الآدمي المبني على الضيق.
وأما غير الآدمي فهو على ضربين:
أحدهما: غير المأكول، فالحكم فيه كما في الآدمي إلاَّ أنه لا اعتبار لبقاء الشَّيْن فيه.
والثاني: المأكول، فإن كان لغير الغَاصب لم ينزع، وإن كان للغاصب ففيه قولان، وقيل: وجهان:
أحدهما: وهو راوية الرَّبِيْعِ، أنه يذبح ويرد الخيط؛ لأنه جائز الذبح، وبذبحه يصل الحق إلى المستحق.
وأظهرهما: المنع كما في غير المأكول؛ لأن الحيوان حرمته في نفسه، ألا ترى أنه يؤمر بالإنفاق عليه، ويمنع من إتلافه، وإذا لم يقصد بالذبح الأكل منع منه، وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ ذَبْحِ الحَيَوانِ إلاَّ لمأكله 1 ".
وإذا مات الحيوان الذي خيط به جرحه، فإن كان غير الآدمي نزع منه الخيط، وفي الآدمي وجهان:
أصحهما: على ما ذكره في "النهاية": أنه ينزع، وإِن لم ينزع في الحياة لحرمة الروح.
والثاني: المنع؛ لأن الآدمي محترم بعد الموت، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الحَيِّ 2 ".
القسمِ الثاني: غير المحترم، فلا يبالي بهلاكه، وينزع منه الخيط، ومن هذا القسم الخِنْزِيرُ وَالكَلْبُ العَقُورُ.
أما كلب الصيد والماشية، فلا يجوز النزع منه كذا قاله الإمام، وألحق الكلب الذي لا منفعة فيه بالمؤذيات، وذكر تَرَدُّداً فيما إذا خاط به جرح مرتد، وحكم بأن الأوجه المنع؛ لأن المُثْلَةَ بالمرتد محرمة، وليست كالمُثْلَةِ بالميت؛ لأنا نتوقع بالمرتد عوداً إلى الإسلام، وهذا لفظه، ويوافق ذلك قوله في الكتاب: "أو ارتد ففي النزع خلاف" غير أن الإمام صورة فيما إذا خيط به جرح المرتد، ولفظ الكتاب فيما إذا طرأت الردة على
الخِياطَة.
والذي أجاب به الأكثرون أن المُرْتَدَّ غير محترم، فينزع الخيط منه، وكذا الحَرْبِيُّ.
وخرج صاحب "التتمة" فيما إذا خاط به جرح الزاني المحصن، أو المحارب على الخلاف فيما إذا خاط به جرح معصوم فمات؛ لأن تفويت روحه مستحقة، فألحق بالميت، ويبني على التفصيل المذكور في جواز غَصْبِ الخيط ابتداء ليخاط به الجرح، إذا لم يوجد خيط حلال، فحيث حكمنا بالنَّوعِ لا يجوَز الغَصْب، وحيث قلنا: لا ينزع يجوز، وإلى هذا أشار بقوله في الكتاب: "إذ يجوز الغَصْبُ بمثل هذا القَدْر ابتداءً" والله اعلم بالصواب.
قال الغزالي: وَلَوْ أَدْخَلَ فَصِيلاً في بَيْتِهِ أَوْ دِينَاراً في مَحْبَرَتِهِ وَعَسُرَ إِخْرَاجُهُ كُسِرَ عَلَيْهِ تَخْلِيصاً لِلمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِفْعِلِهِ فَالأظْهَرُ أَنَّ المُخَلِّصَ مَا لَهُ يُغَرَّمُ أَرْشَ النَّقْصِ، وَإِنْ غَصَبَ فَرْدَ خُفِّ قِيمةُ الكُلِّ عَشَرَةَ وَقِيمَةُ الفَردُ ثَلاثةُ ضَمِنَ سَبْعَةَ؛ لأَنَّ البَاقِي ثَلاَثةٌ، وَقِيلَ: ثَلاَثَةً لأنَّهُ المَغْصُوبُ، وَقِيلَ: خَمسَةً كَمَا لَوْ أَتْلَفَ غَيْرَهُ الفَرْدَ الآخَرَ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا.
قال الرافعي: فرعان:
أحدهما: فصيل رجل حصل في بيت آخر، ولم يمكن إخراجه إلاَّ بنقص البناء فينظر إن كان بتفريط من صاحب البيت بأن غصبه، وأدخله فيه نقض، ولم يغرم صاحب الفصيل شيئاً، وإن كان بتفريط من صاحب الفيصل، فإذا نقص البناء غرم أَرش النقض، وإن دخل الفصيل بنفسه نقض أيضاً، وهل على صاحب الفصيل أرش النقض.
قال العراقيون: نعم، وهو ظاهر المذهب؛ لأنه إنما نقض لتخليص مِلْكِهِ، وذكر الإمام، وصاحب الكتاب فيه خلافاً، ووجه المنع أنه لا تفريط من أحد، والاخراج لابد منه لحرمة الروح، وإنما ينتظم هذا إذا كان الفرض فيما إذا خِيْفَ هلاكه لو لم يخرج.
ولو وقع دينار في مِحبَرَةٍ، ولم يخرج إلاَّ بكسرها، إن وقع فيها بفعل صاحب المَحْبَرةِ عمداً أو سهواً كسرت، ولا غرم على صاحب الدينار، وإن وقع بفعل صاحب الدينار فعلية الأَرْش، وإن وقع من غير تفريط من أحد كسرت، وعلى صاحب الدينار الأرش، وأجرى صاحب الكتاب في وجوب الأرش الخلاف المذكور في الصورة الأولى لكن التوجيه الذي مر لا يجيء هاهنا.
وقال ابن الصَّبَّاغ: إذا لم يفرط واحد منهما، وضمن صاحب المِحْبَرَة الدينار ينبغي أن يقال: لا تكسر المحبرة لزوال الضرر بذلك، وهذا الاحتمال عائد في صورة البيت والفَصِيلِ.
ولو أدخلت بهيمة رأسها في قِدْرٍ، ولم تخرج إلاَّ بكسرها، فإن كان معها صاحبها، فهو مفرط بترك الحفظ، فإن كانت غير مأكولة تخلص بكسر القدر، وعليه أرش النقصان، وإن كانت مأكولة، ففي ذبحها وجهان، كلما في مسألة الخَيْطِ، وإذا لم يكن معها أحد، فإن فرط صاحب القدر مثل أن وضع القدر في موضع لاحِقٍ له فيه كسرت، ولا غرم له، وإن لم يفرط كسرت، وغرم صاحب البهيمة الأرش، ولم يذكر التفصيل المذكور في صورة القدر، والفرق بين المأكول وغير المأكول في الفصيل والبيت والوجه التسوية والله اعلم.
ال
فرع
الثاني: غصب زَوْجَى خُفٍّ قيمتها عشرة، ثم رد إحداهما، وقيمته ثلاثة وتلف الآخر يلزمه سبعة؛ لأن بعض المغصوب قد تلف، والباقي ينقص، ولو أتلف أحدهما، أو غصبه وحده، وتلف، وعادت قيمة الباقي إلى ثلاثة، ففيه أوجه:
أحدها: أنه يضمن سبعة؛ لأنه أتلف أحدهما، وأدخل النقصان على الباقي بتعديه فأشبه ما لو حَلّ أجزاء الباب والسَّرِيرِ، فنقصت قيمته.
والثاني: يضمن ثلاثة؛ لأن قيمة الفرد الذي أتلفه ثلاثة.
والثالث: خمسة، كلما لو أتلف رجل أحدهما، وآخر الآخر، فإنه يسوى بينهما، ويضمن كل واحد منهما خمسة، ونظم الكتاب يقتضي ترجيع الوجه الأول، وبه قال الشيخ أَبو حَامِدٍ، ومن تابعه.
وقال الإمام وصاحب "التهذيب": الأظهر الثالث، ولو أخذ أحدهما على صورة السرقة، وقيمته مع نقصان الثاني مع نقصان الثاني نصاب لا يقطع بلا خلاف 1.
فرع سيأتي القول في أن ما تتلفه البهيمة متى يضمنه مالكها، فإذا ابتلعت البهيمة شيئاً، واقتضى الحال لزوم الضمان، نظر إن كان مما يفسد بالابتلاع ضمنه، وإن كان مما لا يفسد كالَّلآلي، فإن لم تكن مأكولة لم تذبح، ويغرم قيمة ما ابتلعته للحيلولة، وإن كانت مأكولة، فعلى الوجهين السابقين، ولو باع بهيمة بثمن معين، فابتلعته، نظر إن لم يكن الثمن مقبوضاً انفسخ البيع، وهذه بهيمة للبائع ابتلعت مالاً للمشترى، إلاَّ أن يقتضى
الحال وجوب الضمان على صاحب البهيمة، فيستقر العقد، ويكون ما جرى قبضاً للثمن بناءً على أن إتلاف المشتري قبض منه، وإن كان الثمن مقبوضاً لم ينفسخ البيع، وهذه بهيمة للمشتري ابتلعت مالاً للبائع والله اعلم.
قال الغزالي: الفَصْلُ الثَّالثُ في تَصَرُّفَاتِ الغَاصِبِ: فَإذَا بَاعَ الجَارِيَةَ المَغْصُوبَةَ وَوَطِئَهَا المُشْتَرِي وَهُوَ عَالَمٌ لَزِمَهُ الحَدُّ وَالمَهْرُ (ح) إِنْ كَانَتْ مُسْتَكْرَهَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ رَاضِيَةً فَوَجْهَانِ لقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلامُ: لاَ مَهْرَ لِبَغَيٍّ، وَلَكِنَّ المَهْرَ للِسَّيِّدِ فَيُشْبهُ أَنْ لاَ يُؤْثِرَ رِضَاهَا، وَفِي مُطالَبَةِ الغَاصِبِ بِهَذَا المَهْرِ تَرَدُدٌ, لأنَّ مَنَافِعَ البُضْعِ لاَ تَدْخُلُ تَحْتَ الغَصْبِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً لَزِمَهُ المَهْرُ، وَلاَ يَجِبُ إِلاَّ مَهْرٌ وَاحِدٌ بِوَطْآتٍ إِذَا اتَّحَدَتِ الشُّبْهَةُ، وَفِي تَعَدُّدِ الوَطْءِ بِالاسْتِكْرَاهِ تَرَدُدٌ في تَعَدُّدِ المَهْرِ.
قال الرافعي: هذا الفصل الثالث، وإن كان مترجماً بتصرفات الغاصب مطلقاً، لكن القصد منه شيئان:
أحدهما: الكلام في وطء المشتري من الغاصب.
والثاني: فيما يرجع به إذا غرم على الغاصب، واعلم قبل الشروع فيهما أنه إذا اتَّجَرَ الغاصب في المال المغصوب، ففيه قولان:
الجديد: أنه إن باعه، أو اشترى بعينه، فالتصرف باطل، وإن باع سلماً، أو اشترى في الذمة، وسلم المغصوب فالعقد صحيح، والتسليم فاسد، ولا تبرأ ذمته عما التزم، ويملك ما يأخذوا أرباحه له.
والقديم: أنه يتبعه، والشراء بعينه منعقد موقوفاً على إجارة المالك، فإن أجازه، فالربح له وكذا إذا التزم في الذمة، وسلم المغصوب، وتكون الأرباح للمالك، وهذه المسألة قد مر ذكرها في أول البيع، ويتم شرحها في القِراضِ، والغرَضِ الآن التذكير ببيان أن مسائل الفصل متفرعة على المذهب الجديد.
إذا عرفت ذلك، فالمقصد الأول هو القول في وطء المشتري من الغاضب، ولا يخلو إما أن يكون مُحْبلاً أو لا.
الضرب الأول: الوطء الخالي عن الاحبال، ونذكر أولاً حكمه إذا وجد من الغاصب بعضه، فنقول: إنه مع الجارية المغصوبة إما أن يكونا جاهلين بتحريم الوطء؛ أو عالمين، أو أحدهما عالم، والآخر جاهل إن كانا جاهلين، فلا حَدَّ عليهما، وعليه المهر للسيد، وكذلك أَرْش الافتضاض، إن كانت بكراً ثم ذكروا وجهين، في أنا نفرد أرش الافتضاض من المهر فنقول عليه مهر مثلها ثيبا وأرش الافتضاض أولاً نفرد،
ونقول: عليه مهر مثلها بكراً، ورجحوا الأول لوجوبهما بسببين مختلفين، وانفكاك كل واحد منهما عن الآخر.
فإن قلت: هل يختلف المقدار بالاعتبارين أم لا؟ إن اختلف وجب أن يقطع، بوجب الزائد؛ لأن بناء أمر الغاصب على التغليظ، وإن لم تختلف فلا فائدة للوجهين.
فالجواب: أن يقال: إن اختلف المقدار، فالوجه ما ذكرته، وقد أشار إليه الإمام، وإن لم تختلف، فللوجهين فوائد تظهر من بعد.
وإن كانا عالمين بالتحريم، فينظر إن كانت الجارية مكرهة، فعلى الغاصب الحد والمهر، خلافاً لأبِى حَنِيْفة في المهر، ويجب عليه أرش الافتضاض إن كانت بكراً، وإن كانت طائعة، فعليهما الحد، وفي المهر وجهان، ويقال: قولان:
أحدهما: يجب؛ لأن المهر حق للسيد، فلا يؤثر فيه رضاها، كما لو أذنت في قطع يدها.
وأظهرهما: وهو المنصوص: أنه لا يجب؛ لأنها زانية ساقطة الحرمة، فأشبهت الحرة إذا زنت طائعة، وقد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- (نَهَى عَنْ مَهْرِ البَغِيِّ) 1.
ويجوز أن يكون مهرها للسيد، ويتأثر بعضها، كما لو ارتدت قبل الدخول، أو أرضعت إرضاعاً مفسداً للنكاح، ويجب أرش الافتضاض، إن كانت بكراً.
إذا قلنا: انه يفرد عن المهر.
وإن قلنا: لا يفرد، ففي وجوب الزيادة على مهر مثلها، وهي ثيب وجهان:
في وجه: لا تجب، كما لو زنت الحرة طائعة، وهي بكر.
وفي وجه: تجب، كما لو أذنت في قطع طرف منها.
وإن كان أحدهما عالماً، دون الآخر، فإن كان الغاصب عالماً فعليه الحد وأرش البكارة إن كانت بكراً، والمهر، وإن كانت الجارية عالمة فعليها الحد دونه، ويجب المهر إن كانت مطاوعة، فعلى الخلاف، واعلم أن الجهل بتحريم وطء المغصوبة قد يكون للجهل بتحريم الزنا مطلقاً، وقد يكون لتوهُّم حلّها خاصة لدخولها بالغصب في ضمانه، ولا تقبل دعواها إلاَّ من قريب العهد بالإسلام، أو ممن نشأ في موضع بعيد عن المسلمين، وقد يكون لاشتباهها عليه، وظنه أنها جاريته، ولا يشترط لقبول الدعوى ما ذكرناه.
هذا في وطء الغاصب، وأما المشتري من الغاصب، فالقول في وطئه في حالتي العلم والجهل، كما ذكرنا في الغاصب إلاَّ أن الجهل في حق المشتري قد ينشأ من الجهل بكونها مغصوبة أيضاً، فلا يشترط في دعواه الشرط السابق، كما لا يشترط في الاشتباه وإذا غرم المشتري المهر، فسيأتي الخلاف في رجوعه على الغاصب، وهل للمالك مطالبة الغاصب به ابتداء؟.
فيه وجهان عن صاحب "التقريب": وجه المنع أن المهر بدل منفعة البُضْعِ، وهي غير داخلة تحت اليد، ولا مضمونة بالغَصْبِ.
ووجه الثاني: وهو قضية كلام المُعَظَمِ: أن الأمر إذا أفضى إلى الغرم بعد فرضه غير متعلق بالغاصب.
وأشار الإمام إلى جريان الوجهين، سواء قلنا برجوع المشتري على الغاصب بالمهر، أو بعدم الرجوع.
وقال: إذا قلنا بعدم الرجوع، فظاهر القياس ألاَّ يطالب، وغيره محتمل.
وإذا قلنا بالرجوع، فالظاهر المطالبة لاستقرار الضمان عليه، ويجوز أن يقال: الرجوع بسبب الغَررِ، فيختص به المغرور، وطرد الخلاف في مطالبة الغاصب بالمهر إذا وطئت بالشبهة، وإذا تكرر الوَطْء إما من الغاصب، أو من المشتري من الغاصب، فإن كان في حالة الجهل لم يجب إلاَّ مهر واحد؛ لأن الجهل شبهة واحدة مطردة، فأشبه ما إذا وطئ في النكاح الفاسد مراراً، وإن كان عالماً وجب المهر لكونها مستكرهة، وعلى قولنا بالوجوب مع طواعيتها، فوجهان:
أحدهما: الاكتفاء بمهر واحد، كما في حالة الجهل.
وأصحهما وبه أجاب صاحب الكتاب في "الصَّدَاقِ"، حيث أعاد هذه الصورة في أخوات لها أنه يجب لكل مرة مهر؛ لأن الواجب هاهنا لإتلاف منفعة البُضعِ؛ فيتعدد بتعدد بتعدُّد الإتلاف، لكن قضية هذا الوجه الحكم بالتعدد في صورة الجهل؛ لأن الإتلاف الذي هو سبب الوجوب حاصل، فلا معنى للإحالة على الشبهة، وإنما يحصل اعتماد الشبهة، حيث لا يجب المهر لولا الشبهة، وذكر هذا المستدرك إمام الحرمين.
وقال: هذه لطيفة يقضى منها العجب، وإن وطئها مرة جاهلاً، ومرة عالماً وجب مهران.
وقوله في الكتاب: "لزمه الحد والمهر" لفظ المهر معلّم -بالحاء- لأن عند أَبِى حَنِيْفَة لا يجامع المهر الحد، والمشهور من لفظ الخبر أنه "نهى عن مهر البغي" كما تقدم لا ما أورده في الكتاب والله أعلم.
قال الغزالي: أَما الوَلَدُ فَهُوَ رَقَيقٌ لاَ نَسَبَ لَه إِنْ كَانَ عَالِماً، وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً انْعَقَدَ
عَلَى الحُرِّيَّةِ، وَضَمِنَ المُشْتَرِي قِيمَتَهُ، وَرَجَعَ بِهِ عَلَى الغَاصِبِ إِذَا الشِّرَاءُ لاَ يُوجِبُ ضَمَانَ الوَلَدِ، وَإِنِ أَنْفَصَلَ الوَلَدُ مَيِّتاً فلاَ ضَمَانِ لأَنَّ الحَيَاةَ لَمْ تُتَيَقَّنْ، وَإِنْ سَقَطَ مَيَّتاً بِجِنَايَةِ جَانٍ يَجِبُ الضَّمَانُ لأَنَّهُ انْفَصَلَ مَضْمُونًا وَقَدْ قَدَّرَ الشَّارعُ حَيَاتَهُ وضَمَانُهُ عشر قِيمَةِ الأُمِّ, وَقِيلَ في هَذِهِ الصُّورَةِ: يَجِبُ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِنْ عُشْرِ قِيمَةِ الأُمِّ أَوِ العُّرَّةِ إِذْ وَجَبَ الضَّمَانُ بِسَبَبِهَا فَلاَ يَزَيدُ عَلَيْهَا.
قال الرافعي: الضرب الثاني الوطء المُحْبِلُ، سواء وجد من الغاصب أو من المشتري منه، فينظر إن كان عالماً بالتحريم، فالولد رقيق للمالك، غير نسيب لكونه زانياً، وإن انفصل حيًّا، فهو مضمون على الغاصب، وإن انفصل ميتاً بجناية جانٍ، فبدله لسيده، وإن انفصل ميتاً من غير جناية، ففي وجوب الضَّمان على الغاصب وجهان:
أحدهما: وهو ظاهر النص: الوجوب لثبوت اليد عليه تبعاً لثبوت اليد على الأم، ويُحْكى هذا عن الأنماطِيِّ وأبِى الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَة، واختاره القَفَّالُ.
والثاني: المنع، وبه قال أَبُو إسحاق، واختاره الشيخ أبُو مُحَمَّدٍ، والإمام، وصاحب "التهذيب"؛ لأن جنايته غير منتفية، وسبب الضمان هلاك رقيق تحت يده.
ويجري الوجهان في حمل البهيمة المغصوبة إذا انفصل ميتاً، وإن أوجبنا الضمان، فنوجب قيمته يوم الانفصال، ولو كان حيًّا في ولد الجارية والبهيمة سواء وخرج الإمام وجهاً آخر في ولد الجارية أنه يضمن بعشر قيمته الأم تنزيلاً للغاصب منزلة الجاني الذي يترتب على جنايته الاجهاض، وإن كان الواطئ جاهلاً بالتحريم، فالولد نسيب حر للشبهة، وعليه قيمته لمالك الجارية يوم الانفصال، إن انفصل حيًّا؛ لأن التقويم قبله غير ممكن، وإن انفصل ميتاً، فأما أن ينفصل بنفسه، أو بجناية.
أما التقدير الأول، فالمشهور أنه لا يلزمه قيمته؛ لأنا لا نتيقن جناية؛ وأن الغاصب أتلفه، ويخالف ما لو انفصل رقيقاً ميتاً حالة العلم، حيث ذكرنا في وجوب الضمان وجهين؛ لأن الرقيق يدخل تحت اليد والغَصْب، فجعل تبعاً للأم فيه وفي التتمة حكايته وجه هاهنا أيضاً أنه يلزمه القيمة لأن الظاهر الحياة.
وأما على التقدير الثاني، فعلى الجاني ضمانه؛ لأن الانفصال عَقِيْبَ الضرب يغلب على الظن أنه كان حيًّا، فمات بفعله، وللمالك الضمان على الغاصب، بخلاف ما إذا انفصل ميتاً من غير جناية؛ لأنه لا بدل له هناك، وهاهنا يقوم له، فيقوم عليه، وكان حق المالك يتعلق ببدله، كما لو قتل العبد الجاني يتعلّق العبد المجني عليه ببدله، ولو مات فات حقه، ثم الذي يجب على الجاني الغرة والذي يجب للمالك عشر قيمة الأم؛ لأن الجنين الرقيق به يضمن، فإن كانت قيمة الغرة وعشر الأم سواء ضمن
الغاصب للمالك عُشْر قيمة الأم، وإن كانت قيمة الأم أكثر، فكذلك، والزيادة تستقر له بحق الإرث، وإن نقصت الغرة عن العشر، فوجهان:
أظهرهما: أنه يضمن للمالك تمام العشر؛ لأنه لما انفصل متقوماً كان بمثابة ما لو انفصل حيًّا, ولأن بدله إنما يقصر عن العشر بسبب الحرية الحاصلة بظنه.
والثاني: أنه لا يضمن إلاَّ قدر الغرة، ويعبر عنه بأن الواجب أقلّ الأمرين من العشر والغرة، ووجهه أن مثبت وجوب الضمان يقومه عليه فلا يضمن فوق ما يحصل له، وإن انفصل ميتاً بجناية الغاصب نفسه لزمه الضمان؛ لأن ما وجد منه بسبب الضمان، إلاَّ أنه لا يستحق على نفسه شيئاً.
ولو أحبل الغاصب الجارية ومات وخلف أباه، ثم انفصل الجنين ميتاً بجناية جانٍ، فالغرة تكون لجد الجنين.
وعن القاضي الحسين أنه يضمن للمالك ما كان يضمنه الغاصب لو كان حيًّا، وعنه أنه لو كان مع الغاصب أم الجنين، فورثت سدس الغرة يقطع النظر عنه، وينظر إلى عشر قيمة الأم، وخمسة أسداس الغرة، وكأنها كل الغرة، والجوابان يختلفان، فرأى الإمام إثبات احتمالين في الصورتين فصار في أحدهما إلى أن من يملك الغرة ينبغي أن يضمن للمالك، ويستبعد في الثاني تضمين مَنْ لم يغصب، ولا تفرعت يده على يد الغاصب.
وذكر في "التتمة" أن الغرة تجب مؤجلة، فإنما يغرم الغاصب عشر قيمة الأم إذا أخذ الغرة، وللإمام توقف فيه، هذا ظاهر المذهب في الولد المحكوم بحريته.
وفيه طريقة أخرى: أنه لا ينظر إلى عشر قيمة الأم، ولكن تعتبر قيمته لو انفصل حيًّا، وينظر إليه وإلى الغرة على التفصيل الذي بيناه.
وأشار في "الوسيط" إلى استمداد هذه الطريقة من القول القديم في أن جراح العبد لا تتقدّر لأن عشر قيمة الأم نوع مقدر، لكنه ليس بواضح، فإن الخلاف في أن البدل يتقدر أو لا يتقدر في أطراف العبد، والفائت هاهنا جملته، وليس لهذا البناء ذكر في كتاب الإمام، لكنه قال: الطريقة ملتفتة إلى الخلاف في أن ما يتلف في يد الغاصب من أعضاء العبد المغصوب بآفة سماوية، أو بجناية غير الغاصب يعتبر في حقه بدله المقدر في حق الجاني أم ينظر إلى قدر النقصان بإيجاب العشر في قيمة الأم إيجاب المقدر الواجب على الجناية.
وعن بعض الأصحاب أن الغاصب يغرم للمالك أكثر الأمرين من قيمة الولد والغرّة وضعفه من نقله؛ لأن الغرة إن كانت أكثر، فثبوت الزيادة بسبب الحرية، فكيف
يستحقها المالك.
ومن العجب أن صاحب "التهذيب" أجاب بهذا الوجه في المشتري من الغاصب، وجوابه في الغاصب ما تقدم، ودعوى الجهل في هذا الضرب كدعواه في الضرب الأول.
وروى المَسْعُودِيُّ خلافاً في قَبُولِهَا لحرية الولد، وإن قبلت لدفع الحد، كما رواه في استيلاء المرتهن، ويجب في حالتي العلم والجهل أَرْش نقصان الجارية، وإن نقصت بالولادة، فإن تلفت عنده وجب أقصى القيم، ودخل فيه نقصان الولادة، وأرش البكارة، ولو ردها وهي حبلى، فماتت في يد المالك من الولادة، ذكر أَبو عَبْدِ اللَّهِ القَطَّانُ في "المطارحات" أنه لا شيء عليه في صورة العلم؛ لأن الولد ليس منه حتى يقال: ماتت من ولادة ولده، وإن في صورة الجهل قولين.
واعلم أن لوجوب الضمان في هذه الصورة مأخذين:
أحدهما: أنه أحبل جارية الغير إما بالشبهة، أو بالزنا، وفي كونه سبباً للضمان ما قدمناه في المرتهن.
والثاني: أنه يحصل نقصان الحمل تحت اليد، وذلك سبب الضمان، وإن وجد أثره بعد الرد إلى المالك، كما لو جنى المغصوب عند الغاصب، فرده، ثم بيع في يد المالك.
وأطلق صاحب "التتمة" بوجوب الضمان للمأخذ الثاني 1.
وقوله في الكتاب: "وضمن المشتري قيمته، ورجع بها على الغاصب، إذ الشراء لا يوجب ضمان الولد"، والكلام في الرجوع أخرناه إلى الفصل التالي لهذا الفصل، وقد كرره هناك، وفي ذكره هناك غنية عن الذكر هاهنا.
وقوله: "فلا ضمان؛ لأن الحياة لم تتيقن" معلم بالواو.
ويجوز إعلام قوله: "وضمان عشر قيمة الأم" -بالحاء- لما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.