وَفِيه بَابَانِ
البَابُ الأوَّلُ في بَيَانِ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيةِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الصَّنْفُ الأَوَّلُ الفَقِيرُ وَهُوَ الَّذِي لاَ يَمْلِكُ أَصْلاً وَلاَ يَقْدِرُ (ح) عَلَى كَسْبِ يَلِيقُ بِمُرُوءَتِهِ، أَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى كَسْبِ وَلَكِنْ يَمْنَعُهُ الاشْتِغَالُ بِهِ عَنِ التَّفَقهِ وَهُوَ مُتَفِّقَةٌ، وَإِنْ كَانَ يَمْنَعُهُ عَنِ اسْتِغْرَاقِ الوَقْتِ بِالعِبَادَاتِ، فَلاَ يُعْطَى سَهْمَ الفُقَرَاءِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الزَّمَانَةُ، وَلاَ التَّعَفُّفُ عَنِ السُّؤَالِ فِي استِحقَاقِ هَذَا السَّهْمِ عَلَى الجَدِيدِ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: اسم الصَّدَقَاتِ يشملُ الزكَوَاتِ والتطوُّعات، والكِتَابُ وافٍ بالنَّوْعَينِ، وأنَّهما إلَى من يصرفان؟ وكيف يُصْرَفَان؟ إلاَّ أنَّ النوعَ الثانِيَ لا يطُولُ الكلامُ فيه، فرسه مسألةً في آخر الباب الثاني، وحقُّه أنْ يقطعَ عنِ النَّوْع الأول بالكلِّيَّة، ولا يجعل مسألةً في فصوله، أما الزكاةُ: فالقَوْلُ فيما تُؤَدِّي وَتُؤَدَّى منه، ومَنْ عليه مستوفًى في "كتاب الزكاة"، وأما الذي تؤدَّى إليه، فله عَقْدُ هذا الكتاب، ثم من الأصحابَ مَنْ يُورِدُ مقْصُود هذا البَابِ في "كتَابِ الزكاة" مَقْروناً بسائِرِ فُصُولهَا، والشافعيُّ وأكثر الأصْحَاب -رضي الله عنهم- أوردُوهُ هاهنا مقروناً بقسم "الفيء والغنيمة"، ولكلِّ وجهٌ؛ فالأول ظاهِرةٌ، وأما الثانِي؛ فَلأَنَّ كلَّ واحدٍ من هذه الأموالِ يتولَّى الإمامُ جَمْعَها، ثم تفريقَهَا، وقِسْمَتَها عَلَى من يضرب فيها بسَهْم إلاَّ أنَّ ذلك يحصُلُ من الكفار، وهذا من المسلِمِينَ، والأصلُ فيه قولُهُ تعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة-60] الآية، ولا بدَّ من بيان الأصنافِ الثمانيةِ، وكيفية الصَّرْف إليهم فأودعهما في بابين.
أما الأول: فالصِّنْف الأَوَّل: "الفقيرُ"؛ وهو الذي لا مَالَ له، ولا كَسب يقع موقعاً من حاجته فالمالُ الذي لا يقع موقعاً؛ كما إذا كان يحتاجُ إلَى عشرةٍ، وهو لا يملك إلاَّ درهَمَيْنِ أو ثلاثةً، لا يُسْلَبُ اسم الفقير، وكذا الدَّارُ التي يسكُنُها، والثوبُ الَّذي يلبسُهُ متجمِّلاً به، ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، ولم يتعرَّضوا لِعَبْدِهِ، الَّذي يحتاجُ إلَى خدمته، وهو في سائر الأصُولِ ملحقٌ بالمسكن 1 ولو كان عليه دَيْنٌ، فيمكن أنْ يقال:
القَدْرُ الذي يؤدَّى به الدَّيْنُ لا عبرةَ به في مَنْع الاستحقاق؛ كما لا عبرة به في وجُوبِ نفقة القريب، وكذا في زكاة الفِطْرِ على الوَجْهِ الذي مَرَّ في موضعِهِ، وفي "فتاوى" صاحِب "التهذيب": أَنه لا يُعْطَى من سهم الفقراءِ حتَّى يُصْرَفَ ما عنده إلى الدَّيْنِ 1، قال: "ويجوز أخذ الزكاةِ لِمَنْ مالُهُ عَلَى مسافةِ القَصْر إلَى أنْ يصل إلى ماله، ولو كان له دَيْنٌ مؤجَّلُ عَلَى إنسانٍ، فكذلك يأخُذُ ما يكفيه إلَى حلول الأجلِ، وقد يتردَّد الناظرُ في اشتراطِ كونه عَلَى مسافة القَصْر.
وإنَّما اعتبر العجْز عن الكَسْب؛ لأن القدرة على الكَسْب بالحِرْفَة بمثابة المَالِ في حصول الكِفَايَة، وقد رُوِي: "أَنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيَا رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لِيَسْأَلاَنِهِ الصَّدَقَةَ، فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أعطيتكما ولاحظ فيها الغنيِّ، ولا لذِي مرَّةٍ سَوِيٍّ"؛ وهي القُوَّة، وُيرْوَى: "ولا لِذِي قُوَّةٍ مكتسب 2.
وعند أبي حنيفةَ: "لا يُعْتبرُ العجْز عن الكَسْب، ويكفي ألا يملك نِصاباً من النقدين ولا ما قيمته نصابٌ، ثم المعتبر العجز عن كسب ما يقع موقعاً من حاجته، لا عَنْ أصل الكَسْب، كما ذكرنا في المال، والمعتَبَرُ الكَسْب بحرْفَةٍ تليق بحاله، ومروءته، دون ما لا يليقُ بحاله، ولو قَدَر على الكَسْب إلاَّ أنه مشغولٌ بتحصيلِ بَعْضِ العلوم الشَّرْعية، ولو أقبلَ عَلَى الكسْب، ولا نقطع عن التحْصِيل، تَحلُّ له الزكاة؛ لأنَّ تحصيلَهَا من فروض الكفايات، وأَما المُعَطَّل المعتكفُ في المدْرَسَةِ، ومن لاَ يتأتَّى منه التحصيلُ، لا يَحِلُّ لهما الزكاةُ مع القُدْرة على الكَسْب 3، ومن أقبل عَلَى نوافِلِ
العباداتِ، وكان الكَسْب يمنعه عَنْها أو عَنِ استغراقِ الوَقْت بها، فلا تَحِلُّ له الصدقة؛ لأن الكسْبَ وقَطْع الطمع عما في يد الناس أولَى من الإقبالِ على النوافِلِ مع الطَّمَع، وإذا لم يجدِ الكَسُوبُ مَنْ يستعملُهُ، حَلَّ له الزكاةُ، وهل يشترط في الفقير الزمانة، والتعفُّف عن السؤال؟ فيه طريقان:
أشهرهما: أنه عَلَى قولَيْنِ: القديمُ: نعم؛ واحتجَّ له بأنه إذا سأل، أُعْطِي: وإذا لم يكن زَمِناً، كان له نَوْعٌ كَسب؛ فيكون مسكيناً لا فقيراً، وبأنَّ الفقيرَ مشتقٌّ من كسر الفِقَارِ الذي هو مُهْلِكٌ، وقضية هذا الاشتقاقِ عدَمُ القدْرةِ على الإطْلاَق، والجديدُ لا بل الزَّمِنُ وغير الزمن والسَّائل وغير السائل سواءٌ في الاستحقاق؛ لأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "أَعْطَى من سأل الصَّدَقَةَ، وهو غير زمن 1، ولأن استحقاقَ الفَقِيرِ بالحاجَةِ، والحاجةُ موجودةٌ، وإن لم يكن زَمِناً، إذا لم تكن له حرفة، أو كانَتْ ضعيفةً، لا وقْعَ لَهَا في حقِّ السائل أيضاً، وبهذا قال المُزَنِيُّ.
والثاني: القَطْعُ بعدم اشتراطِهَا، وإليه مال المُعْتَبَرُونَ، وأَولَّوُا ما نقل عن القديم، ومنَعُوا التوجيه المذكورَ.
وقوله في الكتاب: "وهو الَّذِي لا يملك شَيْئًا أصْلاً" غيْرُ معمولٍ بظاهره، بل المعنَى: أنه لا يملك شيئاً أو لا يملك إلاَّ مالاً، وقع له بالإضافةِ إلَى حاجته، وكذا قوله: "ولا يَقْدِرُ عَلَى كسب يليق بمروءته" وليعلم بالحاء؛ لما ذكرنا، وقوله: "على الجديد" بالواو؛ للطريقة الأخْرَى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالمَكْفِيُّ بِنَفَقَةِ أَبيه هَلْ يُعْطَى فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَجُوزُ لِلأَبِ إِعْطَاؤُهُ قَطْعاً، لأنَّه يَدْفعُ النَّفَقَةَ عَنْ نَفسِهِ، وَالمَكْفِيَّةُ بِنَفَقَةِ زَوْجِهَا لاَ تُعْطَى عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، لأَنَّ نَفَقَتَها كَالعِوَضِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفَصْلِ الكلامُ في أَنَّ المكتفِيَ بإنفاق أبيه أو غيره؛ ممَّن يلْزَمُهُم النفقةُ والفقيرة الَّتِي ينفق علَيْهَا الزوجُ الغَنِيُّ 2، هل يعطيانِ من سهم الفقراء؟ = فيه ثلاثة أوجه.
أحدها: يستحق، والثاني: لا، والثالث: إن كان نجيباً يرجى تفقهه ونفع الناس به، استحق، وإلا، فلا.
ويقدَّم على المسألتين أنَّه لو وَقَفَ عَلَى فقراء أقاربه أو أوصَى لهم بمالٍ، وكانا في أقاربه، هل يستحقَّانِ سهماً من الوقفِ والوصية؟ وفيه أربعة أوجهٍ، حكاها الشيخ أبو عَلِيٍّ في الشرح:
أحدها: وبه قال ابن الحَدَّاد: نَعَمْ؛ لأنهما فقيرانِ في نفسهما، إلاَّ أنَّ هناك من يَمُونُهُمَا.
والثاني: ويُحْكَى عن أبي زيد، والخُضَرِيِّ لا؛ لأنهما غنيان بالنَّفقة المستحَقَّة لهما، فصَارَ كمن حَصَلَتْ كفايته في كسبه أَو من ضيعة موقوفة عليه.
والثالث: عن الأودني فيما نقله الفقيه أبو يعقوبَ عنه: أنْ مَن في نفقةِ القَرِيبِ يستحِقُّ دون الزوجة، والفرق أنها تستحق النفقة عوضاً، وهي تستقرُّ في ذمَّة الزوج، فتكون غنيةً به، كدَيْنٍ في ذمَّةِ الغَيْرِ حَالٍّ أو مؤَجَّلٍ، يكون صاحبه غنياً به والقريبُ يواسِيهِ القريبُ يوماً يوماً، ولا يستقرُّ له في ذمَّتِهِ شيء، يكون غنيّاً به.
والرابع: أنَّ الزوجةَ تستحِقُّ دون مَنْ في نفقة القريب، والفرقُ: أَنَّ القريبَ يلزمُهُ كفايةُ أمْرِ القريب من كُلِّ وجهٍ، حتَّى الدواء وأجرة الطبيب، فاندفَعَتْ حاجاته بالكلِّية، والزوجة ليسَ لها إلاَّ مُقَدَّر، وربما لا يكفيها، فتبقَى محتاجة.
إذا تقرَّر ذلك، جئْنَا إلَى الزكاة، فإنْ قُلْنا: لاَ استحقاقَ لَهُما في قدر الوَقْف والوصيَّة، فلا يعطيان من الزكاة؛ لعَدَمِ الحاجة، وهو الأصحُّ عند الشيخ أبي علي وغيره، وإنْ قلنا: إنَّ لهما حقّاً هناك، فهاهنا وجهان:
أصحهما: أنَّ الجواب كذلك.
والثاني: المنْعُ، وبه قال ابن الحدَّاد، والفَرْق.
أنَّ الاستِحقَاق في الوَقْفِ باسْم الفقيرِ، ولا يزولُ اسم الفقير بقِيَام غيره بأمره، والاستحقاق في الزكاة بالحَاجَةِ، ولاَ حاجة مَعَ توجُّه النفقة على الغَيْر، فأشبه المكتسب الَّذي يكتسبُ كل يومٍ قدْرَ كفايتِهِ، حيثُ لا يجوز له الأخْذ، وإن كان معدوداً في الفقراء، ومَنْ قال بالأوَّل، مَنَعَ هَذا، وقال: الاستحقاقَانِ منوطَانِ بالفَقْر، فوجب التسويةُ بين البابين، كما أنَّ الوصيَّة لأبناء السبيل محمولةٌ عَلَى ما يحمل عليه ابن السبيل في آية الزكاة، ثم الوجهانِ في مسألة القَرِيب، فيما إذا أعطاهُ غَيْر من ينفق عليه من سَهْمِ الفقراء والمساكين، ولا كَلاَمَ في أنه يُعْطِيهِ من سائر السهام، وأما المتفق عليه، فلا يعَطيه مِن سَهْمِ الفقراء والمساكين، لا محالة؛ لمعنيين:
أحدهما: كونه غنيّاً بتلك النفقة، عَلَى ما ذكرناه.
والثاني: أنه بالصَّرْف إليه يجرُّ نفعاً إلَى نفسه، وهو دفع النفقة، عن نفسه وله أن
يعطيَهُ مِنْ سَهْم الغارمينَ، والعاملين، والمكاتِبينَ والغُزَاة، إذا كانوا 1 بهذه الصِّفَات 2، وكذا مِنْ سهمُ المُؤَلَّفة إلاَّ أنْ يكون فقيراً؛ فإنَّه حينئذٍ يسقط النفقة عَنْ نَفْسه، ويجوز أنْ يعْطِيَه مِنْ سَهْم أبناء السبيل قَدْرَ مؤنة السَّفَر، دون ما يحتاج إلَيْه سفراً وحَضَراً، فإنَّ هذا القَدْر هو المستحَقُّ عليه، وأما في مسألة الزوْجَةِ، فالوجهان في أنَّ غيْر الزَّوْج، هَلْ يعطيها مِنْ سَهْم الفقراء والمساكين، بجريان في الزوج أيضاً؛ لأنه بالصَّرْف إلَيْها لاَ يَدْفَعِ النفقة عن نَفسِه، بل نفقتها عوضٌ لازمٌ، غنيةً كانت أو فقيرةً، فصار كما لو استأجَرَ فقيراً، يجوز له صَرْفُ الزكاة إليه مع الأجرة، فإنْ منعنا، فلو كانت ناشزةً، ففي "التهذيب" أنه يجوز أنْ يُعْطِيَها؛ لأنَّه لا نفقةَ لها، وجوابُ الشيخ أبي حامد والأكثرين: المنع، لأَنها قادرةٌ عَلَى ترك النُّشُوزْ والعَوْد إلى الطاعة، فأشبهتِ القادِرَ على الاكتساب، ويجوز للزَّوجِ أنْ يعطيَهَا مِنْ سهم المكاتبين والغارمين، قال في "التتمة": "وكذا من سَهْمِ المؤلَّفة".
وفي "تعليق الشيخ أبي حامد" أنَّ المرأة لا تكون مِنَ المؤلَّفة، والأول هو المقْبُولُ، ولا تكون المرأةُ عاملةً، ولا تصلُحُ للجهاد، وأما سهْمُ ابنِ السبيل، فإنْ سافرَتْ مع الزوجِ، لم تُعْطَ منه؛ لأنَّها إنْ سافرت بإذْنِهِ، فهي مكفيَّة المؤنة، وإنْ سافرَتْ بغَيْر إذنه، فالنفقة عليه؛ لأنها معه، هكذا ذكروه، ولا تُعْطَى مؤنة السفر؛ لأنها 3 عاصيةٌ بالخُرُوج، وإنْ سافرتْ وحْدَها، نُظِرَ: إنْ خرجت بإذْنِهِ، فإنْ أوجبنا نفقتها، فتُعْطَى من سهم ابْنِ السبيل مؤنةَ السَّفَر، وإن لم نوجِبْها، فتعْطَى جميعَ كَفَايَتَهِا، وإن خرجَتْ بغير إذنه، لم تُعْطَ منه؛ لأنها عاصيةٌ، ويجوز أن تُعطَى هذه من سهْمِ
الفقراء والمساكين؛ بخلاف النَّاشِزَة؛ لأنَّها تَقْدِر على العود إلَى يده وطاعته والمسافرة لا تَقْدِر، فإنْ تركَتْ سفرها، وعزمت عَلَى أنْ تعُودَ إلَيه، فتعطَى من سهم ابن السَّبيل، وقوله في الكتاب: "والمكفي بنفقة أبيه، هل يعطَى"، يعني من سهم الفقراء والمساكين، ونصَّ في مسألة الزوجةِ عَلَى أن أظهر الوجهين: المَنْعُ، وفي المسألة الأولَى: "أرسل الوجهين إشارةً إلَى ترتيب الخلافِ في الزوجة على الخلاَفِ في القريب، وأولويَّة المنع فيه؛ لأنَّ نفقتها عوضٌ، عَلَى ما مر، وقَدْ صرَّح بذلك في "الوسيط".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: الْمِسْكِينُ وَهُوَ كُلُّ مَنْ لاَ يَمْلِكُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ وَإِنْ مَلَكَ وَقَدَّرَ عَلَى الكَسْبِ، وَالفَقِيرُ أَشَدُّ حَالاً مِنْهُ (ح م و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصِّنْفُ الثاني المِسْكِينُ؛ وهو الذي يمْلِكُ من المال ما يَقَعُ موقعاً من حاجَتِهِ، وكفايته، لكنه لا يكْفِيه، كما إذا احْتَاج إلَى عشرة، وهو يملك سبْعةً أو ثمانيةً وفي معناه مَنْ يقدِرُ على كَسْبٍ ما يقع موقعاً، ولا يكفي، ولا فَرْقَ بين أنْ يكونَ ما يمْلِكُه من المال نِصاباً أو أقلَّ أو أكْثَرَ، 1 وعن أبي حنيفة: إذا ملك نِصَاباً من الأثمان، لم يُعْطَ شيئاً من الزكاة، وكذا إذا مَلَكَ شيئاً قيمته نِصابٌ فاضلاً عن مسكنه وخادمه.
وقال أحمد: "إنْ ملك خمسينَ دْرهماً، لم يُعْطَ شيئاً مِنَ الزَّكَاةِ".
واحتجَّ الأصحاب بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إِلاَّ لِثَلاثةٍ" 2 فذكر رجُلاً أصابته جائحة، فاجتاحَتْ ماله، فحلَّت له الصدقة، حتَّى يصيب سداداً من عَيْشٍ، ومن لم يجدْ ما يكفيه، لم يصب سداداً من عيش، ولا يعتبر في المسكين السُّؤَال، قطع به أكثر الأصْحَاب، ومنْهم: من نَقَل عن القَدِيمِ اعتبارَهُ، ولفظ المزنيِّ في "المختصر" يُمْكِنُ تنزيله على الطَّريقَيْنِ، وإذا عرِف تفسير المسكين والفَقِيرِ، عرف أنَّ الفقير أشدُّ حالاً من المسْكِينِ، وبه قال أحمدُ.
وقال أبو حنيفة: "المسكينُ أشدُّ حالاً من الفقير" وعكَسَ التفسيرَ، وبه قال أبو إِسحاق المروزيُّ، واحتج الأصحاب بقوله تعالَى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف- 79] الآيةَ، سمَّى الذين لَهُمُ السفينةُ يعملون في البَحْرِ مساكينَ، فدلَّ على أن المسكين مَنْ يملِكُ شيئاً، وأيضاً: فإنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "اسْتَعَاذَ من الفقر"، وقال: "أحيني
مسكيناً (1) ولِمَنْ قال بالأوَّلِ أن يقول: فسَّرْتم المسكينَ بمَنْ له شيءٌ، يقع موقعاً من كفايته، لا بمُطلَق من يملك شيئاً؛ فلِمَ قلتم: إنَّ السفينة كانت تقع موقعاً من كِفَايَتِهِمْ، وأما الثاني، فكما نقل "أحيني مسكيناً" نقل الفقير، فجرى ونحوه والخلافُ مع أبي حنيفة في الفقير والمسكينِ لا يظهر أثَرُهُ في الزكاة؛ لأنَّه يجوزُ عنده الصَّرْف إلى صنفٍ واحدٍ، ولكنه يظهر فيما إذا أوصَى للفقراء دُونَ المَسَاكِين، أو بالعَكْس، أو نَذَر، أو حَلَفَ أنْ يتصدَّق عَلَى أحدهما، دون الآخر، ويجوز أن يُعْلَمَ قوله في الكتاب: "والفقيرُ أَشَدُّ حالاً منه" مع الحاء والواو بالميم؛ لأنَّ الحكاية عن مالك مثل قول أبي حنيفة.
واعْلَمْ: أنَّ المعتبر من قولنا يقع موقعاً من كفايته وحاجته أو لا يقع: المطْعَمُ، والمسْكَنُ، والمَلْبَسُ، وسائرُ مَا لا بُدَّ منه، عَلَى ما يليق بالحالِ، من غير إسرافٍ، ولا تقتير، لنَفْسِ الشخْصِ، ولمن هو في نفقتِهِ.
" فَرْعٌ":
سُئِلَ صاحبُ الكتاب عن القَوِيِّ من أهل البيوتات الَّذين لم تَجْرِ عادتهم بالتكسُّب بالبدن، هل له أنْ يأخذ من الزكاة فأجاب أنْ: نعم، وهو مستمرٌّ عَلَى ما سبق أنَّ المعتبرَ الكسْبُ بحرفة تليقُ بحاله 2، وكما لا يعْتدُّ بالحرفة التي لا تلِيقُ بحاله، لا يعتد بأصل الحرفة في حقِّ من لا يليقُ به.1
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: العَامِلُ عَلَى الزَّكَاةِ كَالسَّاعِي وَالكَاتِبِ والقَسَّامِ وَالحَاشِرِ وَالعرِّيفِ، أَمَّا الإمَامُ وَالقَاضِي فَرِزقُهُم مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ، لأَنَّ عَمَلَهُم عَامٌّ، وَأُجْرَةُ الكَيَّالِ عَلَى المَالِكِ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصِّنْفُ الثالثُ العامِلُ 1 على الزكاة، ويجب عَلَى الإمام بعْثُ السُّعَاة؛ لأخذ الصدقات، كما فعله النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- والخلفاءُ بعده ايصالاً للحَقِّ إِلى المستحِقّ؛ فإنَّ من أرباب الأموال مَنْ لا يعرِفْ الواجب ومصْرِفَهُ، ومنهم من يَبْخَلُ، أو يتوانى؛ فيضيع المال ومن العاملين على الزكاة سوى الساعي 2 فالكاتب والقسام والحاشر الَّذي يجمع أربابَ الأموال والعَرِّيف 3، وهو كالنَّقِيب للقبيلةِ، والحاسب وحافظ المال، قال المسعوديُّ: وكذا الجنديّ، فيسهم من الزكاةِ لهؤلاءِ ولا حق فيها للإمامِ، ولا لوالي الإقليم، ولا للقاضي، بل رزقهم، إذا لم يتَطوَّعوا من خُمُس الخُمُس المرصَدِ للمصالح العامة؛ لأنَّ عملهم عامٌّ، وقد روي أن ابْنَ عُمَرَ -رضي الله عنه- "شَرِبَ لَبَنَاً، فَأَعْجَبَهُ، فَأُخْبِرَ أنَّهُ من نَعَمِ الصَّدَقَةِ، فأدْخَلَ أُصْبُعَهُ في حَلْقِهِ وَاسْتَقَاهُ 4.
وفي أجرة الكَيَّالِ والوَزَّان، وعادِّ الغَنَم وجهان: = فالتفرج، لا يعد حاجة، كاقتناء كتب الشعر والتواريخ ونحوها مما لا ينفع في الآخرة، ولا في الدنيا، فهذا يباع في الكفارة وزكاة الفطر، ويمنع اسم المسكنة.
وأما حاجة التعلم، فإن كان للتكسب، كالمؤذن والمدرس بأجر، فهذه آلته، فلا تباع في الفطرة كآلة الخياط، وإن كان يدرس للقيام بفرض الكفاية، ثم بيع، ولا تسلبه اسم المسكنة؛ لأنها حاجة مهمة.
وأما حاجة الاستفادة والتعليم من الكتاب، كادخاره كتاب طب ليعالج به نفسه، أو كتاب وعظ ليطالعه ويتعظ به، فإن كان في البلد طبيب وواعظ، فهو مستغنٍ عن الكتاب وإلا، فهو محتاج.
ثم ربما لا يحتاج إلى مطالعته إلا بعد مدة، فينبغي أن تضبط فيقال: ما لا يحتاج إليه في السنة، فهو مستغن عنه.
فتقدر حاجة أثاث البيت وثياب البدن بالسنة، فلا تباع ثياب الشتاء في الصيف، ولا ثياب الصيف في الشتاء، والكتب بالثياب أشبه.
وقد يكون له من كتاب نسختان، فلا حاجة إلى إحداهما فإن قال: إحداهما أصح، والاخرى أحسن، قلنا: اكتفِ بالأصح، وبع الاحسن، وإن كان نسختان من علم واحد، إحداهما مبسوطة، والأخرى وجيزة، فإن كان مقصوده الاستفادة، فليكتف بالبسيط، وإن كان قصده التدريس احتاج إليهما.
هذا آخر كلام الغزالي، وهو حسن، إلا قوله في كتاب الوعظ أنه يكتفي بالواعظ، فليس بمختار، لأنه ليس كل واحد ينتفع بالواعظ كانتفاعه في خلوته وعلى حسب إرادته.
ولو كان له عقار ينقص دخله عن كفايته، فهو فقير أو مسكين، فيعطى من الزكاة تمامها، ولا يكلف بيعها.
ذكره الجرجاني في "التحرير" والشيخ نصر وآخرون.
قال أبو إسحاق: إنها مِنْ سَهْم العاملين؛ لأنهم من العامِلِينَ ولأنَّا لو ألزمناها المَالِك، لزدْنا في قَدْر الواجِب، والأَصحُّ، وبه قال ابن أبي هريرة: أنَّهَا على المالك؛ لأن الكيل والوزن والعَدَّ؛ لتوفية الواجب، والتوفية على المَالِكِ، فصار كأجرةِ الكَيَّال والوَزَّان في البيع؛ فإنها على البائع 1؛ لأنَّ عليه التوفيةَ، وإذا لم تَقَعِ الكفايةُ بعامِلٍ واحدٍ من ساعٍ أو كاتبٍ أو غيرهما، زِيدَ بحَسَب الحَاجَة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ، وَلاَ يَجُوزُ أنْ يُعْطَى هَذَا السَّهْمُ لِكَافِرٍ تَأَلُّفاً عَلَى الإِسْلاَمِ إِذْ لاَ صَدَقَةِ لِكَافِرٍ، أمَّا المُسْلِمُ إِذَا كَانَ ضَعِيفَ النِّيَّةِ في الإِسْلاَمِ فَهَلْ يُتَألَّفُ تَقْرِيراً لَهُ عَلَيهِ بِإعْطَاءِ مَالٍ؟ فِيهِ قوْلاَنِ، وَكَذا مَنْ لَهُ نُظَرَاءُ في الكُفْرِ يُنْتَظَرُ في إِعْطَائِهِ إِسْلامَهُم أَحَدُ القَوْلَيْنِ أنَّهُمْ لاَ يُعْطَوْنَ لاِسْتِغْنَاءِ الإِسْلاَمِ عَنِ التَّألُّفِ، وَالثَّانِي: نَعَمْ تَأَسِّياً بِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلاَنِ: (أَحَدُهُمَا:) أنَّهُ يُعْطَى مِنَ المَصَالِحِ (وَالثَّانِي:) مِنَ الزَّكَاةِ إِذْ هُوَ المُرَادُ بِالمُؤَلَّفَةِ، وَأَمَّا مَنْ يُتَأَلَّفُ عَلَى الجِهَادِ مَعَ الكُفَّارِ أَوْ مَعَ مَانِعِي الزَّكَاةِ إِنْ كَانَ تَأَلُّفُهُمْ بِمَالٍ أَهْوَنَ عَلَى الإمَامِ مِنْ بَعْثِ جَيْشٍ لِقُرْبِهِمْ مِنَ المَقْصُودِينَ بِالْقِتَالِ فَهَؤلاَءِ يُعْطَوْنَ قَطْعَاً، وَفِي مَحَلِّهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، وَقِيْلَ: قَوْلاَنِ: (أَحَدُهَا): أنَّهُ مِنَ المَصَالِحِ (والثَّانِي:) مِنْ سَهْم المُؤلَّفَةِ (والثَّالِثُ:) مِنْ سَهْمِ سَبِيلِ اللهِ فَإِنَّهُ تَأَلُّفٌ عَلَيَ الْجِهَادِ (وَالرَّابعُ): (و) إِنْ رَأي الإِمامُ أَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ سَهْمِ المُؤَلَّفَةِ وَسَهْمِ سَبِيلِ اللهِ فَعَلَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصنف الرابع المؤلَّفة، وهم ضربان كفارٌ ومسلمون:
أما الضرب الأول: فهم الذين يميلون إلى الإِسلام، فيرغبون فيه بإعطاء مال، والذين نخاف شرهم، فيتألفون لدفع الشر، وهؤلاء لا يُعْطَوْنَ شيئاً من الزكاة؛ إذ لا حق فيها لكافر، واحتج له بأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذ -رضي الله عنه- "أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرائِهِمْ" 2.
وقال أبو حنيفة: "يجوز دفع صدقة الفطر إلى الكافر"؛ واعلم كذلك قوله في الكتاب: "إِذْ لاَ صَدَقَةَ لِكَافِرٍ"، وأما مُنْ غير الزكاة، فقولان:
أحدهما: يُعْطَوْنَ من خمس الخمس؛ لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُعْطِيهِمْ 1؛ ولنا فيه أسوة حسنة، وقد تدعوا الحاجة إليه.
وأصحهما: المنع؛ لأن الله تعالى أعزَّ الإِسلام وأهله، وأغنى عن التألُّف، وقد رُوِيَ أنَّ مشركًا، جاء إلى عُمَرَ -رضي الله عنه- يلتمس مالاً، فلم يعط، وقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف- 29] وأيضاً، فخمس الخمس كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعل فيه ما شاء؛ بخلاف من بعده، وأشار بعضهم إلى رفع الخلاف، وقال: لا يُعْطَوْنَ إِلاَّ أنْ تنزل بالمسلمين نازلة، أو تمس إليه الحاجة.
الضرب الثاني: مؤلَّفة المسلمين، وهم أصناف:
صنف دخلوا في الإِسلام، ونيتهم ضعيفة، فيتألفون ليثبتوا، وآخرون لهم شرف في قومهم يَبْتَغِي بتألفهم رغبةُ نظرائهم في الإِسلام، ففي هذين الصنفين قولان:
أحدهما: أنهما يعطيان تأسِّياً برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه أعطى بالمعنى الأول عُيَيْنَة بن حُصَنْ، والأقرع بن حابِسٍ، وأبا سفيان بن حَرْب، وصفوانَ بْنَ أمية 2، وبالمعنى الثاني عديَّ بْنَ حاتم، والزِّبْرِقَانَ بْنَ بدر 3.
والثاني: المنع لما ذكرنا من استغناء الإِسلام عن التألُّف، ولم ينقل عن عمر، ولا عن عثمان، ولا عن علي -رضي الله عنهم- الإعطاءُ بذلك، فعلى الأوَّل من أين يُعْطَوْنَ، فيه قولان:
أحدهما: من سهم المصالح؛ لأنه من مصالح المسلمين.
وثانيهما: من الزكاة؛ وعليه يحمل قوله تعالَى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة- 60] ورُوِيَ أنَّ أبا بكر -رضي الله عنه- أعطى عديّاً، كما أعطاه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- 1.
قال الأئمة: والغالب على القلب أنه كان من الزكاة.
وصنف يبغي بتألفهم أن يجاهدوا من يليهم مِنَ الكفارِ، ومِنْ مانِعِي الزكاة، ويأخذوا زكاتهم، فهؤلاء يُعْطَوْنَ لا محالة؛ كيلا يحتاج الإمام إلى بعث جيش إليهم، إذا ثقلت المُؤْنة، وبَعُدَتِ الشُّقَّة، ومن أين يعطون؟ فيه أربعة أقوال:
وقال صاحب الكتاب وجماعةٌ: أربعة أوجه:
أحدها: من خمس الخمس سهم المصالح؛ لأنه من سهم مصالح الإِسلام.
والثاني: من سهم المؤلَّفة؛ لأن المقصود تألَّفُهم واستمالتهم.
والثالث: من سهم سبيل الله من الزكاة؛ لأنه تألُّف على الجهاد.
= إسلامه انتهى، وتعقبه ابن الرفعة فقال: هذا عجيب من النووي كيف قال ذلك، وفي صحيح مسلم والترمذي عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية هذه القصة قال: أعطاني النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنه لأبغض الناس إلي فما برح يعطيني حتى أنه لأحب الناس إلى، قال ابن الرفعة، وفي هذا احتمالان، أحدهما أن يكون أعطاه قبل أن يسلم وهو الأقوى، والثاني أن يكون بعد إسلامه، وقد جزم ابن الأثير في الصحابة أن الإعطاء كان قبل الإِسلام، وكذلك قاله النووي في التهذيب في ترجمة صفوان، وقال في شرح المهذب: أعطى النبي -صلى الله عليه وسلم- صفوان بن أمية من غنائم حنين، وصفوان يومئذ كافر، والله أعلم، ويكفي في الرد على النووي في هذا نص الشَّافعي الذي نقله البيهقي والله الموفق، وأما إعطاء عدي والزبرقان فتقدم الكلام عليهما.
(فائدة) دعوى الرافعي أنه -صلى الله عليه وسلم- أعطى صفوان ذلك من الزكاة، وهم والصواب أنه من الغنائم، وبذلك جزم البيهقي وابن سيد الناس وابن كثير وغيرهم.
والرابع: قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: يُعْطَوْنَ من سهم المؤلفة وسهْمِ سبيل الله، والأصحابُ فرقتانِ في معناه:
فرقةٌ قالت: أراد به الجمع بين السهمين، وذهب إلى أن الواحد يجوز له أنْ يجمع بين سهمين.
وفرقة منعت من الجمع، واختلف هؤلاء، فقيل: المراد؛ أنه إن كان التألُّف لقتال الكفار، يُعْطَون من سهم سبيل الله، وإنْ كان التألف لقتال مانعي الزكاة، يعطون من سهم المؤلفة؛ وعلى هذا، فليس في المسألة إلاَّ الأقوال الثلاثة السابقة.
وقال آخرون: يتخير الإمام، إنْ شاء أعطاهم من هذا السهم، وإنْ شاء أعطاهم من هذا السهم، وربما قيل: إن شاء جمع له بين السهمَيْنِ، وهذا ما أورده صاحب الكتاب، وفي المسألة وجه آخر، وهو: أنَّ المتألَّف لقتال مانعي الزكاة وجمعها يُعْطَى من سهم العاملين، وعن أبي حنيفةَ ومالك: أنه لا شيء للمؤلَّفة اليومَ وأنَّ حكمهم قد نسخ.
فإن بحثت عن الأظهر في إعطاء الصنفين الأولين من مؤلفة المسلمين، وعن الأظهر من الخلاف في أنَّهما من أين يعطيان إِنْ أُعْطِيَا، وعن الأظهر من الخلاف في أنَّ الصنفين الآخرين منهم من أين يعطَيَان.
فالجواب: أنَّ الأكثرين أرسلوا ذكر الخلاف في هذه الصور، وسكتوا عن الترجيح، ورأيت الشيخ أبا حامد في شرذمة قالوا: "الأصحُّ مِنَ القولين في الصنفين الأولين؛ أنهما لا يعطيان شيئاً، لكن قياس من صار إليه ألا يعطي الصنفين الآخرين من الزكاة؛ لأنَّ الأولين أحق باسم المؤلفة وسهمها من الآخرين لأن في الآخرين معنى الغزاة والعاملين، ولذلك اختلف الأقوال في أنهم من أين يعطون؟ وحينئذٍ يسقط سهم المؤلفة بالكلية، وقد أطلق القولَ به من تأخِّري الأصحاب القاضي الرويانيُّ وجماعة، إلاَّ أنَّ الموافق لظاهر الآية، ثم لسياق الشافعيِّ -رضي الله عنه- والأصحاب -رحمهم الله- إثباتُ سهْمِ المؤلَّفة، وأنه يستحقه الصنفان الأولان، وأنه يجوز صرفه إلى الآخرين أيضاً، وبه أجاب أقضى القضاة الماورديُّ في الأحكام السلطانية 1، وقوله في الكتاب: "وَكَذَا مَنْ لَهُ نُظَرَاءُ في الكُفْرِ" مطلقٌ يشمل الأشراف وغيرهم، ولكلٍّ نظرٌ؛ وسائر الأصحاب نقلوا القولين في الأشراف الذين لهم نظراء من الكفر، وقيدوا، فيجوز أنْ يقال: أراد ما أرادوه، ويجوز أن يُقَالَ: لا فرق إلا أنَّ الأشراف هم الدين يبحث عن حالهم، ويتحدث بأخبارهم، فلذلك صوروا الكلام فيهم وغيرهم في معناه، إذا فرض بلوغ خبرهم إلى أمثالهم وتوقُّع إسلامهم.
وقوله: "والرابع إن رأَي الإمَامُ" يجوز إعلامه بالواو؛ لقول من منع من الجمع، وأول النص قد بيناه.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَامِسُ: الرِّقَابُ فَيُصْرَفُ ثَمَنُ الصَّدَقَاتِ إِلَى المُكَاتِبِينَ (م) العَاجِزِينَ عَنِ النُّجُومِ، وَطَرِيقُهُ الصَّرْفُ إِلَى السَّيِّدِ بِإذْنِ المُكَاتَبِ، وَالصَّرْفُ إلى المُكَاتَبِ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ جَائِزٌ أَيْضاً، وَيجُوزُ إِعْطَاؤُهُ قَبْلَ حُلُولِ النَّجْمِ عَلَى أَظْهَر الوَجْهَيْنِ، فَإِنْ أَعْطَينَاهُ فَاسْتَغنَى عَنْهُ بِتَبَرُّعِ السَّيِّدِ بِإِعْتَاقِهِ أَوْ بِتَبَرُّعِ غَيْرِهِ اسْتُرِدَّ عَلَى الصَّحِيحِ (و)، إِلاَّ إِذَا تَلِفَ قَبلَ العِتْقِ فَلاَ يُغَرَّمُ (و)، وَإِنْ صُرِفَ إِلَى سَيَّدِهِ فَرَدَّهُ إلى الرِّقِّ لِعَجْزِهِ بِبَقِيَّةِ النُّجُومِ يُسْتَرَدُّ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصنف الخامس: الرِّقَاب، والمرادُ المكاتَبُون 1، فيدفع إليهم ما يعينهم على العتق.
وقال مالك: المرادُ أنه يشتري عبيداً، فيعتقون.
وعن أحمد: مثله، وعنه تجويز الطريقتين معاً.
واحتج أصحابنا بأن قولَهُ تعالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة- 60] كقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة- 60] وهناك يدفع المال إلى المجاهدين، فليدفع هاهنا إلى الرقاب، ويشترط ألا يكون في يد المكاتَبِ ما يفي بنجومه، فإن كان، لم يُعْط؛ لأنه لا حاجة إليه، وليس له أنْ يَصْرِف زكاته إلىَ مكاتَب نفسه؛ لعودَ الفائدة إليه، وفي "شرح مُختَصَرِ الجُوَيْنِيِّ" أن ابن خيران جوَّزه، ولا بد وأن تكون الكتابة صحيحة، فأما الفاسدة فلا استحقاق بها.
وقوله: "فَيَصْرَفُ ثَمَنُ الصَّدَقَاتِ" مبني على ما إذا وجد جميع الأصناف، وإلاَّ فقد يختلف القدر، ثم ذكر مسائل هي من شرط الباب الثاني؛ لأنها تتعلَّق بكيفية الاستحقاق:
إحداها: الأحوَط الصرف إلى السيد؛ بإذن المكاتَبِ، ولا يجوز بغير إذن المكاتَبِ لأن الاستحقاق له، ولكن يسقط عن الكاتَب بقدر المصروف من النجوم؛ لأنَّ من أدى دَيْنَ غيره بغير إذنه، برئت ذمته ويجوز الصرْفَ إلى المكاتَبِ بغير إذن السيد.
الثانية: في جواز الصرف قبل حلول النجم 2 وجهان:
وجه المنع: أنه لا مطالبة له في الحال.
والأظهر: الجواز؛ لأن التعجيل متيسر في الحال، وربما يتعذر عليه الأداء عند المحل.
الثالثة: إذا استغنى المكاتَبُ عما أعطيناه، وعَتَقَ بتبرُّع السيد بإعتاقه أو بإبرائه عن النجوم، أو بأنْ يتبرع غيره بأداء النجوم عنه، أو بأن أدى النجوم من مال آخر، ومالُ الزكاة باقٍ في يده، ففي استرداده وجهان، ويقال: قولان:
أحدهما: لا يسترد؛ كما لو استغنى الفقيرُ بالمدفوع إليه.
والثاني: يسترد؛ لأن المقصود حصولُ العتق بالمال المدفوع إليه، ولم يحصل، وهذا أظهر، ومنهم من قطع به، لكن ادعى في "التتمة" أنَّ الظاهرَ الأول، ويجري الخلاف في الغارم، إذا استغنى عما أخذ بإبراء ونحوه، وإن كان قد تلف المال في يده، نُظِرَ إنْ تلف قبل أنْ يعتق، فالمذكور في الكتاب، وفي "التهذيب": "أنه لا يُغَرَّم".
قال في "الوسيط": "وكذا لو أَتْلَفَهُ" وفي "أمالي أبِي الفَرَجِ السرخسيِّ" وجه آخر: "أنه يغرَّم"، وإنْ تلف بعد العتق، فإنه يغرَّم، وإن عجز المكاَتب، نُظِرَ إنْ كان المال باقياً في يده، فيسترد؛ لأنَّ العتق لم يحصلْ، ولم يصرف المأخوذ إلى الجهة المأمور بها، وإن كان تألفاً، ففي الغرم وجهان:
أصحهما: الوجوب، وعلى هذا ففي "الأمالي" أن الضمان يتعلَّق بذمته لا برقبته؛ لأن المال حصل عنده برضا صاحبه، وذكر بعضهم أنه يتعلق 1 برقبته، وإن كان قد دفعه إلى السيد وعجز ببقية النجوم، ففي الاسترداد من السيد مثل الخلاف الذي سبق في الاسترداد من المكاتب، وفي الغرم إن كان تالِفاً عنده الخلافْ السابقُ أيضاً، ولو نقل السيد الملك في المأخوذ إلَى غيره، لم يسترد منه، لكن يغرمه السيد على قولنا 2 بتغريمه.
وقوله: في الكتاب: "استردَّ على الصحيح" يجوز أن يريد من الوجهين أو القولَيْن، ويجوز أن يريد من الطريقتين؛ لما ذكرنا أنه قطع بالوجه الثاني قاطعونَ، والطريقتان مذكورتانِ في "الوسيط".
وقوله: "فلا يغرَّم" مُعْلَم بالواو.
وقوله: "يسترد" في المسألة الأخيرة كذلك؛ لأن الخلاَفَ مطَّرد، وصاحب الكتاب لم يتعرَّض للخلاف فيه، مع تعرضه فيما إذا استغنَى عنه بتبرُّع السيد ونحوه كأنه = الحلول وقال شيخ الإِسلام في أسنى المطالب: ورأيت الزركشي فرق بأن الحاجة إلى الخلاص من الرق أهم، والغارم ينتظر اليسار، فإن لم يوسر فلا حبس ولا ملازمة.
رأى الاسترداد فيها أظهر، وذكر في "التهذيب" الخلافَ فيه، ولم يذكره في صورة بقاء المال في يد المكاتب، كأنه رأى الاسترداد في تلك الصورة أظهر، ولكلٍّ وجه؛
فوجه ما يقتضيه الكتاب: أنه إذا لم يحصل العتقُ، لم يستحق العبد ولا السيد المأخوذَ؛ إذ لا تحل لهما الزكاة.
ووجه ما يقتضيه "التَّهْذِيب": أنَّ المكاتِبَ صرف الزكاةَ هاهنا إلى من أمر بصرفه إليه، وفي تلك الصورة بخلافه.
فرع
:
للمكاتب أنْ يتجر بما أخذه طلباً للزيادة، وإيفاء تمام النجوم، كذا حكاه صاحب "الإِفْصَاح" وآخرون، والغارم كالمكاتب.
آخَرُ: نقل بعض أصحاب الإمام أنَّ المكاتب يتخير، إن شاء، استنفق ما أخذه، وأدى النجوم من كسبه، ويجب أن يكون الغارم كالمكاتب 1.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: السَّادِس: الغَارِمُ وَالدَّيُونُ ثَلاَثةُ: دَيْنٌ لَزِمَهُ بِسَبَبِ نَفْسِهِ فَيَقْضَى مِنَ الصَّدَقَاتِ بِشَرْطِ أن يَكُونَ مَعْسِراً (و) وسَبَبُ الاَسْتِقْرَاضُ مُبَاحاً، فَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةَ وَهُوَ مُصِرُّ لاَ يُعْطَى، وَإِنْ كَانَ تَائِبَاً أُعْطِيَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ (الثَّانِي): مَا لَزِمَ بِسَبَبِ حَمَّالَةِ تَبَرُّعِ بِهَا تَطِفئَتهُ لَنَائِرَةِ فِتْنَة فَيُقْضَى دَيْنُهُ وَإِنْ كَانَ مُوسِرَاً (ح) إِلاَّ إِذَا كَانَ غَنِيّاً بِالنَّقْدِ فَفِيهِ وَجْهَانِ (الثَّالِثُ) دَيْنُ الضَّامِنِ فَإِنْ كَانَا مُعْسِرَينِ أَعْنِي الأَصِيلَ وَالكَفِيلَ قُضِيَ، وَإِنْ كَانَا موسِرَينِ أَوْ كَانَ المِضْمُونُ مُوسِراً فلاَ يُقْضَى لأَنَّ فَائِدَتَهُ تَرْجِعُ إلى الأَصِيلِ، وَإِنْ كَانَ الأَصِيلُ مُعْسِراً وَالكَفِيلُ موسِراً فَوَجْهَانِ: (أَحَدَهُمَا): نَعَمْ كَالحَمَّالَةِ (وَالثَّانِي): لاَ إِذْ صَرْفُهُ إلى الأَصِيلِ مُمْكِنٌ، وَبِهِ يَحْصُلُ بَرَاءَةُ الضَّامِنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصنف السادس: الغارِمُونَ، والديون ثلاثة؛ لأنه: إما أنْ يستدين لمصلحة نفسه، أو لمصلحة غيره، ومصلحة الغير: إما كُلِّية؛ كما إذا استدان تَطْفِئَةً لثائرة فتنة، أو جُزْئِيَّة؛ كما إذا اسْتَدان دَيْناً عن غيره.
الأول: دَيْن لزمه لمصلحة نفسه، فيعطى من الزكاة ما يقضي به؛ بشروط:
أحدها: أنْ يكون به حاجة إلى قضاء ذلك الدين، فإنْ وجد ما يقضيه به؛ من نقد
أو عرض، فقولان: القديم؛ أنه يقضي؛ لعموم الآية، وأيضاً، فقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تَحِلُّ الصَّدقَةِ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ" 1 وذكر منهم الغارم، وأيضاً: فالغارم لإصلاحِ ذات البين يعطَى مع الغني، فكذلك هاهنا، والأصح المنع؛ لأنه يأخذ لحاجته إلينا، فاعتبر فقره كالمكاتب وابن السبيل، ويخالف الغارم لإصلاح ذات البين، فإنه يأخذ لحاجتنا إليه؛ لتطفئة الفتنة؛ وعلى هذا فلو وجد ما يتهضي به بعضَ الدين، لم يعط إلاَّ ما يقضي به الباقي، ولو لم يملك شيئاً إلا أنه كسوب يقدر على قضاء دينه من كسبه، فوجهان:
أحدهما: لا يُعْطَى؛ تنزيلاً للقدرة على المكسب منزلةَ ملْكِ المال؛ كما في سَهْم الفقراء والمساكين.
وأشبههما: أنه يعطَى؛ بخلاف الفقير والمسكين؛ لأن حاجتهما تتحقَّق يوماً فيوماً، والكسوب يحصل في كل يوم ما يكفيه، وهاهنا الحاجة حاصلة في الحال؛ لثبوت الدَّيْن في ذمته وإنما يقدر على اكتساب ما يقضي به الدَّين بالتدريج، ويجري الوجهان في المكاتب، إذا لم يملك شيئاً، لكنه كسوب، ومن المهمِّ البحثُ عن معنى حاجته إلى قضاء ذلك الدَّين، وعبارة أكثرهم تقتضي كونه فقيراً لا يملك شيئاً، وربما صرحوا به، وفي بعض شروح "المفتاحِ": أنه لا يعتبر المسكن والملبس والفراش والآنية، وكذا الخادم والمركب، إذا اقتضاهما حاله، بل يقضي دينه، وإن ملكها، ويقرب منه قولُ بعْض المتأخِّرين؛ أنا لا نعتبر الفقر والمسكنه هاهنا، بل لو ملك قدر كفايته، ولو قضى دينه، لنقص ماله عما يكفيه فيقضي من دينه قدر ما ينقص عن الكفاية، والمقصودُ أنه يترك معه ما يكفيه ولا يدخل في الإِعْسَار، وهذا أقرب، والله أعلم.
والثاني: أن يكون دَيْنه في طاعة، كسفر حجٍّ أو جهادٍ، أو في مباح؛ كما يستقرضه للإنفاق على نفسه وعياله، وكخسرانٍ يلحقه في معاملة؛ أما إذا استقرض في معصية؛ كثمن خمر، والإسرافِ في الإنفاق، فلا يعطَى من سهم الغارمين على المشهور 2. وفيه وجه غريبٌ رواه الحَنَّاطيُّ، وهذا إذا كان مصرّاً على المعصية، فإن تاب، فوجهان معروفان:
أصحهما: عند ابن الصباغ وصاحب "التهذيب"، وبه قال ابن أبي هريرة: "أنه لا
يُعْطَى؛ لأنه استدان في معصية، فلا يؤمن أنْ يعود، ويتخذ التربة ذريعة".
والثاني: يعطى، كلما لو خرج في معصية، ثم أراد الرجوع يعطَى من سهم ابن السبيل، وبهذا قال أبو إِسحاق، وهو الأصح عند أبي خلف السلميِّ، والقاضي الروياني، وهو الجواب في "الإفصاح" 1 ولم يتعرَّضوا هاهنا للاستبراء ومضِّي مدةٍ [بعد تَوْبَةٍ] 2 يظهر فيها صلاح الحال، إلاَّ أنَّ الرُّويانيَّ لما ذكر أنه أصح الوجهين، قال: هذا إذا غلب على الظنِّ صدْقُه في توبته، فيمكن أنْ يحمل عليه.
والثالث: وهو غير مذكور في الكتاب: أن يكون الدَّيْن 3 حالاً، فإن كان مؤجَّلاً، فعلى وجهين؛ لأنه واجب في الحال، لكن لا مطالبة، وهما كالوجهين في النجوم، إذا لم تَحُلْ بعد، وقد ترتب الخلاف في الغارم على الخلاف في المكاتَبِ، ثم تارةً يجعل الغارم أولَى بأنْ يعطَى؛ لأن ما عليه مستقرٌّ، وما على المكاتب متزلزلٌ، وتارةً يجعل المكاتب أولَى بأن يعطى؛ لأن له التعجيلَ لَغَرَضِ الحرية، وفضل بعضهم، فقال: "إن كان الأجلُ يحل في تلك السنة، فيعطى وإلاَّ فلا يعطَى من صدقات تلك السنة" 4.
الدَّيْن الثاني: ما استدانه لإصلاح ذات البين 5، وذلك بأن يخاف شرّاً وفتنةً بين شخصَيْن أو قبيلتين، فيستدين طلباً للإصلاح، وإسكان الثائرة؛ فينظر إن كان ذلك في دمٍ تَشَاجَرَ فيه قبيلتان، ولم يظهر القاتلُ، فتحمل طالبُ الصلاح الدية، فيقضي دينه من سهم الغارمين، إن كان فقيراً، وكذا لو كان غنيّاً بالعقار؛ لأن بيع العقار يَعْسُر، وقد يهتك المروءة، فلو أحوجنا إليه، لامتنع الناس من هذه المكرمة، ولو كان غنيّاً بأحد النَّقْدَيْن، فكذلك الجواب على أصحِّ الوجهين؛ لعموم ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلاَّ لِخَمْسةٍ؛ لِغَازٍ في سَبِيلِ اللهِ أَوْ لِعَامِل عَلَيْهَا، أوْ لِغارِم، أوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، فَأَهدى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ" 6.
والثاني: المنع؛ لأن النقدين معدان للإخراج، وليس في صرفهما إلَى قضاء الدين ما يحتشم منه ويهتك المروءة.
ولو كان غنيّاً بالعروض، فالمشهور أنه كالغني بالعقار، ولفظ الكتاب يوافقه، وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسيِّ: "إلحاقه بالغنيِّ بالنقد وطرد الوجهَيْن فيه" ولو كان الشرُّ متوقَّعاً في مال، فتحمل قيمة المتلف، ففي قضاء دينه مع الغنَى وجهان:
أصحهما: القضاء؛ لما فيه من المصلحة الكليَّة.
والثاني: المنع؛ لأن فتنة الدم أشدُّ، وبنى صاحب "التتمة" الوجهَيْن عَلَى أنَّ من قصد مال إنسان، هل يباح له الدفْعُ بالقتل؟ إنْ قُلْنا: نعم، جعلْنا المال كالدَّمِ.
الدين الثالث: ما التزمه بالضَّمان من غيره، فله أحوال:
إحداها: إذا كان الضامن والمضمون عنه معسَريْن، فيعطى الضامن ما يقضي به الدَّين.
قال المتولي: "ويجوز صرفه إلى المضمون عنه"، وهو أولَى؛ لأن الضامن فرعه، وأيضاً فإنَّ الضامن إذا أخذ وقضى الدَّين بالمأخوذ، ثم رجع إلى المضمون عنه، احتاج الإمام إلى أنْ يعْطِيَه ثانياً، وهذا ممنوعٌ، بل إذا أعطيناه، فلا يرجع وإنما يرجع الضامن إذا غرم من عنده.
والثانية: إذا كان موسرَيْنِ، فلا يعطى؛ لأنه إذا غرم، رجع على الأصيل، فلا حاجة إلى أنْ نعطيه من عندنا، وإن ضمن بغير إذنه، فوجهان 1؛ على ما سنذكر في الحالة الرابعة.
والثالثة: إذا كان المضمون عنه موسراً، والضامن معسراً، فإن ضمن بإذنه لم يعطَ؛ فإنه إذا غرم، رجع على المضمون عنه، وإن ضمن بغير إذنه أُعْطِيَ.
والرابعة: إذا كان المضمون عنه معسراً، والضامن موسراً، فيجوز أن يعطى المضمون عنه، وفي الضامن وجهان.
قال في "التهذيب": لأنه دَيْنٌ لزم بسبب الغير، فهل يقضي به مع اليسار؟ فيه وجهان، وألحقهما صاحب "التتمة" بالوجهين في أنَّ من تحمل بدل مُتْلَف من الأموال، هل يعطى من الزكاة؟ فأطلق صاحب "التهذيب" 2 وقيد صاحب التتمة، فإن أراد "صاحب التهذيب" بالمطْلَق المقيَّد، فهما شيء واحد، وإلاَّ ففي كل منهما كلام.
أما الأول: فلأن دين من تحمل لإصلاح ذات البين مقضيٌّ مع اليسار لا محالة؛ إنما الخلاف في أنه هل يقضي مع اليسار بكل نوع من المال؟ وهاهنا لا تفصيل.
وأما الثاني: فلأن ذلك الخلاف فيمن تحمل لإصلاح ذاتِ البين، وفيه مصلحة عامَّة، بخلافه، فلا يحسُنُ الإلْحَاق.
ووُجِّه أحد الوجهين في الكتاب: بالقياس على الحَمَّالة؛ لأنه محتمل لمصلحة الغير.
والثاني: بأن الصرف إلى الأصل ممكنٌ، وإذا برئ الأصل، برئ الكفيل؛ فلا حاجة إلى الصرف إلى الضامن، وقد ظهر الفرق بينه وبين الحَمَّالة، وهذا أشبه، وبه أجاب الحَنَّاطِيُّ وغيره وقوله في الكتاب: "دَيْنٌ لزمه بسبب نفسه فيُقْضى"، وقوله: "فيقضَى دَينُهُ" في هذه اللفظة المتكررة تنبيه على أن الغارم، إنما يعطَى عند بقاء الدَّيْن، فأما إذا أداه من ماله، فلا يقضى؛ لأنه لم يبق غارماً، وبهذا يعرف أنه في الابتداء لو بذل ماله فيه، لم يعط بخلاف ما لو اسْتَدَان، وربما أوهم نظم "التهذيب" خلافه؛ لأنه قال: إذا كان دَينُه لإصلاح ذاتِ البين؛ بأن كانت بين فتْنَتَيْن ثائرةٌ؛ فاستدان مالاً في تسكينها، أو تحمَّل مالاً لتسكينها، ثم ساق الكلام، والمعتمد الأول.
وقوله: "بسبب حَمَّالة الحَمَّالة" بالفتح: ما يتحمَّل عن القوم من دية أو غرامة.
وقوله: "وإن كان موسراً" مُعْلَمٌ بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا تصرف الصدقة إلَى غنيٍّ أصلاً.
فرع: ألحق أبو الفرج السرخسيُّ ما استدان لعمارة المسجد وقِرَي الضيف حكْمَ ما استدان للنفقة وسائر مصالح نفسه، وحكى الرويانيُّ في "الحِلْيَة" عن بعض الأصحاب: أنه يعطَى من الصدقات مع الغَنَى بالعقار، ولا يعطَى له مَعَ الغنَى بالنقد، قال: "وهذا هو الاخْتِيَار".
واعلم: أنَّ القول، بأنه يُقْضَى مع الغنَى بالعقار، ولا يقضَى مع الغنى بالنقد، يوجب انتهاض هذا الدَّيْن مرتبةً متوسطةً بين ما استدانه لنفسه، وبين ما استدانه لإصْلاح ذات البين؛ لمَا سبق أن الظاهر في النوع الأوَّل؛ أنه لا يقضي مع الغناء بالعقَارِ، وفي الثاني؛ أنه يقضي مع الغناء بالنقد.
آخَرُ: يجوز صرف سهم الغارمين إلى المديون بغير إذن ربِّ الدين، ولا يجوز صرفه إلى رب الدين بغير إذن المديون، لكن يسقط من الدين قدْرُ المصروف على ما مَرَّ في سهم الرقاب، ويجوز صرفه إليه بإذن المديون، وهو أولَى إلا إذا لم يكن وافياً بالدَّيْن، وأراد المديون أنَّ يتَّجِرَ فيه.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: السَّابعُ: سَهْمُ سَبِيلِ اللهِ وَالمُرَادُ بِهِ المُتَطَوِّعَةُ مِنَ الغُزَاةِ الَّذينَ لاَ يَأْخُذُونَ مِنَ الفَيْءِ، فأَمَّا مَنْ يَأْخُذُ مِنَ الفَيْءِ وَاسْمُهُ فِي الدِّيوَانِ فَلاَ يُصْرَفُ إِلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَالغَازِي يُعْطَى وَإِنْ كَانَ غَنِياً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصِّنْف السابع: الغُزَاةُ، وهمْ ضربان: ضربٌ يغزون، إذا نشطوا، وهم مشتغلون بالحِرَفِ والصناعات، وسمَّاهم الشافعيُّ -رضي الله عنه- الأعرابَ؛ لأن أكثر هذا الصنف عَلَى عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا من الأَعْراب وضرب رتَّبوا أنفسهم للجهاد، وتجرَّدوا له، ويسمَّوْن المرابطين، وهم المرتزقة الدين يأخذون من الفيء، والمراد من "سَبِيلِ اللهِ" في آية الصدقة الضَّرْبُ الأول؛ وهم المتطوِّعة الذين لا يأخذون من الفيء 1، ولا يصرف شيء من الصدقات إِلى المرتزقة؛ كما لا يصرف شيء من الفيء إلى المتطوِّعة، وعلى ذلك جرى الأمر في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنْ لم يكن مع الإمام شيء للمرتزقة 2، واحتاج المسلمون إلى من يكفيهم شرَّ الكفار، فهل يعطى
المرتزقة من الزكاة؟ فيه قولان: أحدهما: نعم؛ من سهم سبيل الله؛ لأنَّهم غزاة.
وأصحهما: لا؛ كما لا يصرف الفيء إلى مصارف الصدقات، فعلى هذا يجبُ على أغنياء المسلمين إعانتهُم، ويعطى الغازِي، غنيّاً كان أو فقيراً، خلافاً لأبي حنيفة في الغَنِيِّ.
وقوله في الكتاب: "سهْم سبيلِ الله" فيه توسُّع؛ فإن الكلام من أول الباب مسوقٌ لبيان الأصناف دون السهام، ويجوز إعلام قوله: "والمراد به المتطوعة" بالألف؛ لأن أصح الروايتين عن أحمد: أنه يجوز صرف هذا السهم إلى الحَاجِّ.
وقوله: "فإن كان غنيّاً" مُعْلَم بالحاء؛ لما سبق، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ وَهُوَ الَّذِي شَخَصَ (ح م) مِنْ بَلَدٍ لِيُسَافِرَ أَوِ اجْتَازَ بِهِ يُصْرَفُ إِلَيْهِ سَهْمٌ إِنْ كَانَ مُعْسِرِاً بِشَرْطِ لا يَكُونَ السَّفَرُ مَعْصِيَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصنف الثامن "ابن السبيل" 1، فله من الصدقات سهم، ويقع هذا الاسم على شخصَيْن:
أحدهما: الذي شَخَص من وطنه أو من بلد كان مقيماً به منشئاً للسَّفَر؛ وعن أبي حنيفة، ومالك: "أنه ليس بابن سبيل"، والأصحاب قاسوه على المجتاز؛ لأنه مريدٌ للسفر، محتاجٌ إلى أسبابه.
والثاني: الغريبُ المجتازُ بالبلد، وفيه طريقان:
أحدهما: أنه على الخلاف في جواز نَقْلِ الصدقات، فإن جوزنا، جاز الصرف إليه، وإلاَّ فلا؛ كيلا يزدحم الغرباء؛ فيضيِّقوا على البلدين، وبالمنع أجاب المسعوديُّ.
وأصحهما: الجواز بكل حال؛ لأنه ابن سبيل، حاضرٌ في الحال.
وإذا عرفت ذلك، أَعْلَمْتَ قوله: "وهو الذي شخص" بالحاء والميم، وقوله: "أو اجتاز بِهِ" بالواو، ثم إنا نُعْطِي ابنَ السبيل بشرطَيْن:
أحدهما: ألاَّ يكون معه ما يحتاجُ إليه في سفره، ويدخل فيه مَنْ لا مال له أصلاً، ومن له مالٌ في غير البلد الذي ينتقل عنه، ولفظ "المعسر" في الكتاب محمولٌ على المعسر يداً.
والثاني: إلاَّ يكون سفره سفر معصية، فيعطَى في سفر الطاعة مفْروضاً كان؛
كالحجِّ والجهاد، أو مندوباً؛ كزيارةِ قبر النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وفي السفر المباحِ؛ [كسفر التجارة]، وطلب الآبِقِ وجهان:
أحدهما: لا يعطَى؛ لأن عنده غنيةٌ، وعلى هذا، فلا يكفي ألا يكون معصيةً، بل يعتبر أن يكون طاعةً.
وأصحهما: أنه يعطَى؛ كما أنَّ سفر المباح وسفر الطاعة يستويان في الترخَّص، وذكروا في سفر النُّزْهة خلافاً مع الإعطاء في سفر المباح؛ لأنه ضرب من الفُضُول، والظاهر أنه يعطَى أيضاً فإنه نوع من السفر المباحِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَهَؤُلاءِ هُمُ المُسْتَحِقُّونَ بِشَرْطِ أَلاَّ يَكُونَ المَوْصُوفُ بِصِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ كَافِراً، وَلاَ مِنَ المُرْتَزِقَةِ ثَابِتَ الاسْمِ في الدِّيوَانِ، وَلاَ هَاشِمِياً فَالصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى هَؤُلاءِ، وَفِي مَوْلَى الهَاشِمِيِّ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الغرض الآن التعرُّض للصفات المشروطة في الأصناف جميعاً، فمنها: إلاَّ يكون المدفوع إليه 1 كافراً، وقد إندرج ذكره في المؤلفة.
ومنها: ألا يكون المدفوع [إليه] المغازي من المرتزقة الذين أُثْبِتَتْ أسماؤُهُم في الديوان، وقد ذكره مرة في سهمْ سَبِيل اللهِ] 2.
ومنها: ألا يكون المدفوع إليه هاشميّاً ولا مُطَّلِبيّاً، فالزكاة محرَّمة عليهما، لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّمَا هَذِهِ الصَّدَقَاتُ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لاَ تَحِل لِمُحَمَّدٍ وَلاَ لآلِ مُحَمَّدٍ" 3. وقال أبو حنيفة: "لا تُحرَّم علي بني المطَّلِب".
لنا: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "نَحْنُ وَبَنُوا عَبْدِ المُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحدٌ، وَشَبَّكَ بَيْنَ
أَصَابِعِهِ 1. ولو استعمل هاشميٌّ أو مطلبيٌّ، فهل يحل له سهْمُ العاملين؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه أجرة عمله، وهذا أصحُّ عند أبي الحسن العباديِّ.
وأصحهما: عند صاحب "التهذيب": لا؛ كما لو كان غارماً أو غازياً، وأيضاً: فقد رُوِيَ أنَّ الفضْلَ بن عباس، وعبد المطلب بن ربيعة -رضي الله عنهما- سألا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يُؤَمِّرهما عَلَى بَعْض الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: "إنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلاَ لِآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ 2.
ويجري الخلافُ فيما إذا جعل بعض المرتزقة عاملاً، وفي موالي النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وموالي بني هاشم، وبني المطلب وجهان، ويقال: قولانِ: وجه الحلِّ؛ أنهم لا يستحقون خمس الخمس، والمطلبيون والهاشميُّون، أخذوا خمس الخمس، فاستغنوا عن الزكاة، والأصح: المَنْعُ؛ لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث عاملاً فقال لأبي رافع مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اصْحَبْني كَيْمَا نُصِيبَ مِنَ الصَّدقَةِ، فَسَأَلَ أبُو رَافِعِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَحِلُّ لَنَا، وإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ من أَنْفُسِهِمْ" 3.
فرع: إذا انقطع خمس الخمس عن بني هاشم وبني المطلب؛ لخلُوِّ بيت المال عن الفيء والغنيمة، أو لاستبداد الظلمة بها:
قال الإصطخريُّ: "يجوز صرف الزكاةِ إليهم؛ لأنَّ الخمس عوضٌ عنها"؛ على ما أشار إليه في الحديث: "أَلَيْسَ في خُمُسِ الخُمُسِ مَا يُغْنِيكُمْ عَنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ"؟ فإذا لم يحصل لهم الغرض، كفيت مؤناتهم بالزكاة، وهذا ما اختاره 4 القاضي أبو سعد الهرويُّ فيما حكاه سماعاً عنه الشيخ الإمام [ملكداد بْنُ عَلِيٍّ] 5 القزوينيُّ شيخ والدي، وبه كان يفتي الإمامُ محمَّد بن يحْيَى -رحمهم الله جميعاً- والأكثرون طردوا القوْلَ بالتحريم، وقالوا: "ليست المقابلةُ بين المال والمَالِ، وإنما المقابلة بين التحْرِيمِ والاستحقاق".
البَابُ الثَّانِي في كَيْفِيَّةِ الصَّرْفِ إِلَيْهِمْ،
وَفِيهِ مَسَائِلُ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الأُولَى: فِيمَا يُعْرَفُ بِهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ أَمَّا الخَفِيُّ كَالفَقْرِ وَالمَسْكَنَةِ فَيُصَدَّقُ فِيهِ مُدَّعِيهِ، وَيَحْلِفُ إِذَا اتُهِمَ اسْتِحبَاباً، أَو إِيجَاباً فِيهِ خِلاَفٌ، وَأَمَّا الجَلِيُّ كَالغَازِي وَابْنِ السَّبِيلِ فَيُعْطَيَانِ بِقَوْلِهِمَا، فَإنْ لَمْ يُحَقِّقَا المَوْعُودَ اسْتُرِدَّ مِنْهُمَا، وَأَمَّا المُكَاتَبُ وَالغَارِمُ فَيُطَالَبَانِ بِالبَيِّنَةِ لإِمكَانهَا، وَالإِقْرَارُ مَعَ حُضُورِ المُسْتَحِقِّ كَالبَيِّنَةِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَالاسْتِفَاضَةُ كَالبَيِّنَةِ، وَالمُؤَلَّفُ قَلْبُهُ إنْ قَالَ: نِيَّتِي فِي الإِسْلاَمِ ضَعِيفَةٌ صُدِّقَ (و)، وَإِنْ ادَّعَى كَوْنَهُ شَرِيفاً مُطَاعاً، طُولِبَ بِالبَيِّنَةِ لإِمْكَانِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كلام الباب مودعٌ في مسائل:
إحداها: فيما يعوَّل عليه في صفات المستحِقِّين:
قال الأصحابُ: من سأَلَ الزكاة، وعرف الإمام؛ أنه ليس بصفة الاستحقاق، لم يجز صرف الزكاة إليه، وإنْ عرفه بصفة الاستحقاق، جاز، ولم يخرجوه على الخلاف في أنَّ القاضي، هل يقضي بعلمه؟ وللتهمة مجالٌ هاهنا أيضاً، وإنْ لم يعرف حاله، فالصفات قسمان: خفية وجلية:
القسم الأول: الخفي، وهو الفَقْر والمَسْكَنة، فلا يطالب مدعيهما بالبينة؛ لعُسْر إقامتها، نعم، لو عرف له مالٌ، فادعى هلاكهُ، طولِبَ بالبينة، لسهولتها، ولم يفرقوا بين أن يَدَّعِي الهلاك بسبب ظاهرٍ؛ كالحريق، أو خفيٍّ؛ كالسرقة كَصَيغَتِهِمْ في الوديعة ونحوها، ولو ادَعَى له عيالاً لا يفي كسبه بكفايتهم، فيه وجهان:
أظهرهما: أنه يُطَالَبُ بالبينة أيضاً، ولو قال: لا كسب لي، وحاله يشهد بصدقه بأن كان شيخاً كبيراً أو زَمِناً، أُعْطِيَ بلا بينة ولا يمين، وإن كان قويّاً جَلْداً أو قال: لا مال لي، واتهمه الإمام، فوجهان:
أحدهما: أنه يحلف؛ لأن الظاهر خلافُ ما يدعيه.
والثاني: لا يحلف؛ لما روي أن رجلين سألا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إنْ شِئْتُما أعْطيتكما 1، وَلاَ حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلاَ لِذِي قُوَّةٍ مُكْتَسِبٍ" 2 وأعطاهما من غير تحليف.
قال في "التهذيب": وهذا أصحُّ، ثم من الأصحاب من يورد الخلاف هكذا، ويقتصر عليه، ومنهم من يقول: تحليفُهُ عند التهمة واجبٌ، أو مستحبٌّ، فيه وجهان، ويشبه أن يكون المراد منهما شيئاً واحداً، لكن صاحب الكتاب جمع بينهما في
"الوسيط"، فقال: "في تحليفه وجهان، وإن حلَّفْنَاهُ، فهل هو واجبٌ، أو مستحب؟ فيه وجهان، وإذا أوجبنا اليمينَ، فنكل، لم يعْطَ، وإن قلنا مستحبة، فيجوز أن يعطى".
القسم الثاني: الجلي، وهو على ضربين: ضرب يتعلَّق بالاستحقاق فيه معنًى في المستقبل، وذلك في المغازي وابن السبيل، فيعطيان بقولهما من غير بينة ولا يمين، ثم إنْ لم يحققا الموعود، ولم يخرجا [في السفر،] يسترد؛ لأن جهة الاستحقاق، لم تَحْصُل، وإلى متَى يحمل تأخير الخروج، أهمل المعظم التعرُّض له، وفي "أمالي أبي الفرج السرخسيِّ": أنه يجوز تأخيرُ الخروج يومين وثلاثة أيام، فإِنِ انقضتِ الثلاثةُ، ولم يخرج حينئذٍ يستردُّ، ويشبه أن يكون هذا على التقريب، وأنْ يعتبر ترصُّده للخروج، وكون التأخير لانتظار الرفقة، إعداد الأهبة وغيرهما والله أعلم.
وضرب يتعلَّق الاستحقاق فيه بمعنى في الحال، وتقع فيه بقية الأصناف في هذا الضرب، فالعامل إذا ادعى أنه عمل، طولب بالبينة، وكذا الغارمُ والمكاتَبُ يطالبان بالبينة؛ لأن الأصل العدمُ، وإقامة البينة هينة عليهم، وإن صدقهما ربُّ الدَّيْن أو السيد، فوجهان: أحدهما: لا يعطَى؛ لاحتمال التواطئ.
وأظهرهما: أنه يعطي؛ لظهور الحق بالإقرار.
وقوله في الكتاب: "مع حضورِ المُسْتَحِقِّ"؛ أراد به الحضورَ مع التصديق، فإن مجرد الحضور لا عبرةَ به، ولو كذبه المقرُّ له، لغا الإقرارُ، والمؤلَّف قلبه، إنْ قال: نِيَّتي في الإِسلام ضعيفةٌ قِبلَ قوله؛ لأن كلامه يشهد لصدقه 1، وإنْ ادعَى كونه شريفاً مطاعاً في قومه، طولب بالبينة، هكذا فصَّل عامة الأصحاب، ونسب الشيخ أبو الفرج هذا التفصيل إِلى صاحب "التلخيص" وذكر: أنَّ من الأصحاب من أطلق الجواب؛ بأنه يطالب بالبينة، فيمكن أن يُعلَم لهذا قوله في الكتاب: "صدق" بالواو.
وأما قوله: "الاستفاضة كالبينة" فالمراد منه أن اشتهار الحال بين الناس قائمٌ مقام البيِّنة؛ لحصول العلم، أو غلبة الظن، وعلى ذلك حمل قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديثِ قَبِيصَةَ بْنِ المُخَارِقِ؛ حتى يشهد أو يتكلَّم ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه؛ وذلك أن قبيصة قال: "تَحَمَّلْتُ حَمَّالَةَ، فَأَتيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: تُؤَدِّيهَا أو نخرجها عنك عَنْكَ إِذَا قَدَّمْتَ نَعَمَ الصَّدقَةِ يَا قَبيصَةُ، إِنَّ المَسْأَلَةَ حُرِّمَتْ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ: رَجُلٍ تَحَمَّل حَمَّالَةً فَحَلَّتْ لَه المَسْأَلَةُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا أَوْ يُخْرِجَهَا 2، ثُمَّ يَمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ أَوْ حَاجَةٌ حَتَّى يَشهَدَ أَوْ يَتَكَلَّمَ ثَلاثَةٌ من ذَوِي الحِجَا مِنْ قَوْمِهِ؛ أَنَّ بهِ فَاقَةً أَوْ حَاجَةً، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ، حَتَّى يُصِيبَ سَدَاداً مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَوَاماً مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكُ، أَوْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ
فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الصَّدَقَةُ حَتَّى يُصِيبَ سَدَاداً أَوْ قَوَاماً مِنْ عَيْش، ثُمَّ يُمْسِكُ" 1 فَقِيلَ: القَصْدُ مِنْ ذِكر الثلاثة الإشارةُ إلى الاستفاضة، فإنَّ أدنى الاستفاضة يقع بثلاثةٍ.
وقوله: "يؤدِّيَهَا أَو يُخْرِجَهَا" شكٌّ من الراوي، وكذلك "فاقة أو حاجة"، "وكذا يُشهد أو يتكلم"، وكذا "سداداً أو قَوَاماً"، ويشهد لما ذكرنا من اعتبار غلبة الظن ثلاثةُ أمور:
أحدها: قال بعض الأصحاب: لو أخبر عن الحال واحدٌ يقع الاعتماد عَلَى قوله، يكفي.
والثاني: قال الإمام في "النهاية" رأيتُ للأصحاب رمزاً إلى التردُّد في أنه إذا حصل الوثوق بقول من يدعي الغُرْمَ، وغلب على الظن صدْقُه، هل يجوز الاعتماد عليه.
والثالث: حكى بعض المتأخرين ما لا بدَّ من معرفته هاهنا، وهو أنه لا يعتبر في البينة في هذه الصور سماعُ القاضي، وتقدُّم الدعوى، والإمكان، والاستشهاد، بل المرادُ إخبار عدلَيْن على صفات الشهود، ثم سياق الكلام هاهنا وفي "الوسيط": "قد يوهِمَ أنَّ إلحاقَ الاستفاضةِ بالبينة مختصٌّ بالمكاتَبِ والغارِمِ، ولكن الوجّهَ تعميمُ ذلك في كل من يطالب بالبينة من الأصناف.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: في قَدْرِ المُعْطَى، وَالغَارِمُ وَالمُكَاِتبُ يُعْطَيَانِ قَدْرَ دَيْنِهِما، وَالفَقِيرُ وَالمَسْكِينُ مَا يَبْلُغَانِ بِهِ (ح) أَدْنَى الْغِنَى وَهُوَ (و) كِفَايَةُ سَنَةٍ، فَإنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُ إِلاَّ التِّجَارَةَ عَلَى ألف دِرْهَمٍ أَعْطِي لِيَشْتَغِلَ بِالكَسْبِ، وَالمُسَافِرُ يُعْطَى قَدْرَ مَا يُبَلِّغَهُ إلى المَقْصِدِ أَوْ إِلَى مَوْضِعِ مَالِهِ، وَالغازِي يُعْطَى الْفَرَسَ وَالسِّلاَحَ عَارِيَّةً أَوْ تَمْلِيكاً أَوْ وَقْفاً ممَّا وَقَفَهُ الإِمَامُ بَعْدَ أنْ اشْتَرَاهُ بَهَذَا السَّهْمِ، وَيُعْطَى مِنَ النَّفَقَةِ مَا زَادَ بِسَبَبِ السَّفَرِ، وَهَلْ يُعْطَى أَصْلَ النَّفَقَةِ؟ وَجْهَانِ، وَالمُؤَلَّفُ قَلْبُهُ يُعْطَى مَا يَرَاهُ الإِمامُ، وَالعَامِلُ يُعْطَى أَجْرَ مِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ ثَمَنُ الصَّدَقَةَ زَائِداً عَلَى أَجْرِ المِثْلِ رُدَّ الفَضْلُ عَلَى الأَصْنَافِ، وَإِنْ كانَ نَاقِصاً كُمِّلَ مِنْ بَقِيَّةِ الزَّكَاةِ (و)، إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي بَيْتِ المَالِ وَرَأى الإِمَامِ التَّكْمِيلَ مِنْهُ فَلَهُ أن يُكمِّلَ مِنْهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود المسألة بيان أن كلَّ واحد من الأصناف كمْ يعطَى؟
أما الغارِم والمكاتَبُ، فيعطيان قدر دَيْنِهِمَا، فإنْ قَدَرَا على بعض ما عليهما، أعطيا الباقي.
وأما الفقير والمسكين، فيعطيان ما تزول به حاجتهما، وتحصل كفايتهما، ويختلف ذلك باختلاف الناس والنواحي، فالمحترف الذي لا يجد آلة حرفته يعطي ما يشتريها به، قلَّت قيمتها أو كثرت؛ ليكتسب، والتاجر يعطى رأس المال ليشتري به من
النوع الذي يحسن التجارة والتصرُّف فيه، ويكون قدره ما يفي ربحه بكفايته غالباً.
وأوضحوه بالمثال، فقالوا: البقليُّ يكتفي بخمسة دراهم، والباقلاني بعشرة، والفواكهي بعشرين، والخبَّاز بخمسين، والبَقَّال بمائة، والعَطَّار بألف، والبَزَّاز بألفين، والصَّيرِفيُّ بخمْسَة آلاف، والجوهريُّ بعشرة آلاف.
من لا يحسن الكسب بالحرفة ولا بالتجارة؛ قال العراقيُّون، وطائفة سواهم: يعطَى كفاية العمر الغالب، ولا يتقدَّر بالشهر ولا بالسنة، وروى آخرون، منهم صاحب "التهذيب" والمصنف: تقديره بكفاية السنة توجيهاً بأن الزكاة تتكَّرر كل سنة 1، فيحصل بها الكفاية سنةً سنةً، وقضية التقدير كونُ المسألة عَلَى وجهين، وأشار في "التتمة" إلَى رفع الخلاف وتنزيل الكلامين على حالين، إن أمكن إعطاء ما يحصُلُ منه كفايته، أعطاه، وإلاَّ إعطاه كفاية سنة، وهذا غير متَّجِهٍ؛ لأنه لو لم يقدر على أن يعطيه كفاية سنة، فلا بد وأن يعطيه كفايةَ ما دونها، وحينئذٍ فلا معنى للضبط بالسَّنَة، وإذا قلنا: يعطى كفاية العمر فما طريقه؟ قال في "التتمة" وغيره: يعطَى ما يشتري به عقاراً يستغلُّ منه كفايته، ومنهم من يُشْعِرُ كلامه بأنه يعطَى ما ينفق عليه في حاجته، والأول أقرب، وإذا عرفت ذلك، أعْلَمْتَ قوله: "وهو كفاية سَنَةٍ" بالواو، ويجوز أنْ يعلم قوله: "ما يبلغانِ به أدْنَى الغَنَاء" بالحاء والألف؛ لأن عند أبي حنيفة لا يعطَى نصاباً، وإنْ لم تزل به حاجته، وعند أحمد لا يعطَى أكثر من خمسين درهماً.
لنا: أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "حَتَّى يُصِيبَ سَدَاداً مِنْ عَيْشٍ" 2 وهو ما يسدُّ به ثَلَمَةَ الحاجةِ، اعتبر الكفاية ولم يقدِّر.
وأما ابنُ السبيلِ: فيعطى ما يبلِّغه إلى مَقْصِدِه أو إلَى موضِع ماله، إن كان له في الطريق مال، فيعطَى من النفقة، وكذا الكسوةُ، إن كان محتاجاً إليهما؛ بحسب ما يقتضيه الحال صيفاً وشتاءً، ذكره ابن الصَّبَّاغ وغيره، وكذا يُهَيَّأ له المركوب، إن كان السفر طويلاً، أو كان الرحل ضعيفاً لا يقدِرُ على المشْي، وإن كان السفر قصيراً، أو الرجل قوياً، فلا، ويعطى ما ينقل به زادَهُ ورحْله أيضاً، إلا أن يكون قدر ما يعتاد مثله أن يحمله بنفسه.
ثم في "أمالي أبي الفرج السرخسي" في كيفية تهيئة الركوب؛ أنه إن ضاق المال، فيعطَى كراء المركوب، وإن اتسع اشترى له المركوب، فإذا تم سفره،
حكى في استرداد الدابَّة وجهَيْن، جوابُ عامة الأصحاب فيهما: الاسترداد، وكما يعطى للذَّهَاب، يعطى للرجوع أيضاً إن كان يريد الرُّجُوع، وليس في مقصده مالٌ؛ لشمول الحاجة، وفيه وجهان آخران:
أحدهما: أنه لا يعطَى للرجوع في ابتداء السفر؛ لأنه سفر آخر، وإنما يعطَى إذا أراد الرجوع.
والثاني: عن أبي زيد؛ أنه إن كان على عزم أن يصل الرجوعَ بالذَّهاب أعطى للرُّجُوع أيضاً، وإن كان على أن يقيم هناك مدة، لم يعطَ، ولا يعطَى لمدة الإقامة في المقصد إلاَّ مقام المسافرين، إذا لم يكن له مال هناك؛ بخلاف المغازي حيث يعطى للمُقَامِ في الثَّغْر، وإن طال؛ لأنه قد يُحْتَاج إليه لتوقُّع الفتح، ولأنه لا يزولُ عنه الاسم بطول المقام، بل يتأكد، وهاهنا يزول، وعن "صاحب التقريب" أنه إن أقام لحاجةٍ يتوقَّع زوالها، أعطى، وإن زادت إقامته على إقامة المسافربن.
والذي يدفع إلى ابن السبيل يكون تمام مؤنته، أو ما زاد بسبب السفر، فيه وجهان:
أصحهما: أولهما، وهما كالقولين في عامل القراض، إذا سافر، وفي الولي إذا حج بالصبيِّ، وأنفق عليه من ماله، كم يضمن، وأما الغازِي فيعطي النفقة والكُسْوة مدةَ الذهاب والمقام في الثغرة، وإن طال، ومدة الرجوع، ويكون المعطَى تمام مؤنتهما 1، أو ما يزيد بسبب السفر، دون أصل المؤنة، فيه وجهان؛ كما سبقا في ابن السبيل، وربما أشعر نظم الكتاب بتخْصيصِ هذا الخلاف بالغازِي، ولا فرق، ويعطَى ما يشتري به الفرس، إن كان يقاتل فارساً، وما يشتري به السلاحَ وآلاتِ القتالِ، ويصير كل ذلك ملكاً له، ويجوز أن يستأجر له الفَرَسُ والسلاحُ، ويختلف الحال بحسب كثرة المالِ وقلَّته، وإن كان يقاتل راجلاً، فلا يعطَى ليشتري الفرس، وأما ما يحمل عليه الزاد ويركبه في الطريق، فعلى ما مَرَّ في ابن السبيل.
فَرْعٌ: إنما يعطى الغازِي، إذا حَانَ وقت خروجه؛ ليهيئ منه أسبابَ الخروج 2،
فإن أخذ، ولم يخرج، فقد ذكرنا أنه يستردُّ، فإن مات في الطريق، أو امتنع من الغزو، استرد ما بقي، وإنْ غَزَا ورجع، وعنده بقية، فإن لم يقتِّر على نفسه، وكان الباقي شيئاً صالحاً، فكذلك الجواب؛ لأنه تبين أن المعطَى فوق الحاجة، وأنه أخطأ في الاجتهاد، وإن قتَّر على نفسه، أو لم يقتِّر إلاَّ أنَّ الباقي شيءٌ يسير، فلا يستردُّ وفي مثله في ابن السبيل يستردُّ على المشهور؛ لأنا دفعْنَا إلى الغازِي ما يكفيه؛ لحاجتنا إليه، وقد تحصلنا على العوض، لَمَّا غزا، وابن السبيل إنما يدفع إليه لحاجته، فإذا تم السفر، فقد زالت حاجته، ولم يتحصل منه على عوض، فيدفع الباقي إلى محتاج، وفي ابن السبيل وجه آخر؛ أنه لا يسترد منه أيضاً، وهذا أبداه الحَنَّاطيُّ احتمالاً، ونسبه الشيخ أبو الفرج إلى النصِّ.
فَرْعٌ: في بعض شروح المفتاح: أنَّه يأخذ نفقته ونفقة عياله ذَهَاباً ومُقَاماً ورجوعاً وسكت المعظم عن نفقة العيال 1، لكن تجويز أحدهما ليس ببعيد؛ أليس ينظر في استطاعة الحجِّ إِلى نفقة العيال؛ حتى يعتبر استغناؤه لعياله؛ كما يعتبر استغناؤه لنفسه، كذلك يجوز أن ينظر إِليها هاهنا؛ حتى يستغنى بما يأخذ لعياله؛ كما يستغنى لنفسه.
وقوله في الكتاب: "والغَازِي يُعْطي الفَرسَ والسلاحَ عاريَّةَ أو تمليكاً أو وقفاً ممَّا وقَفَه الإمامُ بعد أنِ اشْتراهُ بهذا السَّهْم"؛ أراد أن الأمر فيه موكولٌ إلى رأي الإمام، إن شاء أعطاه الفرس والسلاح تملكاً، وإن شاء استأجره له، وله أن يشتري أفراساً، ويجعلها وقفاً في سبيل الله فيعيرهم إيَّاها عند الحاجة فإذا انقضت استردتْ.
وذكر الحَنَّاطِيُّ وجهاً آخر؛ أنه لا يجوز أنْ يشتري لهم الفرس والسلاح قبل وصول المال إليهم، وهذا قضية ما في تعليق الشيخ أبي حامد -رحمه الله- ثم في قوله: "عارية أو تمليكاً أو وقفاً" نظر من جهة اللفظ، وذلك لأنه لا يعطيه وقفاً بحال، وإنما يملكه ما اشتراه، أو يعيره مما اشتراه ووقَفَه، فليس الوقف قسماً، والعاريَّة قسماً، بل إذا جوزنا الشراء، يشتري ويقف ثم يُعِيره.
أما من يؤلف قلبه، فيعطي ما يراه الإمامُ، قال المسعوديُّ: "يجعله عَلَى قدر كفايتهم وكلفتهم".
وأما العاملُ: فاستحقاقه بالعمل؛ حتى لو حمل أرباب الأموال زكاتهم إلى وَالِي البلدة، أو إلى الإمام، فهل أنْ يأتيهم العامل، فلا شيء للعامل، وإذا كان الاستحقاق بالعمل، فالمدفوع إليه أجرة المثل لعمله ثم الإمام يخير بعد بعث السعاة بَيْنَ أن يبعث من غير شرط، ثم يعطى المبعوث أجرة مثل عمله، وبين أن يُسَمِّيَ له ما يكون قدْرَ أجرته على سبيل الإجارة أو الجَعَالة، ثم يؤديه من الزكاة، ولا يسمِّي له أكثر من أجْرة
المثل، فإن فعل، فتفسد التسمية من أصلها أو يكون قدر أجرة المِثْل من الزكاة، وما زاد في خالص مال الإمام فيه وجهان 1 مرويَّان في "أمالي أبي الفرج السرخسيِّ".
ومهما كان سهْمُ العاملين زائداً على أجرة المثل، رد ما فَضِلَ على سائر الأصناف، وإن نقص، فعن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه-؛ أنه يكمل من بيت المال، ولو قيل: يكمل من سهم بقية الأصناف، فلا بأس، وفيه طرق للأصحاب:
أظهرهما: أن في المسألة قولَيْن:
أصحهما: أنه يكمل من مال الصدقة، ثم يقسم الباقي؛ كما أن أجرة قيم اليتيم في مال اليتيم، وأيضاً فإنه لو زاد دفع الزائد إلى سائر الأصناف، فإذا نقص أخذ منهم.
والثاني: يكمل من خمس الخمس سهْمُ المصالح، ولا ينقص نصيب سائر الأصناف لظاهر الآية.
والثاني: عن أبي إسحاق؛ أنها ليست على قولين، لكن الإمام يتخيَّر بحسب ما يظهر له من المصلحة.
والثالث: إن بدأ بسهم العاملين، كمَّل من الصدقة، وإن بدأ بسائر الأصناف، ثم أعطى العامل، وكان فيه نقص، كمَّل من مال المصالح؛ لعسر الاسترداد منهم.
والرابع: إن فضل عن حاجة سائر الأصناف، كَمَّل من الصدقة، وإلاَّ فمن بيت المال، وكلُّ واحد من صاحبي الطريقتين حمل تردد القولَيْن على ما ذكره من الحالين.
وليعلم قوله في الكتاب: "كَمَّل من بقيَّة الزكاة" لما حكينا، وقوله: "إلاَّ أنْ يكُونَ في بَيْت المالِ سَعَة، ورأى الإمامُ التكميلَ منه، فله أن يكمِّل منه" هذه اللفظة قضيَّتها تجويزُ التكميل منه في هذه الحالة، وذلك يشعر بلزوم التكميل من بقية الزكاة في غير هذه الحالة، لكنهم لم يختلفوا في جواز التكميل مِنْ سهم المصالح مطلقاً؛ بل لو رأى الإمامُ أن يجعل أجرة العامل كلَّها من بيت المال، جاز ويقسم الصدقة على سائر الأصناف، ذكره ابن الصَّبَّاغ وغيره، وإنما الخلاف في تَجْويز التكميل من الصدقة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: مَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ صِفَتَانِ هَلْ يَسْتَحِقُّ سَهْمَيْنِ؟ فِيهِ قَوْلاَنٍ، يُنْظَرُ فِي أَحَدِهِمَا إِلَى اتِّحَادِ الشَّخْصِ، وَفِي الآخَرِ إلى تَعَدُّدِ الصِّفَةِ، وَقِيلَ: إنْ تَجَانَسَ السَّبَبَان؛ كَالفَقْرَ وَالغُرْمِ لِغَرَضِ نَفْسِهِ، فلاَ يُجْمَعُ، وَإِن اخْتَلَفَ؛ كَالغَزْو وَالفَقْر فَيُجْمَعُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع في شخص صفتا استحقاقٍ، هل يعطَى بهما؟ نصَّ في
الباب الثاني من قسم الصدقات عَلَى المنع، وذكر في المؤلَّفة قولاً قدَّمناه، وأنهم يعطَوْنَ من سهم المؤلَّفة، وسهم سبيل الله، وللأصحاب ثلاثة طرق:
أظهرهما: أن فيها قَوْلَيْن:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: أنه يجوز أن يعطَى بهما؛ لأن للفقير سهماً، وللغارم سهماً، وهذا فقير وغارم، وأيضاً: فإن المغازي إذا كان من ذوي القربَى يأخذ بالوجهين.
والثاني: لا يعطَى بهما، بل بما يختار منهما؛ لأنه شخصٌ واحدٌ، فلا يأخذ بسهمين من مال واحد؛ كما لو لم يكن فيه إلا صفة واحدة، وأيضاً: فإن الله تعالَى عطف المستحقِّين بعضهم على بعض، والعطف يقتضي التغاير، وكلام الشافعيِّ -رضي الله عنه- والأصحاب إلى هذا القولِ أميلُ.
والطريقُ الثاني: القطْع بالمنع، وتأويلُ ما ذكره في المؤلَّفة؛ على ما تقدَّم.
والثالث: إن كان السببان من جنس واحد؛ كما لو كان فقيراً غارماً لغَرضِ نفسه، فلا يعطَى بهما؛ لأن الفقير وهذا الغارِمَ يعطيانِ لحاجتهما إلَيْنا، وكذا لو كان غازياً وغارماً لإصلاحِ ذات البين، فإنهما يعطيان لحاجتنا إليهما، وإن اختلف السببان، كما لو كان غازياً وغارماً لغرض نفسه، أو كان غازياً وفقيراً، فيعطَى، بهما لأن استحقاق الغازي لحاجتنا إليه واستحقاق هذا الغارم والفقير لحاجته إلينا، وشبَّهوه بالميراث، إذا اجتمع في الشخص جهتا فرضٍ لا يعطى بهما، وإن اجتمع جهةُ فرض، وجهةُ تعصيب، يعطَى بهما، فإن قلنا: بالمنع، فلو كان العامل فقيراً، فوجهان، بناءً على أنَّ ما أخذَه العامل أجرة؛ لأنه إنما استحق بالعمل أو صدقة؛ لأنه معدود في مستحقِّ الصدقة، وفيه وجهان، لأن جوزنا أن يعطى لمعنيين، فيجوز أن يعطَى لمعانٍ أيضاً، قال الحناطيُّ 1: "ويحتمل إلاَّ يعطَى إلا لمعنَيَيْن".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ يَجِبُ (ح م و) اسْتِيْعَابُ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ عَنْدَ القُدْرَةِ فَإنْ فُقِدَ صِنْفٌ رُدَّ نَصِيبُهُ إِلَى البَاقِينَ، وَلاَ يَجِبُ اسْتِيعَابُ آحَادِ الأَصْنَافِ، بَلْ يَجُوزُ الاقْتِصَارُ عَلَى الثَّلاثةِ فَإنَّهُ أَقَلُّ الجَمْعِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى اثْنَيْنِ غُرِّمَ لِلثَّالِثِ أَقَلُّ مَا يُتَمَوَّلُ؟ لِأَنَّ التسوِيةَ بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَإنَّهُ لاَ حَصْرَ لَهُمْ، بِخِلاَفِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُغَرَّمُ الثُّلُثَ، وَإِنْ عُدِمَ في بَلَدٍ جَمِيعُ الأَصْنَافِ فَلاَ بُدَّ مِنْ نَقْلِ الصَّدقَةِ، وإِنْ
فُقِدَ البَعْضُ فَيُرَدُّ عَلَى البَاقِينَ، أَوْ يُنْقَلُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَظْهَرُهُمَا الرَّدُّ عَلَى البَاقِينَ لِعُسرِ النَّقْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألة تتضمَّن صوراً:
إِحداها: استيعاب الأصناف الثمانية واجبٌ عند القدرة 1، ولا يجوز تخصيصُ بعضهم بإعطاء الزكاة.
وقال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله- يجوزَ تخصيصُ بعض الأصناف، وبعضُ آحادِ الصنف.
وعن مالك: أنه يجوز الصرْفُ إلَى من هو أشدُّ حاجةً من الأصناف.
لنا: أنَّ الله تعالَى أضاف الصدقاتِ إلى الفقراء والمساكينِ 2 وغيرهما بحرف "اللام" كما يقول القائل: هَذِهِ الدَّارٌ لزيْدٍ، ولعمرو، ولبكر، أو يوصى للفقراء والمسَاكينِ والغارمينَ، وذلك يمنع تخصيصَ بعض المذكورين، فكذا هاهنا، هذا إذا قسم الإمامُ، وكان هناك عاملٌ، فإن قسم المالك بنفسه، أو لم يكن عاملٌ، سقط سهم العامل، ويقسم على الأصناف السبعة، وروى الحَنَّاطيُّ عن النص: "أنه إذا قسم بنفسه، سقط سهم المؤلَّفة أيضاً، وتكون القسمة على ستة أسهم"، وهكذا هو في "فتاوى القتال" -رحمه الله-، والأول النقلُ الظاهر، وكذا سائر الأصناف ومهما فُقِدَ بعضهم، يقَسَّم الصدقة على الباقين 3، وليس كما لو أوصى لرجلَيْن، فرد أحدهما، يكون المردود للورثة دون الباقي؛ لأن المال للورثة، لولا الوصية، والوصية تبرُّع رُخِّصَ فيه، فإذا لم
يتم، أخذ الورثة المالَ، والزكاةُ دينٌ لزمه، يرتدُّ إليه، ولهذا لو لم يوجد المستحِقُّون لا تسقط الزكاة، بل توقف؛ حتى يوجدوا 1 أو يوجد بعضهم.
فلْيُعْلَمْ لِمَا روَيْنا في الكتاب قوله: "يجب استيعابُ الأصنافِ الثمانية" بالحاء والميم والألف، ويجوز أن يُعْلَم بالواو أيضاً؛ لأن أبا عبد الله الحَنَّاطِيَّ حكَى عن الاِصطخريِّ -رحمه الله-: "أنه يجوز الصرف إلَى ثلاثة من الفقراء، إذا قسم المالك"، ثم نقل بعضهم تجويزَ ذلك في صدقة الفطْر خاصَّة، فهذا هو الذي شهر عن الإِصطخريِّ، والله أعلم.
الثانية: إذا قسم الإِمام، فعليه استيعاب آحاد الصنف، ولا يجوز الاقتصار على بعضهم، فإن الاستيعاب لا يتعذَّر عليه، كذلك رواه ابن الصَّبَّاغ وغيره، وليس المراد أنه يستوعب في زكاة كل شخصٍ الآحاد، ولكن يستوعبهم من الزكوات الحاصلة في يده، وله أنْ يخصِّص بعضهم بنوعٍ من المالِ، وآخرين بنَوْعٍ، وإن قسم المالك، فينظر إن أمكن الاستيعاب؛ بأن كان المستحِقُّون في البلد محصورين 2، يفي بهم المال 3، فقد أطلق في "التتمة" وجوبَ الاستيعاب أيضاً، وفي "التهذيب": أنه يجب إن لم يجوِّز نقل الصدقةِ، وإن جوزناه، لم يجب؛ لكنه ليستحب وإن لم يمكن الاستيعابُ، سقط الوجوب والاستحباب، ولكن لا ينقص الدين ذكرهم الله تعالَى بلفظ الجمع من الفقراء وغيرهم عن ثلاثة 4، نعم يجوزُ أنْ يكون العاملُ واحداً فيقتصر عليه، وفي ابن السبيل وجْهَانِ:
أحدهما: أنه يجوز الاكتفاء بواحد أيضاً؛ لأنه لم يذكر بلفظ الجمع.
وأصحهما: المنعُ؛ كما في سائر الأصناف، واللفظ للجنْسِ، وقال بعض شارِحي "المخْتَصَر": ولو طرد الوجهانِ في الغزاة، لم يبعد؟ لقوله تعالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة- 60] وإذا صرف ما عليه إلى اثنين مع القدرة على الثالث، غرم للثالث، وفي قدره قولان: المنصوصُ منهما في الصدقات؛ أنه يغرم قدر الثلث من نصيب ذلك الصنف؛ لأنه لثلاثة وقد تعدَّى في نصيب واحد، والقياس أنه يغرم قَدْرَ ما لو أعطاه في الابتداء، لخرج عن العهدة؛ لأنه الذي فرط فيه، ولو صرفه إلى واحد، فعلى الأول
يغرَّم الثلثين، وعلى الثاني أقلَّ ما يجوز صرفه إليهما 1.
ولو لم يوجدُ إلا دون الثلاثة، والصنفُ ممن يجب إعطاءُ ثلاثة منهم، فيعطى من وُجِدَ، والباقي يرد عليه ما لم يخرجْ عن حد الاستحقاق أو ينقل إلى بلدة أخرى؟ قال المتولِّي: "هو كما لو لم يوجدُ بعضُ الأصنافِ في بَلَدٍ 2، وسيأتي".
الثالثة: التسوية بين الأصناف واجبةٌ، وإن كانت حاجةُ بعضهم أشدَّ إلا أنَّ العامل لا يزاد على أجرة مثله؛ كما مر، وأما التسوية بين آحاد الصنف، استوعبوا أو اقتصر على بعضهم، فمستحبُّ عند تساوي الحاجات 3، ولكن لا يجب، وفرقوا بين الفصلين بأنَّ الأصناف محصورة، فيمكن التسوية بينهم، والعدد من كل صِنْفٍ غيرُ محصور؛ فيسقط اعتبار التسوية.
قال في "التهذيب": "وليس هذا كما لو أوصى لفقراء بلدة بعينها، وهم محصورون"؛ حيث يجب تعميمهم [والتسوية بينهم، وهاهنا إذا كانوا محصورين يجب التعميمُ] 4، ولا تجب التسوية؛ لأن الحقَّ في الوصية لهم على التعيين؛ حتى لو لم يكن هناك فقيرٌ تبطل الوصية، وهاهنا لم يثبت الحقُّ لهم على التعيين وإنما تعينوا لفقد غيرهم، ولهذا لو لم يكن في البلدة مستحِقُّون، لا تسقط الزكاة، بل تنقل إلى بلد آخر، فمن حيث إنهم محصورون وجب التعميم، ومن حيث إنه لم يثبت لهم على التعيين، لم تجب التسوية، وهذا إذا قسم المالك، فإن قسم الإمام؛ قال في "التتمة": "لا يجوز له تفضيلُ بعضهم على بعض عند تساوي الحاجات"؛ لأن عليه التعميمَ، فيلزمه التسوية، والمالك لا تعميم عليه، فلا 5 تسوية، وإذا
تأملت ما أوردناه، عرفت أن الصور الثلاث في الكتاب غَيْرُ مُجرَاةٍ على إطلاقها، ولا هي مقيدة بقَيْدٍ بل تستمر فيها 1 وإنما يجبُ استيعابُ الأصناف الثمانية، إذا قسم الإمام، وإنما لا يجب استيعاب آحَاد الصنف، والتسوية بينهم، إذا قسم المالك، وفي مثل هذا يقع التباس عظيمٌ.
الرابعة: إذا عدم في بلد جميعُ الاصنافِ، فلا بد من نقل الزكاة، وليكنِ النقلُ إلى أقرب البلاد إليهَ، وإلاَّ فهو على الخلاف في نقل الصدقات، وإن عدم بعضهم، نُظِرَ إنْ عدم العامل، سقط سهمه، وإن عدم غيره، فإن جوزنا نقل الصدقات، نقل نصيب الباقين، وإن لم نجوزه، فوجهان 2:
أحدُهما: ينقل أيضاً، ولا يرد إلى الباقين؛ لأن استحقاق الأصناف منصوصٌ عليه، فيقدم على رعاية المكان الذي يثبت بالاجتهاد.
وأصحُّهما: الردُّ على الباقين؛ لأن عدم الشيء في موْضعه [كالعدم المُطلَق؛ أَلاَّ ترَى أن عدم الماء في الموضع] 3 يرخِّص في التيمم، وإن وجد في سائر المواضع، وإن قلنا: تنقل، فلتنتقل، إلى أقرب البلاد، فإن نقل إلى غيره، أو لم ينقله، وردَّه على الباقين، ضمن، وإن قلْنا: لا تنقل فلو نقل، ضمن، فلو وجد الأصناف وقسم بينهم، فينقص نصيب بعضهم عنِ الكفاية، وزاد نصيب بعضهم على الكفاية، فيصرف ما زاد إلى ما نقص نصيبه أو ينقل إلى ذلك الصنف بأقرب البلاد إليه فيه مثل هذا الخلاف، وإذا قلنا بالرد على الدين نقص سهمهم عن الكفاية، فيرد عليهم بالسوية، فإنِ اكتفى بعضهم ببعض المردود، قسم الباقي بين الآخرين بالسوية، ولو زاد نصيبُ جميع الأصناف على قَدْر الكفاية، أو نصيب بعضهم، ولم ينقص نصيب الآخرين، نقل ما زاد إلَى ذلك الصنف، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ: في نَقْلِ الصَّدَقَاتِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا): الجَوَازُ (م) لِعُمُومِ الآيَةِ (وَالثَّانِي): المَنْعُ لِمَذْهَبِ مُعَاذٍ (وَالثَّالِثُ): لاَ يَجُوزُ النَّقْلُ وَلَكِنْ تَبَرَّأُ ذِمَّتُهُ إِذَا نَقَلَ، = وحيث لا يجب الاستيعاب.
قال أصحابنا: يجوز الدفع إلى المستحقين من المقيمين بالبلد والغرباء ولكن المستوطنون أفضل، لأنهم جيرانه.
والله أعلم.
وجزم النووي المنهاج بالحرمة فقال ما نصه: "إلا أن يقسم الإمام فيحرم عليه التفضيل مع تساوي الحاجات" وخرج بقوله مع تساوي الحاجات ما لو اختلف فيراعيها.
وَقِبلَ: يَطَّرِدُ هَذا الخِلاَفُ في الكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَالوَصَايَا، وَالأَظْهَرُ فِيهَا جَوَاز النَّقْلِ، وَصَدَقَةُ الفِطْرِ كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ فِي مَنْعِ النَّقْل وَوُجُوبِ أسْتِيعَابِ الأَصْنَافِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: للشافعيِّ -رضي الله عنه- في نقل الصدقة مِنْ بلد الوجوبِ مع وجود المستحِقِّين إلي بلد آخر قولان 1:
أحدهما: الجوازُ، وبه قال أبو حنيفة -رضي الله عنه- لأن قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوية- 60] مطلقٌ، وأيضاً: فإن الكفارة لا تختصُّ ببلد الوجوب، فكذلك الزكاة، وأيضاً: فقد رُوِيَ عنْ معاذٍ -رضي الله عنه- أنه قال لأهل اليمن: "ائْتُونِي بِكُلِّ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ آخُذُهُ مِنْكُم مَكَانَ الصَّدَقَةِ، فَإِنَّهُ أَرْفَقُ بِكُمْ وَأَنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ بِالمَدِينَةِ" 2.
وأصحهما: المنع، ويُحْكَى عن مالك وأحمد -رحمهما الله-؛ لما روِيَ أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ معاذاً إلى اليمنِ فقال: "أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَة تُؤْخَذُ من أغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم" 3 دل على أن صدقة كلِّ صنف لفقرائهم، وأيضاً: فإن طمع المسكين في
كل بلدة يمتدُّ إلى ما فيها من الأموال، فالنقل يوحشُهم، واختلفت طرق الأصحاب في موضع القولَيْن من وجهين:
أحدهما: ذهب ذاهبون إلى أن القولين في أنه، هل يجوز النقل؟ وفي أنه إذا نَقَلَ، هل يسقط الفَرْض؟ وقيل: لا خلافَ في أنه لا يجوز النقل، والقولان في أنه لو نقل، هلْ يسقط الفرض؟ ففي قول: لا يسقط؛ لأن النقل منهيٌّ عنه.
وفي آخر: يسقطُ بعود المنفعة إلى الفقراء.
وقيل: لا خلاف في أنه لو نقل يسقط الفرض، والقولان في أنه هَلْ يجوز النقل؟ فهذه ثلاثةُ طرقٍ:
وأصحُّهما: عند الأئمة أوسطُها.
والثاني: قال قائلون: القولانِ فيما إذا نقل إلَى مسافة القصر فما فوقها، فأما إذا نقل إلى [ما] دون مسانة القصر، فلا بأس كما لو نقل في البلد الكبير من مَحَلَّه إلَى مَحَلَّة، وطرد آخرون الخلاف 1، وهو الصحيح.
وليعلم قوله في الكتاب: "الجواز لعُمُومِ الآية" بالميم والألف.
وقوله: "المنع" بالحاء؛ لما ذكرنا.
وقوله: "لمذْهَب مُعَاذٍ" -رضي الله عنه- لم يرد به حديثَ بعثه إلَى اليمن؛ لأنه قال في "الوسيط": لمذهب معاذ ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: "أخْبِرْهُم أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ... " الخَبَرَ، وكأنه أراد أنَّ معاذاً -رضي الله عنه- صار إلى منع النقل؛ لما رُوِيَ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ انْتَقَلَ من مِخْلاَفِ عَشِيرَتِهِ إلى غَيْرِ مِخْلاَفِ عَشِيرَتِهِ، فَصَدَقَتُهُ وعشرة في مِخْلاَفِ عَشِيرَتِهِ" 2 وأراد ما إذا انتقل عنه، وترك ماله فيه، والأقوال الثلاثةُ عَلَى ما نظمها تتولد من الطرق المذكورة من قَبْل.
ثم في الفَصْلِ صورتان:
إحداهما: إذا أوصى للفقراء والمساكينِ وسائرِ الأصنافِ، هل يجوز نقله إلى بَلَد آخر؟ فيه طريقانِ، شرَحْنَاهما في "باب الوصية":
أحدهما: أنه على الخلاف في "الزكاة"، وهذا ما حكاه هاهنا.
والثاني: ترتيب الوصية على الزكاةِ، والوصيةُ أولَى بالجوازِ، وهذا ما ذكره هناك، ولو لم يذكر الصورةَ إلاَّ في موضع واحد، وجمع فيه بين الجوابين، كان أحسن،
وألحَقَ بالوصية الكفاراتِ والنذورَ، والظاهرُ فيهما جميعاً جوازُ النقل؛ لأن الأطماع لا تمتدُّ إليها امتدادَهَا إلى الزكاة.
الثانية: [صدقة الفطر كسائر الزكوات في جواز النقْل، ومنعه، وكذلك في وجوب] 1 استيعابِ الأصنافِ الثمانيةِ، فإن شقت القسمة جمع جماعة فطرتَهُمْ، ثم قسموها، وقال الإِصطخريُّ: "يجوز صرفُها إلى ثلاثةٍ من الفقراء"، ويروى من الفقراء والمساكين، ويروى من أي صنف اتفق، ورأيت بخط الفقيه أبي بكرِ بْنِ بدران الحلوانيِّ؛ أنه سمع أبا إسحاق الشِّيرازيَّ يقول في اختياره ورأيه: "يجوز صرفُهَا إلَى النَّفْسِ الواحدة" 2.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثمَّ النَّظَرُ إِلَى المَالِ وَقْتَ حَوَلاَنِ الحَوْلِ فَتُفَرِّقُ الصَّدَقَةُ عِنْدَهُ، وَفِي صَدَقَةِ الفِطْرِ يُنْظَرُ إِلَى مَوْضِعِ المَالِكِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَأَهْلُ الخِيَامِ إِنْ كانُوا مُجْتَازِينَ فَمُسْتَحِقُّ صَدَقَتِهِمْ مَنْ هُوَ مَعَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا مُسْتَحِقّاً فَيَنْقُلُونَ إِلَى أَقْرَبِ بَلَدٍ إِلَيْهِمْ عِنْدَ تَمَامِ الحَوْلِ، وَإِنْ كَانُوا نَازِلِينَ في الخِيَامِ فَيَجُوزُ النَّقْلُ إِلَى مَا دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ، إلاَّ إِذَا كَانَتِ الحِلَّةُ مُنْقَطِعَة عَنِ الحِلَّةِ، فَقَد قِيلَ: كُلُّ حِلَّةٍ كَقَرْيَةٍ فلاَ يَجُوزُ النَّقْلُ، وَقِيلَ: الضَّبْطُ بِمَسَافَةِ القَصْرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْلِ فرعانِ من فروع منع النقْلِ:
أحدهما: لو كان المالُ ببلدٍ، والمالكُ ببلدٍ آخر، فالنظر إلى بلد المال 3؛ لأنه سبب الوجوب، ونظر المستحِقِّين إليه يمتدُّ، فيصرف العشرِ إلى فقراء بلد الأَرض الَّتي حصل منها المعشر، وزكاة النقدين والمواشِي وأموالِ التجارةِ إلَى فقراء البلد الذي تم فيه حولها، فإن كان المال عند تمام الحولِ في باديةٍ، صُرِفَ إلَى فقراء البلاد إليه 4، ولو كان ماله في مواضعَ متفرِّقة، قسم زكاة كل طائفة من ماله ببلدها، ما لم يقع تشقيصٌ، فإن وقع كما لو ملك أربعين من الغنم؛ عشرين ببلد، وعشرين بآخر، فأدى
شاةً في أحد البلدين، فعن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه- أنه قال: "كَرِهْتُهُ، وَأَجْزَأَهُ".
قال أبو حفصِ بْنُ الوكيل -رحمه الله-: هذا جوابٌ على جواز نقل الصدقة، وإلا فيؤدي في كل بلد نصْفُ شاة، والظاهرُ جوازه على القولَيْن، وعلَّلوه بمعنيين:
أحدهما: أن له في كلِّ بلدة مالاً، فيخرج فيما شاء منهما.
والثاني: أنَّ الواجبَ شاةٌ، فلا شِقْص، ويتفرع عليهما ما لو ملك مائةً ببلد آخر، فعلى الأول: له إخراجُ شاتين في أيهما شاء، وعلى الثاني: لا يجزئه ذلك، وهو الأصحُّ، وفي صدقة الفطر لو كان الشخصُ ببلد، والمال بآخر، فوجهان:
أحدهما: أن الاعتبار ببلد المال لأنها تؤدي بالمال.
وأصحُّهما: الاعتبارُ ببلد 1 المالك؛ لأن الوجوب بسببه؛ فإنها صدقة البدن.
والثاني: أرباب الأموال صنفان:
أحدهما: المقيمون في بلدةٍ أو قريةٍ أو موضعٍ من الباديةِ، لا يظعنون [عنه] 2 شتاءً ولا صيفاً إلاَّ لحاجة، فعليهم صرف صدقاتهم إلَى من في ذلك الموضع من الأصناف لا يخرجُونَها عنه، ويستوي فيه المقيمون والغُرَبَاء.
والثاني: أهل الخيامِ الذي ينتقلُونَ من بقعة إلى بقعة، فينظر إنْ لم يكن لهم قرارٌ، بل كانوا يطوفون في البلاد أبداً، فيصرفون صدقتهم إلى من معهم من الأصناف، فإن لم يكن معهم مستحق، نقلوه إلى أقرب البلاد إليهم عند تمام الحَوْل، وهؤلاءِ هم الدين أرادهم صاحب الكتاب بقوله: "إنْ كانُوا مجتازين" وإن كان لهم موضعٌ يسكنونه وربَّما ارتحلُّوا عنه منتجعين، ثم عادُوا إليه، فإن لم يتميَّز البعضُ عن البعْضِ، ولم ينفردُوا بماءٍ ومرعَى، فيصرفون صدقتهم إلَى من هو فيما دون مسافة القَصْر من موضع المال، فإنهم جميعاً حاضرون عنْده، ولهذا عَدِّدْنَا مَنْ كان فيما دون مسافة القصر من حاضري المسْجد الحرام، والصرف من هؤلاء إلى اللذين يظْعَنُون بظَعَنِهِمْ، ويقيمون بإقامتهم أَولَى؛ لأنهم آكَدُ جواراً، وإن تميَّزت الْحِلَّة عن الْحِلَّة، وانفردتْ بالماء والمرعَى على عادة قبائل العرب، فوجهان:
أحدهما: حوازُ الصَّرْف إلَى من هو في مسافة القَصْر، كما في الصورة الأُولَى.
والأقيس: أنَّ كل حِلَّة كقرية [فلا] يجوز النقلُ عنها.
فرع: حيث يجوز النقلُ أو يجبُ، فالمؤنة على ربِّ 1 المال، ويمكن أن يخرج فيه الخلافُ المذكورة في أجرة الكَيَّال.
واعلم أن الخلاف في جواز النقل وتفريعه ظاهر فيما إذا فرق رب المال الزكاة، أما إذا فرق الإمام، فربما اقتضى كلام الأصحاب فيه طَرْدَ الخلاف فيه، وربما دلَّ على أنه: يجوز له النقل والتفرقة كيف شاء، وهذا أشبه 2، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الخَامسَةُ يَجُوزُ لِلمَالِكِ تَوَلِّي الصَّرْفِ (ح م) بِنَفْسِهِ، وَلاَ يَجِبُ التَّسْلِيمُ إِلَى الإِمَامِ، وَفِي المَالِ الظَّاهِرِ قَوْلٌ قَدِيمٌ؛ أنَّهُ يَجِبُ، وَأَمَّا الأَفْضَلُ فَفِيهِ قَوْلاَنِ، إلاَّ إِذَا كَانَ الإمَامُ جَائِراً فَالأَوْلَى التَّوَلِّي بِنَفْسِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد مرَّت المسألة مشروحةً في "باب الزكاة"، والذي لا بدَّ من ذكره هاهنا معاداً وغير معادٍ؛ أنَّ قوله: "يجوز للمالِكِ تولِّي الصرْفِ بنَفْسِهِ" يصحُّ إعلامه بالحاء والميم؛ لأنه أراد التجويز في الأموال الباطنة والظاهرة جميعاً؛ ألا تراه قال عَقِيبَه: "وفي المالِ الظاهرِ قولٌ قديمٌ"، وقد حكينا هناك عن مذهبهما المنْعُ في الأموال الظاهرة.
وقوله: "وأما الأفضل، ففيه قولان: المشهورُ في المسألة وجهان، ويخصَّص الخلاف بالأموال الباطنةِ، كما بينا في الزكاة.
وقوله: "إذا كان الإِمامُ جائراً" مُعْلَمٌ بالواو لما تقدَّم وجهه.
ولو طلب الإمام زكاةَ الأموالِ الظاهرة، وجب التسليم إليه بلا خلاف بذلاً للطاعة، فإن امتنعوا، قاتلهم الإمام، ونقل الماورديُّ عن أبي حنيفة -رحمهما الله- المنع من قتالهم، إذا أجابوا إلى إخراجها بأنفسهم، فإن لم يطلب الإمام، ولم يأت الساعِي، فيؤخرون المال، ما دام يرْجُو مجيء الساعي، فإذا أيس، فقد ذكرنا في "الزكاة"؛ أنه يفرِّق بنفسه، وهو نصُّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- نعم، من الأصحاب من قال: هذا جواب على أن له أن يفرِّق زكاة الأموال الظاهرة بنفسه، ومنهم من قال: هذا