كِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَمَنِ اسْتَوْلَدَ جَارَيتَهُ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ ظَهَرَ عَلَيْهِ خِلْقَةُ الآدَمِيَّ إِمَّا حَيّاً وإمَّا مَيِّتاً عُتِقَتْ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ المَوْتِ عَلَى الجَدِيدِ، وَكَذَا لاَ يَبِيعُ وَلَدَهَا مِنْ زِنَاَ أَوْ نِكَاحٍ إِذَا حَصَلَ بَعْدَ الاسْتِيْلاَدِ وَيُعْتَقُونَ أَيْضاً بِمَوْتِهِ، وَلَهُ إِجَارَتُهَا وَاسْتِخْدَامُهَا وَوَطْؤُهَا، وَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا، وَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ إلاَّ بِرِضَاهَا، وَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ بِرِضَاهَا أَيْضاً إلاَّ بِمُرَاجَعَةِ القَاضِي، وَلَهُ أرْشُ الجِنَايَةِ عَليْهَا وعَلَى أَوْلاَدِهَا، وَمنْ غَصَبَهَا فَتَلِفت فِي يَدِهِ ضَمِنَهُ لِأَنَّهَا كَالرَّقِيقَةِ إِلاَّ فِي البَيْعِ، وَلَوْ شَهِدَ رَجُلاَنِ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالاسْتِيلاَدِ وَحُكِمَ بِهِ فَرَجَعَا غُرِّمَا بَعْدَ مَوْتهِ لِلوَرَثَةِ عِنْدَ عِتْقِهَا وَلَمْ يُغَرَّمَا فِي الحَالِ لِأَنَّهُمَا مَا أَزَالاَ إِلاَّ سَلْطَنَةَ البَيْعِ وَلاَ قِيمَةَ لَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عن ابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ عَنْ دَبْرٍ منْهُ" 1. وعن ابن عمر -رَضِيَ الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَوْلَدَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ، وَمَاتَ عَنْهَا فَهِيَ 2 حُرَّةٌ".
وَلَدُ الرجل من أَمَتِهِ يَنْعَقِدُ حُرّاً، وتَصِيرُ الأَمَةُ بالوِلاَدَةِ مُسْتَوْلَدَة تُعْتَقُ إذا مات السَّيِّدُ 3، ويكون عِتْقُهَا مُقَدَّماً على حُقُوقِ الغُرَمَاءِ فَضْلاً عن الوَصَايَا، وحقوق الوَرَثَةِ،
الجزء: 13 - الصفحة: 584
وينزل الاسْتِيلاَدُ منزلة الاسْتِهْلاَكِ، حتى أن اسْتِيلاَدَ المَرِيضِ مَرَضَ المَوْتِ، كَاسْتِيلاَدِ الصَّحِيحِ في النُّفُوذِ من رَأْسِ المَالِ، كإنْفَاقِ المَالِ، في الكَفَّارَاتِ 4 والشَّهَوَاتِ.
وكما يَثْبُتُ الاسْتِيلاَدُ بانْفِصَالِ الوَلَدِ الكَامِل، يَثْبُتُ بإلْقَاءِ المُضْغَةِ التي ظَهَرَتْ فيها خِلْقَةُ الآدَميِّينَ، أو ظهر فيها التَّخْطِيطُ لكلَ أَحَدٍ، أو لِلْقَوَابِلِ، وأَهْلِ الخِبْرَةِ من النِّسَاءِ.
وإن لم يظهر وَقُلْنَ: إن ما أَلْقَتْهُ أصْلُ الآدَمِيِّ، ولو بقي لتصور فالأصح أنه لا يثبت به الاستيلاَدُ، وقد ذَكَرْنَا فيه من الطُّرُقِ في "كِتَابِ العِدَّةِ" وغيره.
ثم الكَلاَمُ في صُوَرٍ تَتَعلَّقُ بأَحْكَامِ المُسْتَوْلَدَة:
منها: لا يَجُوز بَيْعُ المُسْتَوْلَدَةِ، ولا رَهْنُهَا، ولا هِبَتُهَا، ولا الوَصِيَّةُ بها؛ لما روي عن ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أُمُّ الوَلَدِ لاَ تُبَاعُ، وَتعْتَقُ بِموْتِ سَيِّدِهَا" 5 ويقال: إنَّ الصَّحَابَةَ -رضي الله عنهم- اتَّفَقَتْ عليه في عَهْدِ عمر، وعثمان -رضي الله عنهما- ومَشْهُورٌ عن عَلِيٍّ -كرم الله وَجْهَهُ- أنه قال: اجتمع رَأْيي ورَأي عُمَرَ على أن أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ لا يُبَعْنَ.
ويروى علي عتق أمهات الأولاد، ثم رَأَيْتُ بعد ذلك أن أَقْضِيَ بِبَيْعِهِنَّ، فقال عَبيدَةُ السَّلْمَانِيُّ رَأْيُكَ مع رَأْي عُمَرَ أَحَبُّ إلينا من رَأْيِكَ وَحْدَكَ.
فيقال: إنه رَجَعَ عن ذَلِكَ.
وعن الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- ميل القَوْلِ في بَيْعِهِنَّ في مَوَاضِعَ واختلف فيه الأَصْحَابُ -رحمهم الله- فذهب مُعْظَمُهُم إلى أنه ليس للشافعي -رَضِيَ الله عنه- فيه اخْتِلاَفُ قول، وأَشَارَ بميل القول إلى مَا رُوِيَ في تَجْوِيزه عن عَلِيٍّ وابن الزُّبَيْرِ -رضي = وقال الشيخ البلقيني في تصحيح المنهاج: يستثنى منه المكاتب إذا أحبل أمته والراهن المعسر إذا أحبل أمته المرهونة الرَّهْن اللازم بالقبض ومالك الجانية المعسر الجانِة جناية توجب مالاً متعلقاً برقبتها، والوارث إذا أحبل أمة التركة التي انتقلت إليه وحده وهو معسر، والجارية المنذور التصدق بها أو قيمتها والجارية الموصى بإعتاقها الخارجة من الثلث، ثم قال: وأما المبعض إذا ملك أمة ببعضه الحر ثم وطئها فأحبلها وأتت بولد فنص الشافعي في الأم أنها لا تصير أم ولد، ثم حكى قولاً آخر ثم اختار أنه يثبت الاستيلاد وأن الماوردي جزم بذلك ثم قال ويستثنى من كلامه يعني المنهاج الصبي إذا استكمل تسع سنين إذا وطئ أمته فولدت لأكثر من ستة أشهر لحقه ولا يحكم ببلوغه مع أنه يختار ثبوت الاستيلاد، وقول المصنف "أمته" أي وكذا المشتركة إذا استولدها الشريك وكان موسراً بحصة الشريك فإن كان معسراً فيثبت الاستيلاد في حصته خاصة وأفهم كلامه أيضاً أنه لا يثبت الاستيلاد بإحبال أمة غيره ويستثنى منه إذا أحبل السيد أمة مكاتبه وكذا إذا أحبل الأب الحر أمة فرعه ولم تكن مستولدة فرعه فإنه يثبت الاستيلاد.
الجزء: 13 - الصفحة: 585
الله عنهم- ومنهم من قال جَوَّزَهُ في القَدِيم 6، وقد يُوَجَّهُ ذلك بما رُوِيَ عن جابر قال: كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ في عَهْدِ النبي -صلى الله عليه وسلم- لا نَرَى بذلك بَأْساً، وعلى هذه الطَّرِيقَةِ جَرَى في الكتاب فقال: "ولا يَجُوزُ بَيْعُهَا قبل المَوْتِ على الجديد".
ويجوز إِعْلاَمُ قوله: "على الجديد" بالواو للطَّرِيقَةِ الأُولى، بما حكى الإِمام في التَّفْرِيعِ على القديم وجهين:
فعن صاحب "التقريب"، والشيخ أبي عَلِيٍّ -رحمهما الله- أنها اشتملت على ولده ونقضته وهي رَقِيقَةٌ، كما كانت، ولا تُعْتَقُ بموت السَّيِّدِ وعن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ والصَّيدَلاَنِيِّ -رحمهم الله- أنها تعْتَقُ بالموت، وإِن جَوَّزْنَا بَيعَهَا في الحَيَاةِ كالمُدَبَّرِ.
وقال: ويجوز أن يقول هو: لا تُعْتَقُ من رَأسِ المَالِ، ويجوز أن يجعلوا عِتْقَهَا كِعِتْقِ المُدَبَّرِ.
والوَجْهُ الأول يُرَخِّصُ في إِعْلاَمِ قوله في الكتاب: "عتقت عليه إذا مات" بالواو.
ولو قلنا: بالصَّحِيحِ، فلو قَضَى قَاضٍ بِجَوَازِ بَيعِهَا؛ فحكاية الرُّويَانِيِّ عند الأَصْحَابِ -رحمهم الله- أنه يُنْقَضُ قَضَاؤُهُ، وما كان فيه في خِلاَفٍ، فقد انْقَطَعَ، وصَارَ مَهْجُوراً.
وبهذا أجاب الدَّاركِيُّ.
ونقل الإِمَامُ فيه اخْتِلاَفاً لِلأصْحَاب، وذكر أن الشيخ أبو عَلِيٍّ بَنَاهُ على أن مُخَالَفَةَ عَلِيٍّ -كَرَّمَ الله وَجْهَهُ- كانت قبل انْقِرَاضِ العَصْرِ؛ وللأُصُولِيِّينَ خِلاَفٌ في أنه: هل يُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الإِجْمَاعِ انْقِرَاضُ العَصْرِ؟
فإن قلنا: لا يُشْتَرَط؛ نُقِضَ القَضَاءُ بجواز البَيْعِ.
وإن قلنا: يُشْتَرَطُ؛ لم يُنْقَضْ.
ويجوز أن يُبْنَى الخِلاَفُ على ما ذكر الصَّيْدَلاَنِيُّ أن لأصحابنا وَجْهَيْنِ في أنه إذا اختلف الصَّحَابَةُ -رَضِيَ الله عنهم- في مَسْأَلَةٍ، ثم أجمع البَاقُونَ على أَحَدِ القولين؛ هل يرفع به الخلاف الأول، وبيع المستولدة -وإن اختلف فيه الصَّدْرُ الأَوَّلُ- فقد أَجْمَعَ أَهْلُ العصر الثاني على منْعِهِ -رضي الله عنهم- أَجْمَعِينَ.
ومنها: أولاد المُسْتَوْلَدَةِ من السَّيِّدِ لا تخفى حُرِّيَّتُهُم، والذين حَدَثُوا من النِّكَاحِ أو
الجزء: 13 - الصفحة: 586
الزِّنَا حكمهم حُكْمُ الأُمِّ؛ لأن الوَلَدَ يتبع الأُمَّ في الحُرِّيَّةِ، فكذلك في حَقِّ الحُرِّيَّةِ، ولا يجيء فيهم الخِلاَفُ المَذْكُورُ في وَلَدِ المُدَبَّرَةِ والمكاتبة، فإن الاسْتِيلاَدَ أَقْوَى؛ لأنه لا يُرْفَعُ بِحَال.
والتَّدْبِيرُ والكِتَابَةُ يَقْبَلاَنِ الرَّفْعَ، فليس للسَّيِّدِ بَيْعُهُم، ويُعْتَقُونَ بموته وإن كانت الأُمُّ قد مَاتَتْ في حَيَاةِ السَّيِّدِ.
ولو أعتق السَّيِّدُ الأُمَّ، لم يعتق الوَلَدُ، وكذا حكم العَكْس، كما في التَّدْبير، بخلاف ما إذا أَعْتَقَ المُكَاتَبَةَ، يعتق وَلَدُهَا؛ لما سَبَقَ.
ولو ولدت 7 المُسْتَوْلَدَةُ من وطء شُبْهَةٍ، فإن كان الوَاطِئُ يَعْتَقِدُ أنها زَوْجَتُهُ الأَمَةُ، فالوَلَدُ رَقِيقٌ للسيد كالأُمِّ، وهو كما لو أتت به من نِكَاحٍ أو زِنا، وإن كان يَعْتَقِدُ أنها زوْجَتُهُ الحُرَّةُ، أو أَمَتُهُ، فينعقد الولد حُرٌّ، وعليه قِيمَتُهُ للسَّيِّدِ.
وأما الأولاد الحَاصِلُونَ قبل الاسْتِيلاَدِ من النكاح أو الزنا، فليس لهم حُكْمُ الأُمِّ، وللسيد بَيْعُهُمْ إذا ولدوا في مِلْكِهِ، ولا يُعْتَقُونَ بِمَوْتِهِ؛ لِحُدُوثهِ قبل أن يَثْبُتَ للأم حَقُّ الحرية.
ومنها: المُسْتَوْلَدَةُ فيما سِوَى نَقْلِ المِلْكِ فيها كالقِنَّةِ، فله إِجَارَتُهَا واسْتِخْدَامُهَا وَوَطْؤُهَا.
وعن مالك: المَنْعُ من إجَارَتهَا.
واحتج الأَصْحَابُ بأنه يملك اسْتِخْدَامَهَا، فيملك إِجَارَتَهَا كالمُدبَّرَةِ، وله أرْشُ الجِنَايَةِ عليها، وعلى أولادها [التابعين] 8 لها، وقيمتهم إذا قتلوا ومن غَصَبَ المُسْتَوْلَدَةَ [فتلفت] 9 من يَدِهِ ضَمِنَهَا كالقِنَّةِ.
ومَسْأَلَةُ الغَصْبِ مُكَرَّرَةٌ أَوْرَدَهَا في "الغَصْب" مَرَّةً، [وقد ذكرنا] 10 هناك خِلاَفَ أبي حَنِيْفَةَ -رحمه الله- فيها.
ولو شَهِدَ شَاهِدَانِ على إِقْرَارِ السَّيِّدِ بالاسْتِيلاَدِ، وحكم القاضي بِشَهَادَتِهِمَا، ثم رجعا.
فعن الشيخ أبي عَلِيٍّ أنهما لا يُغَرَّمَانِ شيئاً؛ لأن المِلْكَ بَاقٍ في المُسْتَوْلَدَةِ، ولو لم ينويا إلاَّ سَلْطَنَةَ البَيْعِ، ولا قيمة لها على تَجَرُّدِهَا وليس هذا كإِبَاقِ العَبْدِ من يَدِ الغَاصِبِ، في أنه في عَهْدِهِ ضَمَانُ يَدِهِ حتى يَعْودَ المَغْصُوبُ إلى مُسْتَحقِّه.
قال الإِمَامُ: وإذا مات السَّيِّدُ، ومات المِلْكُ، فالذي نَرَاهُ أن عليهما الغُرْمَ لِلْوَرَثَةِ؛ لأن هذه الشَّهَادَةَ لا تَنْحَطُّ عن الشَّهَادَةِ على تعليق العِتْقِ.
ولو شَهِدَ على التَّعْلِيقِ فوجدت الصِّفَةُ، وحكمنا بِشَهَادَتِهِمَا، ثم رَجَعَا لزمهما الغُرْمُ 11.
الجزء: 13 - الصفحة: 587
ومنها: في تَزْوِيجِ المُسْتَوْلَدَةِ ثَلاثَةُ أقوال:
أصحهما: وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، واختاره المُزَنِيُّ-: أن للسيد الاسْتِقْلاَلَ به، كما في القِنَّةِ؛ لأنه يَمْلِكُ إِجَارَتَهَا، فيملك تَزْوِيجَهَا، ولأنه يَحِلُّ له الاسْتِمْتَاعُ بها؛ فَيَجْوزُ له التَّزْوِيجُ كالمُدَبَّرَةِ.
والثاني: قال في القَدِيمِ: لا يُزوِّجُهَا إلاَّ بِرِضَاهَا؛ لأنه يَثْبُتُ لها حَقُّ حُرِّيَّةٍ ما لا يملك إبطالها، فلا يُزَوِّجُهَا إِلاَّ بِرِضَاهَا كالمُكَاتَبَةِ.
والثالث: ليس له تَزْوِيجُهَا، وإِن رَضِيَتْ؛ لأن مِلْكَ السَّيِّدِ فيها ضَعِيفٌ وهي نَاقِصَةٌ في نفسها، فصار كَتَزْوِيجِ الأَخِ والعَمِّ الصغير.
وعلى هذا؛ فهل يُزَوِّجُهَا القَاضِي؟ فيه وجهان:
عن أبي إِسْحَاقَ والإِصْطَخْرِيِّ: نعم، ولا بد من رِضَا السَّيِّدِ؛ لأن المَهْرَ له، ومن رِضَاها؛ لأن الاسْتِمْتَاعَ بها.
وعن ابن أبي هُرَيْرَةَ: المَنْعُ؛ فإن الحاكم بَدَلٌ عن السَّيِّدِ، فهذا لم يملك السيد، فالحاكم أَوْلَى.
ويجري الخِلاَفُ في تَزْوِيجِ بِنْتِ المُسْتَوْلَدَةِ؛ فإذا جَوَّزْنَا، فلا حَاجَةَ إلى الاسْتِبْرَاءِ، بخلاف ما في المُسْتَوْلَدَةِ، فإنها كانت فِرَاشاً له.
وابن المُسْتَوْلَدَةِ لا يجبره السيد على النِّكَاحِ، وليس له أن يَنْكِحَ بغير إِذْنِ السيد، فإن أَذِنَ؛ ففيه وجهان 12 تَخْرِيجاً من الخِلاَفِ في تَزْوِيجِ المُسْتَوْلَدَةِ ذكره الرُّوَيانِيُّ في "الكافي"، وقد عرفت بما ذكرنا أن قَوْلَهُ في الكتاب: "وقيل لا يجوز إلاَّ برضاها".
وقوله: "وقيل يجوز برضاها" أيضاً، يجوز إِعلامهما بالحاء، وهما قَوْلاَنِ لا وَجْهَانِ، ويقال: إن الآخر مُخَرَّجٌ.
وقوله: "إلاَّ بمُرَاجَعَةِ القَاضي"؛ يوافق المَنْقُول عن أبي إِسْحَاقَ والإصْطَخْرِيِّ -رحمهما الله-.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (فَرْعَانِ: أَحَدُهُمَا:) لَوْ نَكَحَ جَارِيَةً فَوَلَدتْ وَلَدَاً رَقِيقاً ثُمَّ اشْتَرَاهَا لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَوْ وَلَدَتْ مِنْهُ وَلَداً آخَرَ في نِكَاحٍ غُرُورٍ أوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ ثمَّ اشْتَرَاهَا فَهَلْ تُعْتَبَرُ مُسْتَوْلَدَة عَلَيْهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذَا زنا إنْسَانٌ بِأَمَةٍ، وأَتَتْ بِوَلَدٍ من الزِّنَا، ثم مَلِكَهَا لم تصر أُمَّ وَلَدٍ له، ولو مَلِكَ ذلك الوَلَدَ، لم يُعْتَقْ عليه.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: يُعْتَقْ عليه؛ لأنه مُنْعَقِدٌ من مَائِهِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 588
ولو أَوْلَدَ أَمَةَ الغَيْرِ بالنِّكَاحِ، ثم مَلِكَهَا بِشِرَاء، أو غيره، لم تَصِرْ أُمَّ ولد له أيضاً 13؛ لأنها علقت منه بِرَقِيقٍ، والاسْتِيلاَدُ إِنما يَثْبُتُ تَبَعاً لحرية الولد، وإلى ذلك أَشَارَ بقوله -صلى الله عليه وسلم- في مَارِيةَ: "أَعُتَقَهَا وَلَدُهَا" 14، ولو ملكها وهي حَامِلٌ منه، فكذلك الحُكْمُ.
وقال أبو حَنِيْفَةَ -رحمه الله-: تَصِيرُ أُمِّ وَلَدٍ له في الصُّورَتَيْنِ.
ويروى تخصيص الاسْتِيلاَدِ بما إذا مَلِكَهَا حَاملاً، وَوَلَدَتْ عِنْدَهُ، وبه قال مالك والمُزَنِيُّ -رحمهما الله- ولا شَكَّ أن الوَلَدَ يعتق عليه ملكه حَمْلاً أو بعد الانْفِصَالِ.
قال الصَّيْدَلاَنِيُّ: وصورة ملكها حَامِلاً، أن تَضَعَ قبل سِتَّةِ أشهر من يوم مِلْكِهَا، أو إلاَّ يَطَأَهَا بعد المِلْكِ، وتلد لِمَا دون أربع سنين فأما إذا وَطِئَهَا بعد المِلْكِ، وَوَلَدتْ لستة أشهر من وقت الوطء؛ فيحكم بِحُصُولِ العُلُوقِ في مِلْكِ اليَمِينِ، وبِثُبُوتِ الاسْتِيلاَدِ، وحُرْمَةِ الولد، وإن أمكن أن يكون سَابِقاً عليه.
ولو اسْتَوْلَدَ أَمَةَ الغَيْرِ بالشُّبْهَةِ، ثم ملكها، ينظر؛ إن وَطِئَهَا على ظَنِّ أنها زَوْجَتُهُ المملوكة، فالولد رَقِيقٌ، ولا يثبت الاسْتِيلاَدُ.
وإن وَطِئَهَا عن ظَنِّ أنها زَوْجَتُهُ الحرة، أو أَمَتُهُ، فالولد حُرٌّ.
وفي ثُبُوتِ الاسْتِيلاَدِ قَوْلاَنِ، وكذا لو نكح أَمَةً غُرَّ بحريتها، فَأوْلَدَهَا فالولد حُرٌّ، وفي ثُبُوتِ الاسْتِيلاَدِ إذا مَلِكَهَا قولان.
[ويجريان] 15 فيما لو اشْتَرَى أَمَةً شِرَاءَ فَاسِداً وأَوْلدَهَا على ظَنِّ الصحة:
الجزء: 13 - الصفحة: 589
أحدهما: أنه يثبت؛ لأنها عَلِقَتْ منه بِحُرٍّ، فصار كما لو عَلِقَتْ منه في مِلْكِهِ.
والثاني: لا يَثْبُتُ؛ لأنها عَلِقَتْ منه في غير ملْكِ اليمين، فهو كما لو عَلِقَتْ منه في النِّكَاحِ، أو بالزنا، ولأن الاسْتِيلاَدَ لم يَثْبُتْ في الحال، فلا يَثْبُتُ من بَعْدُ، كما لو أَعْتَقَ عَبْدَ الغَيْرِ، ثم مَلِكَهُ.
ولأن الكِتَابَةَ والتَّدْبِيرَ لا يَثْبُتَانِ في مِلْكِ الغَيْرِ حَالاً ولا مَآلاً، فكذلك الاسْتيلاَدُ.
وهذا 16 أظهر القَوْلَيْنِ على ما ذكر الإمَامُ، والموفق ابن طَاهِرٍ في "شرح مختصر الجويني" -رحمهم الله-.
ورأيت في "تَعْلِيقِ الشيخ أبي حَامِدٍ" -رحمه الله- أنه القَوْلُ الجَدِيدُ والأَوَّل القديم.
التفريع: إن أثبتنا الاسْتِيلاَدَ إذا مَلِكَهَا، فَأَوْلاَدُهَا الحَادِثُونَ [بعد ذلك من النكاح أو الزنا حكمهم حكم الأم حتى يعتقوا بموت السيد] 17 والحاصلون قبل أن يَمْلِكَهَا ليس لهم حُكْمُ الأُمِّ، وإن حَصَلُوا بعد الاسْتِيلاَدِ؛ لأنهم حَصَلُوا قَبْلَ ثُبُوتِ الحَقِّ للأُمِّ.
ولو ملكها وهي حَامِلٌ من زَوْجٍ أو زِناً؛ ففي "فَتَاوى القاضي الحُسَيْنِ": أنه لا يَثْبُتُ لذلك الوَلَدِ حُكْمُ الأُمِّ، بل يكون قِنّاً للمشتري؛ اعْتِبَاراً بحالة العلُوقِ.
واعترض عليه بأنه لو اشْتَرَى أَمَةً حَامِلاً، يعتق الحَمْلُ الذي هو أَخُ المشتري تَبَعاً للأُمِّ، وإن كان الأَخُ لا يعتق على الأخ، فلذلك 18 جَازَ أن يقال: إذا كان الوَلَدُ مُتَّصِلاً، يثبت له حُكْمُ الأم.
فأجاب بأن هناك تَثْبُتُ حَقِيقَةُ الحرية، فَيَسْرِي إلى الجَنِينِ، والاسْتِيلادُ حَقُّ الحرية، فلا يَلْزَمُ أن يَسْرِيَ إلى الجَنِينِ، واستشهد عليه بأن ولد المكاتب من أَمَتِهِ يتبعه؛ لأنه يَثْبُتُ له حَقِيقَةُ المِلْكِ فيه.
وولد المُكَاتَبَةِ لا يَتْبَعُهَا في قول؛ لأنه لا يَثْبُتُ لها حَقِيقَةُ المِلْكِ فيه، ويجوز أن يُعَلَمَ قوله في الكتاب: "لم تصر أم ولد له" مع الحاء بالواو ولأن أبا الفرج الزاز ذكر في "أَمَالِيهِ" أن بَعْضَ الأَصْحَابِ -رحمهم الله- فَرَّجَ فيه قَوْلاً مِثْلَ مذهب أبي حَنِيْفَةَ -رحمه الله- أَخْذاً مما إذا أولد جَارِيَتَهُ المَرْهُونَةَ، وقلنا: لا يثبت الاسْتِيلاَدُ، وبيعت في الدين، ثم ملكها يوماً من الدهر.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّانِي:) مُسْتَوْلَدَةٌ اسْتَوْلَدَهَا شَرِيكَانِ ثُمَّ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: وَلَدَتْ أوَّلاً مِنِّي فَهِيَ مُسْتَوْلَدَتِي فَقَدْ صَارَتْ مُسْتَوْلَدَةً فَإِنْ مَاتَا عُتِقَتْ وَالوَلاَءُ مَوْقُوفٌ، وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ فَنِصْفُ الوَلاَءِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 590
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكرنا الفَرْعَ مُصَوَّراً فيما إذا أَوْلَدَ الشَّرِيكَانِ مُكَاتَبَتَهُمَا، والقِنَّةُ في معناها، فإذا أَتَتِ الجَارِيَةُ المشتركة من كل وَاحِدٍ من الشريكين بِوَلَدٍ، ثم اختلفا، وهما مُوسِرَانِ، فقال كل واحد منهما: أنا أَوْلَدْتُهَا وَلَدِي هذا أوَّلاً، وهي مُسْتَوْلَدَتِي، تَفْرِيعاً على أن السِّرَايَةَ لا تَتَوَقَّفُ على أَدَاءِ القيمة، فالجَارَيةُ مُسْتَوْلَدَة باتفاقهما لكن ليس أحدهما بالتَّصْدِيقِ بِأَوْلَى من الآخَرِ، والقولان مجملان، فإن الفرص فيما إذا تَقَارَبَ الوَلَدَانِ في السِّنِّ، فَيُؤْخَذَانِ مَعَاً بالاتِّفَاقِ عليهما وإذا مات أَحَدُهُمَا عُتِقَ نِصْفُهَا مُؤَاخَذَةً للآخر بِإِقْرَارِهِ وإذا مَاتَا عُتِقَ كلها، والوَلاَءُ مَوْقُوفٌ بين عَصَبَتِهِمَا.
ولو كانا مُعْسِرَيْنِ، فهي مُسْتَوْلَدَتُهُمَا، وإذا مات، فالوَلاَءُ بين العَصَبَتَيْنِ بالسوية.
وفيه ما سبق أن الربيع رَوَاهُ، وأن الأَصْحَابَ -رحمهم الله- غَلَّطُوهُ أَوْ أوَّلُوهُ.
فروع مَنْثُورَةٌ:
إذا اسْتَوْلَدَ المُرْتَدُّ أَمَتَهُ، صارت مستولدة 19 إن قلنا ببقاء مِلْكِهِ، وإن قلنا بزواله، لم يَثْبُتِ الاسْتِيلاَدُ في الحال، فإن أَسْلَمَ فعلى القَوْلَيْنِ فيما إذا اسْتَوْلَدَ جَارَيةَ الغَيْرِ بالشُّبْهَةِ، ثم ملكها، كان تَوَقَّفْنَا في المِلْكِ تَوَقَّفْنَا في الاسْتِيلاَدِ أيضاً.
إذا أسلمت مُسْتَوْلَدَةُ الكَافِرِ، أو استولد جَارِيَتَهُ بعدما أسْلَمَتْ، فقد ذكرنا في "البَيْعِ" أنه لا سَبِيلَ إلى بَيْعِهَا، وأنه لا يُجْبَرُ على إعتاقها على 20 الأصح، لكن يُحَالُ بينهما، وتجعل عند امْرَأةٍ ثِقَةٍ، وكَسْبُهَا له، ونَفَقَتُهَا عليه، فإن أسلم رُفِعَتْ الحَيْلُولَة، وإن مات عُتِقَتْ وعن مالك: أنها تُعْتَقُ بِإسْلاَمِهَا.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: تَسْتَسْعِي بِقَدْرِ قيمتها، فإذا أَدَّتْ عُتِقتْ.
وهل للكافر تَزْوِيجهَا؟
إذا جَوَّزْنَا تَزْوِيجَ المُسْتَوْلَدَة؛ فيه وجهان، حكاهما الصَّيْدَلاَنِيّ -رحمه الله-:
أحدهما: وهو الذي أَجَابَ به القَفَّالُ -رحمه الله-: لا؛ لانْقِطَاعِ المُوَالاَةِ باختلاف الدَّيْنِ.
والثاني: نعم؛ بِنَاءً على أنه تَصَرُّفٌ بالمِلْكِ.
وذكر على الوجه الأَوَّلِ أن القَاضِي لا يُزوِّجُهَا أيضاً.
وعن أبي إِسْحَاقَ: أن الحَاكِمَ يُزوِّجُهَا إذا أَرَادَتْهُ، ويكون المَهْرُ له.
وكذلك يُزَوِّجُهَا الحَاكِمُ إذا اختار السَّيِّدُ تَزْوِيجَهَا، وكَرِهَتْ هي، وتصير النَّفَقَةُ على الزوج.
وعنه أيضاً: أنها أَحَقُّ بِحَضَانَةِ الوَلَدِ ما لم تَتَزوَّجْ، فإذا تَزَوَّجَتْ صار الأَبُ أَحَقَّ
الجزء: 13 - الصفحة: 591
بالولد.
إلاَّ أن يكون الولد مُمَيِّزاً، ويخاف أن تَفْتِنَهُ عن دِينِهِ، فلا يترك عنده 21.
في "فَتَاوَى القَفَّالِ": أن العَبْدَ إذا أَوْلَدَ جَارِيةَ ابنه الحُرِّ لا حَدَّ عليه، ويثبت النَّسَبُ، ولا يثبت الاسْتِيلاَدُ؛ لأنه ليس من أَهلِ المِلْكِ، وأن المُكَاتَبَ إذا أَوْلَدَ جَارِيةَ ابنه الحُرِّ، فيحتمل أن يبنى ثُبُوت الاسْتِيلاَدِ [على الخلاف في أنه إذا أوْلَدَ جَارِيَةَ نَفْسِهِ، هل يثبت الاسْتِيلاَدُ] 22.
وأن من وَطِئَ جَارَيةَ بَيْتِ المال يُحَدُّ، فإن أَوْلَدَهَا، فلا نَسَبَ ولا اسْتِيلاَدَ، ولا فَرْقَ في ذلك بين الغَنِيَّ والفقير؛ لأنه لا يجب الإِعْتَاقُ من بيت المال.
وأنه لو أَعْتَقَ مُسْتَوْلَدَتَهُ على مال يَجُوزُ، ولو بَاعَ نفْسَهَا منها، فكذلك على الظَّاهِرِ؛ لأن بَيْعَ العَبْدِ من نَفْسِهِ إِعْتَاقٌ على الحَقِيقَةِ 23 فقيل: أليس يثبتُ الخِيَارُ للسَّيِّدِ في بيعِ العبدِ من نفسِهِ عَلى وجْهٍ، وَفِيه اعتبارُ حُكْم المُعاوضَة.
فقال: ذَلِكَ وَجْهٌ بعيدٌ إذا أَوْلَدَ جاريَتَهُ المُحَرَّمةُ عَلَيْهِ بِرِضَاعٍ أوْ مُصَاهَرَةٍ أَوْ نَسَبٍ، فعليه الحدُّ في قولٍ، والتَّعْزِيرُ عَلى الأَظْهَرِ.
وعلى القولينِ: لَوْ أَوْلَدَهَا، فالولدُ حُرٌّ نَسيبٌ، وتَصِيرُ هي مُسْتَوْلَدَةٌ قال الأصحاب: ولا يتصورُ اجتماعُ هذه الأرحامِ مع وجوبِ الحدِّ إلا في هذه الصورةِ على أحد القولين.
واعلم أن الكلامَ في أحكام المستولدةِ قد مَرَّ مقدماً على الأبواب السالفةِ، فلذلك 24 كانت مُؤْنَة البابِ 25 حَقِيقَةٌ نسأل الله تعالى أن يُخَفِّفَ عَنَّا بحسنِ المعونةِ كُلُّ
الجزء: 13 - الصفحة: 592
تعبٍ ومؤنةٍ وأن يرحمَ ضَعْفَنا كما علم، وأن يحشرنا في زُمْرَةِ مَنْ رحمه.
نختم الكتاب بما بَدَأْنَاهُ به، وهي: حمداً لله ذِي الجَلاَلِ والإِكْرَام، وولي الطَّوْلِ والإنعام، ونقول: الحمد لله الذي هَدَانَا لهذا، وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ، لولا أَنْ هَدَانَا الله.
اللهم صَلِّ على مُحَمَّدٍ، وعلى آل محمد، كلما ذكره الذَّاكِرُونَ، وغَفَلَ عَنْ ذكره الغافلون واغفر لنا ولإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإِيمَانِ، وَلاَ تَجْعَل في قلُوبِنَا غِلاًّ للذين آمَنُوا إنك رَؤُوفٌ رحيم.
قال المصنف -رحمه الله-: تَيَسَّرَ الفَرَاغ منه في ذي القَعْدَةِ الحرام الثلاث عشرة بعد ستمائة عام.
كَمَلَ كتاب فتح العَزِيزِ في شَرْحِ الوَجِيزِ، والحمد لله رَبِّ العالمين 26.
الجزء: 13 - الصفحة: 593