كِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِ
وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلاَ تُكْرَهُ إلاَّ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهِيَةِ، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ (ح) وَقِيَامَانِ، فَإِنْ تَمَادَى الْكُسُوفُ فَهَلْ يَجُوزُ زَيَادَةُ ثَالِثَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإنْ أَسْرَعَ الانْجِلاَء فَهَلْ يُقْتَصَرُ عَلَى وَاحِدَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ 1. قال بعض المفسرين: أراد به صلاة الخُسوف والكسوف.
وقال أبو بكرة: "كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رُكْعَتَيْنِ، حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ" 2. صلاة الكُسوف والخُسوف سنّة مؤكدة، ولا فرق في استحبابها بين أوقات الكراهة وغيرها؛ لأن لها سببًا خلافاً لمالك وأبي حنيفة، وتفصيل مذهبهما ما قدمناه في "فصل الأوقات المكروهة" ثم الكلام في أقلّ هذه الصّلاة وأكملها.
أما أقلها فهو أن يتحرّم بنيّة صلاة الكسوف ويقرأ الفاتحة، ثم يركع ثم يرفع فيقرأ الفاتحة ثم يركع مرة أخرى ثم يرفع ويطمئن ثم يسجد، وكذلك يفعل في الركعة الثانية فهي إذاً ركعتان في كل ركعة قيامان وركوعان كما ذكر في الكتاب، وقراءة الفاتحة في كل ركعة مرتين من حدّ الأقلّ أيضاً.
وقوله: "ركوعان وقيامان" معلم بالحاء والألف.
أما الحاء فلأن أبا حنيفة يقول: ركعتان كسائر الصلوات لكي يطول فيها القراءة.
وأما الألف فلأن في رواية عن أحمد يركع في كل ركعة ثلاث مرات، والأظهر عنه مثل مذهبنا.
لما رِوي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "رَكَع أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ في رَكْعَتَيْنِ وَأْرْبَعَ سَجَدَاتٍ" 3. وقد اشتهرت الرواية عن فعل رسول الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 372
ولو تمادى الكسوف، فهل يزيد ركوعاً ثالثاً فيه وجهان:
أحدهما: نعم، ويحكى عن ابن خزيمة وأبي سليمان الخطابي وأبي بكر 4 الضَّبعي من أصحابنا على هذا الوجه لا يختصّ الجواز بالثَّالث له أن يزيد رابعاً وخامساً حتى ينجلي الكُسوف؛ لما روي أنه: "صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ" 5.
ويروى: "خمسُ رُكُوعَاتٍ" 6 ولا محمل له إلا حالة التّمادي.
وأظهرهما: أنه لا تجوز الزِّيادة كسائر الصَّلوات، لا يزاد على أركانها، وروايات الركوعين أشهر وأصح، فيؤخذ بها، كذلك ذكره الأئمة.
ولو كان في القيام الأول فانْجَلَى الكُسوف لم تبطل الصلاة، ولكن هل يجوز أن يقتصر على قومة واحدة وركوع واحد في كل ركعة فيه وجهان بنوهما على جواز الزّيادة عند التَّمادي إن جوزنا الزِّيادة جوزنا النُّقصان، بحسب مدّة الخُسوف وإلا فلا، ولو تحلَّل من صلاته والخسوف باق، فهل له أن يستفتح صلاة الخُسوف مرة أخرى؟ فيه وجهان خرجوهما على جواز الزيادة في عدد الركوع، والمذهب المنع.
وقوله: "فهل تجوز الزيادة بثالث" أي بركوع ثالث وقيام ثالث، وكذا قوله: "فهل يقتصر على واحد؟ " وفي بعض النسخ: "ثالثة وواحدة" على تأويل الرَّكْعَة والقَوْمَة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأكْمَلُهَا أَنْ يَقْرَأَ فِي القِيَامِ الأَوَّلِ بَعْدَ الفَاتِحَةِ سُورَةَ البَقَرَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ آلَ عِمْرَانَ وَفِي الثَّالِثَةِ النِّسَاءَ وَفِي الرَّابِعَةِ المَائِدَةَ أَوْ مِقْدَارَهَا وَكُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ الفَاتِحَةِ، وُيسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الأوَّلِ بِقَدْرِ مَائَةِ آيَةٍ وَفِي الثَّانِي بِقَدْرِ ثَمَانِينَ وَفِي الثَّالِثِ بِقَدْر سَبْعِينَ وَفِي الرَّابعِ بِقَدْرِ خَمْسِينَ، وَلاَ يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ وَلاَ القَعْدَةَ بَيْنَهُمَا.
قال الرافعي: ولو اقتصر في كل قَومَةِ على قراءة الفاتحة وفي كل ركوع على قدر الطمأنينة جاز، كما في سائر الصلوات، لكن المستحب أن يقرأ في القيام الأَول بعد "الفاتحة" وسوابقها "سُورَةَ الْبَقرة" أو مقدارها إن لم يحسنها، وفي الثاني: "آل عمران" أو مقدارها، وفي الثالث "النساء" أو مقدارها، وفي الرابعة "المائدة" أو مقدارها، وكل
الجزء: 2 - الصفحة: 373
ذلك بعد "الفاتحة" هذا ما ذكره في الكتاب وعزاه الأصحاب إلى رواية البويطي.
قال المزني في: "المُخْتَصَر" يقرأ في القيام الأول البقرة أو مقدارها إن لم يحفظها، وفي الثاني قدر مائتي آية من سورة البقرة، وفي الثالث قدر مائة وخمسين آية منها، وفي الرابع قدر مائة آية منها وكل ذلك بعد الفاتحة، وهذه الرواية هي التي أوردها الأكثرون وليستا على الاختلاف المحقق، بل الأمر فيه على التَّقريب وهما متقاربتان.
وقد روى الشَّافعي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- بإسناده قال: "خُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ فَصَلَّى وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِياماً طَوِيلاَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِياماً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامٍ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوع الْأوَّلِ ثُمَّ رَفَع فَقَامَ طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعَ الأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ" 7.
وأما قدر مُكْثِهِ في الرُّكوع فينبغي أن يسبح في الركوع الأول بقدر مائة اآية من "البقرة" وفي الثاني بقدر ثمانين منها، وفي الثّالث بقدر سبعين، وفي الرابع بقدر خمسين والأمر فيه على التَّقريب، ولذلك قال كثير من الأصحاب، يسبح في الركوع الثاني بقدر ثمانين آية إلى تسعين.
وقال صاحب "الإفصاح" يسبح في الثالث بقدر خمسين أو سبعين آية.
ويقول في الاعتدال 8 عند كل ركوع: "سمع الله لمن حمده" و"ربنا لك الحمد".
الجزء: 2 - الصفحة: 374
وهل يطوّل السجود في هذه الصلاة؟ فيه قولان ويقال: وجهان:
أظهرهما -وهو المذكور في الكتاب-: لا، كما لا يزيد في التَّشهد، ولا يطول القَعْدَة بين السَّجدتين.
والثاني وبه قال ابن سريج-: نعم؛ لأنه منقول في بعض الروايات مع تطويل الركوع أورده مسلم في "الصحيح" ويحكي هذا القول عن رواية "البويطي" ونقله أبو عيسى التِّرمذي في "جامعه" عن الشَّافعي -رضي الله عنه- أيضاً 9.
قال الغزالي: وَيُسْتَحبُّ أَنْ تُؤَدَّى بِالْجَمَاعَةِ، وَأَنْ يَخْطُبَ الإِمَامُ بَعْدَهَا خُطْبَتَيْنِ كَمَا فِي العِيدِ وَلاَ يَجْهَرُ (م) فِي صَلاة الكُسُوفِ وَيَجْهَرُ فِي الخُسُوفِ.
قال الرافعي: في الفصل ثلاث مسائل:
إحداها: أنه يستحب الجماعة في صلاة الخسوفين.
أما في خسوف الشمس فقد اشتهر إقامتها بالجماعة عن فعل رسول الله وكان يُنَادَى لَهَا الصَّلاةَ جَامِعَةً 10.
وأما في خسوف القمر، فلما روي عن الحسن البصري قال: "خَسَفَ الْقَمَرُ وابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- بالبَصْرَةِ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ ركعةٍ رُكُوعَانِ، فَلَمَّا فَرَغَ = أن كلام الرافعي قد يحمل على ما قاله الماوردي بأن يقال الرفع للأول قيام وليس باعتدال في الاصطلاح إنما الاعتدال بقول الثاني.
قال في المهمات: وأغرب العجلي فحكى الخلاف في الاعتدال من الركوع الثاني وصحح أنه يستحب لصحة الحديث فيه، لكن في القوت ما يخالفه حيث قال، وحكى العجلي عن بعض المصنفين أنه لا يقول في الركوعين الزائدين سمع الله لمن حمده.
قال: وأخطأ فيه، ومقتضاه حكاية الخلاف في الركوعين الزائدين خاصة.
الجزء: 2 - الصفحة: 375
رَكِبَ وَخَطَبَنَا، وَقَالَ: صَلَّيْتُ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ رسول الله يُصَلِّي بِنَا" 11.
وإنما تقام الجَمَاعة لهما في المسجد دون الصَّحراء لما قدمنا من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه- ولأن هذه الصَّلاة بعرض الفَوَات بالانجلاء.
واعلم قوله: "ويستحبّ أن تؤدى بالجماعة" بالحاء والميم؛ لأن عند أبي حنيفة لا تؤدى صلاة خسوف القمر بالجماعة، بل يؤدونها منفردين.
وعند مالك -رحمه الله- لا يصلون له أصلاً، واللفظ يشمل الصَّلاتين جميعاً، ويجوز أن يعلّم بالواو أيضاً؛ لأن إمام الحرمين قال: ذكر شيخنا الصيدلاني من أئمتنا من خرج في صلاة الخسوفين وجهاً؛ أن الجماعة شرط فيها كالجمعة، ولم أجده في كتابه هكذا لكن قال: خرج أصحابنا وجهين في أنها، هل تصلّى في كل مسجد أو لا تكون إلا في جماعة واحدة؟ كالقولين في العيد.
الثانية: يستحبُّ للإمام أن يخطب بعد الصلاة خطبتين بأركانهما وشرائطهما المذكورة في صلاة الجمعة 12، ولا فرق بين أن يقيموا الجماعة في مصر أو يقيمها المسافرون في الصَّحراء.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله- لا خطبة في هذا الباب أصلاً.
لنا ما روى عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لما خُسِفَتِ الشَّمْسُ صَلَّى فَوَصَفَت صَلاتَهُ، ثُمَّ قالت فَلما انْجَلَت انْصَرَفَ وخطب الناس وذَكَرَ اللهِ تَعَالى جَدُّهِ واثْنَى، عَلَيْهِ" 13. وينبغي للإمام أن يحثَّ الناس في هذه الخطبة على الخير والتوبة عن المعاصي، ومن صلى منفرداً لم يخطب، فإن الغرض من الخطبة تذكير الغير.
فإن قلت: قضية التّشبيه في قوله: "كما في العيد" أن يكبر في أوَّل الخطبتين كما يفعل في خُطْبتي العيد، فهل هو كذلك أم لا؟.
فالجواب: أنّ كُتُبَ الأصحاب ساكتة عن التَّصريح بذلك مع تعرّضهم لأذكارها المفروضة والمندوبة على التّفصيل، وأعادها هاهنا ولو كان التّكبير مشروعاً هاهنا لأعادوا ذكره، سيما في المطوّلات، فإذًا المراد تشبيهُها بخطبتي العيد في تأخيرها عن الصَّلاة على الإطلاق -والله أعلم-.
الجزء: 2 - الصفحة: 376
الثالثة: يستحبُّ الجهر بالقراءة؛ في صلاة خُسوف القمر والإسرار في خسوف الشمس.
وبه قال مالك وأبو حنيفة خلافاً لأحمد -رحمهم الله- حيث قال: "يجهر فيها أيضاً" وبه قال أبو يوسف، وفيما ذكره الصَّيدلاني أن مثله يروى عن أبي حنيفة.
لنا ما روى ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه حكى صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- في خُسوف الشمس فقال: "قرأَ نَحْواً مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ" 14. ولو جهر لكان لا يقدره وروي عنه أنه قال: "كُنْتُ إِلى جَنْبِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ حَرْفاً" 15.
وقوله في الكتاب: "ولا يجهر في صلاة الكُسُوف، ويجهر في صلاة الخُسُوف" تخصيص للفظ الكُسُوف بالشَّمس والخسوف بالقمر وقد قيل بذلك" لكن استعمال كل واحد من اللَّفظين فيهما صحيح سائغ في اللغة.
وتجوز أن يعلّم قوله: "ولا يجهر" بالواو مع الألف؛ لأن أبا سليمان الخطَّابي ذكر أنَّ الذي يجيء على مذهب الشَّافعي -رضي الله عنه- الجهر فيهما واحتجّ له بما روى عن عائشة -رضي الله عنها-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى بِهِمْ في كُسُوفِ الشَّمْسِ وَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ" 16 -والله أعلم-.
قال الغزالي: فُرُوعٌ المَسْبُوقُ إِذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ الثَّانِي لَمْ يُدْرِكِ الرَّكْعَةَ لِأَنَّ الاصْلَ هُوَ الأَوَّلُ.
قال الرافعي: عدّ في "الوسيط" المسائل من هذا الموضع إلى قريب من آخر الباب ثلاثة فروع، وهذا الفصل يشتمل على أولَّها غرضه الكلام في المسبوق في هذه الصَّلاة فنقول: إن من أدرك الإمام في الركوع الأول من الركعة الأولى فقد أدرك الصَّلاة ولو أدركه في الرّكوع الأول من الرَّكعة الثَّانية كان مدركاً للركعة فإذا سلم الإمام قام وصلى ركعة بركوعين، ولو أدركه في الركوع الثاني من إحدى الرّكعتين فالمنقول عن نصّه في البويطي أنه لا يكون مدركاً لشيء من الرَّكعة أصلاً، وعن صاحب "التَّقْرِيب" حكاية قول آخر أنه بإدراك الرّكوع الثاني يصير مدركاً للقومة الَّتي قبله فعلى هذا لو أدرك الرّكوع
الجزء: 2 - الصفحة: 377
الثَّاني من الرّكعة الأولى قام عند سلام الإمام وقرأ وركع.
واعتدل وجلس وتشهَّد وتحلّل ولا يسجد؛ لأن إدراك الركوع إذا أثر في إدراك القيام الذي قبله كان السّجود بعده محسوبًا لا محالة.
واتفق الأصحاب على أن الصَّحيح هو الأول، ووجهوه بأنَّ الركوع الأول هو الأصل، والثَّاني في حكم التابع له ألا ترى أنه لا يصير بإدراكه مدركاً لجميع الركعة ولو صار مدركًا بإدراكه لصار مدركًا لجميع الركعة، كما لو أدرك جزءاً من الرّكوع في سائر الصَّلوات، وأيضاً فإن الأمر بقيام وركوع من غير سجود مخالف لنظم الصَّلوات كلها، وعلى القول الصحيح لو أدركه في عهد القيام الثاني لا يكون مدركًا لشيء من الرَّكعة أيضاً.
إذا عرفت ذلك فقوله في الكتاب: "لم يدرك الرَّكعة" إن أراد به أنه غير مدرك لشيء من الرَّكعة فينبغي أن يعلَّم بالواو، وإن أراد به أنه غير مدرك بجملتها فلا يجوز إعلامه؛ لأن القولين متفقان عليه.
قال الغزالي: وَتَفُوتُ صَلاَةُ الكُسُوفِ بِالانْجِلاَءِ وَبِغُرُوبِ الشَّمْسِ كَاسِفَةً، وَيفُوتُ الخُسُوفُ بِالانْجِلاءِ وبِطُلُوعِ قُرْصِ الشَّمْسِ، وَلاَ يَفُوتُ بِغرُوبِ القَمَرِ خَاسِفاً؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ كُلَّهُ سُلْطَانُ القَمَرِ، وَلاَ يَفُوتُ بِطُلُوع الصُّبْحِ عَلَى الجَدِيدِ لِبَقَاءِ الظُّلْمَةِ.
قال الرافعي: الفرع الثاني: فيما يفوت به هذه الصّلاة.
أَمَّا صلاة خسوف الشَّمس فتقوت بطريقين:
أحدهما: الانجلاء فإذا لم يصلّ حتى انجلت لم يصل.
واحتجّ له بما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فَإِذَا رَأيْتُمْ ذَلكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِي" 17.
دل أنه لا يصلِّي بعده، ثم الاعتبار بانْجِلاَء الكُلِّ أَمَّا انجلاء البعض فلا أثر له، وله أن يشرع في الصَّلاة للباقي كما لو لم ينكسف إلاَّ ذلك القدر ولو حال سحاب، ولم يَدْرِ هل انجلت أم لا؟ فله أن يصلي؛ لأن الأَصل بقاء الكسوف وعلى عكسه لو كانت تحت الغمام فظنَّ الكسوف لم يصل حتى يستيقن.
والثَّاني: أن تغرب كاسفة فلا يصلِّي؛ لأن سلطان الشَّمس النَّهار، وقد ذهب وبطل الانتفاع بضوئها نيّرة كانت أو منكسفة.
وأمَّا صلاة خسوف القمر فتفوت بطريقين أيضاً:
أحدهما: الانْجِلاَء كما سبق.
الجزء: 2 - الصفحة: 378
والثَّاني: طلوع الشمس فإذا طلعت والقَمر بعد خاسف لم يصل؛ لأنَّ سلطان القمر الليل وقد ذهب وبطلت منفعته بطلوع الشمس، ولو غاب القمر خاسفاً، لم يؤثر وجازت الصلاة؛ لأن سلطان القمر باقٍ وهو الليل فغروبه كغيبوبته تحت سحاب خاسفًا.
ولو طلع الفجر وهو خاسف أو خسف بعد طلوع الفجر فقولان:
القديم: أنه ليس له أن يصلِّي لذهاب اللَّيل بطلوع الفجر.
والجديد: أن له ذلك لبقاء ظُلْمَةِ اللَّيل والانتفاع بضوء القمر في هذا الوقت، وعلى هذا لو شرع في الصَّلاة بعد طلوع الفجر، فطلعت الشَّمس في أثنائها لم تبطل صلاته كما لو شرع قبل طلوع الفجر، وكما لو اتَّفق الانجلاء في أثناء الصلاة، وذكر القاضي ابْن كج، أن هذا الانجلاء مخصوص بما إذا غَابَ القمر خاسفاً بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشَّمس، فأما إذا لم يَغِب وبقي خاسفاً، فلا خلاف في أن الشروع في الصَّلاة جائز 18.
قال الغزالي: وَلَوِ اجْتَمَعَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ قُدِّمَ العِيدُ إِنْ خِيفَ فَوَاتُهُ وَإِلاَّ فَقَوْلاَنِ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأخِيرِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ قُدِّمَتِ الجُمُعَةُ عِنْدَ خَوْفِ الفَوَاتِ وَإلاَّ فَقَوْلاَنِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ جَنَازَةٌ مَعَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ فَهِيَ مُقَدَّمَةٌ إِلاَّ الجُمُعَةَ فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا، وَيكْفِيهِ لِلْجُمُعَةِ وَالْكسُوفِ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا لِلْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَلاَ يَبْعَدُ اجْتِمَاعُ العِيدِ وَالْكُسُوفِ فَإِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
قال الرافعي: الفرع الثالث فيما إذا اجتمعت صَلاَتان في وقت واحد، والأَصل فيه تقديم ما يخاف فواته، ويتعلّق أيضاً بالنظر إلى الأوكد، فالأوكد من الصلاة وفيه صور:
أحدها: إذا اجتمع عيد وكسوف نظر إن خيف فوات صلاة العيد لضيق وَقْتها قدمت صلاة العيد، وإن لم يخف فقولان:
أحدهما: وهو رواية البويطي: يبدأ صلاة العيد؛ لأنها أوكد لمشابهتها الفرائض بانضباط وقتها.
وأصحهما: أنه يبدأ بصلاة الكُسوف، لأنه يعرض الفوات بالانْجِلاَءِ.
الثَّانية: لو اجتمع كسوف وجمعة نظر إن خيف فوات الجمعة فهي مقدمة، وإن لم يخف فواتها فقولان:
الجزء: 2 - الصفحة: 379
أحدهما: تقدم الجمعة لافتراضها.
وأصحهما: يقدم الكسوف لخطر الفوات ولو اجتمع الكسوف مع فريضة أخرى، فالحكم كما لو اجتمع مع الجمعة ولو وجد الخسوف في وقت الوتر والتَّراويح قدم صلاة الكسوف، وإن خيف فوات الوتر؛ لأن صلاة الخسوف آكد ولأنها إذا فاتت لا تقضى.
الثالثة: لو اجتمع عيد وجنازة أو كسوف وجنازة قدمت صلاة الجنازة 19 لما يخشى من حدوث التَّغير في الميت ثم لا يتبعها الإمام إذا قدمها بل يشتغل بعدها بغيرها من الصلوات، ولو لم تحضر الجَنَازَةُ أو بعد أو حضرت ولم يحضر الولي أفرد الإمام جماعة ينتظرونها واشتغل بغيرها.
ثم بعد الجنازة يقدم العيد أو الكسوف فيه الكلام الذي سبق.
ولو حضرت وقت الجمعة جنازة ولم يضق وقت الجمعة قدمت الجَنَازة، وإن ضاق قُدِّمت الجمعة لافتراضها.
وقال في "النهاية": قطع شيخي بتقديم صلاة الجنازة؛ لأن للجمعة خلفاً، وهو الظهر والّذي يحذر وقوعه من الميت لو فرض لم يجبره شيء.
وليكن قوله في الكتاب: "إلا الجمعة فإنها تقدم" معلماً بالواو لهذا الوجه.
وتختم هذه الصورة بفصلين:
أحدهما: في الخطبة المأتى بها لِلصَّلاتين المجتمعتين.
أما إذا اجتمع العيد والكسوف فيخطب لهما بعد الصَّلاتين خطبتين، ويذكر فيهما شأن العيد والكسوف.
وأما إذا اجتمع الجمعة والكسوف، فإن اقتضى الحال تقديم الجمعة خطب لها، ثم صلّى الجمعة ثم صلى الكسوف ثم خطب لها، وإن اقتضى الحال تقديم صلاة الكسوف بدأ بها، ثم خطب للجمعة وذكر فيها شأن الكسوف كما أن النبي: "اسْتَسْقَى في خُطْبَتِهِ لِلْجُمُعَةِ ثُمَّ صَلَّى الْجُمُعَةِ" 20.
واعرف في قوله: "ويكفيه للجمعة والكسوف خطبة واحدة" شيئين:
الجزء: 2 - الصفحة: 380
أحدهما: أن المراد من هذا الكلام أنه يكفيه من الخطبة ما كان يكفيه لو لم يصل إلا واحدة من الصَّلاتين وهي خطبتان، ولا يحتاج إلى أربع خطب وليس المراد أنه تكفي خطبة فردة.
وثانيهما: أن كلام الأصحاب ينازع في اللَّفظ الذي ذكره فإنهم قالوا: "لا يخطب للجمعة والكسوف"؛ لأن الخطبة فرض في الجمعة، ولا يجوز التَّشريك بين الفرض والنَّفل، ولكن يخطب للجمعة، ثم يذكر فيها أمر الخُسوف بخلاف العيد والخسوف يجوز أن يقصد بخطبته كلتيهما؛ لأنهما سنتان 21. قالوا: ولهذا قال الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" في مسألة اجتماع العيد والخسوف "ثم يخطب للعيد والخُسوف".
وقال في مسألة اجتماع الجمعة والخسوف: "ثم يخطب للجمعة ويذكر فيها الخسوف " فإذاً اللفظ مؤول، والمعنى أنه لا يحتاج إلى خُطْبَتَيْن لكلِّ صلاة.
والفصل الثَّاني: أن طائفة اعترضت على تصوير الشَّافعي -رضي الله عنه- اجتماع العيد والخسوف، وقالت: هذا محال؛ لأن العيد إما الأول من الشهر، وإما العاشر والكسوف لا يقع إلاَّ في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين، وأجاب الأَصحاب عنه بوجوه:
أحدها: أن هذا قول أهل التَّنْجيم، وأما نحن فنجوّز وقوع الكسوف في غير اليومين المَذْكُورَيْن، فإنَّ الله تعالى على كلِّ شَيْءٍ قدير، وقد نقل وقوع مثل ذلك إذ صح أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ يَومَ مَاتَ إِبْرَاهِيم ابْنُ رسول الله 22.
وروى الزُّبير بن بكَّار -رضي الله عنه- في كتاب "الأَنْسَابِ" أَنَّه تُوُفِّيَ فِي العَاشِرِ من رَبيعٍ الأَوَّلِ" 23. وروى البَيْهَقِيّ مثله عن الواقدي بإسناده 24، وكذلك اشتهر أن قتل
الجزء: 2 - الصفحة: 381
الحسين بن علي -رضي الله عنهما- كان يوم عاشوراء.
وروى البيهقي عن أبي قبيل أنه لما قتل الحسين -رضي الله عنه- كسفت الشَّمْس كسفة بدت الكَوَاكب نصف النَّهَار حتى ظننا أنها هي.
والثاني: هَبْ أَنَّ الكسوف لا يقع إلاَّ في الثَّامن والعشرين أو التَّاسع والعشرين، لكن يجوز أن يوافق العيد اليوم الثَّامن والعشرين بأن يشهد شاهدان على نقصان رجب، ويفرض مثل ذلك في شعبان ورمضان وكانت في الحَقِيقَةِ كاملة فإنَّ اليوم الأول المحسوب من شعبان بناء على شهادتهما يكون من رجب ويومان من أول رمضان يكونان من شعبان، فيبقى سبعة وعشرون ويوافق العيد اليوم الثامن والعشرين.
والثالث: هَبْ أن ذلك لا يقع أصلاً لكن الفقيه قد يصور ما لا يتوقع وقوعه لِتَشْحِيذ الخاطر وتحصيل الدُّرْية في مجاري النظر واستخراج التَّفَاريع الدَّقيقة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلاَ تُصَلَّى صَلاَةُ الكُسُوف لِلْزَّلاَزِلِ وَغَيْرِهَا مِنَ الآيَاتِ.
قال الرافعي: فيما سوى كسوف النّيرين من الآيات كالزَّلازل والصَّواعق والرياح الشديدة لا يصلّي له بالجماعة إذ لم يثبت ذلك عن رسول الله ولكن يستحب له الدعاء والتّضرع.
روي عن ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- قال: "مَا هَبَّتْ رِيحٌ قَطُّ إِلاَّ جَثَا النَّبِيُّ على رُكْبَتَيْهِ، وقال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً، وَلاَ تَجْعَلْهَا عَذَاباً اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحاً وَلاَ تَجْعَلْهَا رِيحاً" 25. وكذلك يستحب لكلِّ أحد أن يصلّي منفرداً لئلا يكون على غفلة إن حدثت حادثة، فلذلك قال في الكتاب: "ولا يصلِّي صلاة الكسوف" أي كما يصلي للكسوف ولم يقل: ولا يصلي مطلقاً.
وليكن قوله: "ولا يصلي" معلَّماً بالألف؛ لأن عند أحمد يصلّي جماعة في كل آية وبالواو؛ لأنه ذكر أن الشافعي -رضي الله عنه- روى أن عَلِيّاً -رضي الله عنه- صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ جَمَاعَةً" 26 ثم قال: إن صحَّ قلت به فمن الأصحاب من قال هذا قول آخر له في الزلزلة وحدها، ومنهم من عمَّمه في جميع الآيات 27 -والله
أعلم-.
الجزء: 2 - الصفحة: 382