العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 432-464

وأما الرجل فأين يقف منه؟ ذكر في الكتاب أنه يقف عند صَدْرِه، وكذلك قاله في "النهاية"، والذي ذكره معظم الأصحاب منهم العراقيون والصَّيْدَلاَنِي: أنه يقف عند رأسه ونسبوا الأول إلى أبي علي الطَّبَرِي، واحتجوا لما روي أن أنساً -رضي الله عنه- "صَلَّى علَى جنَازَةِ رَجُل فَقَامَ عِنْدَ رَأسِهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةِ امْرَأَة فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَقَامَ عِنْدَ عَجِيْزَتِهَا، فَقِيلَ لَهُ: أهكَذًا كَانَ يُصَلِّي رَسُولُ اللهِ؟ يَقُومُ عِنْدَ رَأسِ الرَّجُلِ، وَعِنْدَ عَجِيْزَةِ الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ" 1. ورأيت أبا علي قد حكى عن فعل أنس -رضي الله عنه- مثل قوله، وهو الوقوف عند الصَّدر والله أعلم.
ولك أن تعلم قوله: "عند صدر الميت" بالواو لما ذكرناه، وأن تعلمه وقوله: "عند عجيزة المرأة كليهما" بالميم؛ لأن عند مالك يقف عند وسط الرجل، ومَنْكبي المرأة، وأن تعلم الكلمة الثانية بالحاء أيضاً، لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- يقف عند صدر الميت رجلاً كان أو امرأة، وعند أحمد يقف عند صدر الرجل وعجيزة المرأة، كما هو المذكور في الكتاب.
الثانية: أن تقدم على الجَنَازة الحاضرة وجعلها خلف ظهره.
قال في "النّهاية": خرجه الأصحاب على القولين في تقديم المأموم على الإمام ونزلوا الجنازة منزلة الإمام، قال: ولا يبعد أن يقال تجويز التَّقَدُّم على الجَنَازة أَوْلَى، فإنها ليست إماماً متبوعاً حتى يتعين تقدمه، وإنما الجنازة والمصلون على صورة مجرم يحضر باب الملك ومعه شفعاء، ولولا الأَتْبَاع لما كان يتجه قول تقديم الجَنَازة وجوباً، وهذا الذي ذكره إشارة إلى ترتيب الخلاف، وإلاَّ فقد اتفقوا على أن الأصح المنع.
وقوله في الكتاب: "لأن ذلك يحتمل في حق الغائب بسبب الحاجة" جواب عن كلام يحتج به لجواز التقدم على الجنازة، وهو أن الغائب يصلى عليه كما سيأتي مع أنه قد يكون خلف ظهر المصلى، فكذلك إذا كان حاضراً ففرق بينهما بذلك.
قال الغزالي: وَإِذَا اجْتَمَعَتِ الجَنَائِزُ فَيَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ وأنْ يُصَلَّى عَلَى جَمِيعِهِمْ صَلاةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يُوضَعُ (و) بَيْنَ يَدَيِ الإمَامِ بَعْضُهُمْ وَرَاءَ بَعْضِ وَالكُلُّ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ، وَلْيُقَرَّبْ مِنَ الإمَامِ الرَّجُلُ ثُمَّ الصَبِيُّ ثُمَّ الخُنْثَى ثُمَّ المَرْأَةُ، وَلاَ يُقَدَّمُ بِالحُرِّيَّةِ وَإِنَّما يُقَدَّمُ بِخِصَالٍ دِينيَّةٍ تُرَغِّبُ فِي الصَّلاة عَلَيْهِ، وَعِنْدَ التَّسَاوِي لاَ يَسْتَحِقُّ القُرْبَ إلاَّ بِالقُرْعَةِ أَوِ التَّرَاضِي.
قال الرافعي: إذا حضرت جنائز، جاز أن يصلى على كل واحد صلاة وهو الأولى، وجائز أن يصلى على الجميع صلاة واحدة، لأن معظم الفرض من هذه الصلاة

الدعاء للميت، ويمكن الجمع بين عدد من الموتى في الدُّعَاءِ، وقد يقتضي الحال الجمع ويتعذر إفراد كل جنازة بصلاة، ولا فرق في ذلك بين أن يتمحَّض الموتى ذكوراً أو إناثاً أو يجتمع النوع ثم إن اتحد النوع، ففي كيفية وضع الجنائز وجهان، وصاحب "التتمة" حكاهما قولين: أصحهما وهو المذكور في الكتاب: أنَّها توضع بين يدي الإِمَامِ في جهة القِبْلَة بعضها خلف بعض ليكون الإمَام في مُحَاذَاةِ الكُلِّ.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- يُوضع الكُلّ صفاً واحداً رأس كل ميت عند رجل الآخر ويجعل الإمام جميعها على يمينه ويقف في محاذاة الأخيرة، وإن اختلف النّوع فهيئة وضعها ما ذكرنا في الوجه الأول ولا يجيء الوجه الثاني، فإن الرجل والمرأة لا يقفان صفًّا واحداً في الجماعات فكذلك لا يضعان صفاً واحداً.
ويجوز أن يعلم قوله: "بعضهم وراء بعض" بالواو؛ لأن اللَّفظ يشمل حالتي اتحاد النوع واختلافه، وقد ذكرنا في الحالة الأولى وَجْهاً آخر، وهو كذلك معلم بالحاء ثم إذا كان هيئة وضعها ما بينا في الوجه الأول، فمن الذي يلي الإمام من الموتى؟ لا يخلو الحال إما أن تحضر الجنازة دفعة واحدة أو مرتبة.
فأما الحالة الأولى وهي التي تكلم فيها في الكتاب، فينظر إن اختلف النوع فَلْيَلِ الإِمَامُ الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة، لما روي أن سعيد بن العاص "صلى على زيد بن عمر بن الخطاب وأمِّه أمِّ كُلْثُومٍ بنت علي -رضي الله عنهم- فوضع الغلام بين يديه والمرأة خلفه، وفي القوم نحو من ثَمَانِينَ نَفساً من أصحاب النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فَصَوَّبُوهُ وقالوا: هذِهِ السُّنَّةُ" 1. وروي أن ابْنَ عمر -رضي الله عنهما- "صَلَّى عَلَى تَسْعِ جَنَائِزَ، فَجَعَلَ الرِّجَالَ يَلُونَهُ، وَالنِّسَاءَ يَلِينَ الْقِبْلَةَ" 2. ولو حضر جنائز جماعة من الخَنَاثى وضعت صفاً واحداً لئلا تتقدم امرأة على رجل، فإن اتحد النوع فيقرب من الإمام أفضلهم، والمعتبر فيه الورع والخصال التي ترغب في الصلاة عليه، ويغلب على الظَّن كونه أقرب من -رحمة الله تعالى جدّه- ولا يتقدم بالحريَّة بخلاف استحقاق الإمامة فيه الحُرُّ على العبد.
قال في "النهاية": لأن الإمامة في الصلاة تصرف فيها، والحر مقدم على العبد في التصرفات، وإذا ماتا استويا في انقطاع التَّصرف فأقرب معتبر فيه ما ذكرنا، فإن استووا

في جميع الخصال وتنازع الأولياء في القرب، دفع نزاعهم بالقرعة، وإن رضوا بتقريب واحد فذاك.
الحالية الثانية: أن تحضر الجنائز مرتبة، فللسبق تأثير في الباب، فلا تنحَّى الجنازة السابقة للُحُوق أخرى، وإن كان صاحبها أفضل هذا عند اتحاد النوع، ولو وضعت جنازة امرأة، ثم حضرت جنازة رجل أو صبي فتنحى جنازتها وتوضع جنازة الرجل أو الصبي بين يدي الإمام، ولو وضعت جنازة صبي ثم حضرت جنازة رجل لم تنحَّ جنازة الصبي؛ بل يقال لوليه: إما أن تجعل جنازتك خلف الصبي أو تنقله إلى موضع آخر.
والفرق أنَّ الصَّبيّ قد يقف مع الرجل في الصف والمرأة تتأخر بكل حال فكذلك بعد الموت.
وعن صاحب "التقريب" وجه: أنه تنحَّى جنازة الصبي كجنازة المرأة.
فإن قلت: ولى كل ميت أولى بالصلاة عليه، فمن الذي يصلي على الجنازة الحاضرة إذا اقتصروا على صلاة واحدة.
قلنا: كل من لم يَرْضَ بصلاة غيرِه صَلَّى على ميته، وإن رضوا جَمِيعاً بصلاة واحدة فإن حضرت الجنائز مرتّبة فولى السابقة أولى رجلاً كان مَيّتُها أو امرأة، لأن حضرت معاً أُقْرعَ بينهم والله أعلم.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّالِثُ، في كَيْفِيَّةِ الصَّلاَةِ، وأَقَلُّها تِسْعَة أَرْكَانِ: النِّيَّةُ وَالتَّكبِيرَاتُ الأَرْبَعُ وَالسَّلاَمُ وَالفَاتِحَةُ (م ح) بَعْدَ الأُولَى وَالصَّلاةُ عَلَى الرَّسُولِ بَعْدَ الثَّانِيَةِ، وَفِي الصَّلاَةِ عَلَى الآلِ خِلاَفٌ، والدُّعَاءُ للْمَيِّت بَعْدَ الثَّالِثَةِ، وَقِيلَ: يَكْفِي الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِين، وَلَوْ زَادَ تكْبِيرَةٌ خَامِسَةً لَمْ تَبْطُلِ الصَّلاَةُ عَلَى الأَظْهَرِ.
قال الرافعي: الكلام في كيفية هذه الصلاة في الأقل والأكمل.
أما الأقل: فمن أركانها النّية، ووقتها ما سبق في سائر الصلوات، وكذا في اشتراط التعرّض للفرضية الخلاف المقدم، وهل يحتاج إلى التعرض لكونها فرض كفاية أم تكفي نية مطلق الفرض؟ حكى القاضي الرُّويانِيُّ فيه وجهين: أصحهما: الثاني، ثم إن كان الميت واحداً نوى الصَّلاة عليه، وإن حضر موتى نوى الصلاة عليهم، ولا حاجة إلى تعيين الميت ومعرفته، بل لو نوى الصَّلاة على من يصلي عليه الإمام جاز، ولو عين الميت فأخطأ لم تصحَّ صلاته، ويجب على المُقْتَدِي نية الاقْتِداء كما في سائر الصلوات.
ومنها: التَّكبيرات الأربع.
روي عن جابر -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِي "كَبَّرَ عَلَى الْمَيِّتِ أَرْبعاً، وَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأُوْلَى" 1. فلو كَبَّر خمساً لم يَخْلُ إما أن يكون ساهياً أو عامداً، فإن كان

ساهياً لم تبطل صلاته، ولا مدخل للسجود في هذه الصلاة، وإن كان عامداً فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما لو زاد ركعة أو ركناً عمداً في سائر الصَّلَوَات، وهذا الوجه هو المذكور في "التتمة"، و"الوسيط".
وأصحهما: على ما ذكره هاهنا، وبه قال الأكثرون: أنها لا تبطل لثبوت الزيادة عن رسول الله 1 إِلاَّ أنَّ الأربع أولى لاستقرار الأمر عليها واتفاق الأصحاب، وقد حكي عن ابن سريج -رضي الله عنه- أن الاختلافات المَنْقُولة في تَكْبيرات صلاة الجنازة من جملة الاختلاف المباح وأن كل ذلك سائغ، وإن كان مأموماً فزاد إمامه على الأربع فإن قلنا: الزيادة تبطل الصلاة فارقه، وإن قلنا: لا تبطل لم يفارقه، ويتابعه في الزيادة على الأصح من القولين، وهل يسلّم في الحال أو ينتظر ليسلّم معه؟ فيه وجهان: أظهرهما: ثانيهما.
واعلم: أن أركان هذه الصّلاة قد عدّها في الكتاب تسعة، والنية والتكبيرات الأربع خمسة منها، والسادس السلام، وفي وجوب نية الخروج معه ما سبق في سائر الصلوات، ويجوز أن يعلّم بالحاء، لما ذكرنا ثَمَّ هَلْ يَكْفي أن يقول الكلام عليك؟ حكى الإمام تردد الجواب فيه عن الشَّيخ أبي علي، والظاهر المنع.
والسابع قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يقرأ فيها شيئاً من القرآن.
لنا ما روي عن جابر -رضي الله عنه- أن النّبي "قَرَأَ فِيهَا بأُمِّ القُرْآنِ" 2. وقد قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" 3. والسابق إلى الفهم من قوله في الكتاب: "والفاتحة بعد الأولى"، أنه ينبغي أن يكون عُقَيْبهما مقتدمة على الثانية، لكن القَاضِي الروياني وغيره حكوا عن نصه أنه لو أخَرَّ قراءتها إلى التكبيرة الثانية جاز.
والثامن الصَّلاة على النبي بعد الثانية خلافاً لأبي حنيفة ومالك، فإن عندهما لا يجب ذلك كما ذكر في سائر الصلوات.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ" 4. وهل تجب الصلاة على الآل؟ فيه قولان أو وجهان ذكرناهما في غير هذه الصلاة، وهذه الصلاة أوْلَى بأن لا يجب فيها؛ لأنها مبنيَّة على الاخْتِصَار.
= (1319)، ومسلم (954) من حديث ابن عباس، والبخاري (1254، 1318، 1327، 1328، 1333، 3880، 3881)، ومسلم (951) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

والتاسع الدعاء بعد التكبيرة الثالثة للميت.
وعن أبي حنيفة أنه لا يجب ذلك.
لنا ما روي أن النَّبي قال: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا الدُّعَاءَ لَهُ" 1. وفيه وجه: أنه لا يجب تخصيص الميت بالدعاء، ويكفي إرساله للمؤمنين والمؤمنات والميت يندرج فيهم، وهذا الوجه مُعْزَى في "النهاية" إلى الشيخ أبي مُحَمَّدٍ -رحمه الله-، وقدر الواجب من الدعاء ما ينطلق عليه الاسم، أما الأحب فسيأتي والله أعلم.
واعلم: أن القيام واجب في هذه الصلاة عند القدرة على الأصح كما سبق، فيتوجه إلحاقه بالأركان كما أنه معدود من الأركان في الوَظَائِفِ الخمس والله أعلم.
قال الغزالي: فَأمَّا الأكْمَلُ فَأَنْ يَرفعَ (م ح) اليَدَيْنِ في التَّكْبِيراتِ، وَفِي دُعَاءِ الاسْتِفْتَاحِ والتَّعَوُّذ خِلاَفٌ، وَالأَصَحُّ أَنَّ الاسْتِفْتَاحِ لاَ يُسْتَحَبُّ، ثُمَّ لاَ يُجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ لَيْلاً كَانَ أَوْ نَهَاراً، ويُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِلمُؤْمِنِينَ عِندَ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لِذِكْر بَيْن التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ وَالسَّلاَمِ.
قال الرافعي: لصلاة الجنازة وظائف مندوبة هي توابع للأركان.
فمنها: رفع اليدين في التكبيرات الأربع خلافاً لأبي حنيفة ومالك حيث قالا: لا يرفع إلا في التَّكبيرة الأولى.
لنا: أن ابن عمر وأنساً 2 -رضي الله عنهما- "كَانَا يَرْفَعَانِ فِي جَمِيعِ التَّكْبِيرَاتِ"، وعن عروة 3 وابن المسيب 4 -رضي الله عنهما- مثله، ويجمع يديه بينهما ويضعهما تحت صدره، كما في سائر الصلوات.
ومنها: في قراءة دعاء الاسْتِفْتَاح عُقَيب التكبيرة الأولى وجهان: أحدهما: أنه يقرأ كما في سائر الصلوات، وهذا اختيار القاضي أَبِي الطَّيب والقَفَّال فيما حكاه القَاضِي الرُّوياني.
وأصحهما: أنه لا يقرأ؛ لأن هذه الصلاة مبنيَّة على التَّخفيف، ولهذا لم يشرع فيها الرُّكوع والسُّجود، وشبهوا ذلك بقراءة السورة، لكن صاحب "التهذيب" حكى في قِرَاءَة السُّورة بعد الفاتحة الوجهين أيضاً، وهل يتعوذ؟ فيه وجهان أيضاً، لكن الأصح أنه يتعوَّذ بخلاف دعاء الاستفتاح؛ لأن التعوذ من سنن القراءة كالتَّأْمين عند تمام الفاتحة؛

ولأنه لا يفضي إلى مثل تطويل دعاء الاسْتِفْتَاح، وإذا جمعت بينهما، قلت: هل يستفتح ويتعوذ؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحهما: أنه لا يستفتح وَيتَعَوَّذ.
وقوله في الكتاب: "والأصح أن الاستفتاح لا يستحب" بعد ذكر الخلاف فيهما مشعر؛ لأن الأصح في التعوُّذ الاسْتِحْبَاب، ولك أن تعلم قوله: "والتعوُّذ" بالواو؛ لأنه أثبت الخلاف فيهما جميعاً، وفي كلام الشَّيخ أبي محمد طريقة أخرى قاطعة باسْتِحْبَاب التَّعوذ.
ومنها: أن السُّنة فيها الإسْرار بالقراءة نَهَاراً، وباللَّيل وجهان: أصحهما: وهو ظاهر المَنْصُوص: أنه يسر أيضاً، لأنها قومة شرعت فيها الفَاتحة دون السُّورة، فأشبهت الثَّالثة من المغرب، والثالثة والرابعة من العشاء.
والثاني وبه قال الدَّارِكيُّ أنه يجهر بها؛ لأنها صلاة تفعل ليلاً ونهاراً، فيجهر بها ليلاً كصلاة الخُسُوف، وهذا هو الَّذِي حكاه الإمَامُ عن الصَّيْدَلاَنِي والقَاضي الرُّويانيّ عن أبي حامد.
وقوله في الكتاب: "ليلاً" معلَّم بالواو لهذا.
ومنها: نقل المزنِيُّ في "المختصر" أن عقيب التكبيرة الثانية يحمد الله تعالى ويصلِّي على النَّبي ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، فهذه ثلاثة أشياء أوسطها الصَّلاة على النبي وهن من الأركان على ما سبق ذكرها، وأولها الحمد، ولا خلاف في أنه لا يجب، وهل تستحب؟ نقل المزني فيه وجهين: أحدهما: لا وهو قضية كلام الأكثرين وقالوا: ليس في كتب الشَّافعي -رضي الله عنه- ما نقله المزني.
والثاني: نعم، وهو الذي أورده صاحب "التهذيب" و"التتمة".
قال هؤلاء: ولعل المزني سمعه لفظاً.
وثالثها: الدعاء للمؤمنين والمؤمنات وعامة الأصحاب على استحبابه عُقَيْبَ الصَّلاَة على النَّبي ليكون أقرب إلى الإجابة، وفيه كلام آخر نذكره من بعد.
ومنها: إذا كبر الثالثة فيستحب أن يكون في دعائه للميت "اللَّهم هذا عبدك وابن عبدك، خرج من روح الدنيا وسعتها، ومحبوبه وأحبائه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمداً عبدُك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم إنه نزل بك وأنت خير مَنْزُول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسناً فَزِدْ في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه، وَلَقِّه برحمتك رضاك، وَقِهِ فتنة القبر وعذابه، وأفْسِحْ له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولَقِّه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك برحمتك يا أرحم

الراحمين".
هذا ما نقله المزني في "المختصر"، وورد في الباب عن عوف بن مالك -رضي الله عنه- قال: "صلَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جنازة فحفظت من دعائه "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بالْمَاءِ، وَالثَّلْجِ، وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ وَأَهْلاً خَيْراً مِنْ أَهْلهِ، وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْر، وَعَذَابَ النَّار"، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ ذلِكَ المَيِّتَ 1. وعن ابن القاصّ -رضي الله عنه- دعاء آخر قال في "الشامل": وعليه أكثر أهل خُرَاسَانَ، وهو ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلَّى على الجَنَازة قال: "اللَّهُمَّ اغْفِر لِحَيِّنَا، وَمَيَّتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا، وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإسْلاَمِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَّفَّهُ عَلَى الإيْمَانِ" 2، فإن كان الميت امرأة قال: اللَّهُمَّ هذه أَمَتُكَ وبنت عبدك، ويؤنِّث الكِنَايات، وإن كان الميت طِفْلاً اقتصر على المَرْوِي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ويضيف إليه: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرْطاً لِأبوَيْهِ وَسَلَفاً وَذُخْراً وَعِظَةً وَاعْتِبَاراً وَشَفِيعاً وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَفْرغْ الصَّبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا، وَلاَ تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ، وَلاَ تَحْرِمْهُمَا أَجْرَهُ.
وقوله في الكتاب: "ويستحب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عند الدعاء للميت" أعلم بالواو؛ لأنه حكى في "الوسيط" تردُّداً في ذلك، ثم قال: "والأصح الاسْتحباب" ولعلَّك تقول قوله عند الدعاء للميت يقتضي اسْتِحْبَاب الدُّعاء للمؤمنين والمؤمنات بعد التَّكبيرة الثَّالثة مع الدعاء للميت، والجمهور قاله باستحبابه في الثانية، كما سبق وذكروا أنه يخلص في الثالثة الدّعاء للميت، فكيف سبيل الجمع؟ والتَّردد الذي رواه في "الوسيط" ليس له ذكر في كلام الأصحاب، فعلى ماذا ينزل؟ والجواب: أنَّ إمام الحرمين حكى في اسْتِحْبَابه تردُّداً للأئمَّة في التَّكبيرة الثَّانية ووجه استحبابه؛ لأن الصلاة على النبي في التَّشهد الأخير يستعقب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، فكذلك في هذه الصلاة، فإن أراد حجة الإسلام -قدس الله روحه- هذا التردُّد فالوجه أن يؤول كلمة "عند"، ويقال.
أراد النظر في أنه هل يدعو للمؤمنين والمؤمنات في هذه الصلاة مع الدعاء للميت؟ ويجوز أن يحمل ما ذكره على الدُّعاء الَّذِي ذكره ابْنُ القاص؛ فإنَّه دعاء لِلْمُؤْمنين والمؤمنات وما قبله يختصُّ بالميت، ولا

يبعد أن يقدر فيه تردد، فإن قول من قال يخلص الدُّعاء للميت في الثالثة، ينافي اسْتِحْبَاب هذا الدُّعاء والله أعلم.
وقوله: "ولم يتعرض الشافعي -رضي الله عنه- لذكر بين التكبيرة الرابعة والسلام"، أراد في "المختصر" وعامة كتبه لا على الإطلاق فإن البُويطِيِّ روى عنه أن يقول بينهما: "اللَّهم لا تَحْرمنا أجره ولا تفتنَّا بعده".
هكذا نقل الجمهور، ونقل الصَّيدلاني عن روايته أن يقول: "اللَّهم اغفر لحيِّنا وميتنا".
وحكى قوم: منهم صاحب "التهذيب" الذكر المشهور عن البويطي نفسه، فإن كان كذلك أمكن إِجْرَاء قوله: "ولم يتعرض الشَّافعي -رضي الله عنه-" على إطلاقه، وكيف ما كان فالذكر بينهما ليس بواجب، والظاهر استحبابه، وفي "الكافي" للروياني وجه آخر: أنه لا اسْتِحْبَاب، وإنَّما هو بالخيار بين أن يذكره أو يدعه ويسلم عقيب التكبيرة، وهكذا كان يفعل الإمام محمد بن يحيى -قدس الله روحه- فيما حكاه والدي -رحمه الله- وفي كيفية السَّلام من صلاة الجَنَازة قولان: أصحهما: أن الأولى أن يسلّم تسليمتين: إحداهما: عن يمينه، والأخرى: عن شماله، على ما ذكرنا في سائر الصَّلَوات.
والثاني: قاله في "الإملاء" يَقتصر على تسليمة واحدة؛ لأن مبنى هذه الصلاة على التَّخفيف خوفاً من التَّغيرات التي عساها تحدث في الميت، وعلى هذا فالمنصوص أنه يبدأ بها ملتفتاً إلى يمينه، ويختمها ملتفتاً إلى يساره، فيدير وجهه وهو فيها.
ومنهم من قال: يأتي بها تِلْقَاء وَجْهِه من غير الْتفات.
قال إمام الحرمين: ولا شكَّ أن هذا التردُّد يجري في جميع الصلوات، إذا رأينا الاقْتِصَار على تسليمة واحدة، واختلفوا في أن القولين في أنَّ الأولى تسليمة أو تسليمتان؟ هما القولان المذكوران من قبل في سائر الصلوات أم لا؟ فقال قوم: هما هما.
وقال آخرون: لا، بل هما مُرَتبان على القولين في سائر الصَّلوات إن قلنا: يقتصر فيها على تسليمة واحدة فهاهنا أولى، وإن قلنا: يسلم تسليمتين فهاهنا قولان، وهذا أصح؛ لأن قول الاقْتِصَار في سائر الصَّلَوَاتِ لم ينقل إلاَّ عن القديم، وهو منقول هاهنا عن "الإملاء"، وأنه محسوب من الجديد؛ ولأنهم وجَّهوه ببناء هذه الصَّلاة على التَّخفيف، وهذا لا يجيء في سائر الصلوات ويقتضي الترتيب.
وقد صرح لفظ "المختصر" بتكرير السلام في سائر الصلَّوات.
وقال هاهنا: ثم يسلم عن يمينه وعن شماله.
وهذا القدر يحتمل القولين جميعاً، وعلى قول الاقْتِصَار على التَّسْليمة واحدة هل

يزيد "ورحمة الله"، أم يقتصر على قوله "السلام عليكم"؟ ذكر في "النّهاية" أن الشيخ أبا علي حكى تردداً فيه من طريق الأولى رعاية للاختصار.
قال الغزالي: فَرْعٌ: المَسْبُوقُ يُكَبِّرُ (ح و) كَمَا أَدْرَكَ وَإِنْ كانَ الإِمَامُ فِي أَثْنَاءِ القِرَاءَةِ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ الإمَامِ صَبَرَ إلَى التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ فَيُكَبِّرُ التَّكْبِيرَةَ الثَّانِيَةِ عِنْدَهَا، ثُمَّ إِذَا سَلَّمَ الإمَامُ تَدَارَكَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ، وَلَو لَمْ يُكَبِّرِ الثَّانِيَةَ قَصْداً حَتَّى إذا كَبَّرَ الإِمَامُ الثَّالِثَةَ بَطُلَتْ صَلاَتُهُ إِذْ لاَ قُدْوَةَ إِلاَّ فِي التَّكْبِيراتِ.
قال الرافعي: الفرع يشتمل على مسألتين: إحداهما: لو لحق مسبوق في خلال صلاة الجَنَازَة كبَّر شارعاً، ولم ينتظر تكبيرة الإمام المستقبلة خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: يصبر حتى يكبر معه، فلو لَحِق بعد التّكبيرة الرابعة تعذر الإدراك عنده.
وعن مالك روايتان كالمذهبين كما في سائر الصلوات.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضوا" 1. ولأنه أدرك الإمام في بعض صلاته فلا ينتظر ما بعده كما في سائر الصلوات، ثم في المسألة فروع: أحدها: إذا كبَّر المسبوق اشْتغل بقراءة الفاتحة، وإن كان بعد التَّكبيرة الثَّانية، والامام يصلي على النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أو بعد الثَّالثة والإمام يدعو بناء على أنَّ ما يدركه المَسْبُوق أول صلاته، فيراعى ترتيب صلاة نفسه، كذا ذكره وهو غير صاف عن الإشكال.
الثاني: إذا لحق قبل التّكبيرة الثانية وكبر نظر إن كبر الإمام كلما فرغ من تكبيرة كبر معه الثانية، وسقطت عنه القراءة كما إذا ركع الإمام عقيب تكبيرة في سائر الصلوات، وإن قرأ الفاتحة ثم كبر الإمام الثانية كبر معه، وقد أدرك جميع الصلاة، وإن كبر الإمام قبل فراغه من القراءة، فهل يقطع الفاتحة ويوافقه أو يتم قراءته؟ فيه وجهان كما لو قرأ المسبوق بعض الفاتحة ثم ركع الإمام.
أصحهما: في الموضعين عند الأكثرين منهم: ابن الصباغ والقاضي الروياني: أنه يقطع القراءة ويتابعه، وعلى هذا هل يقرأ بعد الثانية 2 لأنه مَحِلُّ القراءة بخلاف الركوع أم يقال: لما أدرك قراءة الإمام صار مَحِلُّ قراءته مُنْحَصراً فيما قبل الثَّانية، وذكر في "الشَّامل" فيه احتمالين، ولعلَّ الثَّاني أظهر، وصاحب الكتاب أجاب بالوجه الثَّاني، وهو أنه يتم القراءة، ولا يوافقه في التكبيرة الثانية حيث قال: "ثم إن لم يتمكن من التَّكبيرة

الثانية مع الإمام" أي لعدم إتمام الفاتحة صبر إلى التكبيرة الثالثة، يعني يتمّها ويؤخر تكبيرته الثّانية إلى أن يكبر الإمام الثالثة، وإلى هذا الوجه صغو إمام الحرمين.
إذا عرفت ذلك فأعلم قوله: "صبر" بالواو، واعرف أن ذلك الوجه المشار إليه أظهر.
الثالث: إذا فاته بعض التَّكْبيرات تدارك بعد سلام الإمام، وهل يقتصر على التكبير نسقاً أم يأتي بالدعاء والذكر بينها؟ فيها قولان: أحدهما: يقتصر على التَّكبيرات، فإن الجنازة ترفع بعد سلام الإمام، فليس الوقت وقت التطويل.
وأصحهما: أنه يدعو لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا" 1. وكما فاته التّكبيرات فاته الدّعاء، والمستحب أَلاَّ ترفع الجنازة حتى يتم المسبوقون ما عليهم، وإن رفعت لم تبطل صلاتهم، وإن حولت عن قَبَالة القبلة بخلاف ابتداء عقد الصلاة لا يحتمل فيه ذلك والجنازة حاضرة.
المسألة الثانية: لو تخلَّف المقتدي فلم يكبر مع الإمام الثانية أو الثالثة حتى كبر الإمام التكبيرة المستقبلة من غير عذر بطلت صلاته؛ لأن القدوة في هذه الصلاة لا تظهر إلا في التَّكبيرات، وهذا التَّخلف متفاحش شبيه بالتَّخلف بركعة في سائر الصلوات، حكى الإمام المسألة وجوابها عن شيخه وقطع بما ذكره، وتابعهما المصنف -رحمهم الله-.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الرَّابعُ، فِي شَرَائِطِ الصَّلاَةِ: وَهِيَ كَسَائِرِ الصَّلَواتِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الجَمَاعَةُ فِيهَا وَلَكِنْ قِيلَ: لاَ يَسْقُطُ الفَرْضُ إِلاَّ بِأرْبَعَة يُصَلُّونَ جَمْعاً أَوْ آحَاداً، وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِثَلاَثٍ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِوَاحِدٍ، وَفِي الاكْتِفَاءِ بِجِنْسِ النِّسَاءِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: الشرائط المرعيّة في سائر الصلوات كالطهارة وستر العورة والاستقبال وغيرها مرعية في هذه الصلاة أيضاً، وأراد بقوله: "وهي كسائر الصلوات" التسوية فيها دون الأركان والسنن، ويجوز أن يعلّم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- هذه الصلاة تفارق غيرها في أمر الطهارة فيجوز التَّيمم لها عند خوف الفَوَاتِ مع وجود المَاء، ومعظم غرض هذا الطَّرف الكلام فيما وقع الخلاف في اشتراطه في هذه الصَّلاة.
إما ما بين أصحابنا أو بيننا وبين غيرنا وفيه مسائل.
منها: أن السُّنَّة أن تقام جماعة كذلك "كان النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- يفعل" 2 وعليه استمر النَّاس، ولا يشترط فيها الجماعة كسائر الصلوات، وَقَدْ صَلَّى الصَحَابَةُ عَلَى الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم-

أَفْرَاداً 1. وفيمن يسقط به فرض هذه الصَّلاة وجوه: أحدها: أنه لا بد من أَربعة يصلون جماعة وأفراداً كما لا بد من أربعة يحملونه، كذا ذكره الشيخ أبو علي وغيره، قال الإمام: هذا التّشبيه هفوة، فإن الحمل بين العمودين أفضل للحاملين، وإنه يحصل بثلاثة كما تقدم.
والثاني: أنه يكفي ثلاثة.
واحتج له بقوله: "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ" 2. خاطب به الجمع وأقله ثلاثة، وهو أصح الوجوه عند الشيخ أبي الفرج البَزَّاز.
والثالث: أنه يسقط الفرض بواحد؛ لأنه لا يشترط فيه الجَمَاعة، فكذلك العدد كسائر الصَّلوات.
والرابع أورده في "التهذيب": أنه لا بد من اثنين ويكتفي بهما بناء على أن أقل الجمع اثنان، وهذا الوجه لم يبلغ الإمام نقلاً لكن قال: هو محتمل جداً؛ لأن الاجتماع يحصل بذلك، وهو كقولنا في مسألة الانفضاض على رأي يكتفى ببقاء واحد مع الإمام.
ونقل جماعة من أئمتنا الوجه الثاني والثالث قولين منصوصين منهم صاحب "الشامل" ومنهم القاضي الروياني، وقال هو وغيره: الظاهر الاكتفاء بواحد والله أعلم.
ويتفرع على هذه الوجوه ما لو تبين حدث الإمام أو بعض المقتدين، إن بقي العدد المكتفي به فالفرض ساقط به وإلا فلا.
وهل الصبيان المميّزون بمثابة البالغين على اختلاف الوجوه؟ فيها وجهان: أظهرهما: نعم، وفي النّساء وجهان: أحدهما: أنهن كالرجال لصحة صلاتهن وجماعتهن.
وأصحهما: ولم يذكر صاحب "التهذيب" وكثيروان سواه-: أنه لا يكتفي بهن وإن كثرن نظراً للميت، فإن دعاء الرجال أقرب إلى الإجابة، وأهليتهم للعبادات ولأن فيه استهانة بالميِّت.
وموضع الوَجْهَيْن: ما إذا كان هناك رجال، فإن لم يكن رجل صلين للضَّرورة منفردات وسقط الفرض.
قال في "العدة": وظاهر المذهب أنه لا يستحب لهن أن يصلين جماعة في جنازة الرجل والمرأة.
وقيل: يستحب ذلك في جنازة المرأة.
قال الغزالي: وَلاَ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الجَنَازَةِ بَلْ يُصَلَّى (م ح) عَلَى الغَائِبِ إِلاَّ (و) إِذَا كَانَ فِي البَلَدِ.

قال الرافعي: تجوز الصَّلاة على الغائب بالنَّية، سواء كان في جهة القِبْلة أو في غير جهتها، والمصلي مستقبل بكل حال.
وبه قال أحمد خلافاً لمالك وأبي حنيفة -رحمهم الله-.
لنا ما روي "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَخْبَرَ بِمَوْتِ النَّجَاشِيِّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى، وَصَفَّهُمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تكْبِيرَاتِ" 1. وهذا إذا كانت الجَنَازة في بلدة أو قرية، ولا فرق بين أن يكون بين الموضعين مسافة القَصْر أو لا يكون، فإن كانت في تلك البلدة، فهل يجوز أن يصلى عليها وهي غير موضوعة بين يديه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم كالغائبة عن البلد.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب -لا، لتيسير الحُضور، وشبه هذا الخلاف بالخلاف في نفوذ القَضَاء على من في البلد مع إمكان الإحضار، وإذا شرطنا حضور الجَنَازة فينبغي أن لا يكون بين الإمام وبينها أكثر من مائتي زراع أو ثلاثمائة على التقريب، حكاه المعلق عن الشيخ أبي محمد.
قال الغزالي: وَلاَ يُشْتَرَطُ (م ح) ظُهُورُ المَيِّتِ بَل تَجُوزُ الصَّلاة عَلَى المَدْفُونِ، وَلَكِنْ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ وَاجِبٌ، فَإِنْ لَمْ تُقَدَّمْ فَلاَ يَفُوتُ بِالدَّفنِ ثُمَّ قِيلَ: إِنَّهُ يُصَلِّي بَعْدَ الدَّفْنِ إِلَى ثَلاَثةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: إِلَى شَهْر، وَقِيلَ: إِلَى انْمِحَاقِ الأَجْزَاءِ، وَقِيلَ: مَنْ كَانَ مُمَيِّزاً عِنْدَ مَوْتِهِ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَمَنْ لاَ فَلاَ، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ أَبدًا، وَمَعَ هَذَا فَلاَ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
قال الرافعي: إذا أقيمت جماعة في صلاة الجَنَازة ثم حضر آخرون، فلهم أن يصلُّوا عليها أفراداً أو في جماعة أخرى، وتكون صلاتهم فرضاً في حقهم، كما أنها فرض في حق الأولين، بخلاف من صلاها مرة لا تستحب له إعادتها فإن المعادة تكون تطوّعاً، وهذه الصلاة لا يتطوع بها، فإن كان قد صلى مرة، وأراد إعادتها في جماعة لم يستحب أيضاً في أظهر الوجهين، ولا فرق بين أن يكون حضور الآخرين قبل الدفن أو بعده، ولا يشترط ظهور الميت، وخالف أبو حنيفة في الحالتين.
أما قبل الدفن؛ فلأن عنده لا يصلى على الجنازة مرتين، وأما بعده فلأن عنده لا يصلى على القبر إلا إذا دفن ولم يصلّ عليه الولي فله أن يصلي على القبر، وهكذا له أن يصلّي عليه قبل الدَّفن إذا كان غَائباً وصلّى عليه غيره، وساعد أبا حنيفة مالك في الفصلين، والخلاف جاء فيما إذا دفن ميت قبل أن يصلى عليه فعندنا يصلى على قبره

ولا ينبش للصلاة ولكن يأثم الدافنون بما فعلوا، فإن تقديم الصلاة على الدفن واجب، وعندهما لا يصلى على القبر.
لنا ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- "أنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ لَيْلاً فَقَالَ: مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ قَالُوا: الْبَارِحَةَ، قَالَ: أَفَلاَ آذنْتُمُونِي.
قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ الْلَيْلِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ وَصَفَّنَا خَلْفَهُ، قَال ابْن عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَأَنَا فِيْهِمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ" 1. ولك أن تعلم قوله في الكتاب: "فلا تفوت بالدفن" بالواو؛ لأن أبا عبد الله الحَنَّاطي حكى عن أبي إسحاق المَرْوَزِي أن فرض الصَّلاة لا يسقط بالصَّلاة على القبر، وإنما يصليِّ على القبر من لم يدرك الصَّلاة، وإلى متى تجوز الصلاة على القبر؟ فيه خمسة أوجه: أحدهما: إلى ثلاثة أيام، ولا تزاد؛ لأنها أول حدِّ الكثرة وآخر حد القلة، ويروى هذا عن أصحاب أبي حنيفة -رحمه الله- حيث جوزوا للوليّ الصلاة على القبر.
والثاني: وبه قال أحمد -رحمه الله-: أنه يصلِّي عليه إلى شهر ولا يزاد، وهذا ما ذكره ابن القاصّ في "المفتاح".
قال القفَّال: يحتمل أنه خرّج ذكل من صلاة النَّبي على النَّجاشي، فإنه كان بينهما مسيرة شهر، ومعلوم أنه لولا الوحي لما علموا بموته إلا بعد شهر، ومنهم من وجهه بما روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ مَغرُورٍ بَعْدَ شَهْرٍ" 2. ولم تنقل الزّيادة عليه.
الثالث: أنه يصلي عليه ما دام يبقى منه شيء في القبر، فإن انمحقت الأجزاء كلها فلا إذ لم يبق ما يصلّى عليه، وعلى هذا لو تردد في انْمِحَاق الأجزاء فلإمام الحرمين -رحمه الله- فيه احْتِمَالان: أحدهما: أن يقال الصَّلاة تستدعي تيقّن البقاء في القبر.
والثاني: أن يقال: الأصل بقاؤه فيجوز وهذا الثاني أْوفق لرواية الصَّيدلاني وآخرين، وأصل الوجه فإنهم نقلوا أنه يصلي عليه ما لم يعلم بلاه.
والوجه الرابع: أنَّه يصلّى عليه من كان من أهل فرض الصَّلاة يوم الموت ولا يصلّى عليه غيره، هكذا رواه الشيخ أبو محمد والصَّيدلاني وغيرهما عن الشيخ أبي زيد، وأشار إليه صاحب "الإفصاح"، ووجهه: بأن من كان من أهل الفرض يومئذ كان الخطاب متوجهًا عليه فمتى أَدَّى كان مؤدياً لفرضه، وغيره لو صلّى كان متطوعاً، وهذه

الصلاة لا يتطوع بها، وروى المُحَامِلِيُّ وطائفة هذا الوجه بعبارة أخرى، فقالوا: من كان من أَهْل الصَّلاة يصلِّي عليه يوم موته ومن لا فلا، فعلى العبارتين معاً من لم يولد عند الموت، أو لم يكن مميزاً لم يكن له أن يصلّي على القبر ومن كان مميزاً حينئذ هل يصح؟ أما على العبارة الأولى فلا؛ لأنه لم يكن من أهل فرضيّة الصلاة، وأما على الثَّانية فنعم، لأنه كان من أَهْل الصَّلاة، والعبارة الأولى أشهر، والثانية أصحّ عند القاضي الروياني، وهي التي يوافقها لفظ الكتاب، فإنه قال: وقيل من كان مميزاً عند موته يصلّي فلا يعتبر إلا التّمييز الذي يعطي أهليّة الصَّلاة دون أهليّة الافتراض.
والوجه الخامس: أنه يصلّي عليه أبداً؛ لأن القصد بهذه الصَّلاة الدُّعاء وهو جائز في الأوقات كلّها، وأظهر الوجوه هو الرّابع، ثم هذا كله في قبر غير النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم-.
فأما الصَّلاَة على قبره فتبنى على الوجوه المذكورة في حق غيره، فعلى الوجوه الأربعة الأولى لا يصلّى عليه اليوم، أما على غير الثَّالث فظاهر، وأما على الثالث فليس الامْتِنَاع؛ لأنه لا يبلى إِذِ الأَرْض لا تَأْكُلُ أَجْسَاد الأَنبياء، ولكن لأنه روى في الخبر أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَنَا أَكْرَمُ عَلَى رَبِّي مِنْ أَنْ يَتْرُكَنِي فِي قَبْرِي بَعْدَ ثَلاَثٍ" 1. وعلى الوجه الخامس هل يصلى عليه؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ" 2. والثاني: نعم، كما في حقِّ غيره، ولكن فرادى لا جماعة كما فعل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويحكى هذا عن أبي الوليد النَّيْسَابُوري.
إذا عرفت ذلك أعلمت قوله: "فلا يصلى على قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" بالواو، ويجوز أن يعلم ما سوى الثَّاني من الوجوه بالألف؛ لأن مذهبه الثاني كما قدمناه.
فائدة: قوله في أول هذا الطرف: "وهي كسائر الصلوات" أراد به في الشّرائط كما قدمناه، ثم الغرض بيان أنَّ شرائط سائر الصَّلوات مرعية فيها؛ لأن شرائط هذه الصَّلاة منحصر فيها؛ لأنه يشترط فيها تقدّم غسل الميّت حتى لو مات في بئر، أو في معدن انْهَدَم عليه، وتعذَّر إخْرَاجه وغسله لم يصلّ عليه، ذكره صاحب "التتمة"، ويشترط فيها أيضاً عدم التقدم على الجنازة الحاضرة بين يديه، وعلى القبر إن كان يصلى عليه على الصحيح.

القَوْلُ فِي الدَّفْنِ

قال الغزالي: وَأَقَلَّهُ حُفْرَةٌ تَحْرُسُ المَيِّتَ عَنِ السِّبَاعِ وَتَكْتُمُ رَائِحَتَهُ، وأَكْمَلُهُ قَبْرٌ عَلَى قَامَةِ الرَّجُلِ، وَاللَّحْدُ أَوْلَى مِنَ الشَّقِّ، وَلْيَكُنِ اللَّحْدُ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ، ثُمَّ تُوضَعُ الجَنَازَةُ عَلَى رَأسِ القَبْرِ بِحَيْثُ يَكُونُ رَأَسُ المَيِّتِ عِنْدَ مُؤَخِّرِ القَبْر فَيَسُلُّهُ الوَاقِفُ إِلى القَبْرِ مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ، وَلاَ يَضَعُ المَيِّتَ فِي قَبْرِهِ إِلاَّ الرَّجُلُ، فَإِنْ كانَتِ امْرَأَةً فَيَتَوَلَّى ذَلِكَ زَوْجُهَا وَمَحَارِمُهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَبِيدُهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَخَصِيَّانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَرْحامٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالأجَانِبُ لِأَنَّهُنَّ يَضْعَفْنَ عَنْ مُبَاشَرَةِ هَذَا الأَمْرِ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ وَاحِدٌ بِوَضْعِهِ فَلْيَكُنْ عَدَد الوَاضِعِينَ وَتْراً.
قال الرافعي: دفن الميت من فروض الكِفَايات كغسله والصلاة عليه والدفن في المقبرة أولى، لينال الميت دعاء المَارِّين والزَّائرين.
"وَكَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ فِي المَقَابِرِ" 1 ويجوز الدَّفن في غير المَقَابِر؛ لأنهم "دَفَنُوا النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ -رَضِيَ الله عَنْهَا- 2. فلو تَنَازع الوَرَثَة فقال بعضهم ندفنه في ملكه، وقال آخرون: بل في المقبرة المسبلة، دفن في المقبرة المسبلة؛ لأن ملكه قد إنتقل إلى الورثة وبعض الشركاء غير راض بدفنه فيه، فلو بادر بعضهم ودفنه فيه كان لِلْبَاقين نقله إلى المَقْبَرَةِ، والأولى أن لا يفعلوا لما فيه من الهتك، ولو أراد بعضهم دفنه في خالص ملكه لم يلزم الباقين قبوله ولو بادر إليه، قال ابن الصباغ: لم يذكره الأصحاب وعندي أنه لا ينقل فإنه هتك وليس في إبقائه إبطال حق الغير.
ولو توافقوا على دفن الميت في ملكه ثم باعوه لم يكن للمبتاع نقله، وله الخيار إن كان جاهلاً به، ثم لو اتفق نقله أو بَلِيَ كان الموضع للبائعين أو للمشتري؟ فيه وجهان سيأتي في البيع نظائرها.
إذا عرفت ذلك ففي الفَصْل مسائل: إحداها: لا يجوز الاقْتِصَارُ في الدَّفن على أدنى احْتِقَار، بل أقل ما في الباب حُفْرة تكتم رائحة الميت وتحرسه عن السِّبَاع لعسر نَبْش مثلها عليها غالباً، وهذان المعنيان كتمان الرائحة والحِرَاسة عن السِّباع ذكرهما إمام الحرمين في حدِّ واجب الدفن وتابعه المصنف فإن كانا مُتَلاَزمين فمتى وجدت إحدى الصِّفتين في الحُفْرة توجد

الأُخْرَى، والغَرَض من ذكرهما بيان الفَائِدَة المَطْلُوبة بالدَّفن، وإن لم يكونا مُتَلاَزمين فبان أنه يجب رعايتهما، ولا يكتفي بأحدهما مقصوداً أيضاً.
وأما الأكمل فيستحب توسيع القَبْرِ وتعميقه، روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "احْفُرُوا وَوَسِّعُوا وَعَمِّقُوا" 1 والمنقول عن لفظ الشَّافِعِيّ -رضي الله عنه- أنه يعمق قدر بسْطَةٍ.
قال المحاملي وغيره: إنما أراد بسطَةً بعد القيام، على ما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: "عَمِّقُوا إِلَى قَدْرِ قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ" 2 وقدره بثلاثة أذرع ونصف وهو قدر ما يقوم الرجل وَيَبْسُطُ يده مرفوعة غالباً، والاعتبار بالأربعة من الرجال، وفيما علق عن الشيخ أبي محمد: أن السنة من التَّعميق بقدر قامة وهو ثلاثة أذرع، وذكر في "النهاية" ما يوافقه، فنقل لفظ البَسْطة وفسَّرها بقامة رجل وبسطة فيشبه أن يكون وجهاً آخر، وهو الذي وافقه لفظ الكتاب، والمشهور في المَذْهب هو الأول.
وقوله في الكتاب: "وأقلّه وأكمله" الكناية فيهما يجوز أن ترجع إلى غير مذكور المعنى وأقل المدفون فيه ويجوز أن ترجع إلى المذكور وهو الدفن، وحينئذ يحتاج الكلام إلى إضمار، ومعناه: وأقل الدَّفن في حفرة والأول أولى؛ لأن واجب الدَّفن لا ينحصر في الدَّفْن في حفرة صفتها ما ذكر، بل يجب مع ذلك وضع الميِّت مستقبل القبلة على ما سيأتي.
وأعلم قوله: "قدر قامة الرجل" بالميم؛ لأن المحكيّ عن مالك: أنه لا حد في تعميق القبر.
المسألة الثانية: اللَّحد والشَّق كل واحد منهما جائز، واللّحد أن يحفر حائط القبر مائلاً عن استوائه من الأسفل [قدر] 3 ما يوضع الميت فيه، وليجعل ذلك من جهة القبلة.
والشق: أن يحفر حفرة كالنهر أو يبنى جانباه باللَّبن أو غيره، ويُجْعل بينهما شقّ يوضع الميت فيه ويسقف وأيهما أولى إن كانت الأرض صلبة فاللحد، وإن كانت رخوة فالشق، وعند أبي حنيفة الشّق أولى بكل حال، هكذا روى جماعة من أصحابنا، وفي مختصر الكَرْخِي وغيره من كتب أصحابه أنه يُلْحَدُ، ولا يشق كمذهبنا.
ووجه تقديم اللّحد ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- "أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا" 4.

وروي: "أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ، والآخَرُ يَشُقُّ فَبَعَثَ الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فِي طَلَبِهِمَا، وَقَالُوا أَيُّهُمَا جَاءَ أَوّلاً عَمِلَ عَمَلَهُ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَجَاءَ الذِي يَلْحَدُ، فَلَحَدَ لِرَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-" 1. الثالثة: توضع الجنازة على شَفِيرِ القبر بحيث يكون رأس الميت عند رجل القبر، ثم يُسَلُّ في القبر من قبل رأسه سَلاًّ رفيقاً وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة بين القبر والقِبْلة، ويدخل القبر عرضاً.
لنا ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ سَلاًّ" 2. وقوله في الكتاب: "ثم تُوضَعُ الجَنَازَةُ عَلَى رَأْسِ القبر" لم يَعْنِ برأس القبر ضد رجله ومؤخره، وإنما أراد طرفه، ألا تراه يقول عُقَيبه: بحيث يكون رأس الميت عند مؤخرة القبر.
الرابعة: لا يدخل الجَنَازَة في القَبرِ إلا الرِّجال ما وجدوا سواء كان الميت رجلاً أو امرأة؛ لأنه يحتاج إلى بطش وقوة، والنساء يضعفن عن مثل ذلك غالباً، ويخشى من مباشرتهنّ لذلك انهتاك الميتة وانكشافهن، ثم أولى الرجال بالدفن أولاهم بالصلاة، نعم الزّوج أحق بدفن الزوجة من غيره ثم بعده المحارم، ويقدم منهم الأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الأخ ثم ابن الأخ ثم العم، فإن لم يكن منهم أحداً فعبيدها، وهم أولى من بني العم؛ لأنهم كالمحارم في جواز النظر ونحوه على الصحيح، وفيه خلاف سيأتي في موضعه، فإن أَلْحَقنَاهُم بالأَجَانِب فلا يتوجه تقديمهم.
وأبدى إمام الحرمين فيهم الاحتمال من جهة أخرى، وهي أن مالكها ينقطع عنهم بالموت، وشبهه بالتردّد في غسل الأَمَةِ مولاها، فإن لم يكن لها عبيد فالخِصْيَان أولى لضعف شهوتهم.
قال الإمام: وفيه احتمال بيِّن سنذكره في أحكام النظر، فإن لم يكونوا فذوو الأرحام الَّذين لا محرميّة لهم، فإن لم يكونوا فأهل الصَّلاح من الأجانب.
قال الإمام: وما أرى تقديم ذوي الأرحام محتوماً بخلاف تقديم المَحَارِم؛ لأن الدين لا محرمية لهم من ذوي الأرحام كالأجانب في وجوب الاجتناب عنهم في الحياة، وقدم "في العدة" صاحبها نساء القرابة على الرجال الأجانب وهو خلاف النص، والمذهب المشهور.
إذا عرفت ما ذكرنا فلا يخفى عليك أن قوله في الكتاب: "زوجها ومحارمها" ليس

للجميع، ولا للتخيير وإنما الأمر فيه على الترتيب، وأن قوله: "فعبيدها" يجوز أن يعلم بالواو، وكذا قوله: فخصيان.
وقوله: "فأرحام" أي: ذووا أرحام.
وقوله: "لأنهن يضعفن عن مباشرة هذا الأمر" تعليل لأول الكلام، وهو قوله: "ولا يضع الميت في قبره إلا الرجال"، ويجوز أن يعلم قوله: "فإن لم يكن فالأجانب" بالواو أيضاً، لما ذكرنا في "العدة".
الخامسة: إن استقل واحد بوضع الميت في القبر، فإن كان طفلاً فذاك، وإلا فالمستحبّ أن يكون عدد الدَّافنين وترًا ثلاثة أو خمسة على [قدر] 1 الحاجة وكذلك عدد الغاسلين، ويروى أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- "دَفَنَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وأُسَامَةُ -رَضِيَ الله عَنْهُمْ-" 2، ويستحبُّ أن يستر القبر عند الدَّفْنِ بِثَوْبٍ رجلاً كان أو امرأة، لكن ستر المرأة آكد، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- يختص الاسْتِحْبَاب بالمرأة، وروي مثله عن أحمد واختاره أبو الفضل بن عبدان من أصحابنا.
لنا ما روي "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا دُفِنَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -رضي الله عنه- سَتَرَ قَبْرَهُ بِثَوْبٍ" 3. والمعنى فيه أنَّهُ ربَّما يَنْكَشِفُ عند الإضْجَاع، وحلّ الشّداد، ويستحب لمن يدخله القبر أن يقول: بسم الله، وعلى ملة رسول الله، وروي ذلك عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 4 "ثُمَّ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَسْلَمَهُ إِلَيْكَ الأَشْحَاء مِنْ وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ، وَقَرَابَتِهِ وإِخْوَانِهِ وفَارَقَهُ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ، وَخَرَجَ مِنْ سِعَةِ الدُّنْيَا وَالْحَيَاةِ، إِلَى ظُلْمَةِ القَبرِ وَضِيقِهِ، وَنَزَلَ بِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بهِ، إِنْ عَقَابتَهُ فَبذَنْبهِ، وإن عَفَوْتَ فَأهْلُ العَفْوِ أَنْتَ، أَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابهِ، وَهُوَ فَقِيرٌ إِلَى رَحْمَتِكَ، اللَّهُمَّ اشْكُر حَسَنَتَهُ، وَاغْفِرْ سَيِّئَتَهُ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَاب الْقَبْرِ، وَاجْمَع لَهُ بِرَحْمَتِكَ الأَمْنَ مِنْ عَذَابِكَ، وَاكْفِهِ كُلَّ هَوْل دُونَ الجَنَّةِ، اللَّهُمَّ فَاخْلَفْهُ فِي تَرِكَتِهِ فِي الْغَابِرِين، وَارْفَعْهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَعُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".
وهذا الدعاء منقول عن لفظ الشَّافِعي -رضي الله عنه- في "المختصر" والله أعلم.
قال الغزالي: ثُمَّ يُضْجَعُ المَيِّتُ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ فِي اللَّحْدِ بِحَيْثُ لاَ يَنْكبُّ وَلاَ

يَسْتَلْقِي، ويُفْضَى بِوَجْهِهِ إلَى تُرَاب أَوْ لَبَنَةٍ، ثُمَّ يُنَضَّدُ اللَّبِنُ عَلَى فَتْحِ اللَّحْدِ، وَتُسَدُّ الفُرَجُ بِمَا يَمنَعُ التُّرَابَ، ثُمَّ يَحْثُو عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ دَنَا ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ يُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ بِالمَسَاحِي.
قال الرافعي: إذا أدخل الميّت القبر أُضجع في اللَّحد على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، كذلك فعل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- 1 وكذلك كان يفعله 2، وليكن الإضجاع بحيث لا يَنْكَب ولا يَسْتَلْقي، وذلك بأن يدني من جدار اللَّحد فيسند إليه وجهه ورجلاه، ويجعل في باقي بدنه بعض التَّجافي، فتكون هيئته قريبة من هيئة الرَّاكعين، ويسند ظهره إلى لَبَنِةِ ونحوها، فهذا يمنعه من الاسْتِلْقَاء، وذلك من الانْكِبَاب، واعلم بأن وضعه مُسْتَقبل القبلة واجب على ما حكاه الجمهور حتى لو دفن مستدبراً أو مستلقياً، فإنه ينبش ويوجه إلى القبلة ما لم يتغير، فإن تغير فقد قال في "التهذيب" وغيره: لا ينبش بعد ذلك.
وحكي عن القاضي أبي الطّيّب أنه قال في "المجرد": التوجيه إلى القبلة سُنَّة، فإذا ترك فيستحبُّ أن ينبش ويوجه ولا يجب، ولو ماتت ذمِّيّة 3 في بطنها جنين مسلم ميت، فيجعل ظهرها إلى القِبْلَة توجيهاً للجنين المسلم إلى القبلة، فإن وجه الجَنين فيما ذكر إلى ظهر الأم وأين تدفن هذه؟ قيل بين مقابر المُسْلمين والكفار.
وقيل: في مقابر المسلمين، وتنزل هي منزلة صندوق للولد، ويروى أن عمر -رضي الله عنه- أمر بذلك 4، وحكي في "العدة" وجهاً آخر، أنها تدفع في مقابر المشركين.
وأما الإضجاع على اليمين فليس بواجب، بل لو وضع على الجنب الأيسر مستقبلاً كره، ولم ينبش، كذلك ذكره في "التتمة" ويجعل تحت رأس الميِّت لبنة أو حجراً، ويفضي بخدِّه الأيْمن إليه أو إلى التراب فذلك أبلغ في الاستكانة ولا يوضع تحت رأسه مخدّة، ولا يُفْرش تحته فِرَاشٌ، حكى العراقيون كراهة ذلك عن نص

الشَّافعي -رضي الله عنه-؛ لأنه لم ينقل عن أحد من السلف، وفيه تَضْييع المال.
وقال في "التهذيب": لا بأس به، إذ روى عن ابْن عبَّاس -رضي الله عنهما- "أنَّهُ جَعَلَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَطِيفَة حَمْراء" 1. ويكره أن يجعل في تَابُوت إلا إذا كانت الأرض رَخْوة أو نَدِيّة، ولا تنفذ الوصية به، إلاَّ في مثل هذه الحالة ثم يكون التَّابوت من رأس المال.
ثم إذا وقع الفراغ من وضع الميت نصب اللّبن علي فتح اللَّحد، روي عن سعد ابْنِ أبي وقّاص -رضي الله عنه- أنه قال: "اصْنَعُوا بِي كَمَا صَنَعْتُمْ بِرَسُولِ اللهِ برسول -صلى الله عليه وسلم- انْصُبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ وأَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ" 2. وتسد فُرَجُ اللَّبنِ بِكَسْر اللّبن مع الطِّين أو بالإِذْخِر ونحوه، ثم يُحْثَى كل من دنا ثلاث حَثَيَات من التُّرَاب بيديه، ثم يهال بالمَسَاحِي روي أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- "حَثَى عَلَى الْمَيت ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعاً" 3. قال في "التَّتمة": ويستحب أن يقول مع الأولى: "منها خلقناكم" ومع الثّانية: "وفيها نعيدكم" ومع الثالثة: "ومنها نخرجكم تارة أخرى" 4. وقوله في الكتاب: "ثم يُنْضَد اللبن" من التَّنْضيد، وهكذا ذكر إمام الحرمين، ولفظ الشافعي -رضي الله عنه- وعليه الأصحاب -رحمة الله عليهم- ينصب وهما جميعاً مؤديان للغرض.
قال الغزالي: وَلاَ يُرفَعُ نَعْشُ القَبْرِ إِلاَّ بِقَدْرِ شِبْرٍ وَلاَ يُجَصَّصُ، ولاَ يُطَيَّنُ، وَلا بَأْسَ بِالحَصَا وَوَضْعِ حَجَرٍ عَلَى رَأْسِ القَبْرِ لِلْعَلاَمَةِ، ثُمَّ التَّسْنِيمُ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْطِيحِ مُخَالَفَةً لِشِعَارِ الرَّوَافِضِ.
قال الرافعي: المُسْتَحب أن لا يزاد في القَبْر على ترابه الذي خرج منه حتى لا يعظم شخوِصه عن الأرض، ولا يرفع نَعْشه إلا قدر شِبْر؛ لما روي عن جابر -رضي الله عنه- "أنَّهُ لُحِدَ لِرَسُولِ اَللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْباً، وَرُفِعَ قَبْرَهُ عَنِ الأَرْضِ قَدْرَ شِبْر" 5. وعن القاسم بن محمد قال: "دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فَقُلتُ يَا أُماه اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلاثَةِ قُبُورِ لاَ مُشْرِفَةٍ ولا لاَطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ ببَطحَاءِ العَرْصَةِ الحَمْرَاءِ" 6. وإنما يرفع نَعْشُ القبر ليعرف فيزاد ويحترم واستنثى في "التَّتِمَّة" ما إذا مات مسلم في بلاد الكفر.
قال: لا يرفع قبره ويخفى كيلا

يتعرّض له الكُفّار إذا خرج المسلمون منها، ويكره تَخْصِيص القبر والكتابة والبناء عليه 1، لما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَخْصِيصِ الْقَبْرِ وإنْ يُبنَى عَلَيْهِ وإنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ وأنْ يُوْطَأَ" 2. ولو بني عليه هُدِمَ كانت المقبرة مُسْبلَة، وإن كان القبر في مِلْكه فلا.
وأما قوله: "فلا يطيّن" فليس له ذكر في أكثر كتب الأصحاب، وإنما ذكره المصنف وإمام الحرمين كأنهما ألحقا التَّطْيين بالتَّجْصِيص، لكن لا يبعد الفرق بينهما، فإن التَّجصيص زينة دون التَّطيين أو الزِّينة في التَّجصيص أكثر، وذلك لا يناسب حال الميت، وقد روي أبو عيسى التّرمذي في "جامعة" عن الشافعي -رضي الله عنه- أنَّه لا بأس بالتَّطيين، وروى مثله عن أحمد، ذلك أن تعلم قوله: "ولا يطين" بالواو والألف، ويستحب أن يرش الماء على القبر ويوضع عليه الحصى، روي ذلك "عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِقَبْرِ ابنِهِ إِبْرَاهِيمَ" 3. "وَرَشَّ بِلاَلٌ -رَضِيَ الله عَنْهُ- عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-" 4. ويستحب أن يوضع عند رأسه صَخْرَة أو خَشَبَة ونحوها.
"وَضَعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- صَخْرَةَ عَلَى رَأْسِ قَبْرِ عُثْمَانُ بْنِ مَظْعُونٍ، وَقَالَ: أُعَلِّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي" 5. وقوله في الكتاب: "ولا بأس بالحصى، ووضع الحجر" لا يقتضي إلا نفي الحُرْمة والكراهة وهما مع ذلك مستحبَّان نص عليه الأئمة كما بيناه فاعرف ذلك، ثم الأفضل في شَكْلِ القبر التَّسْطِيح أو التَّسِنْيم، ظاهر المذهب أن التسطيح أفضل.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله-: التَّسْنِيم أفضل.
لنا أَنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- "سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ إِبْرَاهِيم" 6. "وَعِنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ- رَضِيَ

اللهُ عَنْهُمَا- مُسَطّحَةً" 1. وقال ابن أبي هريرة: إن الأفضل الآن العُدول من التَّسْطِيح إلى التَّسْنِيم؛ لِأَنَّ التَّسْطِيح صار شعاراً للروافض، فالأولى مخالفتهم، وصيانة الميت وأهله عن الاتِّهام بالبدعة، ومثله ما حكي عنه أن الجَهْر بالتَّسمية إذا صار في موضع شعاراً لهم فالمستحبّ الإسرار بها مخالفة لهم، واحتج له بما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَقُومُ إِذَا بَدَتْ جَنَازَة فَأُخْبِرَ أَنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُ ذلِكَ فَتَرَكَ الْقِيَامِ بَعْدَ ذلِكَ مُخَالَفَةَ لَهُمْ" 2. وهذا الوجه هو الذي أجاب به في الكتاب، ومال إليه الشيخ أبو محمد -رحمه الله- وتابعه القاضي الروياني.
لكن الجمهور على أن المذهب الأول.
قالوا: ولو تركنا ما ثبت في السُّنة لإطباق بعض المبتدعة عليه لجرَّنا ذلك إلى تَرْكِ سُنَنِ كثيرة وإذا اطَّرد جرينا على الشيء خرج عن أن يعد شعاراً للمبتدعة.
قال الغزالي: ثُمَّ الأَفْضَلُ لِمُشَيِّعِ الجَنَازَةِ أَنْ يَمْكُثَ إِلَى مُوَارَاةِ المَيِّتِ.
قال الرافعي: عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَن صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ وَرَجَعَ فَلَهُ قِيْرَاطٌ، وَمَن صَلَّى عَلَيْهِا وَلَمْ يَرجِعْ حَتَّى دُفِنَ فَلَهُ قِيْرَاطَانِ أَصْغَرُهُمَا -وَرُوِيَ أحَدُهُمَا- مِثْلُ أُحُدٍ" 3. قال الأَصْحَاب: وللانصراف من الجَنَازَةِ أربع درجات: إحداها: أن ينصرف عُقَيْبَ الصَّلاة فله من الأجر قيراط.
والثانية: أنْ يتبعها حتى تُوَارى ويرجع قبل إِهَالة التُّراب.
والثالثة: أنْ يقف إلى الفَرَاغ من القبر، وينصرف من غير دُعَاء.
والرابعة: أن يقف على القبر، ويستغفر الله تعالى جدُّه للميت، وهذه أقصى الدَّرَجات في الفضيلة، روي أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إذَا فَرَغَ منْ قَبْرِ الرَّجُل وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَال: اسْتَغْفِرُوا اَللهَ لَهُ، وَاسْأَلُوا اللهَ تَعَالَى لَهُ التَّثبِيتَ فَإِنَّهُ الأَنَ يُسْأَلُ" 4. وحيازة القِيْرَاطِ الثَّاني تحصل لصاحب الدَّرَجة الثَّالثة، وهل تحصل لصاحب الثانية؟ حكى الإمام فيه

تردُّداً، واختار الحصول 1. إذا وقفت على ما ذكرنا عرفت أنه ليس الغرض من قوله في الكتاب: "ثم الأَفْضَلُ لمشيع الجنازة... " إلخ أنه الأفضل على الإطلاق بل فوقه ما هو أفضل منه، وإنما المراد أنه أفضل من الانْصِرَاف عُقَيْبَ الصلاة.
ويستحب أن يلقن الميت بعد الدفن، فيقال: يا عبد الله ابن أَمَةِ الله اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن السَّاعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربًّا، وبالإسْلاَم ديناً، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن إماماً، وبالكعبةِ قِبْلَةً، وبالمؤمنين إخواناً، ورد الخبرَ به عن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- 2. قال الغزالي: فَرْعَانِ، الأَوَّلُ: لاَ يُدْفَنُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مَيِّتَان إلاَّ لِحَاجَة، ثُمَّ يُقَدَّمُ الأَفْضَلُ إلَى جِدَارِ اللَّحْدِ، وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلاَّ لِشِدَّةِ الحَاجَةِ، ثُمَّ يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنَ التُّرَابِ.
قال الرافعي: المستحبُّ في حال الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر، كذلك فعل النّبي -صلى الله عليه وسلم- وأمر به، فإن أكثر الموتى بقتل وغيره، وعسر إفراد كل ميت بقبر دفن الاثْنَان والثَّلاثة في قبر واحد 3، لما روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِلأَنْصَارِ يَوْمَ أُحُدٍ احْفُرُوا وَأَوْسِعُوا

وَعَمِّقُوا، وَاجْعَلُوا الاِثْنَيْنِ وَالثَّلاثَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ، وَقَدِّمُوا أكْثَرَهُمْ قُرْآناً" 1. وليقدم الأفضل إلى جدار اللَّحد مما يَلِي الِقْبلة، ويقدم الأب على الابن، وإن كان الابن أَفْضَل لحرمة الأبوَّة، وكذلك تقدم الأمّ على البنت، ولا يجمع بين الرِّجال والنِّساء، إلا عند شدة الحاجة، وانْتِهَائِهَا إلى الضَّرُورَةِ، ويجعل بينهما حاجز من التراب، ويقدم الرَّجل وإن كان ابْناً، والمرأة أمه، فإن اجتمع رجل وامرأة وخُنْثَى وصبي قدم الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة، والسابق إلى الفهم من لفظ الكتاب وإشارة جمع من الأصحاب أنه لا حاجة إلى الحاجز بين الرجلين وبين المرأتين، وإنما الحَاجِزُ عند اختلاف النوع، وذكر العراقيون أنه يجعل بين الرجلين حاجز أيضاً، وكذا بين المرأتين والله أعلم.
قال الغزالي: الثَّاني: القبْرُ يُحْتَرَمُ فَيُصَانُ عَنِ الجُلُوسِ وَالمَشْيِ وَالاْتِّكَاءِ عَلَيْهِ، بَلْ يَقْرُبُ الإِنْسَانُ مِنْهُ كَمَا يَقْرُب مِنْهُ فِي زِيَارَتهِ لَوْ كَانَ حَيَّا، وَلاَ يُنْبَشُ القَبْرُ إِلاَّ إِذَا انْمَحَقَ أَثَرِّ المَيِّتِ بِطُولِ الزَّمَانِ، أَوْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، أَوْ فِي أَرْض مَغْصُوبَةٍ، أوْ فِي كَفَنٍ مَغْصُوبٍ (و)، وَلَوْ دُفِنَ قَبْلَ التَّكْفِينِ لَمْ يُنْبَشْ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَاكْتُفِيَ بالتُّرَابِ سَاتِرَاً، وَلاَ يُصَلَّى عَلَى جَنَازَة مَرَّتَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَحْضُرَ الوَلِيُّ وَقَدْ صَلَّي عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَيُصَلَّى، وَلاَ يُكْرَهُ الدَّفْنُ لَيْلاً، فَإِنْ دُفِنَت ذِمِّيَّةٌ حَامِل بِمُسْلِم دُفِنَتْ بَيْنَ مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ والكُفَّارِ، وَقِيلَ: يُجْعَلُ ظَهْرُهَا إِلَى المَقْبَرَةِ، فَإِنْ ابْتَلَعَ جَوْهَرَةً لِغيْرِهِ وَمَاتَ شُقَّ جَوْفُهُ عَلَى الأَصَحِّ، وِإنْ كَانَتْ لَهُ فَوَجْهَانِ أَيْضاً.
قال الرافعي: أصل الفرع أن القبر محترم توقيراً للميت، ويبنى عليه مسائل: إحداها: أنه يكره الجلوس عليه والاتِّكَاء وكذلك وطؤه إلا لحاجة، بأنْ لا يصل إلى قبر ميته إلا بوطْئِهِ.
وعن مالك: أنه لا يُكْرَهُ شيء من ذلك.
لنا ما روي أنَّ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لِأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقُ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ" 2. الثانية: يستحب زيارة القُبُور للرِّجال؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ" 3. وَأَمَّا النِّسَاء فهل يكره لهن الزيارة؟ فيه وجهان:

أحدهما: ولم يذكر الأكثرون سواه نعم لقلّة صبرهن وكثرة جَزَعهن.
وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ" 1. والثاني: لا.
قال الرُّوياني في "البحر": وهذا أصح عندي إذا أَمِنَ الافْتِتَان.
والسُّنَّة أن يقول الزَّائر: سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون، اللَّهم لا تحرمنا أَجْرَهُم، ولا تَفْتِنَّا بعدهم 2. وينبغي أَنْ يَدنو الزَّائر مِنَ القَبْرِ المَزُور بقدر ما يدنو من صاحبه لو كان حيًّا وزاره، وسئل القَاضِي أبِي الطَّيب عن ختم القُرْآن في المَقَابِر، فقال: الثَّواب للقارئ ويكون الميِّت كالحَاضِرِين يرجى له الرحمة والبركة فيستحبُّ قراءة القرآن في المَقَابر لهذا المعنى، وأيضاً فالدُّعَاء عقيب القراءة أقرب إلى الإجابة والدعاء ينف الميت.
الثالثة: لا يجوز نَبْش القبر إلا في مواضع: منها: أن يبلى الميت ويصير تراباً، فيجوز نبشه ودفن غيره فيه، ويرجع في ذلك إلى أهل الخِبْرة، ويختلف باختلاف أهوية البلاد وأرضها، وإذا بَلِيَ الميت لم يجز عمارة القبر وتسوية التُّراب عليه في المقابر المُسْبَلة، لئلا يتصور بصور القبور الجديد فيدفن فيه من شاء ميته.
ومنها: أن يدفن إلى غير القِبْلَة وقد سبق.
ومنها: أن يدفن من يجب غسله من غير غسل، فظاهر المَذْهَب وهو المذكور في الكِتَاب أنه يجب النَّبش، تداركاً لواجب الغسل، وعن صاحب "التقريب" حكاية قول: أنه لاَ يجب ذلك بل يكره لما فيه من هَتْك الميت، وعلى الأول متى يخرج للغسل؟ فيه وجهان مذكوران في "العدة": أظهرهما: وهو المذكور في "النهاية" و"التهذيب" ما لم يتغير الميِّت.
والثاني: ما دام يبقى جزء منه من عَظْم وغيره.
وعند أبي حنيفة ولو أهيل عليه التراب لم ينبش إلا نبش للغسل، فلذلك أعلم قوله: "أو دفن من غير غسل" بالحاء مع الواو.
ومنها: لو دفن في أرض مَغْصُوبة فالأولى لصاحبها أن يتركه، فإن أبى وطلب

إخراجه كان له ذلك، قال في "النهاية": وأشار الأئمة إلى أنه يخرج وإن تغير وكان في إِخْرَاجه هتك حرمته؛ لأن حرمة الحَيِّ أَوْلَى بالمُرَاعَاة، وَبجُوزُ أن يظن ظَانّ تركه فإنه سيبلى عن قريب، وقد تنزل حرمة الميت منزلة الحي فيما هذا سبيله.
ومنها: لو كفن في ثوب مغصوب أو مسروق ودفن فهل ينبش؟ أورد فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: وهو المذكور في الكتاب نعم، كما ينبش لرد الأرض المَغْصوبة.
والثاني: -وهو الذي ذكره صاحب "الشَّامل"- لا يجوز نبشه؛ لأنه مشرف على الهلاك بالتَّكفين بخلاف الأرض فيعطى حق الهالك، وينقل حكم المالك إلى القيمة، ولأن هتك الحُرْمَة في نزع الكَفَنِ أكثر.
والثَّالث: أن تغير الميت وكان في النَّبش ورد الثّوب هتكه لم ينبش، وإلاَّ نبش ورد.
ومنها: لو دفن في ثوب حرير هل ينبش؟ فيه هذا الخلاف.
ولو دفن من غير كَفَنٍ فهل ينبش ليكفن؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما لو دفن من غير غسل، فإن كل واحد منهما واجب.
وأظهرهما: لا؛ فإن المقصود من التَّكفين ستره واحترامه، وقد ستره التّراب فالاكتفاء به أولى من هتك حرمته بالنبش.
ومنها: لو وقع في القَبْر خاتم أو متاع آخر ينبش ويرد.
ولو ابتلع في حياته مالاً ثم مات، وطلب صاحبه الرد شقّ جوفه ورد.
قال في "العدة": إلا أن يضمن الوَرَثَةُ مثله أو قيمته فلا يخرج ولا يُرَدُّ في أَصَحِّ الوجهين.
وفيه وجه آخر وهو اخْتِيَار القَاضِي أبي الطَّيب: أنه لا يخرج أصلاً، ويجب الغرم من تركته على الورثة.
ولو ابتلع شيئاً من مال نفسه، ومات فهل يخرج؟ فيه وجهان؛ لأنه كالمُسْتهلك لمال نفسه بالابتلاع.
قال أبو العباس الجرجاني في "الشافي": والأصح الإخراج أيضاً.
إذا عرفت ذلك فحيث يشقّ جوفه ويخرج فلو دفن قبل الشَّقِّ ينبش لذلك أيضاً.
وإذ، تأملت ما ذكرناه عرفت أن قوله: "لا ينبش القبر إلا إذا انمحق... " إلى آخره، وإن كان ظاهره يقتضي حصر الاسْتِثْنَاء في الصُّورَةِ المذكورة لكنه ليس كذلك.
فرع: لو مات إِنْسَان في السَّفينة فإن كان أهلها بقرب السَّاحل، أو بقرب جزيرة انتظروا به ليدفنوه في البر وإلا شدوه بين لوحين لئلا ينتفخ وألقوه في البحر، ليلقيه البحر بالسّاحل فلعله يقع إلى قوم يدفنونه، فإن كان أهل الساحل كفاراً ثقل بشيء ليرسب 1.

القَوْلُ فِي التَّعْزِيَةِ وَالبُكَاءِ عَلَى المَيِّتِ

قال الغزالي: (التَّعْزِيَةُ) سُنَّةٌ اِلى ثَلاَثةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ الحَمْلُ عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الأَجْرِ وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ وَلِلْمُصَابِ، وَيُعَزَّى المُسْلِمُ بِقَرِيبِهِ الكَافِرِ وَالدُّعَاءِ لِلْحَيِّ، وُيعَزَّى الكَافِرُ بِقَرِيبِهِ المُسْلِمِ وَالدُّعَاءِ لِلمَيِّتِ، وَيُسْتَحَبُّ تَهْيئَةُ طَعَامٍ لِأَهْلِ المَيِّتِ، وَالبُكاءُ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ نَدْبٍ وَلاَ نِيَاحَةٍ وَمِنْ غَيْرِ جَزَعٍ وَضَرْبِ خَدٍّ وَشَقِّ ثَوْبٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَلا يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِنِيَاحَةِ أَهْلِهِ إلاَّ إِذَا أَوْصَى بِهِ، فَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى = الساحل مسلمين، فإن كانوا كفاراً، ثقل بشيء لينزل إلى القرار، قال أصحابنا: الذي قاله الشافعي أولى، لأنه يحتمل أن يجده مسلم فيدفنه إلى القبلة.
وعلى قول المزني: يتيقن ترك الدفن.
هذا الذي ذكرته هو المشهور في كتب الأصحاب، وذكر الشيخ أبو حامد، وصاحب "الشامل" وغيرهما: أن المزني ذكرها في "جامعه" الكبير، وأنكر القاضي أبو الطيب عليهم وقال: إنما ذكرها المزني في "جامعه" كما قالها الشافعي في "الأم" قال الشافعي" فإن لم يجعلوه بين لوحتين ليقذفه الساحل، بل نقلوه وألقوه في البحر، رجوت أن يسعهم، كذا رأيته في "الأم" ونقل الأصحاب أنه قال: لم يأثموا، وهو بمعناه.
وإذا ألقوه بين لوحين، أو في البحر، وجب عليهم قبل ذلك غسله وتكفينه، والصلاة عليه بلا خلاف، وعبارة "شرح المهذب" قال: أصحابنا -رحمهم الله-: إذا مات في البحر ومعه رفقة، فإن كان بقرب الساحل وأمكنهم الخروج إلى الساحل، وجب عليهم الخروج به، وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، قالوا: فإن لم يمكنهم لبعدهم من الساحل أو لخوف عدو أو سبع أو غير ذلك لم يجب الدفن في الساحل، بل يجب غسله وتكفينه والصلاة عليه، ثم يجعل بين لوحين ويلقى في البحر ليلقيه إلى الساحل، فلعله يصادقه من يدفنه، قال الإمام الشافعي في "الأم": فإن لم يجعلوه بين لوحين ويلقوه إلى الساحل، بل ألقوه في البحر رجوت أن يسعهم هذا لفظه، ونقل الشيخ أبو حامد وصاحب "الشامل" أنَّ الشافعي -رحمه الله- قال: لم يأثموا -إن شاء الله تعالى- وهو معنى قوله: "رجوت أن يسعهم، فإن كان أهل الساحل كفاراً، قال الشافعي في "الأم": جعل بين لوحين وألقي في البحر، وقال المزني -رحمه الله-: يثقل بشيء لينزل إلى أسفل البحر لئلا يأخذه الكفار فيغيروا سنة المسلمين فيه، قال المزني: إنما قال الشافعي أنه يلقي إلى الساحل، إذا كان أهل الجزاءُ مسلمين، أمَّثا إذا كانوا كُفَّاراً فيثقل بشيء حتى تنزل إلى اقرار، قال أصحابنا: والذي نص عليه الشافعي من الإلقاء إلى الساحل أولى؛ لأنه يحتمل أن يجده مسلم فيدفنه إلى القبلة، وأمَّا على قول المزني فيتيقن ترك دفنه، بل يلقيه للحيتان.
هذا الذي ذكرناه هو المشهور في كتاب الأصحاب.
قال الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: إن المزني ذكر مذهبه هذا في جامعه الكبير، وأنكر القاضي أبو الطيب في تعليقه على الأصحاب نقلهم هذا عن المزني وقال: طلبت هذه المسألة في الجامع الكبير فوجدتها على ما قاله الشافعي في الأم.
وذكرها صاحب المستظهري كما ذكرها المصنف فكأنهما اختارا مذهب المزني، قال أصحابنا -رحمهم اللهُ-.
والصحيح ما قاله الشافعي -والله أعلم- ينظر الروضة (1/ 660، 661).

قال الرافعي: في الفصل ثلاث مسائل: إحداهها: التَّعزية سُنة، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن عَزَّى مُصَاباً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ" 1. وينبغي أن يُعَزَّى جميع أهل الميت الكَبير والصغير والرجل والمرأة، نعم الشَّابة لا يُعَزِّيها إلا محارمها، ويكره الجُلُوس لها، ولا فرق فيها بين ما قبل الصَّلاة وبعدها وما قبل الدفن وبعده، فيما يرجع إلى أصل الشريعة، لكن تأخيرها إلى ما بعد الدَّفن حسن لاشتغال أهل الميت قبله بتجهيزه، ولاشتداد حُزْنهم حينئذ بسبب المفارقة.
وعن أبي حنيفة: أن التَّعزية قبل الدفن، فأما بعده فلا، إلى متى تشرع التَّعزية؟ فيه وجهان: أظهرهما: -وهو المَذْكُور في الكتاب- إلى ثلاثة أيام فلا يعزيه بعد ذلك إلا أن يكون المعَزّي أو المعزى غائباً، وهذا لأن الغرض من التَّعزية تَسْكِينُ قلب المصاب، والغالب سُكُون قَلْبِهِ في هذه المّدة فلا يجدد عليه الحُزن.
قال الشيخ أبو محمد فيما علق عنه: وهذه المدة على التَّقْرِيب دون التَّحْديد.
والثاني: حكاه في "النهاية" مع الأول أنه لا أمد تقطع عندها التَّعزية، فإن الغَرض الأعظم منها الدّعاء.
ومعنى التَّعزية الأمر بالصبر، والحمل عليه بوعد الأجر والتَّحْذير عن الوزر بالجزع، والدعاء للميت بالمغفرة، والمُصَاب يجبر المصيبة، فيقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك، وفي تَعْزية المُسْلم بالكافر: أعظم الله أجرك، وأخلف عليك أو جَبَرَ الله مصيبتك، وألهمك الصَّبر وما أشبه ذلك.
وفي تعزية الكافر بالمسلم: غفر الله لميّتك وأحسن عزاك.
ويجوز للمسلم أن يعزي الذّمي بقريبة الذّمي، فيقول: أخلف الله عليك، ولا نقص في عددك وهذا لتكثر الجزية لِلْمُسْلِمِينَ.
الثَّانية: يستحبُّ لجيران المَيِّت والأبعدين من قرابته تهيئة طعام لِأَهْلِ المَيِّت، يشبعهم في يَوْمِهِمْ وليلتهم، فإنَّهم لا يفرغون له، ولو اشْتَغَلُوا به لعيروا.
روي "أنَّهُ لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- اجْعَلُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَاماً، فَقَدْ جَاءَهُمْ أَمْرٌ يُشْغِلُهُمْ" 2. ويستحب إلحاحهم على الأكل ولو اجتمع نساء يَنُحن لم يجز لهنَّ طعام، فإنه إعانة على المعصية.
الثالثة: البكاء على الميِّت جائز قبل زُهُوق الرُّوح وبعده وقبل الزُّهُوق أَوْلَى رُوِيَ

أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فَإذَا وَجَبَ فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكيَةٌ" 1 وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ابْنَهُ إِبْرَاهِيمَ فِي حِجْره، وَهُوَ يَجُودُ بنَفْسِهِ فَذَرَفَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقِيْل لَهُ في ذلِكَ فَقَال: إِنَّهَا رَحْمَةٌ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ، ثُمَّ قَالَ العَيْنُ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبُ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِي رَبَّنَا" 2. والندب حرام، وهو أن يعدّ شَمَائل الميت، فيقال وَاكَهْفَاهُ وَجَبَلاَهُ ونحو ذلك، وكذا النِّيَاحة والجزع بضرب الخَدِّ وشق الثوب ونشر الشَّعر كُلُّ ذَلِكَ حرام، لما روي أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَعَنَ اللهُ النَّائِحَةَ والمُسْتَمِعَةَ" 3. وروي أنه قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ" 4. ولو فعل أهل الميت شيئاً من ذلك لم يعذّب الميت به، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ 5. وما روي من أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" 6. وفي رواية: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَاباً عَلَى عَذَابِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ".
فقد أوّلوه من وجوه: منها: قال المزني: بلغني أنهم كانوا يوصون بالنَّدب 7 والنياحة، وذلك حمل منهم على المَعْصية، وهو ذنب فزيدوا عذاباً بذلك إذا عمل أهلهم بوصيتهم، ولك أَنْ تَقُولُ: ذنب الميّت الحمل على الحرام والأمر به فوجب أَنْ لا يختلف عذابه بالامْتِثَال

وعدمه، فإن كان لامتثالهم أثر فَالإِشْكَالُ بحاله.
ومنها: قال بعضهم: المراد منه أن يُقَالَ للميت إذا ندبوه أكنت كَمَا يقولونه، ولك أَنْ تقول: لا شك أن هذا السلام توبيخ له، وتخويف وهو ضرب من التَّعذيب، فليس في هذا السلام سوى بيان نوع التَّعذيب فلم يعذب بما يفعلون.
ومنها: أن قوله "ببكاء أهله" أي: عند بكاء أهله، وإنما يعذب بذنبه.
قال القَاضي الحُسين: يجوز أن يكون الله تعالى قدر العفو عنه إن لم يبكوا عكليه وانقادوا لقضائه، فإذا جزعوا عوقب بذنبه، وقد روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، ولله مَا كَذَبَ، وَلَكِنَّهُ أَخْطَأ، أَوْ نَسِيَ إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى يَهُودِيَّةٍ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهَا، فَقَالَ إِنَّهُمْ يَبْكُونَ، وإنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا" (1). فهذه الرواية مجراة على ظاهرها، ومبينة أن المراد من قوله: "ببكاء أهله" ما سبق، وكأنه قال: هي معذبة، فما ينفعها بكاؤهم عليها والله أعلم.

بَابُ تَارِك الصَّلاَةِ

2 قال الغزالي: مَنْ تركَ صَلاةً وَاحِدَةً عَمْداً وَامْتَنَعَ عَنْ قَضَائِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الرَّفَاهِيَةِ وَالضَّرُورَةِ قُتِلَ (ح) بِالسَّيْفِ وَدُفِنَ كمَا يُدْفَنُ سَائِرُ المُسْلِمينَ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلاَ يُطْمسُ قَبْرُهُ، وَقِيلَ: لاَ يُقْتَلُ إلاَّ إِذَا صَارَ التَّرْكُ عَادَةً لَهُ، وَقيلَ: إِذَا تَرَكَ ثَلاَثَ صَلَوَاتٍ، واللهُ أَعْلَمُ.
قال الرافعي: أخر حجة الإسلام -رحمه الله- هذا الباب إلى هذا الموضع، وهو في ترتيب المُزَنِّي وجمهور الأصحاب مقدم على كتاب "الجَنَائز" ولعلّه أليق، ومقصود السلام في عقوبة تارك الصلاة، فنقول: تارك الصلاة ضربان: أحدهما: أن يتركها جاحداً لوجوبها، فهذا مرتدٌّ تجري عليه أحكام المرتدين، إلا أن يكون قريب عهد بالإِسْلام، ويجوز أن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يَخْتَصُّ بِالصَّلاة،1

بل يجري في جحود كُلِّ حكم مجمع عليه 1. والثاني: أنْ يتركها غير جاحد، وهو ضربان: أحدهما: أن يترك بعذر من نوم أو نسيان فعليه القضاء لا غير، ووقت القضاء موسع.
والثاني: أن يترك من غير عذر بل كَسَلاً أو تهاوناً بفعلها، فلا يحكم بكُفْرِه خلافاً لأحمد، وبه قال شِرْذَمة من أصحابنا، حكاه الحَنَّاطي وصاحب "المهذب" وغيرهما.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئاً كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّة، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْد، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ" 2. ويشرع القتل في هذا القسم حدًّا، وبه قال مالك خلافاً لأبي حنيفة حيث قال في رواية: لا يتعرض لتارك الصلاة، فهي أمانة بينه وبين الله -تعالى- وحده والأمر فيها موكول إلى الله -تعالى-.
وقال في رواية: إنه يحبس ويؤدب حتى يصلّي، وبه قال المزني.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذَّمَةُ" 3؛ ولأنها ركن من الخمسة لا يدخلها النِّيابة ببدن ولا مال، فيقتل تاركه كالشَّهادتين.
إذا عرف ذلك نُفَرِّع عليه مسائل: إحداها: في عدد الصَّلاة المستحق بتركه القَتْل، وظاهر المَذْهَب اسْتِحْقَاق القَتْلِ بترك صلاة واحدة، فإذا تضيق وقتها طالبناه بفعلها، وقلنا له: إن أخرتها عن وقتها قتلناك، فإذا أخَّرها فقد اسْتَوْجَبَ القتل، ولا يعتبر بضيق وقت الثَّانية، وبهذا قال مالك.

واحتج له بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تَرَكَ صَلاَةً مُتَعَمِّداً فَقَدْ كَفَرَ" 1 أي: استوجب ما يستوجبه الكَافِر.
وهذا قد تَرَكَ صلاة، وُيحْكَى عن أبي إسحاق أنه إنما يستوجب القَتْل إذا ضاق وقت الثَّانية وامتنع عن أدائها.
وعن الإصْطَخُري أنه لا يقتل حتى يترك ثلاث صلوات ويضيق وقت الرابعة، ويمتنع من أدائها هذه هي الرواية المشهورة عنه.
وفي "النهاية" روايتان أخريان عن الإصْطَخْرِي.
إحداهما: أنه إنما يستوجب القَتْلَ إذا ترك أربع صلوات، ويمتنع عن القَضَاءِ.
والثَّانِية: أنه لا تَخْصِيص بعدد، ولكن إِذَا ترك من الصَّلوات قدر ما يظهر لنا به اعتياده الترك وتهاونه بأمر الصلاة فحينئذ يقتل، وقد نقل صاحب "الإفصاح" هذا وجهاً لبعض الأصحاب، وإن لم ينص على قائله، والمذهب الأول والاعتبار بإخراج الصلاة عن وقت العذر والضرورة، فإذا ترك الظهر لم يقتل حتى تغرب الشّمس، وإذا ترك المغرب لم يقتل حتى يطلع الفجر، حكاه الصَّيدلاني وتابعه الأئمة عليه.
الثانية: على اخْتِلاَف الوُجُوه لا بدَّ من الاسْتِتَابة قبل القتل، فإنه ليس بأشدِّ حالاً من المرتدّ والمرتد يستتاب، وهل تكفي الاستتابة في الحال أم يمهل ثلاثاً؟ فيه قولان كما سيأتي ذكرهما في استتابة المرتدِّ، واختار المزنيّ للشَّافعي -رضي الله عنه- أنه لا يمهل، وذكر في "العدة" أنه المذهب، والقولان في الوُجُوب أَوْ فِي الاسْتِحبَاب، حكى المعلق عن الشيخ أبي محمد فيه طريقين: أصحهما: أنهما في الاستحباب.
الثالثة: الظاهر أنه يقتل صبراً بالسَّيف كالمرتد، وهو الذي ذكره في الكتاب.
وعن صاحب "التلخيص": أنه ينخس فيه حديدة، ويقال: قم فصل، فإن قام ترك، وإلا زيد في النخس حتى يصلِّي أو يموت، لأن المقصود حمله على الصَّلاة، فإذا فعل فذاك، وإلا عُوقِبَ كما يعاقب الممتنع من سائر الحُقُوق ويقاتل.
ويروى مثل هذا عَن ابْنِ سريج، ويروى عنه أنه يضرب بالخَشَبِ حتى يصلّي أو يموت.
الرابعة: إذا قتل غسل وصلى عليه، ودفن في مقابر المسلمين، ولا يُطْمَس قبره كسائر أصحاب الكبائر إذا حدوا وقد حكينا من قبل عن صاحب "التلخيص": أنه لا يصلّى عليه ولا يغسل، وإذا دفن في مقابر المسلمين طمس قبره حتى ينسى ولا يذكر، وإن أَرَادَ الإمامُ المُعَاقَبَةَ عَلَى تَرك الصَّلاة فقال قَد صَلَّيْتُ في بيتي صدق.
وإذا عرفت ما ذكرنا أعلمت قوله في الكتاب: "قتل" بالحاء والزاي.
وقوله: "بالسيف" بالواو.
وقوله: "كما يدفن سائر المسلمين" بالواو، وكذا قوله: "ويصلى عليه ولا يطمس

قبره" ولك أن تعلم قوله: "كما يدفن" وقوله: "ويصلى عليه" بالألف، لما حكينا عن أحمد -رحمه الله- أنه يكفر بترك الصلاة.
فرعان: أحدهما: قال حجة الإسلام في "الفَتَاوَى": لو امتنع عن صلاة الجُمعة من غير عذر، وقال: أصليها ظهراً لم يقتل؛ لأن الصوم لم يلحق بالصلاة في هذا الحكم، فالجمعة مع أن لها بدلاً وأعذارها أكثر أولى ألا تلحق 1. الثاني: حكى القاضي الرُّوياني في تارك الوُضُوءِ وجهين: أصحهما: أنه يقتل؛ لأن الامتناع منه امتناع من الصلاة والله أعلم.

جارٍ التحميل