قال الغزالي: المُخْتَصَرُ يُسْتقْبَلُ بِهِ القِبْلَةُ فَيُلْقي عَلَى قَفَاهُ (ح م) وَأُخْمُصَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَيُلَقَّنُ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ، وَتُتْلَى عَلَيْهِ سُورَةُ يس، وَلْيَكُنْ هُوَ فِي نَفْسِهِ حَسَنَ الظَّنِّ بِرَبِّهِ تَعَالَى.
قال الرافعي: يُسْتَحَبُّ لكل أحد ذكر الموت، قال -صلى الله عليه وسلم-: "أكْثِرُوا ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ" 1 يعني الموت.
وينبغي أن يكون مستعدّاً له بالتَّوبة وردّ المظالم، فربُّما يأتيه فجأة، وكل ذلك للمريض آكد، ويستحبُّ له الصَّبْرُ على المرض والتَّدَاوي وترك الأَنِين ما أطاق، ويستحب لغيره عيادته إن كان مسلماً وإن كان ذمياً جازت عيادته، ولا يستحب إلا لقرابة أو جوار أو نحوهما، ثم العائد إن رأى أمارة البُرْءِ دَعَا للمريض وانْصَرَفَ، وإن رأى خِلاَفَ ذلك رغّبه [في التوبة] 2 والوصية إذا عرفت ذلك فغرض الفصل الكلام في "آداب المحتضر"، وقد ذكر منها أربعة:
أحدها: أن يستقبل به القبلة وفي كيفيته وجهان:
أحدهما: أنه يلقى على قفاه وَأَخْمَصَيه إلى القبلة كالموضوع على المُغْتسل.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- أنَّهُ يفجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة كالموضوع في اللّحد؛ لأنه أبلغ في الاسْتِقبَال، والوجه الأول هو المذكور في الكتاب، لكن الثاني أظهر عند الأكثرين، ولم يذكر أصحابنا العراقيون سواه، وحكى عن نص الشَّافعي -رضي الله عنه-.
واحتجوا له بما روي أنه قال: "إِذَا نَامَ أَحَدُكُم فَليَتَوَسَّدْ يَمِينَهُ" 3. واستثنوا ما إذا ضاق المكان فلم يمكن وضعه على جنب أو كان به علَّة تمنع
من ذلك فحينئذ يلقى على قفاه ويجعل مستقبلاً بوجهه ورجليه.
والثاني: تَلْقِينُ كلمة الشَّهَادة، قال: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ قَولَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ" 1.
وقال: "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ" 2.
والأحب أن لا يلحّ الملقّن عليه، ولا يواجهه بأن يقول: قل: لا إله إلا الله، ولكن يذكر الكلمة بين يديه ليتذكرها فيذكرها، أو يقول ذكر الله -تعالى- مبارك، فنذكر الله جميعاً 3، ويقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وإذا قال مرّة لا تعاد عليه إلا أن يتكلّم بعدها بكلام، والأحب أن يلقّن غير الورثة، فإن لم يحضر غيرهم لقّن أشفقهم عليه 4.
والثالث: تتلى عليه سورة "يس"؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اقرءوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ" 5 واستحب بعض التابعين المتأخرين قراءة سورة "الرَّعد" عنده أيضاً.
والرابع: ينبغي أن يكون حسن الظّن باللهِ عز وجل؛ لما روى جابر -رضي الله عنه- قال: "سَمِعْتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول قبل موته بثلاث: "لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ" 6.
ويستحب لمن عنده تحسين ظنّه وتطميعه في رحمة الله -تعالى جدّه-.
قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا مَاتَ تُغْمَضُ عَيْنَاهُ، وَيُشَدُّ لِحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ، وَتُلَيَّنُ مَفَاصِلُهُ وَيُسْتَرُ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ، وَيُوضَعُ عَلَى بَطْنِهِ سَيْفٌ أَوْ مِرْآةٌ.
قال الرافعي: هذا الفصل في الاداب المَشْرُوعة بعد الموت وقبل الغسل.
أولها: أن يغمض عَيْنَيْه؛ لما روي أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَغْمَضَ أَبَا سَلَمَةَ.
لَمَّا مَاتَ" 1 ولأنه لو لم يغمض لبقيت عيناه مفتوحتين وقبح منظره.
وثانيها: أن يُشَدَّ لِحْيَاه بعَصَابَة عريضة، تأخذ جميع لَحْيَيه، ويربطها فوق رأسه لئلا يبقى فمه منفتحاً فتدخله الهَوَام.
وثالثها: أن تلين مفاصله بأن يرد المتعهّد ساعده إلى عَضُده، ثم يمدها ويرد ساقيه إلى فخذيه وفخذيه إلى بطنه ثم يردها، ويلين أصابعه ليكون الغسل أسهل، فإنَّ في البدن بعد مفارقة الروح بقيَّةُ حرارة، إن ألينت المفاصل في تلك الحالة لانت وإلا لم يمكن تليينها بعد ذلك.
ورابعها: يستر جميع بدنه بثوب خفيف؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "لَمَّا تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ" 2.
قال الغزالي: ولا يجمع عليه أَطْبَاق الثِّياب حتى لا يتسارع إليه الفساد، ويجعل أطراف الثَّوب السَّاتر تحت رأسه ورجليه لئلا ينكشف.
وخامسها: يوضع على بطنه شيء ثقيل من سيف أو مرآة أو نحوهما؛ فإن لم يكن حديد فقطعة طين رطب لئلا ينتفخ ويصان المصحف عنه فهذه الخمسة هي المذكورة في الكتاب، ويتولى هذه الأمور أرفق محارمه به بأسهل ما يقدر عليه.
ومنها: أن يوضع على شيء مرتفع من سرير ونحوه لئلا تصيبه نَدَاوَةُ الأرض فيتغير.
ومنها: أن يستقبل به القبلة كما في "المحتضر".
ومنها: أن ينزع عنه ثيابه الَّتِي مات فيها، فإنه على ما حكى يسرع إليه الفساد.
ومنها: أن يبادر إلى قضاء دَيْنِهِ وتنفيذ وصيته إن تيسر ذلك في الحال 3.
قال الغزالي: ثُمَّ يُشْتَغَلُ بِغُسْلِهِ وَأَقَلُّهُ إِمْرَارُ المَاءِ عَلَى جَمِيعِ أَعْضَائهِ، وَفِي وُجُوبِ النِّيَّةِ عَلَى الغَاسِلِ وَجْهَانِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا لَمْ يَصِحَّ مِنَ الكَافِر، وَأُعِيدَ غُسْلُ الغَرِيقِ.
قال الرافعي: يستحبُّ المبادرة إلى الغُسْلِ والتَّجْهِيز عند تحقُّق الموت وذلك بأن يكون به علة، وتظهر أمارات الموت مثل أن تسترخي قدماه فلا ينتصبا أو يميل أنفه أو ينخسف صدْغَاه أو تمتد جلدة وجهه أو ينخلع كفاه من ذراعيه أو تتقلَّص خِصْيَتَاهُ إلى فوق مع تَدَلِّي الجلدة.
وعند الشَّكِّ يتأنَّى إلى حصول اليقين.
وموضعه أن لا يكون به علة، ويجوز أن يكون ما أصابه سَكْتَة أو ظهرت أمارة فزع واحتمل أنه عرض ما عرض لذلك فيتوقف إلى حصول اليقين بتغيُّر الرَّائحة وغيره 1. إذا عرفت ذلك فنقول: غسل الميت من فروض الكفايات، وكذلك التَكفين والصَّلاة عليه والدّفن بالإجماع، والنظر في الغسل في شيئين:
أحدهما: في كفيته.
والثاني: فيمن يغسل.
النظر الأول في كيفيته، والكلام في الأقل والأكمل.
أما الأقل فلا بُدَّ من استيعاب البدن بالغُسْل مرَّة بعد أَنْ يزال ما عليه من النَّجَاسة إن كانت عليه نجاسة، وهل تشترط النّية على الغاسل؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه غسل واجب فافتقر إلى النِّية كغسل الجنابة.
والثاني: لا؛ لأن المقصود من هذا الغسل النَّظافة وهي حاصلة نوى أو لم ينو، وإنما تشترط النية في سائر الأغسال على المغتسل، والميت ليس من أهل النية، وهذا أصح فيما ذكره القَاضي الرُّوياني وغيره، ويترتب على الخلاف صورتان:
إحداهما: لو غسل الكافر مسلماً هل يجزئ؟.
إنْ فرَّعنا على الوجه الأول فلا، وإلاَّ فَنَعَم.
والثانية: لو غرق إنسان ثم لفظه الماء، وظفر نابه إن قلنا بالأول لَمْ يَكْفِ ما سبق ووجب غسله، وإن قلنا بالثاني كفى ذلك، واعرف هاهنا ثلاثة أمور:
أحدها: أن المحكيَّ عن نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه- في الصُّورة الأخيرة أنه
يجب الغسل ولا يكفي إصابة الماء إياه، ونصَّ فيما إذا غسلت الذِّمية زوجها المسلم أنه يكره، ويجوز وهو أحد أمثلة الصورة الأولى، وكأنَّ الوجهين مستنبطان من هذين النَّصين، والظاهر في الصورتين هو الذي نص عليه.
أما في سورة غسل الكافر فهو مستمرٌّ على ما حكينا أن الأصح عدم اشتراط النّية.
وأما في سورة الغَرِيق فسبب الأمر بالغسل أنَّا مأمورون بغسل الميت فلا يسقط الفرض عنَّا إلا بفعلنا.
والثاني: أن في قولنا: "الكافر ليس أهلاً للنِّية" إشكالاً أشرنا إليه في "باب صفة الوضوء".
والثالث: أن قوله: "وأعيد غسل الغَرِيق" إن كان بضمِّ الغَيْنِ يقتضي أن يكون أصابه الماء إياه بمجردها غسلاً، ليكون هذا إعادة له لكن الأليق توجُّه وجوب النِّية أن لا يوقع اسم الغسل إلا على غسل الأعضاء مع النِّيَّة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأَمَّا الأكْمَلُ فَأنْ يُحْمَلَ إِلَى مَوضِعٍ خَالٍ وَيُوضَعَ عَلَى سَرِيرٍ وَلاَ يُتْزَعَ قَمِيصُهُ (م ح) وَيُحْتَاطَ فِي غضِّ البَصَرِ عَنْ جَمِيعِ بَدَنِهِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ، وَيُحْضَرُ ماءٌ بَارِدٌ (ح) طَهُورٌ، وَيُبْعَدُ الإِنَاءُ مِنَ المُغْتَسِلِ حَذَرًا مِنَ الرَّشَاشِ ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِغَسْلِ سَوْءَتَيهِ بَعْدَ لَفِّ خِرْقَةٍ عَلَى اليَدِ، وَبَعْدَ أَنْ يَجْلِسَ فَيمْسَحَ عَلَى بَطْنِهِ لِتَخْرُجَ الفَضَلاَتُ، ثُمَّ يتَعَهَّدُ مَوَاضِعَ النَّجَاسَةِ مِنْ بَدَنِهِ، ثُمَّ يَتعَهَّدُ أَسْنَانَهُ وَمَنْخَرتْه بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ، ثُمَّ يتَوَضَّأ ثَلاَثاً مَعَ المَضْمَضَةِ (ح) وَالاسْتِنْشَاقِ.
قال الرافعي: الفصل لذكر أمور محبوبة مقدمة على نفس الغسل:
أحدها: أن يحمل الميت إلى موضع خَالٍ مستور لا يدخله أحد إلاَّ الغاسل ومن لا بد من معونته؛ لأنه في حياته كان يستتر عند الاغتسال فكذلك يستر بعد موته، ولأنه قد يكون ببعض بدنه ما يكره ظهوره.
وذكر القاضي الرُّوَيانِيُّ وغيره؛ أن للولي أن يدخل ذلك الموضع إن شاء، وإن لم يغسل؟ ولا أعان، ويروي:"أَنَّ غُسْلَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تَوَلاَّهُ عَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ -رضي الله عنهم 1 - يَتَنَاوَلُ الْمَاءَ وَالْعَبَّاسُ وَاقِفٌ".
ثم يوضع على لَوْحٍ أو سرير هي لذلك، وليكن موضع رأسه أعلى لينحدر الماء
عنه، ولا يقف تحته، ويغسل في قميص خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: "الأولى أن يجرَّد" ويروى مثله عن مالك، وحكاه القَاضِي ابْنُ كَجٍّ وجهاً عن بعض الأصحاب، لنا: أنه أستر له، ولأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "غُسِّلَ فِي قَمِيصٍ" 1.
دل أنه أفضل، وليكن القميص باليًا أو سخيفاً ثم إن كان القميص واسعاً أدخل يديه في كُمَّيه وغسله من تحته وعلى يده خرقة، وإن كان ضيِّقاً فتق رُؤُوس الدَّخَارِيصِ 2، وأدخل اليد في موضع الفَتْقِ فلو لم يجد قميصاً، أو لم يتأتّ غسله فيه، ستر منه ما بين السُّرَّةِ والرُّكبة، وحرم النظر إليه؛ لما روى عن عَلِيٍّ -كرم الله وجهه- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تُبْرِزْ فَخْذَكَ وَلاَ تَنْظُرْ إِلَى فَخْذِ حَيٍّ وَلاَ مَيِّتٍ" 3.
وعند أبي حنيفة يلقى خرقة على فرجه وفخذه مكشوفة ويكره للغاسل أن ينظر إلى شيء من بدنه إلا لحاجة، بأن يريد معرفة المَغْسُول من غير المغسول، والمُعين لا ينظر إلا لضرورة.
وقوله في الكتاب: "ولا ينزع قميصه" غير هذه العبارة أولى منها؛ لأنها توهّم كونه في قميص قبل حالة الغسل، والمحبوب نزع الثِّياب المخيطة عنه من حين مات إلى وقت الغسل، والقميص الذي يغسله فيه يلبس عند غسله، ذكره المسعودي وغيره.
الثَّاني: يحضر ماء بارداً في إناء كبير كالجب ونحوه ليغسل به وهو أولى من المسخّن إلاَّ أن يحتاج إلى المسخّن لشدة البرد أو لوسخ وغيره 4.
وعند أبي حنيفة المسخن أولى بكل حال.
لنا أن البارد يشدّ بدنه والمسخن يرخيه، فكان البارد أولى، وينبغي أن يبعد الإناء الذي فيه الماء عن المغتسل بحيث لا يصيبه رَشَاشُ الماء عند الغسل، أمّا من صار إلى قول نجاسة الآدمي بالموت قال: لئلا ينجس بالرَّشاش الذي يصيبه، وربما احتج بهذه المسألة على النَّجاسة.
وأما من نصر القول الصحيح وهو طهارته، قال: إنما يبعد عنه لتكون النفس أطيب في أن لا يَتَقَاطَرَ الماء إليه.
وأيضاً فالماء المستعمل إذا أكثر تقاطره فقد يثبت لما يتقاطر إليه حكم الاستعمال
فيخرج عن كونه طهوراً، وأما وصفه الماء المحضر بكونه طهوراً ففيه فائدة على طهوره، وهي أنا نحب استعمال السَّدْر في بعض الغسلات على ما سيأتي، لكن الظاهر أنَّ الفرض لا يسقط به فلا يجوز أن يكون الماء المحضر مغيراً بالسِّدْر.
والثالث: يعدُّ الغاسل قبل الغسل خِرْقَتَيْن نظيفتين، وأول ما يبدأ به بعد وضعه على المغتسل أن يجلسه إجلاساً رفيقاً بحيث لا يعتدل، ويكون مائلاً إلى ورائه ويضع يده اليُمْنَى على [كتفه] 1 وإبهامه في نقْرَة قَفَاه حتى لا يَتَمَايل رأسه، ويسند ظهره إلى ركبتيه اليمنى، ويمر يده اليسرى على بطنه إمراراً بليغاً ليخرج ما فيه من الفَضَلات، وينبغي أن تكون المَجْمَرَة والحالة هذه متّقدة فائحة بالطِّيب، والمُعين يصبّ عليه ماء كثيراً لئلا تظهر رائحة ما يخرج، ثم يرده على هيئة الاسْتِلْقَاء، ويغسل بيساره وهي ملفوفة بإحدى الخِرْقَتَيْن دُبَرَه وَمَذَاكِيره 2 وَعَانَتَه، كما يَسْتَنْجِي الحَيُّ ثم يلقي تلك الخِرْقَةَ ويغسل يده بماء [وأَشْنَان] 3 إن تلوثت.
وقوله في الكتاب: "ثم يبتدئ بغسل سَوْأتيه بعد لَفِّ خِرْقَةِ اليد" يشعر بأنه يغسل السَّوْأَتَيْنِ معاً بخرقة واحدة، وكذلك ذكر الجمهور، وسيحكى ما يفعله بالخرقة الثَّانية من الخِرْقَتَين المعدّتين، وفي "النِّهاية" و"الوسيط" أنه يغسل كلّ سوأة بخرقة ولا شك أنه أبلغ في التَّنظيف 4.
وقوله: "ثم يتعهَّد مواضع النَّجَاسة من بدنه" فيه إشكال؛ لأنه إن كانت عليه نجاسة فإزالتها قبل الغسل واجبة على ما تقدم في غسل الأحياء، فلا يَنْبَغِي أن يدرج في حدِّ الأكمل، ولم يذكر صاحب "النِّهَايَةِ" لفظ النَّجَاسَة في هذا الموضع لكن قال: "إن كان ببدنه قَذَرٌ اعتنى به ولف خرقة على يده وغسله".
الرابع: إذا فرغ من غسل سَوْأَتيه لفَّ الخِرْقَةَ الأخرى على اليد، وأدخل أصبعه في فيه وأمرَّها على أسنانه بشيء من المَاء ولا يقعِّر فاه، وكذا يدخل طرف أصبعه في مَنْخَرَيْه بشيء من الماء؛ ليزيل ما فيها من الأذى، ثم يوضِّئه كما يتوضأ الحي ثلاثاً ثلاثاً، ويراعي المَضْمَضَة والاسْتِنْشَاق خلافاً لأبي حنيفة.
لنا أَنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: قال للواتي غسلن ابنته: "ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا" 1.
وموضع المضمضة والاستنشاق من مواضع الوضوء.
ثم لفظ الكتاب وكلام الأكثرين يقتضي أَنْ يكون إدخال الأصبع [في] 2 الفم والمنخَرَيْن غير المَضْمَضة والاستِنْشَاق وأنه في الفم بمنزلة السِّواك وغرضه التَّنْظيف، وفي "الشَّامِلِ" وغيره ما يدل على أن المضمضة والاستنشاق ليسا وراء ذلك، والظاهر الأول، ثم يميل رأسه في المضمضة والاستنشاق حتى لا يصل الماء إلى باطنه، وهل يكتفي بوصول الماء إلى مَقَادِيمِ الشّعْرِ والمنخَرَيْن أم يوصل الماء إلى الداخل؟ حكى إمام الحرمين فيه تردد لخوف وصول الماء إلى جوفه، وتأثيره في تسارع الفساد إليه وقطع بأنه لو كانت أسنانه متراصّة لم يكلّف فتحها.
قال الغزالي: ثُمَّ يُتَعَهَّدُ شَعْرُهُ بِمُشْطٍ وَاسِعِ الأَسْنَانِ، ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْسَرِ وَيُصَبُّ المَاءُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ يُضْجَعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ وَيصَبُّ المَاءُ عَلَى الشِّقِّ الأَيْسَرِ وَذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثاً، فَإِنْ حَصَلَ الإِنْقَاءُ وَإِلاَّ فَخَمْسٌ أَوْ سَبْعٌ، ثُمَّ يُبَالَغُ فِي تَنْشِيفِهِ صِيَانَةً لِلْكَفَنِ، وَيَسْتَعْمِلُ قَدْراً مِنَ الكَافُورِ لِدَفْعِ الهَوَامِّ، وَيسْتَعْمَلُ السِّدْرَ فِي بَعْضِ الغَسَلاَتِ، وَلاَ تَسْقُطُ (ح) الفَرْضُ بِهِ.
قال الرافعي: إذا فرغ من تَوضِيئه غسل رأسه، ثم لِحْيَتَه بالسِّدْرِ والخَطْمِيِّ، وسرَّحَهُمَا بمشط واسع الأْسنان إن تلبَّد شعرهما، ويرفق حتى لا يُنْتَف شيء، وإن أنتف ردَّه إليه، وليكن قوله: "بمشط" معلَّمًا بالحاء والألف؛ لأن عندهما لا يتعهّده بالمشط، ولكن يغسل ويزيل الوَسَخَ.
لنا ما روى أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "افْعَلُوا بِمَيِّتِكُمْ مَا تَفْعَلُونَ بِعَرُوسِكُمْ" 3. = ثانيهما: يغسل بكل خرقة أعاليه وأسافله، وقال الشيخ أبو حامد: ليس باختلاف قول.
ومعلوم أن العروس يسرَّح شَعْرها، ثم يُضْجَع على جنبه الأيسر فيصبُّ الماء على شقِّه الأيمن، ثم يضجع على جنبه الأيمن فيصب الماء على شقه الأيسر، هكذا ذكره صاحب الكتاب والإمام في آخرين، والأكثرون زادوا في هذه الكيفية ونقصوا فقالوا: يغسل شقّه الأيمن المقبل من عنقه وصدره وفخذه وساقه وقدمه، ثم يغسل شقّه الأيسر كذلك، ثم يحرفه إلى جنبه الأيسر فيغسل شقّه الأيمن مما يلي القَفَا والظّهر من الكتف إلى القدم، ثم يحرفه إلى جنبه الأيمن، فيغسل شقه الأيسر كذلك، وهذا ما ذكره الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المُخْتَصر"، وحكى أصحابنا العِرَاقيون قولاً آخر: أنه يغسل جنبه الأيمن من مقدمه، ويحوله فيغسل جانب ظهره الأيمن، ثم يلقيه على ظهره فيغسل جانبه الأيسر من مقدمه ثم يحوّله ويغسل جانب ظهره الأيسر.
قالوا: وكل واحد من هذين الطَّريقين سائغ والأول أولى، وليس في هذين الطريقين إضجاع على الجانب الأيسر في أوَّل الأمر بل هو مُسْتَلْقٍ فيهما إلى أن يغسل بعضه، ثم يجري الاضجاع فلا بأس لو أعلمت قوله: "ثم يضجع على جنبه الأيسر" بالواو، وإنما أمرناه بالابتداء بالمَيَامِنِ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أمَرَ غَاسِلاَتِ ابنَتِهِ أَنْ يَبْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا" 1. ويجب الاحتراز من كبِّه على الوجه، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن جميع ما ذكرناه غسلة واحدة، وهذه الغَسْلَة تكون بالماء، والسدر، والخَطْمِيِّ تنظيفاً، وإنقاء له ثم يصب عليه الماء القرَاح من قَرْنه إلى قدمه، ويستحبّ أن يغسله ثلاثاً، فإن لم يحصل النّقاء والتَّنظيف زاد حتى يحصل، فإن حصل بشفع فالمُستَحَبُّ أن يزيد واحدة ويختم بالوتر، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لغاسلات ابنته -رضي الله عنها-: "اغْسِلْنَهَا وِتْراً ثَلاَثاً أَوْ خَمْساً أَوْ سَبْعاً" 2.
وهل يسقط الفرض بالغسلة التي فيها السّدر والخَطْمِي؟ ذكر في الكتاب فيه وجهين:
أحدهما: نعم، ونسبه في "النِّهاية" إلى أبي إسحاق المَرْوَزِي، لأن المقصود من غسل الميت التَّنظيف، فالاستعانة بما يزيد في التَّنْظيف ممَّا لا يقدح.
وأظهرهما: لا، لأن التَّغيير به فَاحِشٌ سالب للطهورية، فأشبه ما لو استعمله الحي في وضوءه وغسله وعلى هذا فتلك الغَسْلَة غير محسوبة من الغَسَلاَت الثلاث، وهل تحسب الغسلة الواقعة بعدها؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنها غسلة بماء طهور لم يخالطه شيء، وهذا أصح عند القاضي الرُّويَانِي.
وأظهرهما: عند الأكثرين، ولم يذكر في "التَّهْذِيبِ" سواه: أنها لا تحسب؛ لأن الماء إذا أْصاب المَحل اختلط بما عليه من السِّدر، وتغير به، فعلى هذا المحسوب ما يصبّ عليه من الماء القراح بعد زوال السِّدر، ويستحب أن يجعل في كل ماء قراح كَافُوراً، وهو في الغسلة الأخيرة آكد.
لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لأم عطية وهي من غاسلات ابنته -رضي الله عنها-: "وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُوراً" 1.
والسَّبب فيه أنَّ رائحته مطردة للهَوَام، وليكن قليلاً لا يتفاحش التغير به ولا يسلب الطهورية، وقد يكون صلباً لا يقدح التَّغير به وإن كان فاحشاً على الصحيح؛ لأنه مجاور وبعد تَلْيين مفاصله بعد الغَسل؛ لأنها لانت بالماء فيتوخى بالتَّليين بقاء لينها كما ذكرنا في التَّليين عُقَيب الموت، ونقل الْمَزنِيُّ إعادة التَّليين في أول وضعه على المغتسل وأنكره أكثر الأصحاب ثم ينشفه ويبالغ فيه كيلا تبتلَّ أكفانه، فيسرع إليه الفساد، ثم هذا تمام مسائل الفصل.
ثم اعرف أموراً:
منها: أن صاحب الكتاب في "الوسيط" والإمام في "النهاية" أشارا إلى أن تعهد الشَّعر بالغسل والتَّسريح ليس من نفس الغسل، بل هو من مقدماته، كالوضوء وغيره، ولذلك قالا: "يصبُّ الماء على شِقِّه الأيمن مُبتدئاً من رأسه إلى قدمه"، والأكثرون لم يذكروا صَبَّ الماء على الرأس، ولكن قالوا: بصبه على صَفْحَةِ العنق والصدر والفخذ والساق، وهذا مصير منهم إلى أن غسل الرأس، وتعهد الشعر من جملة الغسل، وكلام الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" يوافق قول الأكثرين.
ومنها: أن قوله: "وذلك غسلة واحدة، ثم يفعل ذلك ثلاثاً" يقتضي اسْتحباب ثلاث غسلات بعد تلك الغسلة، وهو صحيح بناء على أن تلك الغسلة بالماء المتغير بالسدر والخَطْمِي، وأن المحسوب الغسل بالماء القراح، فإنه حينئذ يراعي ثلاث غسلات بعدها بالماء القراح.
وقوله: بعدها "أو يستعمل السِّدر في بعض الغسلات" ذلك البعض هو الغسلة الأولى، نصوا عليه كما قدمناه، وإنما أبهم ذكره المُصَنف وشيخه وربما أوهم إيراده عد الغسلة التي فيها السِّدر من الثَّلاث، وتخصيص الخلاف بأن الفرض هل يسقط بها فيجب الاحتراز عن الوهم؟ ومعرفة أنا إذا لم نسقط الفرض بها لا نحسبها من الثلاث أيضاً.
يجوز أن يرقم لفظ "الثلاث" و"الخمس" و"السبع" [في الكتاب] 2 بالميم؛ لأنه روى عن مالك: أنه لا اعتبار بالعدد، وإنما المعتبر الإنقاء.
وقوله: "يستعمل قدراً من الكَافور" مرقوم بالحاء؛ لأن أبا حنيفة قال: لا أعرف الكَافور وذكر في السِّدْر أنه يغسل مرة بالماء القراح وأخرى بالسدر وثالثة بالمَاءِ القُرَاح.
قال الغزالي: فَإِنْ خَرَجَتْ نَجَاسَةٌ بَعْدَ الغُسْلِ أُزِيلَتِ النَّجَاسَةُ وَلَمْ يُعَدِ الغُسْلُ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي إِعَادَةِ الوُضُوءِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: يتعهَّد الغاسل مسح بطن الميت في كل مره بأرفق ممَّا قبلها، فلو خرجت منه نجاسة في آخر الغسلات أو بعدها ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها -وبه قال ابن أبي هريرة-: يجب إعادة غسله ليكون خاتمة أمره على كمال الطهارة.
والثاني: لا يجب ذلك، لكن تجب إعادة الوضوء كالحي يغتسل ثم بحدث فإنه يتوضأ.
ويحكى هذا عن أبي إسحاق.
وأصحهما: وبه قال مالك وأبو حنيفة والمزني -رحمهم الله-: أنه لا يجب شيء سوى إزالة النَّجاسة لسقوط الفرض بما وجد وحصول غرض التَّنظيف وربما بنى الخلاف في وجوب الغسل وعدمه على اختلاف قراءة لفظ الشَّافعي -رضي الله عنه- فإنه قال في المَسْألة: إنقاءها بالخرقة، وأعاد غسله، فمنهم من قرأ بضم الغين، وأوجب إعادة الغسل، ومنهم من قرأ بفتحها وحمله على إزالة النجاسة، وربما سلموا أن لفظة الغسل وحملوه على الاسْتِحْبَاب، وإذا قلنا بالوجه الصحيح فلا فرق بين النَّجاسة الخارجة من السَّبيلين وغيرها، وإن قلنا بوجوب الوضوء فذلك في النجاسة الخارجة من السَّبيلين دون غيرها، وإن قلنا: بوجوب الغسل ففي إعادة الغسل لسائر النَّجَاسات احْتمال عند إمام الحَرَمين -قدَّس الله روحه 1 -.
ولو لمس رجل امرأة ميتة بعد غسلها فإن قلنا: يجب إعادة الغسل أو الوضوء بخروج الخارج، فكذلك هاهنا، هكذا أطلق صاحب "التَّهذيب"، وذكر غيره أن هذا الجواب مبني على أن المَلْموس ينتقض طهره 2، وإن قلنا: لا يجب إلا غسل المحلّ فلا يجب هاهنا شيء.
ولو وطئت [بعد الغسل] فعلى الوجه الأول، والثاني في خروج النجاسة يجب هاهنا إعادة الغسل، وعلى الثالث لا يجب شيء 3.
واعلم أن نفي وجوب الغسل أظهر من نفي وجوب الوضوء، ولذلك أرسل صاحب الكتاب ذكر الخلاف في الوضوء، وبين الصحيح في الغسل والنجاسة واجبة الإزالة بكل حال، فلذلك جزم به.
وقوله: "ولم يعد الغسل" معلم بالألف؛ لأن عند أحمد يعاد غسله سبع مرات، ولم يتعرض الجمهور للفرف بين أن تخرج النَّجاسة قبل الإدراج في الكفن أو بعده.
وأشار صاحب "العدّة" إلى تخصيص الخلاف في وجوب الوُضوء وللغسل بما إذا خرجت قبل الإدراج -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأَمَّا الغَاسِلُ، فَلاَ يَغْسِلُ رَجُلٌ امْرَأَةَ إِلا بَزِوجِيَّةٍ (ح) أَوْ مَحْرَمِيَّةٍ أَوْ مِلْكِ يَمِيينٍ فَيُغْسِّلْ مُسْتَولِدَتَهُ وَأَمَتَهُ (ح) وَتُغَسِّلُ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا، وَلاَ تُغَسِّلُ المُسْتَوْلَدَةُ والأَمَةُ سَيدَهُمَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّ المَوْتَ يَنْقُلُ مِلْكَ اليَمِينِ وَيُقَرِّرُ مِلْكَ النِّكَاحِ.
قال الرافعي: النَّظر الثاني فيمن يتولى الغسل.
والأصل أن يغسل الرجال الرجال والنساء النساء، وأولى الرجال بغسل الرجل أولاهم بالصَّلاة عليه وسيأتي ترتيبهم فيها، والنساء أولى بغسل المرأة بكل حال؛ عورتها بالإضافة إليهن أخف، وليس للرجل غسل المرأة إلا بأحد أسباب ثلاثة:
أولها: الزوجية، فللزَّوج غسل زوجته خلافاً لأبي حنيفة، وذكر صاحب "الشامل" أن عند أحمد رواية مثل قول أبي حنيفة.
والأصح عنه مثل قولنا:
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة: "لَوْ مِتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ" 1.
"وَغَسَّلَ عَلِيّ فَاطِمَةَ -رَضِيَ الله عَنْهَا-" 2 وله ذلك وإن تزوج بأختها أو بأربع سواها في أصح الوجهين ولو كانت الزوجة ذمية فله أن يغسلها إن شاء 3.
والثاني: المحرمية وسياق الكلام في الكتاب يقتضي تَجْوِيز الغسل للرِّجال المَحَارم مع وجود النِّساء؛ لأن قوله: "لا يغسل رجل امرأة إلا بكذا وكذا مفروض في
حال الاخْتِيَار، وإلاَّ فعند الضرورة قد يجوز للأجانب غسلها أيضاً كما سيأتي، لكن لم أرَ لعامة الأصحاب تصريحاً بذلك، وإما يتكلمون في التَّرتيب ويقولون: إن المحارم بعد النساء أولى 1.
والثالث: مِلْك اليمين، فيجوز للسيد غسل أَمَته ومدبرته وأمّ ولده خلافاً لأبي حنيفة فيما رواه في "الشامل".
واحتج لنا بأنه يلزمه الاتْفاق عليها بحكم المِلْك فكان له أن يغسلها كالحَيَّة ويجوز له غسل المُكَاتبة أيضاً؛ لأن الكتابة ترتفع بموتها، وهذا كله إذا لم يكن مزوجات ولا معتدات 2، فإن كن مزوجات أو معتّدات، لم يكن له غسلهن، وكما يغسل الزَّوج زوجته تغسل الزوجة زوجها خلافاً لأحمد في رواية.
والأصح عنه موافقة الجمهور بأن طلقها طَلْقَة رجعية، ومات أحدهما في مدة العدة، فليس للآخر غسله لحرمة النظر والمس في الحياة، وإلى متى تغسل المرأة زوجها؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ما لَمْ تَنْقضِ عدتها، فإن انقضت بوضع الحمل عُقَيب الموت لم تغسله، وبه قال أبو حنيفة.
والثَّاني: تغسله ما لم تنكح.
والثالث: وهو الأصح: أبداً وهو الذي ذكره في الكتاب في "باب العدّ".
وإذاغسل أحد الزوجين لفَّ خرقة على يده ولم يمسه، فإن خالف فقد قال القَاضِي: يصح الغسل، ولا يبنى على الخلاف في انتقاض طهر الملموس -والله
أعلم- 1. وهل يجوز لأم الولد والمدبرة والأمة غسل السيد؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أحمد: نعم؛ لأنهن مُحللات له فأشبهن بالزوجة.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: لا؛ لأن الموت ينقل ملك اليمين، أما في حق الأمة فإلي الورثة، وأما في المدبرة وأم الولد؛ فهما يعتقان بموته فكان الملك في رقبتهما ينتقل إليهما بخلاف ملك النكاح لا تنقطع حقوقه بالموت، أَلاَ ترى أنهما يتوارثان، وليس للمُكَاتبة غسل السيد فإنها محرمة عليه قبل الموت.
قال الغزالي: فَإِنْ مَاتَتِ المَرْأَةُ وَلَمْ يَحْضُرْ إلاَّ أَجْنَبِيٌّ غَسَّلَهَا (م ح) وَغضَّ البَصَرَ، وَقيلَ: تيَمَّمُ، وَكَذَا الخُنْثَى يُغسِّلُهُ رَجُلٌ أو امرَأَةٌ اسْتِصْحَابًا لِحُكمِهِ فِي الصِّغَرِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو ماتت امرأة وليس هناك إلاَّ رجل أجنبي، ففيه وجهان:
أحدهما: أنها لا تغسل، ولكن تيمم وتدفن، ويجعل فقد الغاسل كفقد الماء، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة.
والثاني: أنه يغسلها في ثيابها، ويلفّ خرقة على يده ويغض الطرف ما أمكنه فإن اضطر إلى النظر عذر للضرورة 2.
وعن أحمد روايتان كالوجهين، فيجوز أن يعلم قوله: "غسلها" بالحاء والميم، ثم إيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الثاني، وهكذا ذكره الإمام وحكاه عن القفال.
لكن الأظهر عند أصحابنا العراقيين والقاضي الروياني والأكثرين هو الأول، والوجهان جاريان فيما لو مات رجل، وليس هناك إلا امرأة أجنبية.
الثانية: الخُنْثى المُشْكل إذا مات، وليس هناك محرم له من الرِّجال أو النساء،
ينظر إن كان صغيراً بعد جاز للرِّجال والنِّساء غسله، وكذا واضح الحال من الأطفال يجوز للفريقين جميعاً غسله كما يجوز مسه والنظر إليه، وإن كان كبيراً فهل يغسل؟ فيه وجهان كالوجهين في المسألة السابقة، لأنه يجوز أن يكون رَجُلاً فيمتنع مسُّه على النساء، أو امرأة فيمتنع مسها على الرجال.
أحدهما: أنه يُيمَّم ويدفن، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
والثاني: أنه يجوز غسله، ومن الذي يغسله؟ فيه وجوه:
أحدها: أنه يشتري من تركته جارية لتغسله، فإن لم يكن له تركة فيشتري من بيت المال.
قال الأئمة: وهذا ضعيف؛ لأن إثبات المِلْك ابتداء للشَّخص بعد موته مستبعد، وبتقدير ثبوته فقد ذكرنا أن الصحيح أن الأَمَةَ لا تغسل سَيّدها، والوجه الثَّاني أنَّه في حق الرِّجال كالمرأة، وفي حق النساء كالرجل أخذاً بالأسوأ في كل واحد من الطَّرفين.
والثالث: وبه قال أبو زيد وهو الأظهر: أنه يجوز للرِّجال والنِّساء غسله جميعاً؛ لأنه مَسَّت الحاجة إلى الغسل، وكان يجوز في الصِّغر غسله للطَّائفتين، فيستصحب ذلك الأصل.
واعلم أنه ليس المراد من الكبير في هذا الفصل البلوغ ومن الصغر عدمه، لكن المعنى بالصَّغير الذي لم يبلغ حدّاً يشتهي مثله وبالكبير الذي بلغه.
قال الغزالي: فَإِنْ ازدَحَمَ جَمْعٌ كَثِيرٌ يَصْلُحُونَ لِلْغُسْلِ عَلَى امْرَأَةً فَالبِدَايَةُ بِنِسَاءِ المَحَارِمِ ثُمَّ بِالأجْنَبِيَّاتِ ثُمَّ بِالزَّوْجِ ثُمَّ بِالرَّجَالِ الْمَحَارِمِ ثُمَّ تَرْتِيبُ المَحَارِمِ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الصَّلاَة، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الزَّوْجُ عَلَى النِّسَاءِ؛ لأنَّهُ يَنْظُرُ مَا لاَ يَنْظُرْنَ إلَيْهِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ رِجَالُ المَحَارِمِ عَلَى الزَّوْجِ؛ لأَنَّ النِّكَاحَ انتَهَى بِالمَوْتِ.
قال الرافعي: الصَّالحون لغسل الميت إذا ازْدَحَمُوا لم يخل إما أن يكون الميِّت رَجُلاً أم امرأة فإن كان رجلاً فيغسله قَرَابَاته على التَّرتيب الذي نذكره في الصَّلاة عليه، وهل تقدم الزوجة عليهم؟ فيه وجهان 1 سيظهر توجيههما، وإن كان الميت امرأة فالنساء يقدمن في غسلها وأولاهن نساء القرابة منهن كل ذات رَحِمِ محرَم، فإن استوت اثنتان في المحرمِيّة، فالتي هي في محل العصُوبَة أولى، كالعمة مع الخالة واللواتي لا محرمية لهن يقدم منهن الأقرب فالأقرب، وبعد نساء القرابة تقدم النساء الأجنبيات ثم رجال القرابة
وترتيبهم كما سيأتي في الصلاة، وهل يتقدم الزوج على نساء القرابة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: تقديم نساء القرابة، ويحكى عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- فإن الأنثى بالأناث أليق.
والثاني: أنهن لا يقدمن؛ بل الزوج يقدم عليهن؛ لأنه ينظر إلى ما لا ينظرن إليه، وفي تقديم الزَّوج على الرجال الأقارب أيضاً وجهان:
أحدهما: أنهم يقدمون عليه؛ لأن النِّكاح ينتهي بالموت، وسبب المَحْرميّة يدوم ويبقى.
وأظهرهما: وهو اختيار القَفَّال: أن الزوج يقدم؛ لأنهم جميعاً ذكور، وهو ينظر إلى ما لا ينظرون إليه فيقدم، وأحكام النِّكاح تَبْقَى بعد الموت ولولاه لما جاز له غسل الزَّوجة وجميع ما ذكرناه من التقديم فهو بشرط أن يكون المحكوم بتقديمه مسلماً، فإن كان كافراً فهو كالمعدوم ويقدم من بعده حتى يقدم المسلم الأجنبي على القريب المشرك.
ويشترط أيضاً أن لا يكون قاتلاً نعم لو كان قاتلاً بحق فيبنى على الخلاف في أنه هل يرث عنه؟ ولو أن المقدم في أمر الغسل سلّمه لمن بعده جاز له تعاطيه ولكن بشرط اتحاد الجنس فليس للرجال كلهم التَّفويض إلى النِّساء وبالعكس، ذكره الشيخ أبو محمد وغيره، وقد حكاه المصنف في "الوسيط" بعد إطلاق الغسل للمستأجر، وأشعر كلامه بوجهين في اعتبار الشَّرط المذكور.
قال الغزالي: فَرْعٌ المُحْرِمُ لاَ يُقَرِّبُ طِيباً وَلاَ يَسْتُرُ رَأْسَهُ بَلْ يَبْقَى (م ح) أَثَرُ الإحْرَامِ وَهَل تُصَانُ المُعتَدَّةُ عَنِ الطِّيبِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَغَيْرُ المُحْرِمِ هَلْ يُقَلَّمُ ظُفْرُهُ وَيحْلِقُ شَعْرُهُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِي الحَيَاةِ حَلْقُهُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: ذكرنا أنه يُطْرح قَدْرٌ من الكافور في الماء الذي يغسل به الميت، وذلك في غير المُحْرِمِ، فأما المحرم فلا يقرب منه طيباً إبقاء لحكم الإحرام وكذلك لا يستر رأسه إن كان رجلاً، ووجهه إن كان امرأة، ولا يلبس المخيط ولا يؤخذ شعره وظفره، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: حكمه حكم سائر الموتى وروي مثله عن مالك.
لنا ما روي: "أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ النَّبِيِّ فَوَقَصَتْهُ نَاقَةٌ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: اغْسِلُوهُ بمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تَمَسُّوهُ بطِيبٍ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِياً" 1.
ولا بأس بالتَّخمير عند غسله كما لا بأس بجلوس المحرم عند العَطَّار، وإذا ماتت المعتدة التي تحدّ، هل يجوز تطيّيبها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، صِيَانة لها عمَّا كان حراماً عليها في حياتها كالمحرم، وبهذا قال أبو إسحاق.
وأظهرهما: نعم؛ لأن التَّحريم كان احترازاً عن الرِّجَال وتفجعاً لفراق الزوج، وقد زال المعنيان بالموت بخلاف المُحْرم، فإن التحريم في حقه لحق الله -تعالى جدّه- فلا يزول بالموت، وهل يقلّم أظفار غير المحرم من الموتى ويؤخذ شاربه وشعر إبطه وعانته؟ فيه قولان:
القديم: لا 1، ويه قال مالك وأبو حنيفة والمزني -رحمهم الله-؛ لأن مصيره إلى البَلِى، وصار كالأَقْلَفِ لا يختن بعد موته.
والجديد: وبه قال أحمد: نعم، كما يتنظَّف الحيُّ بهذه الأشياء، وقد روي أنه قال: "اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ مَا تَفْعَلُونَ بِعَرُوسِكُمْ" 2.
والقولان في الكراهية، ولا خلاف في أن هذه الأمور لا تستحب، كذلك ذكره القَاضِي الروياني، ونقل تَفْريعاً على الجديد أنه يتخيَّر الغاسل في شعر الإبطيين النَّتف والإزالة بالنُّوْرَة ويأخذ شعر العَانَة بالجلم، أو المُوسَى أو النُّورة.
وحكي عن بعض الأصحاب أنه لا يزال إلا بالنّورَة احْتِرَاز عن النَّظَرِ إلى الفَرْج.
وقوله في الكتاب: "الَّذي يستحبُّ في الحياة حلقه" فيه إشارة إلى أنه لا يحلق شعر الرأس بحال، فإنَّ إزالته غير مأمور بها إلاَّ في المناسك، ومنهم من طرد الخلاف في شعر الرأس إذا كان من عادة الميت الحلق في حالة الحياة.
واعلم: أن جميع ما ذكرناه في وظيفة الغسل مفروض في حقِّ غير الشهيد وأما
الشهيد فسيأتي حكمه في "فصل الصَّلاة على الميت" ولو احترق مسلم ولو غسل لتهرّي لا يغسل بل ييمَّم محافظة على جثَّته لتدفن بحالها، ولو كان عليه قُرُوحٌ وخِيفَ من غسله تسارع البِلَى إليه بعد الدَّفن غسل، ولا مبالاة بما يكون بعده، فالكُلُّ صائرون إلى البِلَى (1). قال الغزالي:
القَوْلُ فِي التَّكْفِينِ
وَالمُسْتَحَبُّ فِي لَوْنهِ البَيَاضُ وَفِي جِنْسِهِ القُطْنُ وَالكِتَّانُ دُونَ الحَرِيرِ فَإنَّهُ يَحْرُمُ لِلرِّجَّلِ وَيُكرَهُ لِلْنِّسَاءِ، وَأَمَّا عَدَدُهُ فَأَقَلُّهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ سَاتِرٌ لِجَمِيعِ البَدَنِ وَالثَّاني وَالثَّالِثُ حَقُّ المَيِّتِ فِي التَّركَةِ تَنْفُدُ وَصِيَّتُة بِإسْقَاطِهِمَا، وَلَيَسْ لِلوَرَثَةِ المُضَايَقَةُ فِيهِمَا، وَهَلْ لِلْغُرَمَاءِ المَنْعُ مِنْهُمَا فِيهِ وَجْهَانِ، وَمَنْ لاَ مَالَ لَهُ يُكَفَّنُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، وَيُقْتَصَرُ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَفِي وُجُوبِ الكَفَنِ عَلَى الزَّوْجِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: يتّضح الفصل برسم مسائل:
إحداها: أن المستحبَّ في لون الكفن البياض، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "خَيْرُ ثِيَابُكُمْ الْبِيضُ فَاكْسُوهَا أحْيَاءَكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ" 2.
وجنسه في حقِّ كل ميت ما يجوز لبسه في حال الحياة، فيجوز تَكْفِينُ المرأة بالحَرِيرِ، لكنه يكره؛ لأنه سرف غير لائق بالحَالِ، ويحرم تكفين الرِّجال به، كلبسه في الحياة، ولك أَنْ تقول قوله: "ومن جسه القطن والكتان" إما أن يريد استحباب هذين النوعين على الخصوص أو يشير بهما إلى جميع الأنواع المباحة، ويكون التقدير القطن والكتان وما في معناهما.1
أمَّا الأول فقضيته تقديم النَّوعين على سائر الأنواع المباحة كالصُّوف وغيره، وهذا شيء لم نَرَهُ في كلام الأصحاب وإن أراد الثَّاني فظاهر اللَّفظ معمول به في حقِّ النِّسَاء [دون الرجال.
أما إنه معمول به في حق النساء] 1 فلأن تكفينهن بغير هذه الأنواع وهو الحرير جائز، وإن كره فينتظم أن نقول تكفينهن بهذه الأنواع مستحب، وأما أنه غير معمول به في حق الرجال، فلأن اسْتِحْباب شيء من هذه الأنواع إنما يكون إذا جاز تكفينهم بغير هذه الأنواع، وأنه ممتنع.
الثانية: أقل الكفن ثوب واحد، وأحبه للرجال ثلاثة أثواب.
روى أن النبي: "كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ" 2. ثم شرط صاحب الكتاب في الثَّوب الواحد الأقل أن يكون سَاتراً لجميع البدن، وهكذا ذكر الإمام وكثير من الأصحاب، وحكى آخرون من العراقيين وغيرهم: أن الواجب قدر ما يستر العورة؛ لأن الميت ليس آكد حالاً من الحَيِّ، والواجب في الحي ستر العورة لا غير وعلى هذا يختلف الحال باختلاف حال الميت في الذُّكورة والأنوثة لاختلاف مقدار العورة بالحالتين وجمع القاضي الرُّويَانيْ وآخرون بين النقلين وجعلوا المسألة على وجهين:
أحدهما: أن الواجب القدر السَّاتر للعورة.
والثاني: أنَّ الواجب ثوب سابغ وقد حكى عن نصه في "الأم" أنه إن كان له ثوب واحد لا يغطي جميع البدن ستر به العورة؛ لأنه واجب وستر غيرها ليس بواجب [فإن] 3 كان يبدو رأسه أو رجلاه غطى به رأسه، لما روي أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يخلف إلا نمر فكان إذا غطى بها رأسه بدت رِجْلاَه، وإذا غطَّى بها رجليه بدى رأسه، فقال: "غَطُّوا بِهَا رَأسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإذْخَرِ" 4.
واعرف في قوله في الكتاب: "وأما عدد فأقله ثوب واحد... " إلى آخره شيئين:
أحدهما: أنَّ هذا اللفظ يقتضي كون الواحد عدداً لكن الحساب لا يجعلون الواحد عدداً ويقولون العدد ما يتركب عن الواحد.
والثَّاني: أنا وإن أوجبنا ثوباً ساتراً لجميع البدن، فذلك في حقِّ غير المُحْرم، أما
المُحْرم فلا يستر رأسه إن كان رجلاً، ووجهه إن كان امرأة على ما سبق.
الثالثة: الثوب الواحد على ما وصفناه حقّ الله -تعالى جدّه- لا تنفذ وصيّة الميت بإسقاطه والثاني والثالث حق الميت وهي بمثابة ثياب التجمُّل للحي، فلو أوصى بإسقاطها نفذ: "كمَا أَوْصَى أبُو بَكرٍ -رَضِيَ الله عَنْهُ- بِأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبِهِ الْخَلِقِ، فَنُفِّذَتْ وَصِيَّتُهُ" 1. ولو لم يُوصِ وتنازع الورثة في أكفانه وأراد بعضهم الاقْتِصَار على ثوب واحد، فقد حكى في "النهاية" فيه طريقين:
أحدهما: أن فيه وجهين كما سنذكرهما في مضايقة الغُرَمَاء فيه.
والثاني: القطع بالمنع تقديماً لحاجة المالك، وظاهر المَذْهَب وهو المذكور في الكتاب أنه ليس لهم المُضَايَقَة سواء أثبتنا الخلاف أم لا.
ولو اتَّفَقَ الورثة جميعاً على تَكْفِينِه في ثوب واحد، فقد قال في "التهذيب": يجوز وطرد صاحب "التَّتمة" الخلاف فيه.
ولو كان عليه دين مستغرق فقال الغرماء: لا نكفنه إلا في ثوب واحد، فهل يجابون إليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كالمُفْلس الحي تترك عليه ثياب تجمله.
وأظهرهما: نعم، فإن السّتر قد حصل وهو إلى إبراء ذمته أحوج منه إلى زيادة الستر بخلاف الحي يحتاج إلى التجمل ويتقلب بين الناس.
الرابعة: مَحِلُّ الكفن رأس مال التَّركة إن ترك الميّت مالاً يقدم على الديون والوصايا والميراث، نعم لا يباع المرهون في الكفن ولا العبد الجَانِي ولا المال الذي فيه الزكاة فإنه كالمرهون بها، وإن لم يترك مالاً فكفَّنه على من هو في نفقته، فيجب على القَرِيب كفن القريب وعلى السيد كفن العبد وأم الولد، وكذلك يجب كفن المكاتب عليه؛ لأن الكتابة تنفسخ بالموت، ولا فرق في الأولاد بين الصِّغار والكبار؛ لأن نفقتهم واجبة إذا كانوا عاجزين زَمْنَى والميت عاجزٌ، ذكره في التَّتمة.
وهل يجب على الزوج تكفين الزوجة ومؤنتها؟ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال ابن أبي هريرة-؛ لا؛ لأن مُؤْنَةَ الزوجة إنَّما تجب على الزَّوج مفي مُقَابلة التَّمكين من الاسْتِمْتَاع فإذا ماتت فقد زال هذا المعنى، وبهذا الوجه قال مالك وأبو حنيفة [وأحمد] 2 -رحمهم الله-.
وأصحهما: أنه يجب ذلك على الزَّوج، لأنها في نفقته في الحياة فيلزمه مؤنتها
بعد الموت، كالأب مع الابن والسيد مع العبد فعلى هذا لو لم يكن للزَّوج مال فحينئذ يجب في مالها.
أما: إذا لم يترك الميت مالاً، ولا كان له من ينفق عليه فتكفينه ومؤنة دفنه من بيت المال كنفقته في الحياة.
وهل يقتصر على ثوب واحد أم يكمل الثلاث؟ فيه وجهان:
أظهرهما: يقتصر عليه ليتأدّى الواجب به.
الثاني: يكمل الثلاث ولا يقتصر عليه كما لا يقتصر في كسوة الحي المحتاج على ساتر العورة فعلى الأول لو ترك ثوباً واحداً فلا شيء من بيت المال وعلى الثاني هل يكتفي بما خلفه أم يكمل الثلاث من بيت المال؟ ذكر الإمام أن صاحب "التقريب" حكى فيه وجهين:
أظهرهما: الثاني وإذا لم يكن في بيت المال مال فعلى عامة المسلمين الكفن ومؤنة الدفن 1.
قال الغزالي: وَالزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلاَثِ إلَى الخمْسِ مُسْتَحَبٌّ لِلنِّسَاءِ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الخَمْسِ سَرَفٌ عَلَى الإِطْلاَقِ، ثُمَّ إن كُفِّنَ فِي خَمْسٍ فَعَمَامَةٌ وَقَمِيصٌ وَثَلاَثُ لَفَائِفَ سوَابغ، وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَلاَثٍ فَثَلاَثُ لَفَائِفَ مِنْ غَيْرِ قَمِيصٍ وَلاَ عِمَامةٍ، وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي خَمْسٍ فَإزَارٌ وَخِمَارٌ وَثَلاَثُ لَفَائِفَ سَوَابغَ، وَفِي قَوْلٍ: تُبَدَّلُ لِفَافَةٌ بِقَمِيصٍ، وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي ثَلاَثٍ فَثَلاَثُ لَفَائِفَ.
قال الرافعي: قد ذكرنا أن العدد المستحب في كَفَنِ الرِّجال ثلاث أثواب، فلو زيد عليه إلى خَمْسَةِ أثواب فهو جائز، وإن لم يكن مَحْبُوباً،.
وأما المرأة فيستحب أن تكفَّن في خمسة أثواب رعاية لزيادة السّتر في حقها وحكم الخنثى في ذلك حكم المرأة والزيادة على الخمسة مكروهة على الإطلاق لما فيها من السَّرف، وقد روى أن النَّبي قال: "لاَ تُغَالُوا فِي الكَفَنِ، فَإنَّهُ يُسْلَبُ سَلْباً سَرِيعاً" 2. فإذا كانت المُغَالاة مكروهة فزيادة العدد أَوْلَى أن تكون مكروهة ثم إن كفن الرَّجل أو المرأة في ثلاث فالمحبوب ثلاث لفائف من غير عمامة للرجل ولا قميص
وعن أبي حنيفة: أن الرَّجل يكفن في إزار ورداء وقميص.
لنا: ما روى أن النَّبي: "كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ اثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةِ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ" 1.
وإن كُفن الرجل في خمسة أثواب فليكن في عمامة وقميص وثلاث لفائف، وتجعل العمامة والقميص تحتها، ويستثنى المحرم عن ذلك فلا يلبس المخيط على ما تقدم، وإن كُفنت المرأة في خمسة أثواب فقولان:
أحدهما: إزار وخمار وثلاث لفائف، والإزار والخمار كالعمامة والرداء للرجل واللفائف كاللفائف.
والثاني: إزار وخمار ولفافتان وقميص، لما روي: "أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ لَمَّا غَسَّلَتْ أُمَّ كُلْثُوم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ كَانَ النَّبِيُّ جَالِسًا عَلَى الْبَابِ فَنَاوَلَهَا إِزَارًا وَدِرْعاً وَخِمَاراً وَثَوْبَيْنِ" 2.
وينسب القول الأول إلى الجديد والثاني إلى القديم، وذكر المُزَنِيُّ أن الشافعي -رضي الله عنه- ذكر القميص مرة ثم خط عليه ونقل عنه القول الأول وإيراد الكتاب يقتضي ترجيحه، لكن الأكثرين على ترجيح القول الثاني، ويجوز أن تعد المسألة من المسائل التي يجاب فيها على القديم.
ثم قال الشافعي -رضي الله عنه-: "يشدّ على صدرها ثوب، لئلا يضطرب ثديها عند الحمل فتنشر الأكفان" واختلفوا في ذلك الثوب، فقال أبو إسحاق هو ثوب سادس ليس من جملة الأكفان وُيحَلُّ عنها إذا وضعت في القبر.
وقال ابْنُ سُرَيْجٍ يشد عليها ثوب من الخمسة ويترك والأول أظهر عند الأئمة.
وكيف ترتيب الأثواب الخمسة؟
قال المُحَامِلِيُّ وغيره على قول أبي إسحاق إن قلنا: تُقَمّص فيشدُّ عليها المِئْزَرُ أو لا ثم القميص ثم الخِمَار، ثم تلفُّ في ثوبين ثم يشد عليها الثالث، وإن قلنا: لا تقمص، يشد عليها المِئزَرُ، ثم الخمار، ثم تلفُّ في ثلاثة أثواب ثم يشدُّ عليها خرقة وعلى قول ابْنُ سُرَيْجٍ: إن قلنا: تقمص يشد عليها المئزر ثم الدرع ثم الخمار ثم تشد عليها الخرقة ثم تلف في ثوب، وإن قلنا: لا تقمص، يشد عليها المِئْزَر ثم الخمار ثم تلف في ثوب ثم يشد عليها آخر ثم تلفُّ في الخامس.
وإذا وقع التَّكْفِين في اللَّفائف الثَّلاث، فكيف تكون هي؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون متفاوتة فالأسفل يأخذ ما بين سُرّته وركبته، والثَّاني يأخذ من عُنُقه إلى كَعْبه، والثَّالث يستر جميع بدنه.
وأظهرهما: أنه ينبغي أن تكون مستوية في الطَّول والعرض يأخذ كل واحد منها جميع بدنه.
واعلم أنه لا فرق في التَّكفين في الثلاث بين الرجل والمرأة، وإنما الفرق بينهما في الخمس، فهي في حق الرجل قميص وعمامة وثلاث لفائف، وفي المرأة القولان المذكوران، وإذا كان كذلك فإيراد الفرض في أقصر من لفظ الكتاب هَيّنٌ -والله أعلم-.
قال الغزالي: ثُمَّ يُذَرُّ عَلَى كُلِّ لِفَافَةٍ حَنُوطٌ، وَيُوضَعُ المَيِّتُ عَلَيْهِ، وَيأْخُذُ قَدْراً مِنَ القُطْنِ الحَلِيجِ وَيدُسُّهِ فِي الألْيَتَيْنِ، وَتُشَدُّ الألْيَتَانِ وَتُسْتَوْثَقُ، وَتُلْصَقُ بِجَمِيعِ مَنَافِذِ البَدَنِ مِنَ المَنْخِرَيْنِ وَالأُذُنيْنِ وَالعَيْنَيْنِ قُطْنَةٌ عَلَيْهَا كَافُورٌ ثُمَّ يُلَفُّ الكَفَنُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يُبَخِّرَهُ بِالعُودَ وَيشُدُّ عَلَيْهِ بِشِدَادِ، وَبَنْزِعُ الشِّدَادِ عِنْدَ الدَّفْنِ.
قال الرافعي: غرض الفصل الكلام في إِدْرَاج الميت في الكَفَنِ وتوابعه.
فنقول: تبخير الكفن بالعود مستحبٌّ إذا لم يكن الميت مُحْرماً، وذلك بأن ينصب مشجَبٌ وتوضع الأكفان عليها ويجمَرُ تحتها ليصيبها دُخَان العُود، ثم تبسط أحسن اللَّفائف وأوسعها ويذرُّ عليها حنُوطٌ، وتبسط الثانية فوقها ويدر عليها حنوط، وتبسط الثَّالثة التي تلي المَيِّت فوقها ويذرُّ عليها حنوط وكافور ثم يوضع الميت فوقها مستلقياً ويأخذ قدر من القطن الحَلِيج ويجعل عليه حنوط وكافور ويدسُّ في إِلْيَتَيْهِ حتى تتَّصل بالحلقة ليرد شيئاً عساه عند التَّحريك ينفصل منه ولا يدخله في باطنه، وفيه وجه: أنه لا بأس به ثم تشد إِلْيَتَيْهِ وتستوثق وذلك بأن يأخذ خِرْقَةً ويشد رأسها ويجعل وسطها عند إِلْيَتَيه وعانته ويشدها عليه فوق السُّرة بأن يرد ما يلي ظهره إلى سرته ويعطف الشِّقين الآخرين عليه.
ولو شد شقًّا من كل رأس على هذا الفَخِذِ ومثل ذلك على الفَخِذِ الثَّاني جاز أيضاً.
وقيل: يشدها عليه بالخيط ولا يشق طرفيها ثم يأخذ شيئاً من القطن، ويضع عليه قدرًا من الكافور الحنُوطِ، ويجعله على مَنَافِذِ البدن من المنخَرَينِ والأُذُنَيْنِ والعينين والجِرَاحَات النَّافِذَة إن كانت عليه دفعاً للهَوَام، ويجعل الطِّيب على مَسَاجدِهِ، وهي الجَبْهَة، والأَنْف، وباطن الكَفَّين، والركبتانِ، والقدمان إكراماً لها، وذلك بأن يجعل الطِّيب على قِطْعَةِ قُطن وتوضع على هذه المواضع.
وقيل: يجعل عليها بلا قطن.
ثم يلفُّ الكفن عليه بأن يثنى من الثَّوب الذي يليه صنعته التي تلي شقَّه الأيسر على شقِّه الأيمن، والتي تلي شقّه الأيمن على شقّه الأيسر كما يفعل الحيّ بالقَباء، ثم يلف الثاني والثَّالث كذلك.
وفيه قول آخر: أنه يبدأ بالشقة التي تلي شقَّه الأَيْمن فيثنيها على شقِّه الأيسر، ويجعل الَّتي تلي الأيسر عَلَى اليَمِين غالباً، ولعلَّ هذا أسبق إِلَى الفَهْمِ ممَّا رواه المُزَنِيُّ في "المختصر"، لكن الأول أصحُّ عند الجمهور ومنهم من قطع به.
وإذا لفَّ الكفن عليه جمع الفاضل عند رأسه جمع العِمَامَة ورد على وجهه وصدره إلى حيث يبلغ، وما فضل عند رجليه يجعل على القَدَمين والساقين.
وينبغي أن يوضع المَيِّتُ على الأكفان أولاً بحيث إذا 1 ألقيت عليه كان الفاضل عند رأسه أكثر، كما أن الحيَّ يجعل فضل ثيابه على رأسه، وهو العمامة ثم تشتد الأكفان عليه بشداد خَيْفَة انتشارها عند الحمل فإذا وضع في القبر نزع.
وفي كون التَّحنيط واجباً أو مستحباً وجهان:
أظهرهما: عند المصنف وإمام الحرمين الثاني 2.
قال الغزالي: ثُمَّ يَحْمِلُ الجَنَازَةَ ثَلاثَةُ رِجَالٍ رَجُلٌ سَابِقٌ بَيْنَ العَمُودَيْنِ وَرَجُلاَنِ فِي مُؤَخِّر الجَنَازَةِ، فَإنْ عَجَزَ السَّابِقُ أَعَانَهُ رَجُلاَنِ خَارجَ العَمُودَيْنِ فَتَكُونَ الجَنَازَةُ مَحْمُولَةٌ بَيْنَ خَمْسَةٍ أَوْ بَيْنَ ثَلاَثةٍ، وَالمَشْيُ قُدَّامَ الجَنَازَةِ أَفْضَلُ (ح) وَالإِسْرَاعُ بِهَا أَوْلَى.
قال الرافعي: ليس في حمل الجنازة الجنازة وسقوط مروءة بل هو بِرٌّ وأكرام للميت، وقد نقل ذلك عن فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعين- رضوان الله عليهم أجمعين- ولا يتولاَّه إلا الرِّجال ذكراً كان الميت أو أنثى، ولا يجوز الحمل على الهَيْئَات المُزْرِية ولا على الهيئة التي يخاف منها السُّقوط.
إذا عرفت ذلك ففي الفصل ثلاث مسائل:
إحداها: في كيفية الحمل وقد نقل طريقان:
أحدهما: الحمل بين العَمُودين.
يُرْوَى أن النَّبي: "حَمَلَ جَنَازَة سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ" 1.
ومعناه: أن يتقدم رجل فيضع الخَشبَتَين الشَّاخِصَتَين وهما العمودان على عاتقيه، والخشبة المعترضة بينهما على كتفيه، ويحمل مؤخرة الجنازة رجلان:
أحدهما: من الجانب الأيمن، والثَّاني من الأيسر، ولا يمكن أن يتوسَّط الخشبتين واحد من مؤخرهما، فإنه لا يرى موضع قدميه، والطريق بين يديه حينئذ، فإن لم يستقلّ التقدم بالحمل أعَانه رجلان خارج العَمُودَين يضع كل واحد منهما واحداً على عاتِقِه فتكون الجنازة محمولة على خمسة.
والثاني: التَّرْبِيع، روي عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: "إِذَا تَبعَ أَحَدُكُمْ جَنَازَةٌ فَلْيَأخُذْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الأَرْبَعَةِ ثُمَّ لِيَتَطَوَّعْ بَعْدُ أَوْ ليَذَرْ فَإِنَّهُ السُّنَّةَ" 2.
والتَّرْبِيعُ: أن يتقدَّم رجلان فيضع أحدهما العمود الأيمن على عاتقه الأيسر، والآخر العمود الأيسر على عاتقه الأيمن، ولذلك يحمل العمودين من مؤخرها اثنان فتكون الجَنَازة على هذه الهَيْئة محمولة على أربعة.
وقد نقل عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- أن من أراد التَّبَرُّك يحمل الجنازة من جوانبها الأربعة بدأ بالعَمُود الأيسر من مؤخرها فحمله على عَاتِقِه الأيمن ثم يسلم إلى غيره، ويأخذ العمود الأيسر من مؤخِّرها فيحمله على العاتق الأيمن أيضاً ثم يتقدم فيعترض بين يديها لئلاً يكون ماشياً خلفها فيأخذ العمود الأيمن من مقدمها ويحمله على عاتِقِهِ الأيسر ثم يأخذ العمود الأيمن من مؤخرها، ولا شك أن ذلك إنما يتأتى والجَنَازة
محمولة على هيئة التَّرْبِيع فهذا شأن الطَّريقين، وكل واحد منهما جائز.
وحكى القاضي الرُّوياني عن بعض الأصحاب: أن الأفضل الجمع بينهما بأن يحمل تَارَةً هكذا وتارة هكذا، وإذا أراد الاقْتِصَار على أَحَدِهِمَا فأيتهما أفضل؟ المشهور في المذهب: أن الحمل بين العمودين أفضل.
وعن أحمد: أن التَّربيع أفضل، وبه قال بعض أصحابنا.
وعن مالك: أنهما سواء، وأشار صاحب "التَّقريب" إلى وجه يوافقه.
وقال أبو حنيفة: الحَمْل بين العمودين بدعة.
الثانية: المَشْي أمام الجنازة أفضل، وبه قال مالك، وروى مثله عن أحمد، ويروى عنه أنه إن كان راكباً صار خلفها، وإن كان راجلاً فقدَّامها.
وقال أبو حنيفة: المشي خلفها أفضل.
لنا ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ وأبا بَكْرٍ، وعُمَرَ -رضي الله عنهما- يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ" 1 والأفضل أن يكون قدَّامها قريباً منها بحيث لو التفت لرآها 2، ولا يتقدمها إلى المَقْبَرة، ولو تقدم لم يكره، ثم هو بالخِيَار إن شاء قام منتظراً لها، وإن شاء قعد؛ لما روي عن علي -رضي الله عنه- قال: "قَامَ رسول الله مَعَ الْجَنَازَةِ حَتَّى تُوضَعَ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ قَعَدَ بَعْدَ ذلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِالْقُعُودِ" 3. وقال أبو حنيفة وأحمد: يكره الجلوس حتى توضع الجنازة.
الثالثة: سُنَّة المشي بالجنازة الإسراع إلا أن يخاف من الأسراع تغيُّراً في الميت، فيتأنى بها، والإسراع فوق المشي المعتاد دُونَ الْخَبَب، روي أن النَّبي "سُئِلَ عَنِ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ، فَقَالَ دُونَ الْخَبَبِ فَإِنْ يَكُ خَيْراً عَجَّلْتُمُوهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ يَكُ شَرّاً فُبُعْداً لِأَهْلِ النَّارِ" 4. وإن خِيفَ عليه تغَيُّرٌ وانفجار زيد في الإِسْرَاع.
الْقَوْلُ فِي الصَّلاَةِ
قال الغزالي: وَالنَّظَرُ فِي أَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ: الأَوَّلُ، فِيمَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ كُلُّ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ لَيْسَ بِشَهِيدٍ، احْتَرَزْنَا بِالمَيِّتِ عَنْ عُضْوٍ آدمِيٍّ فَإنَّهُ لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلاَّ إِذَا عُلِمَ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ فَيُصَلَّى عَلَى صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ غائِباً، وُيغَسَّلُ العُضْوُ وَيُوَارَى بِخِرْقَةٍ وَيُدْفَنُ.
قال الرافعي: حصر حجة الإسلام -رحمه الله- عليه بقية الكلام في صلاة الميت في أربعة أطراف للحاجة إلى النّظر فيمن يصلى عليه، ومن لا يصلى عليه، وفي أركان هذه الصَّلاة وشرائطها.
الأول: فيمن صلى عليه، ويعتبر فيه ثلاثة قيود.
أن يكون ميتاً، مسلماً، غير شهيد.
فأما قيد المسلم فيتعلق به مسألتان يشتمل الفصل على إحداهما، وهي ما إذا وجدنا بعض مسلم دون باقيه مثل إن أكله السبع، فلا يخلو إما أن يكون قد يعلم موت صاحبه أو لا يعلم، فإن لم يعلم فلا يصلى عليه، وإن علم.
موته صلى عليه قل الموجود أم كثر، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: "لا يصلى عليه إلا أن يكون أكثر من النِّصف" ويروى عن مالك مثله.
لنا أن الصَّحابة -رضي الله عنهم- صَلُّوا عَلَى يَدِ عبد الرحمن بن عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ -رضي الله عنه- أْلْقَاهَا طَائِرٌ بِمَكَّةِ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ وعَرَفُوا أَنَّهَا يَدُهُ بِخَاتَمِهِ" 1.
وهذا في غير الشعر والظفر ونحوها، وفي هذه الأجزاء وجهان:
أقربهما: إلى إطلاق الأكثرين أنها كغيرهما، نعم قال في "العدة": إن لم يوجد إلاَّ شعرة واحدة فلا يصلى عليها.
في ظاهر المذهب، إذ لا حرمة لها ومتى شرعت الصلاة، فلا بد من الغسل والمُوَارَاة بخرقة 2.
وأما الدَّفن فلا يختص [بما إذا علم] 3 بموت صاحب العضو، بل ما ينفصل من الحَيِّ من ظفر وشعر وغيرهما يستحب لهم دفنها، وكذلك يُوَارِى دم الفَصْد وَالحجَامَة
والعَلَقَة والمُضْغَة تلفيهما المرأة، وإذا وجد بعض ميت أو كله ولم يعلم أنه مسلم، فإن كان في دار الإسلام صلى عليه، لأن الغالب في الإسلام المسلمون.
وقوله: "إلا إذا علم موت صاحبه" يبين أنه لا صلاة فيما إذا علم حياة صاحبه، وفيما إذا لم يعلم موته ولا حياته، فإن كل واحدة من الحالتين تبقى في المستثنى منه.
وقوله: "فيصلى على صاحبه" معلم بالحاء والميم، وفيه إشارة إلى أن الصَّلاة ليست على نفس العضو وإنما هي على الميت ولا ينوي إلا الصلاة على جملته، وقد صرح بهذا القَاضِي الروياني وغيره، وكلام من قال: يصلي على العضو محمول عليه، فإن قلت: هذا حسن لكنه استثنى الحالة التي حكبم فيها بأنه يصلِّي على صاحبه من قوله: "فإنه لا يصلى عليه"، وفي هذه الحالة لا يصلِّي على العضو أيضاً فكيف ينتظم الاستثناء.
فالجواب: أن قوله: لا يصلِّي عليه أي على صاحبه، كما أن قول من قال: يصلِّي على العضو محمول عليه، وحينئذ ينتظم الاستثناء.
وقوله: "وإن كان غائباً" يشير إلى أن غَيْبة باقي الشَّخص لا تضر، فإنا نجوّز الصَّلاة على الغالب كله، فعلى الغائب بعضه أولى، ولذلك قال إمام الحرمين: حقيقة الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة -رحمه الله- في العضو يستند إلى أن الصَّلاة على الغائب صحيحة -وهو لا يراها- ويربط الصلاة بما شهد وحضر.
قال الغزالي: وَكَذَا السَّقْطُ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ التَّخْطِيطُ لاَ يُغَسَّلُ وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، فَإِنْ ظَهَرَ التَّخْطِيطُ فَفِي الغُسْلِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ غُسِّلَ فَفِي الصَّلاَةِ قَوْلاَنِ مَنْشُؤُهُمَا التَّرَدُّدُ فِي الحَيَاةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يُوَارَى بِخِرْقَةِ وَيُدْفَنُ، فإنِ اخْتَلَجَ بَعْدَ الانْفِصَالِ فَالصَّلاةُ عَلَيْهِ أَوْلَى (ح م)، فَإِنْ صَرَخَ وَاسْتَهَلَّ فَهُوَ كَالكَبِيرِ.
قال الرافعي: المسألة الثانية في السّقْط وله حالتان 1:
إحداهما: أن يستهلّ أو يبكي، فهو والكبير سواء؛ لأنا تيقَّنا حياته وموته بعد الحياة، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا اسْتَهَلَّ السَّقْطُ صُلِّيَ عَلَيْهِ" 2.
والثَّانِية: أن لا يتيَّقن حياته باستهلال وغيره، فإما أن يُعَرَّى عن أمارات الحياة
كالاخْتِلاجَ ونحوه أو يوجد شيء من ذلك، فإن عرى فينظر هل بلغ حداً يمكن نفخ الروح فيه؟ وهو أربعة أشهر فصاعداً أم لا؟ فإن لم يبلغه فلا يصلى عليه، وهل يغسل؟ فيه طريقان:
أصحهما: لا، كما لا يصلى عليه، فإن حكم كل واحد منهما حكم من عرض له الموت، وعروض الموت يستدعى سبق الحياة.
والثاني: فيه قولان وسنذكر الفرق بين الغسل والصَّلاة، وإن بلغ أْربعة أشهر فصاعداً فهل يصلى عليه؟ فيه قولان:
أحدهما -وينسب إل القديم - نعم إذا ورد في الخبر: "أنَّ الْوَلَدَ إِذَا بَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ" 1، ويحكى عن "الأمِّ" والبُويطِيِّ: أنه لا يصلى عليه ويوجه بالخبر الذي سبق، فإن ظاهره يقتضي اشتراط الاستهلال.
وأيضاً بأنه لا يرث ولا يورث، فلا تجب الصلاة عليه كما لو سقط لدون أربعة أشهر.
وفي الغسل طريقان:
أظهرهما: القطع بأنه يغسل.
والثاني: فيه قولان.
والفرق أن الغسل أوسع باباً من الصلاة، أَلاَ ترى أن الذِّميَّ لا يصلى عليه ويغسل، وأما إذا اخْتَلَجَ بعد الانفصال وتحرك ففي الصلاة عليه قولان:
أحدهما: لا يصلى عليه، وبه قال مالك لعدم تيقُّن الحياة بخلاف الاسْتِهْلاَل.
وأظهرهما: أنه يصلِّي عليه لظهور احْتمال الحياة بسبب الأَمارة الدَّالَّة عليها، ومنهم من قطع بأنه يصلى عليه، وفي الغسل هذان الطريقان لكن القَطْع في الغسل أظهر منه في الصلاة.
ثم نعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "السَّقط الذي لم يظهر فيه التَّخْطيط".
وقوله: "ظهر فيه التخطيط" فيعلم أن المراد منه ظهور خلقة الآدمي، وهذه العبارة حكاها إمام الحرمين عن الشيخ أبي علي، وعبارة الجمهور التي قدمناها، وهي: أن ينظر هل بلغ حد نفخ الروح أم لا؟
قال الإمام: ويمكن أن يقال: الاختلاف في مَعْض العبارة، ومهما بدأ التَّخليق فقد دخل أوان نفخ الروح، وإن لم يَبْدُ لم يدخل، وقد يظن تخلَّل زمان بين أوائل التَّخْليق وبين جريان الروح فإن كان هكذا اختلف الطريقان -والله أعلم-.
وقوله: "وإن ظهر التخطيط" أي: ولم يختلج ولا تحرك.
أما: إذا اخْتَلَجَ فقد ذكره من بعد.
قوله: "وإن
غسل ففي الصَّلاة قولان" ترتيب الصَّلاة على الغسل إن قلنا: لا يغسل فلا يصلّى عليه، وإن قلنا: يغسل ففي الصلاة قولان: وإذا جمعنا بينهما قلنا: فيه ثلاثة أقوال:
ثالثها: الفرق بين الغسل والصَّلاة.
وقوله: منشأهما التردد في الحياة، أي: في منشأ القَوْلين فيهما جميعاً، لا في الصَّلاة وحدها، وإن كان مذكورًا بعد ذكر قولين الصلاة.
وقوله: "وعلى كل حال يوارى بخرقة ويدفن"، المواراة قد تكون على هَيْئَة التكفين على ما سبق بيانها، وقد تكون على غير تلك الهيئة، فما لم يظهر فيه خلقة الآدمي، يكفي فيه المُوَاراة كيف كانت وبعد ظهور خلقة الآدمي حكم التَّكْفِين حكم الغسل.
وقوله: "عند الاخْتِلاج فالصلاة عليه أولى" أي: من الصَّلاة عند عدم الاخْتِلاجَ، وهو جواب على طريقة طَرْدِ القولين والحالة هذه، وقد حكينا فيها قطع قاطعين بأنه يصلى عليه، فإنه يجوز أن يعلّم قوله: "فالصلاة عليه أولى" بالواو وإشارة إليه.
قوله: فإن صرخ واستهل هو الحالة الأولى في ترتيب الشَّرح.
قال الغزالي: وَاحْتَرَزْنَا بِالمُسْلِمِ عَنِ الكَافِرِ فَإنَّهُ لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ ذِمِّيّاً كَانَ أَوْ حَرْبِيّاً لَكِنَّ تكْفِينَ الذِّمِّيِّ وَدَفْنَهُ مِنْ فُرُوضِ الكِفَايَاتِ وَفَاءً بِذِمَّتِهِ.
وَقِيلَ: لاَ ذِمَّةَ بَعْدَ المَوْتِ فَهُوَ كَالحَرْبِيِّ، وَلَوْ اخْتَلَطَ مَوْتى المُسْلِمِينَ بِالمُشْرِكِينَ غَسَّلْنَا جَمِيعَهُمْ وَكَفَّنَّاهُم تَفَصِّياً عَنِ الوَاجِبِ، ثُمَّ عِنْدَ الصَّلاَةِ يُمَيَّزُ المُسْلِمُونَ بِالنِّيَّةِ.
قال الرافعي: القيد الثاني كونه مسلماً، فلا تجوز الصَّلاة على الكافر حربياً كان أو ذمياً.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ 1.
ولا يجب على المسلمينِ غسله أيضاً، ذمياً كان أو حربياً لكن يجوز خلافاً لمالك -رحمه الله-.
لنا: أنَّ النَّبِيَّ "أَمَرَ عَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنُهُ- بغَسْلِ أَبِيهِ أَبِي طَالِب" 2 وأقاربه الكُفَّار أَوْلَى بغسله من المُسْلمين، وأما التَّكفين والدَّفْن فَينظر إن كان الكافر ذميّاً، ففي وجوبهما على المُسْلمين وجهان:
أظهرهما: يجب وفاء لذمته، كما يجب أن يطعم ويكسى في حياته.
والثاني: لا يجب فإنا لم نلتزم إلا الذَّبَّ عنه في حياته والذمة قد انتهت بالموت
وإن كان حربياً ففي الكتاب إشعار بأنه لا يجب تكفينه ولا دفنه بلا خلاف؛ لأنه ألحق الذِّمي به في الوجه الثاني، لكن صاحب "التهذيب" فرق بين الأمرين، فقال: لا يجب تكفينه؛ لأن النّبي "أَمَرَ بِإلْقَاءِ قَتْلَى بَدْرِ فِي الْقَلِيبِ عَلَى هَيْئَاتِهِمْ" 1. وفي وجوب موارته وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأن النَّبِي أمر بها في قَتْلَى بدر 2.
والثاني: لا يجب بل يجوز إغْراء الكلاب عليه فإن فعل فذاك، لئلا يتأذَّى الناس برائحته وكذلك حكم المرتد.
إذا عرفت ذلك فلو اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين ولم يتميزوا بأن انهدم عليهم سقف مثلاً وجب غسل جميعهم والصلاة عليهم.
وبه قال مالك وأحمد ثم إن صلّى عليهم دفعه جاز، ويقصد المسلمين منهم بنيته، وإن صلّى عليهم واحداً واحداً جاز أيضاً وينوي الصلاة عليه إن كان مسلماً، ويقول: "اللهم اغفر له إن كان مسلماً"، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يصلّى عليهم إلاَّ أن يكون المسلمون أكثر.
لنا أن الصَّلاة على المسلمين واجبة بالنُّصوص ولا سبيل إلى إقامة الواجب هاهنا إلا بهذا الطريق.
قال الغزالي: وأَمَّا الشَّهِيدُ فلاَ يُغَسَّلُ (ح) وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، والشَّهِيدُ مَنْ مَاتَ بِسَببِ القِتَالِ مَعَ الكُفَّار فِي وَقْتِ قِيَامِ القِتَالِ فَإِنْ كانَ فِي قِتَالِ أَهْلِ البَغْي أَوْ مَات حَتْفَ أَنْفِهِ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ أَوْ قَتَلَهُ الحَرْبيُّ اغْتِيَالاً مِنْ غيْرِ قِتَالٍ أو جرحٍ فِي القِتَالِ وَمَاتَ بَعْدَ انْفِصَالِ القِتَالِ وَكَانَ بحَيْثُ يُقْطَع بِمَوْتهِ فَفِي الكُلِّ قَوْلاَنِ مَنْشَؤُهُمَا التَّرَدُّدُ فِي أَنَّ هَذِهِ الأَوْصَافَ هَلْ هِيَ مُؤَثِّرَةٌ أَمْ لاَ؟ أَمَّا القَتِيلُ ظُلْمًا مِنْ مُسْلِم أَوْ ذِمِّيِّ أَوْ بَاغ أَوِ المَبْطُونُ أَو الغَرِيبُ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ.
قال الرافعي: القيد الثَّالث لمن يصلى عليه ألا يكون شهيداً، فالشهيد لا يصلى عليه ولا يغسل أيضاً، وبه قال مالك خلافاً لأبي حنيفة في الصّلاة، وبه قال أحمد في رواية واختاره المزني.
لنا أن جابراً وأنساً -رضي الله عنهما- رويا: أن النّبي "لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلهُمْ" 3. ولا فرق بين الرَّجُل والمرأة والحُرِّ والعبد والبالغ والصبي.
وعند أبي حنيفة الصبي كسائر الموتي يغسل، ثم ما المعنى بقولنا: "لا يغسل ولا يصلى عليه"، يعني به: أنهما لا يجبان، أو يحرمان.
وأما الصلاة ففي "النهاية" و"التهذيب" ذكر وجهين في جوازها:
أظهرهما: أنها غير جائزة، ولو جازت لوجب كالصلاة على سائر الموتى.
والثاني: أنها جائزة، وإنما تترك رُخْصَة لمكان.
الاشْتِغال بالحرب، وهذا ما صححه الشيخ أبو محمد فيما علق عليه، وأما الغسل فقد أطلق في "التّهذيب" المنع منه، وذكر الإمام: أنه لا سبيل إليه، وإن جوزنا الصلاة إذا أدى غسله إلى إزالة دم الشَّهادة، فإن لم يكن عليه دم ففي غسله تردد، كما في الصلاة إذا تكرر ذلك فلا بد من معرفة الشهيد.
واعلم: أن اسم الشهيد قد يخصّ في الفقه بمن لا يغسل ولا يصلى عليه، وعلى هذاً فقوله: "والشّهيد من مات بسبب القتال... " إلى آخره، مجرى على ظاهره، وقد يسمى كل مقتول ظلماً شهيداً، وهو أظهر ألا ترى أن الشّافعي -رضي الله عنه- يقول في "المختصر": و"الشُّهداء الذين عاشوا وأكلوا الطعام... " إلى أن قال: "كغيرهم من الموتى" أثبت اسم الشهداة مع الحكم بأنهم كسائر الموتى، وعلى هذا فقوله في الكتاب: "والشهيد من مات" أي: والشَّهيد الذي ذكرنا أنه لا يغسل، ولا يصلى عليه، وعلى هذا الاصطلاح نقول: الشهداء نوعان:
أحدهما: الدين لا يغسلون ولا يصلى عليهم، وضبط في الكتاب فقال: "والشَّهيد من مات بسبب القتال مع الكفار في وقت قيام القتال" وقد اشتمل على ثلاثة معان:
الموت بسبب القتال، وكونه قتال الكفار، وكون الموت في قيام القتال ويدخل فيه ما إذا قتله مشرك، وما إذا أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد إليه سهمه، أو تردى في حملته في وَهْدَة، أو سقط على فرسه، أو رَفَسَتْه دابَّة فمات، وما إذا انكشف الحَرْبُ عن قتيل من المسلمين سواء كان عليه أثر أم لا؛ لأن الظاهر موته بسبب من أسباب القتال، ويحتمل أنه مات لِسَقْطَة وغيرها، فلم يظهر عليه أثر.
وعند أبي حنيفة وأحمد: إن لم يكن عليه أثر غُسل وصلى عليه، ومهما فقد أحد المعاني التي يتركب عنها الضابط، ففي ثبوت حكم الشهادة خلاف، ويتبين ذلك بمسائل:
إحداها: المقتول من أهل العَدْلِ في مُعْتَرك أهل البغي، هل يغسل ويصلى عليه؟ فيه قولان:
إحداهما: لا، وبه قال أبو حنيفة في الغسل كالمقتول في معترك الكفار، ويروى أن عليّاً -رضي الله عنه- "لَمْ يُغَسِّلْ مَنْ قُتِل مَعَهُ 1، وَأَوْصَى عَمَّارٌ -رضي الله عنه- بأَنْ لاَ يُغَسَّلَ 2.
والثَّاني: وبه قال مالك: نعم؛ لأنه قتيل مسلم، فأشبه ما لو قتله في غير القتال.
واحتج لهذا القول بأن أسماء "غَسَّلَتِ ابْنَهَا ابْنَ الزُّبَيْرِ -رضي الله عنهم- وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا مُنْكِرٌ" 1. وعن أحمد روايتان كالقولين، وذكر قول منهم صاحب "العدة": أن القول الأول أصح، لكن الجمهور على ترجيح الثاني، والقولان منصوصان في "المختصر"، في كتاباً "قتال أهل البغي"، ولا خلاف عندنا في أن البَاغِي إذا قتله العادل يغسل، ويصلّى عليه.
وقال أبو حنيفة: "لا يصلى عليه عقوبة له"، ومن قتله القُطَّاع من الرّفقة فيه طريقان:
أحدهما: أن حكمه على القولين في العَادِل إذا قتله أهل البغي.
والثاني: أنه ليس بشهيد جزماً.
والفرق: أَنَّ قتالهم مع أهل العَدْل على تأويل الدين بخلاف القطّاع.
الثانية: لو مات في مُعْتَرك الكفار لا بسبب من أسباب القتال ولكن مفاجأة أو لمرض، فقد حكى الإمام عن شيخه فيه وجهين:
أصحهما: أنه ليس بشهيد، ولم يذكر في "التَّهذيب" سواه.
ووجهه أن الأصل وجوب الغُسْل والصلاة، وخالفناه فيما إذا مات بسبب من أسباب القتال تعظيماً لأمره، وحثّاً للناس عليه.
الثالثة: لو دخل الحَرْبِيُّ بلاد الإسلام فقتل مسلماً اغتيالاً من غير قتال، فقد ذكر الإمام أن الشيخ أبا علي حكى فيه وجهين، والأصح المشهور: أنه لا يثبت له حكم الشهادة.
الرابعة: لو جرح في القتال ومات بعد انقضائه ففي ثبوت حكم الشهادة قولان:
أحدهما: يثبت؛ لأنه مات بجرد وجد فيه، فأشبه ما لو مات قبل انقضائه.
وأظهرهما: وبه قال أحمد، فيما رواه صاحب "الشامل": وغيره.
أنه لا يثبت لأنه عاش بعد انقضاء الحرب، كما لو مات بسبب آخر، ولا فرق على القولين بين أن يطعم أو يتكلم أو صلى وبين أن لا يفعل شيئاً من ذلك، ولا بين أن يمتدَّ الزمان أو لا يمتد، وقال مالك: إن امتدّ الوقت أو أكل غسل وصلى عليه، وإلاَّ فلا.
وقال أبو حنيفة: إن أطعم أو تكلم أو صلّى فهو كسائر الموتى، وللقولين شرطان:
أحدهما: قد تعرّض له في الكتاب أن يقطع بموت من تلك الجراحة فأما إذا توقع بقاؤه فمات بعد انقضاء القتال فليس بشهيد بلا خلاف.
والثاني: أن تبقّى فيه حْيَاة مستقرّة، ثم يموت بعد إنقضاء القتال، فأما إذا انقضى القتال وليس به إلا حركة المَذْبُوح، فهو شهيد بلا خلاف، وهذه المسائل الأربع بأسرها مذكورة في الكِتَاب، وقد تبيَّن بما ذكرناه أن الأظهر فيها جميعاً انتفاء الشَّهادة واعتبار المَعاني الثلاثة في الضابط.
وأعلم قوله "في وقت قيام القتال" بالحاء والميم؛ لأنهما لا يعتبران قيام القتال، وإنما مذهبهما ما قدمناه.
وقوله: "ففي الكل قولان" فيه إثبات قولين في الصور الأربع، انهما مشهوران في الأولى والرابعة، وأما الثّانية والثّالثة فلم تر للمعظم فيهما حكاية القولين، وإنما ذكر من الخلاف وجهين ويجوز أن يعلم قوله: "قولان" بالواو؛ لأن في "النهاية" حكاية طريقة في الصورة الرابعة مفصلة، وهي أنه إن مات قريباً ففيه قولان، وإن بقي أياماً ثم مات فليس بشهيد قطعاً، والذي في الكتاب إثبات قولين على الإطلاق.
وقوله: "منشأهما التردد في أن هذه الأوصاف هل هي مؤثرة أم لا" يعني الأوصاف الثلاثة المذكورة في الضابط هل هي مؤثرة في موضع الإثبات أم لا؟ وليس في هذا القدر من التَّوجيه كثير فائدة، فإن الفقيه لا يشك في أنّا إذا أبطلنا حكماً بأمور، واختلفنا في بقاء ذلك الحُكْم مع ذوات بعض الأمور فقد اختلفا في تأثيره، وإنما المهمُّ النَّظر في أنه لم يعتبر أو يلغى.
النوع الثاني من الشهداء: العارون عن الأوصاف المذكورة جميعاً، فهم كسائر الموتى يغسلون ويصلى عليهم، وإن ورد لفظ الشهادة فيهم، كالمَبْطُون والغَرِيب والغَرِيق والميت عشقاً والميتة طلقاً، وكذا الذي قتله ظلماً مسلم أو آدمي أو باغ في غير القتال حكمه حكم سائر الموتى.
وبه قال مالك، وهو رواية عن أحمد خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: كل من قتل ظلماً قتلاً يوجب القصاص فهو شهيد، وإنْ وجب به المال فلا يخرج من ذلك أن المقتول بالمُثقّلِ ليس بشهيد فيما نحن فيه، ولم يعتبر في القِتَال ذلك، بل أثبت حكم الشّهادة سواء قتل بالمُثَقّلِ أو بالمُحَدَّد.
وقال أحمد في رواية: كل مقتول ظلماً فهو شهيد.
لنا أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- غسل، وصلي عليه 1، وكذلك
عثمان 1 -رضي الله عنه- وقد قتلا ظلماً بالمحدّد.
قال الغزالي: وَكَذا القَتِيل بِالحَقِّ قِصَاصاً أَوْ حَدّاً لَيْسَ بِشَهِيدٍ، وَتَارِكُ الصَّلاَةِ يُصَلَّى عَلَيْهِ (و) وَقَاطِعُ الطَّريقِ يُقْتَلُ أوّلاً وُيصَلَّى عَلَيْهِ وَيُغَسَّلُ وُيكَفَّنُ ثُمَّ يُصْلَبُ مُكَفَّناً عَلَى قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ: يُقْتَلُ مَصْلُوباً ثمَّ يُنْزَلُ وُيغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقْتَلُ مَصْلُوباً وَيَبْقَى فقَدْ قَالَ: لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ.
قال الرافعي: إذا تبيَّن أن المقتول ظلماً ليس بشهيد إذا لم يكن بالصفات المقدمة، فالقتيل حقّاً أولى أن لا يكون شهيداً.
وقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "رَجَمَ الْغَامِدِيَّةِ، وَصَلَّى عَلَيْهَا" 2. وذكر في الكتاب مما يتفرع على هذا الأصل صورتين، وذكرهما في غير هذا الموضع.
إحداهما: أن تارك الصَّلاة يصلى عليه ويغسل؛ لأنه مسلم مقتول حقّاً، وعن صاحب "التلخيص" بأنه لا يصلى عليه؛ لأنه تارك الصلاة في حياته فتترك الصلاة عليه.
وقال أيضاً: لا يغسل ولا يكفن ويطمس قبره تغليظاً عليه.
الثانية: غسل قاطع الطريق والصلاة عليه، تبنى على كيفية إقامة الحدّ عليه، وفي قتله وصلبه إذا اقتضى الحَالُ الجَمْعُ بينهما خلافاً على ما سيأتي شرحه وتفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأظهر القولين: أنه يقدم القتل على الصَّلبُ، فيقتل ثم يغسل ويصلى عليه ثم يصلب مكفناً:
والقول الثاني: أنه يقدم الصلب ثم يقتل.
وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-، وعلى القولين إذا صلب فهو ينزل بعد ثلاثة أيام أو يبقى حتى يتهرّى، فيه وجهان:
فإن قلنا بالوجه الأول تفريعاً على القول الثاني فيغسل بعد ما ينزل ويصلّى عليه.
وإن قلنا بالوجه الثاني تفريعاً عليه فلا يغسل ولا يصلّى عليه، وهذا ما أشار إليه بقوله: "ومن رأى أنه يقتل ويبقى فقد قال: لا يصلى عليه".
قال إمام الحرمين: وكان لا يمتنع أن يقتل مصلوباً، وينزل فيغسل ويصلى عليه ثم
يرد، ولكن لم يذهب إليه أحد.
وقوله: "ويصلّى عليه" مرقوم بالحاء؛ لأنه يقول: لا يصلى على قاطع الطريق عقوبة له كما ذكر في الباغي.
وحكى في "النهاية" طريقة أخرى غير مبنيّة على كيفية عقوبة قاطع الطريق، فقال: قال بعض الأصحاب: لا يغسل ولا يصلى عليه استهانة به وتحقيراً لشأنه، فيجوز أن يعلّم قوله في الكتاب في موضعين من الفصل: "ويغسل ويصلى عليه" بالواو، إشارة إلى هذه الطريقة، وليست هي بالوجه المذكور في قوله: "ومن رأى أنه يقتل مصلوباً... " إلى آخره؛ لأنه مبني على كيفية عقوبته.
قال الغزالي: ثمَّ الشَّهِيدُ لا يُغَسَّلُ وَإِنْ كَانَ جُنُبًا، وَهَلْ يُزَالُ أَثَرُ النَّجَاسَةِ الَّتي لَيْسَتْ مِنْ أَثَرِ الشَّهَادَةِ؟ فيه خِلاَفٌ، وَثِيَابُهُ المُلَطَّخَةُ بِالدَّمِ تُتْرَكُ عَلَيْهِ مَعَ كَفَنِه إِلاَّ أَنْ يَنْزِعَة الوَارِثُ، وُينْزَعُ مِنه الدِّرْعُ وَثِيَابُ القِتَالِ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على ثلاث صور:
إحداها: لو استشهد جنب هل يغسل؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ وهو المذكور في الكتاب.
وبه قال مالك؛ لأن حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- "قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ جُنُبٌ، فَلَمْ يُغَسِّلْهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ: رَأَيْتُ المَلاَئِكَةَ تُغَسَّلُهُ" 1.
والثاني: وبه قال أحمد وابن سريج وابن أبي هريرة: يغسل؛ لأن الشهادة إنما تؤثر في غسل وجب بالموت، وهذا الغسل كان واجباً قبله، والوجهان متفقان على أنه لا يصلّى عليه، وعند أبي حنيفة يغسل ويصلّى عليه.
الثانية: لو أصابته نجاسة لا بسبب الشَّهادة فهل تغسل تلك النّجاسة عنه.
قال إمام الحرمين: حاصل القول فيه أوجه استخرجتها من كلام الأصحاب.
أحدها: وهو الظاهر أنها لا تزال؛ لأن الذي مبقيه أثر العبادة، وليست هذه النجاسة من أثر العبادة.
والثاني: لا؛ لأنا نهينا عن غسل الشهيد مطلقاً.
والثالث: أنه إن أدى إزالتها إلى إزالة أثر الشَّهادة، فلا تزال وإلاَّ فتزال.
الثالثة: الأولى: أن يكفَّن في ثيابه الملطَّخة بالدم، فإن لم يكن ما عليه سابغاً أتم، وإن أراد الوَرَثَةُ نزع ما عليه من الثِّياب وتكفينه في غيرها لم يمنعوا.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: لا يجوز إبدالها بغيرها من الثياب، وأما الدّرع والجلود والفِرَاء والخفَاف فتنزع منه خلافاً لمالك حيث قال: لا ينزع منه فَرْوٌ ولا خُفّ.
لنا على أبي حنيفة القياس على سائر الموتى، ويفارق الغسل والصلاة.
أما الغسل؛ فلأن في تركه إبقاء لأثر الشَّهادة على بدنه، وأمّا الصّلاة فلأن في تركها تعظيماً له واشعاراً باستغنائه عن دعاء القوم، وعلى مالك لما روي أنه النَّبي "أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ وأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائهِمْ وَثِيَابِهِمْ" 1. وقوله في الكتاب: "وثيابهم الملطخة بالدم تترك عليه مع كفنه طاهرة"، يقتضي كونها غير الكفن لكن الذي قاله الجمهور: أنه يكفن بها فإن لم تَكْفِ أتمت -والله أعلم-.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّانِي فِيمَنْ يُصَلِّي: وَالأَولَى بِهَا القَرِيبُ، وَلاَ يُقَدَّمُ عَلَى القَرَابَةِ إلاَّ الذُّكُورُ وَلاَ يُقَدَّمُ الوَالِي (و) عَلَيْهِ، ثُمَّ يُبْدَأُ بِالأَبِ ثُمَّ الجَدِّ ثُمَّ الابْنِ ثُمَّ العُصَبَاتِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الوِلاَيَةِ، ثُمَّ الأخُ مِنَ الأَبِ وَالأُمِ مُقَدَّمٌ عَلَى الأخِ مِنَ الأَبِ فِي أَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ فَذَوُو الأَرْحَامِ، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ المُعْتَقُ.
قال الرافعي: غرض الفصل الكلام فيمن هو أَوْلَى بالصَّلاة على الميت، وقد اختلف قول الشافعي -رضي الله عنه- في أنَّ الولي أَوْلَى بها أم الوالي؟ قال في القَديم: الوالي أولى ثم إمام المسجد ثم الوالي.
وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله- كما في سائر الصلوات.
وقد روي "أَنَّ حُسَيْناً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَدَّمَ سَعِيدَ بْنَ العَاصِ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ فَصَلَّى عَلَى الْحَسَنِ -رَضِيَ الله عَنْهُ-" 2.
وقال في الجديد وهو المذكور في الكتاب: الوَلِيُّ أولى؛ لأنها من قضاء حقِّ الميت، فأشبهت الدَّفن والتكفين؛ ولأنها من الأمور الخاصَّة بالقريب، فالولِيُّ أولى بها من الوالي، كولاية التَّزويج وتفارق سائر الصلوات؛ لأن معظم الغرض هاهنا الدّعاء للميت، فمن يختص بزيادة الشَّفقة دعاؤه أقرب إلى الإجابة، ونعني بالوَلِيِّ القريب، فلا يقدم غيره عليه إلا أن يكون القريب أنثى وثمّ أجنبي ذكر فهو أولى حتى يقدم الصَّبي المراهق على المرأة القريبة، وهكذا الحكم في سائر الصلوات الرجل أولى من المرأة، لأن اقتضاء النساء بالرجال جائزة وبالعكس لا يجوز، ثم في انْفِرَاد النسوة بهذه الصَّلاَة كلام سيأتي من بعد، ثم الأولى من الأقارب الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا ثم الابن ثم ابن الابن وإن سفل، وهما مؤخران عن الأب والجد، وإن كانا مُقّدمين عليها في
عصوبة الميراث، ومُقدّمان على سائر العَصَبات، وإن لم يثبت لهما ولاية التَّزويج، أما تأخيرهما عَنِ الأَب والجدِّ؛ فلأن المقصود الدُّعاء، والأب أشفق فيكون دعاؤه أقرب إلى الإِجَابة، وأما تَقديمهما على سائر العَصَبَات فلمثل هذا المعنى أيضاً بخلاف أمر النِّكاح فإن اعتنائهم بحفظ النَّسب أشد ثم بعد الابن يقدم الأخ وفي تقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب، طريقان:
أحدهما: أن فيه قولين كما سيأتي ذكرهما في ولاية النكاح، وبه قال القَاضِي أَبُو حَامِدٍ، وأبو علي الطَّيَرِي.
وأصحهما: القطع بتقديمه؛ لأن لقرابة النّساء تأْثيراً في الباب على ما سيأتي فيصلح للتَّرجيح، وليس لها تأثير في ولاية التزويج بحال، وعلى هذا فالمقدّم بعدهما ابن الأخ للأب والأم ثم ابن الأخ للأب ثم العم للأب والأم ثم العم للأب ثم ابن العم للأب والأم ثم ابن العم للأب ثم عم الأب ثم عم الجدّ على ترتيب العَصَابَات في الميراث والولاية، وإن لم يكن أحد من عصابات النَّسب أصلاً قدم المعتق.
قال في "النّهاية": ولعل الظاهر تقديمه على ذَوِي الأرحام، ولهم استحقاق في هذا الباب للمعنى الدم تقدم بخلاف ما في الميراث.
وأما ما يتعلَّق بلفظ الكتاب فقوله: "ولا يقدم الوالي عليه" مرقوم بالميم والحاء والألف والواو، لما قدمناه، ولك أن تعلم قوله: "الأولى بها القريب" بهذه العلامات أيضاً، وقد يبحث عن قوله: ولا يقدم على القرابة إلا الذّكورة فنقول: قضيَّة هذا الكلام تقديم القَرِيب على الأجنبي الذي أوصى الإِنسان بأن يصلّى عليه، فهل هو كذلك أم يتبع وصيته؟
والجواب: أن الشيخ أبا محمد خرّج المسألة على وجهين كالوجهين فيما إذا أوصى في أمر أطفاله إلى أجنبي وأبوه الذي يلي أمرهم شرعاً حي.
أصحهما: ولم يذكر الأكثرون سواه: تقديم القريب؛ لأنَّ الصَّلاة حقه، فلا تنفذ وصيّة فيه.
والثَّاني: أنه تتبع وصيته، وهو مذهب أَحْمَد -رحمه الله- وبه أَفْتَى الإمَامُ محمد بن يحيى- قدّس الله روحه -في جواب مسائل سأله عنها والدي -رحمة الله عليهما-.
وقوله: "ثم يبدأ بالأب ثم الجدّ" معلّم بالميم، لأن مالكاً يقدم الابن علي الأب.
وقوله: "ثم العصابات" معلّم بالميم أيضاً؛ لأنه يوجب تأخير الأخ عن الجد، وعنده يقدم الأخ عليه.
وقوله: "ثم إن لم يكن وارث فذووا الأرحام" يقتضي تقديم الأخ للأم على ذوي الأرحام كلهم.
قال صاحب "التَّهْذِيب": إن لم يكن أحد من العَصَبات فإن الأم أولى ثم
الأخ للأم ثم الخال ثم العم للأم فيقدم أبو الأم وهو من ذوي الأرحام على الأخ للأم فالوجه أن يحمل قوله: "إن لم يكن وارث" أي: من العصبات وهم الَّذِين سبق ذكرهم هذا فقه الكلام.
وقوله: "ويقدم عليهم المُعْتق" كأنه مذكور إيضاحاً، وإلاَّ فقد تقدم في موضعين من لفظ الكتاب ما يفيده.
أحدهما: "حيث قال: ثم العَصَبات على ترتيبهم في الوِلاية" وذلك يقتضي أن يلي درجة المعتق درجة عصبات النَّسب كما في الولاية وذلك يقتضي أنْ لا يتخلَّلها ذوو الأرحام.
والثاني: حيث قال: "ثم إن لم يكن وارث فذوو الأرحام" والمعتق من الوارثين، ثم لا بأس بإعلام قوله: "ويقدم عليهم المعتق" بالواو؛ لأن في لفظ صاحب "النّهاية" ما يقتضي إثبات خلاف فيه كما قدمناه، وكذلك لفظ المصنف في "الوسيط" والله أعلم.
قال الغزالي: فَإذَا تَعَارَضَ السِّنُّ وَالفِقْهُ فَالفَقِيهُ أَوْلَى عَلَى أَظْهَرِ المَذْهَبَيْنِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ عَبْدٌ فَقِيهٌ وَحُرٌّ غَيْرُ فَقِيهٍ أَوْ أَخٌ رَقِيقٌ وَعَمٌّ حرّ ففِي المَسْألَتَيْنِ تَرَدُّدٌ، وَعِنْدَ تَساوِي الخِصَالِ لاَ مَرْجِعَ إِلا القُرُعَةُ أَوِ التَّرَاضي.
قال الرافعي: إذا اجتمع اثنان في درجة واحدة كابنان وأخوين ونحوهما وتنازعا فقد قال في "المختصر": يقدم الأسن، وذكر في سائر الصلوات أنَّ الأفقه أولى، واختلف الأصحاب على طريقتين:
أصحهما: وهي التي ذكرها الجمهور أن المسألتين على ما نص عليها والفرق بين سائر الصلوات وصلاة الجنازة أن الغرض من صلاة الجنازة الدعاء والاستغفار للميت، والأسن أشفق عليه، ودعاؤه أقرب إلى الإجابة لما روي أنه قال: "إِنَّ اللهَ لاَ يَرُدُّ دَعْوَةٌ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ" 1.
والثانية حكاها الإمام عن رواية العراقيين: التَّصرف في النَّصَّين بالنقل والتَّخريج، وليس المعتبر في تقديم السِّن الشّبيه، وبلوغ سن المشايخ، ولكن يقدم الأكبر وإن كانا شابين، وإنما يقدم الأَسنُّ بشرط أن يكون محمود الحال، فأما في الفاسق والمبتدع فلا، ويشترط مضي السِّن في الإسلام كما سبق في سائر الصلّوات.
وقوله: على أظهر المَذْهَبَيْن جواب على طريقة إثبات الخلاف في المسألة إذ لا
يمكن حمل المذهبين على الطّريقتين، فإنه يَقْتَضِي إثبات طريق جازم بتقديم الفقيه، وذلك مِمَّا لا سائر إليه في صلاة الجنازة.
وإذا عرفت ذلك فكلام المُصَنِّف يخالف ما ذكره المعظم من وجهين:
أحدهما: أنهم رجحوا الطريقة القاطعة بتقديم السّن، وهو أجاب بإثبات الخلاف.
والثاني: أنهم جعلوا الأَظْهَر تقديم السِّن، وإن قدر إثبات الخِلاَف، هذه إحدى مسائل الفصل.
والثانية: لَوْ اسْتَوى اثْنَان في الدَّرَجَة، وأحدهما رقيق فالحُرُّ أَوْلَى، وإن كان أحدهما رقيقاً فقيهاً والآخر حراً غير فقيه.
فقد حكى إمام الحرمين فيه وجهين للشيخ أبي محمد لتعارض المعنيين.
قال في "الوسيط": ولعل التَّسوية أولى.
الثالثة: لو كان الأقرب رقيقاً والأبعد حراً كالأخ الرقيق مع العم الحر فأيهما أولى؟ فيه وجهان:
أحدهما: الأخ أولى؛ لأن هذه الصَّلاة مبناها على الرِّقة والشَّفقة والأقرب أشفق، ولهذا يقدم القريب المملوك على الأجنبي الحُرِّ.
وأظهرهما عند الأكثرين: أن العَمَّ أولى لاختصاصه بأهلية الولاية كما في ولاية النكاح وكما لو استويا في الدرجة.
قال في "النهاية": وأوثر في مثل هذه المسألة مصير بعض الأصحاب إلى التَّسْوِية لِتَقَابُل الأمرين.
الرابعة: إذا اجتمع قوم في درجة واحدة واستوت خصالهم، فإن رضوا بتقديم واحد فذاك وإلاَّ أقرع بينهم قطعاً للنزاع.
قال الغزالي: ثُمَّ ليَقِفِ الإِمَامُ وَرَاءَ الجَنَازَةِ عِنْدَ صَدْرِ المَيِّتِ إِنْ كَانَ ذَكَراً وَعِنْدَ (ح) عَجِيزَةِ المَرْأَةِ كَأنَّهُ يَسْتُرُهَا عَنِ القَوْمِ، فَلَوْ تَقَدَّمَ عَلَى الجَنَازَةِ لَمْ يُجِزْ عَلَى الأَصَحِّ؛ لِأنَ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ فِي حَقِّ الغَائِبِ بِسَبَبِ الحَاجَةِ.
قال الرافعي: غرض الفصل الكلام في موقف المُصلّي على الجَنَازة، وفيه مسألتان:
إحداهما: السُّنة للإمام أن يقف عند عَجِيزَة المرأة.
لما روي عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- أنَّ النّبي "صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا" 1. والمعنى: فيه محاولة سترها عن أعين الناس.