آخَرُ: [إذا حلَف المدَّعي عند نكول المدَّعَى عليه]، فإن كان المدعي قتلاً عمداً, ثَبَت القصاص؛ لأن اليمين المردودةَ كالبينة أو الإقرار، والقصاصُ يثبت بكلِّ واحدٍ منهما، وإن كان المدَّعي خطأ أو شبْهَ عَمْدٍ، ثبتت الدية، [ويكون] في مال المدعَى عليه أو على عاقلته قيل: إن جعلْنا اليمين المردودة كالبينة، فهي على العاقلة، وأن جعلْناها كالإقرار، ففي ماله.
وقيل: هي في ماله بكل حالٍ؛ لأنها إنما تكونُ كالبينة في حقِّ المتداعِيَيْن، لا على الإطْلاق.
قال الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الرَّابعُ فِيمَنْ يَحْلِفُ وَهُوَ كُلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الدِّيَةَ فَالْمُكَاتَبُ يُقْسِمُ عَلَى عَبْدِهِ، فَإنْ عَجَزَ قَبْلَ الحَلِفِ والنُّكُولِ حَلَفَ السَّيِّدُ، فَإنْ كَانَ بَعْدَ النُّكُولِ لَمْ يَحْلِفْ كَمَا لا يَحْلِفُ الوَارِث بَعْدَ نُكُولِ المُوَرِّثِ، فَلَوْ قَتَلَ عَبْدَهُ فأَوْصَى بِقِيمَتِهِ لِمُسْتَوْلَدَتِهِ وَمَاتَ فَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يُقْسِمُوا، وَإِنْ كَانَتِ القِيمَةُ لِلْمُسْتَوْلَدَةِ لأَنَّ لَهُمْ حَظَاً فِي تَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ، فَإِنْ نَكَلُوا فَلِلْمُسْتَوْلَدَةِ القَسَامَة عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَكَذَا القَوْلاَنِ فِي قَسَامَةِ الغُرَمَاءِ إِذَا نَكَلَ الوَارِثُ، فَإنْ لَمْ يُقْسِمُوا فَلَهُمْ يَمِينُ المُدَّعَى عَلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الركن مسبوق القول فيمن يَحْلِف أيمان القَسَامة، قال في الكتاب: "وهو كلُّ مَنْ يستحِقُّ الدية"، والأوْلَى عبارة "الوسيط"، وهو "كُلُّ من يستحق بدل الدم"؛ ليشمل ما إذا كان القتيل عبْداً، فإنَّ الأصحَّ أن السيِّد يُقْسِم على ما قدَّمنا، وفي الفصْل مسألتان مفرَّعتان على جَرَيَانِ القَسَامَةِ في العبْد:
إحداهما: يُقْسِم المكاتَبُ، إذا قتل عبده، ويستعينُ بالقيمة على أداء النجوم، ولا يقسم السيد، بخلاف ما إذا قتل عبد المأذون، فإنَّ السيدَ يُقْسِم دون المأذون؛ لأنه لا حَقَّ له فيه، والمكاتَبُ صاحب حقٍّ في عبده، فإن عجَز قبل أن يُقْسِم، ويعرض عليه اليمين؛ فيقسم السيد، وإن عجز بعد ما عُرِضَتْ عليه اليمين، ونكَلَ، فلا يقسم السيد؛ لبطلان الحقِّ بنكوله، كما لا يقسم الوارث إذا نَكَل المورِّث، ولكن يَحْلِفْ المدعَى عليه، وإن عَجَز المكاتَبُ بعْد ما أقسم، أخذ السيدُ القيمةَ، كما لو مات، وكما 1 إذا الوليُّ بعد ما أقسم وقوله: "فالمكاتَبُ يُقْسِم" يجوز أن يعلَم بالواو؛ لأنه مفرَّع على الأصح، وهو جريان القسامة في العبد.
الثانية: إذا ملَك عبْدُه عبدًا، فقتل، وهناك لَوْثٌ، فإن قلْنا: العبد لا يملك بتمليك السيد، فالسيد هو الذي يُقْسِم، فإن المقتول عبد من عبيده، وإن قُلْنا: إنه يملك
بالتمليك، فقد قال الإِمام: يُبْنَى ذلك على أنَّ مَنْ ملك عبده عبدًا أو عَرَضًا من العُرُوض، فأتلف، فينقطع حق العبد، وتكون القيمةُ للسيِّدِ أو ينتقل حَقُّ العبد إلى القيمة؟ وفيه وجهان:
أفقهما: الانقطاع، فإن ملك العبد عرضة للاسترداد والانقطاع بالتغيرات؛ ألا ترى أنه لو عتق العبد أو انتقل من ملك السيد إلى ملْك غيره ينقلب ما مَلَكه إلى مِلْك السيد، فكذلك تغير العين بالتَّلَف وتبدل الحقِّ بالقيمة يوجب انقطاع مِلْك العبد.
والثاني: أن حقَّ العبد ينتقل إلى القيمة كما في حقِّ غيره، فإن قلْنا بانقطاع حقه عن القيمة، فالسيد هو الذي يُقْسِم؛ وإلاَّ، فوجهان:
أحدهما: أن للعبد أن يُقْسِم كما يُقْسِم المكاتَب في قتل عبده.
والثاني: المنع؛ لضعف مِلْكه، والقَسَامة تستدعي استقلالاً وملكاً مؤقتاً، فإنْ قلنا: لا يقسم العبْدُ، فكذلك السيد؛ لأنَّه لا مِلْك له، وإن استرجع السيِّدُ، وأعاد القيمة إلى مِلْكِه، فكذلك لا يقسم السيِّد لأنَّ ما لم يثْبُتْ للعبْدِ، كيف يخْلُفه السيد فيه؟ وإنْ قلنا: يُقْسِم العبد، فقد قيل: لا يُقْسِم السيِّدُ؛ أيضًا؛ لأن العبد لم يكُنْ له قتْلٌ، ولا صارت القيمة له حينئذٍ، وإنما يثبت المِلْك له بالاسترجاع؛ قال الإِمام: ويجوز أن يُجعَل السيد خلَفاً عن العبد، كالوارث مع المورِّث 1، وإذا قلْنا بالصحيح، وهو أنه لا يَمْلِك العبْد، فيقسم السيد، والقيمةُ له، ولو مات بعْد ما أقْسَم فهِيَ لورثته، وإذا مَلَّك مستولدته عبدًا، كان كما لو مَلَّك عبْدَه القِنَّ في جميعَ ما ذكرنا، وإن عتقَتْ بموت السيد، ولو أوصَى لمستولدته بعَبْدٍ فقتل؛ وهناك لوْث، فأقسم السيدُ، فيأخذ القيمة، وتبطل الوصية، ذكره في "التهذيب".
ولو أوصى لها بقيمة عبده فلان، لو قتل، صحَّتِ الوصية؛ لأن القيمة له، فله أن يوصِيَ بها، ولا يقدح ما فيها من الخطَر منْ حيث إنَّ القتلْ قدْ لا يثبُتُ، ولا تحْصُل القيمة، فإنَّ الوصية يحتملُ الأخطار وليست الوصية للمستولدةِ كالوصية للعبْد القِنِّ؛ فإنها تعتق عنْد الموت، وهو وقْت استحقاق الوصية، والعبْد ينتقل إلى الوارثِ، فلا يمكن تصحيحُ الوصية له، ولا للوارث.
قال القاضي الرويانيُّ: وعلى هذا لو أوصى لعبْد نفْسه، ثم أعتقه قبل أن يموت، تصحُّ الوصية وعن القاضي أبي الطيِّب: أنه لو باعه بعد الوصية، تصح الوصية، ويثبت الاستحقاق للمشتري، وإذا صحَّت الوصية، فإن أقسم السيد، ثم مات، فالقيمة لها وإن
لم يُقْسِم حتى مات، ولم يؤخذ منْه نكولٌ، فيقسم الورثة، وتكون القيمة لها بالوصية، وإنما يُقْسِم الورثة، وإنْ كانتِ القيمةُ للمستولدة؛ لأن العبد يوم القتل كان للسيد، والقسامة من الحقوق المتعلقة بالقتل، فيرثونها كما يرثون سائر الحقوق وتثبت القيمة له، ثم يصرفونها إلى المستولدة بموجب وصيته، ولهم غرضٌ ظاهرٌ في تنفيذ وصيته، وتحقيق مُرَاده، وهذا كما أنهم يقضُون ديونَهُ، وليس سبيلهم فيه سبيلَ سائر الورثة، حتى لو مات مَنْ عليه دينٌ ولا تركةٌ له، فقضاه الورثةِ منْ عندهم، كان على المستحِقِّ أن يقبَلَها بخلاف ما لَو تبرَّع به أجنبيٌّ.
قال الإِمام: وغالبُ ظنِّي أني رأيتُ فيه خلافًا لبعض 1 الأصحاب، قال ومثله 2 لو أوصَى إنسانٌ بمال، ومات، فجاء مَنْ يدعي استحقاقه، هل يحْلِف الوارث لتنفيذ الوصية؛ فيه احتمالان 3 يجوز أن يقال: نَعَم، كما في مسألة المستولدة، ويجوز أن يُفْرَق بأن القَسامةَ على خلاف القياس أثبتت احتياطًا وحَقْنًا للدماء، فيتعلق بحالة القتل، وصاحِبُ الحق عند القتل السيدُ، فإذا مات، قام وارثه مقامه، وأما دعوَى الاستحقاق، فإنها تتعلَّق بمَنْ له المِلْك ظاهرًا في الحال، وهو الموصَى له، ولا حاجة فيه إلى الإسناد والنَّظَرِ إلى ما تقدَّم، فإن نكَل الورثةُ عن القَسَامة، فهل للمستولَدَة أن تَقْسِم وتأخُذ القيمة؟ فيه قولان:
أحدُهما: نعم؛ لأن القيمة لها، فلا يفوت عليها بنُكُول الورثة.
وأصحُّهما: المنع؛ لأن القسامة لإثبات القيمة، والقيمةُ تثبت للسيد، ثم تنتقل منْه بالوصية إلى المستولَدَة، وإذا مات السيد، لم يُقْم مقامه في الإثبات إلاَّ ورثته، وليستِ المستولدة منْهم، والقولان كالقولَيْن فيما إذا أقام شاهداً بدَيْن لأبيه المديون، ولم يحْلِف مع الشاهد، هل يحلف غرماء الأب؟ ويجريان في المديون، إذا لم يُقْسِم ورثته، هل للغرماء أن يقسموا؟ ولا خلاف أن للورثة الدعوَى وطلب اليمين من المدعَى عليه، إذا
لم يُقْسِموا، وأما المستولَدة، فهل لها الدعوى وطلب اليمين؟ فعن القاضي أبي الطيِّب، وغيره: بناءً ذلك على أنها هل تُقْسِم؟ إن قلنا نعم، فنعم، وإن قلنا: لا، فليس لها طلب اليمين؛ لأن اليمين إنما يطلبها من تُرَدُّ عليه، لو نكل المدعَى عليه ولا يمكن الردُّ عليها إذا قلْنا: إنها لا تُقْسِم، والظاهر المنصوصُ أن لها دَعْوَى القيمة وطلب اليمين، وإن قلنا: إنها لا تُقْسِم؛ لأن القسامة لإثباتِ القَتْل، فتختصُّ بمن يحلف القتيل، وأما القيمةُ، فهي صاحبة المِلْك الناجز فيها ظاهرًا، ولا تحتاجُ في طلَبِها إلى بيان جهة الاستحقاق، فلها أن تدَّعيها، وتحلف، وإذا نكَل الخَصْم، فترد اليمين عليها.
قال الإِمام: وعلى هذا، فلا يتوقف طلبها [ودعواها] على إعراض الورثة عن الطلب، ومَنْ يبني حقَّ طلبها على أنها، هل تُقْسِم، يلزمه أن يقول: إنما يدَّعَي هي إذا أعرضوا عن الدعوى والطلب، كما أنها تُقْسِم، إذا نكل الورثة.
وقوله في الكتاب: "فللورثة أن يُقْسِمُوا" يجوز أن يقال: أشار بقوله "فللورثة" ولم يقل "فعليهم أن يقسموا" إلى ما ذكره الإِمام أن الورثة، وإن كان لهم القسامةُ، فإنها لا تختم عليهم، وإن كانوا على عِلْم وبصيرة، فالأيمان لا تجب، قطُّ.
وقوله "فإن لم يُقْسِمُوا، فلهم يمين المدَّعَى عليه" أي إن لم يقسم الورثة، فللغرماء التحليف، ويجوزُ أن يحمل قوله: "فلهم على الغرماء والورثة والمستولدة جميعاً" [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: فَإِذَا قُطِعَ يَدُ العَبْدِ وَعَتَقَ وَمَاتَ وَكَانَتِ الدِّيَة مِثْلَ أَرْشِ اليَدِ وَقُلْنَا لاَ قَسَامَةَ فِي العَبْدِ فَيُقْسِم هَهُنَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّ الوْاجِبَ دِيَةُ حُرٍّ بِالنَّظَرِ إلَى الآخَرِ، وَلَوْ ارْتَدَّ الوَلِيُّ ثُمَّ أَقْسَمَ صَحَّ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا لاَ مِلْكَ لَهُ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مَوْقُوفٌ فَقُتِلَ صُرِفَتِ الدِّيَةُ إِلَى الفَىْءِ بِيَمِينِهِ، فَإنْ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقّاً؛ لأَنَّهُ مِنَ الاسْتِحْقَاقِ تَسَّبب، وَقَسَامَةُ أَهْلِ الفَيْءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ هَذَا النَّصُّ، وَقِيلَ بِخِلاَفِهِ، وَمَهْمَا قُتِلَ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ فَلا قَسَامَة إِذْ تَحْلِيف بَيْتِ المَالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائل:
إحداهما: إذا قُطِعَت يد العبد، فعَتَق، ثم مات بالسراية، فقد سبق أن الواجب فيه الديةُ، وذكَرْنا قولين في أن المستَحِقَّ للسيد أقلُّ الأمرين من نصف قيمة العبد وكمال الدية، أو أقلُّ الأمرين منْ كمال القيمة وكمال الدية؟ فإذا وقعتِ الجناية، والصورةُ هذه، في محل اللوث، وكان الواجبُ قدْرَ ما يأخذه السيِّد ولا يفضل شيْء للورثة، فهل يقسم؟ ترتَّب ذلك على أن السيِّد، هلْ يقسم، لو مات العبد رقيقاً؟ إن قلنا: نعم، فههنا أولَى، وإن قلنا: لا، يقسم هناك، فههنا وجهان:
أظهرهما: أنه يقسم أيضًا؛ لأن القتيل حرٌّ، والواجب فيه دية.
والثاني: لا يقسم؛ لأن السيد 1 إنما يستحق بجهة الرِّقِّ، ونحن نفرِّع على أن بدل الرقيق لا قسامة فيه، وقد ينسب هذا الوجْه إلى أبي إسحاق، ويعلّل بأن السيد، لو أقسم، لكانَ قَدْ أقسم على أرش الطَّرْف [وهذا مشكل، فإنه يقتضي إلاَّ يقسم، وإن قلنا: القَسَامةُ لها مدخل في العبْد، ولم ينقل]، وان كان يفضل عن الواجب شيءٌ للورثة، فالورثة يُقْسِمون لا محالة، وفي قسامة السيد الخلافُ، إن قلْنا: لا يقسم، فالورثة يقسمون خمسين يميناً، وإن قلْنا: يقسم، فالسيد مع الوارث كالوارثَيْنِ، فيعود القولان في أن كلَّ واحد منهما يحلف خمسين، أو توزَّع الأيمان عليهما بحَسَب ما يأخذان.
وقوله في الكتاب: "وكانت الديةُ مثلَ أرْشِ اليد" هذا القيد لا حاجة [إليه] 2 في أن السيِّد، هل يقسم على ما تبيَّن، ولكنه أراد التصوير في صورة انفرادِ السيِّد بالقسامة، والتنبيه على أن الواجبَ في هذا القتيلِ الدية، وعلى أظهر القولَيْن، وهو [أن] 3 المستحَقَّ للسيد الأقلُّ من نصف القيمة وتمام الدية، وإذا كانتِ الديةُ مثلَ أرش اليد أو أقلَّ، انفرد السيد بالاستحقاق.
والثانية: إذا ارتدَّ وليُّ القتيل بعْد ما أقسم، فالدية ثابتة، وسبيلُها سبيلُ سائر أمواله التي ارتد عليها، وان ارتدَّ قبل أن يقْسِم، [قال] الأئمة: الأولَى ألاّ يَعْرِضَ الحاكمُ عليه القسامة؛ لأنه لا يتورَّع عن الأيمان الفاجرة، فإذا عاد إلى الإسلام أقْسَم، وإن أقسم في مَحَالِّ الردة، فعن المزنيِّ: أنه لا تصح قسامته، ولا يثبتُ بها شيْء.
وفي "جمع الجوامع" للقاضي الرويانيِّ: أن القاضي أبا حامد روَى قولاً مخرجاً؛ أنه لا يُستَحَقُّ بالقسامة في الردة شيءٌ، ونقله ناقلون منصوصاً منسوبًا إلى رواية الربيع، وهذا راجع أيضًا إلى أنه لا تصح القسامة في الردة، والظاهر المشهور أن لها صحة واعتباراً، أو وجِّه بأن يمين الكافر صحيحة، والقسامةُ التي يَسْتَحِقُّ بها المالَ نوعُ اكتساب، فلا تبطلُ بالردَّة كالاختطاب وسائر الاكتسابات، وهل هي صحيحةٌ على الإطلاق أو القولُ بصحتها مخصوصٌ ببعض الأقوال في ملْك المرتد؟ فيه طريقان:
أحدهما: أن ذلك مبنيٌّ على الأقوال في ملْك المرتد، إن قلنا: يبقى ملكه، وإنما يزول إذا مات أو قتل مرتداً، فتصح قسامته، وتثبت الدية، وإذا [مات] 4 فهي كسائر أمواله، وإن قلْنا: يزول ملْك المرتدِّ بالردة، وإذا أسلم [حصل] 5 ملْك مجدد، فلا
يقسم في الردة؛ لأنه لا استحقاق له، وإن قلْنا بالتوقف، ففي صحَّة القسمة وجهان، ومنْهم مَنْ يقول؛ يقسم، ثم إذا ماتَ أو قُتِلَ على الردة، ففي ثبوت الدية وجهان، والأول أحسن موقعاً:
أحدهما: أنه لا يُقْسِم؛ لأنه تبيَّن على هذا القول زوالُ ملكه بالردة، وخروجه عن الاستحقاق.
وأظهرهما: وهو ظاهر النص: أنه يقْسِم وتثبت الدية، ويكون لأهْل الفيءِ؛ لأنه وإن ارتد، فهو الذي وَرِث أولاً، والقسامةُ تستند إلى حالة القتل، ولأنه يحتمل أن تكون الدية له بأن يعود إلى الإسلام، والقسامةُ، كما تجري عند تيقُّن الاستحقاق، تجري عند الاحتمال، كما ذكرنا فيما إذا كان في الورثة خنثَى أو غائب وأيضًا، فالاستحقاقُ، إما أن يكون له أَوْ لأهل الفيء وقسامة أهل الفيءِ لا تمكن والتعطيلُ بعيد، وهذه الطريقة هي التي أوردها في الكتاب، ويُرْوَى نحو منها عن أَبَوَي عليٍّ بن خيران، وابن أبي هريرة، وابن الوكيل.
وأظهرهما عند الأكثرين إطلاق القول بالصحَّة، وتنزيل الدية منزلةَ ما يكتسبه بعد الردَّة باحتطابٍ أو اصطيادٍ وغيرهما.
ولو ارتدَّ الوليُّ قبل موت المجْرُوح ومات، وهو مرتدٌّ، فلا يقسم؛ لأنه ليس بوارث، بخلاف ما إذا قُتِلَ العبد، وارتد السيد، لا يُفْرَق بين أن يرتدَّ قبل موت العبد أو بعْده، بل يُقْسِم، إذا أجرينا القسامة على بدل العبد؛ لأن الاستحقاق السيد بالمِلْك لا بالإرث.
وقوله في الكتاب: "ولو ارتد الوليُّ ثم أقسم، صحَّ" يجوز أن يعلَم قوله "صح" بالزاء والواو.
وقوله "إلاَّ إذا قلنا [إنه] 1 لا ملك له" بالواو، ولما ذكرنا من الطريقة المطْلِقَة للصحَّة، وإن قلنا: يزول ملكه، وهي التي رجَّحوها.
وقوله "صرفت الدية إلى الفيْء بيمينه... " إلى آخره هو الوجْه الذاهب إلى أنَّه يُقْسِم ويثْبُت بيمينه الديةُ تفريعاً على قوْل الوقْف.
وقوله "لأنه من الاستحقاق تَسَبَّبَ" أي هو على الجملة بصفة قد يَثْبت له الاستحقاق، فلا ينزل منزلةَ الأجنبيِّ.
وقوله "وقيل بخلافه" يعني به الوجه الآخر، وهو أنه لا يقسم أو لا يثبت بقسامته دية، وهو لا، قالوا: نصُّ الشَّافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- محمولٌ على قول بقاء المِلْك، وحمَلوا لفْظ الوقْف في كلامه على حجْر السلطان على المرتدِّ في أمواله.
المسألة الثالثة: إذا قتل مَنْ لا وارث له بالجهات الخاصَّة فلا قَسَامة، وإن كان هناك لوْثٌ؛ لأنه ليس للدية مستحِقٌّ متعيَّن، وإنما هي لعامة المسلمين، تحلفُهم غيْرٌ ممكن، ولكن ينصب القاضي مَنْ يدَّعي عليه ويُحَلِّفه، فإن نكَل، فهل يقضي عليه بالنُّكول؟ فيه خلاف مذكور في موضِعِه.
ونختم القول في القسامة بمسائل بقيت من الباب.
لا ينبغي أن يُحَلِّف الحاكمُ السكرانَ مدعياً كان أو مدعى عليه، حتى يَعْلَم ما يقول، وما يقال له، وينزجر عن اليمين الفاجرة، فإن حلفه في السكْر، فعلى الخلاف في أن السكْران كالصاحِي أو كالمجنون.
والأظهر الأولُ، وعن القاضي أبي حامِدٍ والماسرجسي [أن يقسم] ترجيح الثاني.
إذا قُتِلَ رجلٌ، وكان اللوث على عبده، فأراد الوارث أن يقسِم عليه، فله ذلك، إن أثبتنا القصاص بالقسامة، لنقتص منه، وإلاَّ، فلا يثبت له في رقبة عبده مالٌ فلا يقسم، إلاَّ أن يكون مرهوناً، فيستفيد بالقسامة فكَّ الرَّهْن وبيعه، وقسمه ثمنه على الغرماء.
ادعَى على رجل، أنه قَتَل أباه عمداً، فقال المدعَى عليه: قتلْتُه، ولكنْ خطأً أو شبه عمْدٍ ففي "التهذيب": أن القَوْل في نفْي العمديَّة قولُ المدعَى عليه مع يمينه، سواءٌ كان هناك لوْث أو لم يَكُن.
والأقْوَى ما ذكرَه الإمامُ وصاحب "التتمة"، وهو أنه إن كان هناك لوْثٌ؛ كما إذا شهد عبيدٌ أو نسوةٌ على إقرار المدعَى عليه بالعمد، فيقسم المدعِي، ودعْوَى المدعَى عليه كونَ القتْلِ خطأً لا تمنع المدعي في القسامة، ولا تُبْطِل اللوْث، إنْ لم يؤكِّدْه، وإن لم يكُنْ لوْثٌ، فحينئذ يُصدَّق المدعَى عليه، ثم إذا حلف المدعَى عليه، فلم يحلف، رتّب ذلك على أنه لو أنكر أصْل القتل، لم يحلف، إن قلْنا: يحلف يميناً واحدة، فكذلك ههنا أو هو أولَى، وإن قلْنا: يحلف خمسين، فوجهان؛ لأن إنكار الصفةِ أخفُّ من إنكار الأصْل، والظاهر أنه لا فَرْق، وإذا حلف المدعَى عليه، فهل للمدعي طلَبُ الدية؟
قال المتولِّي: فيه قولان بناءً على أن الدية في الخَطأ تجب على العاقلة ابتداءً أو تجب على الجانِي، وهم يتحمَّلُون؟ إن قلْنا بالأول، فليس له طلب الدية؛ لأنه ادَّعَى حقّاً علَى المدعَى عليه، وهو اعترف بوجوبه على غيْره، وإن قلْنا بالثاني، فيُبْنَى على أن الحَلِف في الصفة، هل هو كالحلف في الموصوف، وفيه قولان مذكورانِ في "مسائل النكاح" إن قلْنا: نعم، فكأنه ادعَى مالاً واعترف بمال آخر لا يدعيه، وإن قلْنا: لا، طالَبَ بالدية، وهو الأظهر، واقتصر على الجواب علَيْه أكثرُ مَنْ أورد المسألة، وتكون الدية في مال المدعَى عليه مخفَّفة صفةً وتأجيلاً إلاَّ أن تصدِّقه العاقلة، فيكون عليهم،
وإن ادعَى عليه أنه قتل أباه خطأً، فقال: بل قتلته عمداً، فلا قصاص، وهل له أن يطالبه بدية مخفَّفة.
قال المتولِّي: فيه الوجهان، وإذا نكل المدعَى عليه في الصورة الأولَى، حلف المدعي على أنه كان متعمدًا، ويكون عدد يمينه، بعَدَد أيمان المدعَى عليه، ويثبت له بيمينه القصاصُ أو الديةُ المغلَّظة في ماله؟
قال في "المختصر" في "صفة يمين المدعَى عليه": إذا نكل المدعي عن القسامة أو لم يكن هناك لوْثٌ يحلف بالله؛ إنه ما قتله، وما أعلن على قتْله وما ناله من فِعْله، ولا بسبب فعْله شيْءٌ جَرَحَه، ولا وصل إلى شيْء مِنْ بدنه، ولا أحدث شيئًا، مات منه فلان، وشرَحَه الأصحاب، فقالوا: قوله "ما قتله" لنفْيِ انفراده بالقَتْل.
وقوله "وما أعان على قتْله" لنفي الاشتراك.
وقوله "ولا ناله من فعله" أي لم يصبه سهمه وحَجَره الذي رماه.
وقوله "ولا بسبب فَعَله" لأنه قد يرمى بسبب أو حَجَر، فيصيب حجرًا فيطير المُصَاب إلى الشخْص، فيقتله، وقوله "ولا وصل إلى شيْء من بدْنه" أي ما سقاه سُمّاً يهلك به.
وقوله "ولا أحدث شيئًا مات منه" أي ما حَفَر بئراً، ولا نصب سِكِّينًا وحَجَراً هَلَك به، ولا حاجة إلى ذكْر صفة القتل، فإنه ينفي أصْلَه، واحتجَّ أبو إسحاق جماعةٌ بهذا النصِّ على أنه يجُوز أن تكون دَعْوَى الدم مطلقَةً، فإنه إذا عيَّن جهة يكفي نفْي الجهة المدَّعاة، وَمَنْ منع مِنه، قال: المسألة مصوَّرة فيما إذا أدَّى اجتهاد القاضي إلى سماع الدعوى المطْلقة وادَّعَى الوليُّ حصول الهلاك عَلَى يده، ولم يردَّ، فيقضي القاضي في اليمين بنفي الجهات [أو هي] مصورة فيما إذا كان الوارثُ صبيّاً أو مجنوناً، فينصب القاضي مَن يَدَّعي ويحتاطُ في التحليف.
إذا ادَّعَى جراحةً لا توجب القصاص؛ كالجائفة، وأقام على دعْواه شاهداً واحدًا، وحلَف مع شاهده يميناً واحدةً ينبغي المال، ثم ما المجْروح بالسراية.
قال ابن الحدَّاد: لا يعطي الورثةُ شيئًا إلاَّ بخمسين يميناً؛ لأنها صارت نفْساً.
قال القاضي أبو الطيب: تصوير ابن الحدَّاد أولاً مبنيٌّ على أن دعْوى الجراحة والبينة عليها تُسْمَعَان قبل اندمالها وانتهائها بنهايته، وفيه خلاف، ثم جوابه مفرَّع على أن الأيْمان لا تتعدَّد [إلاَّ] في الأطرف والجراحات.
وإن قلنا: تتعدد وتُكَمَّل الأيمانُ فيها، فيحلف مع شاهده خمسين يمينًا.
وإن قلنا بالتوزيع على قدْر الدية، فتحلف للجائفة مع الشاهد ثلُثَ الخمسين، ثم إذا مات المجروح، وصارت الجراحةُ نفْساً، فيقسم الورثة، واللَّوْث حاصلٌ بشهادة
الشاهد الذي أقامه مورثهم، ولا تُحْسَب يمينه لهم؛ لأنه لا يأخذ أحدٌ بيمين غيره.
وعن الخضَريِّ: أنها تحسب، حتى لو حلف خمسين على قوْلنا بالتكميل، فلا يمين على الورثة؛ لأنه قد حَلَف للجائفة يكْفِي لجميع النفْس، والظاهرُ الأوَّل، [والله أعلم].
قال الغَزَالِي
ُّ: النَّظَرُ الثَّالِثُ فِي إِثْبَاتِ الدَّمِ
بِالشَّهَادَةِ وَلاَ يَثْبُتُ القَتْلُ المُوجِبُ لِلْقَصَاصِ بِرَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ، وَيَثْبُتُ مُوجِبُ الدِّيَةِ، وَلَوْ رَجَعَ بالعَفْوِ إِلَى المَالِ نَفِي ثُبُوتِهِ بَعْدَ العَفْوِ وَجْهَانِ، وَلَوْ شَهِدَتْ عَلَى هَاشِمَةٍ مَسْبُوقَةٍ بإِيضَاحِ لَمْ يَثْبُتِ الهَشْمُ فِي حَقِّ الأَرْشِ كَمَا لا يَثْبُتُ الإِيْضَاحُ، وَلوْ شَهِدَتْ عَلَى أنَّهُ رَمَى إِلَى زَيْدٍ فَمَرَقَ فَأَصَابَ غَيْرَهُ خَطَأً ثَبَتَ الخَطَأَ فَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ والتَّخْرِيجِ، وَقِيلَ: الاِيضَاحُ سَبَبُ الهَشْمِ وَهُمَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ بِخِلاَفِ قَتْلِ الشَّخْصَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلام في صفات الشُّهُود ونصيب الشهادات وشروطِها يُسْتَوْفَى في "كتاب الشهادات"، لكنَّ الشافعيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ذكر ههنا مسائلَ تتعلَّق بالشهادات على الجناية، وأودَعَها بابًا ترجمه بـ"الشهادة على الجناية" فراعَى معْظمُ الأصحَابِ ترتيبه، وأورد تلك المسائل ههنا ومقْصُود الفصل أنَّ كلَّ قتْلٍ أو جَرحٍ يوجبْ القصاصَ، فإنه لا يثبت برَجُل وامرأتين، ولا بشاهد ويمين، بل لا بد فيه من رجلَيْن يشهدان على نفْس القتل أو الجَرْح أو [على] 1 إقرار الجانِي بهما، وما يوجِبُ إلاَّ الديةَ؛ كالخطأ وشبه العمد وجناية الصبيِّ والمجنونِ وجناية المُسْلِم على الذمِّي والحرِّ على العبدِ والأب على الابن: تثبت 2 بشهادة رجل وامرأتينِ، وبشاهد ويمين؛ لأن المقصود منه المال، وسيعود هذا في "كتاب الشهادات".
ولو كانت الجنايةُ المدَّعاة بحَيْثُ توجب القصاص، وقال المدعِي: عَفَوْتُ عن القصاص، فاقبلوا منِّي رجلاً وامرأتين أو شاهدًا ويميناً لأخْذَ المال، فهل يقتل ويثبت المال؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه لا قصاص؛ والمقْصِد المال.
وأصحُّهما: ويُحْكَى عن نصّه في "الأم": المنع؛ لأنها في نفْسها موجبةٌ للقصاص، لو ثبتت 3 ولأنه ينبغي أن يثبت القصاصُ حتى يكون للعفوْ اعتبارٌ، ومن القِسْم الأول المُوَضِحَة، إذا وقعت على وجْه يوجب القصاص، ومِنَ القسْم الثاني
الهاشمةُ والمأمومةُ والجائفةُ، إذا تجرَّدتْ عن الإيضاح، أما إذا وُجِدَت هاشمةٌ مسبوقةٌ بالإيضاح، فهل يثبت أرْش الهاشمة برَجُلٍ وامرأتين؟ النصُّ أنه لا يثبت بلْ لا بدَّ من شهادة رجلَيْن، ونص فيما إذا رمَى إلى زيد، فمرق السهْمُ منه، وأصاب غيره خطأً؛ أنه يثبت الخطأ الوارد على الثاني برجُلٍ وامرأتين وبشاهد ويمين، وفيهما طريقان:
أحدهما: أن فيهما قولَيْن:
أحدهما: ثبوت الهشْم والجناية على الثاني برجُلٍ وامرأتينِ؛ وإن لم يثبتِ القطع [لأنه لا قصاص فيهما] 1.
والثاني: المنع؛ لاشتمال الجناية على ما يوجِبُ القصاص، وهو المُوضِّحة في الصورة الأولَى، قتل الأوَّل في الثانية، والقصاص لا يثبت برجُلٍ وامرأتين.
وأصحُّهما: تقرير النصين، والفرق أن الهشْم المشتمل على الإيضاح جنايةً واحدةٌ، وإذا اشتملت الجناية على ما يوجب القصاص احتيطَ لها، ولم تثبت إلاَّ بحُجَّة كاملةٍ، وفي صورة مروق السهم حصَلت جنايتان لا تتعلّق إحداهما بالأخْرَى، وذكر الأمام أن المُدَّعِي لو قال: أصاب سهمه الرجلَ الذي قصده، ونفد منه إلى أبي، فقتله، ولم تكن الجنايةُ الأولَى متعلَّق حقٌ المدعِي، فيجب القطْع بثبوت الخطَأ بالبينة الناقصة؛ ومحل التردُّد ما إذا كانت الجناية الأولَى متعلّق حق المدعِي، قال: وفيه احتمال؛ لأن الجناية في الجملة عمْدٌ مفضِ إلى خطأ، وذكر أنه لو ادعَى أنه أوضحَ رأْسَه، ثم عاد وهَشَم، ينبغي أن يثبت موجِبَ الهاشمة برجل وامرأتين؛ لأنها لم تتصَّل بالموضِّحة، ولم تتحد الجناية، وأنه لو ادَّعَى مع القصاص مالاً من جهة لا تتعلَّق بالقصاص، وأقام على الدعوَتَيْن رجلاً وامرأتين، فالمذهب المشهور أن المال يثبت، وإن لم يثبت القصاص، وإذا اشتملت الشهادة على أمرَيْن مختلفَيْن، لم يقض الرد في أحدهما الردَّ في الآخر، وأبعد بعضُهم، فخالف فيه، وفي "الوسيط" أنه لا خلاف أنه لو ادَّعَى قتْل عَمْرو خطأَ، فشهدوا، وذكروا مروقَ السهْم إليه مِنْ زيد، لم يقدح في الشهادة؛ لأن زيدًا ليس مقصوداً بها، وهذا قريبٌ من الصورة التي نقلناها عن الإِمام أولاً مع اختلاف التصويرُ فيهما فإذا قلْنا بثبوت الهاشمة المسبوقة بالأيضاح، وأوجبنا أرشها، فعن صاحب "التقريب": أن في ثبوت القصاص في الموضِّحة وجهين:
وجْه الثبوت؛ التبعية كما أن الولادة على الفراش إذا ثبتت بشهادة النسوة يثبت النسب تبعًا، وإن لم يثبت النسبُ بشهادتين ابتداءً، واستضعف الشيخُ أبو عليٍّ والأئمة ذلك، واستبْعَدُوا اتباع الموضِّحة الهاشمة، وقالوا: الأقرب أن يُقَال: لا يجب قصاص
الموضِّحة وفي أرْشها وجهان وجه الوجُوب أنَّا وجدْنا متعلقاً لثبوت المال، فلا يبعد أن يستتبع مالٌ مالاً.
وقوله في الكتاب " [فقيل] قولان بالنقل والتخريج" فقضية إثبات قولَيْن في الصورتين وتولدهما من تصرُّف الأصحاب وكذلك ذكره جماعة من الأئمة، وفيه شيئان:
أحدهما: حَكَى بعضهم القولَيْن في "مسألة الهشم" منصوصين لا حاصلَيْن بالنقل والتخريج، فيمكن أن يُعْلم لذلك قوله "بالنقل والتخريج" بالواو.
والثاني: أن عن الأصحاب مَنْ أثبت الخلافَ في الهشْم، وقَطَع بثبوت الخطأ في صورة [المروق] وقله قبل ذلك "ففي ثبوته بعد العفْو وجهان" يجوز أن يُعْلَم لفظ "الوجهين" بالواو؛ لأن فيما عُلِّق عن أبي بكر الطوسيِّ حكايةٌ طريقةٍ أخرَى قاطعة بأنه لا يثبت.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدُوا أنَّهُ مَا جَرَحَ وَأَنْهَرَ الدَّمَ لَمْ يَكْفِ مَا لَمْ يَشْهَدُوا عَلَى القَتْلِ، وَلو قَالَ: أَوْضَحَ رَأْسَهُ لَمْ يَكْفِهِ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْجِراحَةِ وَوُضُوحِ العَظْمِ، فَإنْ عَجَزُوا عَنْ تَعْييِنِ مَحَلِّ المُوضِحَةِ سَقَطَ القِصَاصُ وَثَبَتَ الأَرْشُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الشهادة على الجناية مفسرة مصرِّحةٌ بالغرض، وفيه صورتان:
إحداهما: الشاهدُ على القتل، لا بدَّ، وأن يضيف الهلاك إلى فعْل المشهود عليه، فلوقال: ضربه بالسيف، لم يكْفِ، ولم يثبت به شيء؛ لأن السيف قد يصيب المضروبَ عرضاً، وقد ينبو ولا يؤثِّر، ولو قال: ضربه، وأنهر الدَّمَ، أو قال: جرحه، لم يثبت القتل؛ فإنه ليس في الشهادة تعرُّض له، ولو قال: ضربه بالسيف وأنهر الدَّمَ، ومات أو فمات، لم يثبت القتل أيضًا؛ لاحتمال أنه مات بسبب آخر، لا [بجراحته] 1 وإنهاره.
قال الإِمام: وفي طريقة 2 العراقيين ما يدل على أن القتل يثبُت بهذه الشهادة، وعده غلطاً، إن لم يكن في النسخة اختلالٌ، ويدل على الاختلال أنك لا تَجِدُ في طرق العراقيين ذكْرَ هذا الوجْه.
ولو قال: جَرَحه، فقتله أو فمات مِنْ جراحته أو أنْهَر دمه، فمات بسبب ذلك، يثبت القتل، وفي معناه ما إذا قال: جَرَحه أو ضرَبَه بالسَّيْف، فأنهر دمَهُ، ومات مكانه، نصَّ عليه في "المختصر" وأقام قولَه "ومات مكانه" مقام قوله، "ومات من جراحته أو بسبب جراحته" وفي لفْظ الأمام، ما يُشْعِر بالنزاع فيه، فإنه قال "ولو قال: ضربه بالسيف [وأنهر] 3 دمه، ومات مكانه بتلْك الجراحة، يثبت بالقتل" فاعتبر أن يقول بتلك
الجراحة، والشاهد يعْرِف حصول القتل بقرائن يشاهدها، وإن لم يَرَ إلاَّ الجراحة، وانْهَارَ الدَّم، وحصولَ الموت، فللإمام تردُّد في أنه هل يجوز تحمل الشهادة به؟ قال: والوجه المنع.
الثانية: إذا قال الشاهدُ: ضرب رأسه، فأدماه، أو أسال دمه، تثبت الدامية، ولو قال: فسال دمه، لم تثبت؛ لاحتمال أن السيلان حصَلَ بسبب آخر، ولو قال: ضربه بالسيف، فأوضح رأسه أو اتَّضَحَ مِنْ ضربه أو بجراحته، تثبت الموضِّحة، ولو قال: ضربه، فوجَدْنا رأسه مُوضحاً أو فأتَّضَحَ، لم يثبت وحكى الإِمام وصاحبُ الكتاب؛ أنه يشترط التعرّض لوضوح العظْم، وإلاَّ، فلفظ الامام المُوَضِّحة من الإيضاح، وليست مخصوصةً بإيضاح العظم، وتنزيل لفظ الشاهد على الألقاب التي اصْطَلَح عليها الفقهاءُ لا وجْهَ له.
نعم، لو كان الشاهد فقيهاً، وعلم القاضي أنه لا يُطْلِق لفظ "المُوضِحة" إلاَّ على ما يوضِحُ العَظْمَ؛ قال الإِمام: هذا موضع التردُّد يجوز أن يكتفي به لفَهْم المقصود، ويجوز أن يعتبر الكشْف لفظًا، فإن للشرع تعبداً في ألفاظ الشهاداتِ، وإن أفهم غيرها المقصود، ولا بد من تعيين محل الموضِحَة، وبيان مساحتها؛ ليجب القصاص، فلو كان على رأسه موضِحُ، وعجزوا عن تعيين موضِحَة المشهود عليه، فلا قصاص، ولم يكن على رأْسه إلا موضِحَةٌ واحدةٌ:، وشهد الشهود بأنه أوضَحَ رأْسَه، فلا قِصَاصَ أيضًا، لجواز أنه كانَتْ عليه موضِحَةٌ صغيرةٌ، فوسَّعَهَا، وإنما يجب القصاص إذا قالوا: إنه أوضَحَ هذه المُوضِحَةَ، وهل يجب الأَرْشُ إذا أطلقوا أنه أوضَحَ موضِحَةً، وعَجَزُوا عن تعيينها؟ فيه وجهان:
أحدُهما: ويحكى عن اختيار القاضي الحسين: أنه لا يجب؛ لأن هذه الجراحة، لو ثبتت على صفتها لوجب القصاصُ، وقد تعذَّر إثبات القصاص، فلا تثبتُ الجنايةُ أصلاً، كما لو شهِدَ رجُلٌ وامرأتان على موضِحَةٍ عمدًا لا يثبت الأَرْشُ كما لا يثبت القِصَاص.
وأصحُّهما: [الوجوب] 1 وبه قال الشيخ أبو محمَّد يجب؛ لأن الأرش لا يختلف باختلاف محل الموضحة ومساحتها، وتعذُّرُ القصاص إنما كان لتعذّر رعاية المماثلة لا لنقصان في البيِّنَةِ، بخلاف صورة الاستشهاد، ويدل عليه نصُّه في "الأُم"؛ أنه لو شهد الشاهدان على أن فلاناً قطَع قيد فلان، ولم يُعيِّنا، والمشهودُ له مَقْطُوعُ اليدَيْن، لا يجب القصاص وتجب الدية، ولو كان مقطُوعَ يد واحدة، والصورةُ هذه، فهل تنزل شهادتُهم
على ما نشاهدُها مقطوعةٌ أو يشترط تنصيصهم؟ يجوز أن يقدَّر فيه خلاف، ولو شهد الشهود بمُوضِحَةٍ شهادةً صريحةً، وعَايَنَّا رأس المَشْجُوج سليماً لا أَثَر عليه، والعهْدُ قريب، فالشهادة مردودةٌ.
وقوله في الكتاب: ["لم يكن] 1 ما لم يَشْهَدُوا على القتل" أعلم بالواو، ولما نقله الإمام عن طريق العراقيين، وأقامه وجهًا في "الوسيط".
وقوله "ولو قال: أوضَحَ رأْسَهُ، لم يكفه ما لم يتعرَّض للجراحة": وَجْهُ التعرُّض للجراحةِ هو وجْهُ التعرّض لوضوح العظْم، فإنَّ الأيضاح من حيث اللفْظُ يحْصُل برفع العمامة عن الرأْس، وقضيَّتُه أن يقال: لا يكْفِي أيضاً.
وقوله "ضرب رأسه بالسيف" فأوضَحَه؛ لأنه قد يضربه فَيُلْقِي عمامته بلا جرح، ويكون الحاصل ايضاحاً.
وقوله "فإن عجزوا" يعني الشهود.
وقوله "سقط القصاص" أي لم يَثْبُت، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ عَلَى أنَّهُ قُتِلَ بِالسِّحْرِ لَمْ يُقْبَلْ لأَنَّ ذَلِكَ لاَ يُشَاهَدُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَمْرَضَهُ بِالسِّحْرِ وَلَكِنْ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ فَهَذَا لَوْثٌ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لاَ لَوْثَ فَإِنَّ اللَّوْثَ فِي تَعْيِينِ القَاتِلِ لاَ فِي نَفْسِ القَتْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ؛ السَّحْر له حقيقة، وقد يأتي الساحِرْ بفعْلٍ أو قولٍ يتغير به حالُ المسحُور، فيمرض، ويموت منه، وقد يكون ذلك بوصول شيْء إلى بدَنه من دخان وغيره، وقد يكون دونَهُ.
وعن أبي جَعْفَر الأستراباذيِّ من أصحابنا: أن السحر لا حقيقة له إنَّما هو تخيُّلٌ.
وحكى "صاحب الشامل" عن أصحاب أبي حنيفة: أنه إن وصل بفعْلِ الساحر شيْءٌ إلى بدَنِ المسحور، جازَ أن يحْصُلَ منه أثر، وإلاَّ، فلا يجوز، والمشهور الأول، وعليه عامة العلماء؛ يدل عليه قوله تعالى ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102] وفي القصة المشهورة أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سُحِرَ حَتَّى يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ" 2، وفيه نزلت المعوِّذَتان.
ويحْرُم فعل السحر بالإجماع، ومَنِ اعتقد إباحته، فهو كافر ويُرْوَى أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ سَحَرَ أَو سُحِرَ لَهُ، أوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ" 3.
وإذا قال الرجل: تعلمتُ السحر أو أَحْسِنُ السِّحْر، استُوصِفَ، فإن وصَفَه بما هو كُفْرٌ، فهو كافر، ومثَّله ابن الصباغ بأن يعتقد التقرُّب إلى الكواكب السبعة، وأنها تجيب إلى ما يقترح منها.
وعن القفَّال: أنه لو قال: أفْعَلُ بالسحْر بقُدْرتي دون قدرة الله تعالى، فهو كافر، وإن وصفه بما ليس بكُفْر، لم يكن كافراً.
وقال مالك: السِّحْر زندقة حتى أن الرجُل، إذا قال: أنا أحسن السحر، ولا أعيل به، يُقْتَل، ولا تُقْبَل توبته، كما لا تُقْبَل توبة الزنديق، ويروَى عن أبي حنيفة مثله.
وقال أحمد: يقتل الساحِرُ، ولمْ يُؤْثَر عنه في كفْره شيْءٌ.
واحتج الأصحاب بِأَنَّ مَنْ قال: أحسن الكفر أو الزنا، لا يُجْعَل كافراً وزانياً،
ويُرْوَى أن مدبِّرةً لعائشةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- سَحَرَتْها استعجالاً للعتْق، فباعتها عائشةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- ممَّن يسيءْ مِلْكَها من الأعراب، وكان ذلك بِمَحْضَر من الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ولم يقْتُلُوها.
وأما تَعَلُّم السحْر وتعليمه، فالذي ذكره الأكثرون منْهم أصحابُنا العراقيون "وصاحب التهذيب": أنهما حرامان، لخوف الافتتان والإضرار بالناس، وفي "تعليق أبي بكر الطوسيِّ حكاية وجهين فيه.
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يحْرُم، كما لا يحرم تعلُّم مقالات الكفرة، وقد يبغي من يتعلَّم السحْر دفْعَ ضرَرِهِ عن نفْسه، وأيضاً، فإنَّ تعرُّف حقائق الأشياء لا يَحْرُم، وهذا ما أورده في "الوسيط"، ورد الإِمام الوجهَيْن إلى أنه هل يُكْره تعلمُّه وفيه إشعار بأنه لا يحرم، وكلام القاضي الرويانيِّ قريبٌ منه، ولا يخفَى أن موضع الخلاف في التحريم؛ ما إذا لم يحتَجْ في تعلمه إلى تقديم اعتقادٍ هو كفرٌ والله أعلم.
إذا عُرِفَ ذلك، ففي الفصل مسألتان:
إحداهما: القتل بالسحْر لا يَثْبُت بالبيِّنة؛ لأن الشاهد لا يعْلَم قصْد الساحر، ولا يشاهِد تأثير السحْر، وإنما يثْبُت ذلك بإقرار الساحِر، وقد قدَّمنا أنه إذا قال: قتلتُه = ابن عامر وهو ضعيف، وعيسى بن مسلم وهو لين، وفي حديث ابن عباس: زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، وهما ضعيفان، وفي الباب عن أبي هريرة رفعه: من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق بشيء وكل إليه، رواه النسائي وابن عدي في ترجمة عباد بن ميسرة، عن الحسن عن عليّ.
حديث: أن مدبرة لعائشة سحرتها استعجالاً لعتقها، فباعتها عائشة ممن يسيء ملكها من الأعراب، مالك والشافعي والحاكم والبيهقي من رواية عمرة عنها، وإسناده صحيح.
بسحْرِي، وسحْرِي يقتلُ غالباً، فقد أَقَرَّ بالقتل العمْد، وإن قال: نادراً، فهو إقرار بشبه العمد، وإن قال: أخطاتُ مِن اسم غيره إلى اسْمه، فهو إقرار بالخطأ.
وعن نَصِّه في "الأم": أنه لو قال: أمْرِضُ بسحْرِي، ولا أقتل، وقد سَحَرْتُ فلاناً، فأمرضته، عُزِّر وأنه لو قال: أُسْحِرُ ولا أُمْرِض، ولكن أُوذِي، ينهي (1) عنه، فإن عاد، يعزَّر؛ لأن السحْرَ كلَّه حرام.
الثانية: إذا قال: أمرضتُه بسحْري، لكنه لم يمُتْ به، وإنما مات بسبب آخر، فقد نص -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "المختصر" أنه لوْثٌ يُقْسِم به للوليِّ، ويأخذ الدية.
قال الإِمام: وفيه قول مخرَّج أنه ليس بِلَوْثٍ ولا قسامة فيه؛ لأنا ذَكَرْنا فيما إذا جرح رجلاً، ومات المجروح، واختلف الجارحُ ووليُّ المجروح، فقال الجارح: مات بسبب آخر، وقال الوليُّ: بل بالسراية تفصيلاً وخلافاً في أن المصدَّق منهما مَنْ هو؟ ولم يجْرِ ذكرُ القسامة، وقد وجد في الصورتين الاعتراف بسبب القتل مع ادعاء وقوع المَوْت بسبب آخر، ووجهُ القولِ المخرَّج أن القسامة لتعيين [القاتل] (2) بعد الاتفاق على القتل، وههنا الاختلافُ في نفْس القتل، وأشار إلى أنَّا إذا جعلْنا اعتراف الساحر بأنه أمرض لوثاً، وجب أن يكون اعترافُ الجارح بالجَرْح لوثاً، وحاصل هذا الباب إثبات قولين أو وجهَيْن في الصورتين بالنَّقْل والتخريج، والظاهر الذي عليه أكثرهم أنه إنْ بقيَ ضمناً متألماً إلى أن مات، فيحلف الوليُّ، ويأخذ الدية، وذلك قد يثبت [بالبينة، وقد يثبت] (3) باعتراف الساحر، وإن ادَّعَى الساحرُ البُرْءَ من ذلك المَرَضِ، وقد مضَتْ مدة تحْتمل البرْءُ فالقول قولُه مع يمينه، ويُحْكَى (4) هذا عن نصه في "الأم" وقد سبق مثله في اختلاف الجارح والوليِّ وعليه يُحْمل نص "المختصر".
" فَرْعٌ"
[لو] 5 قال: قتلتُ بسحْري جماعَةً، ولم يعيِّن 6 أحداً، فلا قصاص؛ لأن المستحِقَّ غير متعيِّن، وعند أبي حنيفة يُقْتَل حدّاً، لسعْيه في الأرض بالفساد، وبمثله يقول إذا أقر بقتل اثنين فصاعداً على التعيين، وإن كان لا يوجب القصاصَ بالقَتْل بالسحْر على ما حكينا مِنْ قبلُ.
آخَر: إذا أصاب غيْرَه بالعَيْن، واعترف بأنه قتله بالعَيْن، لم يجب القصاص، وإن1234
كان العيْن حقّاً، ويقال: إن في الناس مَنْ يقصده، وقليلاً ما يخطئُ لأنه لا يقضي إلى القَتْل اختيارًا، ولا يُعَدُّ ذلكَ مِنْ أسباب الهلاك.
قال الغَزَالِيُّ: وَمِنَ الشُّرُوطِ أَلاَّ تَتَضَّمَنَ الشَّهَادَةُ نَفْعاً وَلاَ دَفْعَاً، فَلَوْ شَهِدَ عَلَى جَرْحِ المُوَرِّثِ لَمْ يُقْبَلُ، وَلَوْ شَهِدَ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ لِمُوَرِّثِهِ المَرِيضِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَى جَرْحٍ وَهُمَا مَحْجُوبَانِ ثُمَّ مَاتَ الحَاجِبُ أَوْ بِالْعَكْسِ فَالنَّظَرُ إِلَى حَالَةِ الشَّهَادَةِ لِلتُّهْمَةِ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ كَمَا في الإِقْرَارِ لِلوَارِثِ، وَلَوْ شَهِدَتْ العَاقِلَةُ عَلَى فِسْقِ بَيِّنَةِ الخَطَأ لَمْ يُقْبَل لِأَنَّهَا دَافِعَةٌ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ فُقَرَاءِ العَاقِلَةِ، وَإِنْ كَانُوا مِنَ الأَبْاعِدِ قُبِلَ لِأَنَّ تَوَقُّعَ مَوْتِ القَرِيبِ بَعِيدٌ بِخِلَافِ تَوَقُّعِ الغَنِىِّ، وَقِيلَ فِي البَعِيدِ وَالقَرِيبِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سيأتي في "كتاب الشهادات" بتيسير الله -تعالى- أنَّ مِنْ شروطِ الشهودِ الانفكاكَ عن التهمة، وأن مِنْ أسباب التُّهمة أن يَجُرَّ بالشهادة نفْعاً إلى نفْسه أو يدْفع ضرراً، وأنَّ مِنْ صوَر الْجَرِّ أنْ يشهدَ على جَرْح مُوَرِّثه، وفيه مسائل:
إحداها: إذا ادعَى على إنسان أنه جرَحَه، وشهد للمدَّعِي وارثه، نُظِر؛ إن كان من الأصول أو الفروع، لم تقبل شهادته للبعضية، وإن كان من غيرهم، فإن شهِدَ بعْد الاندمال، قُبِلت شهادته، وإن شهد قبْله، لم تُقْبَلْ؛ لأنه لو مات كان الأرْشُ له، فكأنه شهد لنفسه، وإن شهد بمال آخر لمورثه المريض مرَضَ الموتِ، فوجهان:
أحدهما، ويُحْكَى عن أبي إسحاق: أنها لا تقبل أيضاً، ورجَّحَهُ صاحب "الإفصاح" وابن الصَّبَّاغ توجيهاً بأن المرِيضَ محجور [عليه] 1 المرض؛ لِحَقِّ الوَرَثَةِ؛ ولذلك لو وهب غير ذلَك المال، يعتبر من الثلث، وذلك يوجب التُّهْمَةَ في شَهَادَةِ الوارث.
وأظهرهما؛ عند أكثرهم، وبه قال أبو الطَّيِّب بن سلمة: أنها تُقْبَلُ، وبه أجاب صاحب الكتاب في "باب الشهادات"، ولم يذكر الَخلاف الذي ذكَره هاهنا، والمسألةُ معادةٌ هناك، وربَّما زدْنا في شرْحِها.
الثانية: لو شهد اثنان على الجَرْح، وهما محجوبان، ثم صارَا وارثَيْنِ، كأخوين يشْهَدان، وللمجْروح ابنٌ، ثم يموت الابن، فالشهادةُ في الأصل مقبولةٌ، ثم إن صارا وارَثَيْن قبل أن يقضي القاضي بشهادتهما، فلا يَقْضِي، وإن كان بعْدَ قضائه، لم ينقض القضاء، كما لو شهد الشاهد ثم فَسَقَ، وحكى الفورانيُّ طريقةً أخرَى، وهي أن في المسألة قولَيْن:
أحدهما: هذا.
والثاني: أن الاعتبار بحالة الشهادة، ولا أثر لما طرأ، وشبَّهه بالخلاف في "مسألة الإقرار للوارث" في أن الاعتبار بحالة الإقرار أعم بحالة الموت.
ومثاله: أن يقر لأخيه، وله ابنٌ، فيموت أولاً ابن له، فيولد، ولو شَهِدَ، وَهُمَا وارثان في ظاهر الحال، ثم وُلِدَ له ابنٌ، فالشهادة مردودةٌ للتُّهْمَةِ عند آدائها، وطردت الطريقة الأخرَى حتى إذا اعتبرْنا بالمال، فإذا خرَجَ عن كَوْنه وارثاً، تبيَّن كون الشهادة مقبولةً، وكأنَّا نتوقَّف في الشهادة إلى أن يتبين آخر الأمر، ولو شهد وارثان على جَرْحِ الموروث 1، فَبَرِئَ المجروح، فظاهر المذْهَب أنه لا يثبت الجرح؛ لقيام التهمة حال أداء الشهادة.
وعن صاحب "الإفصاح" وغيره حكايةُ وجْهٍ أنه يثبت بناءً على أن الشهادة موقوفةٌ، كما أن عَطَايَاهُ في المرض موقوفةٌ، ومما عُدَّ من صُوَر دفْعِ الضرر؛ أن تقوم البينةُ على القَتْل الخطأ، فشهد اثنان من العاقلة الَّذين يتحمَّلون الدية عَلى فِسْق بينة القتل، فلا تقبل شهادتهما 2؛ لأنهما متهمان برفْع التحمُّل عن نفسهما، وهذا أيضاً معادٌ في "الشهادات".
ولو كان الشاهدان من فقراء العاقلة الذين لا يتحمَّلون، فالنصُّ أن شهادتهما لا تُقْبل أيضاً، وإن كانا من الأباعد، وفي عدد الأقربين وفاءٌ بالواجب، فالنصُّ قَبُولُ شهادتهما، وفي الصورتَيْن طريقان:
أحدهما: أن فيهما قولَيْن نقلاً 3 وتخريجاً.
وجْه القَبُول: أنهما لا يتحمَّلان في الصورتين شيئاً [فليس] وليس الموضِعُ موضِعَ التهمة.
ووجه المنْع: أن الفقير يتحمَّل لو أيسر والبعيد يتحمل، لو مات القريب، فهما مُتَّهَمَان بدفْع ضرَرٍ متوقَّع.
والثاني: تقرير النصين، والفرْق أن المال غادٍ ورائح، والغنيُّ غير مستبعد، بل كلُّ يحدِّث نفسه به، ويتمنى الأماني، وموتُ القريب الذي يُخْرِج الأبعد إلى التحمُّل كالمستبد في الاعتقادات، والتهمةُ لا تتحقَّق بمثله، وقد سبق ما يَقْرُب من هذا المعْنَى في "الإيلاء"، ورجَّح الإِمام طريقةَ القولَيْن معترضاً على الثانية بأن البَعِيدَ كما يلزمه التحمُّل بموت الأقربين، يلزمه 4 التحمُّل بافتقارهم وحاجتهم، ولَئِنِ استبعد الموت،
فاحتمال الفقر والحاجةِ غيْرُ مستبعد، كما أن احتمال الغني [غير] 1 مستبعد، والأظهر عند الأكثرين طريقةُ التقرير، وبها: قال أبو إسحاق، ولهم أن يجيبوا عما ذَكَرَه بأن الإنسان يطلب غنى نفسه وتدبير أسبابه، ويتحيل مساعدة القَدَر والظَّفَر بالمقصود، ولا يطلب فقْرَ 2 غيره، ولا يسعى فيه، فتكون التهمةُ المَبْنِيَّةُ على تقدير غِنَاهُ أظْهَرَ من التهمة المَبْنِيَّة على فَقْرِ الغَيْر، وتُقْبَل شهادة العاقلة على فِسْق بينة القتل، وبينة الإقرار بالقَتْل الخطأ؛ لأن الدية لا تلزمهم، وإن حكمنا بالبينتين، فلم يكونا دَافِعَتَيْنِ.
وقوله في الكتاب: "وقيل في القريب والبعيد [قولان"] 3 يعني في القريب الفقير، وفي البعيد، والأحسن أن يقال: "وقيل في الفقير والبعيد" [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ بِالقَتْلِ فَشَهِدَ المَشْهُودُ عَلَيْهِمَا بِأَنَّهُمَا قَتَلاَ هَذَا القَتِيلَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا لِأَنَّهُمَا دَافِعَانِ وَمُبَادِرَانِ قَبْلَ الاسْتِشْهَادِ، وَشَهَادَةُ الحِسْبَةِ لاَ تُقْبَلُ فِي حَقِّ الآدَمِيِّينَ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، فَإِنْ صَدَّقَهُمَا المُدَّعِي بَطَلَ حَقَّهُ لِتَنَاقُضِ دَعْوَاهُ، وَلَوْ شَهِدَا عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِالقَتْل فَهْمَا دَافِعَانِ وَمُبَادِرَانِ، وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِالقَتْلِ فَهُمَا مُبَادِرَانِ وَلَيْسَا دَافِعَيْنِ فَيُخَرَّجُ عَلَى شَهَادَةِ الحِسْبَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا شهد اثنان على رجلَيْن؛ أنهما قتلا فلاناً، فشهد المشهود عليهما أن الأوَّلَيْنِ قتلاه، قال الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- والأصحابُ: يُسْأل الوليُّ، فإن صَدَّق الأوَّلَيْنِ دون الآخَرَيْن، ثبت القتل على الآخَرَيْن بشهادة الأوَّلَيْن، ولا تُقْبَل الشهادة 4 على الأولين؛ لأن الوليُّ يكذِّبهما، ولأنهما يدفعان بشهادتهما ضَرَرَ مُوجِبِ القتل الذي شهد به الأولان، والدافع مُتَّهَمٌ في شهادته، ولأنهما [صَارَا] 5 عدوَيْنِ للأولَيْن بشهادتهما عليهما، وشهادة العدُوِّ على العدوِّ لا تقبل، وإن صدَّق الآخرَيْنِ دون الأولَيْن، بَطَلَت الشهادتان، أما شهادة الأولَيْن، فإنَّ تصديق الآخرَيْن يتضمن تكذيبهما، وأما شهادة الآخرين، فللمعنيَيْنِ الدفْعِ والعداوةِ، وإن صدَّق الفريقَيْن جميعاً، فكذلك تَبْطُل الشهادتان؛ لأن في تصديق كل فريق تكذيباً للآخر، وإن كذبهما جميعاً، فهو اظهر، واعترض على تصوير المسألة أن الشهادةَ على القَتْل لا تُسْمَعُ إلا بعد تقديم الدعوَى ولا بد في الدعوَى من تعيين القاتل، فكيف يُسْأَلُ المدعِي بعد شهادة الفريقين، وأُجِيبَ عنه بوجوه:
أحدها، عن أبي إسحاق: أن تقديم الدعوى على الشهادة إنما يُشْتَرط إذا كان
المُدَّعِي ممن يعبِّر عن نفسه، فأما مَنْ لا يعبر؛ كالصبيِّ والمجنون، فتجوز الشهادة لهم قبل الدعوَى والشهادة هاهنا لمن لا يعبر عن نفسه، وهو القتيل؛ ألا ترى أنه إذا ثبتت الديةُ، قضَى منها ديونَهُ، ونفذت وصاياه، وهذا ذهاب إلى أن شهادة الحِسْبَةِ تُقْبَلُ في الدماء، وهو وَجْه سيأتي -إن شاء الله تعالى ذكْرُه- في "الشهادات" لا مع وجْه آخر، وهو قَبُولُها في "الأموال" أيضاً، وظاهر المذْهب أنَّها لا تقبل في حقوق الآدميين المحْضَة أصلاً.
والثاني: قال قائلون: المسألة مصوَّرةٌ فيما إذا لم يعْلَم الوليُّ القاتلَ 1، والشهادةُ قبل الدعوى مسموعةٌ، والحالةُ هذه، ويُحكَى هذا عن الماسرجسي والأستاذ أبي طاهر، وهو وجه يذكر في "الشهادات" أن شهادة الحسبة لا تقبل، إن علم المستحقُّ بالحق؛ وإن لم يَعْلَم، فتُقْبَل.
والأصحُّ: المنع، ويخبر الشاهدُ المستحِقَّ حتى تُقدِّم الدعْوَى، ثم يشهد الشاهد.
والثالث: قال الأصحاب تفريعاً على أن الشهادة لا تقبل إلاَّ بعد تقديم الدعوى، وهو الصحيح: صورة المسألة أن يدَّعِي القتْل على اثنين، ويشهد بذلك شاهدانِ، فيبادر المشهودُ عليهما، ويشهدا على الشاهدَيْن بأنهما القاتلان، وذلك يورِثُ رِيبَةً وشُبْهَةً للحاكم، فيراجع الوليَّ، ويسأله احتياطاً، وحينئذ، إن استمر عَلَى تصديق الأولَيْن، ثبت القتل على الآخرَيْن، وان صدَّق الآخرَيْن أو صدقَهُم جميعاً، بطَلَ الدعوتان لتناقضهما، وبطلت الشهادات، ولو كان المدعي وكيل للوليِّ، نُظِرَ؛ إن كان قد عيَّن الآخَرَيْن، وأمره بالدعوَى عليهما، ففعل، وأقام عليه شاهدَيْن، فشهد المشهودُ عليهما على الشاهدَيْن، فإن استمر الوكيلُ على تصديق الأوَّلَيْنِ، ثبت القتل على الآخرَيْن، وان صدَّقَهم جميعاً أو صدَّق الآخَرَين، انعزل عن الوِكَالَةِ، ولا تبطل دعْوَى الموكّل على الآخرين، وان لم يعيِّنْ للوكيل أحداً، ولكن قال: ثأري عند اثنين من هؤلاء الجماعة، فادَّع عليهما، واطْلُبْ ثَأْرِي منهما، ففي صحَّة التوكيل هكذا وجهان مذكوران في "التهذيب".
قال: وعلى تصحيحه يعْمَلُ الحُكَّامُ، والخلاف نازع إلى الخلاف المذكور فيما إذا قال: وَكَّلْتُك لمخاصمة خَصْمي أو هو هو، وعلى تصحيحه ينطبق ما حُكِيَ عن صاحب "التقريب" وأبي يعقوب الأبيوردي؛ أن المسألة في أصلها مصوَّرة فيما إذا كان قد وكَّل وكيلَيْن بطلب الدم، فادَّعَى أحدهما على اثنين والآخر على آخرَيْن، وشهد كلُّ اثنين على آخريْن، وإذا عيَّن الوكيلُ شخصَيْن، والتوكيلُ منهم كما صوَّرتا، وأقام عليهما شاهدَيْن، وشهد المشهودُ عليهما على الشاهدَيْن، والوكيل على تصديق الأوَلَيْن، يثبت
القتل على المشهود عليهما، وإن صدَّق الآخرَيْن أو صدَّقهِم جميعاً، انعزل عن الوَكَالَة، [ثم] 1 إن صدَّق الموكلُ الأولَيْن، ثبت القتل على الآخرَيْن، وإن صدَّق الآخرين، جاز، وله الدعوى على الأولَيْن إذا لم يتقدَّم ما يناقض ذلك، لكن لا تُقْبَلُ شهادة الآخرين للتهمة بسبب الدفعِ والعداوة، والمبادرةِ قبل الدعوى والاستشهاد.
ثم هاهنا فائدتان:
إحداهما: عن صاحب "التقريب" تفريعاً على قبول الشهادة قبل تقديم الدعوَى: ذكر وجهين فيما إذا ابتدر أربعةٌ إلى مجْلس القاضي، وشَهِدَ اثْنان منْهم على الآخَرَيْن؛ أنهما قتَلا فلاناً، وشهد الآخران على الأولَيْن أنهما القاتلان.
أحدهما: بُطلانَ الشهادتين لتضادَّهما وتصادُمِهِما.
والثاني: أنا نُرَاجع الوليَّ، فإن لم يصدِّقْهم بَطَلت 2 الشهادات، وإن صدَّق اثنين، تأيَّدت، شهادتهما بالتصديق، فتبطل شهادةُ الآخَرَيْن، وبه تصح شهادة المصدَّقَيْن، فيقضي بها.
وفيه وجه آخر أنه يعمل بشهادة الأولَيْن، وتردُّ شهادة الآخَرَيْن؛ لأنهما دافعان وعدوَّان، وإذا فرَّعنا على أنه لا تُقْبَل الشهادة قبل [تقديم] الدعوَى، فلو ادعَى المدعي، وأعاد المبادر الشهادة هل تقبل شهادته فيه خلاف يُذْكر في "الشهادات".
الثانية: ردُّ الشهادة في المسألة لا لتهمة دفع الضرر ظاهرٌ، وقد نصَّ الشافعيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- على التعليل بها، وأما الردُّ للعداوة، فقد قال الإمامُ: العداوة التي تُردُّ بها الشهادةُ لا تثبت بهذا [القدر] 3، وموضِع ضَبْط العداوة التي توجِبُ ردُّ الشهادة بابها.
وفي الفصْل بعد هذا صورتان:
إحْداهما: إذا شهدَ رجلان على رجلَيْن بالقتل، فشهد المشهودُ عليهما على أجنبيِّ بذلك القتل، أو على أجنبيين 4 فصاعداً، فالنظر في كون الشهادة واقعةً بعد [تقديم] الدعوَى أو قبله، وفي تصديق الوليِّ الصنفين أو أحدهما على ما مرَّ، ولو كان المدعي وكيلَ الوليِّ، ولم يكن الوليُّ قد عين أحداً، ثم إنَّه صدَّق الآخرَيْن، كان له أن يدعِيَ على الأولَيْن؛ لأنه لم يسبِقْ منه ما يناقضه، ولا تُقْبل شهادة الآخريْن، لأنهما مُتَّهَمان بالدَّفْعِ عن أنفسهما.
وعن أبي بكر الصيدلانيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أنه يُحْتمل ألاَّ يكونا 5 متهمين؛
لأنهما ربَّما صَدَقا؛ فلا ينبغي أن ترد قولُهما بمبادرة غيرهما بالشهادة عليهما.
الثالثة: شهِدَ رجلان على رجلَيْن على التصوير الذي تقدَّم، فشهد أجنبيان على الشاهدَيْن؛ بأنهما القاتلان، فيَعُود فيه التفصيل، إن كان الوليُّ ادعَى بنفسه، وكذَّب الأَجْنَبِيَيْنِ بطلت شهادتهما، وإن صدَّقهما أو صدَّق الكلَّ، بطَلت الشهادات؛ لتناقض الدعوَتَيْن، وإن كان المدعي الوكيلَ، ولم يعيِّن الموكِّل أحداً، فللموكّل الدعْوَى على الأولَيْن، والأجْنبيان ليْسا دافعَيْن، ولكنهما مبادران إلى الشهادة قبل الاستشهاد، فلو ادعَى عليهما، وجاء بالأجْنبِيَّيْن شاهدين، فعلى الخلاف في قبول الشهادة المُعَادَةِ من المبادرةِ.
والذي أورده في ""التهذيب": القبول، إن ادعَى وأعاد الشهادة في مجْلس آخر، وإن ادَّعَى [فشهدا] في ذلك المجلس، قال: فيه وجهان.
ولو ادعَى على اثنين ألفاً، وشهد له بذلك شاهدان، ثم شهد المشهود عليهما أو أجنبيان بان للمدعي على الشاهدَيْن ألفاً وصدَّق المدعي الآخَرَيْن أيضاً، لم تبْطُل دعواه الأُولَى، ولا شهادة الأَولَيْن على الآخرين، وله أن يَدَّعِي على الآخرَيْن أيضاً، لجواز اجتماع الألْفَيْنِ، وشهادة الآخرين على الأولَيْن شهادةٌ قبل الدعوَى والاستشهاد، قال في "التهذيب": فلو ادعَى وشهدا في مجْلسِ آخر، قُبِلَتْ شهادتهما، ولو جَرَى في ذلك المجْلِسِ، ففيه وجهان.
قال الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا شَهِدَ أَحَدُ الوَرَثَةِ بِعَفْوِ بَعْضِهِمْ سَقَطَ القِصَاصُ بِإِقْرَارِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقاً لاَ بِشَهَادَتِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أقر أحدُ الوَرَثَةِ بعَفْو بعضهم عن القصاص، وعيَّنه أو لم يعيِّنه، سقط القصاص؛ لأنه اعترف بسقُوطِ حَقِّهِ عن القِصَاص؛ إذ القصاصُ لا يتبعَّض، وإذا وُجِدَ منه ما يُسْقِط حقه من القصاص، سقط حقُّ الآخرين، كما لو قال: أسْقَطْتُ حقِّي عن القصاص، وقرب ذلك بما إذا أقر أحدُ مالكي العبْد بأن شريكه أعتقه، وهو موسِرٌ، يُحْكَم بنقود العتق، إذا جَعَلْنا السراية قضية لإقراره، وأما الدية، فإن لم يعيِّن المقر العافِيَ، فللورثة جميعاً الديةُ، وإن عيَّنه، وأنكرُ فكذلك، والقولُ في أنه لم يعْفُ عن الدية قولُه مع يمينه، وإن أقر بالعَفْو عن القصاص، فلغير العافي حِصَّتهم من الدية، والعافي إنْ عما على الدية، فكذلك، وإن أطْلَق العفْوَ، فعلى القَوْلين في وجوب الدية في العَفْو المُطْلَق، ولو شهد أحَدُ الورثة بِعِفُوِ بعْضِهم، نُظِرَ، إن كان فاسقاً، ولم يعَيِّن العافي، فحكم الشهادة حُكْم الإقرار، وإن كان عَدْلًا، وعيَّن العافي وشهد بأنه عفا عن القصاص والدية جميعاً، فللجاني أن يَحْلِفَ معه، ويسقط القصاص والدية.
أما القصاص فإنَّه يسقط بالإقرار الذي تتضمَّنه الشهادة، وأما الدية، فلأن العَفْو
عن المال يثبت بشاهد ويمين، وكذلك الحُكْم، لو شهد رجل وامرأتان من الوَرَثَةِ؛ لأن العفو عن المال يثبُت برجُل وامرأتين، وكيف يحْلِف الجاني مع شهادة الوارِثَ؟
قال في "المختصر": حلف القاتل مع شهادته، لَقَد عفا عن القصاص والمال، وتَعَجَّبَ من ظاهره جمهورُ الأصحاب، وقالوا: القصاصُ يسقُطُ بشهادة الوارث، فيكفي أن يذكر في يمينه، أنه عفا عن الدية، ولا حاجة إلى التعرُّض للقصاص، وتكلَّموا فيه من وجوه.
أحدها: أن قوله "لقد [عفا] 1 عن القصاص والمال" متعلِّق بشهادة الوارث لا بيمين الجاني، والمعنى بِحلف القاتل أنه عفا عن الدية مع شهادة الوراث على أنه عفا عنهما جميعاً.
[والثاني: حمله حاملون عَلَى ما إذا ادعَى المدعي العَفْو عنهما جميعاً] 2، وأجاب المدعَى عليه بأنه ما عفا عن القصاص، ولا عن الدية، فيحْلِف بِحَسَب الجواب، ولو اقتصر عَلَى أنه ما عفا عن الدية، كفَاهُ ذلك.
والثالث: أنه ذكر ذلك احتياطاً؛ لتكون عبارته في اليمين مطابقةً لعبارة الشاهد في الشهادة.
وعن بعْضِهم: أنه أخذ بظاهر النصِّ، وقال: إذا قلْنا: إن موجب العمْد القَوَدْ المَحْضُ، فإنما تثبت الديةُ بالعَفْوِ عن القَوَد، ولا يصحُّ العفْو عن الدية حتى يَعْفُوَ عن القصاص والدية جميعاً، فإذا حلَف على العفْو عن الدية من غير ذكْر العفْو عن القصاص، لم يكن حالفاً على عفْوٍ صحيحٍ، وإذا ادعَى الجانِي العفْوَ عن القصاص على الورثةِ، مِنْ غير ذِكْرِ العَفْوِ حلف، وثبت العفْو بيمين الرد.
وإن اْقام بينة على العفْو، لم تُقْبل إلاَّ شهادة رجلَيْن؛ لأن القصاص ليس بمال وما لا يثبت برجُل وامرأتين، لا يُحْكم بسقوطِه برجُلٍ وامرأتين.
وإن ادعَى على بعْضِهم العَفْوَ عن حِصَّتِهِ من الدية، فقد آلَ النِّزَاعُ إلى المال، فله إثباته بشاهد ويمينٍ، وبرجل وامرأتين؛ لأن المال يثبت بهما فكذلك إسقاطه.
وقوله في الكتاب: "سقط القصاص بإقراره، وإن كان فاسقاً، لا بشهادته" يعني: أن القصاص يَسْقُطُ بالإقرار الذي هو في ضِمْن الشهادة، لا بالشَّهَادة حتى يَسْقُطَ، إنْ كان فاسقاً لا شهادَة له.
قال الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّاهِدَيْنِ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ آلَةٍ فَهُمَا مُتَكَاذِبَانِ،
ثُمَّ لاَ يَثْبُتُ بِهِ لَوْثٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى الإِقْرَارِ بِالقَتْلِ المُطْلَقِ وَالآخَرُ عَلَى الإِقْرَارِ بِالقَتْلِ العَمْدِ ثَبَتَ أَصْلُ القَتْلِ، وَالقَوْلُ قَوُلُ المُدَّعَى عَلَيْهِ فِي نَفْيِ العَمْدِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنُ لَوْثٌ، وَإِنْ قَالَ: أَحَدُهُمَا قَتَلُهُ عَمْداً وَقَالَ الآخَرُ خَطَأً فَفِي ثُبُوتِ أَصْلِ القَتْلِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل:
الأولى: إذا اختلف شاهدا القَتْلِ في زمانٍ؛ بأن قال أحدهما: قتله يوم السبت أو غدوته، وقال الآخر: يوم الأحد أو عشيَّتَه، أو في مكان؛ بأن قال أحدهما: قتله في البيت، فقال الآخر: في السوق وفي الآلة؛ بأن قال أحدهما: قتله بالسيف، وقال آخر: بالرُّمْح أو بالعصا، أو في هيئةٍ؛ بأن قال أحدهما: قتله بالحَزِّ، وقال الآخَرُ: بالقَدِّ، لم يَثْبُتِ القَتْلُ، بقولهما، وكذا الحال فيما يشهدان به، ويَخْتَلِفَانِ فيه من الأفعال والألفاظ المنشأة.
وهل يكون ذلك لوثاً حتى يُقْسم [فيه] المدعي؟
قال في "المختصر": إنه يكون لوثاً، وذكر أن في بعض نُسَخَ في "المختصر" أنه لا يكون لَوْثاً، وكذلك حكَى عن رواية الربيع، وفيهما طرق ثلاثةٌ، فعن أبي علي بن أبي هريرة وغيره: أن في المسألة قولَيْن:
أحدهما: أنه لا يكون لَوْثاً؛ لأن كل واحد من القولَيْن مُنَاقِضٌ للآخر، فكل واحد من القائلَيْن يكذِّب للآخر، فيندفعان، ولا يتحرَّك به ظنٌّ.
والثاني: أنه يكون لَوْثاً؛ لأنهما متفقان على أصْل القتل، وإن اختلفا في صِفَاتِهِ، وربَّمَا غَلِطَ أحدهما أو نَسِيَ، فقد لا يَشُكُّ في أصل الوَاقِعَةِ، وَيشُكُّ في وقتها وكيفيتها.
وعن أبي إسحاق: القطْعُ بأنه لَوْث، وبَانَ إثبات كلمة "لا" حيث أثبت غلطٌ، وعن أبي سلمة: وابن الوكيل القطْعُ بأنه ليس بلوث، والمصيرُ إلى أن إسقاط كلمة "لا" حيث أسقطت غلَطٌ.
وقال القاضي أبو حامدٍ: إنما أثبت الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- اللَّوْث فيما إذا شهد أحدهما بالقَتْلِ، والآخرُ على الإقرار بالقتل، فنقل المزنيُّ جوابه إلى هذه المسألة غَلَطاً، واختار الإِمام طريقة القولَيْن، وهي الأعدل.
والأظهر من القولَيْن على ما بيَّنهُ في الكتاب، وذكَره صاحب "التهذيب" أنه ليس بلَوْث.
وقوله: "على الصحيح" يجوز أن يريد من القَوْلَيْنِ، ويجوز أن يريد من الطرق.
" فَرْعٌ"
لو شهد أحد الشاهدَيْن "على أنه أقرَّ يوم" السبت بالقتل عمداً أو خطأ، والآخَرُ على أنه أقر يوْمَ الأحد بذلك، ثبت القَتْلُ؛ لأنه لا اخْتِلاَفَ في القَتْلِ، وصفته، وإنما
الاختلاف في الإقرار، ولو قال أحدهما: أقر بأنه قَتَلَهُ بـ"مكة" له يوم كذا وقال الآخَرُ: أقر بأنه قتله بـ"مصر" في ذلك الْيَوْمِ، سَقَطَ قولاهما.
الثانية: إذا ادعَى القَتْلَ، وأقام شاهدَيْن، شهد أحدهما بأنه قَتَلَه، والآخرُ بأنه أَقَرَّ بقتله، لا يَثْبُت القتل؛ لأنهما لم يتَّفِقَا على شيء واحد، ولكنه لَوْثٌ يثبت به القَسَامَةَ؛ ولا يجيء فيه الخلاف المذكور في الصورة السابقة؛ لأن الشهادتَيْنِ هناك مُتَكَاذِبَتَان، وههنا لا تكاذُب ولا تَنَافي، ولأن واحد منهما، لو انفرد بالشهادة التي شَهِدَ بها، حَصَلَ اللَّوْثُ، فإذا اجتمعا، كان أَوْلَي، ثم إن كان المدَّعِي قَتْلَ عَمْدٍ، وأقسم الوليُّ ترتَّب على القَسَامَةِ حكمها، وإن كان المدعي قتْلَ خطأ، حلفَ مع أي الشاهدَيْن شاء، والكلامُ في أن اليمين تتعدَّد أو تَتْحِدُّ على ما سَبَق، فإن حلَف مع شاهد القَتْل، وجبت الدِّيَة على العاقلة، وإن حَلَف مع شاهد الإقرار، وجَبَتْ في مال الجانِيَ، فإن ادَّعَى القتل العَمْدَ، وشهد أحدُ الشاهدَيْن على إقراره بالقتل العَمْدِ، والآخر على إقراره بالقَتْل المطْلَق، أو شهدَا على نَفْسِ القَتْل أو شهد أحدهما بأنه قتل عمداً؛ والآخر بالقتل [المطلق] ثبت أصل القتل؛ لاتفاقهما عليه، حتى لا يقبل من المدعَى [عليه] 1 إنكارُه، ويُسْأل عن صِفَةِ القتل، فإن أصَرَّ على إنكار الأصْل، قال الحاكم: إن لم تبيِّن صفة القتل، جعَلْتُك ناكلاً، وردَدتُّ اليمين على المدعِي، أنك قتلت عمداً، وحكمتُ عليك بالقصاص.
وإن بيَّن صفة القتل؛ بأن قال: قتلتُه، عمْداً أجرَى عليه حكْمَه، وإن قال قتلتُهُ خطأ، وكذَّبه [الوليُّ]، فقد أطلق مُطْلِقُون أن القول قولُه في نفْي العمْدية، فيحلف، وتكون ديةُ الخطأ في ماله؛ لأنها ثبتت بإقراره، وإن نكَل، حلَفَ المدعِي، واستحق القصاص.
واستدرك الإمامُ وصاحب الكتاب، فقالا: القولُ قولُه في نفْي العمدية، إن لم يكن هناكَ لَوْثٌ، وإن كان، فيقسم المدعي، ويشبه أن يكون المراد اللوْثَ في العمدية 2، وإلاَّ فاللوث في أصل القتل حاصلٌ لاتفاق الشاهدَيْن عليه، وقد سبق ذِكْرَ خلاف في أنه لو ظَهَرَ اللَّوْثُ في أصل القتل دون كونه خطأً أو عمداً، هل يثبت القسامة؟ وهذا نازع إليه.
الثالثة: لو شهد أحد الشاهدَيْن بأنه قتله عمداً، والآخر بأنه قتله خطأً، والدعْوَى بالقتل العمْد، فهل يَثْبُتُ أصل القتل؟
قال الإِمام: اخْتَلَفَ فيه جَوَابُ القَفَّالِ، فقال في أحد الجوابَيْن: لا يثبت؛ لاختلاف الشهادتَيْنِ على التَّنَافِي، وإذا تكاذَبتِ الشهادتان، سَقَطتا، كما لو اختلفا في الزمان أو المكان أو الآلة، وهذا ما صحَّحه الإمَامُ.
والثاني: يثبت؛ لاتفاقهما على أصْلِ القتل، والاختلاف في العمديَّة والخطأ به ليس كالاختلاف في الصورة السابقة، لأن التكاذُب هناك في أمرِ محسُوسٍ والعمدية والخَطَيئَّةُ في محلِّ الاشتباه، فالفعْلُ الواحدُ قد يعتقدُه أحدُهما عمداً، والآخر خطأً، وهذا ما أورده ابن الصبَّاغ وجماعةٌ.
فإن قلْنا بالأول، فالحكم على ما ذَكَرْنا في "صورة التكاذُب"، وإن قلنا بالثاني، فقد ذكر في "الشامل": أنه يُسْأَلُ الجاني، فإن أقر بالعُمْدِ، ثبت، وإن أقر بالخطأ وصدَّقه الوليُّ [فذلك] وإن كذَّبه، فللوليِّ أن يُقْسِم؛ لأن له بما ادعاه شاهداً واحداً، وذلك لوْثٌ.
قال: ويخالف هذا ما إذا شهِدَ أحدهما على إقْراره بالقَتْل العمد، والآخر على إقراره بمطلق القتل؛ لأن الشهادة هناك عَلَى الإقْرار، واللوْثُ إنما يتحقَّق في الفعْل لا في الإقْرار، وهذا العُذْر لا يجيْء فيما إذا شَهِد أحدهما على القتْل العَمْد نفسه، والآخر على مطْلَق القتل، فلْيحكُم بحصول اللوْث فيه.
ثم ذكر أنه إن أقسم الوليُّ، ترتب حكم القسامة عليها، وإلا فيحلف الجاني، فإن حَلَف، فالدية المخفَّفة في ماله وإن نكَل، فهل تُردُّ اليمينُ على المدَّعِي لنكوله؟
فيه قولان قد سبق ذكرهما، فإن رُدَّت، وحلف، ثبت موجب العَمْدِ، وإن لم ترد أو قلنا بالرد، وامتنع من الحَلِفِ، ثبتت دية الخطأ في ماله.
أمَّا أَنَّه يثبتُ ديةُ الخَطَأ دون العَمْدِ، فلأنها أخفُّ، وقد ثبت أصل القتل.
وأما أنها في ماله، فلأن العاقلة لا يُضْرَبُ عليهم شيْءٌ ما لم يثبت الخطأ.
والذي أورده صاحب "التهذيب" في المسألة أنه إنْ كان المدَّعِي القَتْلَ خطأً، فشهادة شاهد العمْد لَغْوٌ، ويحلف المدَّعِي مع شاهد الخطأ، وتجب الدية على العاقلة، وإن كان المُدَّعي القتلَ عَمْداً، فشهادة شاهد الخطأِ لغو، (ويحلف) المدعي خمسين يميناً، ويثبت موجب القسامة.
قال: ولو شهد أحدُهما على أنَّه أقر بقتله عَمْداً، والآخر على أنه أقر بقتله خَطَأً، فالجواب كذلك إلا أنَّه إذا حلَف على الخَطَأ، فتكون الدية في مال المدَّعَى عليه، إلا أن يصدِّقه العاقلة.
" فَرْعٌ"
شهد اثنان على أنَّه ضرب مَلْفُوفاً "في ثوْبٍ" فقدَّه بنصفين، ولم يتعرَّضا لحياته وقْت الضرب، لم يثبتِ القتْل بشهادتهما، فلو اختلف الجاني والوليُّ في حياته حينئذ،
ففي المصدَّق منهما قولان، قد سبق ذكرهما في أواخر الفن الأول من القصاص:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: أن المصدَّق الجاني، وهو نصُّه في هذا الكتاب 1 ورجَّحه الشيخُ أبو حامد والقاضي الرويانيُّ وجماعة.
وأظهرهما؛ على ما ذكرنا هناك أن المصدَّق الوليُّ، واختلفوا في موضع القولَيْن على ثلاثة طُرُق:
أظهرهما: إطلاقهما.
والثاني: عن أبي إسحاق أنه يُنْظَر إلى الدَّم السائل فإن قال أهل البصر: إنَّه دمُ حيٍّ، فالمصدَّق الوليُّ، وإن قالوا: إنه دم ميِّتٍ، فالمصدَّق الجاني، وإن اشتبه، ففيه القولان.
والثالث؛ عن أبي الحُسَيْن الطِّيبيِّ: أنه إن كان ملفوفاً في ثياب الأحياء، فالمصدَّق الوليُّ، وإن كان في الكفَن، فالمصدَّق الجاني 2، وإن كان مشتبهاً، ففيه القولان، فإن صدَّقنا الجاني، فحلف، برأ، وإن صدَّقنا الوليَّ، فحلف، فله الدية.
قال الشيخ أبو حامد: ولا يستحقُّ القصاص للشبهة، وعن الماسرجسي وغيره: أنه يتعلَّق به القصاص، كما تتعلق به الدية؛ لأنَّ الخلاف في العمْد الموجِبِ للقِصَاصِ، فإذا صدَّقناه فيه، رتَّبنا عليه موجِبَه، وبهذا قال القاضي أبو الطيِّب، وبالغ 3 فيه [حين] 4 سأله أبو بكر الدقَّاق وراجَعَه فيه.
آخر: شهد شاهدٌ على رجُلٍ أنه قَتَل زيداً، وآخر أنه قَتَلَ عَمْراً، حصَل اللوْث في حَقّهما جميعاً حتى يُقْسِم الوليانِ، نصَّ عليه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم" والله أعلم بالصواب.