العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 3-42

قال الغَزَالِيُّ: والنَّظَرُ فِي ثَلاثَةِ أُمْورٍ: الأَوَّلُ: الدَّعْوَى وَلَهَا خَمْسَةُ شُرُوطٍ: الأَوَّلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِشَخْصٍ مُعَيَّنِ أَوْ بأَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ، فَلَوْ قَالَ: قَتَلَ أَبِي وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلاَءِ العَشَرَةِ، وَلا أَعْرِفُ عَيْنَهُ، وَأُرِيدُ يَمِينَ كُلِّ وَاحِدٍ، فالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُجَابُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِالمَنْعِ، وَهَؤلاَءِ لا يَتَضَرَّرُونَ بِاليَمِينَ، وَكَذَا فِي دَعْوَى الغَصْبِ والسَّرِقَةِ، بِخِلاَفِ القَبْضِ والبَيْعِ في المُعَامِلاَتِ، فَإنَّهُ بِالنِّسْيَانِ مُقَصِّرٌ، وَقِيلَ: يُسْمَعُ فِي المُعَامَلاَتِ، وَقِيلَ: لاَ يُسْمَعْ إلاَّ فِي الدَّمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما تكلَّم الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- والأصْحَابُ في القِصَاصِ والدِّيَةِ والكَفَّارَةِ التي هي من مُوجِباتِ القَتْلِ، تكلموا فيما يُرْجَعُ إليه عند التَّنَازعُ بأَن يَدَّعِيَ الوَلِيُّ القَتْلَ على إِنْسَانٍ، فَيُنْكِرُ.
والذي يُعْتَمَدُ عليه عند الإِنْكَارِ قَوْلُ الشهود أو اليَمِينُ، إما من جهة المُدَّعِي، أو من جِهَةِ المُدَّعَى عليه، وذلك يُحْوِجُ إلى النظر في الدَّعْوَى واليَمِينِ والشهادة، فلذلك قال: "والنَّظَرُ في ثلاثة أُمُورٍ".
ثم اليمين تَنْقَسِمُ إلى: يمين القَسَامَةِ وغيرها.
ومعظم الغَرَضِ في الباب القَوْلُ في يمين القَسَامَةِ، فإنها [التي] 1 تَخْتَصُّ بالدم، فأما القول في الدَّعْوَى، والبَيِّنَةِ، وسائر الأَيْمَانِ، فلا اختصاص لهما بما إذا كان المُدَّعَي دَماً، ولهما أبواب مُفْرَدَةٌ في مواضعهما، ولهذا المعنى تَرْجَمَ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وأَكْثَرُ الأَصحاب البابَ بـ"كتاب القَسَامَةِ"، لا بـ"دَعْوَى الدَّمِ"، وترجم في "الوسيط" الكِتَابَ بـ"كتاب دَعْوى الدم والقَسَامَةِ والشهادة"؛ لاشْتِمالِهِ على الأمور الثلاثة، واقْتَصَرَها هنا على ذِكْرِ الدعوى؛ لأنها الأَمْرُ الأول، وعليه يَتَرَتَّبُ الأمران الآخران.

ومن الأصحاب من يُؤَخّرُ البَابَ إلى كتاب الدَّعَاوَى 1، وعليه جَرَى الشيخ أبو إِسْحَاقَ الشيرازي -رحمه الله- فاعتبر فيه.
إذا عرف ذلك، فالأَمْرُ الأول: الدَّعوَى، والمعتبر 2 في الدعوى خمسة شروط: أحدها: تَعْيِينِ المُدَّعَى عليه بأن ادُّعِىَ القَتْلُ على وَاحِدٍ، أو على جماعة مُعَيَّنينَ، فهي مَسمُوعَةُ، وإذا طلبهم للقاضي، وطلب إحضارهم أَجابَهُ، إلا إذا ذَكَرَ جَماعَةً لا يُتصَوَّرُ اجْتِمْاعُهُم على القَتْلِ، فلا يحضرون، ولا يُبَالَي بقوله: فإنه دَعْوَى مُحَالٍ.
وإن قال: قَتَلَ أبِي أَحَدُ هَذَيْنِ أو وَاحِدٌ من هؤلاء العشرة وطلب من القاضي أن يسألهم، ويُحَلِّفَ كُلّ واحد منهم فهل يُجِيبُهُ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لما في هذه الدَّعْوَى من الإِبْهَامِ، وصار كما لو ادَّعى دَيْنًا على أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ.
والثاني: نعم؛ لأنه طَرِيقٌ يُتَوَصَّلُ به إلى مَعْرِفَةِ القاتِلِ واسْتِيفَاءِ الحَقِّ منه.
ولأن القَاتِلَ يسعى في إِخْفَاءِ القَتْلِ كي لا يقصد، ولا يطالب، وتَعْسَرُ مَعْرِفَتُهُ على الوَلِيِّ لذلك.
فلو لم تُسْمَعْ دَعْوَاهُ هكذا لَتَضَرَّرَ، وهم لا يَتَضَرَّرُونَ باليمين الصَّادِقَةِ، والأَصَحُّ من الوجهين على ما ذكر صاحب "التهذيب" الأول، ولم يورِدُ جماعة من الأصحاب غَيْرَهُ.
وذكر في الكتاب أن الصَّحِيحَ أنه يُجَابُ إليه، ولم يذكر ذلك في "الوسيط"، بل سَكَتَ عن الترجيح.
ويجري الخِلاَفُ في دعوى الغَصْبِ، والإتْلاَفِ، والسَّرِقَةِ، وأخذ الضَّالَّةِ على أحد الرجلين أو الثلاثة، ولا يَجْرِي في دعوى القَرْضِ، والبيع، وسائر المعاملات؛ لأنها تَنْشَأُ باختيار المُتَعَاقِدَيْنِ، وحَقُّها أن يضبط كل واحد من المُتَعاقِدَيْنِ صاحبه، هذا هو الأَظْهَرُ، وفيه طريقان آخران: أحدهما: إجراء الخِلاَفِ في المُعامَلاَتِ أيضًا؛ [لأن] الإنسان عُرْضَةُ النِّسْيَانِ، وهم لا يَتَضَرَّرُونَ باليمين.
والثاني: قَصْرُهُ على دَعْوَى الدَّمِ لِعِظَمِ خَطَرِهِ.
وقوله: "قتل أَبِي أَحَدُ هؤلاء العشرة"، تَصْوِيرٌ فيما إذا كان القوم حاضِرِينَ، فإن لم يكونوا حاضرين، والتمس إحضارهم فهل يجاب؟ فيه الوجهان، ولو ذكر أنه قتله أحدهم، ولم يطلب إحضار جميعهم؛ ليسألوا، ويُعْرَض عليهم اليَمِينُ، فلا يحضرهم القاضي، ولا يُبَالِي بكلامه؛ لأن القاضي يعمل بِحَسَبِ طَلَبِ المُسْتَحِقِّ، ذكره في "التتمة"، وذكر أن الوَجْهَيْنِ فيما إذا تَعَلَّقَتِ الدَّعوَى بِوَاحِدٍ من جماعة مَحْصُورِينَ.

وأما إذا قال: قَتَلَهُ واحِدٌ من أهل القَرْيَةِ أو المَحِلَّةِ، وهم لا يَنْحَصِرُونَ، وطَلَبَ إِحْضَارَهُمْ فلا يُجَابُ؛ لأنه يَطُولُ فيه العَنَاءُ على القاضي، وَيتَعَطَّلُ زَمَانُهُ في خُصُومَةٍ واحدة، وتَتَأَخَّرُ حُقُوقُ سائر الناس، ولأن في إحضار الجَمْع الكَبِيرِ إِضْرارًا بهم لِقَطْعِ مَعايِشِهِمْ، وتَعْطِيلِ زمانهم، وقد يفهم هذا من التصوير في العشرة.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّانِي أنْ تَكُونَ مُفَصَّلَةً فِي كَوْنِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ مُشْتَرِكَةً، فَإنْ أَجْمَلَ اسْتَفْصَلَ القّاضِي، وَقِيلَ: يُعْرَضُ عَنْهُ لِأَنَّ الاسْتِفْصَالَ تَلْقِينٌ، وَلَوْ قَالَ: قُتِلَ أَبِي خَطَأً مَعَ جَمَاعَةٍ وَلَمْ يَحْصُرُهُم لَمْ يُسْمَعْ إِذْ حِصَّتُهُ مِنَ الدِّيَةِ لا تَتَبَيَّنُ، وَلَوِ ادَّعَى العَمْدَ وَقُلْنَا: مُوجِبُهُ القَوْدُ المَحْضُ سُمِعَ، وَإِنْ قُلْنَا: أَحَدٌ لا بِعَيْنِهِ فَوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لتكن الدَّعْوَى مُفَصَّلَةً 1، أَقَتَلَ عَمْدًا، أو خَطَأً، أو عَمْدَ خَطأٍ، مُنْفَرِدًا أو بِشَرِكَةِ غيره، فإن الأحكام تَخْتَلِفُ باختلاف هذه الأَحْوَالِ، والواجب تَارَةً يَتَوَجَّه على القاتل، وأُخْرَى على عَاقِلَتِهِ، فلا يمكن فَضْلُ الأمْرِ ما لم يُعْلَمْ مَنْ يُطَالَبُ؟ وبم يُطَالَبُ؟ وفيه وجه سنذكر مَأْخَذَهُ: أنه يجوز أن تكون الدَّعْوَى مَجْهُولَةً.
وإذا منعنا -وهو المذهب المشهور- فلو أجمل الوَلِيُّ دَعْوَى القَتْلِ، ففيه وجهان: أحدهما: أن القاضي يُعْرِضُ عنه، ولا يَسْتَفْصِلُ؛ لأن الاسْتِفْصَالَ ضَرْبٌ من التَّلْقِينِ.
وأصحهما: أنه يَسْتَفْصِلُ، والقول بأن الاسْتِفْصَالَ تَلْقِينٌ ممنوع، بل التلقين أن يقول له: قُلْ: قَتَلَهُ عَمْدًا أو خَطَأً، والاسْتِفْصَالُ أن يقول: كيف قُتِلَ؟ وهذا الوجه الثاني هو الذي أَوْرَدَهُ الجمهور، ونَصَّ عليه الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "المختصر"، حيث قال: ينبغي لِلْحَاكِمِ أن يقول له: من قَتَلَ صاحِبَكَ؟، فإن قال: فُلاَنٌ، قال: وَحْدَهُ؟، فإن قال: نعم، قال: عَمْدًا أو خطأ؟، فإن قال: عَمْدًا، يسأله 2: ما العَمْدُ؟.
وربما يُوجَدُ في إِيرَادِ الأئمة ما يُشْعِرُ بوجوب الاسْتِفْصَالِ هكذا قال القاضي الروياني بعد ما نَقَلَ نَصَّ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه يَسْتَفْصِلُ في الأشياء الأربعة.
وقال الماسَرْجَسِيُّ: لا يجب على الحَاكِمِ أن يُصَحِّحَ دَعْوَاهُ، ولا يلزمه أن يسمع

إلا في دعوى محَرَّرَةٍ، وإنما ذَكَرَ الشَّافعي -رَضِىَ اللهُ عَنْهُ- هذا إذا أَرادَ أن يَسْتَثْبِتَهُ احْتِيَاطًا، فأشعر هذا السِّيَاقُ بأن غيره يقول بوجوب الاسْتِفْصالِ المُصَحِّحِ للدعوى.
والأوجه ما نَسَبَهُ إلى المَاسَرْجِسِيُّ ثم إذا قال: إنه قتله مُنْفَرِدًا عَمْدًا، ووصف العَمْدِيَّةَ، أو خَطَأً طالب المُدَّعَى عليه بالجواب.
فإن قال: قتله بِشَرِكَةٍ، سئل عمن شَارَكَهُ، فإن ذَكَرَ جَمَاعَةً لا يُتَصَوَّرُ اجتماعهم على القتل، لُغِيَ قوله ودَعْوَاهُ.
وإن ذكر جَمَاعَةً يُتَصَوَّرُ اجتماعهم، ولم يحضرهم، أو قال: لا أعرف عَدَدَهُمْ، فإن ادَّعَى قَتْلًا يوجب الدِّيَةَ لم تُسْمَعْ دعواه؛ لأن حِصَّة المُدَّعَى عليه من الدِّيَةِ لا تَتَبَيَّنُ إلا بِحَصْرِ الشركاء، وذلك مثل أن يَدَّعِيَ الخَطَأَ أو شِبْهَ العَمْدِ، أو يقول: إنه تَعَمَّدَ، وفي شركائه مُخْطِئٌ.
نعم، لو قال: لا أعْرِفُ عَدَدَهُمْ على التحقيق، ولكن أعلم أنهم لا يزيدون على عشرة، فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى، وَيتَرَتَّبُ على تحقيقها المُطَالَبَةُ بعُشْرِ الدية، فإن ادعى ما يوجب القَوَدَ بأن قال: قَتَلَ عَمْدًا مع شركاء مُتَعَمِّدِينَ، ففيه وجهان: أصحهما: أنه يسمع دَعْوَاهُ؛ لأنه إذا حَقَّقَهَا، تمكَّنَ من مُطالَبَتِهِ بالقِصَاصِ، ولا يختلف ذلك بِعَدَدِ الشركاء.
والثاني: المنع، ويحكى عن أبي إِسْحَاقَ؛ لأنه قد يختار الدِّيَةَ، فلا يدري حَقَّهُ منها، ومنهم من قال: إن قلنا: إن مُوجِبَ العَمْدِ القَوَدُ، فالمصير إلى سَمَاعِ الدعوى أَظْهَرُ، وربما أُشِيرَ إلى القَطْعِ [به] 1. وإن قلنا: مُوجِبُ العَمْدِ أَحَدُهُما اتَّجَهَ الوجهان؛ لأن أَحَدَ الموجبين غير معلومَ، وهذا ما أَوْرَدَهُ في الكتاب.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ المُدَّعِي مُكَلَّفًا مُلْتَزِمًا، وَلا يَضُرُّهُ كَوْنُهُ جَنِينًا حالَةَ القَتْلِ إِذْ يُعرَفُ ذَلِكَ بِالتَّسَامُعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنما تُسْمَعُ الدَّعْوَى من المُكَلَّفِ دون الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، ومن المُلْتَزِمِ، وهو المسلم، والذِّمِّيُّ 2. فأما الحَرْبِيُّ فلا يستحق قِصَاصًا، ولا دِيَةً، فليس له دَعْوَى الدَّمِ، ولا يَقْدَحُ كَوْنُ

المُدَّعِي صَبِيًّا، أو مَجْنُونًا، أو جَنينًا حالَةَ القَتْلِ إذا كان بصفة الكَمَالِ عند الدَّعْوَى، فإنه قد يعرف الحال بالتَّسَامُعِ، ويمكنه أن يحلف في مَظَنَّةِ الحَلِفِ إذا عرف ما يحلف عليه بإقْرَارِ الجاني، أو بالسماع ممن يَثِقُ به، ولذلك نقول: من مَلَكَ عَبْدًا هو أكبر سِنًّا منه، ثم باعه فجاء 1 المشتري يَرُدُّهُ بِعَيْبِ الإِبَاقِ، له أن يَحْلِفَ بالله تعالى: ما هو آبِقٌ، وإنما يعرف ذلك بِسَماعِ حاله 2 من غيره.
وكذلك لو اشترى عَيْنًا وقَبَضَهَا، فجاء من يَدَّعَي أنها مِلْكُهُ، ويطالب بالتَّسْلِيمِ، له أن يحلف أنه لا يَلْزَمُهُ التسليم؛ اعْتِمادًا على قول البائع.
والمَحْجُورُ عليه بالسَّفَهِ، تُسْمَعُ منه دَعْوَى الدَّمِ، وله أن يَحْلِفَ ويحلّف، وأن يستوفي القِصَاص.
وإذا آلَ الأَمْرُ إلى المَالِ، فيأخذه الوَلِيُّ، كما في دَعْوَى المال، يدعي السَّفِيهُ، وَيحْلِفُ ويحلَّف، والوَليُّ يأخذ المَالَ.
قال الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ أنْ يَكُونَ المُدَّعَى عَلَيْهِ مُكَلَّفًا، فَإنْ كَانَ سَفِيهًا صَحَّ فِيما يُقْبَلُ إِقْرَارُ السَّفِيهِ فِيهِ، وإن لَمْ يُقْبَلْ إِقْرارُهُ صَحَّ لِأَجْلِ إِنْكَارِهِ حَتَّى يُسْمِعَ البَيِّنَةَ وَيُعْرَضَ اليَمِينُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ إِذْ يَنْقَطِعُ الخُصُومَةُ بِحَلِفِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من شَرْطِ صِحَّةِ الدعوى أن يكون المُدَّعَى عَلَيْهِ مُكَلَّفًا، فلا يُدَّعَى على صَبِيٍّ ولا مجنون، ثم هاهنا مَسْأَلَتَانِ: إحداهما: إذا ادَّعى القَتْلَ على المَحْجُورِ عليه بالسَّفَهِ، نظر إن كان هناك لَوْثٌ على ما ستعرفه، فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى، سواء ادَّعَى قَتْلًا عَمْدًا أو خَطَأً، أو شِبْهَ عَمْدٍ، ويقسم المدعي، ويكون الحكم كما في غير السَّفِيهِ، وإذا كان اللَّوْثُ قول شَاهِدٍ واحِدٍ، فيحلف المُدَّعِي معه، ويثبت المَالُ بالشاهد واليمين، وإن لم يكن لَوْثٌ.
فإن ادعى قَتْلًا يوجب القِصَاصَ تُسْمَعُ دَعْواهُ؛ لأن إِقْرارَهُ بما يوجب القِصَاصَ مَقْبولٌ، فإن أَقَرَّ أُمْضِيَ حكمه [عليه] 3، وإن [أنكر] 4 حلف، فإن نَكَلَ حَلَفَ المُدَّعِي، وكان له أن يقتصَّ.
وإن ادَّعى خَطأً أو شِبْهَ عَمْدٍ، فهذا ينظر [فيه] 5 إلى أن إِقْرَارَ المَحْجُورِ بالإتلاف هل يقبل ويُؤاخَذُ [بها]؟ وفيه وجهان مذكوران في كتاب الحَجْرِ.
وسواء قلنا: يُقْبَلُ أو لا يُقْبَلُ، فَيُسْمَعُ أَصْلُ الدعوى.

أما إذا قبلنا إِقْرارَهُ، فليمض عليه الحُكْمُ وإن أَقَرَّ، ولتقام عليه البينة إن أنكر.
وأما إذا لم نَقْبَلهُ، وهو الصحيح، فلتُقَام عليه البَيِّنَةُ إن أنكر، ثم إذا أنكر، فهل تُعْرَضُ اليمين عليه؟ يبني ذلك على أن يكون المُدَّعَى عليه، ويمين المدعي كَبَيِّنَةٍ يقيمها المُدَّعِي، أو كإقرار المُدَّعى عليه، إن قلنا كالبَيِّنَةِ، فتعرض، فإنه قد ينكل، فيحلف المدعي، ويكون كما لو أقام البَيِّنَةَ.
ويحكى هذا عن أبي مَنْصُورِ بن مَهْرَانَ.
وإن قلنا: كالإِقْرَارِ، ففيه وجهان: أَوْفَقُهُما لكلام أكثرهم: أنها لا تعرض؛ لأن العَرْضَ للحمل على الصِّدْقِ بالإقرار، والإقرار غير مَقْبُولٍ على الصحيح.
وأصحهما عند صاحب الكتاب: العَرْضُ؛ لأنه قد يَحْلِفُ، فتنقطع الخُصُومَةُ في الحَالِ، هكذا، أَوْرَدَهُ الشيخ أبو حَامِدٍ وغيره، وعليه يَنْطَبِقُ إيراد صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط"، إلا أنهم لم يذكروا أوْجُهَ عَرْضِ اليمين؛ تَفْرِيعًا على أن اليمين المَرْدُودَةُ كالإقرار.
ومنهم من يُطْلِقُ الخِلاَفَ في سَمَاعِ الدعوى بالخَطَأِ، وشِبْهِ العَمْدِ من أصلها، ويَبْنِيهِ على الخلاف في أن إقراره بالإتْلاَفِ، هل يقبل؟ إن قلنا: نعم سمعت، وإلا فينبني على أن اليمين المردودة كالبينة أو كالإقرار، فليحمل هذا علي ما ذكره الأولون، فإنهم جميعًا مُتَّفِقُونَ على أنه لو أقام البَيِّنَةَ تسمع، وسَماعُ البينة مَسْبُوقٌ بِسَماَعِ الدعوى.
المسألة الثانية: تُسْمَعُ دَعْوَى القَتْلِ على المَحْجُورِ عليه بالفَلَسِ، ثم إن قامت بَيِّنَةٌ أو كان هناك لَوْثٌ، وأقسم المدعي، فهو كغيره، ويُزاحِمُ المُسْتَحِقُّ بالمال الغُرَمَاءَ، وَإِنِ لم تكن بَيِّنَةٌ، ولا لَوْثٌ، فيحلف المُفْلِسُ، فإن نَكَلَ حلف المدعي، واسْتَحَقَّ القِصَاصَ إن كان المُدَّعَى قَتْلًا يوجب القِصَاصَ.
قال القاضي الروياني: فإن عَفَا عن القِصَاصِ على مَالٍ، ثَبَتَ [المَالُ]، وهل يشارك به الغُرَمَاء؟ يُبْنَى على أن اليمين المَرْدُودَةَ بعد النُّكُولِ كالبينة فنعم، وإن قلْنا كالإقْرَار، فقَوْلان، كما لو أقرَّ المُفْلِس بعَيْن 1 في يَدِه أو بدَيْنٍ نسبه إلى ما قبل الحَجْر، وإن كان المدَّعَى قتل خطَأً أو شبْهَ عمْد، ثبت باليمين المردودة الدية، وتكون على العاقلة، إنْ جعلْناها كالبينة، وإن جعلْناها كالإقرار، فتكون على الجاني، وهل يزاحِمُ المدَّعِي بها الغرماء؟ فيه القولان، ومنْهم مِنْ يُطْلِق وجهَيْن من غير بناء على الأصْل المذكور وُيوجه الوجوب [على العاقلة بأنَّها تثبت بيمين المدَّعِي، فأشبه مَا لَوْ ثبت بالقَسَامة والوجوب في مالِهِ] 2؛ بأنَّ اليمينَ بالمردودةِ نُقِلَتْ إلى المدَّعَى، بنكول المفْلِسْ فأشبه مَا لَوْ أَقَرَّ.

ومسألة ثالثة: وهي دعْوى القَتْل على العبْد، قال في "التهذيب": إن كان هناك لوْثٌ، فتُسْمع، ويقسم المُدَّعي، ويقتص إن ادَّعى قتل عمد، وأوجبنا القِصَاصَ بالقسامة، وإلاَّ، إذا كان يَدَّعِي قتل خطأ، فتتعلَّق الدية برقية العبد، وإن لم يكن لوْثٌ، فدعوى القتل الموجِب للقِصاص تكونُ على العبد، ودعْوى القتْل الموجب للمَال تكون على السيد، وتمام المسألة يأتي في "باب الدعاوَى والبَيِّنَات".
وقوله في الكتاب "صح" أي صحت الدعوى عليه.
وقوله: "على الصحيح" يمكن ردُّه من جهة اللفْظ إلى قوله "صح" لأجل إنكاره؛ ويوافق ذلك قول "مَنْ أطلَقَ الخِلافَ في سماع الدعْوَى"، ويلزم منه [بيانُ] 1 إجراءِ الخلافِ في سماع البيِّنة، والذي يوافِقُ نظم "الوسيط" وما حكَيْناه عن الأصحاب أن يعلَّق قوله "على الصحيح" بقوله "وتُعْرَض اليمين عليه"، لا بما قبله [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الخَامِسُ ألاَّ تَتَنَاقَضُ دَعْوَاهُ فَإنْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالقَتْلِ ثُمَّ ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ الشَّرِكَةَ لَمْ تُسْمَعُ الدَّعْوَى الثَّانِيَةُ لِأَنَّ الأُولَى تكَذِّبُهُ، فَلَوْ صَدَّقَهُ المُدَّعَى عَلَيْهِ ثانِيًا كَانَ لَهُ المُؤَاخَدَةُ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ الحَقَّ لا يَعْدُوهُما، وَلَوِ اسْتَفْصَلَ في العَمْدِ فَفَصَلَهُ بِمَا لَيْسَ بِعَمْدٍ لَمْ تُبطِلْ دَعْوَاهُ أَصْلَ القَتْلِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: ظَلَمْتُهُ بِأَخْذِ المَالِ وَفسِّرَ بِأنَّهُ كَذَبَ فِي الدَّعْوَى اسْتُرِدَّ، وَلَوْ فُسِّرَ بأَنَّهُ حَنَفِيُّ لا يَرَى القَسَامَةَ وَقَدْ أَخَذَ بِهَا لَمْ يُسْتَرِدُّ لِأَنَّ النَّظَرَ إِلَى رَأْيِ الحَاكِمِ لاَ إِلَى الخِصْمَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن شروط الدعوى سلامتها عما يناقضها وُيكَذِّبها، فلو ادَّعَى على شخْص أنه منفردٌ بالقتل، ثم ادعَى على آخر أنَّه شريك في القَتْل، أو منفردٌ به، لم تُسْمع دعواه 2 الثانية؛ لأن الأُوْلَى تكذِّبها، وتناقضُها، ولو لم يقسم على الأُولَى، ولم يمض حكْمٌ، فلا يُمكَّن من العَوْد إليها أيضًا؛ لأن الثانية تكذبها، ولو أن الثانيَ صدَّقه في دعواه الثانيةَ، فوجهان: أحدهما: أنه ليس له أن يؤاخِذَه بموجب تصديقه لأن في الدعْوى الأُولَى اعترافًا ببراءة غير المدَّعَى عليه.
وأصحَّهما: أن له المؤاخذة؛ لأن الحقَّ لا يعدوهما، ويحتمل أن يكون كاذبًا في الدعوى الأُولَى قصْدًا أو غَلَظًا، صادقًا في الثانية.
ثم في الفصْل صورتان: إحداهما: لو ادعَى قتلاً عمدًا، فاستُفْصِلَ، ففصَّله، ووصَف ما ليس بعمد، نقل

المزنيُّ، أنه لا يقسم، ونقل الربيع أنه يقسم، وذكر الأصحاب طريقَيْن: أشهرهما: أن في بطلان أصْل الدعوَى قولَيْن: أحدهما: أنه يبطل، فلا يقسم، ولا يلتفت إلى قوله؛ لأن في دعْوى العمد به اعترافًا ببراءة العاقلة، فلا يتمكَّن من مطالبتهم آخرًا، ولأنَّ في دعوى العمْد به اعترافًا بأنّه ليس بمخطئ، فلا يمكنه الرجوع عنه وأصحُّهما: المنع؛ لأنه قد يَظُنُّ ما ليس بعمْد عمْدًا، فيتبيَّن بتفسيره أنه مخطئ في اعتقاده وأيضًا، فقد يكْذِب في الوصف، وَيصْدُق في الأصل، وعلى هذا، فيُعْتمد على تفسيره، ويمضي حكمه.
والثاني: القطْع بالقول الثاني، وتأويل ما نقله المزنيُّ على أنه لا يقسم على ما ذكره أولاً، ويجري الطريقان فيما لو ادَّعَى الخطأ، وفسَّره بما هو عمْد، ولو ادعَى شبْه عمد، ثم فسَّره بما هو خطأ محْضٌ، وقلْنا: هناك بطريقة القولَيْن، فمنهم مَنْ أجراهما هاهنا، ومنْهم من قَطَع بأنه لا يُبْطِل الدعْوى؛ لأن قوله الأول يَقْتَضي زيادةً على العاقلة، ومن ادعَى زيادة، ثم رجع إلى قدْر الحقِّ لا تبطل دعواه فيه.
ويجوز أن يُعْلم؛ للطريقة القاطعة قوله في الكتاب: "عَلَى أصحِّ الوجْهَيْن" بالواو، والتعبيرُ عن الخلاف بالوجهَيْن خلافُ المشهورِ.
الثانية: لو ادَّعى القتلَ، وأخذ المال، ثم قال: ظلمتُه بأخذ هذا المال أو أخذتُه باطلاً، أو ما أخذتُهُ حرامٌ لي، سُئِلَ عنه، فإن قال: كذَبْتُ في الدعْوَى وما هو بقاتل، اسْتُرِدَّ منه ما أخَذَ، وإن قال: أردتُّ أني حنفيٌّ، لا أرى أخْذ المال بيمين المدَّعي عَلَى ما سنَحْكِي مذهب أبي حنيفة لم يُسْتَرَدَّ؛ لأن النظرَ إلى رأي الحاكم واجتهادِهِ لا إلى مذْهب الخصمَيْن واعتقادهما وذكروا للصورة نظائرَ: منها: ما إذا ماتَ إنسان، فقال ابنه: لسْتُ أرثه؛ لأنه كان كافرًا، فاستُفْصِل عن كُفْره، فقال: كان معتزليًا أو رافضيًا، فيقال له: لك ميراثه وأنْتَ مخطئٌ في ظنِّك، والاعتزالُ والرفض ليس بكفْرِ، هكذا حكى القفَّال، وعليه جَرَى القاضي الرويانيُّ وصاحب "التهذيب" وغيرهما، قال الفورانيُّ: مِنْ مشايخنا مَنْ يقول بتكفير أهْل الأهواء، فعلى قوْل مَنْ قال به؛ يَحْرُمُ الميراث 1. ومنها: إذا قضى الحنفيُّ للشافعيِّ بشفعة الجار، فأخذ الشِّقْصَ، ثم قال: أخذتُه

باطلاً؛ لأني [لا] (1) أرى الشُّفْعة بالجوار؛ لا يُسْتَرَدَّ منه.
ومنها: إذا مات عن جارية استولَدَها بالنكاح، فقال وارثه: لا أتملَّكها، فإنها صارتْ أمَّ وَلَدٍ له، وعَتَقَت بالموت، فيقال: هي مملوكتك، فلا تصير أمَّ ولد باستيلادها بالنكاح.
واعلَمْ أن جميع ما ذَكَرْنا فيما يتعلَّق بالحُكْم الظاهر، فأما الحل (2) الباطن، إذا حكم الحاكم في مواضع الخلافِ لشَخْصٍ على خلاف ما يعتقدُه، كحكم الحنفيِّ للشافعيِّ بشفعة الجوار، ففي ثبوته خلافٌ وكلام (3) الأئمة هاهنا يميل إلى ثبوته، وأجاب صاحبُ الكتاب في "أدب القاضي" بالمَنْع وسنذكره إن شاء الله تعالى.
ولو قال: أردتُّ بقولي: حرام؛ أنه مغصوب، فإنْ عيَّن المغصوب منه، وجب عليه تسليمُه إليه، ولا رجوعَ له على المأخوذ منه؛ لأن قوله لا يقبل عليه، وإن لم يعين أحدًا، فهو مالٌ ضائعٌ؛ وفي مثله خلافٌ مشهورٌ، والجوابُ في "الشامل": أنه لا يلزمه رفع اليد عنه؛ ولو قال بعْد ما أَقْسَمَ نَدِمْتُ على الأيمان، لم يلزمه بهذا شيْءٌ.

" فَرْعٌ"

ادَّعَى القتل عَلَى رجُل، وأقسم، وأخَذَ المال، ثم جاء آخر، وقال: إنَّ المحلوف عليه لم يَقْتُل مُوَرِّثك، وإنما أنا قتلتُه، فإن لم يصدِّقه الوارث، لم يؤثِّر إقراره فيما (4) جرى، وإن صدَّقه، فعليه ردُّ ما أخذ، وهل له الدعْوَى على الثاني ومطالبته؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأن الدعوَى على الأول اعترافٌ ببراءة غيره.
والثاني: نعم؛ لأنه ربما بَنَى الدعوى الأولَى على ظنٍّ حَصَل له، وإقرارُ الثاني يفيدُ اليقين أو ظنًا أقْوَى من الظنِّ الأول، فجاز أن يَعْدِل إليه من الأول، وهذا كالخلاف المذكور فيما إذا ادعى الانفرادَ عَلَى واحد ثم الشركةَ عَلَى آخَرَ، وصدَّقه الثاني، والله أعلم.

قال الغَزَالِي

ُّ: النَّظَرُ الثَّانِي فِي القَسَامَةِ

وَفيهَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ الرُّكْنُ الأَوَّلُ فِي مَظَنَّتِها وَهِيَ قَتْلُ الحُرِّ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ فَلاَ قَسَامَةَ فِي المَالِ والأَطْرَافِ، وَفِي العَبْدِ قَوْلاَنِ، واللَّوْثُ قَرِينَةُ حَالٍ تُغَلَّبُ الظَّنِّ كَقَتِيلٍ فِي مَحَلَّةٍ بَيْنَهُم عَدَاوَةٌ أَو قَتِيلِ دَخَلَ صَفًّا وتَفَرَّقَ عَنْهُ جَمَاعَةً مَحْصُورُونَ، أَو قَتِيلٍ فِي صَفِّ الخَصْمِ المُقَابِلِ، أَوْ قَتِيلٍ في الصَّحْرَاءِ وَعَلَى1234

رَأْسِهِ رَجُلٌ مَعَهُ سِكِّينٌ، وَقَوْلُ المَجْرُوحِ: قَتَلَني فُلانٌ لَيْسَ بِلَوْثٍ، وَقَوْلُ وَاحِدٍ مِمَّن تُقبَلُ شَهَادَتُهُ لَوْثٌ، وَقَوْلُ جَمْعٍ مِمَّن تُقبَلُ رِوَايَتُهُم لَوْثٌ، والقِيَاسُ أَنَّ قَوْلَ وَاحِدٍ لَوْثٌ، وَأَمَّا عَدَدٌ مِنَ الصِّبْيَةِ والفَسَقَةِ فِيهِمُ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيّ: قال الأئمة: القَسَامَةُ في اللُّغة: اسمٌ للأولياء الَّذين يَحْلِفُون على دعوى الدم، وفي لسان الفقهاء هي اسم للأَيْمَان.
وقال صاحب الصِّحَاح: القَسَامَةُ هي الأَيْمَانُ تُقَسَّم على الأولياء في الدَّم، وعلى التقديرَيْنِ، فهي 1 اسم أُقِيمَ 2 مُقَام المصْدَر، يقال: أَقْسَمَ إقْسَامًا وقَسَامَةً، كما يقال: أكْرَمَ إِكْرَامًا وكَرَامَةً.
قال الإِمام: ولا اختصاص لها بأيمان الدِّماء، إلا أن الفقهاء استعملُوها فيها، وأصحابُنا استعملُوها في 3 الأيمان الَّتي تقع البدايةُ فيها بالمُدَّعِي.
وصورتُها: أن يوجد قتيلٌ في موضعٍ لا يُعْرَف مَنْ قَتَلَه، ولا يقُوم عليْه بيِّنةٌ، ويدَّعِي الوليُّ قتْلَه على واحدٍ أو جماعة، ويقترن بالواقعةِ ما يُشْعر بصدْق الوليِّ في دعواه، ويقال له اللَّوْث، فيحلف على ما يَدَّعيه، ويُحْكَمُ بما سنذكره، وساعدنا على ذلك مالك وأحمد.
وعنْد أبي حنيفة: لا اعتبار باللَّوْث، ولا يبدأ بيمين المُدَّعِي، وإذا وجد قتيلٌ في محِلَّة أو قرية، وادَّعَى وليه قتْلَه على رَجُلٍ أو جماعةٍ بأعيانهم، فيختار الإِمام، ويقال ويختار الوليُّ خمسين رجلاً من صلحاءِ تلْك البقعة، فيَحْلِفون خمسين يمينًا أنَّهم ما قتَلُوه، ولا عَرَفُوا قاتِلَه، فإن نقَصُوا عن الخمسين، كرر الأيمان حتى يتم خمسين، وإذا حَلَفُوا وجَبَتِ الديةُ عَلَى عاقلة مِنْ بَنِي تلْك الخُطَّة، فإن لم يعرف الثاني، أو لم توجَدْ عاقلته، أخذتِ الدية من سكان ذلك المَوْضِع، وفيهم الحالِفُون في ثلاثِ سِنِينَ، وإن لم يحْلِفوا، حُبِسُوا حتَّى يحلفوا أو يُقِرُّوا.
قال: وإن وجد القتيلُ في مسْجِدٍ أو شارعِ سُوقٍ، فتؤخَذُ الديةُ من بيت المال.
وإن وُجِدَ في دارٍ، أخذتِ الديةُ من عاقلة رَبِّ الدار، وربما قالوا: من عاقلة مَنْ في الدار.
وإن وُجِدَ في دارِ نفْسِهِ، فالديةُ على عاقلته، وإن وجد بين 4 قريتَيْنِ، فالقسامةُ على أقربهما منْه.
وإن وُجِدَ في مفازة بعيدةٍ عن العمران، فهو هدَرٌ، هذا هو معْنَى القسامةِ عنْده، وفيه إثباتُ الدعوَى من غير تعيينْ المدَّعَى عليهم، والحبس لليمين والتَّغْريم مع أنه لم

تتوجَّه عليهم حجَّة، ومع أنهم حلَفُوا على أنه لا شيْء عليهم، والدليلُ على أنه يبدأ بيمين المُدَّعِي ما رُوِيَ عن سهْل بن أبي خثمة أن عبد الله بن سهْلٍ ومحيصة بن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- خرجَا إلى خيبر فتفرَّقا لحاجتهما، فقُتِلَ عبْدُ الله، فقال محيصةُ لليهود: أنتم قتلتموه، فقالوا: ما قتَلْنَاه، فانطلَقَ هو وأخُوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل أخُو المَقْتُول -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فذكَرُوا لهُ قتْل عَبْدِ الله بْنِ سَهْل، فقال: تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَحْضُر، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فَيَحْلِفُ 1 لَكُمُ اليَهُودُ، فَقَالُوا: كَيْفَ نَقْبلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فذكر أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَدَاهُ مِن عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِمائَةِ ناقَةٍ، قَالَ سَهْلٌ: لَقَد رَكَضَنِي مِنها ناقَةٌ حَمْرَاءٌ 2 ويروى [فَيُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُنْفَعُ ألِيكم بِرمَّته ويروى] 3 أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، والْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إلاَّ في القَسَامَةَ" 4 هذا هو القول الجُمَليُّ في القسامة، وإذا طلبتَ التفْصيل احتجْتَ إلى معرفة محَلِّ القسامة، ومظَنَّتها، ثم إلى معرفة كيفيتها، ثم إلى معرفة حُكْمها وفائدتها، ثم معرفة مَنْ يُقْسِم، فهذه أركان النَّظَر في الباب، فلذلك قال في الكتاب: "وفيها أربعة أركان، الركن الأول مظنتها" وفيه ثلاثة قيود:

أحدها: القتل؛ فلا قسامة في إتْلاف الأمْوال، ولا فيما دُون النَّفْس من الجراحاتِ والأطرافِ بل القول فيها قولُ المُدَّعَى عليه مع يمينه، سواء كان هناك لَوْثٌ أو لم يكُنْ، لأن البداية بيمين المُدَّعِي خلافَ القياس والنصِّ، وإنما وَرَدَ في النفْس، وحرمةُ النفس أعظمُ من حرمة الأطرافِ، ولذلك افترقا في وجوب الكفَّارة، فلا تلحق غير النفْس بالنفْس، وفي "جمع الجوامع" للقاضي الروياني أن بعض أصحابنا ذَكَر في الخلافيَّات وجهًا آخر في الأطْرَاف، وغلَّط قائله، وبنى على المذْهَب أنه لو جرح مُسْلِمٌ فارْتدَّ، ثم مات بالسراية، لم تجز القَسَامةُ؛ لأن الواجب ضمان الجراحة، والنفسُ صارتْ مهدرةً ولو عاد إلى الإسْلام، ثم مات جرتِ القَسَامةُ، سواءٌ أوجبنا كمال الدية أو لم نوجبْها؛ لأن الواجِبَ بدَلُ النفْس، وكذا الحكْم فيما لو جرح ذميٌّ فنقض العهد ثم مات أو جدَّد العهْد، ثم مات.
الثاني: مصادفة القَتْل الحُرَّ، فلو قتل العبْدُ، وهناك لوْثٌ، فادعى السيِّد على حرٍّ أو عبْدٍ أنه قتله، فهل يُقْسِم؟ فيه طريقان: أشهَرُهما: أنه على القولَيْن في أن بدل العبد هل تحمله العاقلة، إن قلْنا: لا، فقَد ألحقناه بالبهائم وسائر الأموال، فلا 1 يجري في قتله القسامة، وإنْ قلنا: نعم، وهو الأصح، فيُقْسِم السيِّد، وهو المنصوص، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: القَطْع بأنه يُقْسِم، ولا يُخَرَّج على الخلاف في التحمُّل، وبه قال القاضي أبو حامد؛ وذلك لأنَّ القسامةَ لحفْظ الدماء وصيانتها، وهذه الحاجةُ تشمَلُ العبيد والأحرار، فأشبهتِ القسامةُ القصاصَ ووجوب الكفَّارة، وتَحمُّل العقْلِ لقطْع الفتنة، فإنَّ أولياء القتيل يَقْصِدُون الجاني وقومه، إذا لم تصلْ حقوقُهم إليهم، وقد لا تستقلُّ العاقِلَة بإيصال حقوقهم، فأمروا بالتحمُّل حسمًا لمادة الفتنة، [ولا يخاف من السيِّد الفتنة]؛ فإنَّ مقصود الساداتِ من العبيدِ المالية وإذا قلنا بالأصحِّ، فحُكم المدبَّرة والمستولَدَة حُكْم القِنِّ، وكذا المكاتَب؛ لأنَّ الكتابةَ تنفسخ بالمَوْت، وإذا أقسم السيِّد، فإن كانت الدعوَى على حُرٍّ، أخذت الدية من ماله في الحال، إن ادَّعَى العمْد المحْض، وإن ادَّعَى الخطأَ أو شبْه العَمْد، أخذها من عاقلة في ثلاث سنين، وإن كانتِ الدعوَى على عبْدٍ، فإن ادَّعَى العمْد المحض، ففي القصاصِ الخلافُ في ثبوت القصاص بالقَسَامة، وإذا قلْنا بالمنع، وهو الصحيح، أو كان قد ادَّعَى الخطأ أو شبه العمد، تعلَّقت القيمة برقبته.
وذكر الرويانيُّ أنَّ المُحامليَّ حكَى في "المقنع" قولاً أنّ العاقلةَ تتحمَّل من العمْد جنايته الخطأ، وحمله على خطأ 2 الكاتب.

الثالثةُ: كونُهُ في محلِّ اللَّوْث؛ فإن لم يكن لَوْث، لم تبدأ بيمين المُدَّعي، واللوثْ قرينة حال تبين الظن، وتوقع في القلب صدْق المُدَّعِي، وله طرق: منْها: أن يوجد قتيل في قبيلة أو حصْنٍ أو قريةٍ صغيرةٍ أو محلَّةٍ منفصلةٍ عن البلد الكبير، وبيْن القتيل وبيْن أهلها عداوةٌ ظاهرةٌ، فهو لوثٌ في حقِّهم، حتى إذا ادَّعَى الوليُّ القتل عليهم أو على بعْضِهم كان له أن يُقْسِم وكذا 1 كان الحال في قصَّة عبد الله ابن سهْل -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فإنَّ أهل خيبر كانُوا أعداءً للأنْصار -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ويشترط ألاَّ يساكِنَهُمْ غيرهم؛ ليكون لَوْثًا في حقِّهم، وإلا، فربما قتلَهُ غيرهم، وإن كان القتيلُ عدوًّا لهم، ومنهم مَنْ يقول: الشرط أن لا يخالطهم غيرهم، حتى لو كانَتِ القريةُ على قارعة الطريق، وكان يطرُقُها غيرهم، فلا لَوْث، وعلى الأول، لا بأس بمخالطة المجتازِينَ للحاجَاتِ؛ كالتجارة وغيرها، وهو الأوجه 2 فإن خيبر، كانَتْ يطْرُقُها الأنصار.
ومنْها: تفرُّق جماعةٍ عن قتيل في دَارٍ كان قد دخَل عليهم حنيفًا أو دخَلَها معهم في حاجة أو في مسْجِدٍ أو [في] 3 بستان أو طريقٍ أو في 4 الصحراء، فهو لَوْث، وكذا لو ازدحم قوْمٌ على رَأْس بئر للاستقاء أو على باب الكَعْبة أو في الطواف أو في مَضِيق، ثم تفرَّقوا عن قتيل؛ لأنَّه يغلب على الظن أنَّهم قتلوه أو بعْضُهم قتَلَه قصْدًا أو دوسًا بالأقدام؛ ولا يُشْتَرِط في هذا الطريق أن يكون بيْنَه وبيْنَهم عداوة.
ومنْها: إذا تقابل صفان يتقاتلان، وانكشفوا عن قتيل مِنْ أحد الصفَّيْن، فإن التحموا، واختلطَ بعْضُهم ببعض أو كان يَصِلُ سلاح أحد الصَّنْفَيْن إلى الآخَر، إما رمِّيًّا أو طعْنًا أو ضرْبًا، فهو لوْثٌ في حق أهل الصفِّ الآخر؛ لأن الظاهر أن أهل صفِّه لا يقتلونه، وإن لم يلتَحِموا، ولا كان يَصِلُ السلاح، فاللوث في حق [أهل] 5 صفه.
ومنها: إذا وجد قتيلٌ في الصحراء، وعنده رجُلٌ معه سلاحٌ متلطِّخ بالدم أو على ثَوْبِه أثر الدم، فهو لوث، وإن كان بقربه سبُعٌ أو رجُلٌ آخر مُولٍ ظَهْرَه أو وُجِد أثر قدَمٍ أو ترشيش دم في غير الجهة التي فيها صاحبُ السلاح، لم يوجِبْ ذلك اللَّوْثَ في حقِّه، ولو رأينا [شيئًا] من بعيد 6 رجلاً يُحرِّك يده، كما يفعل مَنْ يضرب بالسيف أو السِّكِّين، ثم وجدْنا في الموضع قتيلاً، فهو لوث في حقِّ ذلك الرجل.

ومنها: إذا شهد عدْلٌ بأن فلانًا قتل فلانًا، فهذا لوْثٌ، ولو شهد جماعةٌ ممن تُقبَلُ روايتهم؛ كالعبيد والنسوة، فإن جاؤوا متفرقين، فكذلك؛ لأن الغالِبَ أن اتفاق أقوالهم لا يصدُر إلا عن حقيقة، وإن جاؤوا دفعةً واحدةً، فوجهان 1: أشهرهما: المنع؛ لاحتمال أنهم تواطؤوا أو لقنوا، وأقواهما أنه لوْث؛ لأنه يثير نوْعَ الظنِّ، واحتمال التواطؤِ كاحتمال الكذِبِ في شهادة العدْل الواحِدِ، وهذا ما يوافقه إطلاقُ صاحب الكتاب، وكذلك أطلق الشيخُ أبو حامد، وفي "التهذيب" أن شهادة اثنَيْنِ من العبيد والنسوةِ كشهادة الجَمْع.
وقال في الكتاب: "والقياس أن قوْلَ واحدٍ منهم لوْثٌ أيضًا"، ويشبه أن يُرتَّب هذا على الوجهين فيما إذا جاء جَمْعٌ منهم، وشهِدُوا مجتمعِينَ، فإن لم نجعلْه لوثًا، لم نجعل قول الواحد منهم لوْثًا، وأما الَّذين لا تُقْبَل روايتُهم؛ كالصِّبْية والفَسَقة وأهل الذمة، فهل يكون قولُهم لوثًا؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو المذكور في "التهذيب": المنع؛ لأنه لا اعتبار بقَوْلِهِم في الشَّرْع.
وأرجحهما على ما قاله ابن الصبَّاغ وغيره: نعم؛ لأن الغالب أن اتفاق الجماعة الكبيرة على الإخبار عن الشيء كيف كان لا يكون إلا عن حقيقة، واختلفتِ الروايةُ عن أبي إسحاق، فمنهم مَنْ روَى عنه الوجْه الأوَّل، ومنهم مَنْ روَى عنه الثَّانِيَ وعنْ "المنهاج" للشيخ أبي محمَّد؛ أنه يحصُل اللوْث بقَوْل الصِّبيان والفسقة دون الكفار وليس من موجبات اللوث قولُ المجروح: جرَحَنِي أو قتَلَنِي فلانٌ أو دَمِّي عند فلان؛ لأنه منعٌ، فلا يعتمد قوله، وقد يكون بينه وبين غيره عداوةٌ فيقصدُ إهلاكه.
وقال مالك: هو لَوْث.
ولْيعلَمْ قوله في الكتاب: "والأطراف" بالواو [للوجه المذكور] 2. وقوله "قولان" في مسألة العبد، بالواو؛ للطريقة القاطعة بجريان القَسَامة في "شرح مختصر الجوينيِّ" أن ابن سريج وأبا إسحاق يَذْهَبَان إليها.

وقوله "يغلب على الظن" أي صدق المُدَّعِي.
وقوله "كقتيل في محِلَّةِ بينهم عداوة" يجوز أن يُعْلَم بالميم.
كذا جميع طرق اللوث المذكورة في الكتاب، سوى شهادةِ العَدْل الواحد؛ لأن صاحب "البيان" نقل عن مالك أن شيئًا منْها ليْس بلَوْثٍ سوى شهادة العَدْل الواحد [وقولها "تَفَرَّقَ] عنْه جماعةٌ محصُورون" كان الإشارة بلفظ "المحْصُورين" إلى أن الجماعة لو كانوا بحَيْث لا يُتصوَّر اجتماعُهم على القتل، فلا تسمع الدعوَى عليهم، ولا يُمَكَّن من القسامة عليهم على ما مَرَّ، ولو ازدحَمَ الجمْعُ الذين لا يُتصوَّر اجتماعُهم على القَتْل في مضيق وتَفرَّقوا عن قتيل، فادعى الوليُّ القتْلَ على عددٍ منهم يُتصوَّر اجتماعهم على القتْل، فينبغي أن يُقْبَل 1 ويُمَكَّن في القسامة، كما لو ثبت اللَّوْث في حقّ جماعة محصورين، وادَّعى الوليُّ القتل على بعضهم.
وقوله: "أو قتيلٍ في صفِّ الخَصْم المقابل" قد يفهم منه أنه وجد في صف الخصم المقابلين لصفة، لكنه ليس بشَرْطٍ، بل لا فرق بين أن يوجد في صَفِّ نفسه أو صفِّ الخَصْم أو بين الصفين فالمعنى: وقتل كان في صفِّ الخصم المقابل.
وقوله: "وعلى رأسه رجلٌ معه سِكِّينٌ" لم يتعرَّض لتضمخه بالدم، وعرض له في "الوسيط" ولذلك ذكر أكثرهم تَلَطُّخ السكِّين أو يلطُّخ الثوب، ولا يَبْعُدُ أن لا يشترط ذلك.
وقوله "ليس بلوث" [مُعْلَم] 2 بالميم.
وقوله "وَقَوْلُ واحد ممن تُقْبَلُ شهادَتُه لَوْثٌ" يمكن أن يُعْلَم بالواو؛ لأن صاحب "التتمة" قال: إذا شهدتما بما يدعيه عدْلٌ واحدٌ، فيُبْنَى على اختلاف الأصحاب في الشاهد واليَمِينِ؛ في أنَّ الحُكْم يقع بالشهادةِ واليمينُ مرجِّحَة، أو يقع باليمين أو بهما، إن قلنا: الحكْم يقع باليمين، والشهادةُ مرجِّحة، كان ذلك لوثًا، وإن قلْنا: الحكم بالشهادة أو بهما، لم يكن لَوْثًا، ولكن يحلف المدَّعِي مع شاهده، إلا أنه لا يثبت القصاص، ثم إن شَهِد العدْل الواحدُ بعْد دعوى المدَّعِي، فاللوث حاصل، وإن تقدم قول العدل على الدعْوَى، فينبغي أن يُكْتَفَى به؛ لحُصُول اللوث، ولا يُجْعَل السبيلُ فيه سبيلَ الشهادات المخصوصة بمَجْلِس الحُكْم المسبوقة بالدعْوَى، وفي لفظ الكتاب إشْعَارٌ به؛ حيث قال: "وقول واحدٍ ممَّنْ تُقْبل شهادتُه لوْثٌ"، وكذا الحال في قول العبيد والصبية؛ فلا ينبغي أن يفرق بين أن يتقدَّم على الدعْوَى أو يتأخَّر.
وقوله "وقول جَمْعٍ ممن يُقْبَل روايتهم لوْثٌ" يجوز إعلامه بالواو؛ للوجه الفارق [والله أعلم].

" فُرُوعٌ"

ذكر في "التهذيب": أنه لو وقَع في ألسن الخاصِّ والعامِّ أنَّ فلاناً قَتَلَ فلاناً، فهو لوث عليه، ولا فرْق في القَسامة بيْن أن يَدَّعِيَ المُسْلِم على المُسْلِم، أو يكون أحدُهما كافرًا، وعن مالك: أنه لا يُقْسِم الكا

فرُ ع

لى المُسْلِم، قال الإِمام: وإذا عايَنَ القاضِي ما هو لَوْث، فله الاعتماد عليه، ولا يخرج على الخلاف في قضائه بعلْمه؛ لأنه يقضي بالأَيْمَان، وفي "التتمة": أن القتيل إذا وُجدَ قريبًا من قرية، وليس هناك عمارة أخرَى، ولا من يقيم في الصحراء، ثَبَت اللوث في حقِّهم، يعني إذا وجدت العداوةُ [وكنا] نحكم باللوث [إذا] وجد القتيل فيها، فكذلك إذا وجد قريبًا منها، قال: ولو وجد قتيلٌ بين قريتَيْنِ أو قبيلتين، ولم يُعْرَف بينه وبين واحدةٍ منها عداوةٌ؛ فلا يجْعَل قُرْبه من إحداهما لوثاً؛ لأن العادة قد جَرَتْ بأن يُبْعِدَ القاتلُ القتيلَ عن فنائه؛ ويثقله إلى بقْعة أخْرَى دفْعاً للتهمةِ عن نفْسِه، وما رُوِيَ في الخبر والأثَر على خلاف ما ذكَرْنا، فإن الشافعيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لم يثبت إسناده.
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا مُسْقِطَاتُ اللَّوْثِ فَخَمْسَةٌ: الأَوَّلُ: أَنْ يَتَعَذَّرَ إِظْهَارُهُ عِنْدَ القَاضِي فَلَوْ ظَهَرَ عِنْدَ القَاضِي عَلَى جَمْعٍ فَلِلْمُدَّعِي أَنْ يُعَيِّنْ، فَلَوْ قَالَ: القَاتِلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَحَلَفُوا إلاَّ الواحِدَ فَلَهُ القَسَامَةُ عَلَى ذَلِكَ الوَاحِدِ لأَنَّ نُكُولَهُ لَوْثٌ، فَلَوْ نَكَلُوا جَمِيعاً فَقَالَ ظَهَرَ لِي الآنَ لَوْثٌ مُعَيَّنٌ وَقَدْ سَبَقَ مِنْهُ دَعْوَى الجَهْلِ فَفِي تَمْكِينِهِ مِنَ القَسَامَةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد توجدُ الأمارةُ المشْعِرةُ بصدْق المُدَّعِي، لكنْ يعارضُها ما يُسْقِط أثرها، ويُبْطِل الظنَّ الحاصل بها عنْد تجريد النَّظَر [إليها]، فتكلم بعْدَ الكلامِ في الأماراتِ في الأمور التي يُسْقِطها، وعدَّها خمسة: أوَّلُها: أن يتعذر إثباته عند القاضي، ولا يَخْفَى أن تسمية تَعَذُّر الإثباتِ مُسْقِطاً توسُّعٌ وتساهُلٌ، وأنه إذا لم يثبُتِ اللوْث، لم يُمَكَّن المُدَّعِي من القَسَامة، وإذا ظهر اللَّوْث في حقِّ جماعة، فللوليِّ أن يعين بعضَهم منْ واحدٍ أو أكثر، ويدَّعِي عليه؛ لأن اللَّوْث كذلك يظهر؛ وقليلاً ما يتفق اختصاصُه بالشَّخْص الواحد، لكن لو قال الوليُّ: القاتل أحدهم ولست أعرفه، لم يتمكن من القسامة، وله أن يُحَلِّفهم، فإن حلَفوا، إلا واحدًا منْهم، فنكلوه يُشْعِرَ بأنه القاتل، ويكون لَوْثاً في حقِّه، فإذا طلب المدِّعِي أن يُقْسِم عليه، مُكِّن منه، ولو نكل الجميعُ ثم عيَّن المُدَّعِي أحدَهم وقال: قد بَانَ لي أنه القاتِل، وطلب أن يُقْسِم عليه؟ فوجهان: أحدهما: أنه لا يُمكَّن منه؛ لأنه قد اعترف بالجَهْل أولاً.
وأشبههما: التمكينُ؛ لأن اللوث حاصلٌ في حقِّهم جميعًا، وقد يَظْهَر له بعْد

الاشتباه أنَّ القاتل هو الذي عينه، ويقْرب هذا الخلافُ من الخلاف فيما إذا قال المُدِّعِي: لابينة لي، ثم جاء ببينة.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: إِذَا ظَهَرَ اللَّوْثُ فِي أَصْلِ القَتْلِ دُونَ كَوْنهِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا يُمْنَعُ مِنَ القَسَامَةِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ إِذْ لَيْسَ بتَعَيَّنُ للْخِطَابِ العَاقِلَةُ وَلا الجَانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ظهر اللوْث في أصل القتل دون كونه خطأً أو عمْداً، فهل يتمكَّن الوليُّ من القسامة على أصل القتل؟ ذكروا فيه وجهَيْن: أحدهما: نعم؛ لأنه إذا ظَهَر القاتلُ، خرج الدم عن كونه باطلاً مُهْدَراً.
وأظهرهما: المنع؛ لأن مطْلَق القتْل لا يفيد مطالبةَ القاتل، بل لا بُدَّ من ثبوت العمْدية، ولا مطالبة العاقلة، بل لا بد وأن يثبت كونُه خطا أو شبْهَ عَمْدٍ، وههنا كلماتٌ.
إحداهما: إنْ مكَّنَّاه من القسامة على أصْل القتْل، فعدمُ ظهور اللوث في صفة القتْل، ليس مانعاً منْ أصْل القَسَامة، ولا مُسْقِطاً أثر اللَّوْث، وإن لم يمكنْه، فاللوث المعتبَرُ لمْ يحْصُل، ففي تسميته مُسقِطاً تساهُلٌ وتوسُّع.
والثانية: قدَّمْنَا أن الدعوَى لا بد، وأن تكون مفصَّلةً، وأشرْنا إلى خلاف فيه، فإن ادَّعَى الوليُّ وفصَّل، وظهرتِ الأمارةُ المُشْعِرة بما يدعيه، فذاك، وإن فصَّل، وظهَرَتْ أمارة أصل القتل دُون الصفة، ففي القسامة على ما ظَهَرت أمارتُه، هذا الخلاف، وإن احتملْنا كونَ الدعوَى مجهولةً, فإذا أطلق الدعوَى، وظهر اللوث في مطْلَقِ القتْل، فيجيء هذا الخلاف، وعلَى هذا التصوير ينطبق ما ذكره صاحب "التهذيب": أنه لو ادعَى على رجُلٍ أنه قتل أباه، ولم يقل 1: عمدًا ولا خطأ، وشهِدَ له شاهدٌ، لم يكن ذلك لوْثاً؛ لأنه لا يمكنه أن يحْلِف مع شاهده، ولو حَلَف لا يُمْكِن الحكم به؛ لأنه لا يَعْلَم صفة القتل، حتى يستوفي موجِبَه، هذا لفظه.
والثالثة: ما ذَكَرْناه في الفصْل يَدُلُّ على أن القسامة على القَتْل الموصوفِ تستدعي ظهورَ اللوث في القتل الموصوف، فقد يُفْهَم ما أطلقه الأصحابُ أن اللوْث في أصْل القتل، إذا ظهر، كَفَى؛ لتمكُّن الوليِّ من القسامة على القتل الموصوف، وما هو ببعيد؛ ألا ترى أنا ذَكَرْنا أنه لو ثبَتَ اللوْثُ في حقِّ جماعة وادَّعى الوليُّ على بعضهم، جاز ويُمَكّن من القسامة، فكما لا يعتبر ظهُور اللوث فيما يَرْجِع إلى الانفراد والاشتراك، جاز ألا يُعْتبر ظُهُور 2 اللوث فيما يرجع إلى صفتَيِ العمْدِ والخطأ.

قال الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ أَنْ يَدَّعِيَ الجَانِي كَوْنَهُ غَائِبًا فَإذَا حَلَفَ سَقَطَ بِيَمِينِهِ أَثْرَ اللَّوْثِ، فَإنْ أَقَامَ عَلَى الغَيْبَةِ بِيِّنَةً بَعْدَ الحُكْمِ بِالقَسَامَةِ نُقِضَ الحُكْمُ، وَلَوْ كَانَ وَقْتَ القَتْلِ مَحْبُوساً أوْ مَرِيضاً وَلَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُ قَاتِلاً إِلاَّ عَلَى بُعْدٍ فَفِي سُقُوطِ اللَّوْثِ بِهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أنكر المُدَّعى عليه اللَّوْث في حقِّه بأن قال: لم أكنْ مع القوم الَّذين تفرَّقوا عن هذا القتيل، أو لسْتُ الرجُلَ الذي وُجِد على رأْسه، وفي يده السكِّينَ المتضمخ بالدم أو لَسْت الذي رُئي من بعيد يضربه فعلى المدَّعِي البينةُ على قيام الأمارة التي يدَّعيها، فإن لم تكن بيِّنةٌ، حلف المدَّعَى عليه على نفْيها، وسقَط اللَّوْث، ويبقَى مجرَّد الدعْوَى.
ولو قال: كنت غائباً يوم القتل أو ادَّعَى على جمع، فقال أحدهم: كنتُ غائباً، فيصدَّق بيمينه؛ لأن الأصل براءةُ ذمته، وعلى المدَّعِي البينةُ على حضوره يومئذ، أو على إقراره بالحضور، فإن أقام المدَّعِي بينةً على حضوره، والمدَّعَى عليه بينةً على الغَيْبَة، ففي "الوسيط" أنهما يتساقَطَانِ، وقال في "التهذيب": بينة الغيبة مقدَّمة؛ لأنَّ معها زيادةُ عِلْمٍ، وهذا عند الاتفاق على أنه كان حاضراً منْ قَبْل، ويُعْتبر في بينة الغيبة أن يقولوا: إنه كان غائباً إلى مَوْضع كذا، أما لو اقتصروا على أنه لم يَكُنْ ههنا، فهذا نفْىٌ محضٌ لا تسمع الشهادة به 1. ولو أقسم المدَّعِي، وحكم الحاكم بموجِب القسامة، ثم أقام المدَّعَى عليه البينةَ على غيبته يوم القتل، أو أَقَرَّ المُدَّعِي نقض الحُكْم، واسترد المال، وكذا لو قامتِ البينةُ على أن القاتلَ غيْرُهُ، ولو قال الشهود: لم يقتلْه هذا، واقتصروا عليه، لم تُقْبَل شهادتُهم، ولو كان محبوساً 2 أو مريضًا يوم القتل، فهل هما كالغيبة، حتى يَسْقُط اللوْث، إذا ثبت الحالُ بالبينة أو بإقرارِ المدَّعي؟ فيه وجهان، وموضع الوجهين ما إذا أمكَنَ أن يكونَ قاتلاً، لكن بضرب حيلة وتصوير بعيد، وبالمعنيَيْنِ يوجَّه الوجهان، والأشبه إلحاقُهما بالغيبة لانخرام الظن بالقتل.
وقوله "أن يدعي الجاني" يعني المدَّعَى عليه سمَّاه جانياً؛ لأنه تُدَّعَى عليه الجناية، ويجعل 3 في محل الجَانِينَ 4. قال الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: لَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَنَّ فُلاناً قَتَلَ أَحَدَ هَذَيْنِ القَتِيلَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَوْثاً، وَلَوْ قَالَ: قَتَلَ هَذَا القَتِيلَ أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَهُوَ لَوْثٌ لأَنَّ تَعْيِينُ القَاتِلِ يَعْسُرُ، وَقِيلَ: لا لَوْثَ فِي المَوْضِعَيْنِ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا شهِدَ شاهدٌ أو شاهدان؛ بأنَّ فلاناً قتَلَ أحدَ هذَيْنِ القتيلين، لم يكن لوثاً؛ لأن ذلك لا يوقع في القَلْب صدْق وليِّ أحدهما، إذا ادَّعَى القتل عليه، ولو شهِدَ أو شهدا في القتيل الواحد؛ بأنه قتله أحدُ هذَيْنِ الرجلَيْنِ، ثبَتَ اللوْث في حقِّهما، حتى إذا عيَّن الوليُّ أحدهما، وادَّعَى عليه، كان له أن يُقْسِم كما لو تفرَّق اثنان أو جماعةٌ عن قتيل على التصويرات التي سبقت، وفيه وجْه أنه لا لوْثَ في الصورة الثانية أيضًا، للإبهام 1 كما في الأولَى، والظاهر الفرْق، ويُحْكَى ذلك عن القاضي الحُسَيْن.
وقوله "لأن تعيين القاِتل يعسر" 2 معناه أن القاتِلَ يُخْفِي القتْل ما أمكنه دفْعاً للمحْذُور عن نفْسه فيعسر تعيينه، وإن ظن القتل بأحد الشخصين أو الجماعةِ، والقَتيلُ بخلافه، وعَدُّ المسألةِ من المسقطاتِ ليس بواضح أيضًا؛ فإنَّ الكلام في أنه هل هُوَ لوث أم لا؟ قال الغَزَالِيُّ: الخَامِسُ تَكْذِيبُ أَحَدِ الوَرَثَةِ هَلْ يُعَارِضُ اللَّوْثَ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يُبْطِلُ فَلَوْ قَالَ أحَدُهُمَا: قتَلَ أبَانَا زَيْدٌ وَرَجُلٌ آخَرُ لاَ أَعْرِفُهُ وَقَالَ الآخَرُ: قَتَلَهُ عَمْروٌ وَرَجُلٌ آخَرُ لاَ أَعْرِفُهُ فَلاَ يَتَكَاذَبُ فَلَعَلَّ مَا جَهَلَهُ هَذَا عَلِمَهُ ذَاكَ، ثُمَّ مُعَيَّنُ زَيدٍ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ وَحِصَّتُهُ مِنْهَا الرُّبُعُ فَلا يُطَالَبُ إلاَّ بِالرُّبُعِ، وَكَذَا مُدَّعِي عَمْرو.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كان للَّذي هلَك وارثان كابنَيْنِ أو أخَوَيْن، فقال أحدُهما: قتل مورِّثَنا فلانٌ، وقد ظهر عليه اللَّوْث، وقال الآخر: إنه لم يقتلْه بل كان غائباً يوم القتل، وإنما قتلَه فلانٌ أو اقتَصَرَ على نفْي القتل عنه، أو قال: إنه [برأ] من الجراحة، ومات حتف أنْفِه، فهل يُبْطِل تكذيبُه اللوْثَ، ويُمْنَع الأوَّلُ من القسامة؟ فيه قولان منصُوصان في "المختصر".
أحدهما، وهو اختيار المزنيِّ: لا، كما أن في سائر الدعاوَى لا يسقط تكذيب أحدِ الوارثين حقَّ الثاني، وأيضًا، فإن اللوْث دلالةٌ بنقل اليمين إلى جنبة المدعي، فتكذيب أحد الوارثين لا يمنع الآخر من اليمين، كما لو ادعَى أحد الوارثين دَيْناً للمورِّث، وأقام عليه شاهداً واحدًا، وكذَّبه الثاني لا يمنعه التكذيبُ من أن يحْلِف مع شاهده، وأيضًا، فلو كان أحد الوارثين صغِيراً أو غائباً، كان للبالغ الحاضرِ أن يُقْسِم مع احتمال التكذيبِ من الثاني، إذا بلغَ أو قَدِم.
والثاني: أنه يُبْطِل اللوْثَ؛ لأن إنكار الثاني يَدُلُّ على أنه ليس بقاتِلٍ، فإن النفوس مجبولةٌ على الانتقام من قاتل المورِّث، وإذا انخرم ظنُّ القتل، بَطَلت القسامة، والأصح

من القولين عند صاحب "التهذيب": الأول، وكلام العراقيين وغيرِهِمْ يميل إلى ترجح 1 الثاني، وَفرَّقوا بين الشاهد واليمين، وبين ما نحْنُ فيه؛ بأن شهادة الشاهدِ محقَّقة، وإن كذب الآخر، وهي حجَّة في نفسها، واللوث ليس بحجَّة، وإنما هو ظنٌّ مرجِّح، وتكذيبه يُبْطِل ذلك الظنَّ، وفيما إذا كان أحدُهما صغيراً أو غائباً، لم يوجد التكذيبُ الجازم للظنِّ، كما إذا ادعَى أحدهما، ولم يساعد الآخرُ، ولم يكذِّب، كان للمدعي أن يُقْسِم، وفي موضع القولَيْن طريقان: أحدهما: أن القولَيْن فيما إذا كان المكذِّب عدْلاً، أما إذا كان فاسقًا، فقوله غير معتبر في الشرع، فلا تتعطل 2 به القسامة.
وأصحُّهما: أنه لا فرق، فإن قول الفاسق فيما يُسْقِط حقَّه مقبولٌ؛ لانتفاء التهمة، ويُحْكَى هذا عن نصه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم" فإن قلْنا: لا يبطل اللوث، فللمدعِي أن يُقْسِم ويأخذ حقَّه من الدية، وهو النصف، ولا بد، وأن يحلف خمْسِين يمينًا، فإن أيمان القسامة ما لم تَتِمَّ لا يؤخذ بها شيء، ولا يخرج على الخلاف فيما إذا اتفق الورثة على الدعوَى أن الأيْمان توزَّع أو يحْلِف كلُّ واحد منهم خمسين، وإذا قال أحد الابنين: قتَلَ أبانا زيْدٌ، وقال الآخر: بل عمْرو، وقلنا: لا يبطل اللوثُ بالتكاذب، فيُقْسِم كلُّ واحد منهما على مَنْ عيَّنه، ويأخذ نصْف الدية، وإن قلَّنا: يُبْطِل، فلا قسامة، وكلُّ واحد منهما، يُحلِّف منْ عيَّنه، ولو قال أحد الابنين: قتل أبانا زيْدٌ ورجلٌ آخرُ لا أعرفه، وقال الآخر: قتله عمرو ورجل آخر لا أعرفه، فلا تكاذُبَ منهما؛ لاحتمال أن الذي أبهَمَ هذا، ذكره هو، الذي عيَّنَه الآخر، وكذلكَ بالعَكْس، فلكَلَّ واحدٍ أن يقسم على مَنْ عيَّنه، ويأخذ منْه ربْعَ الديةِ؛ لاعترافه بأن الواجبَ على مَنْ عيَّنه نِصْفُ الدية، وحصَّته منه نصْفُه، ثم إن عاد أو قال كلُّ واحد منهما: قد تبين لي أن الذي أَبهَمتُ ذكْرَه هو الذي عيَّنه الآخر 3، فلكلِّ واحدٍ منهما أن يُقْسِم على الآخر، ويأخذ منْه ربُعَ الدية، ويَحْلِفَ خمسين يميناً أو خمْسًا وعشرين؟ فيه خلافٌ يأتي [في] 4 نظائره، وإن قال كل واحد منهما: الذي أتهمتُ ذكْرَه ليس الذي عيَّنه أخِي، حصَل التكاذُبُ، فإن قلَّنا: تبطل القسامة، ردَّ كلُّ واحد ما أخَذَ بها، وإلاَّ، أقسم كلُّ واحدٍ منهما على مَنْ عيَّنه ثانيًا، وأخَذَ منْه رُبُعَ الدية، ولو قال الذي عَيَّن زيدًا تبين إلى أن الذي أبهمت ذكْره عمرو الذي عيَّنه أخي، وقال الذي عين عمْراً تبين لي أن الذي أبهمتُ ذكْره رجُلٌ آخر لا زيد فالذي عيَّن عمرًا لم يكذبه أخوه، فله أن يُقْسِم على

عمرو، ويأخذ منه ربُعَ الدية، والذي عيَّن زيداً، كذَّبه أخوه، فإن قلْنا: تبطل القسامة بالتكذيب، رَدُّ ما أُخذ، وحلَف المدعَى عليه، وإلا، أقْسَمَ علَى منْ عينه وأخذ منه ربُع الدية، والذي عيَّن زيداً كذَّبه أخوه، فإن قلْنا: تبطل القسامة بالتكذيب، رَدَّ ما أخذ، وحلفَ المدعَى عليه، وإلاَّ، أقسم على مَن عيَّنه، وأخَذ منْه ربع الدية ولو قال أحد الابنين: قَتَل أبانا زيْدٌ وحده، وقال الآخر: قتله زيدٌ وعمرو بالشَّرِكة، فإن قلنا: إن التكاذب لا يُبْطِل القسامة، فيُقْسم الأولُ على زيْد، ويأخذ منه نصف الدية، ويُقْسم الثاني عليهما، ويأخذ منْ كل واحدٍ ربعَ الدية، وإن قلنا: إنه يبطلها، فالتكاذب ههنا في النصف، قال أبو سعيد المتولِّي: وهل يؤثر في بطلان اللوْث والقسامة في الكلّ ينبني على ما إذا شهِدَ لشخصَيْن، وردَّت شهادته لأحدهما، هل تَبْطُل في حق الآخر؟ إن قلنا: نعم، فكذلك القسامة، وإن بعَّضْنا الشهادة، فكذلك نبعض القسامة، وهذا ما أورده غيره، وقالوا: يقسم الأول على زَيْد، ويأخذ منه ربع الدية؛ لأن ما بقي فيه اللوث من حصة النصف.
والثاني: يُقْسم عليه ويأخذ ربع الدية 1، ولا يقسم على عمرو؛ لأن أخاه كذَّبه في الشركة، والأوَّل يُحلِّف زيدًا، لَمَّا بطلت فيه القسامة، والثاني يُحَلِّف عمراً، ولو قال أحدهما: قتل أبانا زيدٌ وعمرو، وقال الآخر: لا بل قتله بكرٌ وخالد، فإنْ أبطلنا القسامة بالتكذيب، لم يُقْسِم واحد منهما، ويُحلِّف كلُّ واحد منهما اللَّذين عيَّنَهما، وإن لم نبطلْها، أقسم كلَّ واحد منهما على اللَّذَيْنِ عيَّنهما، وأخذ من كل واحدٍ ربُعَ الدية، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَلَيْسَ مِنْ مُبْطِلاَتِ اللَّوْثِ أَلاَّ يَكُونَ عَلَى القَتِيلِ أَثَرُ جُرْحٍ وَتَخْنِيقٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يُشترط في القسامة ظهور الجراحة والدَّم، ولا يَبْطُل اللَّوْث بالخلُوِّ 2 عنهما؛ لأن [القتل] 3 قد يحصل بالخنْق وعَصْر الخِصْية والقَبْض على مَجْرَى النفس، فإذا ظهر أثر الخَنْق أو الضرب 4 أو العصر الشديد؛ قام ذلك مقام الجراحة والدم.
وقال أبو حنيفة: إن لم تكن جراحةٌ ولا دم، فلا قَسامة، وإن وجدت الجراحةُ ثبتت القسامة، وإن وُجِدَ الدمُ دون الجراحة، فإنْ خرج مِنْ أنفه، فلا قسامة، وإن خرج من العَيْن أو الأذن، ثبتتِ القسامة.
وأُعْلِم؛ لمذهبه قولُه في الكتاب: "وليس من مبطلات اللوث ألا يكونَ على

القتيل أثرُ جُرْح أو تخنيق" ولك 1 أن تمحو هذه العلامة؛ [لأنه] 2، وإن شرط ذلك في القسامة، فلا نجعله مبْطِلاً لِلَّوْث، بل لا اعتبار باللوث عنده، والقسامة عنده على خلاف ما هي عنْدنا، كما مَرَّ، ولو لم يوجَدْ أثرٌ أصلاً، قال الصيدلانيُّ وصاحبُ التتمة: فلا قسامة، لاحتمال أنه مات فجأةً, والأصل أن غيره لم يتعرَّض له، وقال الإِمام: إذا صودِفَ ميِّتٌ لا أثر [عليه] أصلاً، وقد قيلَ: الأخذ على الأنف إلى انخناق النفَسُ يُسوِّد وجه الميت، ويثور الدم صَعَداً، فإذا لم يظهر أثرٌ، فالحمل على الموت الوفاقي ممكنٌ، فهذا فيه بعْضُ النظر، وإذا فاضتِ النفْس، فقد ينعكس الدم إلى مقرِّه، والأمرُ محتملٌ، والعلْم عند الله، وهذا السياق يُشْعر بأن الظاهر أنه لا يعتبر ظهور الأثر أصلاً، وكذلك ذكر القاضي الرويانيُّ, والمتوجَّه ما مرَّ.
ولا بد أن يُعْلَم أنه قتيلٌ، ثم يبحث عن القاتل، وإذا وُجدَ بعض الشخْص في المحِلَّة، وتُحقَّق موته، ثبتت القسامة، سواءٌ وجد منه الرأس أو البدَن، وسواءٌ وجدَ الأقل [من البدن] 3 أو أكثر، فإذا وجِد بعضُه في محِلَّة، والبعض في أخْرَى، فللوليِّ أن يعيِّن، ويقسم.
وعند أبي حنيفة: إن وُجِدَ الرأس أو معْظَم البدن، ثبتت القسامةُ، وإلا، فلا قسامة.
قال الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّانِي: كَيْفِيَّةُ القَسَامَةِ وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ المُدَّعِي خَمْسِينَ يَمِيناً مُتَوالِيَةً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بَعْدَ التَّحْذِيرِ والتَّغْلِيظِ فَلَوْ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ فَوَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ المُوَالاةُ فَإِنْ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ يُبْنَى لِلْعُذْرِ، وَلَوْ عُزِلَ القَاضِي اسْتَأْنَفَ، وَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَائِهِ اسْتَأْنَفَ الوَارِثُ، وَلاَ قَسَامَةَ فِي غَيْبَةِ المُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ بِخِلافِ البَيِّنَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أيمانُ القسامةِ خمسونَ على ما روَيْناه في الخَبَر، وكيفية اليمين كما في سائر الدَّعاوَى، ويَذْكُر المدعي في اليمين؛ لقد قَتَل هَذَا، ويشير إليه أو يقول: لقد قتل فلان بنُ فُلان، ويرفع [في] نسبه أو يُعَرِّفه بما يمتاز به من قبيلةٍ أو صناعة أو لَقَبٍ، ويعرِّفه كذلك منفردًا بقتله، وإن ادعَى على اثنَيْنِ، فإن قتلاه منفردَيْن بقتله نصَّ الشافعيُّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- على ذكر الانْفراد، واختلفَ الأصحابْ فيه، فمنْ قائل إنه تأكيد وإلا فقضية قوْلنا قَتَل فلانُ فلاناً انفرادُه به، ومِنْ قائل؛ إنه شرْطُ، لجواز الانفراد بالقتل في الصورة مع الاشتراك في حكم القتل، كالمكره مع المكره، ويتعرض لكونه عمدًا أو خَطَأً، وذكر الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه لو ادَّعى الجاني أنه برئ من الجراح، زاد

في اليمين وما برئ 1 من جراحةِ فلانٍ، حتى مات منها، واعترض عليه بوجهين: أحدهما: أنه إذا ادعَى البُرْء 2 من الجراحة، فقد اعترف بها، فكَيْف يحْلِف المدَّعِي.
والثاني: [أنه] 3 قد سبق أن الجانِيَ والوليَّ إذا اختلفا في الاندمال، وقد مضَى زمانٌ يُمْكن فيه الاندمال، فالقولُ قول الجاني على الظاهر، فلم يُجْعَل ههنا القوْل قولَ المجنيِّ عليه، ويحلف عليه.
وأجيب 4 عن الأوَّل: بأن دعوى البرء من الجراحة تقتضي الاعترافَ بالجراحة في نفسها, لا الاعتراف بجراحة نَفْسه، ويجوز أن يريد أن الجراحةَ التي ينسبها إليَّ كان قد برئ منها، ثم مات، ويكون غرضُه من ذلك إبطالِ اللَّوْث.
وعن الثاني بوجوه، فعن أبي إسحاق أن المسألة مفروضةٌ فيما إذا كان للمدَّعي بينة على أنه لم يزل ضمناً متألماً، حتى مات أو اعترف المدَّعَى عليه بذلك لكنه ادعَى أنه مات بسبب حدثٍ، فيحلف المدعي، ويُصدَّق؛ لأن الظاهر معه، وقيل: إنها مفروضةٌ فيما إذا اختلفا في أنه هل مضَتْ مدة يُمْكِن فيها الاندمال، فالقولُ قول الوليِّ؛ لأن الأصل أنها لم تمض، وقيل: إن صورة تصْديق الجاني ما إذا لم يكُنْ هناك لَوْث، فأما إذا وُجِدَ اللوث، فيصدق الوليُّ كما يجعل اليمين في جانبه احتياطًا للدم.
وفي الفصْل مسائلُ: إحداها: يُستحَبُّ للقاضي أن يحذِّر المدعِيَ، إذا أراد أن يحْلِف، ويعظَهُ، ويقول: اتَّق الله تعالى، ولا تحْلِف إلاَّ عن تحقُّق، ويقرأ عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: 77] الآية.
والقول في التغليظ في اليمين بالزَّمان والمكان واللَّفظ منه ما مرَّ في اللعان، ومنه ما هو مؤخرٌ إلى الدعاوَى والبينات.
الثانية: هل يُشْترط أن تكون متواليةً؟ 5 فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن للموالاة وقعاً في النفُوس وأثرًا في الزجْر والردْع.
وأظهرهما، وهو الذي أورده أكثرهم: أنها لا تُشْترط؛ لأن الأيمان من جنْس

الحُجَجِ، والتفريقُ مع الحجج لا يَقْدَح كما إذا شهد الشهودُ متفرِّقين، وعلى هذا فلو حلَّفه القاضي الخمسينَ في خمْسين يوْماً، جاز.
وعن نصِّه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم" 1 أنه لو حلَفَ بعْضَ الأيمان، ثم استنظر القاضي، أنْظَرَه، وإذا عَادَ اعْتَدَّ له بما مضى، والوجهان قريبان من الوجهَيْنِ في اشتراط الموالاة في كلِمَات اللعان، لكن ذكرنا هناك أن الأشبه الاشتراطُ، ويُمْكن أن يفرق بأن اللعان أولَى بالاحتياط؛ من حيث إنَّه يتعلَّق به العقوبة البدنية، ومن حيث إنه يختلُّ به النسب وتشيع الفاحشة.
الثالثة: إذا جُنَّ المدعي في خلال الأيْمان أو أُغْمِيَ عليه، ثم أفّاق، فيُبْنَى، ولا يجب الاستئناف، أما إذا لم نَشْترط الموالاةَ، فظاهر، وأما إذا شرطْناها، فلقيام العذْر، ولو عُزِلَ القاضي، أو ماتَ في أثنائها، وولَّى غيره، فالذي أورده في الكتاب، وهو الجواب في "التهذيب" وغيرهما: أن القاضي الثاني يستأنف: الأيمان، كما لو عُزِل القاضي أو ماتَ بعْد سماع البيَّنة، وقبل الحُكْم، وكما إذا أقام شاهِداً واحدًا، وأراد أن يحْلف معه، فعُزِل القاضي، وولي غيره 2، لا بُدَّ من استئناف الدعْوَى والشهادة، وحُكِيَ قول عن نصه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم": أن القاضي الثاني يَعْتَدُّ بما سبق من الأيمان، وذكر الرويانيُّ: أنه الصحيح، لكن "صاحب التتمة" حمل النص على ما إذا حلَفَ المدَّعَى عليه بعْض الأيمان تفريعاً على التعدُّد ثم مات القاضي أو عُزِلَ، وولِّي غيره، فإنه يَعْتدُّ بالأيمان السابقة، وفَرَق بأن يمين المدعَى عليه على النفي، فتقع نافذةً بنفسها، ويمين المدَّعِي للإثبات فيتوقَّف على الحكم، والقاضي الثاني لا يَحْكُم بحجة أقيمتْ عند الأول كما في الشهادة، وذكر أن عَزْل القاضي وموْتَه بعد تمام الأيمان كالعَزْل في أثنائها في الطَّرَفَيْن، وأنه لو عزل القاضي في أثناء الأيمان من جانب المدَّعِي أو المدعَى عليه، ثم وُلِّيَ ثانيًا فيبني على أن الحاكم هلْ يحكم بعلم نفسه؟ إنْ قلنا: لا، فيستأنف، وإن قلنا: نعم، فيبنى، ولو أن الولي المُقْسِم ومات في أثناء الأيمان، فقد نص في "المختصر": أن وارثه يستأنف، ولا يبنى؛ لأن الأيمان كالحُجَّة الواحدة، ولا يجوز أن يستحق أحد شيئًا بيمين غيره، [ليس كما إذا جُنَّ ثم أفاق؛ فإنَّ الحالف واحدٌ قال الرويانيُّ] 3 وليس كما إذا أقام شطْر البينة ثم ماتَ حيْث يضُمُّ وارثه إليه الشطْر الثاني، ولا يستأنف؛ لأن شهادة كلِّ شاهد بها مستقلةٌ منفردةٌ عن شهادة الآخر، ألا ترى أنه إذا انضمت اليمين إليها قد يحكم بها، وأيمان القسامة لا استقلال لبعضها، ألا ترى أنه لو انضم إليه شهادة شاهدٍ, لا يحكم بهما، وعن الخضريِّ: أن الوارث يبني على

أيمان الموروث 1، وبنى الشيخ المتولِّي ذلك على أن أيمان القسامة توزَّع على أولياء الدم أو يَحْلف كل واحد منهم خمسين يميناً؟ فإن قلنا: يحلف كلُّ واحدٍ خمسين يمينًا استأنف الوارث؛ لأن مَنْ يقسم لا ينقص على هذا القول عن خمسين، وإن قلنا بالتوزيع، فيبني الوارث؛ لأنا نقول: الحقُّ على هذا القولِ يَثْبُت للمقتول، والورثةُ يحلفون بحكُمْ الخلافة عنه وإذا ضممنا يمينَ بعْض الورثة إلى بعْضِ لإثبات الحق للموروث 2 فأولى أن يكمل يمين المورث في إثبات حقِّه بيمين الوارث، قال: ولو ماتَ بعْد تمام الأيمان، حُكِم لورثته، كما لو أقام البيِّنة على الدعْوَى، ثم مات، ولو ماتَ المدَّعَى عليه في أثناء الأيمان، إذا كنا نحلِّفه في غير صورة اللَّوْث، أو لنُكُول المدَّعِي في صورة اللوث، فيبني وارثه على أيمانه.
الرابعة: هل تجوز القَسَامة في غيبة المدَّعَى عليه؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، كما يجوز إقامةُ البيِّنة.
والثاني: لا؛ لأن اللوث ضعيفٌ لا يعوَّل عليه، إلا إذا سلم عن قدح الخصْم، ولا يمنع من القسامة كوْنُ المدَّعِي غائباً عنْ موضع القتْل، كما لا يمنع كونُه صبياً أو مجنوناً 3 وذلك لأنَّه قد يَعْرف الحالَ مِنْ بعْدُ بإقرار المدعَى عليه أو بالسماع ممَّن يثق به، ويدل عليه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عرَضَ في قِصَّة عبْد الله بن سهْلِ -رَضِي اللهُ عنْهُ- اليمينَ على الأنصار مع أن القَتْل كان بخيبر وهم كانوا بالمدينة 4. وقوله في الكتاب: "وهو أن يَحْلَف المدعِي خمْسين يميناً"، ليعلَمْ بالحاء، لما ذكرنا أن عنده لا يَحْلِف المدَّعي.
وقوله: "متوالية في مجلسٍ واحدٍ" الخلاف في الموالاة قد عَرَفَتْهُ، ولا يُشْتَرط مع الموالاة كونُها في مَجْلِسٍ واحدٍ، وذكر المجْلِس والمجلسَيْن يكنى 5 به عن الموالاة وعَدَمِها، وهذا 6 الذي عناه بقَوْلِهِ: "فلو كان في مجلسين فوجهان على ما هو مبين في "الوسيط" ولم يجمع هناك بين ذكر الموالاة وإيجاد المجلس.
وقوله "استأنف في مسألة عزل القاضي" مُعْلَم بالواوَ، وكذا 7 في التي بعْدها، والله أعلم.

قال الغَزَالِيُّ: فَإنْ كَانَ الوَارِثُ جَمَاعَةً فَفِي تَوْزِيع الخَمْسِينَ عَلَيْهِمْ وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا: يُوَزَّعُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ سَهْمِهِ مِنَ المِيرَاثِ، فَالثُّمُنْ والسُّدُسُ يَنْكَسِرُ فَيُتَمِّمُ اليَمِينَ المُنْكَسِرَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ما يُسْتَحِقُّ بالقسامة 1 يُسْتَحِقُّ بخمسين يمينًا؛ على ماقال -صلى الله عليه وسلم- "تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صاحِبِكُمْ أَوْ قاتِلِكُمْ"، فإن كان الوارث واحدًا، وهو جائز [التصرف] 2 حلف خمسين [يمينًا] 3 وأخذ الدية، وإن لم يكنْ جائزاً، فكذلك يحلف خمسين؛ لأنه لا يمكنه أخْذُ شيْء من الدية، إلا بعد تمام الحُجَّة، فإذا حلفْ أخَذَ قدْر حقِّه، [والباقي لا يثبت بيمينه بل يكون الحُكْم فيه حكم من مات، ولا وارث له، وسيأتي إن شاء الله تعالى] وإن كان للقتيل وارثان فصَاعِدًا فقولان: أحدهما: أنَّ كل واحد منهم يَحْلِف خمْسين يميناً؛ لأن اليمينَ إذا توجَّهت على جماعة لَزِمَ كل واحدٍ منهم ما كان يلْزم الواحِدَ، لو انفرد باليمين الواحدة في سائر الدعاوى ولأن الاستحقاق معلَّق بالخمسين، وكلّ واحد يأخُذُ ما يأخذ بيمين نفسه، فعليه إتمام الخمسين، وكذلك، لو نَكَل [كل] 4 واحدٍ كانَ على الآخر أن يحْلِف تمام الخمسين، حتى يأخذ شيئًا.
وأصحُّهما، وبه أجاب ابنِ الحدَّاد: أن الأيمان توزَّع عليهم على قدْر مواريثهم، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً لم يوجِبْ على الجماعة إلا خَمْسيِن، والقوْلان فيما ذكَر أبو سعْد المتولِّي مبنيان على أنه تجبْ الدية للوارثِ ابتداءً، أو تجب للقتيل ثم يتَلقَّاها الوارث منهُ إن قلنا بالأول، حَلَف كلُّ واحد خمسين، ولم يستحق بعضُهم شيئًا بيمين بعض، وإن قلْنا بالثاني، فيوزَّع عليهم؛ لأن المستحِقَّ واحدٌ، وهم خلفاءه، فيَحْلِف كل واحدٍ منهم بقَدْر خلافته.
وعن الماسرجسي أن النصَّ في المدعين أنهم يَحْلِفون على قدْر مواريثهم، وفيما

إذا ادَّعى على جماعة، نصَّ على قولَيْن، فمنهم مَنْ قال: فيهما قولان على سبيل النَّقْل، وبه قال القاضي أبو حامد، ومنْهم مَنْ خصَّص القولين بجانب المدعَى عليهم، لما سيأتي من الفرق، وقطَع في المدعين بالتوزيع، فحَصَلت طريقةٌ قاطعة بالتوزيع.
ويجوزُ أن يُعْلَم؛ لها قولُه في الكتاب: "قولان" بالواو.
التفريعُ: إن قلْنا: يحلف كلُّ واحد منهم خمسين، فذاك، ولا إشْكَال، وإن قلْنا بالتوزيع فتوزَّع الأيمان عليهم على قدْر أنصبائهم، سواةٌ كانوا أصحاب فروض أو عصَباتٍ أو اجتمع 1 الصنفان 2، وإذا وقع كَسْرٌ تمْمنا المنكسر، فإذا كان له ابنان، حَلَف كل واحد خمسًا وعشرين، وإن كانوا ثلاثةً، حلف كل واحد سبْع عَشْرةَ، وإن كانوا أربعةً، حلَفَ كلُّ واحدٍ ثلاثَ عشْرَةَ، وحصَّةُ كلِّ واحد عنْد التوزيع اثنتا عشْرةَ ونصْفٌ.
وإذا خلف زوجة وابناً، فحصَّة الزوجة من الخمسين ستَّةٌ وربْعٌ، وحصة الابن ثلاثةٌ وأربعونَ، وثلاثة أرباع، فتَحْلِف هي سبعاً، والابنُ أرْبعاً وأربعين.
وإن خَلَّف أُمَّاً وابناً، فحصَّتها ثمانيةٌ وثلْثٌ فتحلف تسعاً, والابنُ اثنين وأربعين أيضًا.
وإن خلف زوجة وبنتاً، جُعِلت الأيمان بينهما على خمسةٍ، فتحلف الزوجة عشرًا، والبنت أربعين؛ لأن نصيب البنْت كنصيب الزوجة أربعَ مرَّات.
وفي زوجِ وبنْتٍ، تجعل الأيمانْ بينهما أثلاثاً؛ لأنَّ نصيبهما ضعْفُ نصيب الزوج.
وإذا خَلَّفَ أكثر من خمسين ابناً أو أخًا، حَلَف كلُّ واحد يمينًا واحدة، وإن كانوا تسعةً وأربعينَ، حلَف كلُّ واحد منهم يمينَيْنِ؛ لأن الواحدة التي تبقى تُقَسَّم بينهم، ويتمَّم.
وفي صورة الجَدِّ والإخوة تقسَّم الأيمان كما يُقَسَّم المال، وفي المعادة لا يحلف ولدُ الأب، إن لم يأخذ شيئًا، وإن كان يأخذ شيئًا حَلَف بقَدْر حقّه، ففي جدٍّ وأخ من الأبوَيْن أو من الأبِ، تُجْعل الأيمان بينهما نصفَيْن.
وفي جَدٍّ وأخٍ من الأبوين وآخر من الأب يحْلِف الجدُّ ثلثَ الأيمان، وهو مع جبر المنكسر سبعةَ عَشَرَ، ويأخذ ثلُثَ الدية، ويحْلِف الأخُ أربعةَ أتْسَاعِ الأيمان، وهو مع جبر المنكسر ثلاثةٌ وعشرون يميناً ويحلف الأخ من الأبوَيْن أربعةً وثلاثين، ولا يَحْلِف الأخُ من الأبِ؛ لأنه لا يأخذ شيْئًا فلا يَحْلِف لغيره.
وفي جَدٍّ وأخٍ من الأبوَيْنِ وأخْتٍ من الأبِ يحْلِف الجدّ خُمْسَي الأيمان، ويأخُذْ خمْس الدية، وَيحْلِف الأخُ ثلاثةَ أخماس الأيْمَان، ويأخُذْ ثلاثةَ أحْماس الدِّيَةَ.

وفي جَدٍّ وأخٍ وأخت من الأبوَيْنِ وأخْتٍ من الأبِ، يَحْلِف الجدُّ ثلُث الأيمان، وهو معَ جَبْر المنْكَسِر سبْعة عشرَ، ويأخُذُ ثلُثَ الدية، ويحْلِف الأخُ أربعةَ أتْسَاع الأيمانِ، وهي معَ جَبْر المنْكَسِر ثلاثةٌ وعشْرون، وبلا جَبْر اثنان وعشرون وتُسْعان، وتحلف الأخت للأبوين تُسْعَا الأيمان، وهي اثنتا عشْرة يمينًا وتُسْعا الخمسين أحدَ عَشَرَ وتُسْعٌ، ولا تحْلِف الأختُ للأب.
وفي جدٍّ وأختٍ من الأبوين، وأخ من الأب يَحْلِف الجدُّ خُمْسَي الأيمان، ويأخذ خُمْسَي المال، وتحْلف الأخت نصف الأيمان، وتأخُذُ نصْف المال، ويحْلِف الأخ عُشْر الأيمان، وهو خَمْس، ويأخذ عُشْر المال، وعلى هذا القياس، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: فَإِنْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ أَوْ كَانُوا غِيَابًا فَلا يَأْخُذُ الحَاضِر حِصَّتَهُ مَا لَمْ يُتِمَّ خَمْسِينَ يَمِيناً، فَإِنْ كَانُوا ثَلاثَةً حَلَفَ الأَوَّلُ خَمْسينَ يَمِيناً وَأَخَذَ الثُّلُثَ، وَإِذَا قُدِّمَ الثَّانِي حَلَفَ ثُلُثَ الأَيْمَانِ وَأَخَذَ الثُّلُثَ، وَإِذَا قُدِّمَ الثَّالِثُ حَلَفَ نِصْفَ الأَيْمَانِ، وَلَوْ خَلَّفَ وَلَداً خُنْثَى وَأَخاً لأَبٍ حَلَفَ الخُنْثىَ خَمْسِينَ لاحْتِمَالِ أنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ وَأَخَذَ نِصْفَ الدِّيَةِ لاِحْتِمَالِ أنَّهُ أُنْثَى، فَإنْ أَرَادَ الأَخُ أَنْ يَحْلِفَ حَلَفَ خَمْساً وَعِشْرِينَ يَمِيناً، وفَائِدَتُهُ أَنْ يَنْتَزِعَ النِّصْفَ مِنْ يَدِ الجَاني وَيُوقِفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الخُنْثَى فَإِذَا ظَهَرَ الحَالُ سُلِّمَ بِحُكْمِ اليَمِينِ السَّابِقَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْل قاعدتانِ تتفرَّعان على أصحِّ القولَيْن، وهو التوزيعُ.
إحداهما: إذا نَكَلَ أحدُ الوارثين، ولا فَرْقَ في نكول النَّاكِل بيْن أن يَنْكُل عن جميع حصَّته من الأيمان أو عن بعْضِها، ولو كانَ بعْضُهم غائباً، فالحَاضِر يتخيَّر بين أن يصبر إلى أن يحْضُر الغائبُ، فيَحْلِف كلُّ واحدٍ بقَدْر حصَّته، وبين أن يحْلِف في الحال خمْسين يميناً، ويأخُذ قدْر حَقِّه، فلو كان الورثة ثلاثة بنِينَ؛ أحدُهم حاضرٌ، وأراد أن يحلِف حلف خمسين يميناً، ويأخُذ ثلث الدية، فإذا قَدِم ثانٍ، حلَفَ نصف الأيمان خمسًا وعشرين، كما لو كانا حاضرَيْنِ في الابتداء، ويأخذ ثلُث الدية، فإذا قدم الثالثُ، حلَف ثلث الأيمان، وهو مع جبْر ما انكسر سبعَ عشرةَ، ويأخذ الباقِيَ من الدية.
ولو كانوا أربعة؛ أحدهم حاضرٌ، [فيحلف] 1 خمسين، ويأخذ ربع الدية، وإذا قدِمَ آخَرُ، حلَف خمسًا وعشْرين، وإذا قَدِمَ ثالثٌ، حلف سبعَ عشرةَ، فإذا قدِمَ الرابع، حلف ثلاثَ عشْرَةَ، وإن فُرِضَ خامس، فإذا قدِمَ، حلَف عشْرًا، ولو كان اثنان من الأربعة حاضرَيْنِ، واثنان غائبَيْنِ، حلَف كلُّ واحد من الحاضرَيْنِ خمسًا وعشرين، وإذا قدِمَ الثالث والرابع فالحُكْم على ما ذكَرْنا، وإن قدم الغائبان معًا، حلَف كلُّ واحد منهما

ثَلاثَ عشرةَ، ونظير 1 المسألة ما إذا حَضَر أحدُ الشركاء يأْخُذ جميع المَبيع بالشُّفْعة، فإذا قَدِم آخر شاركه، وجُعِلَ بيْنَهما نصفَيْنِ، وإذا حضر ثالث شاركهما وجُعِلَت 2 بينهم أثلاثاً، ولو قال الحاضر: لا أحلِفُ إلا بقَدْر حصَّتِي، لا يبطل حقُّه من القسامة، حتى إذا قَدِم الغائب، بحلف معه، بخلاف ما إذا قال الشفيع الحاضر، لا آخذ إلا قَدْر حصتي حيْث يَبْطل حقه من الشُّفْعَةِ، والفَرْق أن الشُّفْعة إذا تعرَّضت للأخذ، فالتأخير تقصير مفوِّت، واليمين في القسامة لا تَبْطُل بالتأخير، ولو كان في الورثة صغيرٌ أو مجنون، فالبالغُ العاقل كالحاضر، والصبيُّ والمجنونُ كالغائب في جميع ما ذَكَرْنَا، ولو حَلَف الحاضر أو البالغُ خمسين، ثم مات الغائب أو الصبيُّ فورثه الحالفُ، لم يأخُذْ نصيبه إلا بَعْد أن يَحْلِف [بقَدْر] 3 حصته، ولا يُحْتَسَبُ ما مضَى؛ لأنه لم يكن مستحِقاً له حينئذ.
الثانية: إذا كان في الورثة خنْثَى مشكِلٌ، أُخِذَ بالاحتياط والبناء على اليقِين في الأيمان وفي الميراث جميعًا، فلو خلَّفَ القتيلُ ولداً خُنْثَى، حلف خمسين يمينًا؛ لاحتمال أنه ذَكَرٌ، ولأنه لا يؤْخَذ بل تمام الأيمان شيْء، ولا يأخُذ إلا النصْف لاحتمال أنه أنثَى، ثم إن لم يكن معه عصبةٌ، لم يأْخُذِ القاضي الباقيَ من المدعَى عليه، بل يوقَفُ الأمر إلى أن يتبين حال الخنثَى، فإن بَانَ ذَكراً، أخذه، وإن بان أنثَى، حلف القاضي المدعَى عليه للباقي، وإن كان معه عصبة؛ كالأخ والعم، فيتخيَّر بين أن يَصبِرَ إلى أن يبين حال الخنثَى، وبين أن يَحْلِف، فإن صبر، توقَّفنا، وإن أراد أن يحْلِف حلف خمسًا وعشرين، وأخذ القاضي النصْفَ الآخر، ووقَفَه بين الأخ والخنثَى، فإذا تبين المستحِقُّ منهما، دفَعه إليه باليمين السالفة 4، ولو خلَّف ولد ابْنِ خنثيَيْنِ، حلفَ كلُّ واحد منهما ثلُثَي الأيمان أربعًا وثلاثين، مع الجَبْر؛ لاحتمال أنه ذكر، وأن الآخر أنثَى، ولا يأخذانِ إلاَّ الثلثَيْنِ؛ لاحتمال أنهما أنثيان، ولو خلَّف ابْنًا وولَداً خنْثَى فيحلف الابْنُ ثلُثَي الأيمان؛ لاحتمال أن الخنثَى أنْثَى، ولا يأخُذْ إلا النصْف من الدِّية؛ لاحتمال أنه ذكَرٌ.
ويحْلِف الخُنْثَى نصف الأيمان، لاحتمال أنه ذكَرٌ، ولا يأخذ إلا ثُلُثَ الدية، لاحتمال أنه أنثَى، ويوقف السدس بينهما.
ولو خلَّف بنتا وولداً خنثَى؛ حلَفت البنْت نصف الأيمان والخنثَى ثلثيها، ويأخُذان ثلُثَيِ الدية، ولا يؤْخَذ الباقي من المدعَى عليه إلى أن يتبين حال الخنثَى.
ولابن الحدَّاد صورٌ من هذه القاعدة: منها: جدٌّ وولدُ أبٍ مشْكِلٌ، فالحكم فيها كالحكم فيما إذا خَلَّف ابناً وولداً

خنثَى، والطريق فيهما أن يقال: إن كان المشكِلُ ذكرًا، فالمسألة من اثنين، وإن كان أنثَى، فمن ثلاثة؛ يُضْرَب أحدهما في الآخر [يحْصُل] سنةٌ، منها تصح المسألة، فيجعل المشكِلُ أنثَى في تحليف الجدِّ حتَّى يحْلِف ثلثَي الأيمان، وذكراً في ميراثه، حتى لا يأخُذَ إلاَّ نصْفَ الدية، ويُجْعَل ذكرًا في تحْليف نفسه، حتى يحْلِف نصْفَ الأيمان، وأنثَى في الميراث حتَّى لا يأخذ إلاَّ الثُّلُث.
ومنها: بنْتٌ وجَدٌّ وولدُ أبٍ مشكِلٌ، فإن كان المشكِلُ ذكرًا، فالمسألة من أربعةٍ، سهمان للبنْتِ، وسهمانِ للجَدِّ والأخ، وإن كان أنثَى، فهي من ستة؛ ثلاثةٌ للبنْتِ، والباقي بين الجد والأخت بالأَثْلاَث، والمسألتان متوافقتان بالنِّصْف، فيضْرِب أحد العددين في نصف الآخر، يحْصُل اثنا عشر، فتحلِف البنْتُ نصف الأيمان بكلِّ حالٍ؛ لأن نصيبها لا يختلفُ بذكورة المشكِل وأنوثته، وتأخذ نصْف الدية، ويحْلِف الجدُّ ثلث الأيمان؛ لاحتمال أنوثة المشكِل، ولا يأخُذُ إلاَّ ربع الدية؛ لاحتمال ذكورته، ويحْلِف المشكِلُ ربع الأيمان؛ لاحتمال الذكورة، ولا يأخذ إلاَّ سُدُسَ الدية؛ لاحتمال الأنوثة.
ومنها: جدٌّ وأختٌ من الأبويْنِ ومُشْكِلٌ من الأب إما أخ أو أخت، إن كان المشكِلُ ذكرًا، فالمسألة من خمسة، وتصحُّ من عَشرة؛ لأن الأخ من الأَب يَرُدُّ على الأخت من الأبوين ما يَتِمُّ لها به النصْفُ، وهو سهْمٌ ونصفِ، فتضرب الخمسة في مخرج النصف، تصير عشرة، وإن كان أنثى، فالمسألة من أربعة، وتصح من اثنين؛ لأن الأختَ من الأب تَردُّ ما معها إلى الأخْت من الأبوين، فيصير المالُ بينهما وبين الجَدِّ نصفين، فيحلف الجدُّ نصف الأيمان؛ لاحتمال أنوثة المشكل، ولا يأخذ إلاَّ خُمْسَي الدية؛ لاحتمال ذكورته، وتَحْلِف الأخت من الأبوَيْنِ نصْفَ الأيمان، وتأخُذ نصْفَ الدية؛ لأن نصيبها لا يتغيَّر بذكورة المشكل وأنوثته، ويحْلِف المشكِلُ عُشْرَ الأيمان، ويوقَفُ عشْر الدية بينه وبيْن الجدُّ، إن بَانَ ذكرًا، دُفع إليه، وإن بَانَ أنثَى، دُفِع إلى الجَدِّ.
وعن بعْض الأصحاب؛ أنه لا يحْلِفُ المشكِل، لجواز أن يتبين [أنه] 1 أنثَى، فلا يكون له شيْء من الميراث، ولكن يوقَفُ فإن بَانَ أنثَى، فقد حلفَ الجدُّ والأخت المستحِقَّان تمام الأيمان، وإن بَانَ ذكرًا، حلف عُشْر الأيمان، ودُفعَ العُشْر إليه قال الشيخ أبو عليٍّ: والصحيح عند الجمهور ما قال ابن الحدَّاد؛ لأنا وإن حَلَّفنا الجدَّ والأخت تمام الأيمان، فلا يتيقن أنهما مستحِقَّان لجميع الدية، فكيف نأخذ من الجاني الديةَ بتمامها، ولم يوجَدْ تمام الأيمان ممَّنُ يتيقَّن أنه مستحقٌّ تمام الدية، بل يَحْلِف المشكِلُ عُشْر الأيمان، وحينئذ، فقد تمَّتِ الأيمان ممَّنُ يُتيقَّن له الاستحقاق.

واعلم أن صاحبَ ذلك الوجْه، إنْ كان يقول: لا يجُوز أن يحلِف المشكِل، لاحتمال أنه لا يَرِث شيئًا فحقه أن يقول فيما إذا خلَّف ولدًا خنثَى وأخاً: لا يحلف الأخُ، لِمِثْل هذا الاحتمال، وإن كان يقول: لا يكلَّف أن يحْلِف، ويؤخذ تسعة أعشار الدية، ويُوقَفُ العشر باقيًا على مَنْ عليه الدية، فهذا قويم، وهو قياسُ ما تقدَّم هناك، ولو كان بَدَلَ الأخت مِن الأبوين أخٌ من الأبوين، فيحلِفُ الجدُّ خُمْسَي الأيمان؛ لاحتمال أنوثة المشْكِلِ، ويأخُذ ثلُثَ الدية، لاحتمال ذكورته، ويحلِفُ الأخ ثلثَيِ الأيمان، ويأخُذُ ثلاثة أخْماس الدية وبالعكس وتصح من خمسة عشر.
ومنها: جدٌّ وأختٌ من الأبوين ومشْكِل من الأبوين أيضًا، فالمسألة على تقدير الذُّكورة من خمسة، وعلى تقدير الأنوثة من أربعةٍ، فبضَرْب أحد العَدَدَيْن في الآخر، يَبْلُغ عشرين، منْها تصحُّ فيحلف الجدُّ نصف الأيمان؛ لاحتمال أنوثة الخنثَى، ولا يأخُذْ إلاَّ خُمْسَي الدية؛ لاحتمال ذكورته، وتحلِف الأختُ ربعَ الأيمان، ولا تأخُذ إلاَّ خمسي الدية، ويحلِف الخنثَى [المشكِلُ] 1 خُمْسَي الأيمان؛ لاحتمال الذكورة، ولا يأخُذُ إلاَّ ربُعَ الديةِ؛ لاحتمال الأنوثة، فمبلغ الأيمان ثمانيةٌ وخمسون، وما أخَذُوه سبعةَ عشَر منْ عشرين من الدية، ويُوقَف ثلاثة أسهم، فإن بَانَ الخنثَى ذكرًا، فهي له، ليتم له الخمسان، وإن بَانَ أنثى، فسهمان من الثلاثة للجدِّ؛ ليتم له النصْف، وسهْمٌ للأخت؛ ليتم لها الربع.
قال القاضي أبو الطيِّب لو أراد الجدُّ والخنثَى أن يصْطَلِحا في السهمَيْن من الثلاثة الموقُوفَيْن سهمًا قبل أن يتبين حال الخنثَى، جاز أو يصطلحا على التساوي أو التفاضُل، ولكن بشَرْط أن يُجْعَل السهْم الثالثُ للأخت، ولا يوقَفُ؛ لأن الوقْف إنما يكون لحَقِّ الجميع، فلا يجُوز أن يُمَكَّنَا من التصرُّف في السهمين، ويبقى الثالث على الوقْف، وتوقَّف ابن الصباغ فيما ذَكره، وقال: السهمان اللَّذان اصطَلَحا عليهما لا حقَّ للأخت فيهما، فلا يلزم إسقاطُ حقِّ الخنثَى من السهْم الذي يحتملُ أن يكونَ له، ويُحْتَمل أن يكون للأخْتِ.
صورةٌ أخرَى للشيخ أبي عليِّ: جدٌّ ومشكِلانِ من الأبوَيْنِ، إن كانا ذكرَيْنِ، فالمسألة من ثلاثة، وإن كانا أنثَيَيْنِ فمن أربعةٍ، وإن كان أحدُهما ذكَراً، والآخَرُ أنثى، فمن خمسة، فَبِضَرْبِ ثلاثة في أربعة تَبْلُغ اثنَي عشر ثم نضربها في خمسة تَبْلُغ ستين، منْها تصحُّ فيحلِف الجدُّ نصفَ الأيمان؛ لاحتمال أنوثتهما، ولا يأخُذ إلاَّ ثلُثَ الدية؛ لاحتمال ذكورتهما، وكلُّ واحد من المشكِلَيْن يحلِفَ خمسي الأيمان؛ لاحتمال ذكورته

وأنوثة الآخر، ولا يأخذ إلاَّ خمس الدية لاحتمال العكس، فمجموع الأيمان خمسة وستُّونَ، ومجموع ما يأخذونه أربعةٌ وأربعونَ من ستِّين من الدية، ويوقَفُ ستة عشر، فإن بانا ذكَرَيْن، قُسِّم الموقوف بينهما بالسوية، ليتم لِكُلِّ واحد منهما الثلُث، كما أخذه الجدُّ، وإن بَانَا أُنْثَيَيْنَ، دفع من الموقوف عَشَرَةٌ إلى الجد؛ ليتم له النصف، وإلى كلِّ واحدة منهما ثلاثةُ أرباع؛ ليتم لها الربع، وإن بَانَ أحدهما ذكرًا، والآخرَ أنثَى، دُفِعَ من الموقوف أربعةٌ إلى الجَدِّ، واثنا عشر إلى الذي بَانَ ذكرًا؛ ليتم لكل واحدٍ منهما الخمسان، وعند الأنثى الخُمُسُ الكامل.
صورة أخرى: أوردَها يحيى اليمنيُّ في "البيان": جدٌّ ومشكلان، أحدهما من الأبوين، والآخر من الأب، إن كَانا ذَكَرَيْن، فالمسألة من ثلاثة؛ سَهْمٌ للجدِّ، وسهمان للذي هو من الأبوين، وإن كَانَا أنْثَيَيْنِ، فَمِنْ أربعةٍ سهمان للجَدِّ، وسهمان للَّتي هي مِنَ الأبوَيْن، وإن كان أحدُهما ذكرًا والآخَر أنْثَى، فمِنْ خمسةٍ سَهمان للجدِّ، ثم إن كان الذي هو من الأبوين ذكرًا، فالسِّهام الثلاثة له، وعلى التقديراتِ الثلاثةِ، فلا شيء للَّذي هو من الأب، وإن كان الذكر الذي هو من الأب، فللذي هو من الأبوَيْنِ سهْمان ونصْفٌ، والذي هو من الأب سهْم ونصف من عشرة، فبضرب المخارج بعْضها في بعض تَبْلُغ ستين، فيحلف الجدُّ نصْفَ الأيمان، ويأخُذُ ثُلُثَ الدية، وهو عشْرُون من سِتِّين منها، ويحْلِف المُشْكِل من الأَبَوَيْنِ ثلُثَي الأيمان، ويدفع إلَيْه نصْف الدية، وهو ثلاثُون من ستِّينَ، ويحلف الآخَرُ الذي عساه يستَحِقُّ عُشْرَ الدية، ولا يُصرف إليه شيْء، والأنصباء متوافقةٌ بالنصْف، فتردُّها، والستين إلى الأنصافِ، ويدفع إلى الجدِّ عشرة من ثلاثين من الدية، وإلى المشكِلِ من الأبوين خمسةَ عشرَ، ويوقف خمسة، فإن بَانَا ذكَرَيْنِ، دُفِعَتْ إلى الذي هو مِنَ الأبوين، وإنْ بَانَا أنثيَيْنِ، دُفِعَتْ إلى الجَدِّ، وإن بَانَ الذي هو من الأبوَيْنِ ذكرًا والآخرُ أنثَى، دُفِعَ سهمانِ من الخمسة إلى الجدِّ، ليتم له الخمسان، وثلاثة أسهم إلى الذي هو من الأبوين؛ ليتم له ثلاثة أخماس، وإن بَانَ الَّذي هو من الأب (1) ذكرًا، دُفِع إلى الجَدِّ سهمان، وإليه ثلاثة أسهم.

" فرْعٌ"

إذا مات أحدُ الورثة المدَّعِين للدَّم، قام وارثه مقامه في الأيمان، فإن تعدَّدوا عاد القولان، فإن قلْنا: يحلف كلُّ واحد من الورثة خمْسين يميناً، فكذلك ورثة الورثة، وإن قلنا بالتوزيع، وُزعت حصَّة ذلك الوارث على ورثته، فلو كان للقتيل ابنانِ، ومات1

أحدهما قبل أن يَحْلِف عنِ ابنين، حلف كلُّ واحد منهما ثلاثة عشرة يميناً توزيعاً لحصَّته عليهما، وجَبْراً لِما انْكَسَرَ، فلو حَلَف أحدهما ثلاثةَ عَشَر يميناً، وماتَ أخوه قَبْل أن يحْلِف، ولم يُحلِّف إلاَّ هذا الحالِفَ، حَلَف ثلاث عشرة يميناً، ولا يقال: يُكَمل خمساً وعشرين، ولا يزيد، بل يَحْلِف بقَدْر ما كان يحْلِف مورِّثه، ولو كان للقتيل ثلاثةُ بنين، فحصَّة كل واحد منهم مع جبر ما انكسر سبْعَ عشرة يمينًا، فلو مات أحدهم عن ابنَيْنِ، وُزِّعت حصته عليهما، وكُمِّل المنْكَسِر، فيحْلِف كل واحد منهما تسْعَ أيمان، فلو حلف أحدهما، ومات الآخر قبل أن يحْلِف ووارثه الحالف [تسعاً] ولا يقال: يكمل سبع عشرة يميناً، ولا يزيد، ولو مات وارثُ القتيل بعْدَ ما أقسم، أخَذَ وارثه ماكان له مِنَ الدية، وإن مات بعْد ما نَكَلَ، لم يكن لوارثه أن يحْلِف؛ لأنه بطَل حق القسامة بالنُّكُولِ، ولكن وارثه تحليف المدَّعَى عليه.

" فَرْعٌ"

إذا كان للقتيل ابنانِ، فحلَف أحدهما، وماتَ الآخر، قبل أن يحْلِف عن ابْنَيْنِ.
فحلف أحدهما حصَّته، وهي ثلاث عشرة يمينًا، ونَكَلَ الآخر، فيوزَّع الربع الذي نَكَلَ عنه على أخيه وعمه على حساب ما يأخذان من الدِّية، فيخص الأخَ أربعةٌ وسدُسٌ يُضَمُّ ذلك إلى حصَّته في الأصْل، وهي اثنتا عشْرة ونصْفْ، تبلغ سِتَّ عشرة وثلثَيْن، فتُكَمَّل، وقد حلَف ثلاثَ عشْرةَ يميناً، فيحلِف الآن أربعًا أخرَى، ويخص العمَّ ثمانيةٌ وثلثٌ، فيحلف تسعًا، ويُكمَّل له أربع وثلاثون.
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا كُلُّهُ فِي يَمِينِ المُدَّعِي، أَمَّا سائِرَ الأَيمانِ فِي الدَّمِ كَيَمِينِ المُدَّعَى عَلَيْهِ واليَمِينِ مَعَ الشَّاهِد فَفِي تَعَدُّدِهِ خَمْسِينَ قَوْلاَنِ، وَيَجْرَيَانِ فِي الأَطْرَافِ مَعَ أَنَّ القَسَامَةَ لا تَجْرِي فِيهَا، فَإنْ قُلْنَا: يتَعَدَّدُ فِي الطَّرَفِ فَلَوْ نَقَصَ فَفِي التَّوزِيعَ قَوْلاَنِ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَى اثْنَيْنِ أَنَّهُمَا قَتَلا فَفِي التَّوْزِيعَ عَلَيْهُما قَوْلاَنِ كَمَا فِي الوَارِثِينَ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَقُلْنَا يَتَّحِدُ اليَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ فَإنْ شَهِدَ عَلَى اللَّوْثِ حَلَفَ مَعَهُ خَمْسِينَ يَمِيناً، وَإِنْ شَهِدَ عَلَى القَتْلِ حَلَفَ مَعَهُ وَاحِدَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جميعُ ما ذكرناه في أيمان القسامة من جنبة المدَّعِي، أما إذا ادَّعَى القتل في غيْرِ محلِّ اللوْث، وتوجَّهَتِ اليمين على المدَّعَى عليه، فهل تُغلَّظ عليه بالعَدد؟ فيه قولان: أحدُهما، وبه قال أبو حنيفة: لا, لأنها يمينٌ في جنبة المدعَى عليه، فلا تغليظ بالعَدَد، كاليمين في سائر الدعاوَى.

وأصحُّهما: نعم؛ لأنها يمين في دعوى الدَّمِ، فأشبهت يمين المدَّعَي، وقد بني الخلاف على أن التعدُّد في يمين المدعي سببه ماذا؟ قيل سببه أن تصديق المدَّعِي خلافَ القياس الظاهر، فأكد 1 بالعدَد في اليمين.
وقيل: سببه حرمة الدمِ وتفخيم شأنه، فعلى الأول: لا تعدد في يمين المدعَى عليه، وعلى الثاني: يتعدد، وإذا نَكَل المدعَى عليه، فيرد على المدعَي ما توجه على المدعَى عليه، على اختلاف القولَيْن.
ويجري الخلافُ في يمين المدعي مع الشاهد الواحِدِ، وإذا كانت الدعوَى في محلِّ اللوث، ونَكَل المدعِي عن أيمان القَسامة، فهلْ تُغلَّظ اليمينُ على المدَّعَى عليه بالعَدَد؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه على القولَيْن المذكورَيْن فيما إذا لم يكن هناك لَوْث؛ لأن نكوله يُبْطِل اللوث، فكأنه لا لَوْث.
وأصحُّهما: القَطْع بالتغليظ؛ لمَا رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال في قصَّة قتيل خَيْبَر"فَتُبْرِئَكُمُ اليَهُودُ بخمسين يميناً" جعل أيمان المدعَى عليهم بعَدَد أيمان المدَّعِين، وإذا قلنا بالتعدُّد، فلو كانت الدعْوَى على جماعة، إما في محلِّ اللوث أو من غير لوث فتُقَسَّط اليمين عليهم أو يَحْلِف كلُّ واحد منهم خمسين يميناً؟ فيه قولان: أحدهما: [أنها] تُقسَّط؛ لأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يجْعل على اليهود إلاَّ خَمْسين يميناً؛ وعلى هذا، فالتوزيع على عدد رؤوسهم؛ لأن الشركاء في القتل لا يتفاوتون في الدية، بخلاف ما في طَرَف المدَّعِين، حيث قلْنا: بالتوزيع على مقادير الإرث؛ لأنهم يثبتون الحق للقتيل نيابةٌ عنه، فيُنْظر إلى قدْر النيابة.
والثاني: أن كلَّ واحدٍ منهم يحْلِف خمسين يميناً، كما كان يحلِفُ الواحدُ خمسين؛ اعتباراً باليمين الواحدة، والقوْلان كالقولَيْن، فيما إذا تعدَّد ورثة القتيل تُوزَّع عليهم أيمانُ القسامة أم يَحْلِف كلُّ واحد منهم خمْسين، لكن أصحُّ القولَيْن ههنا على ما ذَكَره الأكثرون، منهم الشيخُ أبو حامد وأصحابُه "وصاحب المهذب" والقاضي الرويانيُّ: أنه يحلِف كل واحد منْهم خمسين يميناً.
والأصحُّ، فيما إذا تعدَّد المُدَّعون: التوزيع عليهم، وفَرَقوا بأنَّ كل واحدٍ من المدعَى عليهم يبقى عن نفسه القتْل، كما ينفيه الواحدُ، لو انفرد، وإذا تعدَّد المدعون،

لا يثبت كلُّ واحد لنفسه ما يثبته الواحد لو انفرد؛ لأنَّ الواحد يُثْبت كل الدية وكلُّ واحد عند الاجتماع يُثْبِت بعضَها، فيحلِف بحَسَب ما يثبته، وسَوَّى في "التهذيب" بين الطَرَفَيْنِ، وجعَل الأصحَّ ههنا التوزيعَ أيضاً، وإذا قلنا بالتوزيع، فلو كانت الدعوَى على اثنين؛ أحدُهما حاضرٌ، والآخرُ غائبٌ، حلف الحاضرُ خمسين يمينًا، فإذا حضَر الغائبُ، وأنكر، حلَفَه خمسًا وعشرين، وإن كانا حاضرَيْن، فنكل أحدُهما، حلَف الآخر خمسين؛ لأن البراءة عن الدم لا تحصل بما دونها على قوْلِ التعدُّد، ويحْلِف المُدَّعي على الناكل خمسين، وإذا نَكَل المدَّعَى عليه عن اليمين، والمدَّعون جماعةٌ، وقلْنا بالتعدد، فتوزع الأيمان عليهم على قَدْر مواريثهم أو يَحْلِف كلُّ واحد خمسين؟ فيه القولان السابقان.
هذا حُكْم الأيمان في دعْوَى النفس، فأما إذا كانتِ الدعوَى في الأطراف والجراحات؛ فقد مرَّ أنه لا يجْرِي فيها القَسامةُ، وأنه لا اعتبار فيها باللَّوْث، ولكن يحلف المدَّعَى عليه، وهل يتعدَّد اليمين؟ ينبني 1 ذلك على أن يمين المدَّعَى عليه في دعْوى النفْس هل تتعدَّد؟ إن قلنا: لا فههنا أولَى، وإن قلْنا: نعم، فقولان، ويُقَال وجهان: أحدهما: لا تتعدد أيضًا، كما في سائر الدعاوَى والتغليظ 2 هناك من خاصيَّة النفْسِ؛ لِعِظَم خطَرِها.
والثاني: يستويان في هذا التغْليظ كما يستويان في القصاص، وفي تغليظ الدية، وهَذَا أشبهُ بأن يُرجَّح.
وذكر ابن الصبَّاغ: أن هذا الخلاف فيما إذا كانتِ الدعوَى في العمد المحض، أما إذا كانَتْ في الخطأ وشبْه العمْد، فتتحد اليمين بلا خِلاَف؛ لأن الواجبَ المَالُ غيْرِ، والأكثرون لم يَفْرِقوا بين العمْد وغيره، كما في النفْس، وإذا قلْنا: بالتعدد فذلك فيما إذا كان الواجبْ فيما يدعيه مثلَ به بدل النفس، فأما إذا كان الواجبُ دون بدَلِ النفس مقدَّراً كما كان 3 في اليد الواحدة، أو حكومة؟ فقولان: أصحُّهما: على ما ذكر المتولِّي وغيره: أنه يُحَلَّفُ المدَّعَى عليه خمسين يمينًا أيضًا، كما أن في سائر الدعاوَى لا يختلف الحالُ بكثرة المدَّعي وقلته.
والثاني: أنه يحْلِف بالقسْط، وتوزَّع الأيمانُ على الأبدال، ففي اليد الواحدةِ

يَحْلِف خمساً وعشرين، وفي الموضحة ثلاثة أيمان، توزع الأيمان على عدَد الإبل، ويجبر ما انكسر منْها، ولو زاد الواجبُ على بدل النفس فهل يزادُ في مقدار الدية بزيادة مقدار الأروش، وطردَ الإمامُ الخلافَ فيه، وقربه من الخلاف في أن مدة الضرْب على العاقلة، هل تزاد على ثلاثِ سنين، إذا زادَتِ الأروش؟ قال: ولا يبعُد إجراء الخلافِ المذكُور في أن دِيَة النفُوس الناقصةِ تُضْرب في ثلاث سنين أو تنقص المدة، بحَسَب نقصان الدية، وفي أن يمين المدعَى عليه، هل يَنْقُص عن خمسين في النفوس الناقصة، والأشبه تعظيمُ النُّفُوس فيما يتعلَّق بالأيمان، والتسوية بين الكاملة منها والناقصة، وإذا كانت الدعوى في الطَّرَف على جماعة، فَيَحْلِف كلُّ واحد منْهم بقَدْر ما يحْلِف الواحدُ لو انفرد، أو توزع عليهم على عدد رؤوسهم؟ فيه قولان، كما قدَّمنا، ويتولَّد من الخلاف في الأصُول المذْكورة فيما إذا ادَّعَى على رجُلٍ أنه قَطَع إحدَى يدَيْه أو إحدَى يدَىْ أبيه ثلاثة أقوال: أحدُها: أن المدَّعَى عليه يَحْلِف يمينًا واحدةً وهذا هو القول الذاهبِ إلى أنه لا تعدُّد في يمين الطَّرَّف.
والثاني: يحْلِف خمسين يمينًا، وهو القولُ الذاهب إلى التعدُّد، والقول بأن الأيمان لا تتوزَّع على الأبدال.
والثالث: يحْلِف خمسًا وعشرين وهو مبنيٌّ على التعدُّد [والتوزيع] 1، وفيما إذا ادَّعَى على رجلَيْن قطْعَ يده أربعةُ أقوالٍ: يحلف كلُّ واحد يمينًا واحدةً، بناءً على أن يمين الطرف لا تتعدَّد، [ويحلف كلُّ واحد خمسين، بناءً على التعدُّد] 2 وعلى التوزيع على الأشخاص دون الأبدال، يَحْلِف كلُّ واحد خمسًا وعشرين، وعلى التوزيع عَلَى الأشخاص والأبدال، يَحْلِف كل واحدٍ ثلاث عشرة يمينًا؛ بناء على التعدُّد والتوزع على الأشخاص والأبدال جميعًا، وفيما إذا ادعَى على ثلاثةٍ قطْعَ يديه خمسةُ أقوالٍ؛ يحلف كل واحد [منهم] 3 يميناً واحدةً، يحلف كل واحد خمسين، يحلِفُ كلُّ واحد خمساً وعشرين؛ بناءً على التوزيع على الأبدال دون الأشخاص، يَحْلِفُ كلُّ واحد سبع وعشرة؛ بناءً على التوزيع على الأشخاص دون الأبدال، يحلِفُ كل واحد تسعًا توزيعاً عليهما جميعاً، ومهما نكَلَ المدَّعَى عليه عن اليمين المفروضَةِ عليْه، ردَّت على المدَّعي، ويحْلِف بقَدْر ما كان يحلِفُ المدعَى عليه، وإن تعدَّد المدَّعون، فيوزَّع أو يحْلِف كلُّ واحدٍ منهم مثل ما

يَحْلِف المنْفَرِد؟ فيه القولان السابقان، والتوزيع عليْهِم يكونُ بقدْر المواريث كما مرَّ.
بقيتْ مسألة في الفصْل، وهي ما إذا كان مع المدَّعي شاهدٌ واحدٌ، وأراد أن يتحد يحْلِف معه، فإن قلْنا: اليمين مع الشاهدَيْن في دعْوَى الدم، قال في الكتاب: "فإن شهدَ على اللَّوْث، حلَف معه خمسين يميناً، وإن شهد على القَتْل، حلَف معه [يميناً] 1 واحدة"، ولك أن تقُولَ: قد يُشْعر الطرف الأول بالاكتفاء في اللَّوْث بشَاهِدٍ واحدٍ، وما ينْبَغي أن يَكْتَفِي به القاضِي، فإنَّ قوْل الواحدِ لا يصلُح مثبتاً, وما لم يثبت اللَّوْث عنْد القاضي، لا يُمْكنه البدايةُ بتحْليف المدَّعِي، فكان المعنى إتيانَ الشاهِدِ بما يفيد اللوْث بأنْ أخبر عن القتل، ولم يأتِ بصيغة الشهادة، ولم يحافِظْ على شروطها، ولم يأتِ بما هو سبيلُ الشهادة، ولكنْ لفْظُه في "الوسيط" تعبيراً عن هذا الطَّرَف، وإن جاء بصيغة الإخْبار أو شهِد على اللَّوْث، فيحلف معه خمسين يميناً، وهذا يَصُدُّ عن التأويل المذْكُور.
وأما الطَّرَف الثاني، فإذا حافَظَ الشاهدُ على شروط 2 الشهادة، وأتى بصيغتها، فيحْلِف المدَّعِي معه يميناً واحدةً.
قال الإِمام: ويثبت المال، إن كان القتْل خطأً, وإنْ كان المدَّعِي قتلاً عمداً، فلا يثبت القصاص، وإن قلْنا: يتعلق القصاص بأيمان القسامة، وفي ثبوت المالِ خلافٌ، سيأتي إن شاء الله تعالى نظيرُه، وأما إذا قلْنا في دعوى الدم: تتعدَّد اليمين مع الشاهد فلا بد من خمسين يميناً بكل حال، وقوله [في الكتاب] 3 "ففي تعدَّده خمسين قولان" يجوز أن يُعْلَم لفْظ "القولين" بالواو؛ لأن في "جمع الجوامع" للقاضي الرويانيِّ حكايةُ طريقةٍ قاطعةٍ؛ بأن يمين المدعَى عليه، إذا لم يكن لَوْث يتعدَّد، وكذا قوله "ويجريان في الأطراف"؛ لأنه يخرج مما ذكرنا في ترتيب الطَّرَف على النفْس طريقةٌ قاطعة بأن أيمان الأطْراف لا تتعدَّد، وكذا قوله "مع أن القَسَامة لا تَجْرِي فيها" لوجه ذَكَرْناه من قبل.
وقوله "فلو نقص، ففي التوزيع قولان" أي نقَص أرْش الطَّرَف عن قدْر الدية [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ القَسَامَةِ وَلا يُنَاطُ بِهَا القِصَاصُ عَلَى الجَدِيد، بَل الدِّيَةُ مِنَ الجَانِي إنْ حَلَفَ عَلَى العَمْدِ، وَمِنَ العَاقِلَةِ إنْ حَلَفَ عَلَى الخَطَأِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنِ القَسَامَةِ وَنَكَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ اليَمِينِ فَفِي تَمْكِينِهِ مِنَ اليَمِينِ المَرْدُودَةِ قَوْلاَنِ، وَكَذَا إِذَا نَكَلَ عَنِ اليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَعَادَ إِلَى اليَمِينِ المَرْدُودَةِ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْلِ مسألتان: إحْدَاها: إذا أقْسَمَ المُدَّعِي في مَحَلِّ اللوْثِ نُظِرَ؛ إن ادَّعَى قتْل خطأ أو شبه عمْدِ، وجبَتِ الديةُ على عاقلةِ المُقْسَم عليه مخففَّةً في الخَطأ ومغلَّظة في شِبْه 1 العمد، ولو كان [المدَّعِي] 2 قَتْلاً عمدًا والمدَّعَى عليه ممن يَقْتُل بذلك القَتِيلِ، فهل يُنَاطُ بالقسامة القصاصُ؟ فيه قولان: رواية أبي ثوْرٍ عن القديم، [نعم] 3 وبه قال مالك وأحمد، لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ قَاتِلِكُمْ" ويُرْوَى: "يُحْلِف خَمُسونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ".
وأيضًا، فإنها يمين مشروعةٌ في جنبة المدَّعي، فيتعلق بها القصاصُ كاليمين المردُودة.
وأيضًا، فإنها تثبت العمد المحْض، فثبّت القصاصَ كالبينة.
وأيضًا، فإنا نرجم المرأة بلِعانِ الزَّوْج، فلا يبعد أن نقتصَّ بقسامة المدَّعي.
والجديد الصحيح 4: المنع؛ لما رَوِي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِمَّا أنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ [مِنَ اللهِ وَرَسُولِه] " 5 ولم يتعرَّض للقصاص.
وأيضًا، فإن القَسَامة حجَّةٌ ضعيفةٌ، لا يثبت بها النكاحُ، فلا يثبت القصاص، كالشاهد واليمين، وليستِ القسامةُ كاليمين المردودَةِ، ولا كلعانِ الزَّوْج.
أما اليمينُ المردُودةُ، فَلأَنَّ نكولَ المدعَى عليه يقوِّي شأنها، ولهذا جُعِلَتْ كالبينة أو كالإقرار وأما اللعان، فلأَنَّ المرأة متمكنة من الدَّفْع بلعانها، ولو أَنَطْنَا القِصاصَ بالقَسامة، لم يتمكَّن المدعَى عليه من الدفع بيمينه، فإن قلْنا بالجديد، فيجب بها الدية حالَّةً في مال القاتل، وإن ادَّعَى قتلاً خطأً أو شبْهَ عَمْدٍ، وأقْسَمَ، وجبت الدية مخفَّفة في الخطأ، ومغلَّظة في شبْه العَمْد.
وإن قلْنا بالقديم، فلا فرق بين أن تكون الدعوَى على واحدٍ أو على جماعة، كالبينة.
وعن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن الوليَّ يختار واحدًا منْهم فيقتله قصاصاً, ولا يُقْتَل الجميع.
وفي "الشامل": أن ابن سُرَيْج خرَّج على القديم قولاً مثله.
وزاد "صاحب البيان" في حكاية هذا التخْريج أنه يأخُذ من الباقين حصَّتهم من الدية.

وفي "المهذب" نسبةُ هذا القول إلى أبي إسحاق من غَيْر زيادةِ أخذْ الحصَّة، وكيْف ما قُدِّر، فهو ضعيفٌ، وإذا ادَّعَى القتْل على ثلاثة في محلِّ اللوث، والحاضرُ منهم واحد، فإن قال: تعمَّدوا جميعًا، أقْسَمَ على الحاضر خمسين يميناً، ويأخُذ ثلْث الدية من ماله على الجديد، وعلى القديم؛ له القصاص منه، ثم إذا قَدِم أحد الغائبين فإن أقَرَّ اقتص منه، لان أنكر أقسم عليه المُدَّعي، وكم يَحْلِف؟ فيه وجهان: ويُقال قولان: أحدُهما: خمْساً وعشرين يميناً؛ لأنهما لو كانا حاضرَيْن، لأقسم.
الثاني: خمسين عليهما جميعًا، فحصَّة الواحدِ من الخمسين النصْف.
وأصحُّهما: أنه يحْلِف خمسين أيضًا؛ لأن الأيمان السابقة لم تتناولِ الثانيَ، هكذا أطلقُوه، وينبغي أن يكون هذا على الخلافِ السابقِ في جواز القَسَامة في غيبة المدَّعِي، فإن جوَّزناها، وذكَره في الأيمان السابقة فينبغي أن يُكْتَفَى 1 بها، ثم إذا حَلَف عليه، عادَ القولان الجديدُ والقديمُ [ثم] 2 إذا قَدِم الثالثُ، فأنكر فكم يحْلِف عليه؟ فيه الخلافِ، وإنْ قال: تعمَّد هذا الحاضرُ، وكان الغائبان مُخْطِئَيْن، فيُقْسِم على الحاضرِ، ولا يقتص منه قولاً واحدًا، وإذا حَضَر الآخران وأنْكَرَا، فكم يحْلِف عليهما، ففيه الخلافُ، وإن أقرا وصدقتهما العاقلةُ، فالدية على العاقلة، وإن كذَّبتهما، ففي مالهما مخففة وإن قال: تعمَّد الحاضر، ولا أدْري أتعمَّد الغائبان أم أخطأ أقْسَم على الحاضرِ خمْسين، وأخَذ منه ثلثَ الدية على الجديد، وعلى القديم يوقَفُ الأمْر إلى أن يحضرا الغائبان، [فإن] حضَرا، واعْتَرَفا بالتعمُّد، اقتُصَّ منهما، ويقتص من الأول أيضًا على القديم، وإن قالاَ قتلْناه خطأً، وجَبَتِ الدية المخففة علَيْهما، إن كذَّبْتهما العاقلة، وعلى العاقلة، إن صدَّقَتْهما، وإن أنكرا أصْلَ القتل، فهل يُقْسِم المدَّعي؟ فيه الوجهان المذكوران فيما إذا ادَّعَى القتل وظهر اللوث فيه، ولم يذْكر أنه عمْدًا وخطأ.
والأظهر: أنه لا يُقْسِم وينسب الثاني إلَى أبي إسحاق، قال: وإذا أقسم عليهما؛ فَيُحْبَسان حتى يصفا القَتْلَ وكم يَقْسِم عليهما فيه الخلاف.
ولو ادَّعَى القتْلَ على رجلَيْنِ، وعلى أحدهما لوْث دون الآخر، يقسم المدَّعي على الذي عليه اللوث خمسين، وفي الاقتصاص منه القولان، ويَحْلِف الذي لا لوث عليه.
المسألة الثانية: إذا أنكل المُدَّعي عن القسامة في محلِّ اللَّوْث يَحْلِف المُدَّعَى عليه، كما مَرَّ؛ فإن نَكَلَ، فهل تُرَدُّ اليمين على المدعي؟ نقل الأئمة، منهم صاحب "التهذيب" و"التتمة": أنه إذا ادعَى قتلاً يوجب القصاص، وقلنا: إن القسامة لا يناط بها القصاص، فتُرَدُّ اليمينُ على المدَّعي بلا خلاف؛ لأنه يستفيد بها ما لا يستفيد بأيْمان

القسامة، وهو الاقتصاص، وإن كان المُدَّعي قَتْلاً لا يوجب القصاص، أو قتلا بوجبه، وقلنا: [لا] يناط القصاص بالقسامة، فقولان: أطلقهما الأكثرون: أحدهما: أن اليمين لا ترد على المُدَّعي؛ لأنه قد نكل عن اليمين في هذه الخصومة مرةً.
وأصحهما: الردُّ؛ لأنه، إنما نَكَل عن يمين القسامة، وهذه يمين أُخْرَى، والسبب الممكن من تلك الأَيْمان اللَّوْث، ومن يمين الرد نكولُ المدَّعَى عليه، فالنكولُ عن شَيْءٍ في مقامٍ لا يبطل حقًّا في مقام آخر، وعن الشيخِ أبي محمَّد: بناءُ القولَيْن على أن اليمين المردودة في الدم، هل تتعدَّد؟ إن قلنا: لا، فتُرَدُّ عليه؛ لأنه قد يرضى بيمينٍ واحدة، ولا يرغب في الأيمان المتعدِّدة، وإن قلنا بالتعدُّد، فلا تُرَدُّ، لاستوائهما في العدد والكيفية والفائدة، وحكى الامام عن بعضهم؛ أنا إن قلنا بتعدُّد اليمين المردودة، فلا ترد اليمينُ عليه قولاً واحدًا، وإن قلْنا بالاتحاد، فقولان، وقد يوجَّه الردُّ بأن نكول المدَّعَى عليه علامةٌ مشعرةٌ بصدور القتل منه، فتنضم إلى اللوْث، ويتأكَّد الظن الذي يستند إليه اليمين، ولو كانت الدعوى في غير صورة اللوْث، ونكل المدعَى عليه عن اليمين، والمُدَّعي عن اليمين المردودة، ثم ظهر لَوْثٌ، وأراد المدعي أن يُقْسم، فقد أجْرُوا القولَيْن في تمكينه منه، وقضية البناء المنقول عن الشيخ أبي محمَّد: القَطْعُ بعدم التمكين، أما إذا عَدَدْنا اليمين المردودة، فلتساوي اليمينَيْن، وأما إذا لم نَعْدُدْ، فلأنه إذا رغب عن اليمين الواحدة، فهو عن الخمسين أرغب.
ولو أقام المُدَّعي شاهداً واحدًا في دَعْوَى مالٍ، ونَكَلَ عن الحلف معه، ونكَلَ المدَّعَى عليه عن اليمين المَعْروضة علَيْه، فأراد المدَّعِي أن يحلف اليمين المردودة، عاد القولان المذكوران؛ لنكوله عن اليمين مرَّة، هكذا أطلقوه، وقضيَّة ما حكينا في أول المسألةِ أن يقال: لو جرى ذلك في دعْوَى القتل المُوجِب للقصاص، يمكَّن من اليمين المردودة، فلا خلاف؛ لأنه لا يستفيد باليَمِينِ مع الشاهد التَّمَكُّن من القصاص، ويستفيده باليمين المردُودَة.

" فَرْعٌ"

إذا حلف المدَّعَى عليه، تخلَّص عن المطالبة، كما في سائر الدعاوَى.
وقال أبو حنيفة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: إن وُجِدَ القتيلُ في قرية أو محِلَّة، يطالَبُ باني الخُطَّة, إن ظهرَ كونُ القتل عمداً؛ بأن حُزَّت الرقبة، وعاقلة الباني إن كان يُتوهَّم كونُه خطأً، بأن كان الموْتُ برمية، وإن وُجِدَ في مسْجد، طُولِبَ باني المسْجد أو عاقلته، فإن لم يُوجَد الباني أو لم يُعْرف، طولب بالدية جميعُ أهْل المحِلَّة الحالفُ وغيره.

جارٍ التحميل