العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 364-367

وعلى هذا فبكم يشركه؟ فيه وجهان: أحدهما: بنصف ما في يده؛ لأن قضية ميراث البنتين التسوية، فلا يسلم لأحدهما شيء، وإلاَّ ويسلم للآخر مثله، والثالث بزعمهما غصبهما بعض حقهما، وبهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله-.
وأصحهما: وبه قال مَالِكٌ وأَحْمَدُ رحمهما الله بثلث ما في يده؛ لأن حق الثالث بزعم المقر شائع فيما في يده ويد صاحبه، فله الثلث من هذا، وله الثلث من ذاك.
ويقال: الوجهان مبنيان من القولين فيما إذا أقر أحد الابنين بِدَيْنٍ علي أبيه، فأنكر الآخر، هل على المقر توفية جميع الدَّين مما في يده، أو لا يلزمه إلاَّ القسط؟ فإن قلنا بالثاني لم يلزمه إلاَّ الثلث لجعلنا الحق الثابت بالإقرار شائعًا في التركة، ولكل واحد من الوجهين عبارة تجري مجرى الضابط لأخوات هذه الصورة؛ فالعبارة على وجه النصف أننا ننظر في أصل المسألة على قول المنكر، ونصرف إليه نصيبه منها، ثم نقسم الباقي بين المقر والمقر به، فإن انكسر صححناه بالضرب، فأصل المسألة في الصورة التي نحن فيها اثنان على قول المنكر يدفع إليه واحداً منهما يبقى واحد لا ينقسم على اثنين نضرب اثنين في أصل المسألة يكون أربعة: سهمان منها للمنكر، ولكل واحد من الآخرين سهم، وعلى وجه الثلث نأخذ أصل المسألة على قول المنكر، وأصلها على قول المقر، ونضرب أحدهما في الآخر، ونقسم الحاصل باعتبار مسألة الإنكار، فيدفع نصيب المنكر منه إليه، باعتبار الإقرار ويدفع نصيب المقر منه إليه ويدفع الباقي إلى المقر به، ومسألة الإنكار فيما نحن فيه من اثنين، ومسألة الإقرار من ثلاثة، فنضرب أحدهما في الآخر يكون ستة: ثلاثة منها للمنكر، وسهمان للمقر، وواحد للمقر له، ولو كانت المسألة بحالها، وأقر أحد الابنين بآخرين، فعلى الوجه الأول المسألة على قول المنكر من اثنين يدفع نصيبه إليه، يبقى واحد لا ينقسم على ثلاثة يضرب ثلاثة في اثنين يكون ستة ثلاثة منها للمنكر، ولكل واحد من الباقين واحد، وعلى الوجه الثاني أصلها على قول المنكر من اثنين، وعلى قول المقر من أربعة يضرب أحدهما في الآخر يكون ثمانية أربعة منها للمنكر.
واثنين للمقر، ولكل واحد من المقر بهما سهم.
وعن صاحب "التقريب" يصرف بالتوسط بين الوجهين، وهو أن ينظر فيما حصل في يد المقر أحصل بقسمة أجبر المنكر عليها، أم بقسمة، وهو مختاره فيها.
أما على تقدير الإجبار، فالجواب ما ذكرناه في الوجه الثاني.
وأما على تقدير الاختيار، فينظر إن كان عالماً عند القسمة بأن معهما ثالثًا

مستحقّاً.
والجواب ما ذكرناه في الوجه الأول؛ لأنه متعدّدٍ بتسليم نصف حقه الثابث إليه فيغرمه ما حصل في يد صاحبه كما يغرم الحاصل في يده، فإن لم يكن عالياً حينئذ، ثم علم فوجهان: يوجه أحدهما بأنه لا تقصير منه.
والثاني: بأنه لا فرق بين العِلْم والجهل، فيما يرجع إلى الغرم.
الحالة الثانية: إذا كان المقر به ممن يحجب المقرين عن الميراث، أو بعضهم، كما لو كان للوارث في الظاهر أخ أو ابن عم أو معتق، فأقر بإبن للميت، فإن لم نثبت نسبه فذاك، وإن أثبتناه ففي الميراث وجهان.
أظهرهما: المنع؛ لأنه لو ورث لحجب الأخ، ولو حجبه لخرج عن أهلية الإقرار، وإذا بطل الإقرار، فلا نسب، ولا ميراث، فإذاً يلزم من توريثه منعه.
والثاني: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ: أنه يرث، ويحجب المقر، وهو اختيار صاحب "التقريب" وابن الصباغ، وجماعة، ومنعوا لزوم بطلان الإقرار من حرمانه، وقالوا: المعتبر كونه وارثًا لولا إقراره بذلك لا ينافي خروجه عن الوراثية بالإقرار، كما أن المعتبر كونه حائزًا للتركة لو أقر الابن المستغرق في الظاهر بإخوة غيره قبل، وتشاركا في الإرث كذلك هاهنا، ولو خلف بنتاً هي معتقة فأقرت باخ، ففي ميراثه وجهان، تفريعاً على الوجه الأول في المسألة السابقة: أحدهما: يرث، ويكون المَالُ بينهما أثلاثًا؛ لأن توريثها لا يحجبها.
والثاني: لا؛ لأنه يحجبها عن عصوبة الولاء، فصار كما لو خلف بينتًا ومعتقًا وأقر بابن للميت لا يثبت لحجبه المعتق، ولو ادّعى مجهول على أخي الميت أنه ابن الميت، فأنكر الأخ، ونكل عن اليمين، فحلف المدعي اليمين المردودة، ثبت نسبه، ثم إنْ جعلنا النكلول ورد اليمين كالبينة، ورث وحجب الأخ، وإن جعلناهما كالإقرار، ففيه الخلاف المذكور فيما إذا أقر به الأخ.
ولو مات عن بنت وأخت، فأقرتا بابن للميت، فنصيب الأخت على الوجه الأظهر يسلم لها؛ لأنه لو ورث الإبن لحجبها.
وعلى الثاني يأخذ ما في يدها كله، وهذا الحكم فيما إذا خلف زوجة وأخا، فأقر بابن، يكون للزوجة الربع على الوجه الأظهر، وهذا الابن لا ينقص حكمها، كما لا يسقط الأخ -والله أعلم- ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
وأما قوله: "فلا يقبل إلا من وارث مستغرق" لفظ بمستغرق معلّم بالحاء والميم.
وكذلك قوله: "ثبت نسبه وميراثه" لأن عند أبِي حَنيفة في روايته المشهورة لا يشترط إقرار جميع الورثة وإنما المعتبر عدد الشهادة، فإذا لم يكن إلاَّ ابن واحد لم يثبت

النسب بإقراره، فهذا خلف أبناءً، فأقر اثنان منهم كفى، وبه قال مَالِكٌ.
وقوله: "اعتبر موافقتهما" معلم بالواو.
وكذلك قوله: "موافقة المولى المعتق" كما تقدم.
وقوله: "ولأن الإمام ليس بوارث إنما هو نائب" أي: نائب المسلمين في أخذ حقهم، وحفظه، وهو إشارة إلى ما سبق أن الإمام هل له حكم الوارث أم لا؟ وقوله: "ولا الميراث" عند قوله "لم يثبت النسب ولا الميراث" على القول المنصوص معلم بالحاء والميم والألف وإنما يرجع قوله على القول المنصوص إلى الميراث المعلم -بالألف- وحده.
وأما أن النسب لا يثبت، فلا خلاف فيه.
واعلم أن حاصل الخلاف في المسألة طريقان، جمعهما صاحب "التقريب": أحدهما: أن الإرث يثبت باطنًا، وفي الظاهر خلاف.
والثاني: أنه لا يثبت ظاهرًا وفي الباطن خلاف والذي ذكره صاحب الكتاب من الخلاف إنما هو في الإرث ظاهراً إلاَّ أن المقابل للقول المنصوص هو المخرج الذي عَزاهُ بعضهم إلى ابْنِ سُرَيْجٍ على ما بينه في "الوسيط"، وإنما خرج ابْنُ سُرَيْجٍ، ذلك في الإرث الظاهر وإذا كان ما حكاه مفروضًا في الإرث الظاهر كان جازماً بثبوته باطنًا فيكون قوله بعد ذلك: "وقيل: يثبت باطنًا"، وفي الظاهر خلاف غير ما ذكره مرة فلا ينبغى أن يقول: وقيل: لا يثبت ظاهراً وفي الباطن خلاف إن أراد الطريقة الأخرى.
والأوجه الثلاثة التي ذكرناها في الميراث إذا أقر لشخص، وأنكر المقر له نسب المقر حاصله من الخلاف الذي أسلفناه في أن نسب المقر، هل يتأثر بإنكار المقر له، وإن لم يتأثر، فهل يثبت نسب المجهول؟ فقوله: "لا يشارك" مبني على أن نسب المقر بحاله ونسب المقر له يثبت.
وقوله: قيل: "إنهما يشتركان، ولا يبالي بتكذيبه" مبني على أن نسب المقر بحاله، ونسب المقر له يثبت.
والوجه الآخر مبني على أن نسب المقر يتأثر بإنكار المجهول.
وأمّا الوجوه الثلاثة المذكورة فيما إذا أقر الأخ بإبن لأخيه الميت، فلا يخفى عليك خروجها مما مَرَّ إذا جمع بين النسب والميراث، وقد وقع في شرح الفصل تغيير ترتيب بعض المسائل للحاجة إليه، فلا يبالي به.
فرع: إقرار الورثة بزوج أو زوجه للميت مقبول، وعلى القَدِيْمِ قول: أنه لا يقبل،

فلو أقر أحد الإبنين المستغرقين، وأنكر الآخر، فالتوريث على ما ذكرناه فيما إذا أقر أحدهما بأخ، وأنكر الآخر.
فرع: لو أقر إنسان، وقال: فلان أخي.، ثم فسر بالإخوة من الرّضَاع حكى القاضي الرّويانِي عن أبيه أن الأشبه بالمذهب ألا يقبل؛ لأنه خلاف الظَّاهر، ولهذا لو فسر بإخوة الإسلام لا يقبل.
فرع: آخر في "فتاوى القفال" أنه إذا أقر على أبيه بالولاء، فقال: هو معتق فلان ثبت الولاء عليه إن كان المقر مستغرقاً، كما في النسب 1، والله تعالى أعلم بالصواب.

جارٍ التحميل