قال الغزالي: (الرُّكْنُ الثَّانِي): المقولة وَلَهُ شَرْطَانِ: (الأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ أَهْلاً لِلاسْتِحْقَاقِ، وَلَوْ قَالَ لِهَذَا الحِمَارِ عَلَيَّ أَلْفٌ بَطُلَ قَوْلُهُ، وَلَوْ قَالَ: بِسَبَبِهِ عَلَيَّ أَلْفٌ لزمه لِمَالِكِهِ عَلَى تَقْدِيِرِ الاسْتِئجَارِ، وَلَوْ أَقَرَّ لِعَبْدٍ لزم الَحّقِ لِمَوْلاهُ، وَلَوْ قَالَ: لَحَمْل فُلانَةَ عَلَيَّ أَلْفٌ من أُرْثِ أَوْ وَصِيَّةٍ قُبِلَ، وَلَوْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَذْكُرِ الجِهَةَ فَظَاهِرُ الَنَّصِّ أنَّهُ لاَ يُقْبَلُ، وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ يُقْبَلُ وَيَنْزِلُ عَلَى هَذَا الاِحْتِمَالِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: لِلْمَسْجِدِ أَوْ لِلْمَقْبَرَةِ عَلَيَّ أَلْفٌ إِنْ أَضَافَ إِلَى وَقْفٍ عَلَيْهِ قُبِلَ، وَإِنْ أَطْلَقَ فعَلَى الخِلاَفِ.
قال الرافعي: يشترط في المقر له أهلية استحقاق الحق المقر به، وإلاَّ كان الكلام لغوًا وهزوًا.
وفيه ثلاثة صور:
إحداها: لو قال: لهذا الحمار، أو لدابة فلان عليّ ألف بطل إقراره، ولو قال: بسببها عليّ ألف صح، ولزمه حملاً على أنه جنى عليها، أو أكثرها.
وعن الشيخ أَبِى عَاصِمٍ العبادي وجه: أنه لا يصح؛ لأن الغالب لزوم المال بالمعاملة، ولا تتصور المعاملة معها.
ولو قال: لعبد فلان عليّ أو عبدي كذا، صح، وكان الإقرار لسيده، ويخالف مسألة الدابة؛ لأنه لا يتصور المعاملة معها، وتتصور مع العبد، والإضافة إليه كالإضافة في الهِبَةِ، وسائر الإنشائات.
وقوله في الكتاب: "ولو قال: بسببه عليّ ألف لزمه لمالكه" -المراد ما إذا قال = أحدهما: أن يقال إقراره إن كان صادقاً لم يعمل به الإكراه، وإن كان كاذبًا لم يعمل به لأن الكذب باطل.
والثاني: أن يقال إن كان صدقاً عمل به لأن الصدق يجب العمل به، وإن كذباً فهو غير مكره عليه فيعمل به، والمسألة محتملة، والظاهر التفصيل وهو أن يقال إن كان المكره عالماً بالصدق، فهو إكراه لأنه لا يخليه إلا بذلك، وهذا يتصور في السلطان إذا علم قضية، وقلنا: لا يحكم بعلمه فأكره صاحبها لصدق بحضرة الشهود، فهذا أقر لم يقبل وإن لم يكن المكره عالماً بالقضية، فكل الأخبار في حقه سواء، فلا يكون الإقرار المأتي به مكرهاً عليه فيقبل، والقبول بعد الضرب في صورة الإكراه على الشيء بعينه.
نص عليه الشَّافعي -رحمه الله- إذاً لم يحدث له خوف له سبب، فإن حدث فإقراره انتهى أي كلام السبكي.
والولاة في هذه الأزمان يأتيهم من يتهم آخر بسرقة أو قتل ونحوهما، فيضربونه ليقر بالحق، ويراد بذلك الإقرار بما ادعاه خصمه، والصواب إن هذا إكراه سواء أقر حال ضربه أو بعده، وعلم إنه لو لم يقر بذلك لضرب ثانياً.
ينظر الروضة 4/ 10.
لمالكه: بسببه على ألف، فأما إذا اقتصر على اللفظ المذكور في الكتاب لم يلزم أن يكون الألف لمالك الدابة في الحال، ولكن يسأل ويحكم بموجب بيانه.
الثانية: إذا قال: لحمل فلانة على ألف أو عندي ألف، فله ثلاثة أحوال:
إحداها: أن يسنده إلى جهة صحيحة، بأن يقول: ورثه من أبيه، أو يقول: أوصى به فلان له، فيعتبر إقراره، ثم إن انفصل العمل ميتاً، فلا حق له، بل هو لورثة من قال: إنه ورثه منه، أو للموصى أو ورثته إن أسنده إلى وصيته، وإن انفصل حياً، فإن انفصل لما دون ستة أشهر من يوم الإقرار استحق؛ لأنا تيقنَّا وجوده يومئذ.
وإن انفصل لأكثر من أربع سنين، فلا لأن تيقنَّا عدمه 1 يومئذ، وإن انفصل لستة أشهر، أو أكثر ولما دون أربع سنين، فإن كانت مستفرشة لم يستحق لاحتمال تجدد العُلُوق بعد الإقرار، والأصل عدم الاستحقاق، وعدمه عند الإقرار، فإن لم تكن مستفرشة، قولان:
أحدهما: أنه لا يستحق؛ لأنا لا نتيقن وجوده عند الإقرار.
وأظهرهما: الاستحقاق؛ إذ لا سبب في الظاهر يتجدد به العلوق والظاهر وجوده وقت الإقرار لحكم ثبوت نسبه ممن كانت فراشاً له.
وإذا ثبت الاستحقاق، فإن ولدت تلك المرأة ذكراً فهو له، وإن ولدت ذكرين فصاعدًا فلهم بالسوية، وإن ولدت أنثى، فهو لها إن أسنده إلى وصية، وإِن أسنده إلى الإرث من الأب، فنصفه لها، وإن ولدت ذكراً وأنثى، فهو بينهما بالسوية، إن أسنده إلى وصية، وثلثاه إن أسنده إلى الإرث من الأب.
وقوله: "ونصفه لها" وهذا إذا اقتضت جهة الوراثة ما ذكرنا، فان اقتضت التسوية بأن يكونا لولدي الأم كان ثلثه 2 بالسوية.
قال الإمام رحمه الله تعالى: ولو أطلق الإرث سألناه عن الجهة، وحكمنا بمقتضاها 1.
الحالة الثانية: أن يطلق الإقرار، ففيه قولان:
أحدهما: وهو ظاهر نصه في المختصر: أنه باطل؛ لأن المال في الغالب إنما يجب بمعاملة، أو جناية، ولامتناع المعاملة مع الجهل، ولا الجناية عليه.
وأصحهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- وأبو إِسْحَاقَ: أنه يصح، ويحمل على الجهة الممكنة في حقه، وإن كانت نادرة.
الثالثة: إن يسنده إلى جهة فاسدة، بأن يقول: ألف أقرضنيه، أو ثمن ما باعه مني، فإن لم نصححه بالإقرار المطلق، فهذا أولى، وإن صححناه، فطريقان:
أحدهما: أنه على القولين في تعقيب الإقرار بما يرفعه 2.
وأظهرهما: الصحة؛ لأنه عقبه بما هو غير مقبول، ولا منتظم، فأشبه ما إذا قال لفلان: عليّ ألف لا يلزمني، وإذا صححنا الإقرار في الحالتين الأخيرتين، فإن انفصل الحملُ مَيْتًا، فلا حق له، ويسأل المقر عن جهة إقراره من الإرث، أو الوصية، ويحكم بموجبه.
قال في "النهاية": وليس لهذا السؤال والبحث طالب معين، وكان القاضي يسأل حسبة ليصل الحق إلى المستحق، فإن مات قبل البيان كان كما لو أقر لإنسان، فرده وفي "تعليق الشيخ أَبِى حِامِدٍ" أنه يطالب ورثته ليفسروا، فإِن انفصل حيًا للمدة التي قدرنا من قبل، فالكل له ذكراً كان أو أنثى، وإن انفصل ذكراً وأنثى، فهو لهما بالسوية، لأن ظاهر الإقرار يقتضي التسوية، ومن المحتمل أن تكون الجهة الوصية، ومتى انفصل حي وميت، فيجعل الميت كان لم يكن، وينظر في الحي على ما ذكرنا, ولو أقر بحمل = على السواء.
وكذا ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما من العراقيين، لكن في تعليق القاضي حسين "والنهاية" "وشرح التلخيص" للشيخ أبي علي أن لهما الثلثين منه، ويرد الباقي إلى ورثة الأول.
انتهى.
وما ذاكره عن القاضي والشيخ أبي علي والنهاية ظاهر، وقول الشيخ "هذا إذا اقتضت جهة الوارثة إلى قوله سوّى بينهما في الثلث" نقل في الخادم عن القاضي أبي الطيب وابن الصباغ أنه جميعه بينهما.
جارية، أو بهيمة لإنسان، ففيه التفصيل المذكور فيما إذا أقر للحمل، فإن قال: إنه أوصى له به صح، وينظر كم بين انفصاله، وبين يوم الإقرار من المدة على ما سبق، وفي حمل البهيمة يرجع إلى أهل الخبرة، وإن أطلق أو أسند إلى جهة فاسدة خرج على ما تقدم من الخلاف 1.
ولو أقر بالحمل لرجل وبالام لاخر إن جوزنا الإقرار بالحمل صحَّ الإقرار، وإلاَّ فلا.
قال صاحب "التهذيب": هما جميعاً للآخر، وهذا البناء على أن الإقرار بالحامل إقرار بالحمل، وفيه خلاف يأتي من بعد.
الصورة الثالثة: لو أقر لمسجد، أو مقبرة، أو نحوها بمال، وأسنده إلى جهة صحيحة، كغلّة وقف عليه صح، وإن أطلق فعلى وجهين تخريجًا من القول في مسألة العمل، وعلى قياسه ما إذا أضاف إلى جهة فاسدة 2.
قال الغزالي: (الثَّانِي) أَنْ لاَ يُكَذِّبَهُ المُقِرُّ لَهُ فإِنْ كَذَّبهُ لَمْ يُسْلَمُ إِلَيْهِ وَيُتْرَكُ فِي يَدِ المُقِرِّ في وَجْهٍ، وَيَحْفَظُهُ القَاضِي فِي وَجْهٍ، فَإِنْ رَجَعَ المُقَرُّ لَهُ عَنِ الإِنْكَارِ سُلِّم إِلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ المُقِرُّ في حَالِ إِنْكارِ المُقَرِّ لَهُ، فَالأَظْهَرُ أنَّهُ لا يقبل لأنه أَثْبَتَ الحَقَّ لِغَيْرِه بِخِلاَفِ المُقَرِّ لهُ فَإنَّهُ اَقْتَصَرَ علَى الإِنْكَارِ.
قال الرافعي: يشترط في الحكم بالإقرار عدم تكذيب المقر له في إنكاره، وإن لم يشترط قبوله لفظًا على رسم الإيجاب والقبول في الإِنشاءات، فإن كذبه نظر إن كان المقربه مالاً لم يدفعه إليه وفيما يفعل به ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه يترك في يد المقر 1، كما كان؛ لأن يده تشعر بالملك ظاهراً، والإقرار الثاني عارضه إنكار المقر له فيسقط، وأيضاً فإنا لا نعرف مالكه، ونراه في يد المقر، فهو أولى الناس بحفظه.
وثانيها: واختاره صاحب "التهذيب" و"التتمة": أنه ينتزعه القاضي، ويتولى حفظه إلى أن يظهر مالكه، فإنه في حكم مال ضائع، فيحتاط لمالكه، فإن رأى استحفاظ صاحب اليد، فهو كما لو استحفظ عدلاً آخر.
وثالثها: أنه يخير المقر له على القبول والقبض، وهو بعيد.
وقال الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ: موضع الخلاف ما إذا قال صاحب اليد هذا لفلان، وكذبه فلان، فأما إذا قال صاحب اليد للقاضي: في يدي مال لا أعرف مالكه، فالوجه القطع بأن القاضي يتولى حفظه.
وأبعد بعضهم فلم يجوز انتزاعه هاهنا, ولو رجع المقر له عن الإنكار، فصدق المقر، فقد حكى الإمام رحمه الله الجزم بقبوله، وتسليم المقربه إليه، لكن الأظهر، وهو الذي أورده المُتَوَلِّى وغيره تفريعه على الخلاف السابق.
إنْ قلنا: يترك في يد المقر فهذا حكم منا ببطلان ذلك الإقرار، فلا يصرف إلى المقر له إلاَّ بإقرار جديد.
وإن قلنا: إنه ينتزعه القاضي، ويحفظه، فكذلك لا يسلم إليه، بل لو أراد إقامة البينة على أنه ملكه لم تسمع، وإنما يسلم له، إذا
فرع
نا على الوجه البعيد، فإن الظاهر أنه لا يسلم إليه، على خلاف ما ذكر في الكتاب، ولو رجع المقر في حال إنكار المقر له، وقال: غلطت، أو تعمدت الكذب لم يقبل رجوعه، إن قلنا: ينتزعه القاضي، وإن تركناه في يده، فعلى وجهين، رواهما الإمام رحمه الله:
أظهرهما: عنده، وعند صاحب الكتاب: أنه لا يقبل أيضاً، بناء على أنه لو عاد المقر له إلى التصديق قُبل منه، فإذا كان ذلك متوقعًا لم يلتفت إلى رجوعه.
والثاني: أنه يقبل، بناء على أن الترك في يده إبطال الإقرار، وقضية كلام الأكثرين ترجيح هذا الوجه ويعزى إلى ابْنِ سُرَيْجٍ، ومن قال به لا يسلم لصاحب الكتاب قوله؛ "لأنه أثبت الحق لغيره"، بل يقول: يشترط كونه إثباتًا سلامته مع معارضة الإنكار، وجميع ما ذكرناه فيما إذا كان الإقرار بثوب ونحوه، وأما إذا كان إقراره بعبد، فأنكر ففيه وجهان:
أحدهما: يحكم بعتقه؛ لأن صاحب اليد لا يدعيه، والمقر له ينفيه، فيصير العبد في يد نفسه، فيعتق، وهذا كما إذا أقر اللقيط بعد البلوغ بأنه مملوك زيد، فأنكر يحكم بحريته.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه مملوك بالرق، فلا يرفع إلاَّ بيقين، وتخالف صورة اللقيط، فإنه محكوم بحريته بالدار، فإذا أقر، ونفاه المقر له بقي على أصل الحرية، فعلى هذا الحكم فيه ما ذكرنا في الثوب وغيره، فإن كان المقر به قِصَاصًا، أو حد قذف، وكذبه المقر له سقط الإقرار، وكذا لو أقر بسرقة توجب القطع، فأنكر رب المال السرقة، فلا قطع، وفي المال ما سبق، وإن أقرت بالنكاح، وأنكر سقط حكم الإقرار في حقه.
فرع لو قال من في يده عبدان: إن أحد هذين العبدين لفلان طولب بالبيان، فلو عيّن أحدهما، فقال المقر له إن عبدي هو الآخر، فهو مكذب للمقر في المعين، ومدعٍ في العبد الآخر.
فرع ادّعى على آخر ألفًا من ثمن مبيع فقال المدعى عليه: قد أقبضتك الألف، وأقام بينة على إقراره بالقبض يوم كذا، وأقام المدعي بينة على إقرار المشتري بعد بينته، بأنه ما أقبضه الثمن بعد، سُمعت وألزم المشتري الثمن؛ وإن قامت البينة على إقراره بالقبض، فقد قامت أيضاً على أن صاحبه كذبه، فيبطل حكم الإقرار، ويبقى الثمن على
المشتري، ويعتبر في المقرّ له شرط آخر، وهو أن يكون معيناً، فلو قال لإنسان أو لواحد من بني آدم أو من أهل البلد: عليّ ألف، هل يصح إقراره؟
خرّجه الشيخ أبُو عَليٍّ عَلَى وجهين، بناء على أنه إذا أقر لمعين بشيء، وكذبه المقر له، هل يخرج من يده؟
إن قلنا: نعم؛ لأنه مال ضائع، فكذا هاهنا ويفيد الإقرار.
وإن قلنا: لا، لم يصح هذا الإقرار، وهو الصحيح.
قال في "التتمة" ولو جاء واحد، وقال: أنا الذي أردتني، ولي عليك الألف، فالقول قول المقر مع يمينه في نفي الإرادة، ونفي الألف، ويخالف الإقرار على هذا الإبهام، ما إذا قال: غصبت هذا من أحد هذين الرجلين، أو هؤلاء الثلاثة حيث يعتبر ذلك ما سنذكره، ونفرعه من بعد، والفرق أنه إذا قال هو لأحد هذين، فله مدع وطالب، فلا يبقى في يده مع قيام الطالب، واعترافه بأنه ليس له.
وإذا قال لواحد من بني آدم فلا طالب له، فيبقى له في يده، وكان الشرط أن يكون المقرّ له معيناً ضرب تعيين، تتوقع معه الدعوى والطالب.
قال الغزالي: (الرُّكْنُ الثَّالثُ): المُقَرُّ بِهِ وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بَلْ يَصِحُّ الإِقْرَارُ بِالمَجْهُولِ، وَلاَ أَنْ يَكُونْ مَمْلُوكًا لِلمُقِرِّ بَلْ لَوْ كَانَ ملكا بَطُلَ إِقْرَارُهُ، فَلَوْ قَالَ: دَارِي لِفُلاَنٍ أَوْ مَالي لِفُلاَنٍ فَهُوَ مُتَنَاقِضٌ، وَلَوْ شَهِدَ الشَّاهِدُ أنَّهُ أَقَرَّ لَهُ وَكَانَ مِلكُهُ إِلَى أَنْ أَقَرَّ كَانَتِ الشَّهَادَةُ باطلة، وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِفُلاَنٍ وَكَانَتْ مِلْكِي إلى وَقْتِ الإِقْرَارِ آخَذْنَاهُ بِأَوَّلِ كَلاَمِهِ وَلَمْ نَقْبَلْ آخِرَهُ.
قال الرافعي: لا يشترط أن يكون المقر به معلومًا، بل يصح الإقرار بالمجاهيل على ما سيأتي، ولا أن يكون مملوكًا له حين يقر [بل الشرط في الإقرار بالإعيان أن لا يكون مملوكًا له حين يقر] لأن الإقرار ليس إزالة ملك، وإنما هو إخبار عن كونه مملوكًا للمقر له، فلا بُدَّ من تقدُّم المخبر به على الخبر، فلو قال: داري هذه، أو ثوبي الذي أملكه لفلان، فهو متناقض 1، والمفهوم منه الوعد بالهبة، ولو قال: مسكني هذا لفلان يكون إقرارًا؛ لأنه أضاف إلى نفسه السّكني، وقد يسكن ملك الغير ولو شهدت بينة على أن فلانًا أقر أن له دار كذا، وكانت ملكه إلى أن أقر كانت الشهادة باطلة نص عليه، ولو قال المقر: هذه الدار لفلان، وكانت ملكي إلى وقت الإقرار فإقراره نافذ والذي ذكره
بعده متناقض لأوله، فيلغو كما لو قال: هذه الدار لفلان، وليست له، هذا في الأعيان، وكذلك في الديون إذا كان له دَيْنٌ على غيره في الظاهر من قَرْض، أو أجرة، أو ثمن مبيع، فقال: ديني الذي لي على زيد لعمرو، فهو باطل، ولو قال: الدَّين الذي لي، على زيد لعمرو، واسمي في الكتاب عاريَّة، فهو صحيح 1، فلعله كان وكيلاً عنه في الإقراض والإجارة والبيع، ثم عمرو يدعي المال على زيد لنفسه، فإن أنكر فهو بالخيار بين أن يقيم البينة على دَيْن المقر على زيد، ثم على إقراره له بما على زيد، وبين أن يقيم البينة أولاً على الإقرار، ثم على الدَّين، ذكره القَفَّالُ.
واستثنى صاحب "التلخيص" ثلاثة ديون، ومنع الإقرار بها.
أحدها: الصَّدَاق في ذمة الزوج لا تقر المرأة به.
والثاني: بدل الخلع في ذمة المرأة لا يقر للزوج به.
والثالث: أرش الجناية لا يقر به المجني عليه 2؛ لأن الصَّداق لايكون إلاَّ للمرأة،
وبدل الخلع إلاَّ للزوج، وأرش الجناية إلاَّ للمجني عليه، نعم لو كانت الجناية على عبد، أو مال آخر، جاز أن يقر به الغير لاحتمال كونه له يوم الجناية.
قال الأئمة: هذه الديون، وإن لم يتصور فيها الثبوت للغير ابتداءًا وتقديرًا بوكالة، ولكن يجوز انتقالها إلى الغير بالحوالة، وكذلك في البيع على قوله، فيصح الإقرار بها عند احتمال جريان الناقل، وحملوا ما ذكره صاحب "التلخيص" على ما إذا أقر بها عقيب ثبوتها، يحيث لا يحتمل جريان الناقل، لكن سائر الديون كذلك، فلا ينتظم الاستثناء بها، بل الأعيان أيضاً يرتد المستثنى به حتى لو أعتق عبده، ثم أقر له السيد، أو غيره عقيب العتق بدين، أو عين لم يصح؛ لأن أهلية الملك لم تثبت له، إلاَّ في الحال، ولم يجر بينهما ما يوجب المال، وزاد أبُو العَبَّاسِ الجُرْجَانِيُّ في الفصل شيئاً، فقال: إن أسند الأقارير الثلاثة إلى جهة حوالة، أو بيع، إِن جوزناه، فذاك، وإلاَّ فعلى قولين، بناء على ما لو أقر للحمل بمال وأطلق.
قال الغزالي: نَعَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ المُقَرُّ بِهِ تَحتَ يَدِهِ وَتَصَرُّفهِ، فَلَوْ أَقرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ في يَدِ غَيْرِهِ لَمْ يُقْبَلْ، فَلَوْ أَقْدَمَ عَلَى شِرَائِهِ صَحَّ تَعْوِيلاً عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ اليَدِ، ثُمَّ قِيلَ شِراءٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ فِدَاءٌ مِنْ جَانِبِهِ بِيْع من جَانِبِ البَائِعِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ وَالمَجْلِسِ لاَ يَثْبُتُ فِيهِ، كَمَا لاَ يَثْبُتُ في بَيْعِهَ عَبْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَلاَ يَثْبُتُ في بَيْعِ العَبْدِ مِنْ قَرِيبهِ الَّذِي يُعْتَقُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ، ثُمَّ يُحْكَم بِعِتْقِ العَبْدِ عَلَى المُشْتَرِي وَلاَ يَكَونُ الوَلاَءُ لَهُ وَلاَ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ مَاتَ العَبْدُ وَلَهُ كَسْبٌ فَلِلْمشْتَريِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ تَرْكَتِهِ قَدْرَ الثَّمَنِ لِأنَّهُ إِنْ كَذَّبَ فَكُلُّهُ لَهُ، وَإِنْ صَدَّقَ فَهُوَ لِلبَائِعِ وَلَهُ الوَلاَءُ وَقَدْ ظَفِرَ هُوَ بِمَالِهِ هَكذَا ذَكرَهُ المُزَنِي رَحِمَهُ الله، وَمِنَ الأَصْحَابِ مَنْ خَالَفَهُ لأَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ في هَذهِ الَجِهةِ.
= قال الأذرعي: فيما نقله عن أبي حاتم نظر وحاصل منقوله موافقة صاحب "التلخيص".
وأما أمره الثاني فعجيب إذا تؤمل، وأما أمره الثالث، فلا شك أن كل حق شارك الثلاثة في معناها كان حكمه حكمها, ولم يرد بها حقيقة الحصر، وقال القفال بعد ذكره كلام التلخيص: إذا أقر لرجل بما هو في ذمة آخر، فالجملة في ذلك أن كل مال احتمل أن يكون ذلك في أصله للمقر له.
حكم بصحة الإقرار، وإن كان لا يحتمل أن يكون ذلك في أصله للمقر له به، فذلك الإقرار باطل، ثم ذكر مثله.
قال في الخادم: تسليمهم لصاحب "التلخيص" أن هذه الديون لا يتصور لغير من ذكر ممنوع، أما الصداق فإنه يتصور لغير المرأة، فإن الأمة يكون صداقها لسيدها فيما إذا أوصى بمنفعة أمة، فقيل الموصى له الرصية ثم أعتقها الوارث، ولنا صور أُخرى نذكرها إن شاء الله -تعالى- في أول الصداق.
وأما الخلع فإن عوضه يكون لسيد العبد.
قال: ويزاد على الديون الثلاثة رابع، وهو إقرار الزوجة بالنفقة والكسوة، وزاد الماوردي في الإقناع أن يقر بحمل بهيمة لغيره.
قال الرافعي: قوله: "يشترط أن يكون المقر به تحت يده، وتصرفه أراد به أنه إذا لم يكن تحت يده لم يسلطنا إقراره على الحكم بثبوت الملك للمقر له، بل يكون ذلك دعوى، أو شهادة، وليس معناه: أنه يلغو قوله من كل وجه، بل لو حصل المقرّ به في يده يوماً من الدهر في يده يؤمر بتسليمه إليه فلو قال: العبد الذي في يد زيد هو مرهون عند عمرو بكذا، ثم حصل العبد في يده، يؤمر ببيعه في دين عمرو، ولو أقر بحرية عبد في يد غيره، أو شهد بحريته، فلم تقبل شهادته لم يحكم بحريته في الحال، ولو أقدم المقر على شرائه، صح تنزيلاً للعقد عَلَى قول من صدقه الشرع، وهو صاحب اليد البائع، ويخالف ما إذا قال: فلانة أختي من الرضاع، ثم أراد أن ينكحها لا نمكنه منها؛ لأن في الشراء غرض استنقاذه من أسر الرِّق، ومثل هذا الغرض لا يوجد هناك، فيمنع من الاستمتاع بفرج اعترف بأنه حرام عليه، ثم إذا اشتراه حكم بحرية العبد، وأمر برفع اليد عنه، ثم للإقرار حالتان:
إحداهما: أن تكون الصيغة أنك أعتقته، وتسترقه ظلمًا، وهي التي تكلم بها في الكتاب، فالعقد الجاري بينه، وبين البائع ما حكمه أهو شراء أم افتداء؟
حكى الإمام صاحب الكتاب فيه أوجهًا ثلاثة:
أصحها: أنه بيع من جهة البائع، وافتداء من جهة المقر.
والثاني: أنه بيع من الجانبين.
والثالث: أنه افتداء من الجانبين، وهذا الثالث مما ينبو الطبع عنه في جانب البائع، وكيف يتنظم أن يقال: إنه يأخذ المال لينقذ من يسترقه ويعرفه حرًا يفتديه، بل لو قيل فيه المعنيان جميعاً، والخلاف في أن الأغلب منهما ما إذا كان، أو بما رآه، والمعتمد الذي رواه الأكثرون أنه بيع من جانب البائع لا محالة، ومن جانب المشتري وجهان:
أحدهما: أنه شراء، كما في جانب البائع.
وأصحهما: أنه افتداء لاعترافه بحريته، وامتناع شراء الحر، وينبني على هذا الخلاف الكلام في ثبوت الخيار في هذا العقد.
أما البائع، فيثبت له خيار المجلس، والشرط بناء على ظاهر المذهب في أنه بيع من جانبه، ولو كان البيع بثمن معين، فخرج معيبًا، ورده كان له أن يسترد العبد، بخلاف ما لو باع عبداً، أو أعتقه المشتري، ثم خرج الثمن المعين معيبًا، ورده حيث لا نسترد العبد، بل يعدل إلى القيمة لاتفاقهما على العتق هناك.
وأما المقر المشتري، فإِن جعلناه شراءً في حقه فيه الخيار، وإن جعلناه فداء،
فلا، وعلى الوجهين لا رد له لو خرج العبد معيبًا، لكن يأخذ الأرش على وجه الشراء، ولا يأخذ على الوجه الآخر.
وذكر الإمام رحمه الله أنه إذا لم يثبت خيار المجلس للمشتري، ففي ثبوته للبائع وجهان؛ لأن هذا الخيار لا يكاد يتبعّض.
وقوله في الكتاب: "والصحيح أن خيار الشرط والمجلس لا يثبت فيه... " إلى آخره يشعر بإثبات الخلاف فيه، نعم مع الحكم بكونه شراءً وبيعًا لا ستعقابه العتق، كالخلاف في شراء القريب.
واعلم أن مسألتي بيع العبد من نفسه، وبيعه من قريبه قد ذكرناهما بما فيهما في "البيع" وتبين أن كلامه في شراء القريب، بخلاف كلام الأكثرين، والحكم بأن الصحيح هاهنا منع الخيار غير مسلم على إطلاقه، بل الصحيح ثبوتهما في طرف البائع، نعم في طرف المشتري الفتوى بالمنع، بناء على أنه فداء، والله اعلم.
ثم إذا حكمنا بالعِتْقِ والحالة وهذه، فلا نقول بأن ولاءه للمشتري، لاعترافه بأنه لم يعتقه، ولا للبائع لزعمه أنه ليس بعتق، بل هو موقوف، فإن مات وقد اكتسب مالاً، فإن كان له وارث بالنسب، فهو له، وإِلاَّ فينظر إن صدق البائع المشتري أخذه، ورد الثمن، إِن كذبه وأَصَرَّ على كلامه الأول، فظاهر النص أنه يوقف المال، كما كان الولاء موقوفاً، واعترض المُزَنِيُّ فقال: للمشتري أن يأخذ قدر الثمن مما تركه، فإنْ فضل شيء كان الفاضل موقوفاً، وعلله بأن المشتري إذا كان كاذبًا، فالميت رقيق، وجميع أكسابه له أو صادقًا، فالأكساب للبائع إرثًا بالولاء، وهو قد ظلمه بأخذ الثمن، وتعذر استرداده، فإذا ظفر بماله كان له أن يأخذ به حقه.
وافترق الأصحاب في المسألة، فذهبت فرقة إلى تقرير النصين، وتخطئة المزني، فالتوجيه من وجهين.
أحدهما: أنه لو أخذ شيئاً فإما أن يأخذه بجهة أنه كسب مملوكه، وقد نفاه بإقراره، أو بجهة الظفر بمال من ظلمه، وهو ممتنع؛ لأنه أنما بذله تقربًا إلى الله -تعالى- باستنقاذه حُرَّا، فيكون سبيله سبيل الصدقات، والصدقات لا يرجع فيها.
والثانى: لا يدري أنه يأخذه بجهة الملك، أو بجهة الظفر بمال من ظلمه، فيمتنع من الأخذ إلى ظهور جهته.
وقال ابْنُ سُرَيْجٍ وأَبُو إِسْحَاقَ، وأكثر مشايخ المذهب: الأمر كما ذكره المُزَنِيُّ.
وعن ابْنِ سُرَيْجٍ والقاضي أَبِي حَامِدٍ أن الشَّافعي -رحمه الله- نص عليه في غير هذا الموضع، وحملوا ما ذكره هاهنا على أن ما يأخذه بجهة الولاء لا يكون موقوفاً وهو
ما زاد قدر الثمن، فأما المستحق بكل حال، فلا معنى للتوقف فيه.
قالوا: ويجوز الرجوع في المبذول على جهة الفدية، كما لو فدى أسيرًا في يد المشركين، ثم استولى المسلمون على بلادهم، ووجد الباذل عين ماله أخذه.
وأما اختلاف الجهة.
فلا يسلم أنه يمتنع أخذ بعد الاتفاق على أصل الاستحقاق.
الحالة الثانية: أن يكون صفة إقراره أنه حر الأصل، وأنه عتق قبل أن اشتريته، فإذا اشتراه، فهو فداء من جهته، بلا خلاف، كذلك وذكر صاحب "التهذيب".
وإذا مات وقد اكتسب مالاً، وليس له وارث، فالمال لبيت المال؛ وليس للمشتري أن يأخذ منه شيئاً؛ لأن تقدير صدقه لا يكون المال للبائع حتى يأخذ عوضاً عن الثمن، ولو مات العبد قبل أن يقبضه المشتري؛ لم يكن للبائع أن يطالبه بالثمن؛ لأنه لا حرية في زعمه، والمبيع قد تلف قبل القبض، هذا شرح المسألة، وقد اندرج فيه بعض ما يتعلّق بلفظ الكتاب خاصة.
وقوله: "ثم يحكم بعتق العبد على المشتري" على من صلة الحكم، لا من صلة العتق، فإنا لا نحكم بأنه عتيق على المشتري، وإنما نحكم على المشتري بأنه عتيق.
وقوله: "لأنه غير مصدق في هذه الجهة".
أراد به ما ذكرنا في التوجيه الثاني، وشبه هذا الخلاف فيما إذا قال: لي عليك ألف ضمنته، فقال: ما ضمنت شيئاً، ولكن لك عليّ ألف عن قيمة متلف، والأصح الثبوت، وقطع النظر عن الجهة.
فرع
لو استأجر العبد المقر بحريته بدلاً عن الشراء لم يحل له استخدامه، والانتفاع به، وللمكري مطالبته بالأُجرة 1، ولو أقر بحرية جارية ثم قبل نكاحها منه لم يحل له وطؤها, وللمزوج مطالبته بالمهر 2.
فرع آخر
لو قال: العبد الذي في يدك غصبته من فلان، ثم اشتراه منه، ففي صحة العقد وجهان، نقلهما الإمام رحمه الله:
أصحهما: الصحة، كما لو أقر بحريته، ثم اشتراه
والثاني: المنع؛ لأن الصحيح ثم الافتداء والانقاذ من الرق، ولا يتجه مثله في تخليص ملك الغير.
ثالث: لو أقر بعبد في يده لزيد، وقال العبد: بل أنا ملك لعمرو يسلم إلى دون عمرو، ولأنه في يد من يسترقه، لا في يد نفسه، فلو أعتقه لم يكن لعمرو تسليم رقبته، والتصرف فيها أيضاً لما فيها من إبطال الولاء على المعتق، وهل له أخذ كسابه؟ فيه وجهان:
وجه المنع: أن استحقاق الأكساب فرع الربح، وإنه لم يثبت والله أعلم.
قال الغزالي: (الرُّكْنُ الرَّابعُ): الصِّيغَةُ، فإذَا قالَ: لِفُلاَنٍ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي أَلْفٌ فَهُوَ إِقْرَارٌ، وَلَوْ قَالَ المُدَّعِي: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ فَقَالَ: زِنْ أَوْ خُذْ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا، وَكَذَا إِذَا قَالَ: زِنْهُ أَوْ خُذْهُ (و) ولو قَالَ: بَلَى أَوْ أَجَلْ أَوْ نَعَمْ أَوْصَدَقْتَ أَوْ أَنَا مُقِرُّ بِهِ أَوْ لَسْتَ مُنْكِرًا له فَهُوَ إِقرَارٌ، وَلَوْ قالَ: أَنَا مُقِرٌ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ فَلاَ يَكُونُ إقرَارًا بِهِ، وَلوْ قَالَ: أَنَا أُقِرُّ بِهِ قِيِلَ: إِنَّهُ إِقْرَارٌ، وِقِيِلَ: إنَّهُ وَعْدٌ بِالإقْرَارِ، وَلَوْ قَالَ: أَلَيْسَ لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ فَقَالَ: بَلَى لَزِمَهُ، وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ: إنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ وَالأَصَحُّ التَّسْوِيَةُ، وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ مَنِّي هِذَا العَبْدَ فَقَالَ: نَعَمْ فَهُوَ إقْرَارٌ بِالعَبْدِ.
في الفصل صور:
إحداها: قول القائل كذا لفلان صيغة إقرار.
وقوله لفلان عَلَيَّ أو في ذمتي إقرار بالدين ظاهرًا.
وقوله: عندي أو معي إقرار بالعين، ولو قال: له قبلي ألف قال في "التهذيب": = تصحيح هذا النكاح إشكال؛ لأنه لا يستعقب الحل، وقول الشيخ ينبغي إلى آخرة.
قال في التوسط: فيه نظر بل ينبغي أن لا يصح إلا أن يكون ممن لا يباح له نكاح الأمة لأن أولاده يسترقون كأمهم وأيضاً، فإنما ينقدح ما ذكره إذا كان تزوجها بإذنها لا جبرًا ولا سيما إذاكانت تدعي الاعتاق فيكون النكاح باطلاً بوفاق الزوجين.
انتهى وقوله: وإذا كان تزوجها بإذنها لا جبراً كان ينبغي أن يقول: وإذن وليها المناسب إذا كان لها ولي مناسب.
هو دين ويشبه أن يكون هو صالح للدين والعين جميعاً 1.
الثانية: إذا قال لغيره: لي عليك ألف، وقال في الجواب: زن أو خذ لم يكن إقرار؛ لأنه لم توجد منه صيغة التزام، وقد يذكر مثل ذلك من يستهزئ، ويبالغ في الجحود، ولو قال: استوف أو اتزن، فكذلك.
وفي "التتمة" نقل وجه في قوله: اتزن أنه اقرار؛ لأنه يستعمل في العادة فيما يستوفيه الإنسان لنفسه، بخلاف قوله: زن وبقال: هو مذهب أَبِي حَنِيْفَةَ -رحمه الله- ولو قال: خذه أو زنة، فظاهر المذهب أنه ليس بإقرار أيضاً.
وقال الزبيري: إنه إقرار، ووجهه أن الكناية تعود إلى ما تقدم في الدعوى، ولو قال: سده في همنا بك، أو اجعله في كسبك أو اختم عليه فهو كقوله: زنه أو خذه، واعلم أن الوجه الذي رويناه عن الزبيري نسبه صاحب الكتاب في "الوسيط" إلى صاحب "التلخيص"، فلم يورد فيه المسألة ولو قال المدعى عليه في الجواب: بلى أو نعم أو أجل أو صدقت فهو إقرار؛ لأن هذه الألفاظ موضوعة للتصديق والموافقة، ومثله أجابوا فيما إذا قال: لعمري ولعل العرف يختلف فيه، ولو قال: أنا مقر به أو بما يدعيه، ولست بمنكر له فهو إقرار، ولو قال: أنا مقر ولم يقل به، أو قال: لست بمنكر، أو أنا أقر لم يكن إقرارًا لجواز أن يريد اقرارًا ببطلان دعواه، أو بأن الله -تعالى- واحد، وهذا يدل على أن الحكم بأن قوله: أني مقر به إقرار فيما إذا خاطبه، فقال: أنا مقر لك به، وإلا فيجوز أن يريد الإقرار به لغيره، ولو قال؛ أنا أقر به فوجهان:
أحدهما: أنه ليس بإقرار لجواز أن يريد به الوعد بالإقرار في تأتي الحال.
والثاني: أنه إقرار؛ لأن قرينة الخصومة تشعر بالتمييز، ونسب الإمام -رحمه الله- الوجه الثاني للأكثرين، واختاره كذلك القاضيان الحُسَيْنُ والرُّوَيانِيُّ، ولا يحكي الثاني إلا نادرًا فضلاً عن الذهاب إليه.
وأما المختار فهو مؤيد بأنهم اتفقوا على أنه لو قال؛ لا أنكر ما تدعيه كان إقرارًا غير محمول على الوعد، ورأيت بعض أصحاب عَاصِم العَبَّادِيِّ أجاب عن هذا الإلزام بأن العموم إلى النفس أسرع منه إلى الإثبات، ألا ترى إن النكرة في معرض النفي نعم وفي معرض الإثبات لا تعم؟ ولك أن تقول: هب أن هذا الفرق بين، لكن لا ينفي
الاحتمال، وقاعدة الإقرار الأخذ باليقين قال الإمام رحمه الله: وبتقدير حمله على الوعد، فالقياس أن الوعد بالإقرار إقرار كما أنا نقول: التوكيل بالإقرار إقرار، ولو قال في الجواب: لا أنكر أن يكون محقًا لم يكن مقراً بما يدعيه لجواز أن يريد في شيء آخر، فلو قال: فيما تدعيه، فهو إقرار، ولو قال: لا أقر به، ولا أنكر فهو كما لو سألت، فيجعل منكرًا وتعرض عليه اليمين، ولو قال: أبرأتني عنه، أو قبضته فهو إقرار، وعليه بَيِّنة القضاء أو الإبراء.
وعن بعض الأصحاب: أن قوله: أبرأتني ليس بإقرار لقوله تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: 69] وتبرئته عن عيب الأُدْرة لا يقتضي إثباته له، ولو قال: أقررت بأنك أبرأتني، واستوفيت مني لم يكن إقرارًا، ولو قال في الجواب: لعل أو عسى أو أظن أو أحسب أو أقدر لم يكن مقرًا وهاهنا مباحثة، وهو أن اللفظ وإن كان صريحًا في التصديق، فقد تنضم إليه قرائن تصرفه عن موضوعه إلى الاستهزاء والكذب، ومن جملة الأداء والإبراء وتحريك الرأس على شدة التعجب، والإنكار، ويشبه أن يحمل قول الأصحاب: إن صدقت، وما في معناه إقرار على غير هذه الحالة.
أما إذا اجتمعت القرائن فلا يجعل إقرارًا، أو يقال: فيه خلاف لتعارض اللفظ والقرينة، كما لو قال: لي عليك ألف، فقال في الجواب على سبيل الاستهزاء لك عليّ ألف فإن أبا سعيد المتولي حكى فيه وجهين.
الثالثة: لو قال: أليس لي عليك ألف، فقال: بلى كان مقراً، ولزمه الألف، ولو قال: نعم فوجهان.
أحدهما: أنه لا يلزمه؛ لأن "نعم" تصديق لما دخل عليه حرف الاستفهام، وبلى تكذيب له من حيث أن أصل بلى "بل" وزيدت عليها "الياء"، وهو الرد والأستدراك، وإذا كان كذلك فقوله: بلى رد لقوله أليس لي عليك ألف، فإنه الذي أدخل عليه حرف الاستفهام، وبقي له، ونفي النفي إثبات، فكأنه قال: لي عليك لك على ألف، وقوله: نعم تصديق له، فكأنه قال: ليس لي لك علي عليك ألف، هذا تلخيص ما نقل عن الكسائي وغيره أئمة اللُّغة، وعلى وفاقه ورد القرآن قال الله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 172] وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80] وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)﴾ [القيامة: 3، 4] وقال تعالى في لفظه نعم: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: 44]، وقال تعالى: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ﴾ [الشعراء: 41]، والوجه الثاني أن يكون مقرًا بأن كل واحد منهما يقام مقام الآخر في العرف، والوجه الأول هو الذي أورده صاحب
"التهذيب" وغيره لكن الثاني أصح عند الإمام وصاحب الكتاب، وبه أجاب الشيخ أبو محمَّد وأبو سعيد المتولى، ووجهوه بأن الأقارير تحمل على معهود العرف لا على حقائق العربية 1، ولو قال: هل لي عليك ألف، فقال: نعم فهو إقرار.
الرابعة: إذا قال اشتر مني عبدي هذا فقال: نعم فهو إقرار به للقائل، كما لو قال: اعتق عبدي هذا فقال: نعم ويمكن أن يجيء فيه خلاف ما ذكرنا في الصُّلْح فيما إذا قال: بعني هذا العبد، هل هو إقرار بالعبد للمخاطب؟ وليس في لفظ الكتاب في المسألة إضافة العبد إلى نفسه، ولكن المراد ما إذا أضاف، وكذلك صور في "الوسيط" ولو كان اللفظ اشتر مني هذا العبد كما في الكتاب، فالتصديق بنعم يقتضي الاعتراف بملكية البيع لا بأنه يملك المبيع، ولو ادعى عليه عبداً في يده، فقال: اشتريته من وكيلك فلان، فهو إقرار له، ويحلف المدعى عليه أنه ما وكل فلاناً بالبيع، ثم إنا نردف شرح صور الفصل بصور تقرب منها لو قال: له علي كذا في علمي، أو فيما أعلمه، وأشهد فهو إقرار، ولو قال: كان علي ألف لفلان، أو كانت هذه الدار في السنة الماضية له فوجهان:
أحدهما: أنه إقرار في الحال بحكم الاستصحاب.
والثاني: لا؛ لأنه لم يعرف في الحال بشيء، والأصل براءة الذمة 2، ويقرب منه الخلاف فيما إذا قال: هذه داري أسكنت فيها فلاناً، ثم أخرجته منها قيل: هو إقرار باليد؛ لأنه اعترف بثبوتها من قبل، وادعى زوالها.
وعن أبي علي الزَّجَّاجي في جواب الجامع الصغير أنه ليس إقراره بالملك لزيد، ودعوى انتقالها منه؛ لأنه لم يعترف بيد فلان إلا من جهته، ولو قال: ملكتها من زيد فهو إقرار، فإن لم يصدقه زيد أمر بالرد إليه 3، ولو قال: اقض الألف الذي لي عليك، فقال: نعم فهو إقرار، ولو قال في الجواب: أعطني غداً أو أبعث من يأخذه، أو أمهلني يوماً، أو حتى أصرف الدارهم، أو حتى أفتح باب الصندوق، أو اقعد حتى تأخذ، أو لا أجد اليوم، أو لا تزال تتقاضى، أو قال: ما أكثر ما تتقاضى، والله لأقضينك فجميع هذه الصور إقرار عند أبي حنيفة رحمه الله، والأصحاب فيه مضطربون.
والميل إلى موافقته في أكثر الصور أكثر، وتردد بعضهم في قوله: اقض الألف الذي لي عليك، فقال: نعم أيضاً، وكذا لو قال: أسرج دابة فلان هذه، فقال: نعم، أو قال: متى تقضي حقي؟ فقال: غدًا, ولو قائل له قائل: غصبت ثوبي، فقال: ما غصبت من أحد قبلك، ولا بعدك لم يكن مقرًّا؛ لأن نفي الغصب من غيره لا يوجب الغَصْبَ منه، وكذا لو قال: ما لزيد أكثر من مائة درهم؛ لأن نفي الزائد على المائة لا يوجب إثبات المائة.
وفيه وجه آخر أنه إقرار بالمائة، ولو قال معسر: لفلان عَلَيَّ ألف درهم، إن رزقني الله مالاً، قيل: ليس بإقرار للتعليق.
وقال: هو إقرار، وذلك بيان لوقت الأداء، والأصح أن يستفسر، فإن فسر بالتأجيل صح، وإن فسر بالتعليق لغا (1).
ولو شهد عليه شاهد، فقال: هو صادق، أو عدل لم يكن مقرًا.
وإن قال: صادق فيما شهد به، أو عدل فيه كان مقرًّا قاله في "التهذيب".
ولو قال: إنْ شهد عليَّ فلان وفلان أو شاهدان بكذا، فهما صادقان.
قال في "الحلية": فيه قولان.
أصحهما: أنه إقرار، وإن لم يشهدا.
وبه صاحب "التلخيص" في "المفتاح".
والثاني: أنه ليس بإقرار لما فيه من التعليق، فإن قال: إن شهدا صدقتهما لم يكن مقرًّا؛ لأن غير الصادق قد يصدق (2).
البَابُ الثَّانِي في الأَقَارِير المجملةِ
قال الغزالي: (وَهِيَ سَبْعَة): (الأوَّلُ) إِذا قَالَ لِفُلاَنٍ: عَلَى شيءٍ يَقَبَلُ تَفْسِيرَهُ بِأَقَلِّ12
مَا يُتَمَوَّلُ (ح) لأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَهَلْ يُقْبَلُ بِحَبَّةٍ مِنَ الحِنْطَةِ فيهِ خِلاَفٌ، وَهَلْ يُقبَلُ بِالْكَلْبِ وَالسِّرْجِينِ وَجِلْدِ المَيِتْةَ؟ فيهِ خِلاَفٌ، وَالأَظْهَرُ القَبُولُ لِأَنَّهُ شَيْءٌ؛ لاَزِمٌ، وَلاَ يُقْبَلُ بِالخَمْرِ وَالخَنْزِيرِ لأَنَّهُ لاَ يَلْزَم رَدُّهُمَا، وَلاَ يُقْبَلُ بِرَدِّ جَوَابِ السَّلاَمِ وَالعِيَادَةِ فَإنَّهُ لاَ مُطَالَبَةَ بِهِمَا، وإنْ قَالَ؛ غَصَبْتُ بِشيءٍ قُبِلَ بِالخمرِ وَالخِنْزِيرِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ لَمْ يُقْبَل بِالسَّلاَمِ لأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ، وَفِيهِ وَجْهٌ.
قال الرافعي: المقر به قد يكون مفصلاً، وقد يكون مجملاً مجهول الحال، وإنما احتمل فيه الإجمال؛ لأنه إخبار عن سوابق، والشيء يخير عنه مفصلاً تارة، ومجملاً تارة، ويخالف الإنشاءات، حيث لا تحتمل الجهالة، والإجمال في أغلبها احتياطًا لابتداء الثبوت، وتحرزًا عن الغرر، ولا فرق في الأقارير المجملة بين أن تقع ابتداءًا، أو في جواب دعوى معلومة، كما إذا ادعى عليه ألف درهم، وقال: لك علي شيء، والألفاظ التي تقع فيها الجهالة والإجمال لا حصر لها، فاشتغل الشَّافعي -رضي الله عنه- والأصحاب ببيان ما هو أكثر استعمالاً، ودورانًا على الألسنة ليعرف حكمهما، ويقاس بها غيرها.
منها: إذا قال: لفلان علي شيء، رجعنا في التفسير إليه، فإن فسره بما يتمول قُبل قليلاً كان أو كثيراً كفلس ورغيف وتمرة، حيث يكون لها قيمة، وإن فسره بما لا يتمول، فإما أن يكون من جنس ما يتمول أو لا يكون، إن كان كحبة من الحِنْطَةِ والشَّعِيْرِ والسِّمْسِمِ وقمع الباذنجانة، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل التفسير به؛ لأنه لا قيمة له، فلا يصح التزامه، بكلمة عليّ، ولهذا لا تصح الدعوى به.
وأصحهما: القبول؛ لأنه شيء يحرم أخذه، وعلى من أخذه رده وقوله إن الدعوى به لا تسمع -ممنوع والتمرة الواحدة حيث لا قيمة لها من هذا القبيل.
وعن القاضي: أن الخلاف فيها بالترتيب، وهي أولى بالقبول، وإن لم يكن من جنس ما يتمول، فإما أن يجوز اقتناؤه لمنفعة، أو لا يجوز.
القسم الأول: الكلب المعلم، والسِّرجين، وجلد الميتة القابل للدباغ، ففي التفسير بها وجهان.
أحدهما: لا يقبل؛ لأنها ليست بمال، وظاهر الإقرار المال.
وأصحهما: القبول لأنها أشياء يثبت فيها الحق، والاختصاص، ويحرم أخذها،
ويجب ردها، ومن هذا القسم الخمر المحترمة والكلب القابل للتلعيم 1.
ومثال الثاني الخمرة التي لا حرمة لها، والخنزير، وجلد الميتة، والكلب الذي لا منفعة به ففي التفسير بها وجهان، لكن الأصح هاهنا المنع، وهو الذي ذكره في الكتاب؛ لأنه ليس فيه حق واختصاص، ولا يلزم ردها.
وقوله: على مقتضى ثبوت حق المقر له، ولو فسره بوديعة قبل؛ لأن عليه ردها عند الطلب, وقد يتعدى فيها فتكون مضمونة عليه.
وروى الإمام رحمه الله وجهاً: أنه لا يقبل؛ لأنها في يده لا عليه، ولو أقر بحق الشفعة يقبل ذكره القاضي الرُّوَيانِيُّ، وبالعبادة ورد السلام لا يقبل؛ لأنه بعيد عن الفهم في معرض الإقرار إذ لا مطالبة بهما، والإقرار في العادة يجري بما يطلب المقر، ويدعيه.
قال في "التهذيب": ولو قال له عليَّ حق قبل التفسير بهما، وظني أن الفرق بينهما عسير، وكيف لا والحق أخص من الشيء 2؟ ويبعد أن يقبل تفسير الأخص بما لا يقبل به تفسير الأعم، وبتقدير أن يكون الأمر، كما ذكره، فينتقض التوجيه المذكور.
وقوله في الكتاب: "ولا يقبل برد جواب السلام" -أخذ اللفظين من الرد والجواب كافٍ، والآخر زائد، ولو كان الإقرار بلفظ الغصب، فقال: غصبت منه شيئاً فيما يقبل تفسيره في الصورة السابقة، يقبل هاهنا بطريق الأولى، إِذا احتمله اللفظ، وهذا القيد لتخريج الوديعة، وحق الشفعة، ويقبل أيضاً بالخمر والخنزير، نص عليه في "الأم"؛ لأن الغَصْبَ لا يقتضي إلاَّ الأخذ قهرًا، وليس في لفظه ما يشعر بالتزام وثبوت حق، بخلاف قوله: عليَّ، ولو قال: له عندي شيء، فكذلك يقبل التفسير بالخمر والخنزير على المشهور؛ لأنه شيء مما عنده.
وقال الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ: لا يقبل، واختاره الإمام، وصاحب الكتاب، ووجهوه بأن قوله: "عندي" يشعر بثبوت ملك أو حق، وللأولين أن يمنعوا ذلك، ويحتجوا عليه بانتظام قول القائل: لفلان عندي خمر أو خنزير، ثم لهم أن يدعوا مثل ذلك في قوله: غصبت مِنْ فلان 1.
قال الغزالي: ثُمَّ إِن امَتْنَعَ عَنِ التَّفْسيْرِ حُبِسَ إِلى أَنْ يُفَسَّرَ عَلَى رَأْيٍ، وَجُعِل نَاِكلاً عَنِ اليَمِيِنَ عَلَىَ رأْي حَتَّى يَحْلِفَ المُدَّعي، فَلَوْ فُسِّرَ بِدِرْهَمٍ فَقَالَ المُدَّعيِ: بَلْ أَردَتُّ عَشَرَةً لَمْ يَقْبَلْ دَعوْى الإِرادَةِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَدَّعِي نَفسَ العَشَرَةِ، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُقِرِّ فيِ عَدَمِ الإِرَادَةِ وَعَدَمِ اللُّزُومِ.
قال الرافعي: عرفت أنه بم يقبل تفسير الإقرار بالشيء؟
وبم لا يقبل؟
وفي الفصل وردت مسألتان، لا اختصاص لهما بلفظ الشيء، بل يعمان سائر المبهمات، وإنما أوردها في هذا الموضع؛ لأن الإقرار بالشيء أول ما ذكره من الأقارير المجملة.
المسألة الأولى: إذا أقر بمجمل، وطالبناه بالتفسير، فامتنع ففيه ثلاثة أوجه، جمعها الإمام رحمه الله:
أظهرها: أنا نحبسه حبسنا إياه إذا امتنع من أداء الحق؛ لأن التفسير والبيان حق واجب.
والثاني: أنه لا يحبس، بل ينظر إن وقع الإقرار المبهم في جواب دعوى، وامتنع عن التفسير جعل ذلك إنكارًا منه، وتعرض عليه اليمين، فإن أصر جعل ناكلاً عن اليمين، وحلف المدعي، وإن أقر ابتداء، قلنا للمقر له: ادعي عليه حقك، فإذا ادعاه، وأقر بما ادعاه، أو أنكر، فذاك، وأجرينا عليه الحكم.
وإن قال: لا أدري، جعلناه منكراً، فإن أصر جعلناه ناكلاً، وذلك أنه إذا أمكن تحصيل الغرض من غير حبس لا يحبس والثالث، عن حكايته صاحب "التقريب": أنه إن أقر بِغَصْبٍ، وامتنع من بيان المغصوب، حبس، وإن أقر بدين مبهم، فالحكم كما ذكرنا في الوجه الثاني.
وذكر أَبوُ عَاصِم العَبَّادِيُّ أنه إذا قال: عَلَيَّ، وامتنع من التفسير لم يحبس، وإن قال: علي شيء ثوبٌ أو فضة، ولم يبين يحبس.
وأشار مَنْ شَرَحَ كلامه إلى أن الفرق مبني على قبول التفسير بالخمر والخنزير، فإنه لا يتوجه بذلك مطالبته وحبسه.
الثانية: إذا فسر إقراره المبهم، بتفسير صحيح، وصدفه المقر له فذاك، وإلاَّ فليبين جنس الحق، وقدره، وَلْيَدَّعيه والقول قول المقر في نفية، ثم لا يخلو إِما أن يكون ما ادَّعَاه من جنس ما فَسَّره المقر، أو من غير جنسه، فإن كان من جنسه، كما إذا فسر إقرار بمائة درهم، وقال المقر له: لي عليه مائتان، فإن صدقه على إرادة المائة، فهي ثابتة بالاتفاق، ويحلف المقر على نفي الزيادة، ولو قال: أراد به المائتين حلف المقر على أنه ما أراد مائتين، وليس عليه إلاَّ مائة، ويجمع بينهما في يمين واحدة.
وعن ابن المرزبان أنه لا بد من يمينين والمشهور الأول، فلو نكل حلف المقر له على استحقاق المائتين، ولا يحلف على الإرادة؟ لأنه لا يطلع عليها، بخلاف ما إذا مات المقر، وفسر الوارث، فادعى المقر له زيادة، حيث يحلف الوارث على نفي إرادة المورَّث؛ لأنه قد يطلع من حال مورثه على ما لا يطلع عليه غيره قال صاحب "التهذيب": ومثله لو أوصى بمجمل، ومات، فبينه الوارث زعم الموصى له أنه أكثر يحلف الوارث على نفي العلم باستحقاق الزيادة، ولا يتعرض للإرادة.
والفرق أن الإقرار إخبار عن سابق، وقد يعرض فيه اطلاع، والوصية إنشاء أمر على الجهالة وبيانه: إذا مات الموصي إلى الوارث وأما إن كان ما ادعاه من غير جنس ما فسر به المقر، نظر إن صدقه في الإرادة، وقال هو ثابت لي عليه ولي عليه مع ذلك كذا ثبت المتفق عليه، والقول قول المقر في نفي غيره وإن صدقه في الإرادة وقال ليس لي عليه ما فسر به، إنما لي عليه كذا بطل حكم الإقرار برده، وكان مدعياً في غيره، وإن كذبه في دعوى الإرادة، وقال: إنما أراد ما ادعيته حلف المقر على نفي الإرادة، ونفي ما يدعيه، ثم إن كذبه في استحقاق المقر به بطل الإقرار فيه، وإلاَّ ثبت، ولو اقتصر المقر على نفي دعوى الإرادة، وقال: ما أردت بكلامك ما فسرته، وإنما أردت كذا، إما من جنس المقر به، أو من غيره لم يسمع منه ذلك؛ لأن الإقرار والإرادة لا يثبتان حقّاً له، الإقرار إخبار عن حق سابق، وعليه أن يدعي الحق لنفسه.
وقال الإمام: وفيه وجه ضعيف أنه تقبل دعوى الإرادة المجردة، وهو كالخلاف فيمن ادعى على خصمه أنه أقر بألف درهم، هل تسمع منه أم عليه أن يدعي بعين الألف؟
وقوله في الكتاب: "لم تقبل منه دعوى الإرادة، بل عليه أن يدعي نفس العشرة ربما يفهم منه أن دعوى الإرادة لا التفات إليها أصلاً، وليس كذلك، وإنما المراد أنها وحدها غير مسموعة، فإما إذا ضم إليها دعوى الاستحقاق، فيحلف ليقر على نفيهما
على التفصيل الذي تبين، والذي اتفقت النقلة عليه، ويدل عليه من لفظ الكتاب قوله: "والقول قول المقر في نفي الإرادة، ونفي اللزوم" ولكن فيه كلام، وهو أنا حكينا في البيع وجهين، وهو أن المشتري إذا ادعى عيبًا قديماً بالمبيع، وقال البائع: بعته أو قبضته سليمًا، يلزمه أن يحلف كذلك، أم يكفيه الاقتصار على أنه لا يستحق به الرد؟ فليجيء هاهنا وجه أنه يكفيه نفس اللزوم، ولا يحتاج إلى التعرض للإرادة.
فرع
لو مات المبهم قبل التفسير طولب به الوارث، فإن امتنع فقولان:
أحدهما: أنه يوقف مما ترك أقل ما يتمول.
وأظهرهما: أنه يوقف الكل؛ لأن الجميع، وإنْ لم يدخل في التفسير، فهو مرتهن بالدَّيْن.
قال الغزالي: (الثَّانِي) إِذَا قَالَ: عَلَيَّ مَالٌ تُقْبَلُ بأَقَلَّ مَا يُتَموَّلُ وَلاَ يُقْبَلُ بِالكَلْبِ وَجِلْدِ المَيْتَةِ، وَالأَظْهَرُ قَبُولُ المُسْتَوْلَدَةِ، وَلَوْ قَالَ: مَالٌ عَظِيمٌ أَوْ نَفِيسٌ أو كَثِيرٌ أَوْ مَالٌ وَأَيُّ مَالٍ كان، كَمَاَ لَوْ قَالَ: مَالٌ، وَحُمِلَ عَلَى عِظَمِ الرُّتْبةِ بِالإِضَافَةِ، فَلَوْ قَالَ: مَالٌ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلاَنٍ أَوْ مِمَّا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ علَى فُلاَنٍ قُبِلَ تَفِسيرُهُ بَما دُونَهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الدَّيْنَ أَكْثَرُ بَقَاءً مِنَ العَيْنِ، أَوِ الحَلاَلَ، أكْثرُ مِنَ الحَرَامِ.
قال الرافعي: في الفصل ثلاث صور:
إحداها: إذا قال: له عَلَيَّ مال قُبِلَ تفسيره بأقل ما يتمول، ولا يُقبل بما ليس بمال، كالكلب، وجلد الميتة والوجه القبول بالتمرة الواحدة، ولو كان بحيث يكثر التمر.
وتوجيهه أنه مال، وإن لم يتمول في ذلك الموضع، هكذا يذكره العراقيون، ويقولون: كل ما يتمول مال، ولا ينعكس، وتلتحق الحبة من الحِنْطَةِ بالتمرة الواحدة، وفي قبول التفسير بالمستولدة وجهان، حكاهما الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ:
أظهرهما، وهو اختيار الشيخ: القبول؛ لأنه ينتفع بها، وتستأجر، وإن كانت لا تباع وإن فسر بوقف عليه، فيشبه أن يخرج على الخلاف في أن الملك في الوقف، هل للموقوف عليه.
الثانية: إذا قال: عليَّ مال عظيم، أو كبير، أو كثير، أو جليل، أو نفيس، أو خطير، أو غير تافه، أو مال، وأي مال قُبل تفسيره بأقل ما يتمول؛ لأنه يحتمل أن يريد
به عظم خطره، يكفر مستحله، أو وزر غاصبه، والخائن فيه.
وقد قال الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: أصل ما أبني عليه الإقرار ألا ألزم إلاَّ اليقين، وأطرح الشك، ولا أستعمل الغلبة 1.
وعن أَبِي حَنِيْفَةَ -رحمه الله- أنه لا يقبل في العظيم والكثير بأقل من عشرة دراهم، ويروى مائتا درهم وساعدنا في الجليل والنفيس والخطير.
وعن مالك -رحمه الله- أنه لا يقبل التفسير بأقل مما تقطع فيه يد السارق، وذهب بعض الأصحاب فيما حكاه القَاضِي الحُسَيْنُ وغيره إلى أنه يجب أن يزيد تفسير المال العظيم على تفسير مطلق المال ليكون لوصفه بالعظيم فائدة واكتفى بعضهم بالعظيم من حيث الجرم والجثة.
ولو قال: عليَّ مال قليل، أو حقير، أو خسيس، أو طفيف، أو تافه، أو نذر، أو يسير، فهو كما لو قال: مال، وتحمل هذه الصفات على استحقار الناس إياه، أو على أنه فَانٍ زائل، فكثيره بهذا الإعتبار قليل، وقليله بالأعتبار الأول كثير.
وقوله في الكتاب: "وحمل على عظم الرتبة بالإضافة" يجوز كان يريد به الإضافة إلى الوزر والعقو به، ويجوز أن يريد لإضافته إلى أحوال الناس، وطباعهم، فقد يستعظم الفقير ما يستحقره السري.
الثالثة: قال: لزيد على مال أكثر مما لفلان قبل تفسيره، بأقل ما يتمول، وإن كثر
مال فلان؛ يحتمل أن يريد به أنه دين لا يتطرق إليه الهلاك، وذلك عين متعرض الهلاك، أو يريد أن مال زيد عليَّ حلال، ومال فلان حرام، والقليل من الحلال أكثر بركة من الحرام، وكما أن القدر مبهم في هذا الإقرار، فكذلك الجنس والنوع مبهمان ولو قال: له عليَّ أكثر من مال فلان عددًا، فالإبهام في الجنس والنوع.
ولو قال له: عليَّ من الذهب أكثر مما لفلان، فالإبهام في القدر والنوع، ولو قال: من صحاح الذَّهَب، فالإبهام في القدر والنوع، ولو قال: من الذهب فالإبهام في القدر وحده، ولو قال: لزيد على مال أكثر مما شهد به الشهود على فلان، قبل تفسيره بأقل ما يتمول أيضًا؛ لاحتمال أن يعتقد أنهم شهدوا زورًا، ويريد أن القليل من الحلال أكثر بركة ولو قال: أكثر مما قضى به القاضى على فلان فوجهان:
أحدهما: أنه يلزمه القدر المقضى به؛ لأن قضاء القاضي محمول على الصدق والحق.
وأظهرهما: أنه كما لو قال أكثر مما شهد به الشهود؛ لأن قضاء القاضي قد يستند إلى شهادة الزور، والحكم الظاهر لا يغير ما عند الله -تعالى- ولو قال: لفلان عليَّ أكثر مما في يد فلان، قبل تفسيره بأقل مما لو قال: من مال فلان، ولو قال: له على أكثر مما في يد فلان من الدراهم، لا يلزم التفسير من جنس الدراهم، لكن يلزمه بذلك العدد، من أي جنس شاء، زيادة بأقل ما يتمول، هكذا ذكره في "التهذيب"، لكنه يخالف ما سبق من وجهين:
أحدهما: التزام ذلك العدد.
والثاني: التزام زيادة عليه، فإن التأويل الذي تقدّم الأكثرية يتبعهما جميعًا، ولو قال: عليَّ من الدراهم أكثر مما في يد فلان من الدارهم، وكان في يد فلان ثلاثة دراهم.
فجواب صاحب "التهذيب" أنه ثلاثة دراهم، وزيادة بأقل مما يتمول.
والأظهر: ما نقله الإمام رحمه الله، وهو أنه لا يلزمه زيادة حملاً للأكثر على ما سبق، وحكى عن شيخه أنه لو فسر بما دون الثلاثة يقبل أيضًا، ولو كان في يده عشرة دراهم، وقال المقر: لم أعلم، وظننت أنها ثلاثة، قبل قوله مع يمينه.
وقوله في الكتاب: "أو الحلال أكثر من الحرام" أي: أكثر بركة، أو رغبة، وما أشبه ذلك.
قال الغزالي: (الثَّاِلثُ) إِذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ كَذَا فَهُوَ كَاِلشَّيءِ، وَإذَا قَالَ: كَذَا كَذَا دِرْهَمٍ فَهُوَ تَكْرَارٌ، وَلَوْ قَالَ: كَذَا دِرْهَمٍ (ح و) يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ كَذا وَكَذَا (ح) دِرْهَمٍ وَكَذَا وَلَوْ قَالَ: كَذَا وكَذَا دِرْهَمًا نَقَلَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ الله قَوْلَيْنِ: (أَحَدُهُمَاَ): أنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُمَا
دِرْهَمَانِ (ح) (وَالثَّاني): أَنَّهُ دِرْهَمٌ (ح و) وَاحِدٌ، وَهَذَا في قَوْلِهِ: دِرْهَمًا بالنَّصْبِ، وَفي قَوْلهِ: دِرْهَمٌ بِالرَّفْعِ الأَصَحُّ أَنَّهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ.
قال الرافعي: إذا قال: لفلان عليَّ كذا، فهو كما قال: شيء، ويقبل تفسيره بما يقبل به تفسير الشيء، ولو قال: كذا كذا، فهو كما لو قال: كذا، والتكرار للتأكيد، لا للتجديد، ولو قال: كذا وكذا، فعليه التفسير بشيئين مختلفين، أو متفقين، يقبل كل واحد منهما في تفسير "كذا"، من غير عطف، وكذا الحكم فيما لو قال: عليَّ شيء شي أو شيء شيء، ولو قال: عليَّ كذا درهمًا، يلزمه درهم واحد، وكان الدرهم تفسيرًا لما أبهم.
وفي "النهاية" أن عند أبي حنيفة -رحمه الله- يلزمه عشرون، لأنه أول اسم مفرد ينتصب الدرهم المفسر عقبه، وأن أَبَا إِسْحَاَق الَمْروزِيَّ وافقه فيما إذا كان المقر عارفًا بالعربية.
وأجاب الأصحاب في أن تفسير الألفاظ المبهمة لا ينظر إلى الإعراب ولا توازن المبهمات بالمبينات، بدليل أنه لو قال: عليَّ كذا درهم صحيح، لا يلزمه مائة درهم بالإتفاق 1، وإن كانت الموازنه المذكورة تقتضى لزوم مائة، والتقييد بالصحيح لئلا يحمل على نصف درهم، أو ثلث درهم، لكن نقل البندنيجي أن الطَّحَاوِيَّ حكى عن بعض أصحاب أبي حنيفة 2 أنه يلزمه مائة درهم، والمشهور أنه لا يلزمه إلاَّ درهم واحد، كما هو قولنا، ولو قال: كذا درهم من غير صفة الصحة، فكذلك.
وفيه وجه: أنه يلزم بعض درهم، وهو اختيار ابْنِ الصَّبَّاغِ ولو قال: كذا درهم بالرفع، فلا خلاف أنه يلزمه درهم واحد، ولو قال: كذا درهم، ووقف، كما لو
خفض، ولو قال: كذا كذا درهمًا لم يلزمه أيضًا إلاَّ درهم.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله: يلزمه أحد عشر درهمًا، ووافقه أَبُو إِسْحَاقَ في العالم بالعربية، ولو قال: كذا وكذا درهم أو درهم، فكذلك لا يلزمه إلاَّ درهم، ويجيء في الخَفْض الوجه الذي مَرَّ، ولو قال: عليَّ كذا وكذا درهمًا.
قال في "المختصر": يعطيه درهمين؛ لأن كذا يقع على درهم، يعني: لما وصل الخمس بالدرهم، كان كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه واقعًا على درهم، وكناية عنه، هكذا قال المزَنِيُّ.
وقال في موضع آخر: إذا قال: عليَّ كذا وكذا درهمًا قيل: أعطه درهمًا أو أكثر من قبل أن كذا يقع على أقل من درهمين.
وقوله: (أكثر) إذا فسر بأكثر من درهم لزمه، وإلاَّ فالدرهم تعيين ويروى في بعض النسخ المختصر وأكثر وأبي الشيخ أبو حامد ثبوته هذا ما نقله المُزَنِيُّ، واختلف الأصحاب في المسألة على طريقين:
أشهرهما: أنه على قولين، وبه قال ابْنُ خَيْرَانَ وأبُو سَعِيدٍ.
وأصحهما: أنه يلزمه درهمان؛ لأنه أقر بجملتين مبهمتين، وعقبهما بالدرهم منصوبًا والظاهر كونه تفسيرًا لها.
والثاني: وهو اختيار المُزَنِيِّ: أنه لا يلزمه إلاَّ الدرهم لجواز أن يريد تفسير اللفظين معًا بالدرهم، وحينئذ يكون المراد من كل واحد نصف درهم.
ومنهم من زاد قولاً ثالثًا، وهو أنه يلزمه درهم وشيء، فأما الدرهم فلتفسير الجملة الثانية.
وأما الشيء، فلأن الأولى باقية على إبهامها، وهذا ينطبق على رواية مَنْ روى: أعطه درهمًا وأكثر.
والطريق الثاني، وبه قال أبُو إِسْحَاقَ: القطع بأنه يلزمه درهمان، واختلفوا في نقل المُزَنِيِّ، والتصرف فيه من وجوه:
أحدها: حمل ما نقل عن موضع آخر على ما إذا قال: كذا وكذا درهم بالرفع، كأنه يقول: وكذا والغرض أبهمه درهم.
الثاني: أنه حيث قال: درهمان، أراد ما إذا أطلق اللفظ، وحيث قال: درهم أراد به ما إذا نواه، ويصرف اللفظ عن ظاهرة بالنية.
والثالث: أنه حيث قال: درهم أراد ما إذا قال: كذا وكذا درهم، فشك أن الذي يلزمه شيئان أو شيء واحد.
والرابع: أنه حيث قال: يلزمه درهم صور فيما إذا قال: كذا وكذا درهمًا.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله: يلزمه أحد وعشرون درهمًا للموازنة السابقة، وبه قال
أَبُو إِسْحَاقَ في العارف بالعربية، وخصص اختلاف الطرق، وتفرق الأصحاب بغيره، ولو قال كذا وكذا درهم بالرفع فطريقان:
أحدهما: طرد القولين؛ لأنه يسبق إلى الفهم أنه تفسير لهما وإن أخطأ في إعراب التفسير.
وأصحهما: القطع بأنه لا يلزمه إلاَّ درهم واحد، لما سبق، وكذا لو قال: كذا وكذا درهم بالخَفْضِ لم يلزمه إلاَّ درهم واحد، ويمكن أن يخرج مما سبق أنه يلزمه شيء، وبعض درهم أو لا يلزمه إلاَّ بعض درهم، ولو قال: كذا وكذا وكذا درهمًا.
فإن قلنا: لو ذكر مرتين لزمه درهمان، فهاهنا يلزمه ثلاثة.
وإن قلنا: يلزمه درهم، فكذلك هاهنا.
وإذا عرفت ما ذكرناه أعلمت قوله: "ثم كذا درهمًا يلزمه درهم واحد بالحاء والواو -كما ذهب إليه أبُو إِسْحَاقَ وكذا قوله: "ولو قال: كذا وكذا درهمًا".
ويجوز إعلام قوله: فهما درهمان وقوله أنه درهم في مسألة كذا وكذا درهمًا بهما أيضًا.
وقوله: "وهذا في قوله: درهمًا بالنصب" أي موضع القولين ذلك، فأما إذا رفع فأصح الطريقين القطع بلزوم درهم.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ ودِرْهَمٍ فالألْفُ مُبْهَمٌ وَلَهُ تفسيره بِمَا شَاءَ، بِخِلافِ مَا لَوْ قَالَ: أَلْفٌ وَخَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، أَوْ أَلْفٌ ومائة وخَمْسَةٌ وِعِشْرُونَ دِرْهَمًا فَإِنَّ الدِّرْهَمَ لَمْ يثْبُتْ بِنَفْسِهِ فَكَانَ تَفْسِيرًا لِلْكُلِّ وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ فَفِي النِّصْفِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: إذا قال: لفلان عليَّ ألف ودرهم أو دراهم، أو ألف وثوب، أو ألف وعبد، فهذا عطف مبين على مبهم، فله تفسير الألف بغير جنس المعطوف.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ رحمه الله: إنْ كان المعطوف مكيلاً أو موزونًا أو معدودًا، يفسر الألف به، وإن كان متقومًا كالثوب، والعبد بقي على إبهامه.
لنا القياس على ما سلمه، وعن مالك رحمه الله مثل مذهبنا.
واختلف أصحاب أحمد: فمنهم: من ساعدنا.
ومنهم: من قال: يفسر بالمعطوف بكل حال.
ولو قال: خمسة عشر درهمًا، فالكل دراهم؛ لأنه لا عطف، وإنما هما اسمان جعلاً واحدًا، فالمذكور تفسير له.
ولو قال خمسة وعشرون درهمًا، فظاهر المذهب أن الكل دراهم؟ لأن لفظ الدراهم فيه لا يجب به شيء زائد، بل هو تفسير لبعض الكلام، والكلام يحتاج إلى التفسير، فيكون تفسيرًا للكل.
وقال ابْنُ خَيرَانَ والإِصْطَخْرِيُّ: الخمسة مجملة، والعشرون مفسرة بالدراهم لمكان العطف، وعلى هذا الخلاف قوله: "مائة وخمسة وعشرون درهمًا" وقوله: ألف ومائة وخمسة وعشرون درهمًا، وألف وثلاثة أثواب ومائة وأربعة دنانير وقوله: مائة ونصف درهم.
ولو قال: درهم ونصف أو عشرة دراهم ونصف، فوجهان أيضًا.
قال الإصْطَخْريُّ وجماعة من الأصحاب: النصف مبهم؛ لأنه معطوف على ما تقدم، مفسر به، فلا يتأتى فيه.
وقال الأكثرون: الكل دراهم: لجريان العادة به حتى إنه من قال: درهم ونصف درهم عد ذلك تطويلاً منه زائدًا على قدر الحاجة.
ولو قال: نصف ودرهم، فالنصف مبهم، ولو قال: مائة وقفير حِنْطَة، فالمائة مبهمة، بخلاف قوله: مائة وثلاثة دراهم؛ لأن الدراهم تصلحُ تفسيرًا للكل والحنطة لا تصلح تفسيرًا للمائة؛ لأنه لا يصلح أن يقال: مائة حنطة، ولو قال: عليَّ ألف درهم برفعهما وتنوينهما فسر الألف بما لا تنقص قيمته عن درهم، كأنه قال: الألف مما قيمة الألف منه درهم والله أعلم بالصواب.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) إِذَا قَالَ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ يَلَزْمُهُ دِرْهَمٌ فِيهِ سِتَّةُ دَوَانِيقَ عَشَرَةٌ مِنْهَا تُسَاوِي سَبْعَةَ مَثَاقِيلَ، وَهِيَ دَرَاهِمُ الإِسْلامِ، فَإِنْ فُسِّرَ بِالنَّاقِصِ في الوِزْنِ مُتَّصِلًا قُبِلَ (ح)، وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلاً لَمْ يُقْبَلْ، إلاَّ إِذَا كَانَ التَّعَامُلُ بِهِ غَالِبًا ففِيهِ وَجْهَانِ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ التَّفْسِيرُ بِالدَّرَاهِمِ المَغْشُوُشَهِ، وَلَوْ فُسِّرَ بِالفُلوُسِ لَمْ يُقْبَلْ بَحالٍ، وَكذَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ دُرَيْهماتٌ أَوْ دَرَاهِمُ صِغَارٌ وَفُسِّرَ بِالنَّاقِصِ لَمْ يُقْبَلْ، وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ دَرَاهِمُ يَلْزَمُهُ ثَلاثَةٌ.
قال الرافعي: ذكرنا في الزكاة أن الدرهم الإسلامي المعتبر به نصب الزكاة والديات وغيرها عشرة من الدراهم سبع مثاقيل، وكل واحد منها ستة دَوَانِيْقَ، ونزيد الآن أن كل دَانِقٍ ثماني حبات، وخُمْسَا حبة، فيكون الدرهم الواحد خمسين حبة وخمسي حبة، والمراد من الحبة حبة الشعير المتوسطة التي لن تقشر، لكن قطع من طرفها ما دَقَّ وطال، والدينار اثنان وسبعون حبة منها، كذا نقل عن رواية أَبِي عُبَيْدٍ القَاِسمُ، وحكاه الخَطَّابِيُّ عن ابْنِ سُرَيْجٍ وفي "حلية" القاضي الروياني أن الدانق ثماني حبات، فعلى هذا يكون الدرهم ثمانية وأربعين حبة والله أعلم.
إذا عرفت ذلك، ففي الفصل مسائل:
إحداها: إذا قال: عليَّ درهم، أو ألف درهم، ثم قال: وهي ناقصة فدراهم "طبرية الشام" الواحد منها أربعة دَوانِيْقَ.
فأمَّا أن يتفق الإقرار في بلد دراهمه تامة، أو في بلد دراهمه ناقصة، إن كان الأول، فإما أن يذكره منفصلاً أو متصلاً، فإن ذكره متصلاً فطريقان.
أصحهما: القبول، كما لو استثنى، وكأنه استثنى من كل درهم دَانِقَيْنِ.
والثاني: وبه قال ابْنُ خَيْرَانَ: أنه على قولين، بناء على أن الإقرار هل يتبعض؟ وقد يوجه القبول بما سبق، والمنع بأن اللفظ صريح فيه، وما كل لفظ يتضمن نقصانًا يصلح للاستثناء، ألا ترى أنه لو قال: عليَّ ألف بل خمسائة يلزمه الألف، وإن ذكره منفصلاً لم يقبل، وعليه وزن درهم الإِسلام إلاَّ أن يصدقه المقر له؛ لأن لفظ الدراهم صريح في القدر المعلوم، وعرف البلد مؤيد له واختار القاضي الروياني أنه يقبل؛ لأن اللفظ محتمل له، والأصل براءة الذمة، وحكاه عن جماعة من الأصحاب، وهو غريب، وإن كان الثاني، فإن ذكره متصلاً قُبِلَ؛ لأن اللفظ والعرف يصدقانه، وإن ذكره منفصلاً فوجهان:
أحدهما: لا يقبل، ويحمل مطلق قراره على وزن الإِسلام، وهذا كما أن نصب الزكاة لا تختلف باختلاف البلاد.
وأظهرهما: وهو المحكي عن نصه: أنه يقبل حملاً لكلامه على نقد البلد؛ لأن العرف أثرًا بينًا في تقييد الألفاظ بأهل العرف، وصار كما في المعاملات، ويجري الخلاف فيما إذا أقر في بلد وزن دراهمه أكثر من وزن دراهم الإسلام، مثل "غزنة" 1 أنه يحمل إقراره على دراهم البلد، أو على دراهم الإسلام.
إن قلنا: بالأول، فلو قال: عنيت دراهم الإسلام منفصلاً لم يقبل، وإن قاله متصلاً، ففيه الطريقان السابقان.
والأصح: القبول مطلقًا؛ وقد ذكرنا فيه خلافًا إذا كان الإقرار في بلد وزن دراهمه كامل.
وقوله: "وإن كان منفصلاً لم يقبل" يجوز إعلامه -بالواو- كما قاله الروياني.
الثانية: الدراهم عند الإطلاق إنما تستعمل في النُّقرة فلو أقر بدراهم، وفسرها بالفلوس لم يقبل، والتفسير بالدراهم المغشوشة، كالتفسير بالناقصة؛ لأن نقرتها لا تبلغ وزن الدراهم، فيعود فيه التفصيل المذكور في الناقصة، ولو فسر بجنس رديء من الفضة، أو قال: أردت من سكّة كذا، وهي غير جارية في تلك البلد قُبِلَ، كما لو قال: عليَّ ثوب، ثم فسره بجنس رديء، أو بما لا يعتاد أهل البلد لُبْسه، ويخالف ما لو فسر بالناقصة؛ لأنه يرفع شيئًا مما أقر به وهاهنا بخلافه، ويخالف البيع حيث يحمل على (1)
سكّة البلد؛ لأن البيع إنشاء معاملة، والغالب أن المعاملة في كل بلدة تقع بما يروج فيها، ويتعامل الناس بها والإقرار إخبار عن سابق، ربما ثبت بمعاملة في تلك البلدة، وربما ثبت بغيرها، فوجب الرجوع إلى إرادته، ولأنه لا بد من صيانة البيع عن الجهالة، والحمل على ما يروج في البلد أصلح طريق تنتفي به الجهالة، والإقرار لا تجب صيانته عن الجهالة.
وقال المُزَنِيُّ: لا يقبل تفسيره بغير سكّة البلد.
وحكاه الشيخ أبُو حَاِمدٍ عن غيره من الأَصْحَابِ.
الثالثة: إذا قال: عليَّ دريهم، أو دريهمات، أو درهم صغير، أو دراهم صغار، ففيه اضطراب رواية الذي ذكره الإمام -رحمه الله- وصاحب الكتاب أنه كما لو قال: درهم أو دراهم، فيعود في التفسير بالنقص التفصيل السابق، وليس التقييد بالصغر، كالتقييد بالنقصان؛ لأن لفظ الدراهم صريح في الوزن والوصف بالصغر يجوز أن يكون من حيث الشكل، ويجوز أن يكون الإضافة إلى الدراهم البغلية، وساعدهما صاحب "التهذيب" على ما ذكره في الدريهم، وقال في قوله: درهم صغير: إِن كان "بطبرية" لزمة نقد البلد، وإن كان ببلد ووزنه وزن "مكة" فعليه وزن مكة، وكذلك إن كان "بغزنة"؛ ولك أن تقول: الجواب فيما إذا كان "بطبرية" لا يلائم الجواب فيما إذا كان "بغزنة"؛ لأنه إما أن يعتبر اللفظ، أو عرف البلد، إن اعتبرنا اللفظ، فيجب الوزن بالطبرية، وإن اعتبرنا عرف البلد، فيجب نقد البلد نقرة.
وقال الشيخ أَبُو حَاِمدٍ ومن تابعه: إذا قال: دريهم، أو درهم صغير لزمه درهم من الدراهم الطبرية؟ لأنها أصغر من دراهم الإسلام، وهي أصغر من البغلية على ما بينا في الزكاة، فهي صغر الصغيرين باليقين، فيؤخذ باليقين، ولم يفرق بين بلدة وبلدة، ويشبه أن يكون الأظهر من هذه الاختلافات ما تضمنه الكتاب ولأنا لا نفرق بين أن يقول: مال وبين أن يقول: مال صغير، وكذلك في الدراهم، وهو ظاهر ما ذكره في "المختصر".
ولو قال: على درهم كبير، فعلى قياس ما في الكتاب، هو كما لو قال: درهم.
ونقله الشيخ أَبُو حَامِد، وهو أفقه.
وقال في "التهذيب": إن كان ببلد وزنه "مكة" أو "طبرية" لزمه وزن "مكة" وإن كان "بغزنة" لزمه من نقد البلد، وفيه الإشكال الذي ذكرناه.
الرابعة: عرفت أن قدر الدرهم وجنسه ماذا أما من حيث العدد، فإذا قال: عليَّ دراهم يلزمه ثلاثة، ولا يقبل تفسيره بأقل منها، وكذلك لو قال: عليَّ دراهم كثيرة، أو عظيمة، ويجئ فيه الوجه المذكور في المال العظيم، والكثير، ولو قال: عليَّ أقل أعداد الدراهم لزمه درهمان؛ لأن العدد هو المعدود، وكل معدود متعدد، فيخرج عنه الواحد، ولو قال: عليَّ مائة درهم عددًا لزمه مائة درهم بوزن الإسلام صحاح.
قال في "التهذيب" ولا يشترط أن يكون كل واحد ستة دوانق، وكذلك في البيع، ولا يقبل المائة من العدد، ناقصة الوزن إلاَّ أن يكون نقد البلد عدده ناقصة، فظاهر المذهب القبول ولو قال: عليَّ مائة عدد من الدراهم، فهاهنا يعتبر العدد دون الوزن والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ مِنْ وَاحِدٍ إِلىَ عَشَرَة فَالأَصَحُّ أَنَّهُ يَلَزَمُهُ تِسْعَةٌ، وَقِيلَ: ثَمانيَةٌ، وَقِيلَ عَشَرَةٌ، وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ فَي عَشَرَةٍ وَلَمْ يَرِدِ الحِسَابُ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلاَّ وَاحِدٌ.
قال الرافعي: إحدى مسألتي الفصل إذا قال: له عليَّ من درهم إلى عشرة، ففيما يلزمه ثلاثة أوجه.
أحدها: عشرة، ويدخل الطرفان فيه، كما يقال: من فلان إلى فلان لا يرضى أحد بكذا.
والثاني: تسعة؛ لأن الملتزم زائد على الواحد، والواحد مبدأ العدد، والالتزام فيبعد إخراجه عما يلزمه.
والثالث: ثمانية، ولا يدخل الطرفان، كما لو قال: بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار، لا يدخل الجدران في البيع، والأول أصح عند صاحب "التهذيب".
وقال الشيخ أَبُو حَامِدٍ والعراقيون: الأصح الثاني ووافقهم صاحب الكتاب، واحتج له الشيخ أبُو حَامِدٍ بأنه لو قال: لفلان من هذه النخلة إلى هذه النخلة، تدخل النخلة الأولى في الإقرار، دون الأخيرة، وما ينبغي أن يكون الحكم في هذه الصورة، كما ذكر بل هو كما لو قال: بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار.
وقوله في الكتاب: "ثمانية" و"عشرة" معلمان -بالحاء- لأن مذهب أبِي حَنِيْفَةَ -رحمه الله- كالوجه الثاني، وبه قال أَحْمَدُ رحمه الله.
ولو قال: عليَّ ما بين درهم إلى عشرة، فالمشهور أنه يلزم ثمانية توجيهًا بأن "ما" بمعنى الذي كأنه قال: العدد الذي يقع بين الواحد والعشرة، وهو صريح في إخراج الطرفين، وذكر ابْنُ الحَدَّادِ حكاية عن نصه.
ونقل في "المفتاح" عن النص أنه يلزمه تسعة، ووجه بأن الحد إذا كان من جنس المحدود يدخل فيه، فيضم الدرهم العاشر، إلى الثمانية.
وحكى أبُو خَلَفٍ السلمِيَّ (1) عن القَفَّال أنه يلزمه عشرة، والمقصود بيان غاية ما
عليه، فحصل في المسألة ثلاثة أوجه، كما في الصورة الأولى، ولم يفرقوا بين أن يقول: ما بين واحد إلى عشرة، وبين أن يقول: ما بين واحد وعشرة، وربما سووا بينهما، ويجوز أن يفرق ويقطع بالثمانية في الصيغة الأخيرة 1.
الثانية: إذا قال: عليَّ درهم في عشرة إن أراد الظرف لم يلزمه إلاَّ واحد، وإن أراد الحساب، فعليه عشرة، وإن أراد المعية، فعليه أحد عشر درهمًا، وإن أطلق لم يلزمه إلاَّ واحد أخذًا باليقين، وفيما إذا قال: أنت طالق واحدة في اثنتين، في قول آخر أنه يحمل على الحساب، وإن أطلق؛ لأنه أظهر في الاستعمال، وذلك في القول عائد هاهنا، وإن لم يذكروه ولفظ الكتاب يفتقر إلى تأويل؛ لأنه حكم بأنه لا يلزمه إلاَّ واحد، إذا لم يرد الحساب، وله شرط، وهو أنه لا يريد المعية.
قال الغزالي: (الخَامِسُ)، إِذَا قَالَ لَهُ عِنْدِي زَيْتٌ في جَرَّةٍ أَوْ سَيْفٌ في غِمْدٍ لا يَكُونُ مُقِرًا بِالظَّرْفِ (ح)، وَلَوْ قَالَ لَهُ عِنْدِي غِمْدٌ فِيهِ سَيفٌ أَوْ جَرَّةٌ فِيهَا زَيْتٌ لَمْ يَكُنْ مُقِرًا إِلاَّ بِالظَّرْفِ، وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ قَوْلُهُ فَرَسٌ في إِصْطَبْلٍ، وَحِمَارٌ عَلَى ظَهْرِهِ إِكَافٌ، وَعَمَامَةٌ في رَأَسِ عَبْدٍ وَنَظَائِرُهُ، وَلَو قَالَ: لَهُ عِنْدِي خَاتَمٌ وَجَاءَ بِهِ وَفيه فَصٌّ وقَالَ: مَا أَرَدتُّ الفَصَّ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ لاَ يُقْبَلُ، وَلَوْ قَالَ: جَارِيَةٌ فَجَاءَ بِهَا وَهِي حَامِلٌ ففَي استِثنَاءِ الحَمْلِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: الإضافة إلى الظرف صور تبينها فصول، هذا النوع، والأصل المقرر فيها أن الإقرار بالمظروف لا يقتضي الإقرار بالظرف، وبالعكس أيضًا، وأصل هذا الأصل البناء على اليقين، فإذا قال: لفلان عندي زيت في جَرَّة أو سيف في غِمْدٍ لا يكون مقرًا بالجَرَّةِ، والغِمْد وكذا لو قال: ثوب في مِنّدِيْلِ أو تمرةٌ في جراب أو لبن في كُوزٍ أو طعام في سفينة، لاحتمال أن يريد في جرّة أو منْديل لي: غصبت زيتًا، ثم = وقد أفرد النوع الفقهي منه، وكتاب سلوة العارفين وأنس المشتاقين في التصوف وهو كتاب جليل في بابه، فرغ منه في شهر ربيع الآخر سنة سبعين وأربعمائة.
وذكر ابن باطيش أنه توفي في حدود سنة سبعين وأربعمائة.
والسلمي بضم السين، كذا قال الإسنوي وهو وهم، فقد قال ابن السمعاني إنه بفتح السين المهملة وسكون اللام، قال: وهي نسبة للجد.
قال: وصنف في الفقه كتاب يقال له "الكناية" استحسنه كل من رآه.
ينظر ترجمته في الأعلام 7/ 127 وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 76 وكتاب الأنساب للسمعاني 7/ 180 واللباب لابن الأثير 1/ 553، الطبقات لابن قاضي شهبة 1/ 258.
رأيناه في جرة لا يكون مقرًا إلاَّ بغصب الزيت، ولو قال: عندي غمد فيه سيف، أو جرة فيها زيت، أو جراب فيه تمر وسفينة فيها طعام فهو إقرار بالظرف دون المظروف، وعلى هذا القياس، وإذا قال: فرس في إصْطَبْلٍ، أو حمار على ظهره إكاف أو دابة عليها سَرْجٌ أو زِمام، أو عبد على رأسه عِمَامَةٌ أو في وسطه مِنْطَقَةٌ أو في رجليه خُفٌ فلا يكون مقرًا إلاَّ بالدابة والعبد.
وعند أبي حنيفة الإقرار بالمظروف في الظَّرْفِ يكون إقرارًا بهما إذا كان مما يحرز في الظرف غالبًا كالزيت في الجرة والتمر في الجراب دون الفرس في الإصطبل 1.
وقال صاحب "التلخيص": إذا قال: عبد على رأسه عمامة أو عليه قميص أو في رجله خف، فهو إقرار مع العبدِ، لأن العبد له يد على مَلْبُوسِهِ، وما في يد العبد فهو في يد سيده، فإذا أقر بالعبد للغير كان ما في يده لذلك الغير، بخلاف المنسوب إلى الفرس.
وعامة الأصحاب على أنه لا فرق بينهما، وذكر الإمام رحمه الله أنه قال ذلك في "التلخيص".
وفي "المفتاح" أجاب بما يوافق قول الجمهور، وهو وهم، بل جوابه في "المفتاح" كجوابه في "التلخيص".
ولو قال: عندي دابة مُسْرَجَةٌ، أو دار مفروشة لم يكن مقرًا بالسرج، ولا الفرش، بخلاف ما لو قال: سرجها وفرشها، وبخلاف ما لو قال: ثوب مطرز؛ لأن الطِّرَاز جزء من الثوب ومنهم من قال: إن ركب عليه بعد النسج، فهو على وجهين، نذكرهما في أخوات المسألة، ولو قال: فَصٌّ في خاتم، فهو إقرار بالفَصّ دون الخاتم، ولو قال: خاتم فيه فص، ففي كونه مقرًا بالفص وجهان.
أصحهما: ما ذكره في "التهذيب": أنه ليس بمقر لجواز أن يريد فَصّ لي، فصار كالصورة السابقة.
والثاني: أنه يكون مقرًا بالفَصِّ، لأن الفص من الخاتم، حتى لو باعه دخل فيه، بخلاف تلك الصورة، ولو اقتصر على قوله: عندي خاتم، ثم قال بعد ذلك: ما أردت الفص، فقد ذكر صاحب الكتاب فيه وجهين.
أحدهما: أنه يقبل منه؛ لأن اسم الخاتم يطلق مع نزع الفص.
وأصحهما: الذي ينبغي أن يقطع به أنه لا يقبل؛ لأن الفص متناول باسم الخاتم، فهو رجوع عن بعض المقربة، ولو قال: حمل في بطن جارية لم يكن مقَّرًا بالجارية، وكذا لو قال: نَعلٌ في حَافِرِ دابة، وعُرْوَةٌ على قُمْقُمَةٍ.
ولو قال: جارية في بطنها حمل، أو دابة في حافرها نعل وقُمْقُمَةٌ عليها عروة، فوجهان كما في قوله: خاتم فيه فص، ويشبه أن يترتب الوجهان في مسألة الكتاب على الوجهين، في صورة العمل، وهي ما إذا قال: هذه الجارية لفلان، وكانت حاملاً هل يتناول الإقرار الحمل؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما في البيع، وبه أجاب القَفَّالُ.
وأظهرهما: لا، وله أن يقول: لم أرد العمل، بخلاف البيع؛ لأن الإقرار إخبار عن سابق، وربما كانت الجارية له دون العمل بأن كل العمل موصى به، وسلم القَفَّالُ أنه لو قال: هذه الجارية لفلان إلاَّ حملها يجوز، بخلاف البيع.
فإن قلنا الإقرار بالجارية يتناول الحمل، ففيه الوجهان المذكوران في الصورة السابقة، وإلاَّ فيقطع بأنه لا يكون مقرًا بالحمل، كما إذا قال: جارية في بطنها حمل، ولو قال: ثمرة على شجرة لم يكن مقرًا بالشجرة، ولو قال: شجرة عليها ثمرة، فليرتب ذلك على أن الثمرة هل تدخل في مطلق الإقرار بالشجرة؟ وهي لا تدخل بعد التَّأْبِيْرِ، كما في البيع.
وفي "فتاوى القَفَّالُ" أنها تدخل، وهو بعيد وقبل التأبير وجهان:
أظهرهما: وهو الذي أطلقه في "التهذيب" أنها لا تدخل أيضا لأن الاسم لا يتناولها في البيع والبيع ينزل على المعتاد، وذكر القَفَّالُ وغيره لضبط الباب أن ما يدخل تحت البيع المطلق يدخل تحت الأقارير ومالا فلا.
قال القَفَّالُ: إلاَّ الثمار المؤبرة وما ذكرنا من المسائل يقتضي أن يقال في الضبط ما لا يتبع في البيع، ولا يتناوله الاسم [فهو غير داخل وما يتبع ويتناول فهو داخل وما يتبع ولا يتناوله الاسم 1] ففيه وجهان.
وقوله في الكتاب؛ "لا يكون مقَّرًا بالظرف" معلم -بالحاء- لأن عند أبي حنيفة رحمه الله الإقرار -بالمظروف في الظرف إقرار بهما، إذا كان ذلك مما يحرز في الظرف غالبًا، كالتَّمْر في الجراب، والزيت في الجرة، بخلاف الفرس في الإصْطَبْلِ.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: أَلْفٌ في هَذَا الكِيسِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ لَزِمَهُ الأَلْفُ، فَإِنْ كَانَ الأَلْفُ نَاقِصًا يَلْزَمُهُ الإِتْمَامُ عِنْدَ القَفَّالُ، وَلا يَلْزَمُهُ عِنْدَ أَبِي زَيْدٍ لِلْحَصْرِ، وَلَوْ قَالَ: الأَلْفُ الَّذِي في الكِيسِ لاَ يَلْزَمُهُ الإِتْمَامُ، فَإِنْ لَمْ يَكُن فِيهِ شَيءٌ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الأَلْفُ؟ فَوجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا قال عليَّ ألف في هذا الكيس لزمه، سواء كان فيه شيء، أو لم يكن فيه شئ أصلاً؛ لأن قوله "عليَّ" يقتضي اللزوم، ولا يكون مقرًا بالكيس على ما عرفت، وإن كان فيه دون الألف ففيه وجهان.
قال الشيخ أبو زيد: لا يلزمه إلاَّ ذلك القدر لحصر المقر به.
وقال القَفَّالُ: يلزمه الإتمام، كما أنه لو لم يكن فيه شيء يلزمه الألف، وهذا أقوى، ولو قال: عليَّ الألف الذي في هذا الكيس، فإن كان فيه دون الألف لم يلزمه إلاَّ ذلك القدر لجمعه بين التعريف والإضافة إلى الكيس.
وعن رواية الشيخ أبي عليَّ وجه آخر ضعفوه: أنه يلزمه الإتمام، ويمكن أن يخرج هذا على الخلاف في أن الإشارة تقدم أم اللفظ، وإن لم يكن في الكيس شيء، ففيه وجهان، ويقال: قولان بناء على ما إذا حلف ليشربن ماء من هذا الكوز، ولا ماء فيه، هل تنعقد يمينه، ويحنث أم لا؟.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: لَهُ في هَذَا العَبْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ إَنْ فُسِّرَ بأَرْشِ الجِنَايَةِ قُبِلَ، وَإِنْ فُسِّرَ بِكَوْنِ العَبْدِ مَرْهُونًا، فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يُقْبَلُ، وَلَوْ قَالَ: وَزْنٌ في شِرَاءِ عُشْره أَلْفًا، اشْتَرَيْتُ جَمِيعَ البَاقِي بِأَلْفٍ قُبِلَ، وَلا يَلْزَمُهُ إِلاَّ عُشْرُ العَبْدِ.
قال الرافعي: إذا قال: لفلان في هذا العبد ألف درهم، فهذا لفظ مجمل، فيسأل عنه إن قال: أردت أنه جنى عليه، أو على ماله جناية أرشها ألف قُبِلَ، وتعلق الألف برقبته، وإن قال أنه رهن عنده بألف عليَّ، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يقبل؛ لأن اللفظ يقتضي كون العبد محلاًّ للألف، ومحل الدَّين الذمة لا المرهون، وإنما المرهون وثيقة له، وعلى هذا فإذا نازعه المقر له، وأخذناه بالألف الذي ذكره في التفسير، وطالبناه للإقرار الجملي بتفسير صالح.
وأظهرهما: القبول؛ لأن الدَّين، وإن كان في الذمة، فله تعلق ظاهر بالمرهون، فصار كالتفسير بأرش الجناية ولو قال: إنه [وزن في شراء عشرة مثلاً ألفًا، وأنا اشتريت الباقي بألف، أو بما دون الألف قُبِلَ؛ لأنه محتمل، ولا يلزمه بهذا الإقرار إلاَّ عشر العبد، وإن قال: أردت أنه 1] وزن في ثمنه ألفًا، قيل له هل وزنت شيئًا؟ فإن قال: لا، فالعبد كله للمقر له وإن قال: نعم سئل عن كيفية الشراء أكان دفعة واحدة أم لا؟ فإن قال: كان دفعة واحدة، سئل عن قدر ما وزن، فإن قال: وزنت ألفًا أيضًا فالعبد بينهما بالسوية، وإن قال: وزنت ألفين، فثلثا العبد له، والثلث للمقر له، وعلى هذا
القياس، ولا نظر إلى قيمته خلافًا لمالك رحمه الله، حيث قال: لو كان العبد يساوي ألفين، وقد زعم أنه وزن ألفين، والمقر له ألفًا يكون العبد بينهما بالسوية، ولا يقبل قوله: إني وزنت ألفين في ثلثه، وقد يعبر عن مذهبه بأن المقر له من العبد ما يساوي ألفًا وإن قال: اشتريناه دفعتين، ووزن في شراء عشرة مثلاً ألفًا وأنا اشتريت تسعة أعشاره بألف قُبل؛ لأنه يحتمل، ولو قال: أردت به أنه أوصي له بألف من ثمنه قُبِلَ البيع ودفع إليه ألف من ثمنه، وليس له دفع الألف من ماله، وإن فسرنا به دفع إليه الألف ليشتري له العبد، ففعل فإن صدقه المقر له، فالعبد له، وإن كذبه فقد رد إقراره بالعبد، وعليه رد الألف الذي أخذه، وإن قال: أردت أنه أقرضه ألفًا فصرفته إلى ثمنه قُبِلَ، ولزمه الألف، وتوجيه الخلاف المذكور فيما إذا فسره بالرهن يقتضى عوده هاهنا، ولو قال: له عليَّ من هذا العبد ألف درهم، فهو كما لو قال: في هذا العبد، ولو قال: من ثمن هذا العبد (ألف درهم) فكذلك ذكره في "التهذيب"، ولو قال: عليَّ درهم في دينار، فهو كما قال: ألف في هذا العبد فإن أراد النفي معه لزماه.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: لَهُ في هَذَا المَالِ أَلْفٌ أَوْ فِي مِيرَاثِ أَبِي أَلْفٌ لَزِمَهُ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ في مَالِي أَلْفٌ أَوْ في مِيرَاثِي مِنْ أَبِي أَلْفٌ لَمْ يَلزَمْهُ لِلتَّنَاقُضِ.
قال الرافعي: قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- في "المختصر": لو قال: له في ميراث أبي ألف درهم كان إقرارًا منه على أبيه بدين، ولو قال له في ميراثي من أبي ألف درهم كانت هبة إلاَّ أن يريد إقرارًا، وما الفرق قيل: الفرق إنه في الصورة الثانية أضاف الميراث إلى نفسه، وما يكون له لا يصير لغيره بالإقرار فكان كما لو قال: داري أو مالي لفلان، وفي الأولى لم يضف الميراث إلى نفسه، فكان مقرًا بتعلق الألف بالتركة، وهذا ما أشار إليه صاحب الكتاب بقوله: للتناقض، ولك أن تمنع التناقض بين إضافة الميراث إلى نفسه، وبين تعلق دين الغير به، فإن تركة كل مديون مملوكة لورثته على الصحيح، والدَّين يتعلق بها.
وقال الأكثرون: الفرق أنه إذا قال: في ميراث أبي، فقد أثبت حق المقر له في التركة، وذلك لا يحتمل إلاَّ شيئًا واجبًا، فإن التبرعات التي لا تلزم ترتفع بالموت، ولا تتعلق بالتركة.
وإذا قال: في ميراثي من أبي، فقد أضاف التركة إلى نفسه، ثم جعل للمقر شيئًا، منهما وأضافة إليه، وذلك قد يكون بطريق لازم، وقد يكون بطريق التبرع.
وإذا فسر بالتبرع قُبِلَ، واعتبر فيه شرطه.
وعن صاحب "التقريب" الإشارة إلى التسويه بين الصورتين، كأنه نقل وخرج، فإن كان كذلك جاز إعلام قوله في الكتاب: "أو في ميراث أبي ألف -بالواو- والمذهب
المشهور الفرق بمثله، لو قال: له في هذه الدار نصفها، فهو إقرار، وإن قال: له في داري نصفها، فهو وعد هبة.
حكاه الشيخ أَبُو عَلِيّ عن النص أيضًا، واشتهر عن نصه أنه لو قال: له في مالي ألف درهم كان إقرارًا، ولو قال: من مالي كان وعد هبة، لا إقرارًا، وهذا الموضع البحث فيه من وجهين:
أحدهما: أن هذا النص في قوله: في مالي يخالف ما نقلناه في قوله: في ميراثي، وفي داري، فما حال هذه النصوص؟.
والثاني: أنه لما فرق بين "في" و"من"؟ وهل المذهب الظاهر ما نص عليه أم الأول؟ فللأصحاب طريقان، فيما إذا قال: في مالي ألف درهم.
منهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: أنه وعد هبة، لإِضافة المال إلى نفسه.
والثاني: أنه إقرار؛ لأن قوله له يقتضي الملك وبوعد الهبة لا يحصل الملك.
ومنهم من قطع بأنه وعد هبة، وحمل ما روي عن النص الأخير على خطأ النساخ، وربما تأوله على ما إذا أتى بصيغة التزام، فقال: عليَّ في مالي ألف درهم، فإنه يكون إقرارًا على ما سيأتي، وإذا أثبتنا الخلاف فعن الشيخ أَبِي علي أنه يطرد فيما إذا قال: في داري نصفها، وامتنع من طرده فيما إذا قال: في ميراثي من أبي.
وعن صاحب "التقريب" وغيره أنه يلزمه تخريجه فيه بطريق الأولى؛ لأن قوله: في ميراثي من أبي أولى بأن يجعل إقرارًا من قوله: في مالي، أو في داري، لأن التركة مملوكة للورثة، مع تعلق الدَّين بها، فيحسن إضافة الميراث إلى نفسه مع الإقرار بالدَّين، بخلاف المال والدار.
وأما الثاني، فمنهم من قال: لا فرق، ولم يثبت هذا النص أو أوله، ومنهم مَنْ فرق بأن في تقتضي كون مال المقر ظرفًا لمال المقر له، وقوله: "من مالي" يقتضي الفَصْل والتبعيض، وهو ظاهر في الوعد بأنه يقطع شيئًا من ماله فإذا فرقنا بينهما لزمه مثله في الميراث، والدار لا محالة، والظاهر أنه لا فرق بينهما وأن الحكم في قوله: "في مالي" كما ذكرنا - أولاً في ميراثي.
وليستبعد الإمام -رحمه الله- أن تخريج الخلاف فيما إذا قال: له في داري نصفها؛ لأنه إذا أضاف الكل إلى نفسه لم ينتظم الإقرار ببعضه، كما لا ينتظم منه الإقرار بكله بأن يقول: داري لفلان، وتخصص طريقة الخلاف بما إذا لم يكن المقر به جزءًا من مسمى ما أضافه إلى نفسه، كقوله: في مالي ألف درهم، أو في داري ألف، ولا
يخفى عليك مما ذكرنا حاجة قوله في الكتاب "لم يلزمه للتناقض" إلى الاعلام -بالواو- وحيث قلنا في هذه الصورة: إنه وعد هبة، لا إقرار، فذلك لم يذكر كلمة "التزام".
فأما إذا ذكر بأن يقول: عليّ ألف درهم في هذا المال، أو في مالي أو في ميراث أبي، أو في ميراثي [أو داري أو عبدي أو في هذا العبد فهو إقرار بكل حال، ولو قال: له في ميراثي 1] عن أبي أو في مالي كذا بحق لزمني، أو بحق ثابت؛ وما أشبهه، فهو كما لو قال: عليَّ فيكون إقرارًا بكل حال، ذكره ابن القاصَّ والشيخ أبو حامد وغيرهما.
واعلم أن قضية قولنا: إن قوله عليَّ في هذا المال، أو في هذا العبد ألف درهم إقرارًا له بالألف، وإن لم يبلغ ذلك المال ألفًا.
وربما يخطر ذلك الخلاف المذكور، فيما إذا قال: لفلان على ألف في هذا الكيس، وكان فيه دون الألف، إلا أن ظرفية العبد للدراهم ليست كظرفية الكيس لها، فيمكن أن يختلفا في الحكم، لكن لو قال: في هذا العبد ألف درهم من غير كلمة "عليَّ"، وفسره بأنه أوصى له بألف من ثمنه، فلم يبلغ ثمنه ألفًا، فلا ينبغي أن يجب عليه تتمة الألف بحال والله أعلم بالصواب.
قال الغزالي: (السَّادِسُ) إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ لَمْ يَلْزَمُهُ إلاَّ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ لاِحْتِمَالِ التَّكْرَارِ وَلَو قَالَ: دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ أَوَ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ لامْتِنَاعِ التَّكْرَارِ، وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ مَعَ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ تَحْتَ دِرْهَمٌ أَوْ فَوْقَ دِرْهَمٍ لا يَلْزَمُهُ إِلاَّ وَاحِدٌ تَقْدِيرُهُ مَعَ دِرْهِمٌ لِي بِخِلافِ نَظِيرِهِ مِنَ الطَّلاقِ، لَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ قَبْلَ دِرْهَمٍ أَوْ بَعْدَ دِرْهَمٍ لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ إِذِ التَّقَدُّم وَالتأخرُ لا يُحْتَمَلُ إِلاَّ في الوُجُوبِ، وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ وقَالَ: أَرَدَتُّ بِالثَّالِثِ تَكْرَارَ الثَّاني قُبِلَ، وَلَوْ قَالَ: أَردتُّ بالثَّالِثِ تَكْرَارَ الأَوَّلَ لَمْ يُقْبَلْ لِتَخَلُّل الفَاصِلِ، وَكَذَا في قَوْلِهِ: طَالِقٌ وطَالِقٌ وطَالِقٌ، فإِذَا أطلق ففي الطَّلَاقَ قَوْلاَنِ: (أَحَدَهُمَا): يَلْزمَهُ ثَلاثَةٌ لِصُورَةِ اللَّفْظِ.
(وَالثَّانِي): ثِنْنَانِ لِجَرْيِ العَادَةِ في التِّكْرَارِ، والأَظْهَرُ في الإِقْرَار أَنَّهُ يَلْزَمُهُ عِنْدَ الإِطْلاقِ ثَلاثَةٌ لأنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ قَبُولِ التأَكِيدِ اعْتِيادًا، وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ قَالَ: أنتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ يَقَعُ طَلْقَتَانِ، وتَقْدِيرُ الإِقْرَارِ فَدِرْهَمٌ لَازِمٌ، وَقِيلَ بِتَخْرِيجٍ فِيهِ مِنَ الطَّلاَقِ، وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمَانِ فَدِرْهَمَانِ، وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ بَلْ دِينَارَانِ فَدِرْهَمٌ ودِينَارَانِ، إِذْ إِعَادَةُ الدرهمِ في الدِّينَارِ غَيْرُ مُمْكِن.
قال الرافعي: في الفصل صور نذكرها مع ما يناسبها، وإن احتجنا إلى تقديم وتأخير، فعلناه.
الأولى: لو قال: له عليَّ درهم درهم درهم لم يلزمه إلاَّ درهم واحد، لاحتمال إرادة التأكيد بالتكرار، وكذا لو كرر عشرًا فصاعدًا، ولو قال: درهم ودرهم أو درهم ثم درهم لزمه درهمان لاقتضاء العطف المغايرة.
ولو قال: درهم ودرهم ودرهم لزمه بالأول والثاني درهمان.
وأما الثالث، فإن أراد به درهمًا آخر لزمه.
وإن قال: أردت به التكرار الثاني قُبِلَ، ولا يلزمه إلاَّ درهمان، وإن قال: أردت به تكرار الأول، فوجهان ذكرهما في "النهاية":
وأظهرهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يقبل، ويلزمه ثلاثة لأن التكرار إنما يؤكد به إذا لم يتخلل بينهما فاصل، وهذا الحكم فيما إذا قال أنت طالق وطالق وطالق، ففي الطلاق قولان، ينظر في أحدهما إلى صورة اللفظ، وفي الثاني إلى احتمال التكرار، وجريان العادة وسيعود ذكرهما في "الطلاق" وفي الإقرار طريقان.
قال ابْنُ خَيْرَانَ: إنه على قولين في الطلاق.
وقطع الأكثرون بأنه يلزمه ثلاثة، وفرقوا بأن دخول التأكيد في الطلاق أكثر منه في الإقرار؛ لأنه لا يقصد به التخويف، والتهديد، ولأنه يؤكد بالمصدر، فيقال: هي طالق طلاقًا، والإقرار بخلافه، وعلى هذا لو كرر عشر مرات، أو أكثر لزمه من الدراهم بعدد ما كرر، ولو قال عليَّ درهم، ثم درهم ثم درهم، فهو كما لو قال: درهم ودرهم ودرهم ولو قال: درهم ودرهم ثم درهم، لزمه ثلاثة لا محالة.
الثانية: إذا قال: على درهم مع درهم، أو معه درهم، أو فوق درهم، أو فوقه درهم أو تحت درهم، أو تحته درهم.
فرواية المُزَنيَّ في "المختصر" أنه لا يلزمه إلاَّ درهم واحد لجواز أن يريد مع درهم لي، أو فوق درهم لي، وأيضًا فقد يريد فوقه الجودة، وتحته الرداءة بهذه الرواية أخذ أكثر الأصحاب، وهي التي أوردها في الكتاب.
ووراء هذا.
مذهبان للأصحاب:
أحدهما: أنه يلزمه درهمان، واختلف القائلون به فمن ناسب له إلى النص في رواية الربيع ومن قائل: إنه مخرج، واختلف هؤلاء، فقيل: هو مخرج من الطلاق، فإنه لو قال: أنت طالق طلقة مع طلقة أو فوق طلقة تقع طلقتان.
وقيل: هو مخرج مما لو قال: على درهم قبل درهم، فإنه يلزمه درهمان كما سيأتي.
ومن قال بالأول، فإنه اعتذر عن قوله: قبل درهم، وأما الطلاق فالفرق أن لفظه الصريح موقع فإذا أنشاه عمله، والإقرار إخبار عن سابق، فإذا كان فيه إجمال روجع حتى يبين أنه عما أخبر.
والمذهب الثاني: قال الدَّارِكِيُّ: إِن قال: درهم معه درهم، أو فوقه درهم لزمه درهمان لرجوع الكتابة إلى الأول الذي التزمه، ولو قال: درهم عليَّ، عليه درهم، أو عليَّ درهم، فهو كما لو قال: فوقه درهم، أو فوق درهم، ولو قال: عليَّ درهم قبل درهم أو قبله درهم أو بعده درهم أو بعده درهم، فرواية الْمُزَنِيِّ، وبها أجاب الأكثريون أنه يلزمه درهمان، بخلاف الصورة السابقة.
والفرق أن الفوقية والتحتية، يرجعان إلى المكان ويتصف بهما نفس الدرهم [والقبلية والبعدية يرجعان إلى الزمان ولا يتصف بهما نفس الدرهم] 1، فلا بد من أمر يرجع إليه التقديم والتأخير، وليس ذلك إلاَّ الوجوب عليه.
وفيه قول آخر: أنه لا يلزمه إلاَّ درهم، منهم من حكاه نصًا عن رواية الربيع.
ومنهم من خرّجه من الصورة السابقة، وسَوَّى بينهما جميعًا، فجعلهما على قولين، ولمن قاله أن يقول: القبلية والبعدية، كما يكونان بالزمان يكونان بالرتبة، وغيرهما، ثم هب أنهما زمانيان، وأن نفس الدرهم لا يتصف بهما، لكن يجوز رجوعهما إلى غير الواجب بأن يريد درهمًا مضروبًا قبل درهم، وما أشبهه، ثم هب أنهما راجعان إلى الواجب، لكن يجوز أن يريد لزيد درهم وجب له قبله وجوب درهم لعمرو.
وفي المسألة وجه آخر أيضًا عن ابْنِ خَيْرَانَ وغيره: أنه إن قال: قبله درهم أو بعده درهم لزمه درهمان، وإن قال: قبل درهم أو بعد درهم لم يلزمه إلاَّ درهم واحد؛ لاحتمال أن يريد قبل لزوم درهم، أو بعد درهم كان لازمًا.
وقوله في الكتاب: "لا يلزم إلاَّ واحد" يجوز إعلامه مع الواو بالحاء والألف.
أما الحاء، فلأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- يلزم درهمان، فيما إذا قال فوق درهم وأما الألف فلان عند أحمد يلزمه في جميع الصور درهمان.
الثالثة: له عليَّ، أو عندي درهم فدرهم، إن أراد العطف لزمه درهمان، وإلاَّ فالنص أنه لا يلزمه إلاَّ درهم، ونص فيما إذا قال: أنت طالق فطالق، أنه يقع طلقتان، فنقل ابْنُ خَيْرَانَ الجواب من كل واحدة إلى الأخرى وجعلهما على قولين:
أحدهما: يلزمه ودرهمان يقع طلقتان، لأن "الفاء" حرف عطف "كالواو" و"ثم".
والثاني: لا يلزمه إلاَّ درهم واحد، ولا يقع إلاَّ طلقة؛ لأن "الفاء" قد تستعمل لغير العطف، فيؤخذ باليقين (2).