العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 3-42

وَفِيهِ أرْبَعَة أبْوَابٍ

البَابُ الْأوَّلُ في أَرْكَانِهَا

وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الرُّكْنُ الأَوَّلُ المُوصِي وَيَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ كُلِّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ؛ لأَنَّهُ تُبَرُّعٌ، وَلاَ يَصِحُّ مِنَ المَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ وَيَصِحُّ مِنَ السَّفِيهِ المُبَذِّرِ لِصِحَّةِ عِبَارَتِهِ في الأَقَارِيرِ، وَفِي الصَّبِيِّ المُمَيِّز قَوْلاَنِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ مَشَابه القُرُبَات وَالتَّمْلِيكَاتِ، وَالرَّفِيقُ إِن أَوْصَى ثُمَّ عُتِقَ وَمَلَكَ لَمْ يَنفَذ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ وَالكَافِرُ يَنْفَذُ وَصِيَّتُهُ، إلاَّ أنْ يُوصِيَ بِخَمْرٍ أَوْ خَنْزِيرٍ أَوْ عِمَارَةِ كَنِيسَةٍ، وَلَوْ أَوْصَى بِعِمَارَةِ قُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ جَازَ لِأَنَّ عِمَارَتَهَا إحْيَاءٌ لِلْزِّيَارَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُقَالُ أَوْصَيْتُ لفلانٍ بِكذا، ووصَّيْت، وَأَوْصَيت إليه؛ إذا جعلَهُ وصياً 1

واللَّفْظَةُ فيما ذكرَ الأزْهَرِيُّ 1 مشتقةٌ من قولِهِم وصيت الشيء أصيه ايصاء إذا وصلته به وأوصى وَاصِيَةً، أيْ: مُتصلة البنات، فَسُمِّيَ هذا التصرُّفُ وصيَّةً لِمَا فِيهِ من وصلِ القُرْبةِ الواقعةِ بَعْدَ الموتِ بالقُرُبَات المُنَجَّزَةِ في الحياةِ، ودَلاَلاَتُ الإِجْمَاعِ والكتابِ والسُّنَّةِ مُتَعَاضِدة عَلَى جَوَازِ الوَصِيَةِ؛ قال الله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء- 12] وعن أبي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَدِمَ المَدِينةَ، فَسَأَلَ عَنِ البَرَاءِ بْنِ مَعْرَورٍ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ هَلَكَ، وأَوْصَى لَكَ بِثُلُثِ مَالِهِ فَقَبَلَهُ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى وَرَثَتِهِ 2. وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أبي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مَرِضْتُ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمَكَّةَ فجاءني رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَعُوْدُنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَلَغَ بِيَ مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي، أَفَأَتَصَدَّقُ؟ وَيُرْوَى: "أَفَاُوصِي بثُلْثَيْ مَالِي؟ فَقَالَ: لاَ، فَقُلْتُ: فَبِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لاَ، قُلْتُ: فَبِالثُّلُثِ؟ قَالَ: الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثِيرٌ" وُيرْوَىَ: "كَبيرُ؛ إنَّكَ أنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" 3. وعن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قَال: "إِنَّ اللهَ أَعْطَاكُمْ ثُلُثَ أمْوَالِكُمْ في آخِرِ أَعْمَارِكُمْ؛ زِيادَةً في أَعْمَالِكُمْ" 4 قَالَ العُلَمَاءُ: وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ وَاجِبَةً في ابْتِدَاءِ الإِسْلاَمِ؛ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيهِ قَوْلهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ...﴾ [البقرة- 180] الآيَةَ، ثُمَّ نُسِخَ الوُجُوبُ، وَبَقِيَ الاِسْتِحْبَابُ.
وَاحتَجُّوا عَلَى نَفْيِ اَلوُجُوبِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ

دَيْنٍ} [النساء- 12] فنكر 1 الْوَصِيَّةِ؛ كما نَكَّرَ الدَّيْنَ، وَلَوْ وَجَبَتِ الوَصِيَّةُ، لَأَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ: "مِنْ بَعْدِ الوَصِيَّةِ" وَبِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوصَ، يُقَسَّمُ جَمِيعُ مالِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ بِالإِجْمَاع، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً، لخَرَجَ [شَيْءٌ مِنَ] المَالِ عَنْ قِسْمَةِ اَلوَرَثَةِ، كَالدَّيْنِ، وَبِأنَّهَا عَطِيَّةٌ، فَلاَ تَجِبُ، كَالهِبَةِ فِي الحَيَاةِ، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَا حَقِّ امْرِئٍ مُسْلم لَهُ مَالٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ 2 عِنْدَهُ" فَوَّضَ الوَصِيَّةَ إِلَيْهِ، وَعَلَّقَهَا بِإِرَادَتِهِ.
والَّذِي رُوِيَ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقِ أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوْصِي فِيهِ، يَبِيْتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَة عِنْدَهُ".
فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: يُحْتَملُ أَنْ يَكُونَ المُرَاد ما الحزم وَالاحْتِيَاطُ إِلاَّ هَذَا، وَذَلِكَ؛ لأنَّهُ قَدْ يُفَاجِئُهُ المَوْتُ، وَمَا يَنْبَغِي أنْ يَغْفَلَ المُؤْمِنُ عَنِ اَلمَوْتِ، والاسْتِعْدَادِ لَهُ، والإِنَابَةِ إِلى الدَّارِ الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اَلمُرَادُ: ما الْمَعْرُوفُ في مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ إِلاَّ هَذَا، وَهُوَ مثل مَا رُوِيَ أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "حَقُّ [على] 3 كُلِ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ في الأُسْبُوعِ مَرَّةً" 4 فَظَهَرَ بِالْوُجُوهِ المذكورة أَنَّ الوَصِيَّةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةِ.
نَعَمْ، مَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَة، أو في ذِمَّتِهِ حَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى؛ مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ دَيْنٍ لآِدْمِيٍّ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ فيه، إذاً لَمْ يُعْلِمْ بِهِ غَيْرَه 5. وأَمَّا الاسْتِحْبَابُ، فَالأَفْضَلُ تَعْجِيلُ الصَّدقَةِ في الحَيَاةِ [لِمَا رُوِيَ] عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "أَفْضَلُ الصَّدقَةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْغِنَى، وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَلاَ تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلاَنٍ كذا" 6. وإِنْ أَرَادَ الوَصِيَّةَ، فَالأَفضَلُ أنْ يُقَدِّمَ مَنْ لاَ يَرِثُ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَيُقَدِّمَ مِنْهُمُ [الأَقَارِبُ] المَحَارِمَ، ثُمَّ غَيْرَ الْمُحَارِمِ، ثُمَّ يُقَدِّمُ بِالرِّضَاعِ، ثُمَّ بِاَلمُصَاهَرَةِ، ثُمَّ بِالوَلاَءِ،

ثمَّ بِالجِوَارِ، كَمَا في الصَّدَقَاتِ المُنَجَّزَةِ.
وفِي "أمالي" أَبِي الفَرَجَ السَّرْخَسِيِّ -رَحمه الله-؛ أَنَّ مَنْ قَلَّ مَالُهُ، وكَثُرَ عِيَالُهُ، فَالْمُسْتَحَبُّ له أَلاَّ يُفَوِّتَهُ عَلَيْهِمْ بالوصية والمَشْهُورُ الأَوَّلُ 1. إذاً تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَالْوَصِيَّة قَدْ يَكُونُ لِلإِنْسَانِ، وَقَدْ تَكُونُ إليه، والوَصِيَّةُ لَهُ قَدْ تَصِحُّ، وَقَدْ تَفْسُدُ، وَإِذَا صَحَّتْ، فَقَدْ يَسْتَمِرُّ المُوصِي عَلَيْهَا، وَقَدْ يَرْجِعُ، وَإِذَا اسْتَمَرَّ، أُمْضِيَتْ، وحِكْمَ بِمُوجِبَهَا، وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ مَحْصُورَةٌ في الكِتَابِ في أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ: أَحَدُهَا: في أَرْكَانِ الوَصِيَّةِ، ويُبَيَّنْ فيه صحيحُهَا مِنْ فَاسِدِهَا.
وَالثَّانِي: في أَحْكَامِهَا، إِذَا صَحَّتْ، واسْتَمَرَّ الفوصِي عَلَيْهَا.
والثَّالِثُ: في الرُّجُوعِ عَنْهَا.
والرَّابعُ: في الوَصَايَا بِأرْكَانِهَا، وَأَحْكَامِهَا.
أَمَّا البَابُ الأَوَّلُ؛ فَلِلْوَصِيَّةِ عَلَى الرَّسْم الْمَعْهُودِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: المُوصِي، والوَصِيُّ، والمُوصَى لَهُ، والمُوصَى بِهِ.
والصِّيغَةُ.
اَمَّا المُوصِي، فقال صَاحِبُ الكِتَابِ: "وَتَصِحُّ الوَصِيَّةُ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ وفِي هَذَا الضَّبْطِ قَيْدَانِ: أَحَدُهُمَا: التَّكْلِيفُ، فَلاَ يَصِحُّ وَصِيَّةُ المَجْنُونِ، وَالمُبَرْسِمِ والمَغتُوهِ الَّذِي لاَ يَعْقِلُ، والصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ، وَفِي وَصِيَّةِ الصبِيِّ المُمَيِّز وَتَدْبِيرِهِ قَوْلاَنِ: أَرْجَحُهُمَا: عِنْدَ الأُسْتَاذِ أبي مَنْصُورٍ -رحمه الله-: أَنَّهُمَا صحيحتان؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ غُلاَمَاً مَنْ غَسَّانٍ حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ، فَأَوْصَى لِبِنْتِ عَمٍّ لَهُ، وَلَهُ وَارِثٌ، فَرُفِعَتِ، القِصَّةُ إِلَى عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَأَجَازَ وَصِيَّتَهُ 2.

وعَنْ عُثمانَ -رضي اللَّهُ عنه- أنه أَجازَ وصيةَ غلامِ ابْنِ إِحْدَى عَشْرَةَ سنةً 1؛ ولأن الوَصِيَّةَ لا تُزِيلُ مُلْكَه في الحَالِ، وتُفيدُ الثَّوَابَ بَعْدَ الْمَوتِ، فَتَصِحُّ كَسَائرِ القُرُبَاتِ، وبِهَذا القولِ قَالَ مالِكٌ وأَحْمَدٌ -رحمهما الله تعالى-.
والثَّانِي، وَهُوَ الأَظْهَرُ عند الأكْثَرِينَ، وبه قال أبو حنيفةَ: أَنَّهُمَا بَاطِلاَنِ كَهِبَتِهِ وإِعتاقِهِ، وَذَلِكَ؛ لأنَّه لا عِبَارَةَ له؛ ولهذا لا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وإنْ كانَ فِيهِ غِبْطَةٌ، وفي السَّفِيه المُبَذِّرِ طَرِيقَانِ: أَحدُهُمَا: تَخْرِيجُ 2 وصيَّتِهِ، إذا كَانَ مَحْجُوراً عليه القَولَيْنِ في وصيَّةِ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ، وهَذَا ما أوْرَدَهُ صَاحِبُ "التَّتِمَّةِ" -رحمه الله-.
وأصَحُّهُمَا: القَطْعُ بِالصِّحَّةِ، مَحْجُوراً كانَ أَوْ لَمْ يَكُن؛ لأنَّ عِبَارَتَهُ صَحِيحةٌ؛ أَلاَ تَرَى أَنَّ طَلاَقَهُ يَقَعُ وإقْرَارَهُ بالْعُقُوبَاتِ يُقْبَلُ.
والثَّانِي: الحُرِّيَّةُ، فَلَوْ أَوْصَى الرَّقِيقُ، ومَاتَ على الرِّقٍّ، لَغَتْ وَصِيَّتُهُ، وإنْ عَتَقَ، ثُمَّ ماتَ، فَوَجْهَانِ: أَظهَرُهُمَا، وَيُحْكَى عَنْ أَبِي حَنيفةَ -رحمه اللَّهِ-: أنَّهَا لاَغِيَةٌ أيضاً؛ لأنه لمْ يَكُنْ أهلاً، حينَئدٍ.
والثَّانِي: الصَّحَّةُ؛ لأنَّهُ صحيحُ العِبَارَةِ، وقد أمكَنَ تنفيذُ وصيَّتَهِ، والمُكَاتَبُ كالقِنِّ 3، ويدخلُ في الضَّبْطِ المذكورِ الكَافِرُ؛ فَتَصِحُّ؛ وَصِيَّتُهُ، كما يصِحُّ إِعتاقُه وتمليكاتُةُ، نعم، يُشتَرطُ أنْ يُوصِيَ بِما يُتَمَوَّلُ أو يُقْتَنَى، فلا تَصِحُّ وصيَّتُه بالخمر والخِنْزِيرِ، وسواءٌ أوْصَى لِمُسلمٍ، أو ذِمِّيٍّ؛ وأَلاَّ يُوصِيَ لجهةِ مَعْصِيَةٍ، كما إذا أَوْصَى بعمارةِ 4 كنيسةِ، أو بِنَائِها، أَوْ لِكَتَبَةِ التَّوْرَاةِ والإنْجِيلِ، أو لقرائتهما وما أشبههما.
= وقال البيهقي: علق الشَّافعي القول بجواز وصية الصبي وتدبيره بثبوت الخبر عن عمر؛ لأنه منقطع وعمرو بن سليم لم يدرك عمر.
قلت: ذكر ابن حبان في ثقاته أنه كان يوم قتل عمر جاوز الحلم، وكأنه أخذه من قول الواقدي أنه كان حين قتل عمر راهق الاحتلام.

وعَدُّوا من هذا الْقَبيلِ الوَصِيَّةَ لِدَهْنِ سراج البَيْعَ وَلَكِنَ قَيَّد الشَّيخُ أبو حامدٍ الْمَنَعَ بِما إذا قصد تَعَظْم البقعةِ؛ فأمَّا إذا قَصَد انتفاعَ المقيميِنَ، أو المُجْتَازِينَ، بضوئها، جازَتِ الوصِيَّةُ 1، كَمَا إذا أوْصَى بِصَرْفِ شيْءٍ إلَى أهل الذِّمَّةِ، ثُمَّ هَذَا الشرطُ لا يخْتَصُّ بوصيَّةِ الْكَافِر، بلْ هو مُعْتَبَرُ في وصيَّةِ المُسْلِمِ أيضاً، حتى لو أَوْصَى ببناءِ بُقْعَةٍ لأهْلِ المَعَاصِي، لَمْ تَصِحَّ؛ لأنَّ المقصودَ من شَرْعِ الوصيَّةَ تَدَارُك ما فاتَ في حَالِ الحياةِ مِنَ الحسناتِ؛ فَلاَ يجوز أن يَكُون في وُجُوهِ المعصية، ويجوزُ للمُسْلِمِ والذِّمِّيِّ الوصيةُ لِعَمَارَةِ المسْجِدِ الأقْصَى، ولعمارَةِ قُبُورِ الأنْبِيَاءِ عليهم السلام، والعلَمَاءِ الصَّالِحِينَ رحمهم الله مَا فيها من إحياءِ الزِّيارة والتَّبَرُّكِ بها وكَذَا الوصيَّةُ لِفَكِّ أُسَارَى الكُفَّارِ من أيدي المُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ المُفَادَاةَ جَائِزَةٌ، كذا الوصيًّة بِبِنَاءِ رِبَاطٍ يَنْزِلُه أهْل الذِّمَّةِ، أو دارٍ لِتصْرَفَ غَلَّتُهَا إِلَيْهِمْ 2. وَقولُه في الكتابِ: "وَيصِحُّ مِنَ السَّفِيهِ المبذِّرِ" ويجوز إِعْلاَمُه بِالواو، لِطَرِيقَةِ القَوْلَيْنِ، وقولُه: "لِتَرَدُّدِهَا بين مَشَابِهِ القُرُبَاتِ والتمليكاتِ" إشارةٌ إلى تَوْجِيه القَوْلَيْنِ في وصيَّةِ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ، وقضيِّةُ التَّرَدُّدِ المذْكُورِ؛ أنْ يَجِيءَ في الوصيَّةِ الجهاتُ العامَّةُ الَّتِي

لاَ يَظْهَرُ فيها قَصْدُ القُرْبَةِ الخِلاَفُ الَّذِي سَبَقَ ذِكرُه في "الوقفِ" على الأغنياءِ، وحينَئِذٍ فَيُشْبِهُ مَجِيئُه في الوصية لِفَكِّ أُسَارَى الكُفَّار؛ لأنَّه، وإنْ جَازَ، فلا يكادُ يَلْتَحِقُ بالمَنْدُوباتِ، والقُرُبَاتِ.
ولْيُعْلَمْ قولُه: "إلاَّ أنْ يُوصِيَ بِخَمْر، أوْ خِنْزِير، وَلِعِمَارَةِ الكَنِيسَةِ، وَبِنَائِهَا".
[بالحاء لأن أبا حنيفة -رحمه الله- يُجوِّز وصية الكافر بالخمر والخنزير] 1. واعلَمْ أنَّ هَذه المسْأَلَةَ، والتي بَعْدَهَا، كالأجنبيِّ عن هذا الرُّكْنِ، فإنَّه معقودٌ لبيانِ مَنْ تَصحُّ منه الوصيةُ.
والكافرُ تَصِحُّ وصيَّتُه في الجُمْلَةِ، لكِنْ لَمَّا كانَ صدورُ هذه الوصِيَّةِ وَنَحْوِها من الكافر أَظْهَرَ، حَسُنَ إِيرَادُهَا مَعَ ذِكْرِ وصيَّةِ الكَافِرِ، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرُّكن الثَّانِي: المُوصَى لَهُ وَهُوَ كُلُّ مَنْ يُتَصَوَّر لَهُ المِلْكُ إِلاَّ القَاتِلَ وَالوَارِثَ، فَلَوْ أَوْصَى لِحَمْلٍ جَازَ بِشَرْطِ أَنْ يَنْفَصِلَ حَيّاً لِوَقْتٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ عِنْدَ الوَصِيَّةِ، وَهُوَ لِمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهرٍ، فَإِنْ كَانَ لِمَا فَوْقَهُ وَالمَرْأَةُ ذَاتُ زَوْجٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ لِظُهُورِ طَرَيَانِ العُلُوقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَظْهَرَ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ يَسْتَحِقُّ، إِلاَّ أَنْ يُجَاوِزَ أَرْبَعَ سِنِينَ لِأَنَّ طَرِيَانَ وَطءِ الشَّبْهَةِ بَعِيدٌ، وَمَهْمَا انْفَصَلَ مَيِّتاً وَلَوْ بِجِنَايَةِ جَانٍ فَلاَ شَىْءَ لَهُ، وَلَوْ أَوْصَى لِحَمْلٍ سَيَكُونُ فَسَدَ في أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ إِذْ لاَ مُتَعَلَّقَ لِلعَقْدِ في الحَالِ، وَلَوْ أَوْصَى بِحَمْلٍ سَيَكُونَ صَحَّ في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ، كَالوَصِيَّةِ بِالمَنَافِعِ وَثمَارِ الأَشْجَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الوصِيَّةُ إِمَّا أن تَكُونَ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ، أَوْ لِشَخْص مُعَيَّن؛ إنْ كانت لجِهةٍ عامةٍ، فالشَّرطُ ألا تكون جهة معصيةٍ، وَقَدِ انْدَرَجَ ذكرُه في الرُّكنِ الأَوَّلِ، وإنْ كانت لِمُعَيَّنِ، فينبغي أن يُتَصَوَّرَ له المِلك 2، ويتعلَّقُ بهذا الضَّبْطِ مسائل دُخولاً وخروجاً.
أحدها: الوصيةُ للحملِ جائزةٌ؛ لأن الوصيةَ أَوْسعُ مجالاً مِنَ الإرث؛ ألاَ تَرى أنَّ المُكَاتَبَ والكافرَ لا يَرِثانِ، ويجوز لهُمَا الوصيةُ، فهذا أثْبِتَ الميراثُ لِلْحَمْلِ، فالوصيَّةُ أَوْلَى بالْجَوَازِ.
ثُمَّ يُنْظَر؛ إنْ قال: أوصيتُ لِحَمْلِ فلانةٍ، أو لحملِ فلاَنَة الموجودِ الآنَ، فلا بُدَّ لِنُفُوذِ الوصيَّةِ من شَرْطَينِ:

أحدُهما: أن يُعْلَمَ وجودُهُ عند الوصيَّةِ؛ بأنْ يَنْفَصِلَ لأَقَلَّ مِنْ ستًّةِ أشهُرٍ، فإِنِ انْفَصَلَ لِستَّةِ أَشْهُرِ فَصَاعِداً، نُظِرَ؛ إِنْ كانتِ الْمَرْأَةُ فِرَاشاً لِزَوْجٍ، أوْ سَيِّدٍ، لَمْ يَسْتَحِقٌّ شَيْئاً؛ لاحْتِمَالِ حُدُوثِ العُلُوقِ بَعْدَ الوَصِيَّةِ، والأَصْلُ عَدَمُ الحَمْلِ يَوْمَئِذٍ، وإِن لَمْ تَكنْ فِرَاشَاً، بَلْ فَارَقَها مُسْتَفْرِشُهَا قَبْلَ الوَصِيَّةِ؛ فَإنْ كَانَ الانْفِصَالُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِن وقْتِ الوصيَّةِ، فَكَذَلِكَ لا يَسْتَحِقُّ شَيْئاً 1؛ للعِلْمِ بأَنَّه لمْ يَكنْ مَوْجُوداً.
وإنْ كَانَ الانْفِصَالُ لِمَا دُونَ ذَلِكَ، فَقَوْلاَنِ، وَقالَ صَاحِبُ الكتابِ في آخَرِينَ: وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: المنعُ، لاحتِمَالِ حُدوثِ العُلُوقِ بَعْدَ الوصيَّةِ، ويُخَالِفُ النَّسَبَ، فإنَّه يَكْفِيهِ الإمْكَانُ، وَهَذا ما اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أبو عليٍّ، وَعزَاهُ بعضُهُمْ إلى رِوَايَةِ الرَّبيعِ، وبعضُهُمْ إلى تَخْرِيجِ ابن الْقَاصِّ.
وأَظْهَرُهُمَا: عِنْدَ العِرَاقيِّينَ وَغَيْرِهِم، ومنْهُمْ صاحبُ الكتَابِ: أنَّهُ يَسْتَحقُّ وَيُكْتَفَى بأَنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُهُ عِنْدَ الوصيِّةِ؛ لأنَّ اتفاقَ وَطَءِ الشُّبْهَةِ نَادِرٌ، وفي تَقْدِيرِ الزِّنَا إِسَاءةُ الظَّنِّ بالمُسْلِمينَ، وُينْسَبُ هَذا إلى رِوَايَةِ المُزَنِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-.
وَلَوْ زادَ المُوصِي؛ فَقَالَ: أَوْصَيْتُ لِحَمْلِ فُلانَةٍ من زَيْدٍ، فَكَما يُشْتَرطُ العِلْمُ بِوجُودِهِ عِنْد الوَصِيَّةِ، يُشتَرَطُ أنْ يَكُونَ ثابتَ النَّسَبِ مِن زَندٍ حَتَّى لَوْ كَانَتِ الوصيَّةُ بَعْدَ زَوَالِ الْفِرَاشِ، فأتت بولد لِأكْثَرَ من أَرْبَعِ سِنِينَ مِن وقْتِ الْفِرَاقِ؛ لأقلَّ مِن سِتَّةِ أَشْهرٍ من يومِ الوصيَّةِ، فَلاَ يستحقُّ؛ لأنَّ النَّسَبَ غيرُ ثَابِتٍ منْهُ بِخِلاَفِ مَا إِذَا اقْتَصَرَ على الوصيَّةِ

لِحَمْلِ فُلانَةٍ، وَلَوِ اقْتَضَى الحَالُ ثُبُوتَ النَّسَبِ من زَيدٍ، لكنَّه نَفَاهُ باللّعَانِ، فَعَنِ ابنِ سُرَيْجٍ وعامَّةِ الأصْحَابِ: أنَّهُ لا شَيْءَ له؛ لأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسبهُ.
وعن أبِي إسْحَاقَ واخْتَارَهُ الأُسْتَاذُ أبو مَنْصورٍ: أنَّهُ يستحق؛ لأنَّه كانَ النَّسَبُ ثَابتاً إلاَّ أنَّه انْقَطعَ باللِّعانِ، واللَّعانُ إِنَّما يُؤثِّرُ في حقِّ الزَّوجَيْنِ.
وَهَذا الخِلاَفُ كَالْخِلاَفِ في أنَّ التَّوْءَمَيْنِ المُعَيَّنَيْنِ باللِّعانِ يَتَوَارثَانِ بإخْوَةِ الأُمِّ [وحْدَهَا]، أوْ بِإِخْوَةِ الأَبَوَيْنِ، لَكنَّ الحِكَايَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ هُنَاكَ: أنَّهُمَا لاَ يَتَوَارَثَانِ، إلاَّ بإِخْوَةِ الأُمِّ وذلِكَ لاَ يُلاَئِمُ قَولَه هَاهُنَا، وَيَجْرِي الْخِلاَفُ فِيما إذا أَوْصَى لِحَمْل جَاريةٍ مِنْ سيِّدِهَا، فادَّعَى السَّيِّدُ الاسْتِبْراءَ، وَرَأْيْنَا نافياً للنَّسَبِ.
والشَّرْطُ الثَّانِي: أنْ يَنْفَصِلَ حَيًّاً، أمَّا إذاً انْفَصَلَ مَيِّتَاً، فَلاَ شَيْءٌ: لَهُ، وإن انفصل بِجِنَايةِ جَانٍ، وَأَوْجَبَنَا الْغُرَّةَ، لِمَا مرَّ في الميراثِ.
فَرْعَانِ أحدُهُمَا: أتتِ بوَلَدَيْنِ بينَهُمَا أقلُّ مِن ستَّةِ أشهرٍ [وبين الوصية والأول أقل من ستة أشهر] 1 صحَّتِ الوصيَّةُ لَهُمَا -وإنْ زادَ ما بينَ الثَّانِي والوصيَّةِ على سِتَّةِ أشهُرٍ، وكانتِ المرأةُ فِرَاشاً؛ لأنَّهما حَمْلٌ واحِدٌ.
والثَّاني يَقْبَلُ الوصيَّةَ للحَمْلِ مَنْ يَلِي أمْرَهُ بعد خُرُوجِهِ حيًّا، وإنْ قَبِلَها قَبْلَ انفِصَالِهِ، ثُمَّ انفصلَ حيًّا، فعنِ القَفَّال: أنَّه لا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ القَوْلِ.
وقالَ غيرُه: فيه قَولاَنِ، كَمَا لَوْ باعَ مالَ أَبيهِ على ظَنِّ أنَّه حيٌّ، فَبَانَ أنَّهُ ميِّتٌ 2. هَذَا إذَا قَالَ: أَوْصَيْتُ لِحَمْلِهَا، أو لحملها الموجُودِ، أمَّا إذا صرَّحَ؛ فَقَالَ: لِحَمْلِها الَّذِي سَيَحْدُثُ، ويكونُ مِن بَعْدُ، فَوَجْهَانِ: أَظهَرُهُمَا: عَنْدَ أكثرِ الأصْحَابِ: بُطْلانُ الوصيةِ؛ لأنَّها تَمْلِيكٌ 3؛ وتمليكُ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مُمْتَنِعٌ، ولأنَّه متعلَّق للعَقْدِ في الحَالِ، فأشْبَهَ مَا إذَا وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ سُيُبْنَى.
والثَّاني: وبهِ قَالَ أبو إسحاق: أنَّها صحيحةٌ، كما يصحُّ بالحَمْلِ الَّذي سَيُوجَدُ،

فَإذَا جَازَ تمليكُ مَا لم يُوجَدْ، جَاز تمليكُ مَنْ لم يُوجَدْ، وهذا مَا أَوْرَدَهُ الأُستاذُ أَبو منصورٍ -رَحِمهُ الله-.
وفيه وجةٌ ثالثٌ، وَهُوَ النَّظَرُ إلى حالِ المَوْتِ؛ فَإِنْ كَانَ الحملُ مَوجُوداً، حِينَئذٍ، صحَّتِ الوصيَّةُ.
وإلاَّ، فَلاَ.
وقولُه: "فَلَوْ أَوْصَى لحملٍ سَيكُونُ" دَخِيلٌ في هذا الرُّكْنِ، بلْ مَوْضِعُهُ الرُّكْنُ المعقودُ في الموصى به ولأن الحَامِلَ عَلَى ذَكْرِ [هِ] تَوْجِيهِ الوجهِ الثَّانِي، وَنحنُ نُؤَخِّرُ هذه المَسْألةَ، لِنَذْكُرُهَا مَعَ أخواتها، وهُنَاك؛ يُعْرَفُ أنَّ الوصيَّةَ بالمنافعِ جائزةٌ، بِلاَ خِلافٍ، وأَنَّ الوصيَّةَ بِثِمَارِ الأشْجَارِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وأنَّ قولَه هَاهُنا "كالوصيَّة بالمنافعِ وثمارِ الأشجارِ" من طَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا العَبْدُ فَالوَصِيَةُ لَهُ صَحِيحَةٌ، ثُمَّ إنْ كَانَ حُرّاً عِنْدَ الاِسْتِحْقَاقِ فَهُوَ لَهُ، وَإلاَّ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، وَفِي افْتِقَارِهِ إلَى إِذْنِ السَّيِّدِ في القَبُولِ (و) خِلاَفٌ، وَكَذَا في مُبَاشَرَةِ السَّيِّدِ القُبُولَ بِنَفْسِهِ خِلاَفٌ (و)، وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ وَارِثٌ لَمْ يَصْحَّ (م)، لِأَنَّ المِلْكَ لِلوَارِثِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اَلاسْتِحْقَاقِ حُرّاً، أَوْ فِي مِلْكِ أَجْنَبِيِّ، وَيَصِحُّ الوَصِيَّةُ لِأُمِّ الوَلَدِ، وَالمُكَاتَب، وَالمُدَبَّرِ إنْ أُعْتِقَ مِنَ الثُّلُثُ، وَإِلاَّ فَلاَ فَإنَّهُ عَبْدٌ وَارِثٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسْأَلَةُ الثَّانِيةُ: العَبْدُ المُوصَى لَه: إمَّا أنْ يَكُونَ لأجْنَبِيٍّ، أَوْ للمُوصِي، أو لِوَارِثهِ.
القِسْمُ الأَوَّلُ: إذاً كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ، فتصحُّ الوصِيَّةُ، ثُمَّ لا يخْلُو؛ إمَّا أنْ يَسْتَمِرَّ رِقَّه، أَوْ لاَ يستمرَّ.
الحَالَةُ الأولى: أنْ يَسْتَمِرَّ رِقُّهُ، فالوصيَّةُ للسيِّدِ، حَتَّى لو قتل العبدُ المُوصَى له، لم تَبْطلِ الوصيَّةُ، ولو قتله سيدُ العبد، كَانَتْ وَصيَّتُه للقاتل 1؛ وفي افتِقَارِ قَبُولِ العَبْدِ

إلَى إِذْنِ السَّيِّد وَجْهَانِ، وقدْ ذَكَرَهُمَا مرةً في "بابِ مُعَاملةِ العَبِيدِ" والأصحُّ المَنْعُ.
وَهَلْ يصحُّ من السَّيِّدِ مُبَاشرةُ القَبُولِ بنفسِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحدُهُمَا: نَعَمْ؛ لأنَّ الاسْتِحْقَاقَ لَهُ، والفائِدَةُ تَعُودُ إِلَيْهِ.
وأصحُّهُمَا: المنعُ؛ لأنَّ الخِطَابَ لَمْ يجر معه، والوَجْهَانِ فِيمَا قِيل مَخْصوصَانِ بِقَولِنا: "إنَّ قُبُولَ العبْدِ يَفْتَقِرُ إلى إذنِ السَّيِّدِ" وَيجُوز أنْ يعمَّما؛ لأَنَّ المِلْكَ للسَّيِّدِ بِكلِّ حالٍ، فَلاَ يبعد تَصْحِيحُ القُبُولِ مِنْهُ، وإنْ لَمْ يُسَمَّ في الوصيَّةِ؛ ألاَ تَرَى أنَّ وَارِثَ المُوصَى لَهُ يَقْبَلُ، وإنْ لَمْ يُسَمَّ في الوصِيَّةِ؟ وهَل قَبُولُ السَّيِّدِ الْهِبَةَ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى هَذِيْنِ الْوجْهَيْنِ؟ قَالَ قَائِلُونَ: نَعَمْ.
وقَالَ الإمَامُ: لاَ، بَلْ يَبْطُلُ لاَ مَحَالَةَ؛ لأنَّ القَبُولَ بِالْهِبَةِ كَالْقَبُولِ فِي سَائِرِ العُقُودِ، وقبولُ الوصيَّةِ بِخَلاَفِهِ؛ ألاَ تَرَى أنَّهُ يُعْتَدُّ بِهِ مُنْفَصِلاً عنِ الإيجَاب، واقِعاً بَعْدَ خُرُوجِ الموجب عَنْ أَهْلِيَّةِ الإيجَابِ، فصار من وارث المُوصَى له مع أنه لم يُخاطَبْ؟ إذا صحَّحنا قَبُول العبْدِ من غير إذْن السيِّد، فلو منعه القَبُول، قال الإمامُ -رحمه الله-: الظاهر عنْدِي الصحَّةُ، وحصول الملْك للسَّيد، كما لو نهَاهُ عن الخُلْع، فخالع، وإذا قلْنا: لا يصحُّ من غير إذنه؛ فلو ردَّ السيد، فهو أبلغُ من عَدَمِ الإذْن، فلو بدا له أن يأْذَنَ في القَبُول بعْد ذلك؛ ففيه احتمالٌ عند الإمام، قال: وإذَا صحَّحْنا القُبُول من السَّيِّد، فيجبُ أنْ يبْطُلَ ردُّ العبد، لو ردَّه.
والثانيةُ ألا يستمر رقُّه، بل يُعْتَقَ، فيُنظَر؛ إن عَتَقَ قبل موت الموصِي، فالاستحقاقُ للعبد؛ لأن الوصيَّة تمليكٌ بعد الموت؛ وهو حرٌّ حينئذ، وإن عَتَقَ بعد موته، فإما أن يقبل ثم يُعْتَقَ وإما أن يُعْتَقَ ثُمَّ يُقْبَلَ، إنْ قُبِلَ ثم عَتَقَ، فالاستحقاقُ للسيِّد، وإن عَتَقَ ثم قُبِلَ، فإن قلْنا: الوصيَّةُ تُمْلَكُ بالمَوْت، أو قلْنا: يتبيَّن بالقبول الملْك من يوم المَوْتِ، فالاستحقاقُ للسَّيِّدِ أيضاً.
وإنْ قلْنا: تملك بالقبول، فللعَبد.
= يعتق العبد إنَّ وإن حينئذ حراً أو سيده ويحتمل عدم مجيء التفصيل هنا، والفرق أنه قد يعتق قبل موت الموصي وقال بعض الفضلاء في الوجه للعبد نظر، وذلك أنهم قالوا: لو أوصى لعبد فالاعتبار بصرف الوصية وعدمها بوقت الموت، فإن كان حراً حينئذ فالوصية له، وإن كان رقيقاً فإن كان سيداً أجنبياً فالوصية له وإن وارثاً فهي وصية للوارث.

وإذا أَوْصَى لعبدِ زَيْدٍ، فباعه من عَمْرٍو، فَيُنْظَرُ في وقْتِ البَيْعِ، ويُجَابُ بمثل هذا التَّفْصِيل.
ولو أوْصَى لمن نصْفُهُ حرٌّ، ونصْفُهُ 1 لأجنبي؛ فأما أن يكون بينه وبين السيد مهايأة، أو لا يكون، إنْ لم يكُنْ بينهما مهايأة، وقبل بإذْن السيد، فالموصَى به بينهما بالسَّويَّةِ، كما لو احتش أو احتطب، وإنْ قبل بغير إذْنه، فيبنَى على الوجهَيْن؛ في افتقار العبد إلَى إذن السيد، إن احوجْناه إلَيْه، فالقبول باطلٌ في نصف السيد، وفي نصفه وجهان؛ لأنَّ ما يملك ينْقَسِمُ على نصفيه فيلزم دخول بعضه في ملك السيد من غير إذْنه.
وإِن كانت بينهما مهايأةٌ، فيبنَى على الخلاف في أن الأكساب النادرَةَ، هَلْ تدخل في المهايأة؟ وفيه خلافٌ مذكورٌ أولاً في "زكاة الفطر" ومعادٌ ثانياً في "اللّقَطَةِ" فإنْ قُلْنا: إنَّهَا لا تدْخُل في المهايأة، فكما لو لم يَكُنْ مهايأة، وإنْ قلنا: تدْخُل، فلا حاجة إلى إذن السيد في القَبُول، ووجَّهوه: بأنه لما هَايَأَهُ، فقد أَذِنَ له في جميع الأكساب الداخلة في المهايأة ثم الاعتبارُ بأيِّ يوم؟ عن بعْضِ الأصحاب: أن الاعتبار بيوم الوصيَّة، حتى إذا وقعتِ الوصيةُ في يومه، فالوصية له، وإن كان القَبُول في يوم السيد، وإذا وقعَتِ الوصيَّةُ في يوم السيد، فهي له، وإن كان القبول في يوم العبد، وهذا كما أنَّ في اللقطة [الاعتبار] 2 بيوم الالتقاط.
وقال المحقِّقون: ليستِ الوصيَّةُ كالالتقاطِ؛ لأنَّ الالتقاطَ سببُ ثبوت الحَقِّ، فالوصية على تجردها لا تثبت الحقَّ؛ ألا ترى أنه لو أوْصَى لعبد، فَعَتَقَ قبل موْتِ المُوصي، كانت الوصيةُ للعبد؟ ولو الْتَقَطَ العَبْدُ، ثم عَتَقَ قبل تمام الحَوْل، كان حقُّ التملُّك للسيِّد، وبنوا ذلك عَلَى أن المِلْكَ في الوصيَّة بم يثبت إنْ قلْنا: يثبتُ بموت الموصِي، أو قلْنا: يتبين بالقبول الملك من يوم الموت، فالاعتبارُ بيوم الموت.
وإن قلنا: يثبتُ بالقَبُول، فوجهان؛ قال الشيخ أبو عليٍّ: ذكرهما القَفَّال وأنا مَعَهُ.
أحدُهما: أن الحق الاعتبار بيوم القبول؛ لأنَّه يوم المِلْكِ.
وأصحُّهما: أن الاعتبار بَيَوْم المَوْت أيضاً؛ لأنَّه يتأكَّد به حقٌّ، ويلزم، وإن لم يثبت المِلْك، كما أن في اللُّقَطَة الَاعتبارُ بيوم الالتِقَاطِ؛ لأنَّه يثبت به الحَقُّ، وإن لم يثبتِ الملكُ، والهبةُ ممَّن نصْفُهُ حرٌّ ونصْفُهُ رقيقٌ، على القولَيْنِ في دخولِ الأكْسَاب النادرة في المُهَايأة أيضاً، فإن أدخَلْناها، فإذا وقع العقْدُ في يوم أحدِهِمَا والقبض في يومِ

الآخَرِ، فيبنَى على أن المِلْكَ في الهبة المقبوضة يَسْتَنِدُ إلَى وقت الهبة، أو يثبتُ عَقِيبَ القَبْض؟ فإن قلنا؛ بالأول، فالاعتبار بيوم العَقْد، وإن قلنا بالثاني، فالاعتبار به أو بيوم القبض؟ فيه وجهان كالوجهين في الوصيَّة، أن الاعتبار بيَوْم المَوْت أم يوم القَبُول؟ تفريعاً عَلَى أن المِلْكَ يحْصُل بالقبول، لكنَّ الأظهر في الهبة الاعتبارُ بيَوْمِ القبض؛ لأن الحَقَّ لا يلْزَمُ بالهبة، وفي الوصية يلْزَمُ بالمَوْت.

فَرْعَانِ:

أحَدَهُمَا لو قال: أوصَيْتُ لنصفه الحرِّ، أو لنصْفِهِ الرَّقِيقِ خاصَّةً، فعن القفَّالِ: أن الوصية باطلةٌ ولا يجُوزُ أن يُوصِيَ لنصْفِ الشخْصِ، كما لا يجوز أن يَرِثَ نصفه؛ وعن غيره: أنَّها تصحُّ، وُينَزَّلُ تقييدُ الموصِي منزلةَ المُهَايأة؛ فيكون الموصَى به للسيِّدِ، إن أوصَى لنصفه الرقيقِ، وله إن أَوْصَى لنصفه الحرِّ 1. الثاني: تردَّدَ الإمام فيما إذا صرح بإدراج الأكساب النادرة، في المهايأة أنها تدخل لا محالة، أو يكَوُن على الخلاف؟ وفيما إذا عَمَّت الهبات، والوصَايا في قُطْرٍ، أنها تدْخُل لا محالة، كالأكساب العامة، أو هِيَ علَى [الخلاف] 2 لأنَّ الغالِبَ فيها الندُور 3. القسم الثاني: إذا كان العبْدُ الموصَى له، للموصى، نُظِر؛ إن أوصَى لعبده القِنِّ برقبته، فهذه الصورةُ لها ذكْرٌ في القسْمِ الثانِي من الباب الثانِي في الكتاب، وسنَذْكرها إن شاء الله تعالى، وإن أوصَى له بجزءٍ من رقبته، نَفَذَتِ الوصيةُ فيه، وَعَتَقَ ذلك الجُزْءُ, وكذلك لو قال: أوصيتُ له بثُلُثِ مالِي، ولا مال له سواه.
ولو قال: أوصيتُ له بكُلِّ ما أملك من رقبةٍ، وغيرها من أموالِي، نَفَذَتِ الوصيةُ في ثلثه، وبقي باقيه رقيقاً للوَرَثَةِ؛ فتكُونُ الوصيَّة له بالثُّلُث من سائر أمواله وصيَّةٌ لمن بعضُه حرٌّ وبعْضُه رقيق للوارث، وحكمهما سيأتي.
ولو قال: أوصيتُ له بثلث ما أملِكُ، أو بثُلُثِ أموالي، ولم ينصَّ عَلَى رقبته، فوجهان.

أظهرهما: وهو جواب ابن الحَدَّاد: أن رقبته تدْخُل في الوصيَّة؛ لأنها من جملة أمواله.
والثاني: لا تدْخل؛ لأن قوله: "أوصَيْتُ لك بثلث أموالي" يُشْعِر بالمغايرة بين الموصَى به، وبَيْن الموصَى له، وبأن المراد ما سِوَى رقبته، فعلَى هذا؛ لا يعتق منه شيء، والوصيةُ له وصيةٌ للعبد بغير رقبته، وعلى الأول الحكْمُ كما لو قال: أوصيتُ له بثُلُثِ رقبته، وبِثُلُثِ سائر أموالي، وقد بيَّنَّاه، هكذا ذكر [هـ] الشيخ أبو عليٍّ.
وفي "التهذيب" وجهٌ آخرُ؛ وهو أن تجمع الوصية في رقبته، فإنْ خرج كلُّه من الثلث، عَتَقَ، وإن كان الثلث أكثر من قيمة رقبته، صُرِفَ الفضْلُ إليه، وإن لم يخرُجْ كلُّه من الثُّلُث، عَتَقَ منْه بقَدْر ما يخْرُجُ 1، وإِنِ أوصَى له بعين مال، أو قال: أعطُوهُ من مالي كذا، فإن مات، وهو مِلْكُه، فالوصيةُ للورثة، وإن باعه الموصي، فهو للمشتري، وإن أعتقه، فهو للعتيق 2. ولو أوصَى له بثُلُث جميع أمواله، وشرط 3 تقديم رقبته، عَتَقَ جميعُهُ، ودُفِعَ إلَيْه ما يتم به الثُّلُث.
ويجوز أن يُوصِىَ الإنسان لأمِّ ولده؛ لأنَّها حرةٌ بعْد موته، ثم هِيَ تَعْتِقُ من رأس المال، والوصيةُ تُعْتَبَرُ من الثلث، وكذا المكاتَبُ؛ لأنه مستقلٌّ بالملك، ثم لو عَجَزَ ورَقَّ، صارت الوصيةُ للورثة، وكذا المدَبَّر، والعِتق والوصيةُ معتبران من الثلث، فإن وَقَّى بهما، عَتَقَ [ونَفَدَتِ الوصيَّةُ، وإن لم يف الثلث بالمدبَّر، عَتَقَ منه] 4 بقَدْر الثلث،

وصارتِ الوصيةُ لمن بعْضُه حرٌّ، وبعضُه رقيقٌ للوارث، وإن وَفَّى الثلث بأحد الأمرين من المُدَبَّر، أو المُوصَى له، كما إذا كان المُدَبَّر يساوِي مائة، والوصيَّةُ بمائَة، وله سواهما مائة، فوجهان 1: أحدهما: تقدم رقبته، فيُعْتَقُ كلُّه، ولا شيْءَ له من الوصية.
والثاني: يُعْتَقُ نصفه، والوصية [وصية] 2 لمن بعضه [حرٌّ] وبعضُهُ رقيقَ للوارث، وهذا أصحُّ عند صاحب "التهذيب" وبالأول أجاب الشيخ أبو عَلَيٍّ 3. القسم الثالث: إذا كان العبْدُ الوارث المُوصَى، بأن باعه قبل موت الموصي، فالوصيةُ للمُشْتَرِي، وإن أعتقه، فللمُعْتِقِ، إنِ استمر في ملكه، فهي وصيةٌ للوارث، وسيأتي حكمها إن شاء الله تعالى.
وكذلك لو أوصَى لعبْدٍ أجنبيٍّ، واشتراه وارثُهُ، ثم مات الموصي.
ولو أوصَى لمن نصفُه حرٌّ، ونصفه لوارثه، فإن إن لم تكنْ بينه وبين السيد مهايأة أو كانت بينها مهايأةِ، وقلنا: إنَّ الوصيَةَ لا تَدْخُل في المهايأة، فهي كالوصيَّةِ للوارث؛ لأنَّ ما يثبت له بالوصيَّة، يكون نصفه للوارث، ولهذا قُلْنا: إنَّه لا يَرِثُ: لأنه لو وَرِثَ شيئاً، لَمَلَكَ السيدُ نصْفَهُ، وهو أجنبيٌّ عن الميِّتِ.
قال الإمامُ: وكانَ يحتمل أن يعضَّ الوصية، كما لو أوصَى بأكثر من 4 الثلث.
وإن جرَتْ بينهما مهايأة، وقلْنا: إنَّها تدخْلُ في المهايأة، فقد قدَّمنا أن العبرة بيوم المَوت عَلَى ظاهر المذهب، فيُنْظَرُ يوم موت الموصِي، إن مات في يوم العبد، فالوصيةُ صحيحة، وإلاَّ، فهي وصية لوارث، ولا فَرْقَ بين أن يكُونَ بينهما مهايأة يوم الوصية أو لا يكون، ثم يحدثانها قبل موت الموصي، [هكذا] قاله الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله-.
ولو أوْصَى لمكَاتَب وَارِثهِ، فإنْ عَتَقَ قبل موت المُوصِي، نفَذَتِ الوصيةُ، وكذا لو عتَقَ بعده بأداء النُّجُوم، وإن عجز، ورَقَّ، صارَتْ وصيته للوارث، والله أعلم.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا الدَّابَّةُ فَالوَصِيَّةُ لَهَا بَاطِلَةٌ إنْ أَطْلَقَ أَوْ قَصَدَ التَّمْلِيكَ، وإنْ فُسِّر بِالصَّرْفِ في عَلَفِهَا صَحَّ، وَهَل يُفْتَقَرُ إلى قُبُولِ المَالِكِ؟ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ قَبِلَ فَهَلْ يَلْزَمُ صَرْفُهُ إِلَى الدَّابَّةِ، أَم هُوَ كَالوَصِيَّةِ لِلْعَبْدِ؟ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيتُ لِلمَسْجِدِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كَالدَّابَّةِ، وَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ إِذَا فُسِّرَ بِالصَّرْفِ إلى مَصَالِحِهِ، وَالظَّاهِرُ تَنْزِيلُ المُطْلَقِ عَلَيْهِ لِلْعُرْفِ بِخِلاَفِ الدَّابَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألة الثالثة: إذا أوصَى لدابَّة الغير، وقصد تمليكها، فالوصيَّة باطلة، وبمثله أجابوا فيما إذا أطلق؛ لأن مطْلَقَ اللفظ للتَّمْلِيك، والدَّابَّة لاَ تُمْلَكْ، وَفَرَقُوا بين الوصيَّة المطلقة للدابة وبين الوصيَّة المطْلَقَةِ للعَبْدِ، بأن العبد ينتظمُ الخطابَ معه، ويتأتَّى القبول منه؛ وربَّما يُعْتَقُ قبل موت الموصِي، فيثبُتُ المِلْك له، بخلاف الدابَّة، لكنه قد مرَّ في "الوقْف" ذكر وجْهَين؛ فيما إذا أطلق الواقِفُ عليها أنَّه، هَلْ يكون وَقْفاً عَلَى مالكها، فيشبه أن تكون الوصيَّة على ذلك الخِلاف؟ وقد يُفْرَقُ بينهما بأن الوصيَّة تمليك محضٌ، فينبغي أن يُضاف إلَى من يُمَلَّكُ.
والوقفُ ليس بتمليكٍ محضٍ، بل ليس بتمليلكٍ، إذا قلنا: إن الملك فيه يزول إلى الله تعالَى، فيجوز أن تحتمل فيه الإضافةُ إلَى من لا يملك.
ولو فُسِرَ الوصية للدابَّةَ بالصَّرْف في عَلَفِها، صحَّت الوصية؛ لأن صرف علف الدابة على مالِكِهَا، فالقصدُ بهذه الوصية المالك، هكذا نقل المصنِّف وصاحب "التهذيب" وغيرهما.
لكنا ذكَرْنا في "الوقْف"؛ أن أبا سعْدٍ المتولِّي -رحمه الله- حكَى فيما لو وقفَ على علف بهيمة الغَيْر وجْهين؛ في صحَّة الوقْف، ويشبه أن يكون هذا في مَعْناه، وإذا قُلْنا بالصحَّة، وهو الظاهر، ففي اشتراط القبول وجهان: أحدهما: واختاره أبو زيد: أنَّه لا يُشتَرطُ وتجعل هذه الوصية للدابَّة، "ففي كلِّ كَبدٍ حَرَّى 1 أَجْرٌ".

وأصحُّهما: وبه قال "صاحب التلخيص": الاشتراطُ كسائر الوصايا، وهي وصيةٌ للمالك؛ كما لو أوصَى بعمارة داره، بتقدير أن يكون وصيَّةَ للدابَّة، فيبعد حدوث الاستحقاق، لملكه من غير رضَاهُ.
وإذا قبل، فهل يتعيَّن صرفه إلَى جهة الدابة؟ فيه وجهان: قال صاحب "التلخيص": نعم؛ رعايةً لغرض الموصي، وعلى هذا فيتولى الإنفاق الوَصِيُّ، فإن لم يكن وصيٌّ، فالقاضي أو مَنْ نأمره به من المَالِكُ وغيره.
وعن القفَّال: أنَّه لا يتعيَّن، بل له أن يمسكه، وينفقَ على الدابَّة من موضع آخر، وقضية إيراد الناقِلِينَ ترجيحُ الأول، وليعرف هاهنا شيئان: أحدهما: قد تكرر في خلاف الكَلاَمِ أنَّ الوصيَّة عَلَى رأي وصيةُ للبهيمة نَفْسِها، وحينئذ فلا يتَّجِه فرقٌ بين البهائم المملوكة، وبين الوحُوش، وَالصُّيود المباحة، وهذا يَعْتَرضُ على ما قَدَّمنا عن صاحب "التتمة" في الوقْف؛ أنَّه لو وقف عَلَى عَلَفِ الطيورِ المباحةِ، والوُحُوشَ، لم يصحَّ، بلا خلاف، وأن موضع الخلافِ ما إذا كانَتِ البهيمةُ مملوكةً.
والثاني: إذا انتقلتِ الدابَّةُ من مالكها إلَى غيره، فقياسُ كون الوصية للدَّابَّة الاستمرارُ 1 لها، وقياسُ كونها للمالك اختصاصُها بالمنتَقَلِ عَنْه؛ والله أعلم.
وإذا وصَّى للمسجد، وفسّر بالصرف إلى عمارته، ومصلحته، صحَّت الوصية، وإن أطلق، فوجهان.
أحدهما: البطلانُ، كالوصية للدابَّة.
وأظهرهما: الصحَّة؛ لأن مقتضَى العُرْف تنزيلُه على المصرف إلَى عمارته، ومصلحته، والقَيِّمُ يصرف إلى الأهم، والأصلحِ باجتهاده.
وإن قال: أردتُّ (به) 2 تمليك المسجد، فقد ذَكَر بعضُهم أن الوصية لاغيةٌ، ولك أن تقول: قد سيق أن للمَسْجد ملكاً وعليه وقفاً، وذلك لقتضي صحَّة الوصية وثبوت 3 الملك، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا الحَرْبِيُّ فَيَصِحُّ (ح) الوَصِيَّةُ لَهُ عَلَى ظَاهِرِ المَذْهَبِ، كَالهبَةِ

وَالبَيْعِ، وَكَذَا المُرْتَدُّ، وَقيلَ: لاَ يَصِحُّ لِأَنهُ تَقَرُّبٌ إِلَى مَنْ أُمِرَ بِقَتْلِهِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِهِ لِلِذِّمِيِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألة الرابعةُ: في الوصية لأهل الحَرْب من الكُفَّار وجهان: أحدهما: الجواز، وبه قال أحمد رحمه الله، كما يجوز البَيْع، والهبةُ، منْهم، وعلَى هذا؛ يخرَّج ما قدمنا من الوصية؛ لمفاداة أَسْرَاهُمْ من أيدي المُسْلِمِينَ.
وثانيهما: المنع، وبه قال أبو حنيفة، وابن القاصِّ؛ لقوله تعالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: 8] أشعر ذلك بالنَّهْيِ عن بِرِّهمْ، إذا قاتلونا، وأيضاً، فإنَّا مأمورون بقَتْلِهِمْ، فلا معنى للتقرب إليهم بالوصية، والظاهر من الوجهين الثاني عند الأستاذ أبي منْصُور، والأول عند الجمهور، وهو منصوصٌ عليه في "عيون المسائل" 1. وفي الوقْف على الحَرْبِيِّ ذكرنا أن أصحَّ الوجهين المنْعُ، وفَرَقُوا بوجهين: أحدهما: أن الوقف صدقةٌ جاريةٌ، فاعتبر في الموقوف عليه الدوام؛ كما اعْتُبِرَ في الوقْف.
والثاني: أن معنى التمليك في الوصيَّة أظهرُ منْه في الوقف؛ ألا ترَى أن المُوصَى له يملك الرقبة، والمنفعة، والتصرُّف، كيف شاء والموقوفُ عليه بخلافه؟ فأُلْحِقَتِ الوصيةُ بسائر التمليكات، والوجهان في الوصية للحربي جاريان في الوصيَّة للمرتَدِّ، وبنَى بعضهم الخلافَ في الوصيَّة له على الخلاف في ملكه.
وتجوز الوصية للذمي، بلا خلاف، كما يجوز التصدق 2 عليه، وقد رُوِيَ "أن صفيةٌ -رضي الله عنها- أوْصَتْ لِأَخِيْهَا بِثَلاَثينَ ألْفَاَ، وكان يَهُودِيّاً" 3. قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا القاَتِلُ فَفِي الوَصِيَّةِ لَهُ ثَلاثةُ، أَقْوَالٍ، يَصِحُّ (ح)، وَلاَ يَصِحُّ,

وَيُفْرَق فِي الثَّالِثِ بَيْنَ الوَصِيَّةِ لِلْجَارحِ وَبَيْنَ الوَصِيَّةِ قَبلَ الجَرْحِ فَإنَّهُ مُسْتَعْجِلٌ لِلإِرْثِ، وَالمُسْتَوْلَدَةُ إذا قَتَلَتْ سَيِّدَهَا فإنَّ اسْتَعْجَلَتِ عَتَقَتْ، وَكَذَا مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ إِذَا قَتَلَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ حَلَّ أَجَلُهُ، وَالمُدَبَّرُ مُرَدَّدٌ بَيْنَ المُوصَى لَهُ وَبَيْنَ المُسْتَوْلَدَةِ فَفِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألة الخامسةُ: في الوصية للقاتل قولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: أنَّها غيْرُ صحيحةٍ؛ لِمَا روِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ لِقَاتِلٍ وَصِيَّةً وأيضاً فإنه استحقاقٌ يثبت بالمَوْت، فيمتنع بالقَتْل كالميراثِ.
وأظهرهما: عند العراقيين، وتابعهم الإمام، والرُّويانيُّ [أيضاً] أنَّها صحيحةٌ؛ لأن التمليك بالوصية تمليك بإيجاب وقَبُولٍ فأشبه التمليك بالبيع والهبة، وبهذا قال مالك -رحمه الله- وُيرْوَى عنه تخصيصُ الجوازِ بما إذا كان القَتلُ خطأ، وعن أحمد -رحمه الله- روايتانِ كالقَوْلين.
ولا فرْقَ عندنا على القولَيْن بين أن يكُون القَتْل عمداً، أو خطأً، وتكلَّموا في موضعهما من وجْهَيْنِ: أحدهما: هل من فَرْقٍ بين أن يكون القتل بحقٍّ كالقصاص، أم لا يكون؟ سكت أكثرون عَنْه، وقال صاحب "التلخيص": تجوز الوصية للقاتل بالحَقِّ، والخلافُ في غيره، وأدار الوصية على الإرث وقال القفال: إن ورثت القاتل بالحق جوزنا الوصية له، وإلا، ففيه الخلاف.
والثاني: أن من الأصحاب من قال: القولان فيما إذا أوصى المجروحُ لجارِحِهِ، ثم ماتَ، فأما إذا أوصَى لإنسان، فجاء وقَتَلَهُ، بَطَلَتِ الوصِيةُ قولاً واحداً؛ لأنه مستعجلٌ بالقتل؛ فيُحْرَمُ؛ كالوارث، ومنهم من عَكَسَ؛ وصحَّح الوصية جزماً فيما إذا أوصَى لجارحه، وخصَّص القولَيْن بما إذا أوصَى لإنسان، فجاء وقتله، والأكَثرون طَرَدُوا القَوليْن في الحالتين، فإذا اختصرْتَ، تحصَّلْتَ عَلَى ثلاثة أقوال، كما في الكتاب تصح، لا تصح، تصحُ إن تقدَّمتِ الجراحة، ويُبْطُل، إن 1 تأَخَّرت.
والمستولَدَةُ، إذا قتَلَتْ سيدها، عَتَقَتْ، وإن استعجلَتْ؛ لأنَّ الإحبال يُنَزَّلُ منزلة الإعْتَاق؛ ألا تَرَى أنَّ الشريك، إذا أحبل الجارية المشتَرَكَةَ، سَرَى الاستيلاد إلَى

(نصيب) الشريك، كما لو أَعْتَقَ نصيبه، وإذا كان كالإعتاق، لم يقدح القتل فيه، كما إذا أعتق العَبْد، ثم جاء العبدُ وقتله، وكذلك مستحِقُّ الدَّين المؤَجَّل، إذا قتل مَنْ عليه الدَّينُ, حلَّ أجله؛ لأنَّ الأجل حقُّ مَنْ علَيْه الحق، أثبت ليرتفق به بالاكتساب في المدَّة، فإذا هَلَك، فالحَظُّ له في التعجيل؛ لتبرأ ذمته.
وإذا قتل المدبَّر سيده، فَيُبنى على أن التَّدبير وصيَّة، أو تعليقٌ عتق بصفة؟ إن قلنا بالأول، فهو كما لو أوْصَى لإنسانِ، فجاء وقتله، وإنْ قلنا بالثاني، عَتَقَ؛ كالمستولدة، وقال في "التهذيب": إن صحَّحنا الوصية للقاتل، عَتَقَ المُدَبَّر، إذا قتل سيده، وإن لم يصحِّحها, لا يُعْتَقُ، ويبْطُل التدبير، سواءٌ جعلنا التدبير وصيَة، أو تعليقاً للعِتْق؛ لأنه، وإن كان تعليقاً، فهو في حكم الوصية, لأنه يُعْتَبَرُ من الثلث، وهذا إثباتٌ للخلاف، سواءٌ جعلناه وصيَّة، أو تعليقاً وإذا أوصَى لعبدِ جارِحِهِ، أو لمُدَبَّرِهِ، أو لمسْتَوْلَدَتِهِ، فإن عَتَقَ قبل موت الموصِي، صحَّت الوصية له، وإِن انتقل منه إلَى غيره، صحَّت الوصية لذلك الغيرُ، وإلاَّ، فهي وصيةٌ للجارح، ولو أوصَى لعبد بشيء، فجاءه العبد، وقتله، لم تتأثر به الوصيةُ، وإن جاء [السيد]، وقتله، فهي وصيةٌ للقاتل.
ولو أوصى لمكاتَبٍ، فقتل المكاتَبُ الموصِيَ، فإن عَتَقَ، فهي وصية للقاتل، وإن عجز، فالوصيةٌ صحيحةٌ للسيد وإن جاء سيِّد المُكَاتَب، فقتله، فالحكم بالعكس، وتجوزُ الوصيَّة للعَبْد القاتل؛ لأنها تَقَعُ للسيد.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الوَارِثُ فَلاَ وَصِيَّةَ لَهُ لِقَوْلهِ -صلى الله عليه وسلم- أَلاَ لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثِ، وإنْ أَجَازَ الوَرَثَةُ وَصِيَّةَ الوَارِثِ وَالقَاتِلِ وَصِيَّةَ الأَجْنَبِيِّ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ نَفَذَتْ في أَصَحِّ القَوْلَيْنِ وَكَانَ تَنْفِيذاً أَوْ اِمْضَاءً، وَفِي القَوْلِ الثَّانِي هُوَ ابْتِدَاءٌ (ح م) عَطِيَّةٍ مِنَ الوَرَثَةِ، فَإِنْ كَانَ عِتْقَاً فَلَهُمْ الوَلاَءُ، وَلَوْ أَوْصَى لِكُلِّ وَارِثٍ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فَهُوَ لَغْوٌ، فَإِنْ خَصَّصَ كُلَّ وَاحِدٍ بِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ فَفِي الحَاجَةِ إلَى الإِجَازَةِ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالأَظْهَرُ: أنَّهُ يَحْتَاجُ إِذْ يَظْهَرُ الغَرَضُ في أَعْيَانِ الأَمْوَالِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ عَيْنُ مَالِهِ مِنْ إِنْسَانٍ يَنْفَذُ (ح و)، وَلاَ خِلاَف أنَّهُ لَوْ بَاعَ في مَرَضِ المَوْتِ عَيْنَ مَالِهِ من وَارِثِهِ بِثَمَنِ المِثْلِ نَفَذَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألةُ السادسةُ: الوصيةُ للوارث، وتُقدَّم عليها أن الإنسانَ لا ينْبَغِي أن يوصِيَ بأكثر من ثُلُثِ ماله 1؛ لخَبَرِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- المذْكُورِ في أول

الكتاب، فإن فَعَل، فإمَّا أن يكونَ له وارثٌ خاصٌّ، أو لا يكونَ، إنَّ كان، وردَّ الوارث، ارتدَّتِ الوصيةُ في الزِّيَادة على الثلث، وبطَلَتْ، وإن أجاز دَفْعَ المال إلى الموصَى له، وما حَالُ إجارته، أهِيَ تنفيذٌ وإمضاءٌ؛ لِتصرُّف الموصِي، أم ابتداءٌ عطيةٍ من الوارث؟ فيه قولان: أحدهما: أنها ابتداءُ عطية تُصرُّفُ الموصِي لاغٍ في الزيادة على الثلث؛ لأنَّه منهيٌّ عنه، والنهْيُ يقتضي الفساد، وأيضاً، فإن الزيادة متعلِّق حقِّ الورثة، فيلغو تصرُّفُه فيها، كتصرُّف الراهن في المرهون.
وأصحُّهما: أنَّه تنفيذ وإمضاءُ لتصرُّف المُوصِي، وتصرُّفُهُ موقوفٌ عَلَى الإجازة؛ لأنَّه تصرُّف مصادف للملك، وحقُّ الوارث إنما يثبت في ثاني الحال، فأشبه بَيْع الشِّقْصِ المشْفُوع، ويدل على انعقاده أنه لو برأ من مرضه، نفذت تصرفاته، ولم يفتقر إلَى الاستئناف، وقد يُعبَّرُ عن الغرض بعبارةٍ أخرَى، وهي أن الوصية بالزيادة، (على الثلث) 1 غيرُ نافذةٍ إنَّ لم يجز الوارث، وإن أجاز، ففي نفوذها بالإجازةِ قَوْلاَن.
فإن لم يكن له وارثٌ خاصٌّ، فوصيته بالزِّيَادة على الثلث باطلة؛ لأنَّه لا مجيز، = ونحوه، وقول الماوردي "فأما الزيادة على الشك فممنوع منها في قليل المال وكثيره لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى سعداً".
انتهى.
وهو ظاهر في التحريم، وكذا قال أبو زكريا الساجي في كتاب "اختلاف الفقهاء" أنه لا يجوز أن يوصي بأكثر من الثلث، قال الشيخ البلقيني وولده الشيخ جلال الدين لو كان في الورثة صغير أو معتوه أو بالغ سفيه ففي "الأم" في باب اختلاف الورثة قبل الوصية للقرابة قال الشَّافعي -رحمه الله-: ولو كان في الوصية صغير أو بالغ محجور عليه، أو معتوه، لم يجز على واحد من هؤلاء أن يجز في نصيبه شيئاً جاوز الثلث من الوصية، ولم يكن لولي واحد من هؤلاء أن يجيز ذلك في نصيبه، ولو أجاز ذلك في ماله كان ضامناً له في ماله، فإن وجد في يدي من أجيز له أخذ من يديه، وكان للولي أن يتبع من أعطاه إياه بما أعطى منه؛ لأنَّه أعطاه ما لا يملك.
انتهى.
ينظر الأم 4/ 145. وحاصله أن الولي لا يجوز له أن يجيز ولا يجب عليه أن يرد ولا يعطل التصرف في العين بل يجوز بيعها والتصرف فيها.
فإن قيل هل يجزي جواز البيع والتصرف في البالغ الرشيد قبل أن يرد إذا كان وارثاً يحتمل أن يجزي ويحتمل أن يفرق بأن له مندوحة في ذلك بأن يرد -باللفظ- وهذا الثاني أولى.
انتهى.
وذكر في الخادم ذلك ولم يحزه لنقل شيخه ونقل عن الماوردي أنه لا يصح إجازة الورثة إلا من بالغ عاقل جائز الأمر، فإن كان فيهم صغير أو مجنون أو محجور عليه بسفه لم يصح منه الإجازة، ولا من الحاكم عليه، ولا من وليه لما في الإجازة عليهم من تضييع حقهم ولا ضمان على الولي المجيز ما لم يُقبض، فإن أقبض صار ضامناً بقدر ما أجازه من الزيادة.
قاله البكري.

والمالُ للمسلمين.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- أنها صحيحةٌ، وبه قال أحمد في أصحِّ الروايتَيْنِ عنه، وفي "شرح أدب القاضي" لأبي عاصمٍ العبَّادِيِّ وجهٌ مثله.
وقال في "التتمة" للإمام: رد هذه الوصية.
وهلْ له إجارتها ليُبْنَى عَلَى أن الإمام، هلْ يُعْطَى حكْمَ الوارث الخاصِّ؟ إذا عُرِفَ ذلك، ففي الوصية للوارِثِ طريقان: أصحهما: أن الحكُمَ، كما لو أوصَى لأجنبيٍّ بالزيادة على الثلث، حتَّى يرتدَّ بردِّ سائر الورثة، وإن أجازوا، فعلى القولَيْن، وقد نصَّ عليهما في "الأم": أحدهما: أن إجازتهم ابتداءُ عطيةُ والوصية باطلة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الله قَد أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، إِلاَّ لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثِ" 1. والأصحُّ، وبه قال أبو حنيفةً، ومالك، وأحمد -رحمهم الله- إنها تنفيذٌ لما فعله المُوصِي، وللذي فعَلَهُ.
انعقادٌ واعتبارٌ؛ لما رُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاس -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَجُوزُ الوَصِيَّةُ لِوَارِثِ إِلاَّ أنْ يُجيزَهَا الوَرَثَةُ".
وُيرْوَى: "لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ" 2. والطريقُ الثانِي: أنَّها باطلةٌ، وإن أجاز الورثة، بخلافِ الوصيَّة للأجنبيِّ بما زاد على الثلث، والفرق أن المنع من الزيادةِ لحَقِّ الورثة، فهذا رضُوا، جوَّزنا، والمنع هاهنا لتغيير 3 الفروض التي قدَّرها الله تعالَى للورثة عَلَى ما أشْعَرَ الخبر، فلا أثَرَ

لِرِضَاهم، وتُحْكَى هذه الطريقةُ عن المُزَنِيِّ، وعن ابن أبي هريرة -رحمهما الله-.
وقوله في الكتاب: "أما الوارثُ، فلا وصيَّةَ له" لم يُرِدْ به الجواب على هذه الطريقة، وإنَّما أرادَ بُطْلانَها عنْدَ رَدِّ الباقين؛ ألا تراه يقول على الأثر "فإن أجاز الورثة" إلى آخره وعلى مثل هذا ينزل قوله في فَصْل الوصية للعبد "وإن كان عبْدٌ وارثٌ، لم يَصِحَّ" ويجوز أنْ تُعْلَمَ هذه الكلمة بالميم؛ لأن عند مالك -رحمه الله- إن لو أوصَى لعبدِ وارِثهِ بشيء يسير، صحَّت الوصية، ووقعت للعَبْدِ، وإن أوصَى بمالٍ كبيرٍ، فهي كالوصيَّة للوارث، وقوله: "نفذَت على أصحِّ القَوليْن" عَنَى به أن الوصيَّة منعقدةٌ، موقوفةٌ، فإن أجازوها، أمضيناها، ونفَّذْنَاهَا، بإجازَتِهِم وفي القول الثاني: هي لاغيةٌ، فيكون إجازتهم ابتداءَ عطيَّةٍ منهم، وأمَّا قوله "والقاتل" فالخلاف في الوصية للقاتل عند الإجازة عَلَى ما حكاه الإمام، كالوصيَّةِ للوارثِ عنْد الإجازة، فتجيء فيها الطريقان؛ وذلك إذا لم نُطْلِق القَولَ بِصِحَّتها أمَّا إذا صحَّحناها، فلا خِيَرَةَ للوارث، ولا حاجَةَ إلَى إجازته، ويجوز أن يُعْلَمَ قوله "عَلَى أصحِّ القَوْلَينِ" بالواو، للطريقةِ القاطِعَةِ بالبطلان في الوصية للوارث، والقاتلِ، ثم الكلام في التفريع على القولَيْن في كيفية الإجازة، وفي مسائل وقواعد تنسلك في الفصْلِ: أما التفريع: فإن قلنا: إنها تنفيذٌ وإمضاءٌ، كَفَى لفظ الإجارة، ولا حاجة إلى هبة وتجديدِ قبولٍ، وقبض من الموصَى له، وليس للمجيز الرجوعُ، وإن لم يحْصُلِ القبض بعد أن جعلْنَاها ابتداءَ عطيةٍ منهم، فلا يكفي قبولُ الوصية أولاً، بل لا بد من قبولٍ آخَرَ فِي المجلس، ومن القبض، وللمجيز الرجوعُ قبل القبض، وهلْ يُعْتَبَرُ لفظ التمليك، ولَفْظ الإعْتَاق؟ إذا كان الموصَى به العِتْقَ، فيه وجهان: أحدهما: لا، بل يكفي لفظ الإجازة، لظاهر الخبر.
وأظهرهما: نعم، ولا يكفي لفظُ الإجازة كما لو تصرَّف تصرُّفاً فاسداً من بيعٍ، أو هبةٍ، ثم أجازه ويُنْسَبُ هذا الوجه إلى مالك، وهو الاختيار المَزَنيِّ -رحمه الله-.
وإذا خلَّف زوجةً، هي بنت عمه، وأباها، وكان قد أوصَى لها، وأجاز أبوها الوصية، فلا رجوعَ له، إن جعلْنا الإجازةَ تنفيذاً.
وإن جعلناها ابتداءَ عطيةٍ، فله الرجوع.
وإذا أعتق عبداً في مرضه، أو (أوصى) 1 بعتقه، ولا مالَ له سواه، أو زادَتْ

قيمته على الثلث، فإنْ جعلْنا الإجازةَ ابتداءَ عطيةٍ من الورثة، فولاءُ ما زاد على الثلث للمجيزين، ذكورهم وإناثهم بحسب استحقاقهم، وإن جعلْناها تنفيذاً، فولاءُ الكلِّ للميت؛ فيرَثه ذكور العصبات لا غير.
وحكَى الأستاذُ أبو منْصُورٍ عن بعض الأصحاب أنَّه يُحْتَمَلُ أن يكون الولاءُ للميِّت على القولَيْن جميعاً؛ لأنا، وإنْ جعلْنا إجازتهم ابتداءَ عطيةٍ، وقلنا: إنه ملكهم، فإجازتهم إعتاقُ الميت، كإعتاقِهِمْ عن الميت بإذنه، ومن أعتق عبده عن غيره بإذْنِهِ والتماسه، كان الولاءُ للآذن، وُينْسَبُ هذا الوجهُ إلى ابن اللَّبَّان، إلاَّ أن اعتبار الإذْنِ بعد موت الآذِنِ كالمستبعد.
ولو أعتَقَ العبْدَ في مرض الموْتِ، ومات العبدُ قبل موته، فيموتُ، كلُّه [حرٌّ أمْ] 1 كَيْفَ الحالُ؟ [فيه خلاف مذكورٌ في الكتاب] في "كتاب العتق".
أما المسائِلُ؛ فمنها: الهبة في مرض الموت من الوارث، والوقْفُ عليه، وإبراؤه عما عليه من الدَّيْنِ، كالوصيَّةِ له، ففيها الخلاف.
ومنها: لا اعتبار بردِّ الورثة، وإجازتهم في حياة الموصِي، وإذا أجازوا في الحياة، وأذنوا له في الوصيَّة، ثم أرادوا الردَّ بعد الموت، فلهم ذلك؛ لأنه لا يتحقَّقُ استحقاقُهُم قبْل المَوتِ؛ لِجَوَازِ أن يبرأ المَرِيضُ، أو يموتوا قَبْل موْتِهِ.
وعَنْ مالك -رحمه الله- أن الإجازة قبل الموت تلزم، إلا أن يكونَ الوارثُ في نفقته، وعنه أيضاً: أنهم، إنْ أذِنُوا له في الوصية، وهو صحيحٌ، فلهم الرجوعُ، وإنْ أذِنُوا، وهو مريض، فلا رجوعَ لهم، ولو أجاوزا بعد الموْتِ، وقبل القسمة؛ قال الأستاذ أبو منصور: في تنزيلها منزلة الإجازَةِ قبل الموت قولان مخرَّجان للأصحاب، والظَّاهِرُ لزومها.
ومنْها: ينبغي أن يعرف الوارثُ مقدارَ الزائدِ عَلَى الثلث، ومقدارَ التَّركة، فإن لم يَعْرِف قدر الزائد، أو قَدْرَ التركة، لم تصحَّ الإجازة، وإن جعلْناها ابتداءَ عطيَّةِ، وإنْ جعلْناها تنفيذاً، فهي كالإبراءِ عَنِ المجهول.
ولو أجاز الوصيَّة بما زادَ عَلَى الثلث، ثُم قال: كنت أعتقدُ أن التركة قليلةٌ، فبانت أكثر مما ظَنَنْتُ، فعن نصِّه في "الأم" أنه يحلف، وتنفذ الوصية في القَدْر الذي كان يتحقَّقه.

قال الأصحاب: وإنَّما يُحْتَاجُ إلى اليمين، إذا حصل المال في يد الموصَى له، أما إذا لم يحْصَل، فلا حاجة إلى اليمين، إذا جعلناها ابتداءَ هبة؛ فإنَّ الهبة قبل القبض لا تلزم، وفي "التتمة" أن التنفيذ في القدر الذي يتحقَّقه مبنيٌّ على أن الإجازة تنفيذ فتتنزل منزلة الإبراء، أما إذا جعلْناها ابتداءَ هبة، فإذا حلف، بَطَل في الكلُّ، واللفظ المحكيٌّ عن النص ينازع فيما إذا ادعاه.
ولو أقام الموصَى له بيِّنَةً على أنَّه كان عارفاً بقَدْر التركة عند الإجازة، لزمت، إن جعلْناها تنفيذاً، وإن جعلْناها ابتداءَ هبةٍ، لم تلزم، إذا لم يوجَدِ القبضُ، ولو كانتِ الوصيةُ بعبدٍ معيَّن، وأجاز الوارثُ، ثم قال: كنْتُ أظنُّ أن التركةَ كبيرةٌ، وأن العبد خارجٌ من ثلثها، [فتبينت] 1 خلافه، أو ظهر دَيْنٌ لم أعلمه، أو تبيَّن لي أنه تَلِفَ بعضها، فإن جعلْنا الإجازة ابتداءَ عطيَّةٍ، صحت.
قال في "التتمة": لأن العبد معلومُ الجهالةِ في غيره، بخلافِ ما إذا كانت الوصيَّةُ بالجزء المشاعِ.
وإن جعلْناها تنفيذاً وإمضاءً، فقولانِ نقلهما صاحب "الشامل" وغيره: أحدهما: الصحَّة للعلم بالعقد.
والثاني: أنه يحلِفُ، ولا يلزم إلاَّ الثلث، كما في الوصيَّة بالمشاع، وهذا ما أورده المتولِّي 2. ومنها: العبرة في كونه وارثاً بيوم الموت، حتى لو أوصَى لأخيه، ولا ابْنَ له ثم وُلِدَ له ابْنٌ قبل موته، فالوصيةُ صحيحة.
ولو أوصَى لأخيه، وله ابن، فمات الابن قبل موْتِ الموصِي، فهي وصية للوارث؛ وقد ذكَرْنَا في الإقرار للوارث خلافاً؛ في أن العبرة بيوم الإقرار، أو بيوم الموت، والفرق أن استقرار الوصية بالموت، ولا ثبات لها قبله.
ومنها: قال صاحب الكتاب: "إذا أوصَى لكلِّ واحدٍ من ورثته بقَدْر حصَّته من التركة، لَغَتْ وصيته؛ لأنهم مستحِقُّون لها، وإن لم يوص ويجيء فيه وجهٌ آخر؛ لأن

صاحب "التتمة" حكَى وجهين فيما إذا لم يكُنْ له إلا وارثٌ واحدٌ، فأوصَى له بماله: المذهبُ منهما أنه تلْغُو الوصيةُ، ويأخذ التركة بالإرْثِ.
والثاني: أنَّه يأخُذُها بالوصية، إذا لم ينقضها، قال: وفائدةُ الخلافِ تظْهَر فيما إذا ظهر دين، إن قلْنا: إنَّه يأخذ التركة إرثاً، فله إمساكُها، وقضاءُ الدَّين من موضع آخر، وإن قلنا: إنَّه يأخُذُها بالوصية، قضاه منها, ولصاحب الدَّين الامتناعُ لو قضَى من غيرها، ومعلومٌ أنه لا فرْقَ بين أن يتحد الوارث 1، أو يتعدَّد.
ولو أوصَى لكلِّ واحد من الورثة بعينٍ، هي قَدْرُ حصته من ثوب وعبد وغيرهما، فهل تحتاج هذه الوصيَّةُ إلى الإجازة أم لا؟ ويختص كل واحد منهم بما عينه؟ فيه وجهان: أظهرهما: الحاجةُ؛ لأنَّ الأغراض تتفاوتُ بأعيان الأموال، والمنافع الحاصلة منْها.
والوجه الثاني: أن حق الورثة يتعلَّق بقيمة التركة، لا بعينها؛ ألا ترَى أنه لو باع المريضُ أعيانَ التركة بأثمان [مثلها]، صَحَّ، وحقوقُهُمْ في القيمة موفَّاة هاهنا؟ وذكر صاحب "التهذيب" في هذا الموضع صورتين؛ كالمستشهد بهما للوجهين.
إحدى الصورَتَيْن: إذا أوصِى بأن يُبَاعَ عين ماله من إنسان، فالوصية صحيحةٌ؛ لأن الأغراض يتعلق بالعين، كما يتعلَّق بالقدر، فتصحّ الوصية بها، كما تصحُّ بالقدر، وفي "التتمة"، "والمعتمد" للشَّاشِيِّ وجه آخر؛ أنها لا تصحُّ، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: لأنَّه لو باع ماله في مرض [الموت] 2؛ لا يُعْتَبَرُ من الثلث، ولو صحَّت الوصية، لاعْتِبُرَ من الثلث.
والثانية: بيع المريض مالَه من وارثه بثَمَن المثل نافذ، خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: إنَّه وصية، يُوقَفُ عَلَى إجازة سائر الورثة.
لنا: أنَّه لا تبرُّعَ فيه؛ ألا ترى أنه يجوز بيع الزائد على الثلث بثمن المِثْل من الأجنبيِّ.
والصورةُ الثانيةُ: يشهد لوجْهِ الاستغناء عن الإجازة فيما إذا أوصَى لكلِّ واحدٍ بعينٍ هي قَدْرُ حصَّته، والأَوْلَى تشهد لوجه الحاجة إليها، قكذلك قال، وكذلك لو

أوصَى بأن يباع عين ماله من إنسان، نفذ، لكن لا خلافَ إلَى آخره، إلاَّ أن الاستشهاد إنما يَحْسُن إذا كان المستشهَدُ به مُتَّفَقَاً عليه، أو كان الحكْمُ فيه أظهر منه في موضع الكلام.
وادعَى صاحب "التتمة" أن الخلاف في الصورة الأولَى مبنيٌّ على الخلاف في الحاجة إلى الإجازة وإذا أوصى لكلِّ واحدٍ بعين، هي قدرُ حصته، إن قلنا بالحاجة هناك، صحَّت الوصية هاهنا، وإلاَّ، فلا، فإن كان كذلك، فالأحسنُ أن يقرأ، وكذلك لو أوصَى بأنْ تُبَاعَ عينُ ماله من إنسان، نفذ؛ ليكون عطفاً على أظهر الجوابَيْنِ في المسألة السابقة، وهذا يوجد في بعض النسخ.
ومنها: أوصَى بثلث ماله لأجنبيٍّ ووارثِ، إن صحَّحنا الوصيَّة للوارث، وأجاز سائرُ الورثة، فالثلث بينهما، وإن أبطَلْناها، أو ردها سائر الورثة، فقد ذُكِرَ وجْه: أنَّها تبْطُل في حقِّ الأجنبيِّ، أيضاً؛ أخذاً من منع تفريق الصفقة، لَكنَّهُ ضعيف؛ لأن العقْدَ مع شخصين كعقْدَيْن، بل للأجنبيِّ السدس 1. وعن أبي حنيفة: أنَّ له تمامَ الثُّلث، ولو أوصَى لهذا بالثلث، ولهذا بالثلث، فإنِ اعتبرنا الوصية للوارث، وأجاز سائر الورثة، فلكلِّ واحد منهما الثلث؛ وإن أبطلناها، أو ردوا فلا شيء للوارث، ثم يُنْظَرَ في كيفية الرد؛ إن ردُّوا وصية الوارث، سُلِّمَ للأجنبيِّ تمامُ الثُّلُث، وفيه وجهٌ بعيدٌ؛ أنَّه لا يُسَلَّم إلاَّ السُّدُس.
وإن قالوا: ردَدْنا ما زاد على الثُّلث من الوصيَّتَيْنِ، فوجهان: أحدهما: وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، ونسبه أبو الفَرَجِ الزاز إلى اختيار القَفَّال: والشيخ أبي عليٍّ -رحمه الله- أنَّه ليس للأجنبيِّ إلاَّ السدس، فإنَّ الزيادةَ قد بَطَلَتْ بالرد؛ فكأنه أوصَى بالثلث ولهما.
وأرجحُهُمَا عند كثرهم، وهو الذي أورده في "التهذيب": أنَّ له تمَامَ الثلث، ووجِّه بأن القائل للرَّدِّ في حقِّ الأجنبي الزائدِ على الثُّلُث، وفي حقِّ الوارث الجميع، فكان الانصراف إلَى نصيب الوارث أوَلَى.

ومنها: إذا أوصَى إلى أحد ورثته بقَدْر نصيبه من التركة، أو بما دُونه، وأجاز الباقون، سُلِّمَ له المُوصَى به، والباقي مشتركٌ بينهم.
قال الإمام -رحمه الله-: وذلك القدْرُ خرج عن كونه موروثاً باتِّفاق الورثة، أما الموصَى له؛ فلأنه أوقعه عن جهة الوصيةِ، حيث قبلها، وأمَّا غيره؛ فلأنه أجازها.
ولو أوصَى لبعض الورثةِ بأكْثَرَ من قَدْر نصيبه، فوجهان: أصحُّهما: أن الجواب كذلك.
والثاني: أنَّ الباقي لمن لم يُوصَ له؛ لاحتمال أنَّ غرَضَه من الوصيَّة تخْصيصُه بتلْك الزيادة، لا بجميع الموصَى به، ويخرَّج على هذا الأصل ما إذا أوصَى لأجنبيٍّ بنصف ماله، ولأحدِ ابْنَيْهِ الجائزين بالنِّصْف، وأجاز الوصيتَيِن، فللأجنبيِّ النصف.
وأمَّا الابنُ الموصَى له، ففيما يستحقه وجهان: أحدهما: النصف.
والثاني: الربع، والسُّدُس، والباقي، وهو نصْفُ السُّدُسِ للَّذي لم يُوصَ له، ونسب الإمام وغيره الوجه الأوَّلَ إلَى جواب القَفَّال، والثاني إلَى ابن سُرَيْجٍ، ورأيت الأستاذ أبا منصورٍ حَكَى الأوَّل عن ابن سُرَيْج، ووجّهُ خروجها على الأصلَ المذكور، أن الثلث مُسلَّم للأجنبيِّ، لا حاجة فيه إلى إجازة الاثنين، والباقي بينهما لو رُدَّ لكل واحد منْهما الثلث، فإذا أوصَى لأحدهما بالنصف، فقد زاد على ما يستحقُّه سدساً، فإن قلنا: الباقي بعد الوصية لهما جميعاً، فالسدس بينهما، لكنهما إذا أجَازَا، لَزِمَ كلّ واحد منهما أن يدْفع نصف سدس إلى الأجنبيِّ؛ ليتم له النصف، وحينئذ فيعودُ ما كان للموصَى له إلى النصف، ولا يبقَى للآخر شيْء، وهذا هو الوجه الأوَّل وإن فإنْ قلنا: إن السُّدُس الباقي يختصُّ به الذي لم يُوصَ له، فيعودُ بإجازتهما وصية الأجنبيِّ نصف الابن الموصى له، إلى ربع، وسدس وسدس الابن الآخر إلى نصف سدس، وهذا هو الوجه الثاني.
ولو أجاز الابنُ الذي لم يُوصَ له الوصيتين جميعاً، ولم يُجِزِ الموصَى له وصيَّة الأجنبيِّ؛ فالمسألة تصحُّ؛ من اثْنَيْ عَشَرَ للأجنبيِّ الثلث؛ أربعةٍ بلا إجازة، ويأخُذُ سهماً آخر من نصيب الذي أجاز، فيجتمع له خمسة، وللابن الموصَى له سبعة؛ ستةٌ منها بحُكْم الوصية، وواحدٌ؛ لأنَّه لم يُجِزْ وصيَّة الأجنبيِّ، هكذا حكاه الأستاذ عن ابن سُرَيْجٍ، وهو قياس الوجه الأوَّل.
وقياس [الوجه] 1 الثاني أن يأخذ الابنُ الموصَى له ستة أسهم، ويبقَى للابن

الآخر سهم، ولو لم يجز الابن الذي لم يُوصَ له وصية الأجنبي، فللموصى له خمسة، ثم على قياس الوجه الأول: لابن الموصَى له ستة، وللآخر سهم، وعلى قياس الثاني: للموصَى له خمسة، وللآخر سهمان.
ومنها: أوصَى لأجنبيٍّ بثلث ماله، ولأحدِ ابنيه الجائزين بالكل، وأجازا الوصيتين، فللأجنبيِّ الثلث كاملاً، والثلثان للابن الموصَى له، وليس له زحمة الأجنبيِّ في الثلث، فإن الوصية بالثلث للأجنبيِّ مستغنية عن الإجازة، وفيه احتمالٌ للمتأخِّرين، [وإن ردِّ] 1 فثلث الأجنبيِّ بحاله، ولا شيء للابن الموصَى له بالوصية، ولو أوصَى للأجنبي بالثلث، ولكل واحد من ابنيه بالثلث، فردَّا، لم يؤثِّر ردُّها في حق الأجنبيِّ، وفيه وجه؛ أنه ليس له إلا ثلثُ الثُّلُث بالشيوع.
ومنها: وقف داراً في مرض موته على ابنه الجائز، فإن أبطلنا الوصيَّة للوارث، فهو باطل، وإن اعتبرناها موقوفةً على الإجازة، فعن ابن الحَدَّاد؛ أنَّه [إذا احتملها] 2 ثلث ماله، لم يكن للوارث إبطالُ الوَقْف في شَيْء منها؛ لأنَّ تصرُّفَ المريض في ثُلُث المال نافذ، فهذا تمكَّن من قَطْع حقِّ الوارث [عن الثلث] بالكُلِّيَّة؛ فَلَأَنَّ يتمكَّن من وقْفِهِ عليه، وتعْليق حقِّ الغير به، كَانَ أَوْلَى، وإن زادَتْ على الثلث، لم يبْطُلِ الوقْفُ في قدر الثلث، وأما الزيادةُ، فليس للمريض تفويتُ مِلُكِها على الوارث.
وللوارِثِ الردُّ، والإبطال، فإن أجاز، فإجازته وقف منه على نفسه، إن جعلنا إجازة الوارثِ ابتداءَ عطيَّةٍ منه، وإِنْ جعلناها تنفيذاً منه، لزم الوقْفُ.
وفي "التتمة": أن القفَّال قال: له ردُّ الوقْف في الكل؛ لأن الوصيَّة بالثلث في حقِّ الوارث كَهِيَ بالزيادة في حقِّ غير الوارث؛ ألا ترى أنه لو أوصَى لأحد الوارِثَيْنِ بشَيْءٍ قليلٍ، كان للآخر الرد؟ فإن أجاز الابن فالحكْمُ في الكلِّ على الخلاف في كيفية الإجازة.
وأجاب الشيخ أبو عليٍّ عن هذا التوجيه بأنا إنَّما جوَّزنا لأحد الوارثَيْنِ إبطالَ الوصية على الثاني؛ لأنه بالوصية فَضَّلَه عليه، ونقص حقّ الذي لم يُوصَ له عن عطيَّة الله تعالَى، وهاهنا لا تفضيل.
والتفريعُ عَلَى جواز الوصيَّة للوارث في الجملة فلينفذ تصرفه في الثلث المستَحقِّ له، والنقل المشهورُ هو المَحْكِيُّ عن ابن الحدَّاد، وعليه تفريعُ الصور المذكورة مِنْ بَعْدُ، ثم ذكر الإمام أن المسألة مصوَّرة فيما إذا نجَّز الوقْف في مرض موته أما إذا كان

الابنُ طفلاً، فقبله له، ثم مات فحاول الابن الردَّ، والإجازة، لكنه لا حاجة إلَى هذا الفرض؛ لأنه، وإن كان بالغاً، وقبل بنفسه، لم يمتنع علَيْه الردَّ بعد الموت 1؛ إذ الإجازة المعتبرةُ هي الواقعة بعد الموت، ولو كان له ابنٌ، وبنتٌ، فوقف ثَلثَي الدار على الابْنِ، والثلث على البنْتِ، فلا ردَّ لهما، إن خرجت الدارُ من الثلث؛ لَأنه لم يُفَضِّلُ، ولم يغير عطيَّة الله تعالَى, وإن زادَتْ على الثلث، فلهما ردُّ الوقْف في الزيادة.
وإن وقَفَها عليهما نصفَيْن، والثلث يحتملها، فإنْ رَضِيَ الابْن، فهو كما لو وقف، وإلا، فظاهرُ جواب ابن الحدَّاد أن له رد الوقف في ربع الدار؛ لأنه لما وَقَف عليه النصف، كان من حقِّه أن يقف علَى البنت الرُّبُع، فإذا زاد، كان للابْنِ ردُّه، ثم لا يصير شيْءٌ منه وقفاً [عليه] فإنَّ الأب لم يقف عليه إلا النصف، بل يكون الربع المردُودُ بينهما أثلاثاً ملكاً، وتقع القسمة من اثنَيْ عَشَرَ؛ لحاجتهِ إلَى عدد لربعه ثلاثاً، فتسعةٌ منها وقْفٌ عليهما، وثلاثةٌ مِلْكٌ، وكلاهما بالأثلاث.
وقال الشيخ أبو عليٍّ: عندي ليْسَ للابْنِ إبطالُ الوَقْف إلاَّ في سُدُس الدار؛ لأنه إنَّما يحتاج إجازته فيما هو حَقُّه، وحقُّه منحصرٌ في ثلثي الدار، وقد وقف عليه النصف، فله استخلاصُ تمامِ حَقِّه، وهو السدُس، أما الثلث الآخر، فهو حقُّها، فلا معنَى لتسليطه على إبطالَ الوقْف فيه، نعم، يَتَخيَّر هي، إن شاءت، أجازت، فيكون كلُّه وقَفَها عليها، وإن شاءت، ردَّت الوقْف في نصف سدس الدار، وحينئذ فتكون القسمةُ عَلَى ما سبق، والنسبة بين وقْفِها وملكها، كالنسبة بين وقفه 2 وملكه.
ولو وقف الدارَ عَلَى ابنه، وزوجته نصْفَيْن، ولا وارث له سواهما.
قال ابن الحدَّاد؛ قد نقَصَ المريضَ عن حقِّ الابن ثلاثة أثمان الدار [وهي ثلاثة أسباع حقه؛ لأن سبعة أثمان الدار] 3 له ولم يقف عليه إلاَّ أربعة أثمانها، وهي أربعة

أسباع حقِّه، فله ردَّ الوقف في حقِّها من الدار، وهو الثمن إلى أربعة أسباعه؛ ليكون الوقْفُ عليها من نصيبها، كالوقف عليه من نصيبه، فيكون الباقي بينهما أثماناً ملكاً، فتكون القسمةُ من ستة وخمسين؛ لحاجتنا إلى عدد لثمنه سبع؛ فيكون أربعةَ أسباعِ الدار كلّها، وهي اثنان وثلاثونَ وقفاً؛ ثمانية وعشرون منْها وقْفٌ على الابن، وأربعةٌ على الزوجة، والباقِي، وهو أربعة وعشرون، ملكاً بينهما: منها أحدٌ وعشرون للابْنِ، وثلاثةٌ للزوجة.
وقال الشيخ أبو عليٍّ ليس له ردُّ الوقف إلاَّ في قيمة حقِّه، وهو ثلاثة أثمان الدار، وأما الثمن، فالخيار فيه للزوجة ولو وقف ثُلُثَ الدار على ابنه، وثلثيها على أمه، ولا وارث له سواهما، فالجوابُ على قياس ابْنِ الحدَّاد؛ أنَّه نقص من نصيب الأب ثلث الدار لأنَّه يستحق ثلثيها, ولم يقف عليه إلاَّ الثلث، وذلك نصف نصيبه 1، فله ردُّ الوقف في نصف نصيبها، وهو سدُسُ الدار، والباقي بينهما أثلاثاً ملكاً، وتقع القسمة من ستة؛ لأنَّا نحتاج إلَى عدد لثلثه نصْف، فيكونُ نصف الدار وقفاً ونصفها ملكاً أثلاثاً وعلَى قياس الشَّيْخ: لا يُرَدُّ الوقف إلا في تَتِمَّة نصيبه، وهو الثلث ولها الخيارُ في السدس.
والله أعْلَم.
ولفظ ابن الحدَّاد في "المولدات" في هذا الباب يُمْكِنُ تنزيلُه عَلَى ما ذكره الشيْخُ؛ فيرتفع الخلافُ، لكنه يُحْوِج إلَى ضرب تعسُّفٍ.
فرْعٌ: الوصيَّة للميت باطلة، سواءٌ علم الموصِي بموته 2 أو لم يَعْلَم؛ لأن الوصيَّة تمليك، ولا يمكن تمليك الميت.
وقال مالك -رحمه الله- إن عَلِمَ موته، صحَّت الوصية، وكان الموصَى به من تركَتِهِ، وفي لفظ الكتاب في أوَّل الركْنِ الثانِي حيث قال: "وهو كُلُّ من يُتصوَّر له المِلْك" ما ينبه على هذا الفرع.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ في المُوصَى بِهِ وَتَصِحُّ الوَصِيَّةُ بِكُلِّ مَقْصُوب يَقْبَلُ النَّقْلَ بِشَرْطِ أَلاَّ يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ كَونُهُ مَوْجُودَاً أَوْ عَيْناً إِذْ يَصِحُّ بالحَمْلِ، وَثَمَرَةِ البُسْتَانِ وَالمَنْفَعَةِ، وَلاَ كَوْنُهُ مَعْلُومَاً وَمَقْدُوراً عَلَيْهِ إِذْ يَصِحُّ بِالحَمْلِ وَالمَغْصُوبِ

وَالمَجَاهِيلِ، وَلاَ كَوْنُهُ مُعَيَّنَاً (و) إِذْ تَصِحُّ بِأحَدِ العَبْدَيْنِ وإنْ لَمْ يَصِحَّ لِأَحَدِ الشَّخْصَينِ عَلَى الأَظْهَرِ فَرْقَاً بَيْنَ المُوصَى لَهُ وَالمُوصَى بِهِ، وَلاَ كَوْنُهُ مَالاً إِذْ يَصِحُّ بِالكَلْبِ المُنْتَفَعِ بِهِ وَجِلْدِ المَيْتَةِ وَالزِّبْلِ وَالخَمْرَةِ المُحْتَرَمَةِ وَكُلِّ مَا يَنْتَقِلُ إِلَى الوَارِثِ، إِلاَّ القَصَاصَ وَحَدَّ القَذْفِ فَإنَّهُ لاَ أَرَبَ فِيهِ للمُوصَى لَهُ بِخِلاَفِ الوَارِثِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: نورِدُ فقْهَ مسائل الفَصْل، ثم نعودُ إلَى ما يتعلَّق بالضَّبْطِ.
فِمَنَ المسائل الوصيَّةُ بالحمل، وهِيَ إما أن يكون بالحَمْل الموجودِ في الحال، أو بالحَمْل الذي سيحدث، فإن كانت 1 بالحمل الموجود في الحال، فإنْ أطلق، قال: أوصَيتُ بحَمْلِ فلانةٍ، أو قيَّد؛ فقال: بحَمْلِها الموجُودِ في الحال؛ فهي جائزةٌ، كما يجوز إعتاقُ الحمل، ثم الشرط، أن ينفصل لوَقْتٍ يعلم وجودَهُ عند الوصية، وأن ينفصل حيّاً عَلَى ما سبق في الوصية للحَمْل.
نعم، لو انفصل ميِّتاً مضموناً بجنايةِ جانٍ، فقد ذُكِرَ أن الوصيَّة لا تَبْطُلُ، وتَنْفذُ مِنَ الضَّمَان؛ لأنه انفصل متقوَّماً، بخلاف ما إذا أوصَى لحمل، وانفصل ميِّتاً بجناية جانٍ، حيث تَبْطُل الوصية علَى ما سبق؛ لأنَّ المعتبر هناك المالكية 2، وهل يصح قبول الموصَى له قبل الوَضْع؟ فيه خلافٌ مبنيٌّ عَلَى أن الحملِ، هل يُعْرَفُ؟ وإن كانت الوصية بالحمل الَّذِي سيكُونُ، فوجهان: أحدهما: ويُحْكَى عن أبي حنيفة: أنها باطلةٌ؛ بناءً على أن الاعتبار بحال الوصيَّة، ولا ملك يومئذ، بل لا وجود، والتصرُّف يستدْعِي مُتصرِّفاً فيه.
وأصحهما: الصحَّة، كما تصحُّ الوصية بالمنافع؛ وهذا لأنَّ الوصيَّةَ إنَّما جوزت؛ وفقاً بالناس، وكذلك احْتمِلَ فيها وجُود الغرر، فكما تَصحُّ بالمجهول، تصح بالمعْدُوم.
ومنْها: الوصيةُ بثمار البُسْتَان الحاصلةِ في الحَال، صحيحةٌ، وبالتي ستحدث طريقان: أظهرهما: أنها علَى الوجْهَيْن في الحَمْل الذي سيحْدُث.
والثاني: القطْعُ بالصحة، كالوصية بالمنافع؛ لأنها تحْدُث من غَيْر إحداثِ أمْرٍ في أصْلِهَا، والولد لا يحْدُثُ إلا بإحداث أمر في أصله، ولهذا تجوز المساقاةُ على الثمار التي ستحْدُث، ولا تجوزُ المعاملةُ على النتاج الذي سيحْدُث والوصيةُ بصُوف الشاة ولبنها، كالوصيةُ بالثمار.
ومنْها: الوصية بمنافع الدار، والعبد، صحيحةٌ؛ لأن المنافع أموالٌ مقابلة بالعوض، فأشبهت الأعيان، وتصحُّ الوصية بها مؤبدة، ومؤقَّتة، والإطلاق يقتضي

التأبيد.
ومنها: الوصيةُ بما لا قدْرَةَ عَلَى تسليمه، كالمغصوب، والآبِقِ، والطَّيْرِ المنفلِتِ، صحيحةٌ، وكذا الوصية بالمجهول، مثل أن يقول: أعطوه ثوباً، أو عبداً؛ لأن الله تعالَى أعطانا ثُلُث أمْوَالِنَا في آخر أعمارنا، وقد يشبه علينا قدْرُ الثلث، إمَّا لكثرة المال، أو غيبته، فدعت الحاجة إلى تجويز الوصيَّة بالمجهول.
ومنها: لو أوصَى بأحد العبْدَيْنِ، صحَّت الوصية؛ لأنَّها محتملةٌ للجهالة، فلا يقدح الإبهام، ولو أوصَى لأحد الشخصين، فأحد الوجهين أن الجواب كذلك.
وأظهرهما: المنعُ كما في سائر التمليكات، وقد يُحْتَمَلُ في الموصَى به ما لا يُحْتَمَلُ في الموصَى له، ولذلك كان الأظهرُ في الوصية بحَمْل كُوِّنَ 1 الجواز، وفي الوصية يحمل سيكون المنع؛ لأنَّ الإبهام في الموصَى له، إنَّما يُمْنَعُ إذا قال: أوصيتُ لأحدِ الرجلين، أما إذا قال: أعْطُوا هذا العبدَ أحدَ الرجلين، ففي "المهذب" و"التهذيب" وغيرهما: أنه جائز؛ تشبيهاً بما إذا قال لوكيله: بعْهُ من أحد الرجلين، وإذا أبْهَمَ الموصَى به، عيَّنه الوارث وإن أبْهَمَ الموصَى له، وجوَّزناه، فحكمه مذكورٌ في الكتاب من بعد.
ومنها: الوصيةُ بما يحلُّ الانتفاع به من النجاسات، كالكلب المُعلَّم والزيت النجِس، والزِّبْل، وجِلْدِ الميتة، والخَمْر المحترمة صحيحة لثبوت الاختصاص فيها، وانتقالها من يَدٍ إلَى يدٍ بالإرث، وغيره، قال في "التتمة": ومن هذا القبيل شَحْمُ الميتة، لدهن السفن، ولحمُها إذا جوزنا الانتفاع به؛ وفي الجرو الذي يقع الانتفاع به وجهان؛ بناءً على أنه، هل يجُوز إمْسَاكُه، وترتيبُه، لما يتوقع في المُسْتَقْبَلِ.
والأظهر الجواز وأمَّا ما لا يحل اقتناؤه، والانتفاعُ به؛ كالخَمْرُ، والخِنْزير والكلب العَقُور فلا يجوز الوصيَّة 2 به، ونقل الحناطيًّ وجهاً أنه يجوز الوصيَّة بالكَلْب الذي لا

يجُوز اقتناؤه أيضاً، وقولاً: أنه لا يجوز الوصيَّةُ بالمقتَنى المنتفع به من الكِلاَب، كما لا تجوز هبته علَى رأي، وهما غريبان.
وتصحُّ الوصية بنُجُوم الكتابة؛ وإن لم تكنْ مستقرَّةَ، فإنْ عجز، فلا شَيْء للموصَى له، وتصحُّ برقبة المكاتَب، إن جوَّزنا بيعه، وإلا، فقد قال في "التتمة": هي كما لو أوصَى بمال الغير، فإذا أَوصى بمال الغير؛ فقال: أوصيتُ بهذا العبد، وهو ملك لغيره أو بهذا العَبْد، إن ملكته، فوجهان: أحدهما: أنَّها صحيحةٌ؛ لأنَّ الوصيَّةَ بغير الموجُود جائزةٌ، فغير المملوك أَوْلَى.
والثاني: المنعُ؛ لأنَّ مالكهُ يتمكن من التصرُّف بالوصية، والشيء الواحدُ لا يجُوزُ أن يكون محلاً لِتصرُّف شخْصَيْنِ، وبهذا أجاب صاحبُ الكتابِ في "الوسيط" 1. والوصيَّة بالأصنام، والسلاح للذميِّ، والحربيِّ، وبالعبدِ المُسْلِم، والمَصَاحِفِ للكافر، بمثابة بَيْعها 2، هذه مسائل الفَصْل وما يتعلَّق بها.
وأما ضبط الموصَى به، فصاحب الكتاب -رحمه الله- اعتبر فيه ثلاث أُمور: أحدها: أن يكون مقصوداً، فَيَخْرُج عنه ما لا يُقْصَدُ 3، ويلتحقُ به ما يَحْرُم اقتناؤه، والانتفاع به، والمنفعة المحرمة كالمعْدُومة.
والثاني: أن تقبل النقل من شخص إلى شخص، فما لا يمكن نقلُه لا تصحُّ الوصية به، ويخرج بهذا القيد القصاصُ، وحدُّ القذف 4؛ فإنهما إنِ انتقلا بالإرْث، لا يتمكن مستحقهما من نقلهما إلَى غيره، فلا جرم، لا تجوز الوصيةُ بهما؛ والسبب أن القِصَاص، وحدَّ القذف شُرِعَا للمنتقم المستشْفِي باستيفائهما, وليس الموصَى له في ذلك كالوارث.
وكذلك لا تجوز الوصيَّة بالحقوق التابعة للأموال، كالخيار، وحقِّ الشُّفعة، إنْ لم تبْطُلْ بالتأخير لتأجيل الثمن.
والثالث: ألاَّ يزيد على الثُّلُثِ، على ما سيأتي.

ونزيد أمراً رابعاً وهو اختصاصه بالموصِي، إذا قلْنا: لا تجوزُ الوصية بمال الغير.
وقوله: "ولا يُشْتَرَطُ كونُه موجوداً، أو عيناً إذ تَصحُّ بالحمل، وثمرة البستان" أراد به العمل الذي سيُوجَد، والثمرة التي ستَحْدُث، وأجاب فيهما بالأظهر، ويجوز أن يُعْلَمَ بالواو؛ لما فيهما من الخلافِ، وشرط في "الوسيط" أن يكون الموصَى به موجوداً، وذلك إمَّا أن يحمل عَلَى ما إذا اقتضى اللفظ الوجودَ عند الوصية، كما إذا قال: أوصيتُ لك بحَمْلِ فلانةٍ، ولم يصرِّحْ بالحمل المستقبل، أو يُقَال: إنه جوابٌ على أنه لا تصحُّ الوصية بالحَمْل الذي سيُوجَدُ على خلاف الجواب هاهُنَا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ أوصى بِكَلْبٍ وَلاَ كَلْبَ لَهُ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ شِراءَهُ مُتَعَذِّرٌ، وَإِنْ كَانَ كِلاَبٌ لَهُ لاَ مَالَ لَهُ سِوَاهَا فَوَجْهُ اعْتِبَارِهِ مِنَ الثُّلثُ تَقْدِيرُ القِيمَةِ (و) لَهَا، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ بِعَدَدِ الْرُؤُوسْ، وَقِيلَ: يُقَدَّرُ بِتَقْوِيمِ المَنْفَعَةِ، وَكِلاَ الوَجْهَيْنِ مُتَعَذِّرٌ فِيمَنْ لاَ يَمْلِكُ إِلاَّ كَلْباً وَطَبْلَ لَهْوَ وَزِقَّ خَمْرٍ وَأَوْصَى بِوَاحِدٍ مِنْهِا، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ سِوَاهُ نَفَذَ وَإِنْ قَلَّ المَالُ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ ضِعْفِ الكَلْبِ الَّذِي لاَ قِيمَةَ لَهُ، وَقِيلَ: يُقَدَّرُ كَأَنَّهُ لاَ مَالَ لَهُ وَيُرَدُّ إلَى ثُلُثِ الْكِلاَبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْلِ فرعان متعلِّقان بالوصيَّة بالكلب: أحدهما: إذا قال: أعطوه كلباً من كِلابي؛ وله كلابٌ يحل الانتفاع بها من كلْبِ صيدٍ، وزرعٍ، وماشيةٍ، أُعْطِيَ واحداً منها 1. ولو قال: كلباً من مالي، فكذلك، وإن لم يكن الكلب مالاً؛ لأن المنتفع به من

الكلابِ مما يقتني وتعتوره الأيدي كالأموال، فقد يُسْتَعَار له اسْم المال.
ولو قال: أعطوه كلباً من كلابي، أو من مالي، ولَيْس له كلْبٌ يُنْتَفَعُ به، بطَلَتِ الوصيَّة، بخلاف ما إذا قال: أعطُوه عبداً من مالي، حيث يُشْتَرَى العبدُ، والكَلْب يتعذر شراؤه 1. ويمكن أن يُقَال: لو تبرَّع متبرِّع، وأراد تنفيذ وصيته من عنده، يجوز كما لو تبرَّع بقضاء دينه.
والثاني: من لا مال له، وله كلْبٌ، فأوصى به، لم تَنْفُذِ الوصية، إلاَّ في الثلث؛ لأنه شيء منتفع به؛ فلم يكن له تفويتُ جميعه على الورثة كالأموال وإن أوصَى ببعضه، أو كان له كلابٌ، فأوصى ببعضها، ففي "أمالي" أبي الفرج الزاز وجّهٌ: أنه لا يُعْتَبَرُ خروجُ الموصَى به من الثلث؛ لأنها غير متقومة، ويكفي أن يَتْرُكَ شيئاً للورثة، وإن قلّ والمشهور اعتباره كما في الأموال، وعلى هذا؛ فإن لم يكن إلاَّ كلْبٌ واحدٌ، لم يخْفَ اعتبار الثلث منه.
وإن كان له كلاب، ففي كيفيته وجوه: أحدها: وبه قال صاحب "التلخيص": أنه يُنظر إلى قيمتها بتقدير المالية فيها، كما يُقدَّر الرِّقُّ في الحُرِّ عند الحاجة، وتنفذ الوصيَّة في الثلث بالقيمة.
والثاني: أنَّه يُنْظَرُ إلى عدد الرؤوس وتنفذ الوصيةُ من ثلاثة 2 في واحد، وكلام الناقلين يشعر بترجيح هذا الوجّه، ومنهم من لا يَذْكُر غيره.
والثالث: أنَّه تُقوَّم منافعها؛ لأنه لا مالية للدوابِّ، ويؤخذ الثلث من قيمة المنافع، ومن لم يملك إلاَّ كلباً، وطَبْلَ لَهْو، وزقَّ خَمْرٍ محترمة، فأوصَى بواحد منها، وأردْنا اعتبار الثلث، لم يجز الوجه الثاني، ولا الثالث 3؛ لأنه لا تناسب بين الرؤوس، ولا بين المنافع؛ فتعيَّن اعتبار القيمة.
فإذا إذا لم يكن للموصِي بالكلْب مالٌ، أما إذا كان له

مال، وكلاب، فأوصَى بجميعها، أو بعضها، ففيه وجهانِ مذكُوران في الكتاب.
ووجه ثالث: أظهرهما: نفوذُ الوصية، وإن كثرت وقلَّ المال؛ لأنَّ المعتبر أن يبقَى للورثة ضعْفُ الموصَى به، والمالُ، وإن قلَّ خيرٌ من ضِعْف الكلب الذي لا قيمة له، ويُحْكَى هذا عن أبي علي بن أبي هريرةَ والطَّبَرِيِّ والشيخ.
والثاني: وبه قال الإِصطخريُّ: أن الكلاب ليست من جنس الأموال، فيقدَّر كأنه لا مال له، وتَنْفُذُ الوصيَّةُ في ثلث الكلاب، على ما مر وهذا كما أن الوصية بالمال، والصورة هذه، تُعْتَبَرُ من ثلث المال، وتقدر كأنه لا كلاب له.
والثالث: أنَّه تُقوَّم الكلاب، أو منافِعُها على اختلاف الوجهَيْن السابقَيْن، ويُضَمُّ إلى ماله من المال، وتَنْفُذُ الوصيةُ في ثلث الكُلّ لمن له أعيان، ومنافع أوصَى له بها، فإن ثلثه يُعْتَبَرُ من الأعيان والمنافع جميعاً.
ولو أوصَى بثلث ماله لرجل، وبالكلاب لآخَرَ؛ فعلَى قول الإصطخريِّ يُعَتَبَرُ ثلث الكلاب وحْدها، وأَما على الوجه الأوَّل، فَعن القاضي أبي الطيب: أنه تنفُذُ الوصيَّة بجميع الكلاب؛ لأن ثلثي المال الذي يبقْى للورثة خيْرٌ من ضعف الكلاب، واستبعده ابن الصباغ؛ لأنَّ ما يأخذه الورثة من الثلثَيْنِ هو حصَّتُهم بحسب ما نفَذَتِ الوصية فيه، وهو الثلث، فلا يجوز أن يُحْسَبَ عليه مرَّة أخرى [كما] 1 في الوصية بالكلاب، فعلَى هذا يلتقي 2 الوجهان، وقياسُ الوجه الثالث، أن تُضَمَّ قيمة الكلاب، أو منافِعِهَا إلى المال، ويَدْخُلُ المالُ في حساب الوصيَّة بالكلاب، [وإن لم تدخل الكلابُ في حساب الوصيَّة بالمال.
وقوله في الكتاب] 3 ولا مال له سواها، وكذا "فإن كان له مال سواها" فيه تساهل؛ لأنها ليست بمال؛ حتى يُستثنى، والحمل فيه على مثل ما ذكرنا في قول المُوصِي بكَلْبٍ من مالي.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإذَا أوْصَى بِطَبْلِ لَهْوٍ فَسَدَتْ إِلاَّ إِذَا قَبِلَ الإِصْلاحَ لِحَرْبِ مَعَ بَقَاءِ اسْم الطَّبْلِ، وَإِنْ كَانَ رُضَاضُهُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ عُودٍ فَيَكُونُ هُوَ المَقْصُودَ فَيُنَزَّلُ عَلَيْهِ (و) فَكَأَنَّهُ أَوْصَى بِرُضَاضِهِ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: اسم الطبل يقع على طَبْلِ الحرب، الذي يُضْرَبُ للتهويل، وعلَى طبل الحجيج والقوافل، الذي يضرب لإعلام النزول، والارتحال، وعلى طبل العطَّارِين، وهو سَفَط 1 لهم، وعلى طبل اللَّهو، وقد فُسِّر بالكوبة التي يضرب بها المخنَّثُون، وسطُها ضيِّقٌ، وطرفاها واسعان، وهي من الملاهي، ولعل التمثيل بها أولَى من التفسير.
فإنْ أطلق الوصيَّةَ بالطبل، فقد ذكره في الباب الثاني، وإن عيَّنَ ما سِوَى طبل اللهو، صحَّ؛ وإن عين طبل اللهو، نُظِرَ؛ إن صَلُحَ للحرب أو للحجيج، أو منفعة مباحة، إما على الهيئة التي هو عليها, أو بعد التغيير الذي يَبْقَى معه اسم الطبل، فالوصية صحيحةٌ أيضاً، وإلاَّ، فهي غير صحيحة، ولا نَظَر إلى المنافع المتوقعة بعد زوال اسم الطبل؛ لأنه إنما أوصى بالطبل، هذا ما أورده عامة الأصحَابِ في المسألة وذكر الإمام، وصاحب الكتاب؛ أنه إذا لم يصلُحُ لغرض مباحٍ مع بقاء اسم الطَّبْل، وكان لا يَنتَفعُ إلا برضَاضِهِ لم تصحَّ الوصية؛ لأنَّه لا يقصد منه الرضاضُ، إلاَّ إذا كان من شيْءٍ نفيس كذهب، أو عُودٍ، فتنزل الوصيةُ عليه، وكأنه أوصَى برضاضه، إذا كسر، والوصيَّة قابلة للتعليق.
واعلم أن في بيع الملاهِي التي يُعَدُّ رضاضها مالاً ثلاثةَ أوجُهٍ، بيناها في "كتاب البيع".
ثالثُها: الفرق بين أن تكون متَّخَذَةُ من جوهر نفيس، أو من غيره، فإن اكتفينا بمالية الرُّضَاض لصحَّةِ البيع في الحال، فكذلك في الوصيَّة.
إذ هي أولَى بالصحة، وإلاَّ فكذلك في الوصيَّة، [فإنَّ] 2 ما ذكره عامة الأصحاب [مع ما ذكراه وجهان في المسألة وكما أطلق عامة الأصحاب] 3 المنع في اِلبيع فكذلك منعوا الوصية، والإمام، وصاحب الكتاب اختارا صحة البَيْع، إذا كانت مُتَّخَذةً من جواهِرَ نفيسةٍ، وبمثله أجابا في الوصيَّة.
وليعلم لذلك قولُه: "فينزل عليه" والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وُيُشْتَرطُ أَلاَّ يَكُونَ المُوصَى بهِ زَائِداً عَلَى ثُلُثِ الْمَالِ المَوْجُودِ عِنْدَ المَوْتِ لِقَوْلهِ -صلى الله عليه وسلم- لِسَعْدِ بنِ أَبىِ وَقَّاصِ "والثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، وَكُلُّ تَبَرُّعٍ فِي مَرَضِ المَوْتِ فَهُوَ مَحْسُوبٌ مِنَ الثُّلُثِ وَإِنْ كَانَ مُنَجَّزاً، وَكَذَا إِذَا وَهَبَ في الصِّحَّةِ ثمَّ أَقْبَضَ فِي المَرَضِ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد سبق أن الموصَى به لا ينبغي أن يزيدَ عَلَى ثلث المال؛ لحديث سَعْدٍ -رضي الله عنه- بل الأحسن أن ينقص من الثلث؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- "والثُّلُثُ كَثِيرٌ 1 وعن عليٌّ -كرم الله وجهه- أنه قال: "لأنْ أُوصِيَ بالخُمُسِ أحَبُّ إِلَيّ من أن أُوصيَ بِالرُّبُعِ، وَلَأنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالثُّلُثِ 2 فمن أوصى بالثلث لم يترك وقيل إن كان ورثته أغنياء استوفى الثلث 3 وإلا نقص، وبأي يوم يُعْتَبَرُ المال؟ فيه وجهان: أحدهما: بيوم الوصية، كما لو نذر التصدق بثلثِ ماله، ينظر إلى يوم النذر.
وأصحُّهما: وهو المذكور في الكتاب أن الاعتبار بيَوْم الموت؛ لأنَّ الوصيةِ تمليكٌ بعد الموت، وحينئذ يلزم، فعلَى هذا؛ لو زاد ماله بعد الوصيةُ تعلَّقت الوصيةُ به [وكذا لو هلك ثم كسب مالاً تعلقت به ولو أوصى بعشرة ولا مال له ثم استفاد مالاً تعلقت الوصية به] 4 وعلَى الأول كلُّ ذلك بخلافه.
ومنْهم مَنْ جعل الاعتبارَ في القَدْر بيوم المَوْت جزماً، وخصَّص الخلاف بما إذا لم يملك شيئاً أصلاً، ثم ملكه 5. ثم الثلثُ الذي تُنَفَّذُ فيه الوصيةُ هو الثلثُ الفاضل عن الدُّيون، والديونُ مقدَّمةٌ على الوصايا؛ لما رُوِيَ عن عليٍّ -كرم الله وجهه- أنه قضَى بالدَّيْنِ قَبْلَ التَّرِكَةِ 6، وأيْضاً فالدُّيُون مقدَّمة على حق الورثة، فأولَى أن تقدم على حقِّ الموصَى له؛ لأنه أضعف.
فلو كان عليه دَيْنٌ مستغرِقٌ، لم تنفذ الوصيةُ في شيء، نعم، يُحْكَمُ بانعقادِهَا في الأصْل حتَّى ينفذها, لو تبرَّع متبرِّعٌ بقضاء الدَّين، أو أبرأ 7 المستحِقَّ.

وقوله في الكتاب "ويُشْتَرَطُ ألاَّ يكون الموصَى به زائداً علىَ ثُلُث المال" أي يشترط هذا في لزومِ الوَصيَّة، وأما أصل الصحَّة فيبنى على أن إجازة الورثة ابتداءُ وعطية منهم، أو تنفيذٌ، وقَد مرَّ.
وكما أن التبرُّعات المعلَّقةَ بالمَوْت، وهي الوصَايَا، معتبرةٌ من الثلث، سواء أوصَى به في الصحَّة، أو في المَرَض؛ فكذلك التبرُّعات المُنَجَّزَة في مرض الموت، تُعْتَبَرُ من الثلث، وفي قوله -صلى الله عليه وسلم- "إِنَّ اللهَ أعْطَاكُمْ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ في آخِرِ أَعْمَارِكُمْ 1 ما يشعر به، وإذا وهب في الصحَّة، ثمَّ أقبض في المَرض، كان كما لو وهب في المرض؛ لأن تمام الهبة بالقبض، وحديث أبي بكر وعائشة -رضي الله عنهما- فيه مشهورٌ 2. إذا عُرِفَ ذلك، فهذه [القاعدة] 3 يحتاج فيها إلى معرفة ثلاثةِ فُصُول: أن المرض المَخُوف، ماذا؟ وأن التبرُّعاتِ، والتصرُّفاتِ المحْسُوبَة من الثلث، ما هي؟ وأنها كيف تُحْسَبُ منه، إذا تكرَّرت وتعدَّدت؟ وصاحبُ الكتاب أوْرَدَ هذه الفصُولَ في معرض الأسْئلة والأجْوِبَةِ، [والله أعلم].
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (فَإنْ قِيلَ): وَمَا المَرَضُ المُخَوِفُ؟ (قُلْنَا): كُلُّ ما يَسْتَعِدُّ (ح) الإنْسَان بِسَبَبِهِ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ كَالقُولَنْجِ، وَذَاتِ الجَنْبِ، وَالرِّعَافِ الدَّائِمِ، وَالإِسْهَالِ المُتَواِترِ مَعَ قِيَامِ الدَّمِ، وَالسُّلِّ في انْتِهَائِهِ (و)، وَالفَالَجِ في ابْتِدَائِهِ، وَالحُمَّى المُطْبِقَةِ، أَمَّا ابْتِدَاءُ السُّلِّ وَآخِرُ الفَالَجِ وَالجَرَبُ وَوَجَعُ الضِّرْسِ وَحُمَّى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَينِ فَلَيْسَ بِمُخَوفٍ، وَمَهْمَا أَشْكَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حُكِمَ فِيهِ بِقَوْلِ مُسْلِمَيْنِ طَبِيبَيْنِ عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ، وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مَخُوفاً حَجَرْنَا عَلَيْهِ في التَّبَرُّعَاتِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ، وَإِنْ سَلِمَ تَبَيَنَّا الصِّحَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخُوفاً لَمْ نَحْجُرْ، فإِنْ مَاتَ مَوْتاً قِيلَ إِنَّهُ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ وَكُنَّا لاَ نَظُنُّهُ مَخُوفاً تَبَيَّنَ البُطْلاَنُ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الفَجْأَةِ فلاَ، وَمَهْمَا الْتَحَمَتِ الفِرْقَتَانِ في القِتَالِ، أَوْ تُمَوَّجَ البَحْرُ، أَوْ وَقَعَ فِي أَسْرِ كُفَّارِ عَادَتُهُمُ القَتْلُ، أَوْ قُدِّمَ لِلقَتْلِ في الزِّنَا، أَوْ ظَهَرَ الطَّاعُونُ فِي البَلَدِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِبَدَنِهِ فَفِي هَذِهِ الأَحْوَالِ وَالْتِحَاقِهَا بِالمَرَضِ المَخُوفِ قَوْلاَنِ (و)، وَإِنْ قُدِّمَ لِلْقِصَاصِ فَالنَّصُّ أَنَّهُ قَبْلَ الجَرْحِ غَيْرُ مُخَوِفٍ، وَقِيلَ: هُوَ كَالأَسِيرِ، وَالحَامِلُ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَهَا الطَّلْقُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ، فَإذَا ضَرَبَهَا فَهُوَ مَخُوفٌ، وَقِيلَ: إِنَّ السَّلاَمَةَ مُنْهُ أَغْلَبُ فَلَيسَ بِمَخُوفٍ.

جارٍ التحميل