العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الهِبَةِ،
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَفِيهِ فَصْلاَنِ قَالَ الغَزَالِيُّ: الأَوَّلُ في أَرْكَانِهَا وَهِيَ ثَلاثةُ: الأَوَّلُ: الصِّيْغَةُ وَلاَ بُدَّ مِنَ الإِيجَابِ وَالقَبُولِ إِلاَّ في هَدَايَا الأَطْعِمَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُكْتَفَى بِالمُعَاطَاةِ إِذْ كَانَ ذَلِكَ مُعْتَاداً في عَصْرِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَلاَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَتَأقْيتُهُ وَتَأْخِيرُ القَبُولِ فِيهِ عَنِ الإِيجَابِ كَالبَيْعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا عرفْتَ في أوَّل الوقْف أقسامَ العطايا، وأنَّ مِنْ أقسامِهَا التمليكاتِ المنجزةَ في الحياةِ، فاعْرِف الآن أنَّ هذا القسْمَ عَلَى ثلاثةِ أنواعٍ، وهي: الهبةُ والهديةُ، والصَّدَقَةُ.
وسبيلُ ضَبْطِها أنَّه التمليكَ لا بِعَوَضٍ هبة 1 فإن انضم إليه حمل الموهوب منْ مكانٍ إلَى مكانِ المَوْهُوب منه؛ إعْظاماً له أو إكْرَامَاً، فهو هديَّةٌ، وإنِ انْضَمَّ إِلَيْه كونُ التمليكِ منَ المحتاج تقرُّباً إلَى اللهِ -تعالى- وطلباً لثواب الآخرة، فهو صدقةٌ، فامتياز الهدية عن الهبة بالنَّقْلَ والحَمْل من موضعٍ إلى موضعٍ.
ومنْه إهْداءُ القَرابينِ إلى الحَرَمِ، وكذلك لا يَدْخُلُ لفظ الهديةِ في العَقَار بحال 2، فلا يقال: أهْدَى إليه أرْضاً ولا دَاراً، وإنَّما يُطْلَق ذلك في النقولات كالثياب، والعَبِيد،

الجزء: 6 - الصفحة: 305

فيُخرَّج من هذا أنَّ افتراق هذه الأنْواع بالعُمُوم، والخُصُوص، فكلُّ هديَّةٍ وصدقةٍ هبةٌ ولا تنعكس، ولهذا لو حَلَف ألاَّ يهب فتصدَّق حنث، وبالعَكْس لا يحنثُ.
واختلَفُوا في أنَّهُ، هل يعتبر في حدِّ الهدية أن يكونَ بيْن المُهْدِي والمُهْدَى إلَيْه رسولٌ ومتوسِّط؟ فحكَى أبو عبد الله الزُّبَيْري -رضي الله عنه- وجهَيْنِ فيما إذا حَلَف ألاَّ يهدي إلَيْه، فوهَبَ منه خاتماً أو نحوه يداً بيَدٍ هل يحنثُ؟ والأشبه أنَّه لا يُعْتَبر، وينتظم أن يقول لمن حَضَرَ عنده: هذه هديَّتِي أهْدَيْتُها لك، وقدْ ورَدَ ذلك في الأخْبَار، وفي الكتاب والسُّنَّةَ ذكر الأنواع الثلاثة، والنَّدْب إليها 3. قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] قِيْلَ: المرادُ منه الهِبَةُ.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: 177] الآية.
وقال عَزَّ مَنْ قائل: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ [الحديد: 18] وعن عائشةَ -رضي الله عنها- أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَهَادَوْا فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تُذْهِبُ الضَّغَائِن" 4. وَرُويَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَهَادَوْا تَحَابُّوا" 5.

الجزء: 6 - الصفحة: 306

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لَوْ دُعِيَتُ إلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ" 6. ولا ينبَغِي أن يستَحْقر القليل، فيَمتنعَ من أنْ يُهْدِيَ، ولا أن يَسَتنْكِفَ المُهْدَى إليْه عن قَبُول القليل.
وقد رُوِيَ أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تُحَقِّرَنَّ جَارَةٌ لِجَارِتهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ 7 " 8. إذا تقرَّر ذلك، فاعْلَمْ أنَّ الأَنْواعَ الثَّلاثةَ تفترق في أحكام وتشتركُ في أحكامٍ، وهي الأكثرُ، ونحْنُ نثبتها، إن شاء الله تعالى، جارَين عَلَى نَظْم الكتاب، وهو يشتمل عَلَى فصْلٍ في أركان الهبة، وفصْل في أحكامها.
أمَّا الأركان، فالمذكور منها ثلاثةٌ: أحدُهَا: الصيغةُ.
وأما الهبة فلا بدَّ فيها من الإيجاب والقَبُول باللَّفْظ، كالبيعِ وسَائِر التَّمْليكات 9. وأمَّا الهديَّة، فذهب ذاهِبُون إلَى أنَّهُ لا حاجَةَ فيها إلى الإيجاب والقَبُول اللَّفْظِيَّيْنِ، بلِ البَعْثُ من جهة المهدي كالإيجاب والقبض من جهة المهدي إليه كالقَبُول.
واحْتَجُّوا بأن الهَدايَا كانتْ تُحْمَلُ إلَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَيَقْبَلُهَا 10، ولا لفْظَ هناكِ، = ابن طاهر: ولا أعرفه، وأورده أيضاً من وجه آخر عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية، قال ابن طاهر: إسناده أيضاً غريب وليس بحجة، وروى مالك في الموطإ عن عطاء الخراساني رفعه: "تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الحشناء" ذكره في أواخر المكاتب، وفي الأوسط للطبراني من طريق عائشة رفعه: "تهادوا تحابوا، وهاجروا تورثوا أولادكم مجداً، وأقيلوا الكرام عثراتهم" قاله الحافظ في التلخيص: وفي إسناده نظر.

الجزء: 6 - الصفحة: 307

وعلَى ذلك جرى النَّاسُ في الأعْصَار، ولذلك كانُوا يبعثون بها عَلَى أيْدي الصِّبْيَانِ الذين لا عِبَارَةَ لهم.
ومنْهم مَنِ أعتبرهما كما في الهبة والوصيَّة، واعتذَرُوا عما جرَى بأنَّ ذَلِكَ كان إباحةً لا تمليكاً؛ وأجابَ صَاحِبُّ "الشامِل" بأنَّه لو كَانَ كَذِلكَ، لما تصَرَّفوا فيه تصرُّف الملاك، ومعْلُومٌ أنَّ ما قَبِلَهُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- كان يتصرَّف فيه، ويُمَلِّكُهُ غيره.
والوَجْهُ الثَّاني، وهو ظاهرُ كلامِ الشيخ أبِي حامد، والمتَلقِّين عنه، لكنَّ الَّذِي عليه قرارُ المذْهَب بحسب فعل الأوَّلين، ونَقْلُ الإثبات من متأخِّري الأصحاب إنَّما هو الوجه الأول، وهو الذي أورده صَاحِبُ "التهذيبِ" و"التتمة"، واعتمده القاضي الرُّويانيُّ وغَيْرهُم.
ويمكن أن يُحْمَل كَلاَمُ من اعتبر الإيجابَ والقَبُولَ على الأمر المُشْعِر بالرِّضَا دُونَ اللَّفْظْ، ويقال: الأمْرُ المشْعِر بالرِّضا قد يكونُ لَفْظاً، وقد يكون فعلاً، والصَّدقة كالهديَّة بلا فَرْق.
وقوله: "إلاَّ في هداية الأطعمة" -إنَّما خصَّ الأطعمةَ بالذِّكْر؛ اتباعاً للإمام، فإنَّه لما حكَى عن بعْض الأصْحَاب الاكتفاءَ بالفِعْل في الهَدَايا؛ أخذاً بما جَرَى عليه الأولُون اعترض عليهم بأنَّ عادَتُهُمْ إنَّما اطَّردت بذلك في الأطعمة دون غيرها من الأموال.
لكنَّ الصحيحَ أنَّه لا فَرْقَ وأنَّهُمْ كانوا يتهادَوْنَ الأطعمة وغيرَها، واشتهر وقوع الكسوة والدَّوابِّ في هدايا المُلُوك إلَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنَّ مارية -رضي الله عنها- أُمَّ ولَده كانت منَ الهَدَايَا 11. وقوله: "فقد قيل: إنَّه يكتفي بالمُعَاطاة"، لفظ المعاطاة بالحقيقة إنَّما يستمرُّ في البيع، وحيثُ يُوْجَد مِن الطرفَيْن إعطاءٌ، وأمَّا هاهنا، فهو محمول على الإعْطاء من طَرَفٍ، والأخذ منْ طَرَفٍ، وحيثُ اعتبرنا الإيجابَ والقَبُول، لم يجزِ التعليقُ بشَرْطٍ ولا التأقيتُ كما في البيع.

الجزء: 6 - الصفحة: 308

وفيهما وجّه نذكره في الفَصْل الواقعِ عَقِيبَ هذا الفصل.
والمذهبُ الأوَّل، ولذلك لا يجوز تأخيرُ القَبُول عن الإيجاب، بل يعتبر التواصل المعتاد، كما في البيع، وعن ابن سريج أنه يجوِّز تأخير القبول عن الإيجاب كما في الوصية، وهذا الخلاف حكاه كثيرٌ من الأصحاب في الهِبة، وصَاحِبُ "التتمة" خصَّصه بالهدية، ومَنَ التأخيرَ في الهِبَة جَزْماً.
والقياسُ التَّسويةُ بينهما، ثُمَّ في الهدايا التي يبعث بها من موْضِع إلَى موضع إذا اعتبرنا اللَّفْظ والقبول على الفَوْر، فإمَّا أنْ يُوكَل الرَّسُولُ ليوجب ويقبلَ المبَعُوثُ إلَيْه، وإمَّا أن يوجب المهدي، ويقبل المهدي إلَيْه عنْد الوُصُول إليه.
وإذا كانت الهبةُ ممَّن ليس له أهليَّةُ القبول؛ كالطفل، فيُنْظَر؛ إنْ كان الواهبُ أجنبياً قَبِلَ له مَنْ يلي أمره مِنْ وَلِيٍّ وَوَصِيٍّ وقيِّمٍ، وإن كان الواهبُ مَنْ يلي أمره، فإنْ كان غيرَ الأبِ والجدِّ قَبِلَ له الحاكِمُ، أو مَنْ ينيبه.
وإن كان أباً أو جَدّاً، تولَّى الطرفين، وهل يحتاج إلَى لفظَي الإيجاب والقَبُول، أمْ يكتفي بأحدهما؟ فيه وجهان كما سبق في البَيْع.
قال الإمَامُ وموْضِعُ الوجهين في سبق القبول أما إذا أتَى بلفظ مستقل؛ بأنْ يقُولَ: اشترَيتُ لِطِفْلِي أو اتَّهَبْتُ كذا، أمَّا قَوْلُهُ: قَبِلْتُ البَيْع أو الهبة، فلا يمكن الاقتصار عليه بحال.
ولا اعتبار بقبول المتعهّد الذي لا ولايةَ له على الطِّفل؛ خلافاً لأبي حنيفة -رضي الله عنه-.
وإذا وهَب منْ عبْدِ إنسان، فالمعتبرُ قَبُولُ العبد، وفي افتقارِه إلَى إذْن السَّيِّد خلافٌ تقدَّم 12. ولو وهَبَ منه شيئاً، فقبل في نصْفه أو عبْدين، فَقَبِل في أحدهما، ففيه وجهان.
والفَرْقُ بينه وبَيْن البيع أنَّ البَيْعَ عقد معاوضته 13، وقد يتَضَرَّر البائعُ بالتبْعِيض لانتقاص قيمة الباقِي، والهبة بخلافه.

الجزء: 6 - الصفحة: 309

فُرُوعٌ: في زيادات للشيخ أبي عاصِمٍ:

أحدهما: رجُلٌ في يده عبْدٌ، فقال لآخر (اين براست) 14 فهو هِبَةٌ يحتاج إلى القَبُول والقبض.
ولو قال (توراست) 15، فهو إقرارٌ ويُشْبِه أنْ يكونَ جوابُهُ في الحالةِ الأُولَى مبنياً عَلَى أنَّ هذه العقود تنعقد بالكِنَايات.
الثانِي: غرس أشجاراً في أرْضٍ، وقال عنْد الغِراس: اغرسْه لابني، لم يصر للابن ولو قال: جعلتُهُ لابني، وهو صغيرٌ، صار له؛ لأنَّ هبتَهُ منْه لا تقتضي قَبُولاً، بخلافِ ما لو جَعَل لبالغٍ، وهذا إلَى ملتفت إلَى ما ذكرنا من الانعقاد بالكنايَاتِ، وإلَى أنَّ هبة الابن الصغير، هل يُكْتَفَى فيها بأحد الشِّقَّيْن؟ الثالث: لو خَتن ابْنَهُ، واتَّخذ دعوةً، فَحُمِلَتْ إلَيْه الهدايا، ولم يُسمِّ أصحابها الأب ولا الابن حَكَى فيه وجهين: أحَدُهُمَا: أنَّها للأب؛ لأنَّهُ الذي اتخذ الدعوة والخَرَاج بالضمان.
والثاني: لِلابن؛ لأنَّ الدعوةَ له اتَّخذت 16. وفي فتاوى صاحب الكتاب أنَّ خادم الصوفيَّة الَّذي يتردّدُ في السُّوق، ويجمعُ لهُمْ شيئاً يملِكُه، ولا يلزمُه الصَّرْف إليهم، إلاَّ أنَّ المُرُوءَة تَقْتَضِي الوَفَاءَ بما تصدَّى له، ولو لم يف، فلهم مَنْعُهُ من أنْ يَظْهَر الجَمْعُ لهم والإِنفاقُ علَيْهم، وإنما ملكه لأنه ليس بولي، ولا وكيل عنهِمِ، كيْفَ، ولَيْسُوا بمعينين بخلاف هدايا الخِتَان 17. قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ فَإذَا مُتُّ فَهِيَ لِوَرَثَتِكَ صَحَّ (م) فَإِنَّهُ هِبَةٌ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ أَعْمَرْتُكَ لَمْ يَصِحَّ (ح م) عَلَى القَوْلِ القَدِيمِ؛ لأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ،

الجزء: 6 - الصفحة: 310

وَعَلَى الجَدِيدِ يَصِحُّ وَيَتَأَيَّدُ، فَإِنْ قَالَ: فَإِنْ مُتُّ عَادَ إِلَيَّ فَهُوَ بِالبُطْلاَنِ أَوْلَى، وَكَذَا الرُّقْبَى فَهِيَ بِالبُطْلاَنِ أَوْلَى، وَهُوَ أنْ يَقُولُ: أَرْقَبْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ وَجَعَلْتُهَا لَكَ رُقْبَى أَوْ وَهَبْتُكَ عَلَى أَنَّكَ إنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَ إِلَيَّ أَوْ مُتُّ قَبْلَكَ استَقَرَّ عَلَيْكَ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: كانت العربُ في الجاهلية تَستَعمل لفظين وهما: العمرى والرقبى أمَّا العمرى: فمأخوذةٌ من العُمْرِ، وصورتها أن يقولَ: أعْمَرتُك هذه الدار مثلاً، أو جعلتها لك عمرك، أو حياتك أو ما عشت أو حييت، أو ما بقيت، وما يفيد هذا المَعْنَى، ثم له أحوالٌ: أحداها: أنْ يقول مع ذلك: فإِذا مِتَّ، فهي لورثتك أو لعقبك 18، فيصحُّ، وهي الهبةُ بعَيْنها، لكنَّه طوَّل على نفسه، فإذا ماتَ، فالدَّار لورثته.
فإنْ لم يكونُوا، فلبيت المالِ، ولا يعودُ إلى المعمر بحال؛ لما رَوَى جَابرُ -رضي اللهُ عنه- أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "أيما رجلٌ اعْمَرَ عُمْرَى لَه وَلِعَقِبِهِ، فَإنْهَا لِلَّذِي أعْطِيهَا لاَ تَرْجِعُ إلَى الَّذي أَعْطَاهَا؛ لأَنَّهُ أعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ المَوَارِيْثُ" 19 وقال مالكٌ: هذا التصرف منصرف إلى المَنَافِعُ؛ لأنَّ تمليكَ الرَّقَبَةِ لا يتأقَّت، فإذا مات المعمر، ولا وَرَثَةَ له، رجَعَتَ، إلى المعمِر، وكذا، إنْ كَانَ له ورثةٌ فَانقرضُوا، ولا يكُونُ لبَيْت المال.
الثانيةُ: إذا اقتصر عَلَى قوله: جعلْتُها لك عُمْرَكَ، ولم يتعرَّض لما بعْده، ففيه قولان: الجديدُ، وبه قال أبو حنيفةَ -رضي الله عنه- وأَحْمَدُ أنَّهُ يصحُّ وحكمه حكم الهبة؛ لما رُوِيَ أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: "العُمْرَى مِيْراثٌ لأَهْلِهَا" 20. وعن جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تُعْمِرُوا وَلاَ تُرْقِبُوا فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا أَوْ أرْقَبَهُ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ المِيرَاثِ" 21.

الجزء: 6 - الصفحة: 311

قال الأئمةُ: هذا نَهْيُ إِرْشَادٍ معناه: لا تعمروا طمعاً في أن يعود إليكم، واعلموا أن سبيله المِيرَاثُ، ولأنَّ مِلْكَ كلِّ أَحَدٍ يتقدر بحياته، وليس في جعله له مدَّةَ حياتِهِ مانِعاً في انتقاله إلَى ورثته من بعده، بلْ هو شرطٌ لِلانتقالِ.
والقَديمُ: أنَّهُ ليْسَ كذلك؛ لما رُوِيَ عن جابِرٍ -رَضِيَ الله عنه- أنَّه قال إنَّما العُمْرَى الَّتي أجازَهَا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعِقتِكَ مِنْ بَعْدِكَ 22. واختلفوا في كَيْفِيَّة القَوْل القديم، فالظَّاهر، وهو المذْكُور في الكتاب أنَّ العَقْدَ باطلٌ مِنْ أصله؛ لأنَّهُ تمليك عَيْنِ قدَّره بمدة، فأشْبَه ما إذا قال: وهَبْتُ منْك أَو أعْمَرْتُكَ سَنَةً.
وعَنْ أبي إِسْحَاقَ أنَّ في القَدِيم تكونُ الدَّارُ للمعمَّرِ حياتَهُ فإذا مات عادت إلى المُعَمِّر أو ورثَتْه كما شرَطَ، واحتجَّ له بقوله في الحَدِيثِ السَّابِق: "أَيُّما رَجُلٍ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ، وَلِعَقِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ" 23 شرَطَ في قَطْعِ الرُّجُوعِ أنْ يُعْمِرَ له وَلِعَقِبِهِ مِنْ بعده.
وفي "التَّهْذيب" أنَّ أبا إِسْحَاقَ قال في القديم: إنَّها تكُونُ عَاريةً متَى شَاء، استردَّها، فإذا مَاتَ، عادَتْ إلى المُعْمِر.
وهذا قريبٌ من مذهب مَالِكٍ وهو أنَّ منافع الدَّارِ لِلْمُعْمِرِ حَيَاتَهُ، فإذا مات، عادَتْ إلى المُعْمِّر، إلاَّ أنَّ العارية المؤقَّتة عنْده لازمِةٌ، فلَيْسَ له الرُّجُوعُ متَى شاء، وإذا جمعت بين الرِّوَايَاتِ حَصَلَتْ في المسْأَلة أربعةُ أقْوَالٍ، فظاهرُ المَذْهَب منها الجديدُ، وَيلِيهِ في الظُّهُورِ مِنْ رواياتِ القَدِيمِ بالبُطْلاَن.
الثالثةُ: إذا قال: جَعَلْتُهَا لك عُمْرَكَ، فإذا مُتَّ، عادَتْ إِلَيَّ، أو إِلى ورثتي، إن مُتُّ، فإنْ حكمنا بالبُطْلاَن في صورة الإطْلاق، فههنا أولَى.
وإن قُلْنا بالصحة والعود إلى المعمر، فكذلك ههنا وليْسَ فيه إلاَّ التَّصْرِيحُ بمقتضى الإطْلاق.
وإن قُلْنا بالجديد، وهو الصَّحةُ والتأبيدُ فوجهان: أحدُهما: البُطْلاَن؛ لأنَّه شرط ما يخالِفُ مقْتَضَى المِلْك فإن من مَلَكَ شيئاً، صار بَعْدَ مَوْتِهِ لورَثَتِهِ.
والثاني: يَصِحُّ ويلْغُو الشَّرْطُ، فإنَّه لم يشترط عَلَى المُعْمِر شَيْئاً، ولا قَطَع ملْكُه عليه، إنَّما شَرَطَ العَوْدَ عليه بعد الموت، وحينئذ قد صار المِلْكُ للورثة.
والوَجْهُ الأول أَسْبَقُ إلى الفهم، وقد رجَّحه القاضِي ابْنُ كجٍّ وصاحبُ "التتمة" لكنَّ للأكثرين أجابُوا بالثَّاني، وسوَّوْا بيْن هذه الحالَةِ وحالةِ الإطلاق، كأنَّهُمْ أخَذُوا

الجزء: 6 - الصفحة: 312

بإطْلاَقِ الأخْيَار، وعدَلُوا به عن قياس سائِرِ الشُّروط الفاسِدَة، والحاصِلُ مما ذكرنا عنْد الاخْتِصَار طريقان: أحدُهُما: طَرْدُ الخلافه.
والثاني: التقاء الجَدِيدِ، والظَّاهِرُ مِنْ روايات القَدِيم واتفاقهما على البُطْلاَن.
وأمَّا الرُّقْبَى: فهيَ أن يقولَ: وَهَبْتُ منْكَ هذه الدارَ عُمْرَكَ، على أنَّك إن مِتَّ قبلي، عادت إليَّ وإن مت قبْلَك، استقرَّتْ عليك، أو جعلت هذه الدَّار لك رقبى، أو أرقبتُها لَكَ، وهي مأخوذةٌ من الرقوب، كأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَرتقب مَوْتَ صاحِبهِ، والحُكْمُ فيها كالحكْمِ في الحالة الثالثة منْ العُمْرَى؛ لأنَّ قَوْلَه: "إن متَ قَبلك، استقر علَيْكَ" لا أثر له في المنع، فيبقى قوله: إِن مِتّ قبْلي، عاد إلَيَّ، فيحصل فيه طريقان: أحَدُهُمَا: القَطْعُ بالبطلان.
وأظهرْهُمَا: طَرْدُ القولَيْن.
فعلَى الجَدِيد؛ يصحُّ، ويلغو الشَّرط لقول -صلى الله عليه وسلم-: "لا تُعْمِرُوا وَلاْ تُرْقِبُوا ... الحديث" 24، والقديمُ البطلانُ، أو الصِّحة والترقّب.
وعند أبي حنيفةَ الرُّقبَى لا يُمْلَكُ بها، وإنَّما هي عارية، وللمُرْقِب الرجُوع متى شاءَ.
وقال أحمدُ: تصحُّ الرقبى كالعُمرَى، وفي صحَّة شرط الرجُوعَ إلى الواهب روايتان عنْه.
التفريع: إن صحَّحنا العُمْرَى والرُّقْبَى، وألغَيْنا الشَّرْط، تَصَرّفَ المُعَمَّر في المال كيْف شاء، وإنْ أبْطَلْنا العَقْد أو جعلْنَاه عاريةً، فلا يخفى أنَّه ليس له التصرُّفُ بالبَيْع ونحوه.
وإن قلْنا بصحَّة العقد والشرط، فلو باع المعمَّر 25، ثم مات، ذَكَرَ الإمامُ فيه احتمَاليْن: أظهَرُهُمَا عنْده: أنَّنا لا نُنَفِّذ البيع؛ لأنَّ مقتضَى البَيْع التأييدُ، وهُوَ لم يملكه إلاَّ مُؤَقَّتاً، فكيْفَ يملِّك غيره ما لَمْ يملكه؟ والثاني: تنْفيذُهُ كببع العبْد المعلِّق عتقُه قبْل وجود الصِّفَة، وهذا ما أجاب به القاضي ابنُ كجٍّ، وعلَّل بأنَّه مالكٌ في الحال، والرُّجُوع أمْرٌ يحدث بعْد المَوْت، وشَبَّهه برُجُوع نصْف الصَّداق إلى الزوج بالطَّلاق قبْل الدُّخُول، برجوع الوالدِ في الهِبَةِ منَ

الجزء: 6 - الصفحة: 313

الولد، وهوَ بالأوَّل أشبه؛ لأنَّه لا يتعلَّق بفعْله واختياره، وإذا قُلْنا بصحَّة بيعه، فيُشْبِه أنَّه يرجعُ المعمَّر في تركته بالغُرْم رجُوعَ الزَّوْج، إذا طلَّق بعد خروج الصَّداق عن ملْكها.
قال الإمامُ: وفي رُجُوع المال إلَى ورثةَ المُعْمِّر، إذا مات قبل المعمَّر استبعادُ؛ لأنَّه إثباتُ مِلْكٍ لهم فيما لم يملكه المُوَرِّث، لكنَّه كما لو نصَب شبكةً، فَتَعْقَّل بها 26 صيد بعْد موته يكون المِلْكُ فيه للوَرَثَة.
والصحيحُ أنَّه تركةٌ تقضي منْها الديون، وينفِّذ الوصايا.
ولو قال: جَعَلْتُ هذه الدَّارَ لَكَ عُمْرَى أو حياتي فوجهان: أحدهما: أنه كما لو قال: عُمْرَكَ أو حياتَكَ لشُمُول اسْم العُمْرَى.
وأَظْهَرُهُمَا: المَنْعُ لخُرُوجه عن اللَّفْظ المَعْهُود في الباب، ولما فيه من تأقيت الملك لجواز موت المُعمر قبله؛ بخلافِ ما إذا قال: عُمْرَكَ أو حَيَاتَكَ؛ لأنَّ الإنْسانَ لا يَمْلِكُ إلاَّ مدَّةَ حياتِهِ، فلا تأْقيتَ فيه، وأُجْرَيَ الخلافُ فيما إذا قال: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَ فلانٍ.
وخرج من تصحيح العقد وإلغاءِ الشرط في هذه الصورة وجه: أنَّ الشَّرْطَ الفاسدَ لا يُفْسِدُ الهبة، وطرد ذلك في الوقْف أيضاً، ثم منهم من خَصَّصَ الخلافَ في هذه القاعِدَة بما هُوَ من قبيل الأوقات مثلَ أن يَقُول: وهَبْتُ مِنْك سنة أو وَقَفْتُها سنةً ومنْهُمْ من طَرَدَه في كُلِّ شرط كقوله: وهبتك بشرَطْ ألا تبيعَهُ إذَا قبضته، وما أشْبَهَ ذلك.
وفَرَّقُوا بيْن البَيْعِ الهِبَةِ والوَقْفِ بأنَّ الشَّرْط في البَيْع يُورِثُ جهالةَ الثمن، ويلْزَم من جهالة الثمن فسادُ البَيْع، وهذا إذا قلْنا بالصحيح، وهو فسادُ البَيْع بالشروط الفاسدةِ عَلى أنَّا حكَينا في البَيْع قولاً أيْضاً، وظاهر المذْهَب فسادُ الهبة، والوقْف بالشُّروط التي يفسد بها البيع؛ بخلاف العُمْرَى؛ لما فيها من الأخبَار 27. ولو باعَ عَلَى صورةِ العُمْرَى، فقال: ملَّكْتُكَ بعَشَرةٍ عمرك.

الجزء: 6 - الصفحة: 314

قال القاضي ابْنُ كَجّ: لا يَبْعُدْ عنْدي جوازُه؛ تفْريعاً على الجديد.
وقال أبو عليٍّ الطَّبَرِيُّ: لا يجوز؛ لأنَّه تطرّق الجهالة إلى الثمن، ولا يجوز تعْليق العُمْرَى بأنْ يقولَ: إذا مات، أو قَدِمَ فلانٌ، أو جاءَ رَأْسُ الشهرِ، فقد أعْمَرْتُكَ هذه الدارَ، أو فهذه الدَّارُ لك عُمْرَى 28، نعم لو علَّق بموته فقال: إذا مِتُّ، فهذه الدار لَكَ عُمْرَكَ، فهذه وصيَّةٌ يعتبر خروجُها من الثُّلُث.
ولو قال: إذا مِتُّ، فهي لك عُمْرَكَ، فإذا مِتَّ عادت إلى ورثتي، فهي وصية منْه بالعُمْرَى عَلَى صورة الحالة الثالثة.
ولو جَعَلَ رجلانِ كلَّ واحد منهما دَارَهُ للآخر عُمْرَهُ على أنَّهُ إن مات قَبْلَه عاد إلَى صاحب الدَّار، فهذه رُقْبَى من الجانبَيْنِ.
ولو قال: دارِي لَكَ عُمْرَكَ، فإذا مِتُّ، فهي لَزيْد، أو عبْدِي لك عُمْرَكَ، فإذا مِتُّ، فهو حُرٌّ، صحَّ العُمْرَى؛ على قولنا الجديد ولغا المذكُورُ بعدها، والله أَعْلَمُ.
وقولُه في الكتاب: "صحَّ؛ فإنَّه هبةٌ" يجوز إعلامه بالميم؛ لأنه يجعله عاريةً كما تقدَّم.
وقولُه "لم يصحَّ على القول القديم؛ لأنَّها مؤقتةٌ، وعلى الجديد يصحُّ ويتأبَّد" هكذا الصواب وفي أكثر النسخ سيَّما القديمةُ منْها عكْسُ ذلك.
ويجوز أن يُعْلَم قوله: "لم يصحَّ" بالحاء والميم والألف، وبالواو أيضاً لما حكَيْنا عن الشيخ أبي إسْحَاقَ أنَّ القديم كوْنُ المال للمُعَمَّر، ورجُوعه بعد موته إلى المُعَمَّر.
وقوله: "فإن مِتّ عاد إليَّ، فهو بالبطلان أولَى الغرض منْه [أنَّ] البطلان ههنا أظْهَرُ منْه في صورة الإطْلاق عَلَى ما هو دأْبُ الترتيب لا تَرْجِيحُ البطلان على الصحَّة المقابلة له، بلِ الأظهرُ عنْد الأكثرين الصِّحَّة على ما بيَّنَّا، وكذلك في الرُّقْبَى واللهُ عزَّ وجلّ أعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: المَوْهُوبُ وَمَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ هِبَتُهُ فلاَ يَمْتَنِعُ بِالشُّيُوعِ وَإِنْ قَبِلَ القِسْمةَ (ح)، وَلاَ يَصِحُّ (م) هِبَةُ المَجْهُولِ وَالآبِقِ، وَفِي هِبَةِ الكَلْبِ خِلاَفٌ (و)، وَهِبَةُ المَرْهُونِ هَلْ تُفِيدُ المِلْكَ عِنْدَ اتِّفَاقِ فِكَاكِه؟ فِيهِ خِلاَفٌ (و)، وَهِبَةُ الدَّينُ لاَ تَصِحُّ (و) كَمَا لاَ يَصِحُّ رَهْنُهُ إِذِ القَبْضُ فِيهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرُّكنُ الثاني: المَوهُوبُ، وهو معتَبَرٌ بالبيع، فإنَّ الهبةَ تمليكٌ بأجرة؛ كالبيع فما جازَ بَيْعُ، جازَ هبَتُه، وما لا يجُوزُ بيعُه من مجهولٍ أو معجُوزٍ عن تسليمه، لا يجوز هِبَتُه، هذا هو الغَالِبُ، وربَّما اختلَفَا في الأقَلِّ.

الجزء: 6 - الصفحة: 315

وفي التفصيل صُوَرٌ: منها: الشائعُ يجوزُ هبته، كما يجوز بيْعُه، ولا فَرْق بين المنقسم وغيره، ولا بيْن أنْ يَهَبَ من الشَّريك أو غيره، وبه قال مالكٌ وأحمدُ، وعند أبي حنيفة -رضي الله عنه- لا تَصحُّ هبةُ المنْقَسِم من غَيْر الشَّرِيك، وبالَغَ؛ فقال: لو وهَبَ الشَّيْءَ المنقسم منَ اثْنَيْنِ، لم يصحَّ أيضاً، وتجوزُ هبةُ الأرْض المزروعة دُون الزَّرْع، وبالعَكْسِ؛ خلافاً لأبي حنيفة -رضي الله عنه- أيضاً.
وإذا وهَب منَ اثنَيْن، فقبل أحدهما في نِصْفه، فوجهان، كما في البَيْع 29. وجوابُ صاحب الشَّامل فيهما التصحيحُ.
ومنها: لا يجوز هبة المجهول كبَيْعه، وعن مالك -صحَّتُهَا.
ومنها: لا يجوز هبة الآبِقِ والضَّالِّ، ويجوز هبةُ المغْصُوب من غير الغَاصِب، إن قدَرَ على الانتزاع، وإلاَّ، فوجهان سنَذْكُر مأخذَهُما إن شاء الله تعالى.
وأمَّا الهبةُ مِنَ الغاصِبِ، فقد ذَكَرْنا حُكْمَها في الرَّهْن.
ويجوزُ هِبَةُ المُسْتَعَار منْ غَيْر المستعير، ثم إذا قبض الموهُوبُ منْه بالإذْن، برئ الغاصب والمستعير من الضَّمان.
وتجوز هبةُ المستأجَرِ منْ غَيْر المستأجِرِ، إن جوَّزنا بيعه، وإلاَّ، ففيها الوَجْهَان.
ثم ذكر الشيخُ أبو حامِدٍ وغيرُه أنَّه لو وُكَّل الموهوبُ منْه الغاصب، أو المُسْتَعِير، أو المستأْجِر بقَبْضِ ما في يده مِنْ نَفْسِه، وقَبلَ، صحَّ، وإذا مضتْ مُدَّةٌ يتأتى فيها القبْضُ، برِئ الغاصبُ والمستعيرُ من الضَّمان، وهذا يخالِفُ الأصْل المشهور فِي أنَّ الشَّخْصَ الوَاحِدَ لا يَكُونُ قابِضاً ومُقْبِضاً 30. ومنْها: في هبة المرهون وجهان، إن اعتبرناها، انتظرنا، فإنْ بَيعَ في الرَّهْن، بأن بطلانُ الهِبَة، وإنِ انفكَّ الرَّهْنُ، فللواهِبِ

الجزء: 6 - الصفحة: 316

الخيارُ في الإقباض، والوَجْهان في هذه الصُّورة كلّها توجه: أحدُهُما: وهو الأَظْهَرُ بالقياس على البيع.
والثاتي: بأنَّ البيع لا يفيد الملك في الحَالِ، بلْ يشترط لَهُ التَّسْليم، وليْسَتْ هي بموجبة للتسليم حتَّى يمتنع فيما يمتنع تسليمه، فيُحْتَملُ فيها ما لا يُحْتَملُ في البيع.
ومنْها في هبة الكلب وجهان عَنْ رواية الشَّيخ أبِي عَلِيٍّ وغيره: أظْهَرُهُمَا: وبه قطع الشيخُ أبو محمد: المنع كالبيع.
وثانيهما: الصِّحَّة؛ تنزيلاً للهبة منزلةَ الوَصِيَّة، وهما جاريانِ في جِلْد الميتة قبل الدباغ، وفي الخُمُور المحرَّمة.
قال الإمامُ: وحقُّ منْ جَوَّز الهبة فيها أن يجوِّزها في المجاهيل، وفي الآبق كالوَصِيَّة 31. ومنها: هبةُ الدَّيْن، وهي إمَّا أن تُفْرض ممَّن عليه الدَّيْن، أو من غيره، فإنْ وهب ممَّن عليه الدَّيْن، فهو إبراءٌ، فإنْ قلْنا باعتبار القَبُول في الإبراء عَلَى ما أسلفنا حكايَتَهُ عن ابْنِ سُرَيْجٍ، فإذا جَرَى بلَفْظِ الهِبَة، كان أولَى.
وإنْ قُلْنا: لا يُعْتبر، فوَجْهان، إن نظرْنا إلى اللفظ، اعتبرناه، ويُحْكَى هذا عن ابن أبي هُرَيْرةَ.
وإن نَظَرْنا إلى المعْنَى، فلا.
قال في "الشَّامل" وهو المذهب، وإن وهَبَ مِنْ غَيْرِ مَنْ عليه، فيبنَى على الخلاف في بَيْع الدَّيْن مِنْ غَيْر مَنْ علَيْه إنْ أبطلناه، فكذلك الهبة، وهو الأصحُّ، وإن صحَّحناه، ففِي الهبَة وجْهَان، كما ذكَرْنا في رَهْن الدَّيْن فإِن صحَّحنا، فهلْ يفتقر لزُومُها إلَى قَبْض الدَّيْن؟ فيه وجهان: أحدهُمَا: نعم؛ على قياس الهبات.
والثاني: أنَّهُ لا حاجةَ إلَى القَبْضِ، وعلَى هذا، فوجهان: أحدهُمَا: أنَّه يلزم بنَفْسِ الإيجاب والقَبُول، كالحوالة؛ لأنَّ المَقْصُودَ أن يَصِيرَ المتَّهِبُ بعد الهبة كالوَاهِب قبْلَها، والواهبُ كان مستحِقّاً مِنْ غير قبض.
والثاني: أنَّهُ لا بدَّ من تسليط بَعْدَ العَقْد، وإذْنٍ مجدّد، ويكونُ ذلك كالتخلية في الأعيان الَّتي لا يُمْكِنُ نقْلُها وإذا فرَّعنا عَلَى أنَّهُ يجوز رَهْنُ الدَّين، افتقر لزومه إلَى القَبْض لا محالة؛ لأنَّهُ لا يفيدُ انتقالَ المِلْك والاستحقاق.

الجزء: 6 - الصفحة: 317

فرْعٌ:

عن صاحب "التقريب": مَنْ عليه الزكاةُ، لو وهَبَ دَينَه على المسكين بنية الزكاة، لم يقع الموقع؛ لأنَّهُ إبراءٌ، وليس بتمليك، وإقامة الإبراء مقام التمليك إبْدالٌ، وإنَّهُ غيرُ جَائِزٍ في الزكوات.
ولَكَ أن تقول: ذكروا وجهَيْن في أنَّ هبةَ الدَّيْن ممَّن عليه الدين تتنزل منزلة التَّمليك، أم هو مَحْضُ إسْقَاطٍ؟ وعلى هذا خرج اعتبار القَبُول فيها، فإنْ أعطَيْنَاها حكم التمليك، وجَبَ أنْ يقعَ الموقع 32، ولو كان الدَّيْنُ عَلَى غيره، فوهبه للمسكين بنيَّة الزكاة.
وقلْنا: تصح الهبة ولا يعتبر القَبْض، وقع عن الزكاة، والمستحقُّ يطالب المديُونَ به، واللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالثُ: القَبْضُ وَبِهِ يَحْصُلُ (م و) المِلْكُ، فَإِنْ مَاتَ الوَاهِبُ قَبْلَ القَبْضِ تَخَيَّرَ الْوَارِثُ في الأِقْبَاضِ، وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ كَالوِكَالَةِ، وَكَمَا قَبْلَ القَبُولِ، وَلَوْ قَبَضَهَا المُتَّهِبُ دُونَ إِذْنِ الوَاهِبِ لَمْ يَحْصُلِ المِلْكُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الركنُ الثالِثَ: القَبْضُ، ولا يحْصُلُ المِلْكُ في الهبات والهَدَايَا إلاَّ بعد حُصولِ القَبْضِ.
رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ -رضي الله عنه- نَحَل عائشة -رضي الله عنها- جذاذ عِشْرِينَ وَسْقاً، فلَمَّا مَرِضَ قَالَ: وَدِدْت أنَّكَ جزيته وقبضتيه.
وإنّما هو اليَوْمَ مَالُ الوَارِثِ 33.

الجزء: 6 - الصفحة: 318

ولوْلاَ توقُّف الملْكِ على القَبْض، لَمَا قال: "إنَّه مالُ الوَارِث".
وفيه دليلٌ عَلَى أنَّ الإقْبَاض في مرَضِ المَوْتِ مِنَ الوارث بمثابة الهبة منه هذا ظاهِرُ المَذْهَب، وبه قال أبو حنيفةَ، وفيه قولان آخران: أَحَدُهُمَا: وَيُحْكَى عن رواية عِيسى بنْ أبانَ عَنِ القَدِيم أنَّهُ يَحْصُلِ المِلْكُ بنَفْسِ العَقْد، وبه قال مَالِكٌ كالوقْف.
والثاني: أنَّ المِلكَ مَوْقُوفٌ إلَى أنْ يُوجَدَ القَبْض، فإذَا وُجِدَ، تَبَيَّنَّا حُصُولَ المِلْكَ منْ وقْف، العَقْد، وهذا مخرَّج مما ذكرنا في "زكاة الفطْر" أنَّهُ لو وهب عبْداً في آخِرِ رَمَضان، وقبضَه بعْد غُرُوب الشَّمْس، كانت الفطرةُ على المَوْهُوب له.
ومن قال بالوقف 34، قال: هذا تفريعٌ منه عَلَى مذْهَب مالكٍ.
وقال أحْمَدُ: إذا وهَب قفيزاً من صُبْرة أو دِرْهَماً من دَرَاهِم، فلا بُدَّ من القبض، وإنْ وهَبَ مُعيَّناً كالثَّوْب والعَبْد فأصحُّ الروايتَيْنِ أنَّ المِلْكَ لا يَفْتَقِر إلَى القَبْض، ويتفرَّع على الأقوال أنَّ الزياداتِ الحادثَةَ بيْن العقْد والقَبض لمن تَكُون.
ولو باع الواهِبُ ما وهَبَهُ منْ إنسان قَبْل القَبض-حَكَى الشَّيْخُ أبو حامد أنَّه إنْ كان يعْتَقِد أنَّ الهِبَةَ غيرُ تامَّة، صحَّ البَيْعُ، وبَطَلَتِ الهبةُ، وإن كان يعتقد تَمَامَها، وانتقالَ الملْكِ بنَفْس العَقْد، ففي صحَّة البيع قولان كالقولَيْن فيما إذا باعَ مالَ أبيه عَلَى ظَنِّ أنَّهُ حيٌّ فبان ميتاً ولو مات الواهبُ أو المتَّهب بين العقْد والقبْض فوَجْهان، ويقال: قولان: أحدُهُما: أنَّهُ يَنْفَسِخ العَقْدُ لجوازِهِ كالتَّركة والوَكَالة.
وأَصَحُّهُمَا: المَنْعُ؛ لأنَّهُ يَؤُولُ إلى اللُّزوم كالبيع الجَائِزِ، بخلاَفِ الشَّركة والوكالة، فعلَى هذا، إن مات الواهبُ، يخيَّر الوارثُ في الإقْبَاض، وإنْ مات المتَّهِب، قبضَ وارثه، إن أقبضه الواهِبُ، ويجري الخلافُ فيما إذا جُنَّ أحدهُمَا أو أُغْمِى عَلَيْه 35. والقبضُ المستعقبُ للمِلْك هو المقرونُ بإذن الواهب، فلو قَبضَ من غير إذْنه، لم يَمْلِكْه، ويدْخُل في ضمانِهِ، ولا فَرْقَ بين أنْ يقبضَ في مَجْلِس العَقْد أو بَعْدَه.
وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه- إذا قبضه في المجلِس بغير إذْنه ملَكَه، وإنْ تأخَّر عن المجلس، احتاج إلى الإذن.
لنا: قياسُ الحالة الأُولَى على الثانية.

الجزء: 6 - الصفحة: 319

ولو كان المَوْهُوبُ في يد المَوْهُوب منه، فالحكمُ ما مَرَّ في "كتاب الرَّهْن".
ولو أذِنَ في القَبْض، ثم رجَعَ عنه قبلْ القَبْض، لم يصحَّ القبض، وكذا لو أَذِنَ، ثمَّ ماتَ الآذِنُ أو المأْذُون له قبْل القَبْض، بَطَل الإذن.
ولو بَعَثَ هديَّة إلَى إنسان، فمَاتَ المهديُّ إليه قبل وصولها إلَيْه، بَقِيَتِ الهديةُ عَلَى مِلْك المهدي.
ولو مَاتَ المهديُّ، لم يكن للرَّسُولِ حَمْلُها إلى المهدَى إلَيْه، وكذا القادم من السَّفَر، إذا أبتاع [لأصدَقائه، هدايا] 36 وماتَ قبلَ وصُولِها إلَيْهم، فهيَ ميراثٌ.
وكيفيَّة القبْض في العَقَار والمَنْقُول، كما قدَّمناه في "البَيْع" وحكَيْنا ثمَّ قولاً أنَّ التخليَة في المنقولات قَبْضٌ.
قال في "التتمة": لا جرَيانَ لذلك القَوْل ههنا، والفرْقُ أن القبْضَ في البيع مستحقُّ، وللمشتري المطالبة، به فجاز أنْ يجعل بالتمكُّن قابضاً، وفي الهبة القَبْضُ غير مستحقٍّ، فاعتبر تحقيقَهُ، ولم يكتف بالوضع بيْن يدَيه 37. ولهذا لو أتْلَف المتَّهِب الموْهُوب، لم يَصِرْ قابضاً، بخلاف المشْتَرِي، إذا أتلف المَبيع، ولو أمَر الواهب المتَّهب بأكْل الطعام الموهوب، فأكَلَه، أو بإعْتَاق العَبْد الموْهُوب، فأعتقه، أو أمر المُتَّهب الواهب فاعتقه، كانَ قابضاً والله أعلم.
فُرُوعٌ محكية عن نصِّ الشافعيِّ -رضي الله عنه-.
إذا قال: وهَبْتُهُ له، وملَكَه، لمْ يكن إقراراً بلُزُوم الهِبَةِ؛ لجواز أن يعتقد حُصُول الملك بمجرَّد العَقْد، كما قاله مالكٌ، والإقْرار ينبني على اليَقِين.
ولو قال: وَهَبْتُهُ منْه وخرجت إلَيْه منه، نظر؛ إن كان المالُ في يَد المتَّهِب، كان ذلك إقراراً منْه بالقَبْض، وإن كان في يَد الوَاهِبِ، فلا.
ولو قيل له: وهَبْتَ داركَ منْ فُلاَن، وأقْبَضْتها مته، فقال: نعم، كانَ ذلك إقراراً بالهِبَة والإقْبَاض.
وقوله في الكتاب: "وبه يَحْصُلُ المِلْك" يجوز إعْلامه بالميم والألف والواو؛ لما

الجزء: 6 - الصفحة: 320

سَبَق.
وقوله: "وكما قبل القبول" الحكْم بإلإنفساخِ قِيَاساً على ما قبل القَبُول فيه ضَرْبُ تَوَسُّع، فإنَّه لا انعقاد قَبْل القَبُول حتَّى يطرأ علَيْه انْفِسَاخٌ والمعْنَى أنَّه إذا ماتَ قَبْل القَبُول يلْغُوا الإيجابُ، ولا يَبْقَى له اعتبارٌ، فكذا إذا مات قَبْل القَبْض؛ لشُمُول الجَوَاز للحالَتَيْنِ.
وأعلم قوله: "لم يحصْلُ المِلْك" بالحاء إشارةً إلَى ما ذكرنا منْ مذْهَب أبي حنيفة -رضي الله عنه- أنَّه إن كان القَبْضُ في المجْلِسِ، حَصَلَ الملك، وإن لم يُوجَدِ الإذْنُ، هذا شرْحُ الأركان المذكورة في الكِتَاب، واعلم أنَّ المتعاقِدَيْن معدودانِ مِنَ الأرْكَان، وكأنَّه ترك ذكرهما لوضُوح حالِهِمَا، وما يُعْتبر فيهما، وأنَّ القَبْضَ، وإنْ كان ركناً، لا بد منه في حُصُول المِلْك، وإن لم يوجد الإذْن، هذا شرح الأركان إلاَّ أن كلامه في الكتاب في أركانِ الهِبَة، وليْسَ القبضْ مِن نفْس الهِبَة؛ ألا تَرَى أنَّهُ يقال: هِبَةٌ اقترنَ بها القَبْض، وهبةُ لم يقترن، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الفَصْلُ الثَّانِي في حُكْمِهَا وهو قِسْمَان: الأوَّل مَا قُيِّدَ بِنَفْي الثَّوَابِ فَيَلْزَمُ بِالقَبْضِ، وَلاَ رُجُوعَ فِيهِ إلاَّ لِلْوَالِدِ (ح م) فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ الوَالِدَةُ وَالجَدُّ (م) وَكُلُّ أَصْلٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالأَبِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ لِفَقْرِهِ فَفِي الرُّجُوعِ خِلاَفٌ، وَمَهْمَا تَلِفَ المَوْهُوبُ أَوْ زَالَ مِلْكُ المُتَّهِبِ فَاتَ الرُّجُوعُ، وَلاَ يَثْبُتُ طَلَبُ القِيمَةِ، وَلَوْ كَانَ عَصِيراً فَصَارَ خَمْراً ثُمَّ عَادَ خَلاًّ عَادَ الرُّجُوعُ (و)، وَكَذَا إِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ وَالكِتَابَةُ، وَلَو عَادَ المِلْكُ بَعْدَ زَوَالِهِ فَفِي عَوْدِ الرُّجُوعِ قَوْلاَنِ (و)، وَلَوْ حَصَلَتْ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ سُلِّمَتْ للمُتَّهِبَ وَاخْتَصَّ الرُّجُوعِ بِالأَصْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذَا الفَصْل الثاني مقصدان: أحدُهُمَا: القوْلُ في الرُّجوع في الهِبَةِ.
والثاني: في اقتضائِهَا الثَّوابَ لكنه خلَط أحَدَهُما بالآخرَ، وأشارَ إلَى ضبْط ما يفي بالمقصُودَيْن، وإن لم يُصَرِّح به، ونَحْنُ نوضِّحه، ونأْتِي بمسائِلِ الكِتَاب مدرجة فيه، فنَقُول: الهِبَةُ تنْقَسِم إلَى مقيَّدة بنَفي الثَّوَاب، وإلَى مقيَّدة بإثْبَاته، وإلى مطْلَقَة.
أمَّا المقيَّدة بنفْي الثواب، فإنَّها تلْزَمُ بالقبض، ولا رجُوعَ فيها إلاَّ للوالِد يرْجِعُ فيما يهب لولَده عَلَى ما سيأْتِي.
وينبِغي للوَالِدِ أن يعْدِلَ في العطيَّة بيْن الأولادِ كيْلا يُفْضِي بهم المَيْلُ إلى العقوق قال: فإن ترك العَدْلَ، فقد فَعَل مكروهاً لكنْ تصحُّ الهبة.
رُوِيَ عنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رضي الله عنه- أنَّ أباهُ أتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقَالَ:

الجزء: 6 - الصفحة: 321

إنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلاَمَاً -فَقَالَ: "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا؟ قال: لا، قَالَ: "أَيَسُرُّكَ أنْ يَكُونُوا لَكَ في البرِّ سَوَاءً؟ " قَالَ: "نَعَمْ، قال: فَلاَ، إذَنْ" ويرْوَى عنه قال: "فأَرْجِعْهُ" وُيرَوَى أنَّهُ قال: "فَاتَّقُوا الله واعْدِلُوا بَيْنَ أوْلاَدِكُمْ" 38. ثم الأَوْلَى، والحالة هذه، أن يُعْطِيَ الآخرين بما يَحْصُل به العَدْل، ولو رَجَعَ، فلا بأسَ.
وعن أحمد -رضي الله عنه- أنَّه يجبُ الرُّجُوع، وُيرْوَى عنْه أنَّهُ لا تصحُّ الهبةُ مع التَّخْصيص أصْلاً، وإذا أعطَى، وعدل، كُرِّهَ له الرجُوع، وكذا إنْ كانَ لَهُ وَلدٌ واحدٌ، فوهَبَ منْه، كره له الرجُوع، إن كان الولدُ عفيفاً بارّاً، وإن كان عاقّاً، أو كان يستعينُ بما أَعْطَاه في مَعْصِيَةٍ، فليُنْذِرْهُ بالرُّجُوع، فإنْ أصرَّ، لم يُكْرَه الرُّجوعُ.
وفي طريقِ العَدْلِ في الهبةِ منَ الأولاد وجهان: أصحُّهما: وبه قال أبو حنيفةَ ومالكٌ -أَنَّ الطريق التَّسْوية بين الذكور والإناثِ؛ لما رُوِيَ أنّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال:"سَوُّوْا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ فِي العَطِيَّةِ، وَلَوْ كُنْتُ مُفَضِّلاً أَحَداً لَفَضَّلْتُ البَنَاتِ" 39. والثاني: وبه قال أحمد: أنَّهُ يُعطِي للذِكر مثل حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ 40، اعتباراً بالميراث، إذا تقرَّر ذلك، فالكلامُ فيمَنْ يرجع؟ وفي أنَّه إلاَمَ يَرْجِع؟ وفي أنَّ الرُجُوعَ لم يَحْصُلْ.
أمَّا الراجعُ، فللأب الرجُوعُ في الهبة؛ لما رُوِيَ أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: "لاَ يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أنْ يَرْجِعَ فَيمَا وَهَبَ إلاَّ الوَالِدُ فإنَّهُ يَرْجِعُ فيما وَهَبَ لِوَلَدِهِ" 41.

الجزء: 6 - الصفحة: 322

وذكر الإمامُ أنَّ الشَّيْخَ إبَا عَلِيٍّ حَكَى عن ابْن سُرَيجٍ أنَّه إنَّما يَرْجِعُ إذا قَصَدَ بهبته استجلابَ برٍّ أو دَفْعَ عُقُوقٍ، فلم يحْصُلْ غَرَضُه، أَمَّا إذا لَم يقْصِدْ ذلك، وأطْلَقَ الهبةَ، فلا رجُوع له والمشهودُ الأوَّلُ.
وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه-: لا رجوع للأبِ.
وعن مالك -رحمه الله- أنه إذا رَغِبَ راغبٌ في مواصلة الولَدِ بسَبَب المال الموهوب، فزوَّج من الابن، أو تزوَّج بالبنت، فلا رجوع له، وأصحُّ الروايتَيْن عن أحْمَدَ -رحمه الله- مثْلُ مذهبنا، وفي غير الأبِ منَ الأُصُول قولان: أحَدُهُمَا: لا رُجُوعَ لهم؛ لأن الخير ورَدَ في الأب: وأصحُّهُمَا: أنَّهُم كالأب كما أنَّهُم كالأبِ في حُصُول العِتْق، ووجُوب النَّفَقَةِ وسقوط القصاص.
وقطَع قاطِعُون بثبوت الرُّجُوع للأُم؛ لأنَّها كالأب في كَوْن الولَد منهما، بل ولادَتُها متيقِّنةٌ، وانتسابُهُ إلى الأب ظاهرٌ.
وآخرُونَ بثُبوت الرُّجُوع للجد أبي الأب؛ لأنَّهُ كالأب في الولاية، وخصصوا الخلافَ بالأمِّ وآبائها وأمهاتها وأُمهاتِ الأبِ، وهَذا ما أورده المتولِّي.
وتنساقُ هذه الطُّرُقُ إلى أربعةِ أوْجُهٍ.
أختصاصه بالأب اختصاصه بالأب والأمِّ.
اختصاصه بكلِّ أصلٍ [تثبت] له الولايةُ.
شموله كلّ أصْل، وهُو الأصحُّ، وعن مالك أنَّه لا رجُوعَ لهم سَوى الأم، وقال أحْمَدُ: لا رُجُوعَ لها أيضاً.
وأمَّا غير الأصول كالأخِ والعمِّ، وسائِر الأقارِبِ، فلاَ رجوعَ لهم كلما لا رجوع للأجانب، ووجْهُه ما قدَّمنا من الخبر، وأيضَاً، فقد رُوِيَ أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُعْطِي عَطِيَّةً أَوْ يَهَبُ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيْهَا إلاَّ الوَالِدُ فِيما يُعْطَى وَلَدَهُ، وَمَثلُ الَّذِي يُعْطِي العَطِيَّةَ ثُم يَرْجِعُ فِيهَا كمَثَلِ الكَلْبِ يَأَكْلُ، فَإذَا شَبعَ قاء، ثُمَّ عَادَ في قَيْئهِ" 42. وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه- لا رُجوعَ في الهبةِ منَ المَحْرَم، ويثبت في غير المَحْرَمَ قريبًا كان أو أجنبياً، إلاَّ في هِبَةِ أحدِ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الآخَرِ، ولا فَرْقَ في حقِّ الرجوع بَيْن أن يكون الوَالِدُ والوَلَدُ متفقَيْن في الدَّيْن، أو مختلفَيْن، ولو وهَبَ مَن عبد ولده، فلَهُ الرجوع.
= وقال الحافظ في التلخيص: وهو عنده من رواية عمرو بن شعيب عن طاوس، وقد اختلف عليه فيه، فقيل عنه عن أبيه عن جده والدارقطني (3/ 42 - 43).

الجزء: 6 - الصفحة: 323

ولو وهَبَ مِنْ مكاتَبِ ولده، فلا، وهبة الإنسان من مكاتَبِهِ كهبته من الأجنبيِّ.
ولو تداعَى اثنانِ موْلُوداً، ووهَبَا منْه، فلا رُجُوعَ لواحد منهما، فإنْ لَحِقَ بأحدِهِما فوجهان؛ لأنَّ الرجُوعَ لم يكن ثابتاً في الابتداء 43. وحْكمُ الرُّجُوع في الهديَّة حكُمُه في الهِبَة.
ولو تصدَّق على ابْنه، فوجهان: أصحُّهما: ويُحْكَى عن نصِّه في "حرملة" أنَّ له الرُجُوعَ أيْضاً؛ لأنَّ الخبر يقْتَضِي ثبوتَ الرُّجُوعِ في الهِبَة، والصَّدَقةُ ضَرْبٌ من الهبة، ولأنَّه تبرع على الولَد فِي الحياةِ لا بُدَّ فيه من التسليم، فأشبه الهبة 44. والثاني: وبه قال مالك رحمه الله لاَ رجوع له؛ لأنَّ القصدَ من الصَّدقة ثَوَابُ الآخرةِ، وقد حَصَلَ.
فرعان عن "التتمة": أحدهما: إذا أبرأ ابْنَه عَنْ دَيْنِهِ، يبنى على أنَّ الابراءَ إسقاط، أو تمليكٌ.
إن قلنا بالأوَّل، فلا رجوعَ، وإلاَّ، ثبتَ الرُّجُوعُ 45. الثَّاني: لو وهَبَ مِنْ ولده، ثم مَاتَ الواهبُ ووارثه أبوه؛ لكون الولد مخالفاً في الدّين، فلا رُجُوع للجَدِّ الوارث؛ لأنَّ الحقوق لا تُورَثُ وحدَها، إنَّما تورَثُ بتبعيَّة الأموال، وهو لا يرثُ المال.
أمَّا أنه إلام يرجع، فاعلم أنَّ الموهوبَ، إمَّا أن يكونَ باقياً في سلْطَته المُتَّهِب، أو لا يكون أحد القِسْمَين ألا يكون باقياً في سلطته، فإنْ تَلِفَ في يدَه، أوْ زَال ملكه عنْهُ ببيعٍ أو غَيْرِهِ، فلاَ رُجُوعَ للواهب، ولا له طَلَبُ القيمة، ويلتحقُ به ما إذا وقَف الموهُوب، أو كانَ عَبْداً فكاتبه، أو أمَةً، فاستوْلَدَها، أو رَهَنَ الموهوب وَأقْبَضَه، أو هَبَه وأقْبَضَه، أو وهَبَهُ وحكى الإمام خلافاً في أنَّ الرُجوعَ هَلْ يمتنع بالرَّهْن مبنيّاً عَلَى ما

الجزء: 6 - الصفحة: 324

سبق في صحَّة هِبَة المَرهُون؟ فإن قلنا: لا يصحُّ، لم يصحَّ الرجوع، وإن صحَّحنا، توقَّفنا، فإنِ أنفك الرهْنُ، بأن صحة الرجوع، وذكر أيضاً فيما إذَا كاتَبَ العَبدْ تَرَدُّداً؛ بناءً عَلَى صحَّة بَيْع المكاتَب، ولا يمتنع الرجوعُ بالرَّهْن والهِبَةُ، إذا لم يقترنْ بهما القبْضُ، ولا بالتدبير وتعليق العتق بالصفة، ولا بزراعة الأرْضِ، وتزويجِ الجارَية، ولو أجَّر الموهوب، فكذلك جوابُ الأكثرين، وتبْقَى الإجارةُ بحالِهَا، كالتَّزويج.
وقال الإِمَامُ: إنْ صحَّحنا بيْعَ المستأجر، فللواهب الرُّجُوع، وإن لم نصحِّحه، فإن جوَّزنا الرُّجُوعَ في المرْهُون، وتوقَّفنا ما يكون، فيصح الرجوع، في المستأجر، ولا حاجَةَ إلى التَّوقُّف، بل الرقبةُ للرَّاجع، والمستأجر يستوفى المنفعة إلى انْقِضَاء المُدَّة، وإنْ منَعْنَا الرجُوعَ في المرْهُون، ففِي المستأجر تردُّدٌ؛ لاطِّراد المِلْك فيه، واختصاص حقِّ المستأجر بالمنافع.
وخرج على هذا تردُّد فيما إذا أبَقَ العبْد الموهوب منْ يد المتهب 46، وهلْ يصحُّ رجوع الواهب، مع قولنا بأن هبةَ الآبِقِ لا تصحُّ؟ لأنَّ الهبةَ تمليكٌ مبتدأ، والرجوعُ بناء، فيسامَحُ فيه، ولو جنَى وتعلَّق الأرش برقبته، فهو كالمرهُون في امتناع الرجوع، لكنْ لو قال: أفْدِيه، وأرْجع فيه، مُكِّن منه، بخلافِ ما لَوْ كان مَرْهُوناً، فأراد أن يبذلَ قيمته، ويرْجِع، لما فيه مِنْ إبطال تَصرَّف المُتَّهِب.
وإذا زال مِلْكُ المتهب، ثم عاد بإرْث أو شراء، ففي عَوْدِ الرُّجُوعِ وجهان، وقال صاحب الكتاب: قولان: أحدهما: يعود لأنه وجد عين ماله عنْد من له الرجوعُ فيما وهب منه.
وأصحُّهما: المنْعُ؛ لأنَّ هذا المِلْكَ غيْرُ مستفادٍ منْهُ حتَّى يزيله ويرْجِع فيه.
واحتجَّ أبو العبَّاسِ الرُّويانيُّ لهذا الوجْه 47 بأنَّه لو وهَب مِنِ ابنه، فوهبه الابنُ منْ جدّه ثم وهبه

الجزء: 6 - الصفحة: 325

الجدُّ مِنِ ابن ابنه الموهُوب له أوَّلاً، فإنَّ حَقَّ الرجوعِ للجَدِّ الذي منه حصل هذا المِلْك لا للأب، ولا يبعْدُ أن يحكم القائل الأول بثُبُوت الرجوع لهما جميعاً.
وُيعَبّر صاحب الكتاب عن الخلافِ في المسألة بالقولَيْن، كأنَّهُ يقر بها من مَسَائِل ذِكرَ فيها قولان.
وكذلك بناه في "الوسيط" على أصْلٍ قد مرَّ في "البيع" وهو أنَّ الزائلَ العائد كالَّذي لم يزل أو كالذي لم يعد.
وأيْضاً، فإنَّ الرويانيَّ ذكر في "الجُرْجَانِيَّاتِ" أنَّ الخلافَ في أنَّ المِلْكَ الثَّاني، هلْ ينبني على الأوَّل في رجوع الواهب، كالخلاف في عَوْد الطَّلاق والظِّهار والإيلاء؟ ولو وهَب منْه عَصِيراً، فصار خَمْراً؛ ثمَّ عاد خَلاًّ، فلَه الرُّجُوع؛ لأنَّ المِلْكَ الثابتَ في الخَلِّ سببه ملْك العصير، فكأنَّهُ الملْك الأوَّل بعينه.
وقد حَكَى بَعْضُهُمْ وجْهَيْن في أنَّ المِلْكَ، هَلْ يزول بالتخمير، ووجهَيْن في عَوْد الرجوع تفْريعاً على القَوْل بالزَّوال فيجوز أنْ يُعْلَمَ لذلك قولُه في الكتاب: "عاد الرجُوع" بالواو، ولا يخفَى أنَّ المرادَ من قوله: "ولو كان خَمْراً ثم عاد خَلاًّ" أي: لو صار الموهُوبُ خمراً، وما أشبهه.
ولو انفكَّ الرهْنُ والكتابةُ بأنْ عجز المكاتَبُ عن أداء النُّجُوم، ثبت الرجُوع؛ لأن المِلْكَ الذي كان لم يَزُلْ.
وحَكَى الإمَامُ عنْ بَعْضِ الأصْحَاب في انفكاك الرَّهْن وجهين مُرَتَّبَيْنِ على الوجْهَيْن فيما إذا زال المِلْكُ وعاد.
وفي "المجرَّد" للقاضي أبي الطيِّب ذِكْرُ وجه في الكتابة أيضاً؛ لأنَّ الكتابةَ تجعله في حُكْم من زال المِلْك عنه، وإذا انفكَّتْ، فكأنَّه حصَل ملْك جديدٌ، فليكن قوله: "وكذا إذا انفكَّ الرَّهْن والكتابة مرقوماً بالواو.
لذلك: ولو أفْلَسَ المُتَّهِب، ثم حَجَر عليه القاضي، فأحَدُ الوجهين أن للواهب الرُّجُوعَ؛ لأن حقَّهُ أسبْقُ منَ الغُرَمَاء، إذِ الرُّجُوعُ يثبت بالهبة، وحقُّ الغرماء يثبت بالحَجَرْ.
وأصحُّهُمَا: المَنْعُ، كالمرهون والجاني وبهما يبطُلُ توجيه الأوَّل 48. ولو ارتد وقلْنا: الردَّةُ لا تزيلُ المِلْك، يثْبُتُ الرجوع، وإنْ قلنا: تزيلُه، فلا رجوعَ، ثمَّ إذا عاد إلى الإسْلاَم، ثبَتَ الرجوع، ومنهم من جعله على الخلاف فيما إذا زال ملْكُهُ، ثم عَادَ.
ولو وهَبَ الابْنُ المتَّهِبُ الموهوب لابنه، فهَلْ للجدِّ الرجوعُ تفريعاً على إثْبَات الرجوعُ للجدِّ؟ فيه وجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 326

أحدُهُمَا: نعَمْ؛ لأنَّه موهُوبٌ مِمَّن للجَدِّ الرجُوعُ في هبته.
والثاني: لاَ؛ لأنَّ المِلْكَ غَيْرُ مُسْتَفادٍ منْه.
ولو باعه منْه، أوِ انتقل بمَوته إلَى ابنه، فكلامُ صاحبُ "التهذيب" يقتضي القَطْع بالمَنْع، وفي "الشامل" طرد الوجْهين في صُورة المَوْت، وفي "التتمة" الطَّرْدُ في البيع أيضاً، والأصحُّ في الكلِّ المنعُ (1). والقسم الثاني: أن يكونَ باقياً في سُلْطته فإن كان بحَاله أو ناقِصاً فله الرجوعُ، وليس على الابن أرْشُ النقصان، وإنْ كان زائداً، نظر؛ إن كانتِ الزيادةُ متَّصِلةَ كالسماء وتعلُّم الحرفة، رَجَعَ فيه مع الزِّيادة، وإنْ كانتْ منفصلةً؛ كالوَلَد والكَسْب، رجَع في الأصْل، وبقيتِ الزِّيادة للمتَّهِب، وإذا وهَب جاريةً أو بهيمةً حاملاً فرجع قبْل الوَضْع، رجَع فيها حاملاً.
وإنْ رجع [فيها] بعد الوَضْع فإنْ قُلْنا: يعرف الحمْل (2)، رجع في الأمِّ والولد.
وإن قلنا: لا يعرف لم يرجع إلاَّ في الأمِّ، ويرجع في الحال أمْ عَلَيْه الصَّبْرُ إلى الوضع؟ فيه وجهان حَكَاهُمَا في "التهذيب".
ولو وهَبَ منْه حَبّاً، فبَذَرَه، ونَبَتَ، أو بَيْضاً، فصارتَ فَرْخاً، فلا رُجُوع؛ لأنَّ مالَه صارَ مُسْتَهْلَكاً.
قالَ صاحِبُ "التهذيب": هذا إذا ضَمَّنا الغاصِبَ بذلك، وإلاَّ، فقد وجد عين ماله، فيرجَعْ فيه.
ولو كان المَوْهُوب ثَوْباً، فصبَغَه الابْنُ، رَجَعَ في الثوب، والابن شريكٌ بالصَّبغ، ولو قصره، أو كان الموهُوبُ حِنْطَةً، فطحنها، أو غَزْلاً فَنَسَجَه، فإنْ لم تزدْ قيمته، فللأبِ الرجُوعُ، ولا شيْءٌ للابْن، وإن زادت، فإنْ قلْنا: القصارة عَيْنٌ، فالابنُ شريكٌ، وإن قلنا: أثر، فلا شَيْءَ له.
ولو كانت أرضاً فبَنَى فيها الابْنُ، أو غَرَسَ، رجَع الأبُ في الأَرْض، وليس له قلْعُ البناءِ والغِرَاسِ مَجَّاناً، لكنَّه يتخيَّر بين الإبقاء بالأُجْرَة، أو التملك بالقيمة، أو القَلْع وغرامة النُّقْصَان، كما في العَارِية.

فرع

: عن أبي الحُسَيْن: إنْ وطئَ الابْنُ الجاريةَ المَوْهُوبة يمنع الرجُوع، وإن عرى عنِ4950

الجزء: 6 - الصفحة: 327

الإحْبَال؛ لأنَّه يحرِّمُها على الأب، والمَذْهَبُ خلافُه.
وأمَّا أنَّ الرُّجُوعَ لم يَحْصُلْ، وهذا مما لم يتعرَّض له في الكتاب، فيحْصُل الرجوعُ بقَوْله: رجَعتُ فيما وهبْتُ، وارتجعت واستردَدتُّ المَال -أو رددتُّه إلى ملكي، وأبطلْتُ الهبةَ ونقَضْتُها، وما أشبه ذلك- هكذا أطلقوه لكن حكَى أبو العباس الرُّويانيُّ في "الجُرْجَانِيَّاتِ" وجهين في أنَّ الرُّجُوع، هلْ هو نقضٌ وإبطالٌ للمِلْك في الهِبَة أم لا؟ أحدهما: لا؛ لأنَّه لو كانَ نَقْضاً لَمَلَكَ الواهبُ الزياداتِ الحَاصِلَةَ من الموهُوب.
والثاني: نعَمْ، كما أنَّ الإقالةَ فَسْخٌ ونَقْضٌ للبيع، وإنَّما لا تستردُّ الزيادة، لحُدُوثها عَلَى ملك المتَّهِب، كما لا تستردُّ في الإقالة، فعلى الأوَّلِ؛ ينبغي ألا يُستعمَل لَفْظ النقض والإبطال إلاَّ أنْ يجعل كنايةَ عن [المقصودِ، وقد ذكر الرُّويانيُّ في هذا، أنَّ اللَّفظَ الَّذي يُجعَل به الرَّجُوع ينقَسِمُ إلى صَرِيح، وهو قوله: رجَعْتَ، وإلى كناية] 51 تفتقرُ إلى النِّية؛ كقوله: أبطلتُ الهبةَ وفَسَخْتُهَا، ولو لم يَأْتِ بلفظٍ، ولكن باع الموهوب، أو وهبه مِنْ غيره، أو وقفه، فوجهان: أَحَدُهُما: أنَّه رُجُوعٌ، كما أنَّ هذه التصرُّفاتِ في زمانِ الخيارِ فسْخ للبيع.
وأصحُّهُمَا: المنْع؛ لأنَّ الموهُوبَ مِلْكُ الابن بدلَيْلِ نفُوذ تصرُّفاته فيه، فيلغُو تصرُّف الأب فيه، وهذا كما أنَّه لو ثبَتَ له الفسْخُ بالعَيْب، فتصرَّف فيه لم يحْصُل به الفسْخُ، ويخالف المبيع في زمان الخِيَار؛ بأن الملك فيه ضعيفٌ.
فإن قلْنا بحُصُول الرُّجُوع، قال في، "التهذيب": في صحَّة البيع والهبة وجهان، كما في البَيْع في زمانِ الخِيار، ويجري الوجهان في حُصُول الرجوع، إذا أتلف الطَّعامَ المَوْهُوبَ، أو أعتق العَبْد أو وطئ الجَارِيَة وأشارَ الإمَامُ إلى وجّهٍ ثالَث؛ وهو أنَّ مجرَّد الوطْء ليْسَ برجوع، لكن إذا أحْبَلَها، وحَصَل الاستيلاد كان راجعاً.
وعلى الصَّحيح؛ يلزمه بالإتلاف القيمة ويلْغُو الإعتاقُ، وعلَيْه بالوطْءِ مَهْرُ المثل، وبالاستيلاد القيمةُ 52. ولو صبَغ الثَّوْبَ الموهوب، أو خلَطَ الطعامَ بطَعَامِ نَفْسِهِ، لم يكن راجِعاً، بل هو كما لو فَعَل الغاصبُ ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 328

فروع

: الرُّجُوعُ في الهِبَة حيثُ يثبت لا يفتقرُ إلَى قضاءِ القاضي، خلافاً لأبي حنيفة -رضي الله عنه- ولو رجَع ولَمْ يستردَّ المال، فهو أمانةٌ في يد الابْن، بخلافِ المبيعِ في يَد المُشْتَرِي بعْد فسْخ البيع، وفَرَقُوا بيْنهما بأنَّ المشتري أخذه على حكْمِ الضَّمان.
ولو أنْفَقَ الواهبُ والمتَّهِب عَلَى فسْخ الهبةَ حَيْث لا رجوعَ، فينفسخُ كما لو تقايلا، أو لا ينفسخُ كالخُلع؟ فيه وجهان عن "الجُرْجَانِيَّات" والله أعلم 53. قَالَ الغَزَالِيَّ: الثَّانِي: الهِبَةُ المُطْلَقَةُ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَبِيرِ إِلَى الصَّغِيرِ لَمْ تَقْتَضِ ثَوَاباً، وَكَذَا إِنْ كَانَ مِنَ النَّظِيرِ عَلَى الأَظْهَرَ، وَلَوْ كَانَ إِلَى الكَبِيرِ مِنَ الصَّغِيرِ فَقَوْلاَنِ: الجَدِيدُ: أنَّهُ لاَ ثَوابَ (م)، والقَدِيمُ: أنَّهُ يَلزَمُهُ (ح) لِلعُرْفِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ مَا يَرْضَى بِهِ الوَاهِبُ (م)، وَقِيلَ: قَدْرُ القِيمَةِ، وَقِيلَ: مَا يَزِيدُ (م) عَلَى القِيمَةِ وَلَوْ بِقَلِيلٍ، فَإِنْ لَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ مَا هُوَ الثَّوَابُ رَجَعَ فِيهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تكلَّمنا في أحَد أقْسَامِ الهبَة، وهو الهبةُ المقيَّدة بنَفي الثواب، وفرَّعنا على المذْهَبِ الصَّحيح في صحَّة هذه الهبة.
وفيه وجّة: أنَّها لا تصحُّ، إذا أوجبنا الثوابَ بمُطْلَقِ الهبَة؛ لأنَّه شرْطٌ يخالفُ مقْتضاها.
والقِسْمُ الثاني: الهبةُ المطْلَقة، ويُنْظَر فيها، إنْ وهبَ الأعلَى منْ الأدنى، فلا ثوابَ لَهُ، إذ لا يقتَضِيهِ اللفْظُ ولا العادَةُ، وإنْ كان بالعكس فقولان: أحدهما: أنه لا يلزمُ الثَّواب أيْضاً، وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رضي الله عنهما- لأنه لو أعارَ دَاراً لا يلْزَمُ المستعير شَيْءٌ، فكذلك إذا وهَبَ؛ إلحاقاً للأعيان بالمنافع.
والثاني: وبه قالَ مالكُ: يلزَمُهُ؛ لاطراد العَادَةِ به.
وقد رُوِيَ عن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّهُ قال: مَنْ وَهَبَ هِبةً يرْجُو ثوابَها، فهو ردٌّ على صاحِبِهَا ما لَمْ يَثبُتْ منها 54 ولا بدَّ الآن منْ معرفة أمرَيْن:

الجزء: 6 - الصفحة: 329

أحدُهما: أنَّ عامَّة الأصْحَاب رجَّحوا القولَ الأوَّل، لكنَّ الشيخَ أبَا محمد والقاضِيَ الرُّوياِنيُّ حَكَما بأنَّ الثَّاني أصحُّ.
والثاني: أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ يَشْتَهِرُ بالجديد، والثَّاني بالقَديم، لكنَّ الثَّانِيَ مرويٌّ عن "كتاب التَّفْلِيس" من الجديد، كما هو محكيٌّ عن القديم، وفي اختلاف العراقِيِّين ذكر القولَيْن جميعاً، فإذا هما مذكوران في الجديد، إلا أنَّه لم ينقل عن القديم سوَى الثاني، فشَهِرَ بالقديم، ومقابِلُهُ الجديد.
التفريع: إذا أوجبنا الثواب ففي قدره أربعة أوجه: أحدهَا: ما يَرْضَى به الواهبُ؛ لما رُوِيَ أنَّ أعرابيّاً وَهَبَ للنَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- نَاقَةً، فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، وقال: أَرَضَيْتَ؟ قَالَ: لاَ، فَزَادَهُ، وقَالَ: أَرَضِيْتَ؟ قال: نَعَمْ.
فقال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَلاَّ أتَّهِبَ إلاَّ مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ أَنْصَارِيٍّ أَوْ ثَقِفِيٍّ" 55. وأرجها على ما ذكره الإمامُ والقاضِي الرّويانيُّ -أنَّه قدْرُ قيمةِ المَوْهُوب؛ لأنَّه عَقْدٌ يقتضي العِوَضَ، ولا يُشْتَرطُ فيه التَّعْيينُ والتَّسْمية، فإذا لم يسمِّ شيئاً، وجَبَ عوض المثل؛ كالنكاح، وبهذا قال مالكٌ.
والثالث: ما يُعَدُّ ثواباً لِمِثْلِه في العادَة؛ لأن أصْل الثَّواب مأخوذٌ منْ العادة، فكذلِكَ قَدْرُه.
والرابع: أنه يكفي أقلُّ ما يُتموُّل؛ لوقُوع اسْمِ الثواب عليه، وبعْضُهم يجعل هذه الأوْجُهَ أقوالاً مخرَّجة.
وفي شرْح القاضي ابن كج أنَّ الأوَّل والثالِثَ قولان منصُوصَان، ولا يتعيَّن للثوابِ جنْسٌ من الأموال، بل الخِيَرَةُ فيه إلى المُتَّهِبْ.
وإذا فرَّعنا على تقدير الثَّواب بقَدْر القيمة، فلَوِ اختلف قدْرُ القيمة، فعَنْ صاحب "التقريب" وجْهان في أنَّ الاعتبار بقيمةِ يَوْم القَبض أمْ بيَوْم بَدْل الثواب؟ والأظْهرُ الأوَّل، = منها، قلت: رواه ابن ماجه من هذا الوجه، وقال الحافظ في التلخيص والمحفوظ عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه عن عمر، قال البخاري: هذا أصح، ورواه الدارقطني من هذا الوجه، ورواه الحاكم من حديث الحسن عن سمرة مرفوعاً: "إذا كانت الهبة الذي رحم محرم لم يرجع ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس وقال الحافظ في التلخيص: وسنده ضميف.

الجزء: 6 - الصفحة: 330

ثم المتهب، إن أثاب بما يصلح ثواباً، فذَاكَ، إلاَّ، فللواهب الرجُوع، إن بقي الموهوبُ بحاله 56، وإن زاد زيادةً متصلةٌ، رجَع فيه مع الزِّيادة.
وفي "أمالي السَّرْخَسِيِّ" وَجْةٌ آخر: أنَّ للمتَّهِب أنْ يُمْسِكَه وَيبْذُلَ قيمته دون الزِّيَادة، وإنْ زاد زيادة منفصلةً، رجع فيه دُون الزِّيادة.
وإن كان الموهوب تالِفاً، فوجهان، ويقالُ: قولان منصُوصان في القَدِيم: أصحُّهُمَا: أنَّهُ يرْجع بقيمته؛ لأنَّه مملوكٌ بعوَضٍ، فإذا تَلِفَ، كان مضموناً كالبَيْع.
والثاني: لا يَرْجِعُ بشَيْءِ؛ كالأب في هبة ولَده.
وإنْ كان ناقصاً، رجَع إليه، وفي تغريمه المتهب أرْشَ النُّقْصان، الوجهان.
وقيل: له أن يترك العَيْن ويُطَالِبَ بكمال القيمة 57. ولو وهبَ النَّظيرُ مِنَ النَّظير، فطريقان: أحدُهَما: التخريج على القولَين السابقَيْن؛ لأنَّ الأقران لا يتحمَّل بعضهم من بعض في العادة، بل يعوّضون.
وأظهرُهُما: القَطْع بنَفْي الثواب؛ لأنَّ القَصْدَ من مثله الصِّلة، وتأكيد الصداقة، وقد حَصَلَ هذا الغَرَضُ، فأشبه الصدقة لما كان الغَرَض منها ثواب الآخرة، لم يقْتَض ثواباً في الحال.
وعن صاحب "التقريب" تخريجُ القولَيْن في هبة الأعْلَى من الأدنَى أيضاً 58، فجوز أن يُعَلَّمَ لذلك قولُهُ في الكتاب: "إن كانت من الكبير إلى الصغير، لم يقْتَضِ ثواباً" بالواو.
وقوله: "من الكبير" يعْني إنْ كانتْ صادِرة من الكبير لا ما تُرِيد بقولك: وهبتُ مِنْ زَيْدٍ، وكذا قوله: "إلى الكَبِيرِ من الصغير".
وقوله "وكذا إنْ كانت منَ النَّظير" يصحُّ حمله على المَعْنَيَيْنِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 331

وقوله: "لا ثواب" يجوزُ أنْ يُعْلم بالميم.
وقوله: "يلزمه" بالحاء والميم والألف.
وقول وقيل: "ما يَزِيدُ على القيمة ولو بقليل" هذا الوجْهُ لم أرَ روايتَهُ بهذه العبارة لغَيْر صاحب الكتاب، ولا لَهُ إلاَّ في هذا الكِتَاب، والمرويُّ مكانه أنَّ الثوابَ ما يُعَدُّ ثواباً لمثْلِه في العَادَة، ويُشْبِه أن يكونَ هو الذي أرادَهُ، وذهب إلى أنَّ العادةَ تقْتَضِي زيادةً عَلَى قدْر القيمة، فإنَّ المهَدي لو رَضِيَ به، لبَاعَهُ في السُّوق، ويجوزُ إعْلاَمُ هذا الوجّه الأوَّل بالميم، والله أعلم بالصواب.
قَالَ الغَزَالِيٌّ: أَمَّا إِذَا صَرَّحَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ فَإِنْ عَيَّنَهُ فَهُوَ بَيْعٌ وَيَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُ البَيْعِ (و)، وَلَكِنْ عِنْدَ العَقْدِ أَوْ عِنْدَ القَبْض قَوْلاَنِ، وَقِيلَ: لاَ يَنْعَقِدُ لِتَنَاقُضُ اللَّفْظِ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولاً، فَإِنْ قُلْنَا: المُطْلَقُ لاَ يَقْتَضِيهَ بِحَالٍ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَإِنْ قُلْنَا: يَقْتَضِيه فَقِيلَ: إِنَّ هَذَا كَالمُطْلَقِ، وَقِيلَ: إِنَّ التَّصْرِيحَ بِالثَّوابِ يَجْعَلَهُ بَيْعاً فَيَفْسُدُ بِالجَهْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيَّ: القِسْمُ الثالث: الهبةُ المقيَّدة بإثباتِ الثَّواب، ولا يخلُو الحَالُ؛ إمَّا أنْ يكون معلُوماً، أو لا يكون.
الحَالةُ الأُولَى: إذا كان معلُوماً، ففيه قولان: أصحُّهُمَا: صحَّةُ العقْد؛ أمَّا إذا قلنا إنَّ مطلَق الهبَةِ لا يقتضي الثَّوَاب؛ فلأنَّه معاوضةُ مالٍ بمالٍ؛ كالبيع، وأمَّا إذا قلْنا: يقتضيه؛ فلأنَّه إذا صحَّ العقد، والعوض الواجب مجهول، فأولَى أن يصحَّ، وهو معلومٌ.
والثَّاني: أنه باطل، أمَّا إذا اقتضَتِ الهبةَ لثوابَ؛ فلانَّ مقتضاها ثوابٌ غيْرُ معلومٍ، ولا معيَّن بشرط المعْلُوم، والمعيَّن يخالفُهُ، وأمَّا إذا لم يقتضها؛ فلانَّ شرْطَ العِوَضِ يخالف مقتضاها، ولأنَّ لفظ الهبةِ يَقْتَضِي التبرُّع، فالجَمْع بَيْنَهُ وبيْنَ شَرْط العوض مُخِلٌّ به.
والقول الثَّاني: هو الذي أراده صاحِبُ الكتاب بقوله: "وقِيلَ: لاَ يَنْعَقِدُ؛ لتناقُضِ اللفظ".
وإذا قلْنا بالصحَّة، فالظاهر أنَّه بيْعٌ؛ اعتباراً بالمعنى، وهذا هو المذكور في الكِتَاب، وبه قطع القاضي أبو حامد فيما حكاه ابْنُ كجِّ عنْه سماعاً وفيه وَجْهٌ آخر أنَّه هبةٌ؛ اعتبارًا باللَّفظ.
فإن قلْنا: بهذا لم يثبت فيه الخيارُ والشّفعة ولم يلْزَمْ قبل القبض، وإن قلْنا بالأوَّلْ تثبت هذه الأحكَامُ، وذكروا قولَيْن في أنَّها تثبت عَقِيبَ العَقْد، أو عَقِيبَ القَبْض، وأولهما أظهرُهما، والمرجِعُ بهما إلى التردُّد في كوْنِه بَيْعاً أو هبة.
ولو وهَبَ منْه حُلِيَّاً بشَرْط الثَّواب أو مُطْلَقاً، وقلْنا: الهبةُ تقْتَضي الثَّوابَ، فالحكايةُ عن نَصِّه في حرملة أنه إنْ أثابَهُ قبْل التفرق بجنسه واعْتبرتِ المماثلة، وإن أثابَهُ بَعْد التفرق بعرضٍ، صحَّ، وبالنقْدِ، لا يصحُّ؛ لانَّه صَرْفٌ، وهذا مبنيٌّ عَلَى أنَّ هذا

الجزء: 6 - الصفحة: 332

العقْدَ بيعٌ.
وفي "التتمة" أنه لا بأْسَ بشَيْءٍ منْ ذلك؛ لأنَّا لم نلْحقه بالمعاوَضَاتِ في اشتراط العِلْم بالعِوَض، فكذلك في سائِرِ الشَّرائط، وهذا يُخَرَّج على قولنا: إنَّهُ هبةٌ.
والإمام -قدس الله روحه- حكَى الأوَّل عنِ الأصحاب؛ نقْلاً، وأبدَى الثَّاني احتمالاً، ووَجَّهَهُ بأنَّ باذل الثواب في حُكْم واهبٍ جَدِيدٍ، وكأنه يقابلُ هبة بهبة، ثم زيَّفه بأنَّا لا نشترط في الثَّواب لفْظَ اَلعَقْد إيجاباً وقبُولاً، ولو كانتْ هبة محددة لاشترط، وخرّج على الوجهَيْن ما إذا وهَب الأبُ منْ ابنه بثوابٍ مَعْلومٍ، فإنْ جعلْنا العقد بيعاً، فلا رُجُوعَ له، وإلاَّ، فله الرجوعُ.
وإذا وجد بالثوْب عيْباً، وهو في الذمَّة، طالب بسليم، وإنْ كان معيّناً، رجَع إلى عَيْن الموهُوب، إن كَانَ باقياً، وإلاَّ طالب بقيمته، واستبعدَ الإمامُ مَجِيء الخلافِ في أنَّهُ بيعٌ أو هبةٌ ههنا، حتى لا يَرْجِعَ على التقدير الثاني، وإنْ طرد بعْضهم، وإذا جعلْنَاه هبةً، فكافأه بما دُون المشْرُوط، إلاَّ أنَّه قريبٌ منه، ففي شرْح القاضي ابن كجٍّ وجهان في أنّه، هل يُخْبَرُ على القَبُول؛ لأنَّ العادةَ فيه المسامحةُ؟ 59. الحالُ الثانيةُ: إذا كان الثَّوابُ مجهولاً، فإنْ قُلْنا: الهبةُ لا تقْتَضِي الثَّوابَ بَطَلَ العَقْدُ؛ لتعذُّر تصحيحه بَيْعاً وهبةً.
وإن قلْنا: إنَّها تقتضِيه، صحَّ، وليْسَ فيه إلاَّ التصريحُ بمقتضىَ العَقْد، هذا ما أورده الأكْثَرُون، وحَكَى صَاحِبُ الكتاب وجْهاً آخر؛ أنَّهُ يَبْطُل؛ بناءً على أنَّ ذكْر العوض يلحقه بالبَيْع 60، وإذا كان بَيْعاً، وجب أنْ يكون العِوَضُ معْلُوماً.

الجزء: 6 - الصفحة: 333

والأوَّلُون يقولون: إنَّما يُجْعَل بيعاً عَلَى رأْيٍ، إذا تعذِّر جعلُه هبةً، وذلك إذا قلْنا: إنَّ الهبةَ لا تَقْتَضِي الثَّوابَ.
أمَّا إذا قلْنا: "يقتضيه، فاللفظ والمَعْنَى متطابقان، فلا معنَى لجعله بَيْعاً.
وحكَى القاضِي ابن كجٍّ عنْ نصه أنَّه، لو وهَبَ من اثنين بشرْط الثواب، فأتى به أحدُهُما دون الآخر، لم يرجع في حصَّة من أثاب، وأنَّه لو أثاب أحدَهما عن نَفْسه، وعنْ، صاحبه، ورضِيَ به الواهبُ، لم يرجع على واحدِ منهما، ثم إنْ أثاب بغير إذْنِ الشريك لم يرجع عَلَيْه، وإن أثاب بإذْنه، رَجَعَ بالنِّصْف هذا إذا كان الثوابُ ممَّا يُعْتَادُ ثواباً لِمِثْلِهِ، فإنْ زاد، فهو متطوع بالزيادة.
ولو خرج الموهوب مستحقّاً بعد الثَّواب، رجع بما أثاب على الواهب، وإن خرج بعْضه مستحقّاً، فهو بالخيار بيْن أن يَرْجِعَ على الواهب بِقِسْطِهِ منَ الثَّواب، وبْين أنْ يردَّ الباقَي، ويرْجعَ بجميع الثواب، وقِيل: يبطلُ الهبةُ في الكُلِّ، كما في نظيره من البَيْع.
وقال القاضي أبو حامد: لا يجيْء قوْلُ الإبْطال في الهِبَة.
ولو قال الواهِبُ: وهبتُ منْكَ ببذل، وقال المتَّهب: وهبت بلا بَدَلٍ.
والتفريعُ عَلَى أنَّ مطْلَق الهبة لا يقتضي ثواباً، فالمصدَّق الواهب؛ لأنَّه لم يعترفْ بزوالِ مِلْكِهِ إلاَّ ببَدَلٍ أو المتَّهب؛ لأنَّهما توافَقَا عَلَى أنَّه ملْكُهُ والأصل أنْ لا عِوَض؟ فيه وجهانُ بالأول أجاب القاضي ابْنُ كج 61. ونختم الكتاب بفُرُوع متعددة حامِدِينَ الله تعالى: لو دفَعَ إلَيْهِ دِرْهماً، وقال: خذْهُ وادْخُلْ به الحَمَّام، أو دَرَاهِمَ، وقال؛ اشْتَرِيهَا لِنَفْسِكَ عَمَامَةَ.
في "فتاوى القفال" أنَّه، إنْ قال ذلك عَلَى سبيل البسط المعتاد، مِلْكَهُ وتصرَّف فيه، كيف شاء، وإن كان غَرَضُه تحْصِيلَ ما عيَّنه لما رأَى به من الوسخ والشعث، أو لِعِلْمِهِ بأنه مكْشُوفُ الرأس، لم يَجُز صرْفُه إلَى غيْر ما عيَّنه.
وَسُئِلَ الشَّيْخُ أبو زَيْد عن رجُلٍ مات أبوه، فبَعَثَ إلَيْه إنْسانٌ ثَوْباً ليكفنه فيه، هلْ يملكه حتَّى يُمْسِكَهُ ويُكَفِّنَهُ في غيره؟ فقال: إنْ كان الميِّتُ ممن يتبرك بتكْفِينِهِ لفقه أو = الشَّافعي في كتاب الشفعة يدل على اجازته الهبة، وإن كان الثواب المشترط غير معلوم، وكذلك جعل للشفيع الشفعة يوم الثواب لا يوم الهبة، وذكر في كتاب ابن أبي ليلى مؤولاً أنها باطلة.
وقد حكاه أبو ثور فقال: قال أبو عبد الله، وإذا وهب على عرض شيئاً ورضي به فذاك وإلا ردها ورد ما يبيعها.
قاله في الخادم.

الجزء: 6 - الصفحة: 334

ورع فَلاَ، ولو كَفَّنه في غَيْره، وجَب ردُّه إلَى مالكه ولو بعَثَ إلَيه هديَّةَ في ظَرْفٍ، والعادةُ في مثْلِها ردُّ الظُّرْف، لم يكن هديَّةً، وإن كانتِ العادةُ أَلاَّ يردُّ؛ كقواصر التَّمْر، فهو هديةٌ أيضاً، وقد تميز القسمان بكونه مشْدُودًا فيه، أو غيْرَ مشْدودٍ، وإذا لم يكُنْ الظَّرْف هديةً، كان أمانةً في يد المُهْدَى إليه، وليْسَ له استعمالُهُ في غَيْر الهديَّة وإمَّا فيها، فإنِ اقتضتِ العادةُ التَّفْرِيغَ، لزمه تفريغه، وإنِ اقتضَتِ التنازل منْه، جاز التنازُلُ منه.
قال صَاحِبُ "التهذيب": ويكونُ كالمستعارِ.
وإذا نفذ كتاباً إلَى حاضرٍ أو غائبٍ؛ وكتَبَ فيه أن اكْتُبِ الجوابَ عَلَى ظَهرِهِ، فعلَيْه ردُّه، ولَيْسَ له التصرُّفُ فيه، إلاَّ، فَهُوَ هديّة يملكُها المكَتوبُ إلَيْه هكذا قاله في "التتمة" وذكر غيرُهُ أنَّه يبقَى على مِلْكِ الكاتِب، وللمكتوبِ إلَيْه الانتفاعُ به على سبيل الإباحَةِ.
وهبةُ منافعِ الدَّارِ، هلْ هِيَ إعارةٌ لها؟ فيه وجهان في "الجُرجانيات" ولا يحْصُلُ الملكُ بالقَبْض في الهبة الفاسِدَة؛ خلافاً لأبي حنيفة -رضي الله عنه- والمال المقبوضُ مضمونٌ على المُتَّهِبِ، كالمَقْبوض بالبَيْع الفَاسِد، أو غير مضمون كالمقبوضِ في الهِبة الصحيحة؟ وجهان، ويقال: قولان 62، والله أعْلَمُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 335

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل