الجمعتين في مثل هذه الصورة ذكرُ قولين:
أحدهما: بطلانهما واستئناف جمعة، وهو كالمنصوص هاهنا.
والثاني: أَنَّ الْحُكُمَ كما لو عرفت السابقة ثم اشتبهت فيعيدون جميعاً الظهر، فمن الأصحاب من خرج هذا القول في النَّكَاحَينِ أيضاً.
وقال بالتوقف كما في الصورة الرابعة، ومنهم من أباه فرقاً بأن الجمعة بعد تمامها على الصحة لا يلحقها البطلان، والنِّكَاحُ يلحقه الفسخ بأسباب وأعذار، وإذا ألحقنا هذه الصورة بما إذا احتمل السبق والمعية فيبطلان، أو لا بدّ من إنشاء الْفَسْخ فيه الخلاف المذكور هناك، فإن أحوجنا إلى إنثاء الفسخ فيه ففيمن يفسخ ثلاثة أَوْجُهٍ مَنْقُولَةً في "النهاية".
أشبهها: أنه لا ينشئ الفسخ إلاَّ الحاكم، أو المحكم إذا جَوَّزْنَا التحكيم؛ لأن في الواقعة إشكالاً والتباساً، فيحتاج فيها إلى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ.
والثاني: أَنَّ للمرأة الْفَسْخَ غير مراجعة الحاكم، كما تفسخ تحت الزوج.
والثالث: أَنَّ للزوجين الفسخ أيضاً كم يفسخ الزوج برتق الزوجة، ثم نختم الصور بجملتين:
إحداهما: حيث حكمنا ببطلان النكاحين، فلا مَهْرَ على كُلِّ واحد منهما إلاَّ أن يفرض دخول، فيجب مَهْرُ المِثْلِ، وإذا قلنا بالبطلان عند احتمال السبق والمعية، وفيما إذا سبق أحدهما، ولم يعلم السابق على أحد القولين كيف الحال -أنقول بالبطلان ظاهراً وباطناً؟ أم نقول به ظاهراً لا باطناً؟.
ذكروا فيه وجهين: إن قلنا بالأول، فلو ظهر وتعين السابق يوماً من الدهر فلا زوجية، ولو كانت قد نكحت ثالثاً فيه زوجته، وإن قلنا بالثاني فالحكم بخلافه ويشبه أن يقال هذا الخلاف، والخلاف المذكور في أنهما يبطلان ويرتفعان بنفسهما، أو يحتاج إلى الرفع والفسخ شيء واحد، والاختلاف إنما هو في الْعِبَارَةِ لكن قال في"التَّهْذِيبِ":
الاحتياط أن يَقُولَ الْحَاكِمُ: فَسَخْتُ نِكَاحَ مَنْ سبق لهاذا فسخ، أو لم يفسخ، فلا نكاح بينهما في الظاهر، وفي الباطن وجهان.
هذا لفظه واللهُ أعلم بالصواب.
الثانية: إذا قلنا بالتَّوَقُّفِ فلو مات أحدهما، وقفنا من تركته ميراث زوجته، ولو ماتت هي وقفنا ميراث زوج بينهما، حتى يصطلحا أو يتبين الحال، وهل يطالبان بالنفقة؟.
فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأَنَّ الأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، ونحن لا نتيقن وجوب النفقة على واحد منهما، ولأن كل واحد منهما يقول: إن كانت في نكاحي فمكنوني من الاسْتِمْتَاعِ بها، فإن تعذر ذلك فلاَ أُنْفِقُ.
والثاني: نَعَمْ؛ لجريان صُوْرَةِ الْعَقْدِ، وعدم النُّشُوزِ، وكونها في حَبْسِهِمَا والأول أَظْهَرُ عند الإِمام، وبالثَّانِي أَجَابَ الْقَاضِيُ ابنُ كَجٍّ، وعلى هذا فيوزع عليهما، وإذا ظهر
السَّبْقُ لأحدهما، وتعين رجع الآخر عليه بما أنفق عليه.
قال الشَّيْخُ أبْو عَاصِمٍ: ويحتمل أن يُقَالَ: إنما يرجع إذا كان قد أَنْفَقَ بغير إذن الحاكم، وَبهَذَا جزم الْقَاضِي ابنُ كَجٍّ، وأما المهر فلا يطلب به واحد منهما لمكان الإِشكال، ولا سَبِيْلَ إلى إلزام مَهْرين ولا إلى قسمة مَهرٍ عليهما، ونعود إلى ألفاظ الكتاب.
اعلم أن الصُّوَرَ الخَمْسَ مَذْكُورَةٌ في الكتاب سُوَى الثَّانيةُ، وإنما تركها لوضوحها.
وقوله: "والصَّحِيحُ السابق" -يجوز إعلامه بالميم لما ذكرنا من مَذْهَبِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عند دخول الثاني.
وقوله: " [يبقى] 1 النكاح موقوفاً" بالواو.
وقوله: "يفسخ النِّكَاحُ للتعذر ويوقف في قول" يجوز أن يعلم القولان بالواو إشارة إلى الطريقة القاطعة، ولفظ "الفسخ" ظاهرة يقتضي ألاَ يَرْفَعَ النِّكَاحَ ولا يَنْفَسِخُ بنفسه، ولكن ينشئ فسخه وقد ادَّعى في "الْوَسِيْطِ" أنه الأصح فكأنه جرى هاهنا على ما رجحه.
وقوله: "من قبل وإن أمكن وقوعهما معاً اندفعا" يجوز إعلامه بالواو، وإن كَانَ الْمُرَادُ الْبُطْلاَنُ والارتفاع، ونظم الكتاب حيث اقتصر في هذه الصُّورَةِ على هذا القدر، وتكلم في صورة القولين في الفسخ وفيمن ينشئه ربما أوهم الْفَرْقَ بينهما في الحكم، وفي الحقيقة لا فرق إذا لم يقل بالتوقف في صورة القولين.
وقوله: وعليهما النَّفَقَةُ قبل الْفَسْخ للحبس أراد به لو تأخر الفسخ حَيْثُ رأينا إنشاء الفسخ، فالنفقة مَقْسُومَةٌ عليهما، وهذا الحكم لا يختص بهذا التَّقْدِيرِ، بل يجري حَيْثُ قلنا بالتوقف إلى أن يتبين الأمر، وفيه وضع الإِمام الكلام، ثم هو معلم بالواو للوجه المذاهب إلى أنه لا نفقة على وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ عَلَيْهَا العِلْمِ بِالسَّبْقِ فَعَلْيهَا أنْ تَحْلِفَ، فَإِنْ حَلَفَتْ بَقِيَ التَّدَاعِي بَيْنَهُمَا، فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا دُونَ الآخَر ثَبَتَ النِّكَاحُ لَهُ، وَإِن أَقَرَّتْ لِوَاحِدٍ فَلِلثَّاني أَنَّ يُحَلِّفَهَا عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ لأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ لِلثَّانِي لَغَرَمَتْ لَهُ، وَإِنْ نكَلَتِ اسْتَحَقَّ الثَّانِي باليَمِينِ المَرْدُودَةِ الغُرْمَ، وَفِيهِ قَوْلٌ: أنَّهُ يَسْتَحِقُّ الزَّوْجِيَّةَ، وَكَأَنَّ إِقْرَارَهَا لِلاَوَّلِ أوْجَبَ الحَقَّ بِشَرْطِ أن تَحْلِفَ للِثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ وَاحِدٌ العِلْم عَلَيْهَا لَكِن ادَّعى عَلَيْهَا زَوْجِيَّةَ مُطْلَقَةً فَفِي سَمَاعِ مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى وَجْهَانِ، وَلَوِ ادَّعَيَا عَلَى الولِيِّ فَفِي سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَى الَوَليِّ وَتَحْلِيفِهِ وَجْهَانِ عَلَى الإِطْلاَقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جميع ما تقدم فيما إذا تصادقوا في كيفية جريان العقد، أما فرض
نزاع فَزَعَمَ كُلُّ واحدٍ من الزَّوْجَيْنِ أَنَّ نِكَاحَهُ سابق وأنها زوجته فينظر إن لم يوجَّها الدعوى عليها فلا عبرة بقولهما ولا تسمع دعوى أحدهما على الآخر، ولا يُحَلِّفَ أحدهما الآخر؛ لأن الْحُرَّةَ لا تدخل تحت اليد، وليس في يد واحد منهما ما يدعيه الآخر، هذا ما قاله أكثرهم.
وعنِ الصَّيْدَلاَنِيَّ -وهو جواب العبادي في "الرَّقْمِ": أنهما يحلفان فلعله يظهر الْحَقُّ.
قال الإِمَامُ: وهذا لاَ مَجَالَ لَهُ إن كانا يزعمان علم المرأة بالحال، بل تراجع هي، نعم لو اعترفا بأنها لا تعلم فهو محتمل وينقدح 1 في البداية تخير القاضي أو الإقراع، فإن حَلَفَا أو نكلا، فهو كما لو اعترفا بالإِشكال ولو حلف أحدهما دون الآخر قضى للحالف، وإن ادَّعيا على المرأة، فذلك يصور على وجهين:
أحدهما: أن يَدَّعِيَا عليها العلم بالسبق، فإن كانت الصيغة أنها تعلم سبق أحد النكاحين لم تسمع الدعوى للجهل، وإن قال كل واحد: هي تعلم أن نكاحي سابق ذكر صاحب "التَّقَرِيبِ" والشيخ أبو مُحَمَّدٍ وغيرهما من الأئمة، أنه يبني على القولين في أن إقرار المرأة بالنكاح هل يقبل؟.
وفيه قولان قدمناهما فإن قلنا: لا يقبل لم تسمع الدعوى عليها لأن غاية ما في الباب أن تُقِرَّ وهو غير مَقْبُولٍ على هذا الْقَولِ، وإن قلنا: يقبل -وهو الصحيح- فتسمع الدَّعْوَى عليها، وحينئذٍ فإمَّا أن تنكر أو تُقرُّ.
الحَالَةُ الأُوْلَى: إذا أنكرت العلم بالسبق، فتحلف عليه، ويكفي يمين واحدة أم لا بدّ من يمينين؟ -أطلق في "التَّهْذِيبِ" أنها تحلف لكل واحد يميناً.
وعن القَفَّالِ: أنهما إن كانا حاضرين في مجلس الحكم وادَّعيَا حلفت لهما يميناً واحدة، وهذا ما يَدُلُّ عليه كَلاَمُ القَاضِي ابنِ كَجٍّ ويطابقه إيراد الإِمام، إِلاَّ أنه اعتبر مع الحضور الرِّضَى فقال: إن حضرا ورضيا بيمين واحدة حلفت يميناً واحدة وإن حضر أحدهما وادعى فحلفت له، ثم حَضَرَ الآخَرُ وَأَرَادَ تَحْلِيفَهَا.
هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ حكى فيه وجهين:
وجه أحدهما: تَمَيُزُ حق كل واحد منهما عن الثَّانِي، ووجه الآخر أن الْوَاقِعَةَ وَاحِدَةً، ونفي العلم بالسبق يشملهما جميعاً، فلا معنى للتكوير، وأجرى هذا الْخِلاَفَ في كُلِّ خِصْمَينِ يدعيان شَيْئاً واحداً، ثم إذا حلفت كما ينبغي، فَمِنْهُم مَنْ قَالَ: لا تحالف بين الزوجين وقد أَفْضَى الأَمْرُ إلى الإِشْكَالِ، واستضعفه الإِمَامُ وقال: إن حلفت هي على نفي العلم بالسَّبْقِ، ولم تنكر جريان أحد العقدين على الصحة، فوجب أن يبقى التداعي والتحالف بينهما، وإنَّما الَّذِي أنكرناه التَّحَالُفَ ابتداء من غير رَبْطِ الدَّعْوَى بها، وهذا هو المذكور في الكتاب، وإن نكلت هي رددنا اليمين عليهما، فإن حلفا أو
نكلا جاء الإِشكال وإلاَّ قضى للحالف، وإذا حلفا أو نكلا، فلا شيء لهما على المرأة.
وفي كتاب الحَنَّاطِيَّ ذِكْرُ وَجْهٍ: أنهما إذا حلفا واندفع النِّكَاحَانِ فلكل واحد منهما عليها مَهْرُ الْمِثِلِ، ويمينها حلفت أو نكلت تكون على البت دون العلم، ولا حَاجَةَ إلى التعرض لعلمها.
الحالة الثانية: إذا أقرت لأحدهما بالسبق، فيثبت النِّكَاحُ للمقَرِّ له وهل تسمع دعوى الثاني عليها -وهل له تحليفها؟.
فيه قولان مبنيان على أنها لو أَقَرَّتْ للثَّانِي بعد ما أَقَرْت لِلأَوَّلِ.
هل تَغرُمِ للثاني شيئاً؟.
وفيه القولان المعروفان فيما إذا قال: هذه الدَّارُ لِزَيْدٍ، لا بل لِعَمْرٍو، وقد مرا بشرحهما فإن قلنا: تغرم سمعت دعوى الثَّانِي وله التحليف رجاء أن يُقِرُّ فيغرمها وإن لم تحصل له الزوجية، وإن قلنا لا يغرم فقولان مبنيان على أن يمين المدعي بعد نكول المدعى عليه، كإقرار المدعى عليه، أو كإقامة البيَّنَةِ من جهة المدعي، وفيه قولان يذكران في موضعهما إن قلنا كالإِقرار لم تسمع دعواه؛ لأن غاية ما في الباب أنْ يقر أو ينكل فترد اليمين عليه فيحلف فيكون كما لو أقَرَّتْ، ولا فائدة فيه على الْقَوْلِ الذي عليه يقرع، وإن قلنا: كَالْبَيِّنَةِ فله أن يدعي وتحلف فإذا حلفت، فإما أن تحلف فتسقط دعوى الثاني، أو تنكل فترد اليمين عليه، فإن نكل فكذلك، وإن حلف فيبنى على أَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كالإقرار، أَوْ كَالْبَيِّنَةِ إن قلنا كالإِقرار، وهو الأصح فوجهان:
أحدهما: أَنهُ يَنْدَفِعُ النِّكَاحَانِ لتساويهما في الْحُجَّة.
أما الأول فقد أقرت له، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فلأنه حلف اليمين المردودة، وهي كالإِقرار، فَصَارَ كما لو أقرت لهما معاً، وهذا حكاه القاضي أَبُو حَامِدٍ والشيخ أبو مُحَمَّدٍ عن نصه في "الْقَدِيمِ".
وأصحهما: استدامة النِّكَاح الأول؛ لأنه قد مَضَى الْحُكْمُ به بإقرارها، فلا يرفع بِنُكُولِهَا المحتمل للتورع عن اليمين الصادقة، فيكون كما لو أقرت للاول، ثم للثاني، وإن قلنا: إنها كَالْبَيِّنَةِ، فقد قيل بحكم النِّكَاحِ الثاني؛ لأن البينة تقدم على الإِقرار، وهذا هو المذكور في "الْمُهَذَّبِ" وقال الصَّيْدَلاَنِيُّ وآخرون: إنها منكوحة الأول؛ لأن اليمين المردودة إنما تُجْعَلُ كالبينة في حَقِّ الْحَالِفِ وَالنَّاكِل لاَ في حَقِّ غيرهما، وإذا تركت الأصل المبنى عليه، واقتصرت قلت: يندفع النكاحان أم تسلم للأول أو للثاني؟.
فيه ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ:
إن سلمت للأول غرمت للثانى، وحيث تغرم، فالواجب عليها هو الواجب على شهود الطلاق إذا رجعوا، وفيه خِلاَفٌ يجيء في موضعه إن شَاءَ اللهُ -تَعَالَى-.
فَرْعٌ: لو كانت خَرْسَاءُ، أو خَرَسَتْ بَعْدَ التَّزْوِيج، فأقرت بالإشارة بسبق نِكَاحِ أَحَدِهِمَا لزمها الإِقرار، وإلا فلا يمين عليها، والحال حال الإِشكال.
يحكى هذا عن نَصِّهِ.
آخر: لو حلفت لأحد المدعيين أنها لا تعلم سبق نكاحه لم تكن مقرة بسبق نكاح الآخر، ولو قالت لأحدهما: لم يسبق نكاحك تكون مُقِرَّةٌ: لِلآخَرِ.
ذكره الاِمام وصاحب "التَّهْذِيبِ" وكان الْمُرَادُ إذا جرى ذلك بعد إقرارها بسبق أحدهما، وإلاَّ فَيَجُوزُ ألا يسبق هذا، ولا هذا بأن يقعا معا.
الوجه الثاني: أن يدعيا عليها زوجية مطلقة، ولا يتعرضا للسبق، ولا يعلمها بالسبق، فهذا ينبني على أنْ دَعْوَى النِّكَاح هَلْ يَشْتَرَطُ فَيهَا التَّفْصِيلُ وذكر الشرائط؟ وأنه هل يفرق بين أن يدعي ابتداء النِّكَاحِ فيقول: نكحت هذه.
أو دوامه فيقول: هذه زوجتي وبيانه موكول إلى كتاب "الدَّعَاوَى" والله ييسره فإن سمعنا دعوى النِّكَاح مطلقة، أو فصل القدر المحتاج إليه، ولم يتعرضا للسبق، فعليها الجوابُ البَاتُّ، ولا يكفيها في هذه الْمَسْألَةِ نَفْيُ الْعِلم بالسَّابِقِ من النِّكَاحِينِ، لكنها إذا لم تعلم فَلَهَا الْجَوَابُ البَابُّ وَالْحَلِفُ على أَنَّهَا ليست زوجته، وهذا كما أَنه لو ادعى على إنسان أنَّ أَبَاهُ أتلف عليه كَذَا، وَأَرَادَ تَغْرِيمَهُ من الْتِّركَةِ.
قالوا فالوارث يحلف على أَنَّهُ ما يعلم من أبيه إتْلاَفاً.
وَلَوِ ادَّعَى أنَّ عليه تسليم كذا من التركة، فيحلف أَنَّهُ لا يلزمه التسليم، وعدم العلم يجوز له الْحَلِفُ الْبَاتُّ، هذا كُلُّهُ فيما إذا كانت الدَّعْوَى عَلَى الْمَرأَةِ.
فَأمَّا إذا ادعيا على الولي نظر إن لم يكن مجبراً لم تسمع الدعوى عليه، ولم يحلف؛ لأنه لو أقرَّ لم يقبل إقراره، وإن كان مجبراً فوجهان:
أحدهما: أنَّ الجواب كذلك؛ لأنه عاقد كالوكيل والعقد لغيره.
وأظهرهما: سَمَاعُ الدَّعْوَى عليه؛ لأن إِقْرَارَهُ مَقْبُولٌ كما مَرَّ، ومن يقبل إقراره يتوجه عليه الدَّعْوَى واليمين، وَعَلَى هذا إن كانت المدعي نكاحها بكراً صغيرة، فيحلف الأب، وَإِن كَانَتْ بِكْراً بَالِغَةً فوجهان:
أَحَدُهِمَا: لا يحلف؛ لأنا نقدر على تحليفها، وهي أَوْلَى بِالْيَمِينِ.
وأشبههما: نَعَمْ، ثم إنْ حَلَفَ الأَبُ كان للمدعي أن يحلف البنت أيضاً، فإن نكلت حَلَفَ الْيَمِينَ المردودة، ويثبت النِّكَاحُ.
وفي "التَّهْذِيبِ": أنَّ الْمَرْأَةَ إن كانت بالغة بكراً، أو ثَيِّباً تكون الدعوى عليها، -واللهُ أعلم-.
وقوله: "وعليها أن تحلف"، أي: على نَصّ الْعلمِ إِنْ أَنْكَرَتْ.
وقوله: "نَفْيُ التَّداعِي بينهما" معلم بالواو.
وقوله: "على أَصَحَّ القولين؛ لأنها لو أقرت للهاني لغرمت له"، فيه إشارة إلى مبني القولين كما بَيَّنَّا، ويجوز إعلام قوله: "لغرمت لما" للقول الثاني.
وقوله: "وكأن إقرارها إنما أوجب الحقَّ بشرط أن تحلف للثاني" معناه أنا إذا حكمنا بالنكاح للثاني عند حلفه اليمين المردودة لم يفد إقرارها للأول حق النكاح مطلقاً، بل يشترط ألاَّ تنكل عن يمين الثاني قوله: "وفي سَمَاع هَذِهِ الدَّعْوَى" إشارة إلى أنَّ الْخِلاَفَ في سماع دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ مطلقة مطرداً لا اختصاص له بصورة جريان العقدين وقوله: "فَفِي سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَى الْوَلِيِّ" يعني: الْوَلِيَّ المُجْبَرَ.
وقوله: "وجهان على الإِطلاق" -المقصود منه: بيان أنَّ الْخِلاَفَ في الدَّعْوَى على الولي لا يختص بما إذا فُرِضَ عقدان ومدعيان، وهذا تمام الباب الأول.
البَابُ الثَّاني في المَوْلِيِّ عَلَيْهِ
قَالَ الغَزَالِيٌّ: وَلاَ يُوَلَّى في النِّكَاحِ إلاَّ عَلَى نَاقِصٍ بِصِغَرِ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ رقٍّ أَوْ أُنُوثَة وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُ الأُنُوثَةِ وَالصِّغَرِ (أمَّا المْجنُونُ الكَبِيرُ) فَللأَبِ التَّزْوِيجُ مِنْهُ عِنْدَ ظُهُورِ الحَاجَةِ، وَلاَ يَزِيدُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ لَه أنْ يُزَوِّجَ مِنَ الصَّغِيرِ العَاقِلِ أَرْبعاً (و)، وَلاَ يُزَوِّجُ مِنَ المَجْنُونِ الصَّغِيرِ في وَجْهٍ.
"
نقصان الولاية ونكاح المجنون
"
قال الرَّافِعِيُّ: لاَ شَكَّ أَنَّ الشَّخْصَ إنما يُوَلَّى عَلَيْهِ لِنْقْصَانٍ فيه، وَقُصُورٍ في النَّظَرِ والأهلية، والنقصان المقتضي لنصب الولي خمسة: الصِّغَرُ، والأُنُوْثَةُ، والْجُنُونُ والسَّفه والرِّقُ، وقد سبق حكم الأَوَّلَيْنِ [و] الثالث: الجنون.
وَالْكَلاَمُ في التزويج من المجنون، وفي تزويج المجنونة.
أمَّا المجنون فإن كَانَ كبيرًا، فلا يزوج منه إن لم تدعُ الحْاجَةُ إليه، لما فيه من لُزُومِ الْمَهْرِ والنفقة عليه من غَيْرِ حَاجَةٍ تدعو إليه، وليس كالصغير؛ لأَنَّ للصَّغِيرِ غاية يتوقع بعدها كماله، فلا يُرَاعَى في نكاحه إِلاَّ المْصَلَحَةُ، فإن دعت إليه حاجة فتزوج منه.
والحاجة تقع من وجهين:
أحدهما: أن تَظْهَرَ رَغبَتُهُ في النِّسَاءِ بأن يَحُومَ حَوْلَهُنَّ وَيَتَعَلَّقَ بِهِنَّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
والثاني: أنْ يحتاج إلى امرإة تتعهده وتخدمه، ولا توجد من محارمه من يقوم بهذا الشُّغْلِ، وتكون مؤنة النِّكَاحِ أَخَفَّ من مؤنة شراء أَمَةٍ.
هكذا ذكر صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" وآخرون، ولك أن تقول: إذا لم يجب على الزوجة خدمة الزوج وتعهده، فكيف تزوج منه لهذا الغرض، وربما تمتنع المرأة من أن تخدمه، ولا تفي وإن وعدت وربما يلحق بالوجهين ما إذا توقع شفاؤه بالنِّكَاحِ، وإذا جاز التزويج من تولاه الأَبْ أو الجَدُّ، فَإِنْ لم يكونا فالسلطان دون سائر العصبات كما أنه يلي ماله.
وأما المجنون الصغير: ففي وجه يزوج منه كما يزوج من العاقل، وعلى هذا فلا
يتولاه إلاَّ الأَبُ وَالْجَدُّ، وَالمْذْهَبُ الظَّاهِرُ مَنْعُ التَّزْوِيجِ منه؛ لأنه لاَ حَاجَةَ إليه في الحال، وبعد البلوغ لا يدري كيف يكون الأمر، بخلاف الصغير العاقل فإن الظاهر حاجته إلى النِّكَاحِ بعد البُلُوغِ، وَلاَ مَجَالَ لِحَاجَةِ التَّعَهُّدِ والخدمة فإن الأجنبيات يجوز أن يَقُمْنَّ بخدمته.
وعن الشَّيخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: أنه خرّج على هذين الوجهين التزويج من الصغِيرِ الْمَمْسُوحِ، ومتى جَازَ التَّزْوِيجُ مِنَ الُمَجْنُونِ فَلاَ يزوج منه إلا امرأة واحدة؛ لأن الْحَاجَةَ تندفع بها.
وفي الصغير العاقل وجهان:
أحدهما: أنَّ الحُكْمَ كَذَلِكَ كيلا تكثر المؤنة عليه مع وقوع الكفاية بالواحدة.
وأظهرهما: جَوَازُ الزِّيَادَةِ، وهو الْمَذْكُورُ في "الْكِتَابِ"؛ لأنَّ المَرْعيَّ في نكاحه المصلحة، وقد تكون له فيه مصلحة وَغِبْطَةٌ، والمختل كالمجَنون في النِّكَاح، وَهُوَ الَّذِي في عَقْلِهِ خَلَلُ، وَفِي اعْضَائِهِ اسْتِرْضَاءُ، وَلاَ حَاجَةَ بِهِ إِلَى النِّكَاحِ غَالِباً.
وقوله في "الْكِتَاب": "فللأب التزويج منه عند ظُهُورِ الْحَاجَةِ" ليس للتخصيص بالأب بل الجد والسُّلْطَاَنُ في معناه كما تبين، واللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيٌّ: وَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ فَيُزَوَّجُهَا بِمُجَرَّدِ المَصْلَحَةِ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً بِكْراً كَانَتْ أَوْ ثَيِّباً، وَفِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ وَجْهٌ أَنَّهُ لاَ يُزوِّجُهَا وَاِذَا بَلَغَتْ عَاقِلَة ثُمَّ جُنَّتْ عَادَتِ الوِلاَيَة للأبِ في الأصَحِّ، وَاليَتِيمَةُ البَالِغَةُ الْمَجْنُونَة يُزَوِّجُهَا (و) السُّلْطَانُ عِنْدَ ظُهُورِ الحَاجَةِ، وَيُشَاوِرُ أَقَارِبَهَا، وَالمُشَاوَرَةُ وَاجِبَةٌ في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: يُزَوِّجُ بِمجَرَّدِ المَصْلَحَةِ دُونَ الحَاجَةِ
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذهَب أَنَّ الأَبَ وَالْجَدَّ عِنْدَ عَدَمِهِ يزوجان المجنونة، كما يزوجان الصغيرة، ولا فَرْقَ بين أن تَكون صَغِيْرَةً، أَوْ كَبِيْرَةً بِكرًا، أَو ثَيِّباً ووراءه وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَسْتَقِلُّ الأبُ بتزويج الْكَبِيْرَةِ الثَّيِّبِ، بَل يَفْتَقِّرُ إِلَى إِذْنِ السُّلْطَانِ بَدَلاً عَنْ إِذْنِهَا.
والثَّانِي: أنَّهُ لا يزوج الثيب الصغيرة كَمَا لَوْ كَانَتْ عَاقِلَةٌ، وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ أنَّ لِلْبُلُوغِ غَايَةً ترتقب، فيمكن انتظارها لتأذن، وَالإفَاقَةُ بخِلاَفِهِ، ثمِ لا يشترط في تزويجها ظهورَ الحاجة، بل يكفي ظُهُورِ الْمَصْلحَةِ بخلاَف الْمَجْنُونِ؛ لأَنَّ النَّكَاحَ يفيدها المهر والنفقة، ويغرم المجنون، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الَّتِي بَلَغَتْ مَجْنُونَةً، وَبَيْنَ الَّتِي بَلَغَتْ عَاقِلَةً، ثم جُنَّت بناءً على أن من بلغ عاقلاً، ثم جُنَّ تكون الولاية في ماله لأبيه، وَهُوَ الأَصَحُّ.
وإن قلنا: إِنَّهَا تكون للسُّلْطَانِ فكذلك أمر التزويج، والخلاف المبني عَلَيْهِ مَذْكورٌ في " [كتاب] 1 الْحِجْرِ".
وَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ التِي لاَ أَبَ لَهَا، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيْرَةً لم تزوج؛ لأنه لاَ حَاجَةً في الْحَالِ، وغير الأب، والجَدُّ لا يملك الإِجبار، وَإنْ كَانَتْ بَالِغَةً، ففي مَنْ يَلِي تَزْوِيجُهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: القريب من الأخ والعم؛ لأَنَّ النَّسيبَ [أَشْفَقُ] 2 وَأَوْلَى مِنَ السُّلْطَانِ.
وَأَظْهَرُهُما: وَهُوَ الْمَذْكُورُ في الكِتَاب: السُّلْطَانُ؛ لأنَّهُ ليس في أقاربها من له كمال الشفقة فيفوض الأَمْرُ إِلَى مَنْ لَهُ الْوَلاَيَةُ الْعَامَّةُ.
وأيضاً فَإنَّهُ الذِي يَلِي مَالَهَا في هذه الحالة، فكذلك أمر التزويج فإن قلنا بالوجه الأول، فَلاَ ينفرد القريب، ولكنه يحتاج إلى فرَاجَعَةِ السُّلْطَانِ، فيقوم إِذْنُ السُّلْطَانِ مَقَامَ إِذْنِهَا، فإن المتنع القريب زوج السلطان كما في صورة الفضل، وإن قلنا بالْوَجْهِ الثَّانِي، فالسلطان يراجع أقاربها، وَهَذِهِ الْمُرَاجَعَةُ واجبة أو مستحبة؟.
فيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: مستحبة وفاءً بتفويض الأمر إلى السُّلْطَان، وإنما يراجعهم تطييباً لقلوبهم.
وهذا كما أنَّ الشَّافِعِيَّ -رِضَي اللهِ عَنْهُ- استحب في صورة غيبة الولي، وسائر صُوَرِ تزويج السُّلْطَانِ أن يشاور ذوي الرأي من أقاربها، فإن لم يكن فيهم وَلِيٌّ شاور خَالَهَا، وأبا أُمِّهَا.
والثاني: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ؛ لأنَّ الأقارب أعرف بحالها، وأحرص على طلب الحظ لها، فإن شاورهم فلم يشيروا بشيء استقل السلطان، وهذا الوجه استضعفه الإِمام وذكر في "التَّهْذِيبِ" أنَّهُ الأَصَحُّ، والوجهان في وجوب المشاورة جَارِيانِ في التَّزْويجِ من المجنون، ثم من يَلِي أمْرَ نِكَاحِهَا من السُّلْطَانِ، أو القريب يزوج عند ظهور الْحَاجَةِ،
وذلك بأن يتبين فيها مَخَايَلُ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ، أو يشير أرباب الطِّبِّ بأن في تزويجها توقع الشفاء، أمَّا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ وَأَرَادَ التَّزْوِيجَ لكفاية النفقة، أَوْ لمَصْلَحَةٍ أُخْرَى فَوَجْهَانِ:
أحدهما: أَنَّهُ يَجُوز كَمَا أنَّ الأَبَ يزوج بمجرد المصلحة.
وأصحهما: المنع؛ لأنَّ تزويجها يقع إجباراً وغير الأَبِ وَالْجَدِّ لا يملك الإِجبار أيضاً؛ لأن الإجبار إنما يُصَارُ إليه للحاجة النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ حَتَّى قَالَ اْلإمَامُ: وكنت أَوَدُّ لو استنبط مستنبطِ من الخلاف في أن الثيب الصغيرة المجنونة هل يزوجها أبوها؟ أنه هل يكتفي بمجرد المصلحة كما في البالغة أم تعتبر الحاجة؟.
لكن اتفق الأصحاب على الاكتفاء بالمصلحة.
وقوله في الكتاب: "وَالْيَتِيمَةُ الْبَالِغَةُ الْمَجْنُونَةُ" لا يخفى أَنَّ الْمُرَادَ من اليتيمة التي لا أَبَ لَهَا ولا جَدَّ، لكن الجمع بين الوصف باليتم والبلوغ غير مستحسن مع ما اشتهر "أَنَّهُ لاَ يُتْمَ بَعْدَ حُلْمٍ" 1.
وقوله: "يزوجها السلطان" -معلم بالواو.
فَرْعٌ: البالغ المنقطع جنونه لا يجوز التزويج منه إلى أن يفيق فيأذن ويشترط وُقُوعَ الْعَقْدِ في وقت الإِفاقةِ، حَتَّى لو عاد الجنون قبل العقد لُغِيَ الإذن كما تُبْطلُ الوَكَالَةُ بالجنون، وكذلكَ الثَّيِّبُ المنقطع جنونها، وَالْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ بِمَرَضٍ أَصَابَهُ ينتظر إفاقته، فإن لم نتوقع الإِفاقة، فهو كالمجنون.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا السَّفِيهُ) فَلاَ يُجْبَر لأَنَّهُ بَالِغٌ وَلاَ يَسْتَقِلُّ لأَنَّهُ سَفِيهٌ لَكِنْ يَتَزَوَّجُ بِإذْنِ الوَلِيَّ بَعْدَ تَعَيْينِ الوَلَّي المَرْأَةَ، ثُمَّ يَتَقَيَّدُ بِمَهْرِ المِثِل، وَلَوْ قَدَّرَ الوَلِيُّ المَهْرَ وَزَادَ السَّفِيهُ سَقَطَتِ الزِّيَادَةُ وَصَحَّ العَقْدُ (و)، وَإِنْ لَمْ يُعَيَّنِ المَرْأَةَ صَحَّ الإِذْنُ فِي وَجْهٍ، ثُمَّ عَلَيْهِ أن يَنْكِحَ بِمَهْرِ المِثْل بِشَرْطِ (و) أَنْ لاَ يَنْكِحَ عَلَى خِلاَفِ المَصْلَحَةِ شَرِيفَةً يَسْتَغْرِقُ مَهْرُ مِثْلِهَا مَالَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرابع: السَّفِيْهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ لايستقل بالتزويج 2 لأن
النَّكَاحَ يشتمل على مُؤَنٍ مَالِيَّةِ، ولو استقل به لم يؤمن أن يفني ماله في الْمَهْرِ والنفقة، فلا بُدَّ له من مُرَاجَعَةِ الْوَلِيِّ وحينئذٍ فَإِمَّا أَنْ يَتَزَوَّجَ بإذن الْوَلِيِّ، أو يقبل له الولي النِّكَاحَ.
الطَّرِيقُ الأَوَّلُ: تزويجه بإذن الولي وهو جَائِزٌ؛ لانَّهُ مُكَلَّفٌ صَحِيْحٌ العبارة، وإنما حَجَرَ عَلَيْهِ حِفظاً لِمَالِهِ.
وفي شرح "مُخْتَصَرِ الْجَويْنِيِّ" عن أبي الطَّيِّبِ بنِ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ: أنه لا يأذن له الوَليُّ في النِّكَاحِ؛ لأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فأشبه الصَّبِيَّ.
والمذهب الأَوَّلُ: وحينئذٍ فَإِمَّا أَنْ يُعَين له امرأة ذاتا بأن يقول: تزوج بفلانة أو نوعًا بأن يقول: تزوج من بني فُلاَنٍ، أو إحدى بَنَاتِ زَيْدٍ أو يقدر مهراً، أو يجمع بين تعيين الْمَرْأةِ، وتقدير الْمَهْرِ، وإما أن يطلق الإِذن.
القسم الأول: الإذن المقيد، فإن عين امرأة لبم يجز له نكاح غيرها، ولينكحها بِمَهْرِ الْمِثْلِ أو بِمَا دُونَهُ، فإن زَادَ، فَعَن ابْنِ الْقَطَّانِ: أنَّ بَعْضَ الأَصْحَاب خَرَّجَ قَوْلاً: أنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ، والمذهب الصحة، والخلل في الصداق لا يوجب الخَلل في النِّكَاحِ، وَعَلَى هَذَا فتسقط الزِّيَادَةُ الّتِي لا يملك التصرف فيها، وَيجِبُ مَهْرُ الْمِثْلُ.
وَقَالَ ابنُ الصَّبَّاغِ: القياس بُطْلاَنُ الْمُسَمَّى، والرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ وَالْفَرْقُ أنَّ على التَّقْدِير الأوَّلِ تستحق الزَّوْجَةُ قَدْرَ مَهْرِ الْمِثْلِ من المعين، وعلى الثَّانِي يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ في الذِّمَةِ.
وَلَوْ قَالَ: انكح امرأة من بني فُلاَنٍ نكح وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بمَهْرِ الْمِثْلِ هكذا ولو قدر المهر فقال: انكح بألف، ولم يعين امرأة، فنكح امرأة بألف، فإن كان مَهْرُ مِثْلِهَا ألفاً، أو أكثر فَالنِّكَاحُ صَحِيْحٌ، بالمسمى.
= الفسخ قبل الدخول فلا مهر لها إلا ربع دينار وإن رآه غبطة وسداداً تعين عليه إمضاؤه.
والشافعية على أنه باطل، ويفرق بينه وبين زوجته أو لو دخل بها علمت الزوجة أو لم تعلم؛ لأنها إن لم تعلم فقد فرطت في الكشف عن حاله وإن علمت فقد رضيت.
وللحنابلة في نكاح السفيه روايتان: إحداهما توافق الحنفية، والأخرى وهي الصحيحة عندهم توافق الشافعية "ووجهة الحنفية" أنه تصرف غير مالي، وهو إنما منع من المال فيصح منه، وكونه يلزم منه مال لا يقتضي عدم الصحة، لأنه ليس مقصوداً أصلاً من النكاح وإنما هو تبعي.
"ووجهة الآخرين" أنه تصرف يؤول إلى مال فلا يصح منه بدون إذن الولي كالبيع والشراء.
وما ذهب إليه الشافعية ومن معهم أنظر؛ لأن النكاح في الواقع يؤول إلى التصرف في المال الذي منع السفيه منه، ولو أطلق له الحبل على الغارب لأصنع كل ماله في الزواج وما يتبعه من الولائم إلى غير ذلك فمنعه من النكاح ناهض دليلاً ونظراً.
وإن كان أقل من ألف صح النِّكَاحُ بِمَهْرِ المِثْلِ، وَسَقَطَتِ الزِّيَادَةُ؛ لأَنَّهَا [تبرع] 1 وَلاَ مَجَالَ لِلتبَرُّعِ في مَالِ السَّفِيْهِ.
وَإِنْ نَكَحَ امْرَأَةً بألفين، فَإنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَلفٍ لَمْ يَصِحِّ النِّكَاحُ؛ لأَنَّ الْوَلِيَّ لم يأذن في الزيادة على الألف، وفي الرَّدِّ إلى الألف إضْرَارٌ بالمرأة؛ ولأنه دُونَ مَهْرِ الْمِثْلِ، وإن كان مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفاً، أو أقل صَحَّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَسَقَطَتِ الزِّيَادَةُ.
وعن تخريج ابنِ الْقَطَّانِ وابن خيران: أنَّهُ إذا زاد على ما أذن الولي بطل بِكُلَّ حَالٍ كَمَا لَوْ قَالَت لِلْوَكِيلِ: خَالِعْنِي بِعَشْرَة فَخَالَعَ بَعِشْرِينَ، فإنه يبطل الْخُلْعُ.
ولو جمع بين تعيين المرأة وتقدير المهر وقال: انكح فلانة بألف، فإن كان مَهْرُ مِثْلِهَا دون الألف، فالإذن بَاطِلٌ، وإن كان مهر مثلها ألفاً، فإن نكحها بألف، أو أقل صَحَّ النِّكَاحُ بالْمُسَمَّى، وإن زاد سَقَطَتِ الزِّيَادَةُ، وإنْ كان مهر مثلها أكثر من ألفٍ، فإن نَكَحَ بِألْفٍ صَحَّ النِّكَاحُ بِالمُسَمَّى، وإن زَادَ لَمْ يَصِحِّ النِّكَاحُ، قاله في "التَّهْذِيبِ".
القسم الثاني: الإِذن المطلق، وفيه وجهان:
أحدهما: ويُروى عن أبوي علي بن خيران والطَّبَرِيِّ وَعَنْ أبي الْقَاسِمِ الدَّارِكِيِّ: أنه يلغو، وَلاَ بُدَّ من تعيين امرأة أَو مِنْ نساء قبيلة، أو من يقدر المهر، واحتج له بأن لو اعتبرنا الإذْنَ الْمُطْلَقَ لَمْ يَأْمَنُ أن يَنْكِحَ شَرْيفَةً يَسْتَغْرِقُ مَهْرُ مِثْلِهَا مَالَهُ، وَذَلِكَ يعكر عَلَى مَقْصُودِ الْحَجّرِ بالإِبطال.
وَأَصَحُّهُمَا: وَبِهِ قَالَ ابنُ الْقَطَّانِ: أنه يكفي، وَلاَ حَاجَةَ إلَى التَّقْييدِ كَمَا لَوْ أَذَنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ في النِّكَاح يَكْفِي الإِطْلاَقُ وفي بَعْضِ "التَّعَالِيقِ" حِكَايَة طَرِيْقَةٍ قَاطِعَةٍ بالوجه الأول، وإذا قُلْنَا بالثَّاَنِي فلو تزوج امْرَأَةً بِأكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ صَحَّ النِّكَاحُ، وسقطت الزِّيَادَةُ، وإذا تَزَوَّجَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، أَو أَقْلَّ صَحَّ النِّكَاحُ بِالمُسَمَّى.
نَعَمْ لَوْ نكَحَ شَرِيفَةً يستغرق مَهْرَ مِثْلِهَا ماله.
ففيه وجهان حكاهما القاضي ابنُ كَجٍّ اختيار الإِمام منهما، وهو الْمْذْكُورُ في "الْكِتَابِ": المنع وأنه لا يَصِحُّ نِكَاحُهُ إلاَّ إذا وَافَقَ الْمَصْلَحَةَ.
وَذَكَرَ ابنُ كَجٍّ أيضاً تفريعًا على اعتبار الإذْنِ المطلق وجهين فيما لو عين [الولي] 2 امرأة، فَعَدَلَ السَّفِيْهُ إلى غيرها، ونكحهَا بمثل مهر المعينة؛ لأنه لا غرض للولي في أعيان الأزواج.
فرعان
:
الأول: لو قال: انْكَحْ مَنْ شِئْتَ [بما شئت] 1 ذكر بعضهم أنه يبطل الإِذن؛ لأنه رَفَعَ الْحَجْرَ بِالْكُلِّيَّةِ.
الثاني: قال ابنُ كَجٍّ: الإِذن للسَّفِيهِ في النِّكَاحِ لا يفيده جَوَازُ التَّوكِيلِ؛ لأنه لم يَرْفَعِ الْحِجرَ إلاَّ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ.
الطريق الثاني: قَبُولُ الْوَلِيِّ النِّكَاحَ له هَلْ يشترط فيه إذن السفيه؟ قال قائلون: لا؛ لأنه فَوَّضَ إليه رعاية مصالحه فإذا عَرَفَ حاجته زوجه كما يكسوه ويطعمه وعلى هذا ينطبق كَلاَمُ الشَّيخِ أبي حَامِدٍ، وَأَصْحَابِنَا العراقيين.
وقال آخرون: نعم؛ لأنه حر مُطَلَّقٌ، فلا بدّ من استئذانه، وهو الأصح واعلم أنَّ الشَّافِعِىَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ذَكَرَ في "الْمُخْتَصَرِ" أنَّ السَّفِيْهَ يزوجه وليه، وَرُبَّمَا استأنس الأولون بظاهره والآخرون يحملونه على أصل التزويج، ثُمَّ تراعى شرائطه وقد نقل عن رواية الربيع أنه لا يزوجه وليه، واتفعَوا على أنَّهُ لَيْسَ اخْتِلاَفُ قَوْلٍ، ولكن حَمَلَ بَعْضُهُمْ مَا فِي رِوَايَةِ الرَّبِيع على القيّم الذي لم يأذن له الحاكم في التزويج، وبعضهم على ما إذا لم يحتج السَّفِيْهُ إلى النِّكاح، وإذا قبل الولي النِّكَاحَ له، فليقبل بمهر المثل، أو دونه، فإن زاد كما لو قبل الأب لابنه بأكثر من مَهْرِ الْمِثْلِ.
ففي قول: يَبْطُلُ النِّكَاحُ وفي آخَرَ يَصِحُّ [بمهر المثل] 2 وهو الأصَحُّ.
وإذا عَرَفْتَ جميع ذلك [عَلِمْتَ] 3 قَوْلَهُ في الكتاب: "فلا يجبر" بالواو.
وكذا قوله: "ولكن يتزوج بإذن الولي".
وقوله: "وصح الْعَقْدُ".
وقوله "بِشَرْطِ إلاَّ يُنْكِحَ عَلَى خِلاَفِ الْمَصْلَحَةِ" إِلَى آخِرَهُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ نَكَحَ بِغَيْر إِذْنٍ فَسَدَ، وَلَمْ يَجِبِ الْمَهْرُ بِوَطْئِهِ كَمَا لَوِ اشْتَرَى شَيْئاً وَأُتْلِفَ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَعَبُّداً، وَقِيلَ يَجِبُ أَقَلُّ مَا يُتَمَوَّلُ، فَإِذَا الْتَمَسَ النِّكَاحَ فَأَبَى الوَلِيُّ أَذِنَ السُّلْطَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَحَّ اسْتِقْلاَلُهُ عَلَى وَجْهٍ، وَلَهُ أَنْ يُطَلِق بِكُلِّ حَالٍ، وَلاَ يَدْخُلُ تَحْتَ الحَجْرِ طَلاَقٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه ثَلاَثُ مَسَائِلَ نَشْرَحُهَا، ونضم إليها ما لا غنى عن معرفته.
إحداها: الأولى: إذا نَكَحَ السَّفِيْهُ بغير إذنِ الولي بَطَلَ النِّكَاحُ، ويفرق بينهما 1، فَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بها فَلاَ حَدَّ لِلشُّبْهَةِ، وفي الْمَهْرِ أَوْجُهٌ:
أصحها: أنه لا يجب كما لو بِيْعَ منه شيءٌ فأتلفه، وهذا؛ لأن مُعَاقَدَتَهُ والتسليم إليه تسليط له على التصرف في الإتلاف، وفي هذا إِشْكَالٌ من جهة أن الْمَهْرَ حَقُّ الزوجة، وقد تزوج وَلاَ شُعُورَ لَهَ بحالَ الزَّوْجِ، فكيف يبطل حَقُّها.
والثاني: يَجِبُ مهر المثل؛ لأن تَعُرِيَةَ الوطء عن الحد والمهر جميعاً، لا سبيل إليه.
والثالث: يجب أقل ما يتمول رعاية لحق السَّفِيهِ، ووفاءً لحق التعبد إِذْ بِهِ يتميز عن السَّفَاحِ.
الثانية: ذكر الأكثرون أنَّهُ يُشْتَرَطُ في نكاح السَّفِيهِ حاجته إليه، وإلاَّ ففيه إتلافُ مَالِهِ، فيما لا يحتاج إليه، وبنوا على هذا أنه لا يُزَوَّجُ منه إلاَّ واحدة، كما مَرَّ في المجنون.
قالوا: والحاجة إلى النِّكَاحِ بأن تغلب شهوته، ويلحق به ما إذا احتاج إلى من تخدمه ولم تقم بخدمته محرم، وكانت مَؤُنَةُ الزَّوْجَةِ أَخَفَّ من ثمن جارية، ومؤنها ولم يكتفوا في الحاجة يقول السفيه لأنه قد يقصد إتلاف المال، بل اعتبر ظهور الأمارات الدالة على غلبة الشَّهْوَةِ.
وروى الإِمَامُ وَجْهاً: أنه يجوز التزويج منه بِالْمَصْلَحَةِ كالصَّبِيِّ؛ لأن العاقل لا يبعد أن تحنكهَ التجارب بخلاف المجنون، فَإِنَّ إِفَاقَتَهُ بعِيْدَةٌ، ولم يعتبر ظهور أمارات الشهوة، واكتفى فيها يقول السفيه وتابعه صاحب "الكِتَابِ" فيما ذكره، ولك كَلِمَاتٌ:
إحداها: لو اعتبرت الحاجة في نِكَاحِهِ لما اعتبر إذنه كالمجنون كما لو عرف جوعه فإنه يطعم، وإن لم يطلب الطعام لخبله.
الثانية: إذا اعتبرنا إذنه ومراجعته، وجب أن يكتفي بقوله: ولا يعتبر ظُهُورُ الأمارات؛ لأنه صحيح العبارة في الجملة فصار كالمرأة إذا التمست التزويج.
الثالثة: في التزويج لغرض الخدمة إشكال سبق، ثم قضيته أن تجوز الزِّيَادَةُ على وَاحِدَةٍ إذا لَمْ تَكْفِ واحدة للخدمة.
إذا تقرر ذلك فإذا التمس السفيه النِّكَاحَ مع ظُهُورِ أَمَارَةِ الْحَاجَةِ إن اعتبرناه، أو
دونه إن لم نعتبره، فعلى الولي الإِجَابَةُ فإن امتنع فتزوج السفيه بنفسه أطلق الأصحاب فيه وجهين:
أصحهما: عن الشَّيْخ الْمُتَوَلِّي: أنه لا يصح النِّكاحُ، كما لو تزوج العبد بنفسه إذا لم يأذن له السَّيِّدُ.
والثاني: يَصِحُّ؛ لأنه حَقٌّ ثبت على الولي، فإذا لم يوفه استقل صَاحِبُ الْحَقِّ باستيفائه، كالدَّيْنِ على المديون، واستدرك الإِمام وتابعه صاحب "الْكِتَاب" فقالا: "إذا امتنع الولي، فيجب على السَّفِيْهِ مراجعة السلَطان، كالمرأة إذا عضِل وليها فإن خفت الحاجة وتعذرت مراجعة السلطان، فحينئذٍ في استقلال السَّفِيْهِ الوجهان".
المسألة الثالثة: للمحجور عليه أن يطلق، وهي مذكورة مرة في "الْحَجْرِ" فإن كان مطلاقاً سُرِيَ بِجارِيَةٍ.
[المسألة] الرَّابعَةُ: الكلام في الَّذِي يَلِي أمر السَّفِيْهِ [و] قد سَبَق في "بَاب الْحَجْرِ" وذكر أبو الفرج الزاز أنَّهُ إن بلغ رشيداً، ثم طَرَأَ السَّفَهُ، فَأَمْرُ نِكَاحِهِ يتعلق بالسُّلْطَانِ، وإن بلغ سَفِيْهاً، فيفوض إلى السلطان، أو إلى الأب والجد، فيه وجهان.
وأطلق القاضي ابنُ كَجٍّ أنه يُزَوِّجَهُ الحاكم، وأنه إِنْ جَعَلَهُ في حِجْرِ إنْسَانٍ زوجه الَّذِي هُوَ في حِجْرِهِ.
وقال الإِمَامُ: إنْ فوض إلى القيم التزويج زُوَّجَ، وإلاَّ فَلاَ.
فَرْعَان:
الأول: قال في "التَّهْذِيبِ": إقرار السَّفِيْهِ عَلَى نَفْسِهِ بالنَّكَاحِ لا يصح؛ لأَنَّهُ لَيْسَ ممن يباشر بنفسه، وهذا قد يشكل بإقرار الْمَرْأَةِ وما فيه من التفصيل.
والخلاف الثاني: المحجور عليه [بالْفَلَس لَهُ] 1 أن ينكح لكن ما في يده كالمرهون بحقوق الْغُرَمَاءِ، فلا يصرف لمؤن النِّكَاحِ وَإِنَّمَا هي فيما تكتسب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الرَّقُّ فلِلسَّيِّدِ إِجْبَارُ الأَمَةِ، وَلَيْسَ لَهُ (م ح) إِجْبَارُ العَبْدِ فِي قَوْلٍ وَإِنْ كَانَ صَغِيراً فَإذَا طَلَبَ الرَّقِيقُ النِّكَاحَ لَمْ يَجِبِ الإِجَابَةُ عَلَى الأَصَحِّ (و)، وَالصَّحِيحُ هَذَا: التَّصَرُّفِ الْمِلْكُ حَتَّى يُزَوِّجَ الفَاسِقُ أَمَتَهُ، وَيُزَوِّجَ المُسْلِمُ أَمَّتَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الخامس الرِّقُّ، فنكاح الْعَبْدِ بغير إذن السَّيِّدِ بَاطِلٌ.
وقال مَالِكٌ: يَصِحُّ وَللسَّيِّدِ فَسْخُهُ.
وأبو حنيفة يقفه على إجازة السَّيِّدِ.
لنا: مَا رُوِيَ أنَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "أيُّمَا مَمْلُوكٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوْلاَهُ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ" 1.
وُيرْوَى: "هُوَ عَاهِرٌ" 2 ولو نكح بإذن السيد، صَحَّ؛ لأنَّ عبارته صَحِيحَةٌ.
وإنما المنع، لتحصيل رضا السَّيِّدِ، حَتَّى لو أذنت المرأة لِعَبْدِهَا في النِّكَاحِ، فَنَكَحَ، صَحَّ، وإن لم يكن لَهَا عِبَارَةٌ في النِّكَاح، ويجوز أَنْ يَكون إذن السَّيِّدِ مُقَيَّداً بأمْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا، أو بِوَاحِدَةٍ من الْقَبِيلَةِ أو البلدة، ويجَوز أن يكون مُطْلقاً، وإذا قيَّد، فعدل العبد عن النِّكَاحِ المأذُونِ فيه، لَم يصحَّ.
وَحَكَى الْحَنَّاطيُّ وجْهاً: أنه لو كان قد نَصَّ على المهر فنكح غير المعينة بذلك المهر، أو أَقَلَ؛ صَحَّ النِّكَاحُ، وإذا أطلق الإِذن، فله نكاح حُرَّةٍ أو أمَةٍ في تلْكَ البلدة أو غيرها، لكن للسيد مَنْعُهُ عن الخروج إلى الْبَلْدَةِ الأُخْرَى، ولو قَدَّرَ مَهْراً، فزاد، فالزِّيَادَةُ تكون في ذِمَّتِهِ يُتبَعُ بها، إذا أعتق، ولو نكح بما قدَّرَ امرأةً بمهر مِثْلِهَا أو دونه.
فقد ذَكَرَ الحَنَّاطيُّ فيه ثَلاَثَ احْتِمَالاَتٍ:
أظهرها: صِحَّةُ النِّكَاحِ ووجوب الْمُسَمَّى في الحال.
والثَّانِي: أن الزيادة على مهْر المثل يتبع بها إذا أعتق.
والثالث: بُطْلاَنُ النِّكَاحِ، ولو رجع عن الإِذن، ولم يعلم به العبد حَتَّى نكح، فهو على الخلاف في الوكالة، ذكره ابنُ كَجٍّ، ولو طَلَّقَ الْعَبْد بَعْدَ مَا نَكَحَ بإذن السَّيِّدِ، لم ينكح أُخرى إلاَّ بإذنٍ جَدِيدٍ، ولو نكح نكاحاً فاسداً، فهل له أن ينكح أخْرَي؟.
فيه خلافٌ مبنيّ على أن الإِذن، هل يتناول الْفَاسِدَ، أم يختص بالصحيح، وهذا أصْلٌ سيأتي، إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
إذا تقرَّر ذلك ففي الفصل مسائل:
المسألة الأولى: هل للسَّيِّد إجبارُ الْعَبْدِ الْبَالِغِ على النِّكَاحِ؟.
فيه قولان:
أحدهما: وهو القديم: نعم، وهو قَالَ أبو حنِيْفَةَ وَمَالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهِمَا- لأَنَّهُ مَمْلُوكٌ، فأشبه الأُمَةَ.
والجديد: المنع، وبه قال أَحْمَدُ؛ لأنه يملك رفع النكاح بالطلاق، فكيف يجبر على ما يملك رفْعَه، وأيضاً، فإنَّ النكاح عقد يلزم ذمة العبدْ مالاً، فلا يجبر عليه كالكتابة، ويخالف الأمة؛ فإنه يملك منفعة بُضْعَها، فيورد العقْد علَى ما يملكه فهاهنا بخلافه، وإن كان العبد صَغِيراً فَطَريقَانِ:
أَظْهَرُهُمَا: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ.
والثَّانِي: القطع بجواز الإِجبار، وهو اختيار الْقَاضِي ابنِ كَجٍّ.
وإن شئت، قلت: إِن أجبر العبد البالغ، فالصغير أولى، وإلاَّ فقولان أَو وجهان:
والفرق: أن الإِجْبَارِ بحال الصّغَبر أَلْيَقُ كما في حَقِّ البنين، ومن طرد الخلاف في الصغير، فقد يثبته على المعنيين المذكورين في أَن البالغ لا يجبر، إِنْ علَّلنا أنه يملك رفع النكاح بالطلاق، فالصَّغِيرُ لا يملكه، فيجبر، وإن علَّلنا بأَنه يُلْزمُ ذمته مالاً، فلا فَرْق، وقد يقول الْمُخْتَصَرُ في إجبار الْعَبْدِ ثَلاثَةُ أَقوالِ، ثالثها الفرق بين الصغير والكبير، والعبد والمجنون كالصغير، وإذا فرَّعنا على جواز الإِجبار للسيد، فللسيد أن يقبل النِّكَاحَ للعبد الْبَالِغِ، وله أنْ يكرهه على القبول، ويصح؛ لأنَّهُ غير مبطل في الإِكراه، قاله في "التَّهْذِيبِ".
وفي "التتمة" إن قبوله بالقهر لا يصحُّ، ويقبل إقرار السيد على العبد كإِقْرار الأب في حق ابنته، ويجوز أن يزوِّج أمته من عبده الصغير، أو البالغ، وحينئذ، فلا مهر، وفي استحباب ذكْرِهِ قولان، الجديد أنَّه لا يستحب ويقال وجهان ولو طلب العبد النكاح من السيد [هل يجب الإِجابة؟.
فيه قولان، ويقال وجهان] 1:
أَحدهما: نعم، وبه قال أَحْمَدُ، كما يجب إجابة السَّفِيهِ إذا طلب، ولأنَّ في المنع توريطاً له في الحرام.
وَأَصَحُّهُمَا: المنع، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ وَمَالِكٌ -رَحِمَهما اللهُ تَعَالَى- لأنه يُشَوِّشُ عليه مقاصد المِلْك وفوائده، وإذا قلْنا بالأول، فلو امتنع السيد، زوَّجَه السلطان كما لو عضل عن نكاح موْلاته، ولو نكلح بنَفْسه، قال الإمام هو 1 كما لو طلب السَّفِيهُ، وامتنع الوليُّ، فَنَكَحَ بِنفْسِهِ.
واعلم: أنّ أبا الفرج السَّرْخَسِيَّ بني الْخِلاَفَ في جواز إِجبار العبد على النِّكاحِ على الْخِلاَفِ في وجوب الإِجَابَةِ على السَّيِّدِ، إذا طلب العبد، إن أوجبنا الإِجابة، جعلنا النِّكَاحَ حَقَّ الْعَبْدِ، فلا يجبر عليه، وإلاَّ، أُجْبِرَ كالأَمَةِ، ومنهم منْ عكسَ الأمر، فبني الخلاف في وجوب الإِجابة على السَّيِّدِ على الخلاف في جواز إجبار العبد، إن أجبر حيث لم يجب إجابته [وإلا، وجبت] 2 وأشار بَعْضَهُمُ إلى تَخْصِيصِ الخِلاَفِ في وجوب الإِجابة بقولنا: إنَّ السَّيِّدَ لا يُجْبرُ عَبْدَهُ عَلَى النِّكَاح، أما إذا أجبره، فيبْعُدُ أن يقال: إنَّ العبد أيضاً يجبر السيد، والأصحّ ترك البناء منْ الَطرفَيْنِ وإجراء الخلاف في وجوب الإِجابة سواءٌ قلْنا بوجوب الإِجبار، أو لم نقل، ولا يبعد الإِجبار منْ الطرفينٍ، كما يجبر الأب ابْنَتَهُ الْبِكْرُ، وهي أيضاً تطلب، ويجب عليه الإِجابة والمُدَبَّرَةُ والمعلَّق عتقُهُ، بصفةٍ كالقن، ومَنْ بَعْضُه حرٌّ، وبعضه رقيقٌ لا يُجْبَرُ علىَ النكاح، لبعضه الحر، ولا يستقلُّ به لبعْضِهِ الرَّقيق، وهل يجاب إذَا طلَبَ؟ فيه الْخِلاَفُ المذكور في القن والمُكَاتِبُ لا يستقل بالنكاح، ولا يجبره السيد؛ لخروجه عن تصرفه، ولو نكح بِإِذْنِ السَّيِّدِ فطريقان:
أحدهما: أنَّه على الخلاف في تبرُّعاته بإذن السَّيِّدِ.
وأصحُّهما: القطْعُ بالصحة؛ لأن مُؤَنَ النكاح، وإن تعلَّقت بكسبه، فلها عوض ينتفع به، فصار كالطَّعَام يشتريه، ويأكله وعلَى هذا، فلو طلب من السيد النكاح، فوجوب الإِجابة على الخلاف في القنِّ وأولَى بأن يجب، لأنه لا يتضرَّر بنكاحه؛ لانقطاع حقِّه عن اكتسابه في الحال، والعبد المشترك هل لسيِّدَيهِ واجبارُهُ، وهل عَلَى سيدَيْهِ إِجابَتُه؟ فيه الخلاف المذكور في الطرفين.
ولو دعاه أحدُهُما إلى النكاح وامتنع الآخر والعبد، فلا إجبار، ولو طلب أحدُهُما مع العبد وامتنع الآخر؟ فعن الشيخ أبي حَامِدٍ، أنَّ جنبته قَوِيَتْ بموافقة أحد الشريكين السّيِّدَيْنِ، فيكون كالمكاتَبِ.
وقال ابنُ الصَّبَّاغِ: هَذَا يَبْطُلُ بمَنْ نصفُهُ حرٌّ، إذا طَلَبَ النِّكَاحَ، فَإِنْ الحُرِّيَّةَ فيه آكَدُ مِنْ مُوَافَقَةِ الآخر.
المسألة الثانية: للسيِّدِ إجبار الأمة على النِّكَاح صَغِيرَةً كانت أو كَبِيرَةً، بِكْراً كانت أو ثَيِّبٍّ، عَاقِلَةً [كانت] أو مَجنُونَةً؛ لأن النَّكَاحَ يَرِدُ عَلى منافع البُضْعِ، وهي مملوكة له، وبهذا يفارق العبد، وأيضاً، فإنه ينتفع بنكاح الأَمَةِ باكتسْابِ الْمَهْرِ والنفقة، وإن الْتمسَتِ الأمة النِّكَاحَ، لم يجب على السيِّد الإِجابةُ، إن كانت ممَّن تحْلُّ له، لما في نكاحها من نقصان قيمتها، وَتَفْوِيْتِ الاستمتاع عليَه، وإنْ كانَتْ ممَّنْ لا تحل له، بأن كانَتْ أختَهُ من الرَّضَاعِ، فوجهان:
أَحَدُهُمَا: الوجوب؛ لأنها لا تتوقع منه قضاءَ الشَّهْوَة، ولا بدّ من إعفافها، والأصحُّ المنع؛ لما فيه منْ نقصان القيمة، ولو ملك اختين، ووطئَ إحداها فطلبت الأخرَى تزويجَهَا، لم تَجِبِ الإِجابَة، وإن كانت مُحَرَّمَةٌ عليه؛ لأن تحريمها عارِضٌ، والمُدَبَّرَة والمعلَّق عتْقُهَا بصفة كالقِنَّةِ، وفي تزويج أم الولد خِلاَفٌ مَذكُورٌ في "كتاب أَمِّهَات الأَوْلاَدِ" والظاهر أنها تجبر أيضاً، ومَنْ نصفُها حرٌّ لا تجبر، وإذا طلبت النكاح، فالظاهر أنها لا تجاب، والمكاتَبَةُ لا يجْبُرُهَا السيد، ولا تنكح دون إذنه، وإذا طلبتْ، ففي وجوب الإِجابة وجهان:
وجه الوجوب تمكينُها منْ اكتساب المَهْرِ والنفقة.
والوجه الآخر: أنها ربما عَجَزَتُ نَفْسُهَا، فتعود إليه ناقصة القيمة، وفيها وجهٌ أَنَّها لا تزوَّج أصلاً؛ لأن ملْك المولَى محتملٌ، وهي غير مالكة لأمرها.
فَرْعٌ: لا يزوِّج السيد أمة مُكَاتِبَهِ ولاَ عَبْدِه، ولا يزوجها المكاتَبُ والعبْدُ بغير إِذْنِ السَّيِّدِ فإنْ توافقا، فقولان كما في تبرعاته.
فَرْعٌ آخرٌ: إذا كان لعبده الماذُونِ له في التجارة أمةٌ، فإما إلاَّ يكون عليه دَيْن، يكون، فإن لم يكن عليه دَيْنٌ، فهل له تزويجُها بغير إذن العَبْد؟.
فيه وجهان:
أصحُّهما: نعم.
والثاني: لا إلاَّ أن يعيدَ السَّيِّد الحَجْرَ عليه.
قال الشَّيخُ أبُو مُحَمَّدٍ: وهذا الخلاَفُ مَبْنِيٌّ على أنَّ السيد لو أعتق عبده المستأجر في أثناء مدة الإِجارة، هل يرجع على السيد بأجرة بقية المدة؟ إن قلْنا: لا يرحع؛ لأن العقْدُ كان في زمان الملك فههنا له التزويجُ بغير إذن العبْدِ، إن قلْنا: يرجع؛ لأنَّ منافعه في باقي المدَّة تتلف عليه في حريته، فليس له التزويجُ هنا بغير إذن العبد؛ لأن النِّكَاحَ ينقص قيمتها، فربما لا يفي ما في يده بذمته، إن حَدَثَ دَيْنٌ، فيطالب ببقيَّة العين، إذا عتق، وإن كان عليه دين، فإن زوَّجها بِإِذْنِ العبد والغرماء، صح، لأنّ الْحَقَّ لا
يعدوهم، وَإِنْ زَوَّجَهَا بإذن العبد دون الغرماء، أو بإذن الغُرَمَاءِ دون الْعَبْدِ، لم يصحَّ؛ على أصح الوَجْهَيْنِ؛ لأنهم يتضرَّرون به، أما العبد، فَلأنَّ التزويجَ ينْقُصُ قيمتها، فالباقي من الدَّيْن يتعلَّق بذمته، وأما الغرماء؛ فلأنهم مَا رَضُوا بتأخُّر حقوقهم وتعلُّقها بذمته إلَى أن يُعْتِقَ، وبيعُ السيد وهبته، ووطْؤُهُ هذه الجارِيةَ كالتزْوِيجِ في حالة قيام الدَّيْن وعَدَمَهِ، وإذا وطئَ بِغَيْرِ إذن الغرماء، فَهَلْ عَلَيْهِ الْمَهْرِ؟ فيه وجهان:
في وجه: لا يجب، كما لو وطئ الراهنُ المرهونة.
وفي الثاني: يَجِبُ؛ لأن منفعة المَرْهُون للرَّاهن، ومنفعة رقيق المأذون الذي عليه دَيْنٌ لا تكون للمالِكِ.
ولَوْ أَحْبَلَهَا، فالولد حُرٌّ، والجارية أم ولد، إن كان مُوسِراً، وإن كان مُعْسِراً، لم تَصِرْ أمَّ ولد، وتباع في الدَّيْن، فإن ملكها بَعْدَ ذلك، فالحكم كما مَرّ في المرهونة، وكذا الحكم في استيلاد الجارِيةِ الْجانِيَةِ، وفي استيلاد الوارث جاريةَ التَّرِكَة إذا كان على الموروث دَيْن، وإِذا لم نحكم بثبوت الاستيلاد في الحال وجب قيمة الولد في جارية العَبْدِ المأذون، وفي جارية التركة، ولا يجب في الجارية، المرهونة وَالْجَانِيَةِ؛ لأَنَّ حَقِّ المجنيِّ عليه والْمُرْتَهَنِ لا يتعلَّق بالولد.
ولو أعتق عبده المأذون، وعلى المأذون دَينٌ، أو أَعْتَقَ الوارثُ عَبْداً منْ التركة، وعلى المَوْرُوث دَيْن.
قال صاحب "التَّهْذِيب" قيل في نفوذ العِتْقِ قولان، كما في إعتاق الْمَرْهُونِ، والمذهب أنه، إن كان معسراً لم يَنْفُذِ العتق، وإن كان مُوسِراً، نَفَذَ، كالاستيلاد، وعليه أَقَلُّ الأمرين من الدَّيْنِ وقيمة العبد، كما في إعْتَاقِ الْعَبْدِ الْجَانِي، وتزويج الَّتِي تعلَّق المال برقبتها دون إذن المجنيِّ عليه، لا يجوز إن كان السيدُ مُعْسِراً، وَإِنْ كَانَ مُوسِراً فأحد الوجهين: أنه يجوز، ويجعل اختيارًا للفداء واللهُ أَعْلَمُ.
المَسْأَلَةُ الثالثة: تزوج السيد أمته بالمِلْك أو بالولاية؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه بالمِلْكِ؛ لأنه يملك الاستمتاع بها، كما يَمْلِكُ تزْويجهَا والتصرُّف فيما يملك استيفاءه وَنَقْلُهُ إلى الغَيْر يكون بحُكْم الملك كاستيفاء المنافع ونقلها بالإِجَارَة.
والثاني: أنه بالولاية؛ لأن عليه النَّظَرَ ورعَايَةَ الْحَظِّ لها؛ ألا ترى أنه لا يجُوزُ تزوْيجُها من مجنون بغَيْر رضَاها.
وَيتَفَرَّعُ علَى هذا الأصلِ صُوَرٌ.
منها: إذا سَلَبْنَا الْوِلاَيَةَ بالفسْق، فالفاسقُ لا يزوج أمَتَهُ، إذا جعلنا هذا التزويجَ
بالولاية، فإن قلنا: إنه بالمِلْك، فيزوِّجها كما يبيعها.
ومنها: إذا كان للمسلم أَمَةٌ كِتَابِيَّةٌ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَب أنَّ له تزويجها بالملك، كما أنَّ له بَيْعَها وإجارَتَهاَ، هَذَا، مَا نَصَّ عَلَيْه في "الْمُخْتَصَرِ" فقال: ولا يكون المُسْلِم ولياً لكافرةٍ، إلا على أمتِهِ.
وفيه وجه: أنَّه لا يجوز له تزويجُهَا، كما لا يجوز له تزويجُ ابنته الكافرة، والقائل به أَوَّلَ النَّصِّ من وجهين:
أحدهما: أنَّ المعنَى "ولا على أمته، لقوله تعالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً﴾ يعني "ولا خطأ".
والثَّاني: أنَّ المعنَى "إلا على أمته" في البيع والإِجارة ونحوهما" لا في النِّكَاحِ وإذا قُلْنَا بالظاهر، فهي لا تصلح للحُرِّ الْمُسْلِمِ وإنما تزوجَها من الحُرِّ الكتابي، أو من العبد الْمُسْلِمِ، وهذا إذَا جوَّزنا لهما نكاحَهَا على ما سيأْتِي بيانُ الخلاف فيه، فإن لم نجوِّز لم يُتصوَّر من المسلم تزويجُها، وهذا في تزويج الأمة الكتابية، أما المجوسية والوثنية، فسنتكلم فيهما.
وَمِنْهَا: إذا كان للكافرِ أمةٌ مسلمةٌ أو أمّ ولدٍ، فَوَجْهَانِ:
أحدهما: وَبِهِ قَالَه ابنُ الْحَدَّادِ: أنَّه يزوِّجها بحقِّ الملك كما يُزَوِّجُ الْمُسْلِمُ أَمَتَهُ الْكَافِرَةَ.
وأظهرهما: المنْعُ، والفرق من وجهين:
أحدهما: أنَّ حقَّ المسلم في الولاية آكَدُ، ألا ترَى أنَّه يثبَتُ له الولايةُ على الكافراتِ بالجِهَة العامَّة.
والثاني: أنَّ الْمُسْلِمَ يملك الاستمتاع ببُضْعِ الْكَافِرَةِ، فيملك تزويجَهَا والعَكْسُ بخلافه.
ولو كان للمسْلِم أمَةٌ مَجُوسِيَّةٌ أو وَثَنِيَّةٌ، فهل له تزويجُهَا فيه وجهان مبنيان على الفرقَيْنِ إن قلنا بالأول، فله تزويجها أيضاً، وإن قلنا بالثاني، فلا، وهذا هو المذكور في "التَّهْذِيب" والأولُ أصَحُّ عند الشَّيخِ أبي عَلِيّ، واستشهد عليه بأن مَنْ ملك أخته من الرَّضَاعة، أو النَّسب، كان له تزويجها، وإن لم يكن له الاستمتاعُ بها.
قَالَ الإِمَامُ ورأيْتُ لبعض الأصحاب تشبيبَا بمنعه أيضاً، وما ذكرناه من الخلافِ في أن تزويج الأَمَةِ بحق الملك أو بالولاية لا يجري في تزويج العبد، إذا قلنا: إنَّ للسيد أنْ يجبره، قلو كان لكافر عَبْدٌ مُسْلِم، ورأينا الإِجبار، ففي إجباره إيَّاه الْخِلاَفُ الْمَذْكُورُ في أنَّه، هل يزوج أمته المسلمة؟ وإن لم نَرَ الإِجبار لم يستقل العبد، ولكن يأذن له السيد؛ ليسقط حقه، فيستقل العبد، حينئذٍ، كما أنَّ الْمَرْأةَ تأذَنُ لعبدها، فيتزوج، وإن لم تكُنْ هي من أهلِ التَّزْوِيجِ.
ومنها: قال في "التتمة" للمكاتَبِ تزويجُ أَمَتِهِ، إن قلنا: إنَّهُ تصرُّفٌ بالمِلْك، وإن
قلنا: بالولاية، فلا؛ لأنَّ الرقَّ يمنع الولاية.
وقوله في "الكتاب" وليس له إجْبارُ "الْعَبْدِ" معلَمٌ بالحاء والميم، وقوله "لم يجب الإجابة" بالألف؛ لما عرفت من الشرْحِ، وَيجوز أن يعلم قوله "على الأصح" بالواو؛ لأَن في بعض "التعاليق" طريقَةً قَاطِعَةً بأنه لا يَجِبُ علَى السيد الإِجابةُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَللوَلِيِّ تَزْوِيجُ رَقِيقِ الطِّفْلِ بِالمَصْلَحَةِ فِي أَحَدَ الوَجْهَيْنَ، وَأَمَةُ المَرْأَةِ يُزَوِّجُهَا وَليُّهَا بِرِضَاهَا، وَقِيلَ: السُّلْطَانُ يُزَوِّجُهَا، وَلاَ يَكْفِي سُكُوتُ البِكْرِ فِي حَقِّ أَمَتِهَا، وَالْمُعْتَقَةُ فِي المَرَضِ يُزَوَّجُهَا قَرِيبُهَا، وَقِيلَ: لاَ تُزَوِّجُ لإِمْكَانِ عَوْدِهَا رَقِيقَةً بِالمَوْتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البقيَّة ثَلاَثُ صُوَرٍ:
إحداها: عبد الصبي والمجنون والسَّفِيْه لا يجبره وليُّهم؛ لما فيه من انقطاع أكسابه وفوائده عنهم.
وفيه وجه: أنه يجوز؛ لأن المصلحة قد تقتضيه، والظاهر الأول، وإن طلبتْ عندهم التزويجَ، فإن لم نوجِبُ على السيد الرشيدِ الإِجابةَ، لم يجز لوليهم الإجابةُ، وإن أوجبناها، فعلَى وليهم الإجابة، فإن الوليَّ قائمٌ مقام الموليَّ عليه، وأما أمةَ الصبيِّ والمجنونِ والسَّفيهِ، فهل يزوِّجَها أوليائهم؟.
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه ينقص قيمتها، وقد تَحْبَلُ، فتهلك.
وأظهرهما: وبه قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ وأبو إسْحَاقَ: نَعَم، إذا ظَهَرَت الغِبْطَةُ اكتساباً للمهر والنفقة، وفي بعض "الشُّرُوحِ" وجه: أن أمة الصبية تزوَّج، وأمة الصبي لا تزوَّج؛ لأنه قد يحتاج إليها بعد البلوغ، فإن جوَّزْنا، قَالَ الإِمَامُ: يجوز تزويج أمة الثيب الصغيرة، وإن لم يجز تزويجُها، ولا يجوز للأبِ تزويجُ أمة ابنته البكرِ البالغةِ قَهْراً، وإن كان يزوجُها قَهْراً، ويجوز للسلطان تزويجُ أمَةِ الصغير، إذا ولي ماله، وهذا يوافق وجهاً للأصحاب في أنَّ وليَّ المال يزوّج أمة الصغير والمجنون، نسيباً كان أو وصياً أو قيماً، كسائر التصرُّفات المالية، والأظهر وَجْهٌ آخرُ، وهو: أن الذي يزوِّجها وليُّ النِّكَاح الذي يلي المالَ، وعلى هذا؛ غَيْرُ الأب والْجَدِّ لا يزوجها؛ لأنه لا يزوِّج الصغيرةَ والصغيرَ، والأبُ لا يزوِّج أمة الصغيرة، وإن كانت مجنونةً تزوَّج، وإن كان لسفيه، فلا بدّ من إذنه.
وقوله في الكتاب: " [وللوليَّ تزويج رقيق الطفل] " 1 اللفظ ينظم العبد والأمة، وهو
مستمرٌّ على ظاهره؛ لثبوت الخلاف فيهما، ثم الظاهرُ في العَبْدِ المنع، وفي الأَمةِ الجوازُ.
الثَّانِيَةُ: أمَةُ المرأة، يُنْظَر في حالها، إن كانت مالكتها محْجُوراً علَيْها، فقد سبق، وإلاَّ، فيزوجها وليُّ المرأة تَبَعاً لولايته على المالكة، ولا فرْقَ بين الوليِّ بالنسب وغيره، ولا بَيْن أن تكون الأَمَةُ الْمُزَوَّجَةُ عَاقِلَةً أو مَجْنُونَةً، كَبِيرَةً أو صَغِيرَةً.
وذكر الإِمام؛ أن صَاحِبَ "التَّلْخِيصِ" قال: لا يزوِّجها الأولياءُ بالأسباب الخاصَّة؛ لأنه ليس بينهمَا وبينهم سَبَبٌ، ولا نسب، ولكن يزوِّجها السلطان بالولاية العامة، وهذا غَيْرُ مَشْهُورٍ عنه، ولا مذكور في "التَّلْخِيصِ"، وإنما المشهور والمذكُور أن معتقة المرأة يزوِّجها السلطان، وَقَد حكَيْنا ذلك عنه من قبل، ثم لا حَاجَة في نِكَاح الأمة إِلَى إذنها، ولا بُدَّ منْ إذْن المالكة لفظًا، ولا يكفي ثبوت الْبِكْر في نكاح أمتها؛ لأنها لا تستَحِي في نكاح أمتها 1.
الثالثة: أعتق في مرضه أمَة، قَالَ: ابن الْحَدَّادِ: لا يجوز لوليِّها الْحُرِّ من الأب والأخ أو غيرهما تزويجُها، حَتَّى يَبْرَأَ أو يموت، وتخرج هي من الثلث؛ لأنها إنما تَعْتِقُ بتمامها على هذَيْن التقديرَيْنِ، فلا يجوز نكاحُهَا حَتَّى تعرف حريتها، وهذا كما لو أسْلَمَ الكافر وتخلفت زوجته، نَصَّ الشَّافِعِي -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- على أنه لا يجوز له أن ينكح أختها لاحتمال أن المتخلفة تُسْلِمُ قبل انقضاء العدة، وساعده بَعْضُ الأصحاب عَلَى ما ذكره، وهو الذي أورده القاضي ابنُ كَجٍّ.
وقال الأكثرون، منْهم ابن سرَيجٍ وأبو زَيدٍ: يجوز لوليِّها تزويجُها؛ لأنا في ظاهر الحالِ نحْكُم بحريتها، فلا يمتنع العقْدُ بالاحتمال، ولهذا لَوْ مَاتَ، وخرجت من الثلث، نحكم بعتقها، ويجوز تزويجها، وإن كان يحتمل أن يظهر عليه دَيْنٌ، يمنع خروجها من الثلث، وليس هذا كَنِكَاحِ أختِ المُشْرِكة، فإن الظَّاهِرَ هناك بقاءُ النِّكَاحِ، ولهذا لو أسلَمَتْ في العدَّة، تبين دوام النِّكَاح، وهنا المريض هو المالِكُ والأصل بقاؤه، ويعود العتقُ، علَى أن أبا زيد جعل نِكَاَحَ أختِ المشركة على قولَيْن، فيسوي بين الصورتَيْن، ويقرب بين المسألتَيْن نكاح المرتابة بالحمل، وسيأتِي في كتاب "العِدّةِ" إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فإن حكمنا بالصحَّة، فهو حكم بالظاهر، وحقيقة الأمر تتبين آخراً، فإن تحققنا نفوذ العتْق، تحقَّقنا مضيَّ النِّكَاح على الصحَّة، وإلاَّ، فينظر في إجازة الورثةِ ورَدَّهم، إن ردُّوا بَانَ فَسَادُ النِّكَاحِ، وانَ أجازوا، فإن جعلْنا الإِجازة
إنشاءَ [تَبَرُّع] (1) منهم، فكذلك الجواب؛ لأن العتْقَ كان متبعِّضاً إِلَى أن أجازوا وإن جَعَلْنَاهَا تَنْفِيذاً، فهو كما لو خرجَتْ منْ الثُّلُثِ، ثم في الْمَسْأَلَةِ كَلاَمَانِ:
أَحَدُهُمَا: صَوَّرَ الإمَامَ -رَحِمَهُ اللهُ- الْمَسْأَلَة فيما إذا لم يكُنْ للمعتِقِ مالٌ سواها، ثم قال: إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَمٌّ، بَقِيَ ثُلُثُهُ بقيمتها، يجوز أن يُقَالَ؛ على قياس كلام ابنِ الْحَدَّادِ: النِّكَاحُ مَحْمُوْلٌ عَلَى الصِّحَّةِ بِنَاءً على كَثَرَةِ الْمَالِ، ويجوز خلافُهُ لضَعْفِ ملك المريض، وكون الْمَالِ عرضةً للأقَارِبِ، وهذا ما يقتضيه كَلاَمُ ابنِ الْحَدَّاد في المولَّدات، وَعَامَّةُ النَّاقِلِينَ، فَإنهم أرسلوا التصوير، ولم يقيِّدوا بما إذا لم يكن له مَالٌ سِوَاها.
والثاني: ادَّعَى الإِمَامُ أَنَّ الشَّيْخَ أبا عَلِيٍّ ذكر في "الشَّرْحِ" أن فحوى كلام ابنِ الْحَدَّاد يدل على أَنَّ السَّيِّدَ لو أعتقها كما صوَّرنا وتزوَّجها بنَفْسِه، نفذ ذلك؛ لأنها، إنْ رقت، فهو سيِّدها، وَإلاَّ، فله ولاؤها، واعترض عليه بأنَّا إذا قدَّرنا نفذ العتق، فالمعْتِقُ لا يملك التزويج بالولاء مع وجود الأب أو الأخ، وهذا الذي ادعاه شَيْءٌ سَبَقَ إليه الْوَهْمُ والنِّسْيان، وإنما ذَكَرَ الشَّيْخُ ذلك فيما إذا لم يكُنْ لها وليٌّ نسيبٌ، فقال: ومفهوم ما قاله ابنُ الْحَدَّاد؛ أنه إذا لم يكُنْ لها وَلِيٌّ غير السيد، فزوَّجها هو، صح؛ لأنها إن لم تخرج من الثلث، فهو وليُّ ما عتق بالولاء، ومالِكُ ما لم يُعْتَقْ، هذا لفظه في "الشَّرْح" فَأَمَّا إذا زوَّجها السيِّد، ولَهَا وليٌّ نسيبٌ، وجب ألاّ يصح على الوجهين، وإن كان بإِذْنِ النَّسِيبِ، وجب أن يَصِحَّ على الوجهين والله أعلم.
وهذا وقت الفَرَاغ مِن القسم الثاني منْ كتاب النكاح -بتوفيق الله تعالى-.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (القِسْمُ الثَّالِثُ) مِنَ الكِتَابِ في المَوَانِعِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ (الأَوَّلُ): المَحْرَمِيةُ بِقَرَابَةٍ أَوْ رِضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ (أَمَّا القَرَابَةُ) فَيَحْرُمُ مِنْهَا سَبعَة: الأُمَّهَات وَالبَنَاتُ وَالأَخَوَاتُ وَبَنَاتُ الإخْوَةِ وَالأخَوَاتُ وَالعَمَّاتُ وَالخَالاَتُ، وَلاَ يَحْرُمُ أَوْلاد الأَعْمَامِ والأَخْوَالِ، وَأُمُّكَ كُلُّ أُنْثَى يَنْتَهِي إلَيْهَا نَسَبُكَ بِالوِلاَدَةِ وَلَوْ بِوَسَائِطَ، وَبَنُوكَ مَنْ يَنْتَهِي إِلَيْكَ نَسَبُهُمْ وَلَوْ بِوَسَائِطَ، وَالضَّابِطُ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أُصُولُهُ وَفُصُولُهُ، وَفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولهِ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ وَإِنْ عَلاَ (ح و)، وَلاَ يَحْرُمُ الوَلَدُ (ح) مِنَ الزِّنَا إلاَّ عَلَى الأُمِّ، وفي المَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ وَجْهَانِ.
"
القول في موانع النكاح
" قال الرَّافِعِيُّ: مقصود الفصْل القولُ في "موانع النكاح" وترجمتها المعدودة في1
الركن الثاني من القسم الثاني وتبلغَ سَبْعَةَ عَشَرَ، ثم منها ما هو أوضَحُ منْ أن يفتقر إلى تطويل؛ لكونها منكوحة الغير ومنها ما نتكلَّم فيه في غير هذا الباب لكونها ملاعنة، ومعظمها المحتاجُ إلَى الشَّرْحِ والْبَسْطِ يَقَعُ في هذا القسم، وقد حَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ في أربعة أَجْنَاسٍ:
أَحَدُهَا: المَحْرَمِيَّةُ، وهي الوصلة المُحَرِّمَة للنكاح أبداً، وَلَهَا ثَلاثةُ أَسْبَابٍ القَرَابَةُ، وَالرَّضَاعُ، وَالْمُصَاهَرَةُ.
السَّبَبُ الأَولُ: القَرَابَةُ، ويحرم منها سبعةٌ، وهي الْمَذْكُورَاتُ في قَولِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إِلَى قوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23] ولا يحرم بنات الأعمام وَالْعَمَّاتِ والأخْوَال والخالاتِ، قَرُبْنَ أم بَعُدْنَ، وأمُّك كلُّ أنْثَى ولدَتْكَ أَوْ وَلَدَتْ منْ ولَدَتْكَ، ذكراً كان أو أُنْثَى، بواسطة أو بغَيْر واسطة، وإن شِئْتَ قلتَ: كلُّ منْ ينتهي إلَيْها نسبُكَ بالولادة، بواسطة أو بغير واسطة 1، وبنتك كل أنثى ولدتها، أو ولدت من ولدها ذكراً كان أو أنثى بواسطة، أو بغير واسطة، وإن شِئْتَ قُلْتَ: كُلُّ أُنْثَى ينتهي إليك نَسَبْهَا بالولادة بواسطة، أو بَغَيْرَ واسِطَةٍ.
وأختُكَ: أنثى وَلَدَهَا أبَوَاكَ أَو أحدُهُما، وبنتُ أختِك منْهما [كبنتك] 2 منك، وعمَّتُكَ: كل أنثى هي أختُ ذكَرٍ وَلَدَكَ بواسِطة، أو بغير واسطة، وقد تكون من جهة الأم كأختِ أبِ الأمِّ، وخالتُكَ: كُلُّ أنثَى هي أخت أنثَى ولدتْكَ بواسطة، أو بغير واسطة، وقد تكون منْ جِهَةِ الأب، كأخت أم الأب، وضبطهن الأصحاب بعبارتين:
إحداهما: قال الأستاذ أَبُو إسْحَاقَ الإسْفَرايِينيُّ: يحرم على الرجُلِ أصولُهُ وفصولُهُ وأصولُ أوَّلِ أصوله؛ وأوَّلُ فصْلٍ منْ كَل أصل بعده، أي: بعد أول الأصول، فالأصول: الأمهاتُ، والفصول: البنات، وفصول أول الأصول: الأخواتُ وبناتُ الأخِ والأختِ، وأوَّلُ فصْلِ من كل أصل بعد الأصل الأول: العماتُ والخالاتُ، وَهَذهِ العِبَارَةُ هِي الْمَذْكُورَةُ في الكتاب، لكنه قال: "وَأَوَّلُ فَصْلٍ منْ كُلِّ أصْلٍ وإن عَلاَ"، وهذا يدخل فيه الأخواتُ مرةً أخرَى؛ لأن الأبَ والأمَّ منْ الأصول، وهن أول فصولهما، فالأحْسَنُ التقييد كما ذكره سائر الأئمة.
ولو حمل قوله "وكل أصل، وإن عَلاَ" عَلَى كُلِّ أَصْلٍ عَالٍ، خَرَجَ الأَبُ وَالأُمُّ، فَإنَّهُمَا أصلاَنِ سافِلاَنِ، وليسا بعالِيَيْنِ، وَحِيْنَئذٍ يتوافَقُ الَّلفْظَانُ في إفادَةِ الْغَرَضِ.
وَالعِبَارَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الأُسْتاذِ أَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِي أَنَّ نِسَاءَ الْقَرَابَاتِ مُحَرَّمَات إلاَّ مَنْ دَخَلَ في اسْمِ وَلَدِ الْعُمُومَةِ، وولد الخُئُولَةِ، ثُمَّ قف عَلَى فَوَائِدَ:
إحداها: ذكرنا في "الوقفْ" خِلاَفاً في دخول بَنَاتِ الأَوْلاَدِ في اسْم الْبَنَاتِ، وفي الْوَصِيَّةِ خِلاَفاً في دخُولِ جَمِيع الْجَدَّاتِ في اسْم الأُمَّهَاتِ فَإِن قلْنا بالدخول، فالذي ذكرنا الآن في تفسير البنات والأَمهات حقيقةُ اللفظَيْن وإن لم نَقُلْ بالدُّخُولِ، فهو تعريف المُرَادِ ثُمَّ يَقَعُ اللَّفْظُ عَلَى بَعْضِهِنَّ حقيقة، وعلى بعْضِهِنَّ مجازاً، وعلَى هذا جرى أَئِمَّتُنَا العراقيُّون، فقالوا: تحرم البنت بالحقيقة والمجاز، وكذا سائر المذكورات إلاَّ الأخت، فلا مجازَ فِيهَا، وإذا قلْنا بهذا، فيمكن أن يقال: المراد من الآية التفسيرُ المذكورُ، ويمكن أن يُقَالَ: المراد الحقيقةُ، وصوَرُ المجاز مقيسةٌ بها.
الثانية: إذا قُلْنَا بوقوع اسم الأب على الأجداد، احتجنا أن نقيِّد تفسير الأخت، فنقول: هي التي ولَدَهَا أبواك الأدْنيانِ أَو أبواك بلا وَاسِطَةٍ.
الثالثة: فَسَّرَ مُفَسِّرُونَ العمَّة والخالَةَ بما لا تشْمَلُ المحرَّمات من الصِّنْف، وهذا الإِمام يقول: كلُّ من ولَدَها أجدادُكَ وجدَّاتُكَ مِن قِبَلِ الأب، فهي عمَّةٌ، ومن ولَدَها أجَدادُكَ وجدَّاتُكَ من قِبَل الأم، فهي خالَةُ، فتخرج عن الأول عمة الأم، وهي أخت أبي الأم، وعن الثاني خالة الأب، وهي أخت أم الأب، وهما مُحَرَّمَتَانِ.
الرابعة: لك أن تُرَجِّحَ مِنَ الْعِبَارَتَينِ الثانية بإيجازها، وبأن الأولى لا تنصُّ على الإِناث، فإن لفظ الأصول والفُصُول يقع على المذكور والإِناث، وبأنَّ اللائق بالضابط أنْ يكَون أقْصَرَ المضبوط، ليَسْهل حفظه، والأمر في العبارةَ الأُولَى بخلافه، ثم في الفصل فَرْعَانِ:
الأَوَّلُ: إذا زنا بِامْرَأَةٍ، فولدَتْ بنتاً، فيجوزُ للِزَّانِي تَزَوُّجُهَا ويُكْرَهُ، أما الجواز، فلأنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عنْه، بدليل أَنَّهُ لا يثبت سائر أحكَامِ النَّسَبِ، وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ، فقد اختلف الأَصْحَابُ في سبَبِها، فمنهم مَنْ قال: سببها الخروجُ منَ الخلاف بيْنَ العلماء، ومنْهم مَنْ قال: السببُ احتمالُ كَوْنِهَا مخلوقةً من مائه، فعلى المَعْنَى الثَّانِي، لو تَيَقَّنَ أنها مَخْلُوقَةٌ من مائه، حُرِّمَ عليه أن ينْكحِهَا، وهذا اختيار جَمَاعَةٍ، منْهم الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ، وعلى الأول؛ لا تَحْرُمُ مع التيقن، وهو الأَصَحُّ من المذهب، وعن ابن القاص وَجْهٌ مُطْلَقٌ أنه لا يَجُوزُ للزَّانِي نِكَاحُهَا، وهو قَوْلُ أبي حَنِيْفَةَ وَأَحْمَدَ، وَسَاعَدَنَا مَالِكٌ على الْجَوَازِ، وَلاَ شَكَّ أَنَّهَا لَوْ وَلَدَتِ ابْناً حُرَّمَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَها.
الثاني: البنْت المنفيَّةُ باللِّعان لا يجوز للملاعِنِ أن ينكحها إن كان قد دخل بالْمُلاَعَنَةِ؛ لأنها ربيبة امْرَأَةٍ مَدْخُولٍ بها، وإن لم يَدْخُلْ بها، فوجهان، وحكايةُ الوجهين في "الْكِتَابِ" وإن كانت مطْلَقَةً، لكنِ المرادُ هذه الحالة:
أحدهما: الجوازُ كَبْنِتِ الزِّنَا؛ لأنها منفيَّة أيضاً.
وأصحهما: الْمَنْعُ؛ لأنَّهَا لا تنتفي عنْه قَطْعاً؛ ألا تَرَى أنه لو أَكْذَبَ نَفْسَهُ لحقتْهُ قال في "التَّتِمَّة" وعلَئ هذا، ففي وُجُوبِ القِصَاصِ بِقَتْلِهَا، والحَدِّ بِقَذْفِهَا، والْقَطْعِ بِسَرِقَةِ مَالِهَا، وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ لَهَا وَجْهَانِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيْحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَرْضَعَتْكَ أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ أَرْضَعَتْكَ أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ يَرْجِعُ نَسَبُكَ إِلَيْهِ فَهِيَ أُمُّكَ، وَكَذَلِكَ كُلّ امْرَأَةٍ يَرْجِعُ نَسَبُ المُرْضِعَةِ إلَيْهَا، وَأُخْتُ المُرْضِعَةِ خَالَتُكَ، وَأَخُوهَا خَالُكَ، وَكذَلِكَ في سَائِرِ أَحْكَامِ النَّسَبِ، وَلَوِ اخْتَلَطَتْ أُخْتُ رَضَاعِ بِأهْلِ قَرْيَةٍ جَازَ أنْ يَنْكِحَ وَاحِدةً مِنْهُنَّ، وَإِنْ كُنَّ مَحْصُورَاتِ العَدَدِ في العَادَةِ لَمْ يَجُزْ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
"
القول في الرضاع
"
قال الرَّافِعِيُّ: السَّبَبُ الثَّانِي: الرِّضَاعُ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] وَعَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّه قَالَ: "يَحْرُمُ مِنَ الرِّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلاَدَةِ" 1 ويُرْوَى "مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ".
ولْنبيِّنِ الأصْنَافَ السَّبْعَةَ مِن الرَّضَاعِ، فَكُل: امْرَأَةٍ أَرضعتْكَ، أو أَرْضَعَتْ مَنْ أرضعَتْكَ، أو أَرْضَعَتْ مَنْ وَلَدَكَ بواسطة أو بغير واسطة، فهي أمُّكَ، وكذا كُلُّ امْرَأَةٍ وَلَدَت المرضعة أو الفحل، وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِكَ أو بلبن من ولدته، أو أرضعتها امرأةٌ ولدتها، أنت فَهِي بنتُكَ، وكذلك بناتُها مِنَ النَّسَب والرَّضَاعِ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَرْضَعَتْهَا أمُّكَ وأرضعت بلبن أبيك، فهي أختك، وكذلك كُلُّ امْرَأَةٍ ولدتْهَا المرضعة، أو الفحلُ أو أَخَوَاتُ الْفَحْلِ، والمرضعةُ وأخواتُ منْ ولدهما من النَّسَبَ وَالرَّضَاع، عماتُكَ وخالاتُكَ، وَكِذَلِكَ كُلُّ امْرَأَةٍ أرضعَتْها واحدةٌ من جداتك أو أرضعَتْكَ بلبنٍ وَاحدٍ مِنْ أجْدَادِكَ مِنَ النَّسَبِ والرَّضَاعِ، وبناتُ أَوْلاَدِ الْمُرْضِعَةِ وَالْفَحْلِ مِنَ الرَّضَاعِ وَالنَّسَبِ بِناتُ
أَخيكَ وأختكَ، وكذلك كُلُّ أُنْثَى أَرْضَعَتْهَا أُخْتُكَ أو أرْضِعَتْ بلبن أُخْتِكِ وبناتها بنات أولادها من الرَّضَاع وَالْنَّسَبِ بناتُ أخيك وأختِكَ، وبناتُ كُلِّ ذَكرٍ أَرْضَعَتهُ أُمُّكَ أو أرْضَعَتْ بلَبَنِ أَخِيكَ وبناتِ أَولادِهِ منْ الرَّضَاع والنَّسَب بناتُ أَخيكَ، وبناتُ كُلِّ امْرَأةٍ؛ أَرْضَعْتَهَا أمُّكَ أو أرْضِعَتْ بلبن أبيكَ وبناتِ أولَادِهَا منَ النَّسَبِ والرَّضَاعِ بناتُ أخيكَ.
وأربعُ نِسْوَةٍ يَحْرُمْنَ في النَّسَبِ، وَفي الرَّضَاعِ قَد يَحْرُمْنَ، وَقَدْ لا يحْرمَن.
إحداهن: أم أم الأخ والأخت من النَّسَب حَرَامٌ؛ لأنها أمُّ، أو زوِجة أب، وفي الرَّضَاعِ، وإن كانت كذلك حَرُمت أيضاً، وإن لم تكُنْ كما إذا أرضعَتْ أجْنَبِيَّةٌ أَخَاكَ أو أُختَكَ، لم تحْرُمْ.
الثانية: أم نافلتك في النسب حَرَامٌ؛ لأنها إما بنتك أو زوجةُ ابنِكَ، وفي الرَّضَاع قد لا تكون بنتاً ولا زوجة ابن بِأنْ أَرْضَعَتْ أجنبيةً نافلتك.
الثالثة: جَدَّهُ وَلَدِكَ في النَّسَبِ حَرَامٌ؛ لأنها أم أمك أو أمُّ زوجتك، وفي الرَّضَاعِ قَدْ لاَ تَكُونُ كَذَلِكَ كما إذا أرضعت أجنبيةٌ ولدَكَ، فإنَّ أمَّها جدتُهُ، وليسَتْ بأمك ولا أُمَّ زوجتك.
الرابعة: أختُ ولَدِكَ في النَّسَبِ حرامٌ عليك؛ لأنها إما بنتك أو ربيبَتُكَ، وإذا أرضعتْ أَجْنَبِيَّةٌ وَلَدَكَ، فبنتها أختُ وَلَدِكَ، وليستْ بنتك ولا ربيبةً ولا تحرم أخت الأخ في النَّسَبِ، ولا في الرَّضَاعِ وصورته في النَّسَبِ أن يكون لك أخٌ لأب وأختٌ لأمٍّ، فيجوز لأخَيك منْ الأبِ نكَاحُ أختِكَ من الأم، وهي أختُ أخيه، ومن الرَّضَاع امرأةٌ أرضعْتكَ وأرضعَتْ صَغَيرةً أَجْنَبِيَّة مِنْكَ، يجوز لأخيك نِكَاحُهَا، وهي أختك من الَرَّضَاع والصُّوَرُ الأَرْبَعُ مستثناةٌ من قولنَا "إنَّهُ يَحْرُمُ منْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ 1 ثُمَّ الفَصْلُ
مَخْتُومٌ بِمَسْألةٍ تَجْرِي في المحارم بالنَّسَبِ والمصاهرة جَرَيَانَهَا في الرَّضَاعِ، وهي أنَّهُ إِذَا اختلَطَ محرمة باجنبيات، هَلْ لَهُ أن يَنْكِحَ واحِدَةً مِنْهُنَّ.
قَالَ الأَصْحَابُ: إن كان الاختلاطُ بعُذْرِ لا ينحصر، كنِسْوَة بَلَدٍ، أو قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ، فله نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَإلاَّ انحسم عليه بَابُ النِّكَاحِ، فإنه، وإن سَافَرَ إلى بَلْدَةٍ أُخْرَى، لم يؤْمَنْ مسافرتها إلَى تلك الْبَلَدَةِ أيْضاً، وهذا كما إذَا اختلط صَيْدُ مَمْلُوكٍ بِصُيُودٍ مبَاحَةٍ لا تنحصر، لا يَحْرُم الاصْطِيَادِ.
وقال الإِمَامُ: وَهَذَا ظَاهِرٌ، إِنْ عَمَّ الالْتِبَاسُ، فَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَهُ نِكَاحُ امْرَأَةٍ لا يتمارَى فيها، فيحتمل أن يُقَالَ: لا ينكح اللواتي يَرْتَابُ فِيهِنَّ، والظَّاهِرُ أنه لا حَجْر؛ ولو كان الاختلاطُ بنسوة معدُوداتٍ، فليجتنبهن؛ لأن بَابَ النِّكَاحِ لا ينحسم هاهنا، وأيضاً، فاحتمالُ أن تكون المحرمة هي التي نَكَحَهَا لا يَبْعُد هنا بعده فيما إذا كنَّ غير محصُوراتٍ، فلو خَالَفَ، ونَكَح إحْدَاهُنَّ.
قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: فيهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أنه يَصِحُّ النِّكَاحُ؛ لأن النِّكَاحَ قَدْ وُجِدَ ظَاهِراً، وسَبَبُ الْمَنْعَ في الْمَنْكُوحَةِ مَشْكُوكٌ فِيْهِ.
وَالأَصَحُّ: المنع تَغْلِيباً للتحريم، ولا مدْخلَ للتَّحَرِي في الباب على ما مرَّ في "الطَّهَارَاتِ".
قوله في الْكِتَاب "وإن كُنَّ مَحْصُورَاتِ الْعَدَدِ في العادة" فيه إِشَارَةٌ إلى ما ذكره الإِمَامُ أنَّا نَعْنِي بِعَدَمِ الانْحِصَارِ عُسْرَ عَدِّهِن على آحاد الناس، وإلاَّ، فَلَو أرَادَ وَالي بَلْدَةٍ كَبِيْرَةٍ أن يَعدَّ سُكَّانَهَا، منه وَقَالَ المُصَنِّفُ في "الإِحْيَاءِ": كُلُّ عَدَدٍ لو اجتمعوا منْ بَعِيدٍ وَاحِدٍ، يَعْسُرُ على النَّاظِرِ عدُّهم بمجرَّد النَّظَرِ، كَالألْف وَالألْفَينِ، فهو غَيْرُ مَحْصُورٍ، وإِنْ سَهُلَ؛ كَالْعَشَرَةِ وَالْعِشْرِينَ، فَهُوَ مَحْصُورٌ، وبين الطرفين أَوساطٌ يلحق بأحدهما بالظَّنِّ، ما وقع لك فيه الشكُّ فلتستفْتِ فيه الْقَلْبَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا المُصَاهَرَةُ) فَيَحْرُمُ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ النِّكَاحِ الصَّحيحِ أُمَّهَاتُ الزَّوْجَةِ مِنَ الرَّضَاعِ وَالنَّسَبَ وَزَوْجَةِ الابْنِ وَالحَفَدَةِ وَزَوْجَةُ الأَبِ وَالجَدِّ، وَيَحْرُمُ بَنَاتُ الزَّوْجَةِ بِالوَطْءِ لاَ بِمُجَرَّدِ النِّكَاحِ، وَالوَطْءُ بالشُّبْهَةِ يُحَرِّمِ الأَرْبَعَ دُونَ الزِّنَا، وَيكْفِي الاشْتِبَاهُ عَلَى الزَّوْجِ في وَجْهٍ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَالْعِدَّة بِالاشْتِبَاهِ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ المَهْرُ بِالاشْتِبَاهِ عَلَيْهَا، وَلاَ يَكُونُ اللَّمْسُ كَالْوَطْءِ في الْمُصَاهَرَةِ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ.
"
القول في المصاهرة
"
قال الرَّافِعِيُّ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ الْمُصَاهَرَة، وَيحرُمُ مِنْهَا عَلَى التَّأْييدِ أربعٌ:
إحداهن: أُمُّ الزَّوْجَةِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] وأم زوجتك منها كَأُمَّكَ مِنْكَ، وَقَد عَرَفْتَ تَفسِيرَ "الأُمِّ" ويستوي في التَّحْرِيمِ أُمَّهَاتُ النَّسَبِ والرَّضَاعِ.
والثانية: زَوْجَةَ الابْنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23] ويشمل التحريم حَلاَئِلَ الأَحفَادِ وإن سَفَلُوا، وسواءٌ كانوا من النَّسَبِ، أو مِنَ الرَّضَاع، والمقصود منَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: 23] بَيَانُ أنَّه لا يَحْرُمُ عَلَى الإِنْسَانِ زَوْجَةُ مَنْ تَبَنَّاهُ.
والثالثة: زَوْجَةُ الأَب، قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] وما في معنَاها زوجاتُ الأَجْدَادِ، وَإِنْ عَلَوْا من قِبَلِ الأُمَ وَالأَبِ جَمِيعاً، وَتَحْرُمُ زَوْجَةُ الأَبِ مِنَ الرَّضَاعِ أيضاً.
الرَّابِعَةُ: بنت الزَّوْجَةِ، وبنتُ زوجَتِكَ منها كبنتك منْكَ، وسواءٌ كُنَّ منْ النَّسَبِ أو من الرَّضَاعَ، وتحرم الثلاثُ الأُولَيَاتُ بمجرَّد النِّكَاحِ؛ بشرط أن يَكُونَ صَحِيحاً فَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاَسِدُ فَإنَّهُ لا يتعلَّق به الحُرْمَةُ؛ لأَنَّهُ لا يفيد الحل في الْمَنْكُوحَةِ والحرمة في غيرها فرع الحل فيها.
وَأَمَّا الرَّابِعَةُ: وهي بِنْتُ الزَّوجَةِ، فلا تَحْرُمُ بالنِّكَاحِ، وإنَّما تَحْرُمُ إذَا دخل 1 بالزَّوْجة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23] وذكر الحجور جرياً على الْغَالِبِ.
وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهِ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: "مَنْ نَكَحَ امْرَأَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أن يَدْخُلَ بِهَا، حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أمَّهَاتُهَا، وَلَمْ تُحَرَّمْ عَلَيهِ بِنْتُهَا" 1.
وَعَنِ مَالِكٍ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أَنَّ الربيبة إنما تَحْرُم إذا رُبِّيَت في حِجْرِهِ.
وَيَجُوزُ أنْ يُعْلَمَ قوله في الْكِتَابِ "ويحرم منها بمجرَّد النِّكَاح الصحيح أمَّهَاتُ الزَّوْجَةِ"؛ بالواو لأن الشَّيْخِ أَبا عَاصِمٍ الْعَبَّادِيَّ وابنه أَبَا الْحَسَنِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- رَوَيَا ذهاب أبي الحَسَن أحمد بن مُحَمَّدٍ الصَّابُونِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا إلى أَنَّ أُمَّ الزوجة لا تحرم إلاَّ بالدْخُولِ كالربيبة.
ولا يحرم على الرَّجُلِ بِنْتُ زوج الأُمِّ، ولا أُمُّهُ، ولا بِنْتُ زَوْجِ الْبِنْتِ، ولا أمُّه، وَلاَ أُمُ زَوْجَةِ الأَبِ ولا بنتُها وَلاَ أُمُّ زَوْجَةِ الابْنِ، ولا بِنْتُهَا لأولا زَوْجَةُ الرَّبِيبِ، ولا زَوْجَةُ الرَّابِّ.
ثم فيه مَسَائِلُ:
المَسْأَلَةُ الأُولَى: [تجرد ملك اليمين لا يثبت نسباً منْ هذه المحرمات لكن الوطء] 2 يثبتها حَتَّى تَحْرُمَ الْمَؤْطُوءَةُ عَلَى ابْنِ الْوَاطِئِ وأبيه، وَتُحْرَمَ عَلَيْهِ أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ وبنتها، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأنَّ الوطء في مِلْكِ اليَمِينِ نَازِلٌ مَنزِلَةَ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَلِهَذَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ وطء الأختين في المِلْك، كما يَحْرُمُ الْجَمْعُ في النِّكَاح، وَلاَ يَحْرُمُ الْجَمْعُ في مِلْكِ الْيَمِينِ والوطء بِشُبْهَة، والنِّكَاحُ الفَاسِدُ والشراء الْفَاسِدُ ووَطء الْجَارِيَةِ المشتركةَ، ووطء جارية الابن يثبتُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ، كما يُثْبِتُ النَّسَبَ، ويوجب العدَّةَ، وفي "شَرْح الفُرُوعِ وغيره قَوْلٌ ضعِيفٌ أنَّ الوطء بالشُّبْهَةِ لاَ يُثْبتُ حُرْمَةَ الْمُصَاهرَةِ؛ كالزِّنَا، وَالْمَذْهَبُ الأَوَّلُ، وذلك إذا شملت الشبهةُ الواطِئَ والمَوطوءة، وَأمَّا إذَا اخْتَصَّتِ الشُّبْهَةُ بِأحَدِهِمَا، والآخَرُ زانٍ، بأن أَتَى الرَّجُلُ فِرَاشٍ غَيْرِ زَوْجَته غَلَطاً فَوَطِئَهَا، وَهِيَ عَالِمَةٌ،
وَأتَتْ غَيْرَ زَوْجِهَا غَالِطَةً، وَهُوَ عَالِمٌ، أَوْ كَانَتْ هي جاهلةً أو نَائِمَةً أو مُكْرَهَةً، وَهُوَ عَالِمٌ، أو مَكَّنَتِ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ مَجْنُوناً أو مُرَاهِقاً، فَوَجْهَانِ:
أَصَحُّهمَا: أن الاعْتِبَارَ بِالرَّجُلِ، حَتَّى تَثبُتَ حُرْمَةِ المُصَاهَرَةِ، إِذَا اشْتَبَهَ الْحَالُ عَلَيْهِ، كَمَا يَثبُتُ النَّسَبُ وتجب العِدَّةِ ولا يثبت، إِذَا لَم يَشْتَبِه عَلَيْهِ، كَمَا لا يثبت النَّسَبُ والْعِدَّةُ.
والثَّانى: أَنَّ الشُّبْهَةَ في أيهِمَا كَانَتْ تُثْبِتُ حُرْمَةَ المُصَاهَرَةِ، عَلَى هَذَا فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّها تختصُّ بمَنِ اختصَّتُ به الشُّبْهَةُ، حَتَّى لَوْ كَانَ الاشْتِبَاهُ عَلَيْهِ يُحَرِّمُ عَلَيْهِ أمَّهَا وابنتها وبنْتَهَا، ولا تحرم [هي على أبيه وابنه] 1 ولو كان الاشتباه عليها، حُرِّمَتْ على أبيه وابنه، ولا تَحْرُمُ عليه أُمُّهَا وابنتُها.
والثاني: أنها تعمُّ الطرفين كالنَّسب ثم الوطء في النكاح، وملْك اليمين، كما يوجب الْحُرْمَةَ، يوجب الْمَحْرَمِيَّة، حَتَّى يَجُوزَ للواطِئِ المسافرةُ بأمِّ الْمَوْطُوءَةِ وابنتها، ولابنه وأبيه الخلوةُ بها والمُسَافَرَةُ بها، وفي وطءِ الشُّبْهَةِ وَجْهَانِ، وَيُقَالُ: قَوْلاَنِ:
أَحَدُهِمَا: أنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ؛ لأن الوطْءَ بالشُّبْهَةِ يثبت النسب، ويوجب الْعِدَّةَ، فكذلك المحرميةُ.
والثاني: الْمَنْعُ؛ لأنَّهُ لا يَجُوزُ له الخُلْوَةُ والمسافَرَةُ بالموطوءة، فبأمِّها وابنتها أولَى، وليس كالوطء في النِّكَاحِ وملك اليمين؛ لأنَّ أم الموطوءة وبنتها يدخلان عليها، ويشقُّ عليها الاحتجاب عن زوجها، ومثل هذه الحاجة مفقودةٌ هُنَا، والأصحُّ الأوَّلُ عند الإِمام، والثاني عِنْدَ عَامَّةِ الأصحاب، وحَكْوه عن نَصِّه في "الإِملاَءِ".
المسألةُ الثانيَةُ: الزِّنَا لا يُثْبتُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ، حَتَّى يجوز للزاني أن ينكح أمَّ المزنيِّ بها وينتها، وحتى يجوز لابنه وأبيه أن يَنْكِحَها؛ لأنَّ حرمة المصاهرة نعمةٌ من اللهِ تَعَالَى، فلا تثبت بالزنا، كما لا يثبت به النَّسَبُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ وَأَحمَدُ -رَحِمَهُمَا اللهُ- يثبتها، وَلَوْ تَلَوَّطَ بِغُلاَمٍ، لم يحُرُم على الفاعِلِ أمُهُ وابنتُهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ: خلافُهُ، ولو ملك جاريةً محرمةً عليه برضاعٍ أو مصاهرةٍ، فوطئها، فإن لم نوجبْ به الحدَّ، أثبتنا حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ، وإنْ أوجبناه، فهو كَالزِّنَا، واللهُ أعْلَمُ.
المسألة الثالثةُ: المُفَاخَذَةُ وَالتَّقْبِيلُ واللمس، هل هو كالوطء، حَتَّى يُثْبِتَ حِرمةَ المصاهرة عند الشبهة، وحتَّى يُحَرَّمَ الربيبةَ في النِّكاح؟.
فيه قولان:
أَحَدُهِمَا: وبه قَالَ أبو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَمَالِكٌ: نعم؛ لأنه تلَذُّذ بمباشرة فأشْبَهَ الوطء، ولأنه استمتاعٌ يوجبُ الْفِدْيَةَ على المُحْرِم؛ فكان كالوطء، وهذا أَصَحُّ عند صاحب "التَّهْذِيبِ" واختاره القاضي الرُّويَانِيُّ.
والثاني: لاَ، وبه قَالَ أَحْمَدُ؛ لأنه لا يوجِبُ العدَّة، فكذلك لا يثبت الحُرْمة، وأيضاً، فقد قَالَ تَعَالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] شرط الدخول في التحريم، وهذا أَصَحُّ عند الإِمام، وَيُحْكَى عن اختيار ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ وابْن القَطَّانِ وغيرهما، والقولان فيما إذا جَرَى ذلك بشَهْوَةٍ فأما اللَّمْسُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فإنه لا أَثر له في التحريم نَصَّ علَيْه المُعْظم.
قَالَ الإِمَامُ: ومنْهم منْ أرسل ذِكْرَ الْمُلُاَمَسَةِ، ولم يقيَّده بالشَّهوة، فيجوز أن يُقَالَ: يكفي صورة الملامسة، كما يَكْفِي في نقض الطَّهَارَةِ، والنَّظَرُ بالشهوة لا يقتضي حرمة المصاهرة، ومنهم مَنْ حَكى فيه قولاً آخَرَ ضعيفاً، ثم خصَّصه بَعْضُهُم بالنظر إلى الْفَرْجِ، وهو مَذْهَبُ أَبِي حَنْيِفَةَ، ومنهم منْ لم يفرِّقْ بين الْفَرْجِ وَغَيْرِهِ.
ويثبت المصاهرةَ إذا اسْتَدْخَلَتِ الْمَرْأَةُ ماء زَوْجِها، أو ماءَ أجْنَبيٍّ بالشُّبْهة 1، كما يثبت النَّسَب، وتجب العدة، ولكن لا يَحْصُل به الإِحْصَانُ والتحْلِيل، وفي تقرير الْمَهْرِ ووجوبه للمفوِّضة وثبوت الرجْعة ووجوب الْغُسْلِ ووجوب الْمَهْر في صورة الشُّبْهَةِ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهِمَا: المنع 2، وإن أنزل الأجنبيُّ بزناً، لم يثبت النسب باستدخال مائه، ولا حرمَةُ المصاهرة، وإن أنزل الزوْج بالزِّنَا حَكَى صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" أنه لا يثبت النسب، وَلاَ حُرْمَةُ المصاهرة، ولا تجب العدَّةُ، وقال من عند نفسه: وجب أن تثبت هذه الأحكام، كما لو وطئ زوجته عَلَى ظَنِّ أنه يَزْنِي، وَأعْلَمْ أَنَّ ما يُثْبِتُ التحريمَ المؤبَّدَ، إِذا طَرَأَ على النِّكَاح، قطَعَه، حتى لو نكح امرأةٌ، ثم وطِئَها أبُوه أوابنه بشُبْهَةٍ، أو وطئ
هو أمَّها وابنَتَها بشبهة، انفسخ نِكَاحُهَا.
وفي "المولَّدات" فرعان؛ يتعلَّقان بهذا الأَصْلِ:
الأول: نكح الرجل امرأةً، ونكح ابنُهُ بنْتَها، ووطئ كلُّ واحدٍ منهما زوجةَ الآخَرِ غالطاً، فينفسخ النِّكَاحَانِ؛ لأن زوجة الأب موطوءةُ ابنِهِ، وأمُّ موطوءته بالشُّبْهة، وزوجةَ الابْنِ موطوءةُ أبِيه، وبنتُ موطوَءتِهِ بالشبهة، وهذا جَوَابٌ على الصَّحيح في أنَّ الوطء بِالشُّبْهَةِ في الملك، وَيجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ منْهما مَهْرُ الْمِثْلِ للَّتِي وَطِئَها بالشبهة، ثُمَّ لا يخلو، إما أن يترتب الوطآن أو يقعا معاً، إنْ ترتَّبا، نُظِرَ، إن سبق وطء الأب، فعليه لزوجته نصْف المسمَّى؛ لأنَّه الذي رفَعَ نكاحَهَا، فهُو كَما لو طلَّقها قبل الدخول، وهلْ يجب عَلَى الابن لزوجته شيْء؟.
قال ابنُ الْحدَّادِ: لا؛ لأن نكاحها لم يرتفعْ بسببِ منْ جهته، وَإِنَّما ارتفع بوَطْءِ الأَبِ السَّابقِ.
وقال آخرون من الأصحاب يجب عليه نِصْفُ ما سَمَّى لَهَا؛ لأنه إن لم يكُنْ للزوج صُنْعٌ غير في النكاح، فلا صُنْعَ لها فيه أيضاً، فلا ينبغي أن يَسْقُطَ مهرها.
وتوسَّط الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، فقال: إنْ كانَتْ زوجةُ الابْنِ نائمةً أو مُكرَهَةً أو صَغِيرَةً لا تعْقِل، فلها نصْفُ المسمَّى على الزوج؛ لأن الانفساخ، والحالةُ هذه، غير منسوب إليها، فصارت كما لو كانت تحته صغيرةٌ وكبيرةٌ، فأرضعَتِ الكبيرةُ الصغيرةَ، ينفسخ نكاحها، والصغيرةِ نِصْفُ الْمُسَمَّى على الزَّوْج، وإن كانتْ زوجةُ الابنِ عاقلةً، وطاوعت الأب ظانَّة أنه زوْجُها، فلا مَهْرَ لَهَا، كَمَا لو اشترت الحرَّةُ زوْجَها قبل الدخول يَسْقُطُ مَهْرُهَا، وإذا أوجبنا على الابْن نِصْفَ الْمُسَمَّى، فيرجع على أبيه؛ لأنه فوَّت نكاحها عليه، وبم يرجع بمَهْرِ المثل أَو بنصفه أو بما غرم فِيْهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ؛ تُذْكَرُ في "الرَّضَاعِ" إن شاء الله -تَعَالَى-، وإن سبق وطء الابن، فعليه لزوجة نِصفُ المسمَّى، وَهَلْ يجِبُ عَلَى الأب لزوجته نِصْف الْمُسَمَّى؟.
فيه الاختلافُ السابقُ، فإن قلتا: نَعَمْ، فله الرجوع كما ذكرنا، وإن وقع الوطآن معاً، فعلى، كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ ما سمَّى لزوجته، وهل يرجع على الآخر بشيء؟.
عن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ عَنِ الْقَفَّالِ أن زوجة كُلِّ واحد منهما [حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بفِعْله وفعْل صاحبه، فيرجع كلٌّ منهما] 1 عَلَى صاحبه بنصْفِ ما كان يَرِجْعُ به، لو انفرد، ويهدر نصف كما في الاصطِدَام.
وقال الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ، لا يرجع واحدٌ منهما علَى الآخر؛ لأن النكاحَ ارتفَعَ بفعلهما جميعاً، فينسب الفراقُ إلى الزوج، كما لو اشترى
امرأته، أو خالعها، وليس كالاصطدام؛ لأن فعل كُلِّ واحد منهما، هاهنا لو انفرد، لحَرُمَت به زوجتُه وزوجةُ صاحبه، ولا يمكننا أن نقول في الاصطدام: لو انفرد كل واحد منهما بفعله، لحصل ذلك الأثَرُ.
الفرع الثاني: نكح امرأتَينِ في عَقْدٍ واحِدٍ، ثُمَّ بَانَ أنَّ إِحداهما أُمُّ الأخرى، فالنكاحان باطلان، ولا يجب المسمَّى، ولا شيء منه لواحدةٍ منهما، نعم، لو وطئها أو واحدةً منهما، وجب مهر المثل، ولو نكحهما فِي عقدَيْنِ، ووطئ إحداهما، ثم بَانَ أن إحداهما أُمّ الأُخْرَى، فينظر؛ أسبق نِكَاحُ الأُمِّ، أَمْ نِكَاحُ البِنْتِ، إن سبق نكاح الأمِّ، فإن كانت هي المَوْطُوءَةَ، فنكاحُهَا بحاله والأخرى ربيبةٌ محرمةٌ، وإنْ كانَتِ البنتُ هي الموطوَءةَ، فالنكاحَانِ باطِلاَنِ، أما نكاحُ البنتِ، فلأنَّهُ نكَحَها، وتحته أمها، وأما نكاح الأم؛ فلأنها أم مَوْطُوءَتِهِ بالشُّبْهَةِ، وله أن ينكح الْبِنْتَ مَتَى شَاءَ؛ لأنها ربيبة امرأة لم يدخُلْ بها، ويجب للبنت مَهْرُ الْمْثِلِ، وللأمِّ نصفُ المُسَمَّى؛ لأن النكاح ارتفع بصنع الزوج، وإن كان السَّابِقُ نِكَاحَ الْبِنْتِ، فإن كانتْ هي الموطوءةَ، فنكاحُها بحاله، والأمُّ مُحَرَّمَةٌ على التأبيد، وإن كانت الموطوءةُ الأمَّ، بَطَلَ النكاحان، وحُرِّمَنَا على التأبيد، أما الأمّ، فبنكاح البنت، وأما البنتُ فبوطء الأم بشُبْهَةِ النِّكَاح، ويجب للأمِّ مَهْرُ المثل، وللبنت نِصْف المسمَّى، وإن اشتبهت الموطوءةُ، وعرفت التي سَبَقَ نِكَاحُهَا، فنكاح الَّتَي سبق نكاحُها ثابتٌ؛ لأنه يحتمل أن تكون السابقةُ هي الموطوءةَ، ولا يؤثر الوطء في نكاحها، ويحتمل أن تكون الموطوءةُ الأخْرَى، فيفسد نكاح الأوَلى، وإذا وَقَعَ الشَّكُّ، فالأصل الاستمرارُ، وليس له نكاحُ الثانية؛ لأن الأُولَى، إن كانت بنتاً، فالثانيةُ أمُّ امرأته، فتَحْرُم على التأبيد، وإن كانَتْ أُمَّاً، فليس له نكاحُ البنْتِ، والأمُّ تحته، فإن كان ارتفع نكاحُ الأم بطلاقٍ أو غيره، لم يحلَّ له نكاحُ واحدةٍ منهما؛ لأن إِحداهما محرَّمةٌ على التأبيد، فأشبه ما إذا اختلطت أخته من الرضاع بامرأةٍ أخرَى لا ينكح واحدةً منهما، وإن اشتبه السابقُ منْ النكاحَيْن، وعرفت الموطؤةُ، فغَيْر الموطؤءةِ محرَّمة أبداً؛ لأنها أم الموطوءة بالشبهة أو بنت الموطوَءةِ، وأما الموطوءة، فإن كانت هي المنكوحة أولاً فَنِكَاحُها مستمرٌّ، وإن كانت المنكوحةُ أولاً الأخْرَى، فنكاحها غير منعقد، فيوقف أمرها، ويمنع منْ نكاح غيره، وإن طلبت الفسخ للاشتباه، فُسِخَ النكاح كما في تزويج الوليَّيْن، وإن اشتبه السابِقُ من النكاحَيْن، واشتبهت الموطوءةُ أيضاً، فيوقف عنهما؛ لاحتمال أنه سَبَقَ نكاحُ البِنْت، وقد دَخَل بالأمِّ، فيحرَّمان عليه، وليس له أن يَنْكِحَ وَاحِدَةً منْهُما؛ لأن إحداها محرّمةٌ عليه على التأبيد، وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بحالها، [لَكَانَ وَطِئْهِمَا] 1 جميعاً، بطَلَ نكاحهما ويُحَرَّمَان على التأبيد، ثم إن وطئ أولاً الَّتي نكَحَها
أولاً، فللأولَى، مهرها المسمَّى، وللثانية مَهْرُ المِثل، وإن وطئ أولاً التي نكَحَها آخراً، فلها مَهْرُ مثلها؛ لأنَّه لم ينعقد نِكَاحُهَا وللمنكوحةِ أولاً نصْفُ مهرها المسمَّى وجميع مهْرِ المثل، أما نصْفُ المسمَّى، فلارتفاع نكاحها بسبب من جهة الزَّوْج، وهو وَطْءُ المنكوحة آخراً، وأما جميع مهْرِ المثل؛ فلأنه وَطِئَها بعد ارتفاع النِّكَاح وطءَ شبهة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): مَا لاَ يُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَيَّدَةً وَيَتَعَلَّقُ بِعَدَدٍ وَهِيَ ثَلاَثَةٌ: (الأَوَّلُ): نِكَاحُ الأُخْتِ عَلَى الأُخْتِ لاَ يَجُوزُ مَا لَمْ يُطَلِّق الأُولَى طَلاَقاً بَائِناً وَلاَ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَلاَ بَيْنَ امْرَأَتيْنِ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ أَوْ رَضَاعْ لَوْ كَانَ أَحَدُهَمَا ذَكَرَاً حَرُمَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ المَرْأَةَ وَأُمَّ زَوُجِهَا أَوْ بِنْتَ زَوْجِهَا وَإِنْ كَانَ لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهِمَا ذَكَراً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تكلَّمنا في المحْرَمِيَّة المقتضية للتحْرِيم المؤبَّد، وأمَّا ما يقتضي التحريم لا بصفة التأبيد، فَمِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بعددٍ، ومنه ما يتعلَّق بصفةٍ؛ كالرِّقِّ والكُفْر، والَّذِي يتعلَّق بالعدد ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:
الأول: الجمع بين الأختين من النَّسَب أو الرَّضَاع سواءٌ كانتا أختين من الأبوين أو من أَحَدِ الأبوين، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] فلو نكح أختين معاً، فالنكاحان باطلان، وإن نكحهما على الترتيب، فنكاح الثَّانِيَة باطلٌ، فَإِنْ وطئها جاهلاً بالحكم، فلها مَهْرُ الْمِثْل، وعليها العدة، ويجوز أن يَطَأ الأُولَى والثانية في العدة، لكن الأَوْلَى ألاَّ يفعل، رُوِيَ أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:"منْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ، فَلاَ يَجْمَعَنَّ مَاءَهُ في رَحِمِ أُخْتَيْنِ" 1.
وَإِذَا طَلَّقَ الأُولَى طَلاَقاً بَائِناً، فَلَهُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ؛ لأَنَّهَا بَائِنٌ مِنْهُ فَجَازَ له العقْدُ على أختها، كما لو طلَّقها قبل الدخول.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ وَأحْمَدُ -رحمهما الله- تعالى: لا يجوز له نكاح أُخْتِها ما دامَتْ هي في العدة، وكذا لو وطئَ امْرَأَةً بالشُّبْهَةِ، فما دامت في العِدَّةِ لا يجوز التزويج بأختها عِنْد أَبِي حَنِيْفَةَ، ولو كان الطَّلاَقُ رَجْعِيَّاً، لم يجز نكاح أختها ما لم تنقض عدتها؛ لأن الرَّجْعِيَّةَ في حكم المنكوحات، ألا تَرَى أنه يجري التوارث بينهما، ويلزمها
عدة الوفاة إذا مات عنها ويصح، إيلاؤه عنهما، والظهارُ منها.
لو ادَّعى الزَّوجُ أنَّها أخبرته بانقضاء العدة، والوقتُ محتمل وَأَنَكَرَتِ المرأة، وقالت: لم تنقضِ عدتي بعد، فله نِكَاحُ أختها؛ لزعمه انقضاء عدتها، ولو طلَّقها، لا يقع الطَّلاَقُ، ولو وطئها يجب الحد.
وعن الْحليميِّ وَالْقَفَّالِ: أنه ليس له نكاح أختها؛ لأن القول قولها في بقاء العدة، وعلى هذا، فلو طلقها يقع، ولو وطئها، لا يحدُّ، والأول أظهر، وهو المحكيُّ عن نَصِّهِ في "الإِملاء" وتجب النفقة لا محالة، ولا يقبل قوله في سُقُوطِ حَقِّهَا؛ ولو طلق زوجته الرقيقة طلاقاً رجعياً، ثم اشتراها، فَلَهُ نِكَاحُ أختها في الحال، وكذا لو اشتراها قبل الطلاق؛ لأن ذلك الفراش قد انقطع، وكما يحرم الجَمْعُ بين الأختين، يَحْرُم الجمع بين المرأة وبنت أخيها وبنات أولاد أختها، وكذلك بَيْنَ المرأة وبنت أخيها وبنات أولاد أختها، سواءٌ كانَتِ العمومةِ والخُئُولَة من النسب أو الرضاع.
وَرُوِيَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلاَ الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيْهَا، وَلاَ الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، وَلاَ الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا، وَلاَ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى" 1 وأراد الكُبْرَى والصغرى في الدرجة، لا في السن، والصغرى بنت الأخ وبنت الأخت، والكبرى العمة والخالة، وضبط تحريم الجمع بعبارات:
إحداها: وهي المذكورة في الكتاب: "يحرم الجمع بين كلِّ امرأتين بينهما قَرَابَةٌ أو رَضَاعٌ، لو كانت إحداهما ذكراً، لَحَرُمَتِ المناكحة بينهما".
والثانية: تحريم الجَمْع بين كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاعٌ يقتضي المحرمية.
والثالثة: يحرم الجمع بين كُلِّ امرأتين بينهما وصلةُ قرابةٍ أو رضاعٍ، لو كانت تلك الوصلة بينك وبين امرأة، لَحَرُمَتُ عليك، وقصَدُوا بقيد القرابة والرضاعِ الاحترازَ عن الجَمْع بين المرأة وأم زوجها وبنت زوجها وإن شئت قُلت: بين الْمَرْأَةِ وزوجة ابنها، وعن الجمع بين المرأة وبنت زوجها، وإن شئت قلت: بين المرأة وزوجة أبيها، فإنَّ هذا الجمع غير مُحرَّم، وإن كانت يَحْرُم النكاح بينهما، لو كانت إِحداهما ذكراً؛ لأنا لو قدَّرنا أم الزوج ذكراً، حَرْمَتُ عليه زوجة الابن، ولو قدرنا بنت الزوج ذكراً حرمت عليه زوجة الأب، لكن ليس بينهما قرابةً، ولا رضاع، وإنما ذلك التحريم بِسَبب الْمُصَاهَرَةِ، والمعنى أن سبب تحريم الجمع ما فيه من قطيعة الرحم المُوحِشَة، والمنافسَة القوية بين الضرتين رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَنَّهَ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ إِذَا فَعْلْتُمْ ذَلِكَ قَطَّعْتُمْ أَرْحَامَهُنَّ" 1 والرَّضاع في معنى القرابة؛ لأنه يُثْبت اللحم وُينْشِزُ العظم، وأما المصاهرةُ، فليس فيها رحم، حَتَّى يُفَوَضَ قطعه، وقد يستغنَى عن قيد القرابة والرضاع؛ بأن يقال: يحرم الجمع بين كل امرأتين أيهما قدرت ذَكَراً حرمت الأخرَى عليه، فتخرج الصورتان المذكورتان؛ لأن أيَّتَهُمَا قدرت ذكراً لا تحرم عليه الأخرَى؛ لأن أم الزوج، وإِن كان تحرم عليها زوجة الابن لكن زوجة الابن لو قدرت ذَكَراً لا تحرمِ عَلَيْهِ الأُخْرَى، بل تكون أَجْنَبِيَّةً عنه، وَيجُوزُ الجَمْعُ بِيْنَ بِنْتِ الرَّجُلِ وَرَبِيْبَتِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْأةِ وَرَبيْبَةِ زَوْجِهَا مِنْ امْرَأَةٍ أُخْرَى، وبين أخت الرَّجُلِ من أبيه وأخته من أمِّهِ؛ لأنه لا يحرم المنَاكحة بتقدير ذكورة إحداهما، ويحرم الجمعِ بين الأمِّ وابنتها قضيِّةً للضابط المذكور، حَتَّى لو نكحهما مَعاً، بَطَلَ النِّكَاحَانِ، ولو نَكَحَهُمَا في عقْدَيْن فالثاني باطل، ثُمَّ لَوْ كَانَتِ الثَّانِيَّةُ البنْتَ، ولم يدخلْ بالأم، جاز أن يعقد على الثَّانِيَّةِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَو اشْتَرَى أُخْتَيْنِ فَوَطِئَ إِحْدَاهُمَا حَرُمَتِ الأُخْرَى حَتَّى يُحْرِّمَ المَوْطُوءَةَ عَلَى نَفْسِهِ بِبَيْعٍ أَوْ تَزْوِيجٍ (ح) أَوْ عِتْقٍ أَوْ كِتَابَةٍ (ح)، وَلاَ يَكْفِي طَرَيَانُ تَحْرِيمِ الحَيْضِ وَالعِدَّةِ والإحْرَامِ، وَهَل يَكْفِي الرَّهْنُ وَالبَيْعُ بِشَرْطِ الخِيَارِ؟ فِيهِ خَلاَفٌ، وَلَوْ وَطئَ أَمَةً وَنكَحَ أُخْتَهَا صَحَّ النِّكَاحُ وَحُرِّمَتِ المَوْطُوءَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كُلُّ امرأتين لا يَجُوزُ الْجَمْعُ بينهما في النِّكَاح؛ لا يجوز الجمع بينهما في الوطء بملك اليمين، ولكن يَجُوزُ الْجَمْعُ بينهما في نفس الملك، أمَّا أنه لا يَجُوزُ الْجَمْعُ في الوطء فَلَمَا رُوِيَ أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَلْعُونٌ مَنْ جَمَعَ مَاءَهُ في رَحِم أُخْتَيْنِ" وَيُرْوَى: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ، فَلاَ يَجْمَعُ مَاءَهُ في رَحِم أُخْتَيْنِ" 1 وأيضاً فإن الوطء في ملك اليمين بمثابة النكاح في حرمة المصاهرة، وكذَلك هاهنا أيضاً، فإنها بالوطء، تصير فراشاً له، فيمتنع استفراش الأخرى، كما أنه إذا صارت إحداهما فراشاً بالنكاح، امتنع نكاح الأخرى، وأما أنَّه يجوز الجمع في المِلْك، فَلأنَّ الملك قد يقصد به غير الوطء ولهذا يجوز أن تملك من لا تحل له، كالأخت من النَّسَبِ، وَالرَّضَاعِ والنِّكَاح، وإنما يقصد به الوطء ولهذا لا يجوز أنْ يَنْكِحَ من لا تحل له، وإذا لم يتعيَّن الملكَ للوطء لم يُفْضِ الجمع فيه إلى التباغض والتقاطع، وإذا تقرر ذلك، ففي الفصل مسألتان:
[المسألة الأولى] 2: لو اشْتَرَى أختين، أو امرأةً وعمتها، أو خالتها معاً، أو على التعاقب، صح الشراء وله وطءُ أيتهما شاء، وإذا وطئ إحْدَاهُمَا، حُرِّمَ عليه وطء الأخرى، لكن لا يجب به الحدُّ لقيام الملك وكونه بسبيل من استباحتها بخلافٍ ما لو وطئ أَمَتهُ الَّتِي هي أخته من الرضاع؛ حَيْثُ يجب الحدُّ على أحد القولَيْن؛ لأنه لا سبيل إلى استباحتها بحال، ثم الثانية تبقى حراماً كما كانت، والأولَى حَلاَلاً كما كانت، ولا يحرِّم الحرامُ الحَلاَلَ، لكن يُسْتَحبُّ ألاّ يطأ الأُولَى، حَتَّى تستبرئ الثانية.
وعن أبي مَنْصُورِ بنِ مِهْرَانَ إسناد الأوْدَنِي، أنه إذا أحْبَلَ الثَّانِيَّةَ، حلَّت وحرُمَتِ الموطوءة، ولا تزال غير الموطوءة محرَّمة عليه، حتى تحرم الموطوءة على نفسه، أما إزالة الملك ببيع كلها أو بعضها، أو بالهبة، أو مع الإقباض، أو بالعتق، أو بإزالة الحل بالتزويج، أو بالكتابة، وَعَنْ أَبِي حَنِيْفَة -رَحِمَهُ اللهُ- أنه لا يكفي التزويج والكتابة، ولا يكفي عروض الحيْضِ والإِحرام والعدة عن وطء شبهة؛ لأن هذه الأسبابَ عارضةٌ، ولم يَزُلِ المِلْكُ ولا الاستحقاق، وكذا عروض الردة لا يفيد حِلَّ الأخرى، وفي الرَّهْنِ وَجْهَانِ:
أحدُهُما: أَنَّهُ يَكْفِي كَالْكِتَابَةِ والتَّزْوِيجِ.
وأصحُّهما: وبه أجاب في "الشَّامِلِ" المنْع؛ لأنه لا يفيد استقلالاً، كما لا يفيده الكتابة ولا حلاًّ، للغير كما يفيده التزويج، ولا يزيل الْحِلّ، ألا ترى أنه لو أذن فيه المرتهن، جاز مع بقاء الرَّهْن، وَلَوْ بَاعَ بشرط الْخِيَارِ، فحيث يجوز للبائع الوطء، لا يُحِلُّ به الثَّانِيَةَ، وحيث لا يجوز، فوجهان، قَالَ الإِمَامُ: الوجه عندي القطْعُ بحل الأخرى، لثبوت الملك للمشتري ونفوذ تصرفاته، ولا يكفي لِحِلَّ الأخرَى الاستبراء عن الأولى؛ لأنه لا يزيل الفراش.
وقد رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ -عليه السَّلاَمُ- أنه قال: "من وَطِئَ إحدى الأختين، فلا يَطَأَ الأخرَى، حَتَّى تخرج الموطوءة عن ملكه" وعن القاضي الحسَيْنِ -رحمه الله- أن القياس يقتضي الاكتفاءَ بالاستبراء لِحِلِّ الأخَرى؛ لأنه يدل على براءة الرحم، وذكر القاضي ابنُ كَجٍّ؛ أن القاضي أبا حَامِدٍ قال: غَلِطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فقال: إذا قَالَ حَرَّمْتهَا عَلَى نَفْسِي، حرمت عليه، وحلَّت الأخرَى، وإذا حرمها بالأسباب المعتدِّ بها، ثم عاد الحل، كما إذا باعها فرُدَّتْ عليه بعيب أو إقالَةٍ أو زَوَّجهَا، فطلَّقها الزوج أو كاتَبَها، ثم عجَزَتْ، لم يجز له أن يَطَأَهَا قبل أن يستبرئها لملكه الحادث، وإذَا استبرأها، فَإن لم يَطَأَ الثانية بعد تحريم الأولَى، فيطأ الآن أيتهما شاء، وان كان قد وطئها، لم يكن له أن يطأ التي عادت إليه، حَتّى يحرم الأخرَى على نفسه؛ لأن الثانية، والحالةُ هذه، كالأولَى في الحالة الأولَى.
فروع: الإثنان في المَوْضِع المكروه كالوطء في أن الأخرَى تحرم به، وفي اللمس والقبلة والنظَرِ بشهوة، مثل الخلاف المذكور في حُرْمَةِ المُصَاهَرَةِ، ولو ملك أختين، إحداهما مجوسيةٌ أو أخته من الرَّضاع، فوطئها بشبهةٍ، جاز له وطء الأخرَى؛ لأن الأولى محرمة، ولو ملك أُمَّاً وابنتها، ووطئ إحداهما حرمت الأخرَى على التَّأْبِيدِ، فَلَوْ وَطَئَ الأخْرَى بَعْدَهُ نُظِرَ؛ إن جهل التَّحْرِيمَ، حُرِّمَتِ الأولَى أيضاً على التَّأْبِيدِ، وإن كان عالماً، فهل عليه الحد لو وطئ الثانية قولان:
إن قلْنا: لا حُرِّمَت الأولى [أيضاً] 1 على التَّأْبِيدِ، وَإِلاَّ، فَلاَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذا ملك إحدى الأخْتَينِ، وطئها، أو لم يَطَأْهَا ثُمَّ نَكَحَ أختها أو عمتها أو خالتها صَحَّ النِّكَاحُ، وَحَلَّتِ الْمَنْكُوحَةُ، وحرمت المملوكة، واحتَجَّ له، بأنَّ الاسْتَفْرَاشَ وَالاسْتِبَاحَةَ في باب النِّكَاحِ أقوى؛ ألا ترى أنه يتعلق به الطَّلاَقُ، والظِّهَارُ، والإِيْلاَء واللّعَانُ، والميراثُ، وسائر الأحكام وإذا كان فراش النِّكَاحِ أَقْوَى، لَمْ يَنْدَفِعْ بالأضعف، وكذا لو كانت في نكاحه إحدْى الأختين، فملَكَ الأخرَى، فالمنكوحةُ
حَلاَلٌ، كما كانت، والتي ملكها حَرَامٌ عليه؛ لأن الأقوى يدفع الأضْعَفَ، وعن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في إحدى الروايتين: أن النِّكَاحَ لا يَصِحّ، إذا تَقَدَّمَ الملك، وبه قَالَ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَ أَبُو حَنِيْفَةَ النِّكَاحَ، لكنه قال: لا تحل المنكوحةُ حتى تُحرَّم الموطوءة على نفسه، وليُعْلَمْ لذلك قوله في الكتاب "صَحَّ النِّكَاحُ" بالحاء والميم والألف.
فرع: إذا ارتدَّتِ المنكوحةُ بعد الدخول، لم يجز نكاح أختها، ولا أربعٌ سواها إلى أنْ تنقضي العدةُ كالرَّجْعِيَّة.
قال ابنُ الْحَدَّادِ: ولو قال لها، وقد ارتدت: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً، فله في الحال نكاح أختها، الحصول البينونة بكل حَالٍ وكذا الحكم، لو ارتدت، وخالعها في الردة.
ولو كانت تحته صغيرةٌ وكبيرةٌ مدخولٌ بها، فارتدَّتِ الكبيرةُ وأُرْضعت أمُّها في عدتها الصغيرةَ وقف نكاح الصغيرة، فإِن أصرَّت الكبيرةُ، وانقضت العدة، بقي نكاح الصغيرة بحاله، وإن رجَعَتْ إلى الإِسلام، بطَلَ نكاح الصغيرة؛ لأنها صارت أختاً للكبيرة، واجتمعت معها في النكاح وفي بطلان نكاح الكبيرة قولان؛ يأتي ذكرهما في نظير المسألة في "باب الرَّضَاعِ":
أظهرهما: عند الشَّيخ أبي عليٍّ: أنه لا يبْطُل، بل هوكما لو نكح أختاً على أختٍ، لا يبطل نكاح الأُولَى، وكذلك الحكم لو كانت المرضعة أختاً للكبيرة، لاجتماعها مع الخالة في النِّكَاح، وعلى الزوج للصغيرةِ نصف الْمُسَمَّى، وللكبيرة تمامُهُ، ويرجع الزوْجُ على المرضعة بنصف مَهْرٍ مثل الصغيرة على أظَهْرِ الأَقْوَالِ، وتمامه على الآخر، وبِجَمِيعِ مهر مثل الكبيرة على أظهر القَوْلين، إذا قلنا ببطلان نكاحها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ الزِّيَادَة عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَتَحِلُّ الخَامِسَةُ بِطَلاَقٍ بِائنِ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الأَرْبَع دُونَ الرَّجْعِيِّ، وَالعَبْدُ لاَ يَزِيدُّ (م) عَلَى اثْنَتَيْنِ، وَلَوْ نَكَحَ الحُرُّ خَمْساً في عَقْدَةٍ وَفِيهِنَّ أخْتَانِ بَطَلَ فِيهِمَا، وَفِي البَوَاقي قَوْلاً تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: النوع الثاني: الزيادة على أَرْبَع نِسْوَةٍ، فلا يجمع الحرُّ في النكاح بين أكثر من أربع نسوة، روي أن غَيْلاَنَ أسلم وتحته عَشْرُ نُسْوَةٍ، فقال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- "اخْتَر أَرْبَعاً وَفَارِقُ سَائِرَهُنَّ" 1، وأن نَوْفلَ بْنَ مُعَاوَيةَ أسْلَمَ وَتَحْتَهُ خَمْسُ نِسْوةٍ فَقَال: "أَمْسِكْ