شهر أو سنة أو مجهولة بأن نكحها إلى قدوم زيد 1، لما رُوِيَ عن علي -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسَلَّمَ- نهى عام خَيْبَرٍ عن نِّكَاحِ الْمُتْعَةِ 2 -ونكاح
المتعة 1 هو المؤقت- سمي به؛ لأن العِوَضَ منه مُجَرَّدُ التَّمَتُّعِ دون التوالد، وسائر = عام واحد، الخامس: غزوة تبوك رواه الحازمي من طريق عباد بن كثير عن ابن عقيل عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله إلى غزوة تبوك حتى إذا كنا عند الثنية مما يلي الشام، جاءتنا نسوة تمتعنا بهن يطفن برجالنا فسألنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنهن وأخبرناه فغضب وقام فينا خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ونهى عن المتعة، فترادعنا يومئذٍ ولم نعد، ولا نعود فيها أبداً.
فبها سميت يومئذٍ ثنية الوداع، وهذا إسناد ضعيف، لكن عند ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ما يشهد له، وأخرجه البيهقي من الطريق المذكورة بلفظ: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك فنزلنا ثنية الوداع.
فذكره، ويمكن أن يحمل على أن من فعل ذلك لم يبلغه النهي الذي وقع يوم الفتح، ولأجل ذلك غضب -صلى الله عليه وسلم-، السادس: حجة الوداع رواه أبو داود من طريق الربيع بن سبرة قال: أشهد على أبي أنه حدث أن رسول الله نهى عنها في حجة الوداع، ويجاب، عنه بجوابين، أحدهما، أن المراد بذكر ذلك في حجة الوداع إشاعة النهي والتحريم لكثرة من حضرها من الخلائق، والثاني احتمال أن يكون انتقل ذهن أحد رواته من فتح مكة إلى حجة الوداع؛ لأن أكثر الرواة عن سبرة أن ذلك كان في الفتح، والله أعلم.
......................... = فتكون من الأنكحة الصحيحة.
فذهب الجمهور إلى القول بتحريمها، وانها من الأنكحة الفاسدة التي تفسخ مطلقاً قبل الدخول وبعده، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
وذهب الإِمامية من الشيعة إلى القول بإباحة نكاح المتعة إلى يوم القيامة، بل منهم من تغالى في ذلك وقال إنها قربة، وعليه فالخلاف في المتعة بين الجمهور والإمامية، ولما لم أجد كتاباً من كتب الإِمامية أثق به لأستطيع استيفاء الكلام على مذهبهم في المتعة رأيت أن أكتفي بما قاله شرف الدين الصنعاني، وهو من علماء الشيعة، فإنه بعد أن ذكر الحديث عن علي قال ما نصه، والحديث يدل على تحريم نكاح المتعة للنهي عنه، وهو النكاح المؤقت إلى أمد مجهول أو معلوم، وغايته إلى خمسة وأربعين يوماً، ويرتفع النكاح بانقضاء الوقت المذكور في التقطعة الحيض، والحائض بحيضتين، والتوفى عنها بأربعة أشهُرٍ وعشر ولا يثبت لها مهر ولا نفقة، ولا توارث، ولا عدة إلا الاستبراء بما ذكر، ولا نسب يثبت به إلا أن يشترط، وتحرم المصاهرة بسببه هكذا ذكره في بعض كتب الإِمامية وأنا أذكر دليل الإمامية والرد عليه.
استدل الإِمامية على القول بإباحة المتعة بالكتابة، والأئمة والعقول، والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فإنهم حملوا الاستمتاع في الآية على المتعة، وقالوا المراد بقوله تعاَلى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أجر المتعة، ومما يؤيد أن الآية في المتعة قراءة أبي وابن عباس "فما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهنَّ إِلَى أَجَلٍ" فهي صريحة في المتعة.
وأما الأثر: -فألا ما روي أن ابن عباس وإن يفتي بالمتعة، ووجه الدلالة من هذا أنهم قالوا لو لم تكن المتعة مباحة لما أفتى بها ابن عباس إذ لا يليق بمثله أن يفتي بها مع أنها محرمة.
وثانياً: -بما روي عن جابر -رضي الله عنه- قال تمتعنا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، ثم نهانا عمر، ووجه الدلالة من هذا أن جابراً -رضي الله عنه- أخبر أنهم استمتعوا في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي خلافة أبي بكر وفي صدر مَن خلافة عُمَرَ، وهذا يدل على أن المتعة مباحة، وإنما نهى عنها عمر من باب السياسة الشرعية.
وأما المعقول: -فقد قالوا إنها منفعة خالية من جهات القبح، ولا نعلم فيها ضرراً عاجلاً، ولا آجلاً، وكل ما هذا شأنه فهو مباح، فالمتعة مباحة.
وأما الإجماع: -فإنهم قالوا أجمع أهل البيت على إباحتها.
وتناقش هذه الأدلة: التي تمسك بها الإِمامية بما يأتي:-.
أما الآية فيقال لهم فيها أنها بمعزل عن الدلالة لكم، إذ هي محمولة على النكاح الدائم، وما يجب للمرأة من المهر كاملاً إذا استمتع بها الزوج، ويؤيد هذا أنها وردت في سياق الكلام على النكاح بالعقد المعروف بعد الكلام على أجناس يحرم التزوج بها، وتسمية المهر أجراً لا يدل على أنه أجر المتعة، فقد سمي المهر أجراً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن، وكقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن، وأما قراءة أُبَيّ وابن عباس، فهي شاذة، والقراءة الشاذة لا تعارض القطعي وهي الآية الدالة على التحريم، وهي قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مع أن الدليلين أن تساويا في القوة وتعارضا في الحل والحرمة قدم دليل الحرمة =
أغراض النِّكَاحِ، وكان ذلك جائزاً في ابتداءِ الإِسْلاَمِ ثم نُسِخَ.
وإذا وطئ في نِكَاحِ الْمُتعَةِ جاهلاً بفساده، فلا حَدَّ فإن كان عالماً فقد بني أمر الحد على ما رُوِيَ عن ابنَ عَبَّاسِ -رَضِيَ اللهُ عنه- أنه كان يجوّز نِكَاحَ الْمُتْعَةِ، ثم = منهما، ويقال لهم فيما روي عن ابن عباس أنه ثبت رجوعه عنه، وقد كان يفتي بها أولاً؛ لأنه فهم من نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها يوم خيبر، ثم إباحتها يوم الفتح ثم نهى عنها بعد ذلك، أن الإِباحة كانت للضرورة، والنهي عند ارتفاعها يؤيد ذلك ما رُوِيَ عن شعبة عن أبي جمرة قال: سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء، فرخص فيها، فقال له إنما كان ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة، فقال ابن عباس نعم فإنه يعلم من هذا أن ابن عباس كان يتأول في إباحة نكاح المتعة لمضطر إليه، ثم توقف بعد ذلك لما ثبت له النسخ.
ومما يؤيد رجوع ابن عباس ما أخرجه الترمذي، أن ابن عباس قال: أنما كانت المتعة في أول الإِسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه، حتى نزلت: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فقال ابن عباس، فكل فرج سواهما حرام.
وقد روى رجوعه أيضاً البيهقي وأبو عوانة في صحيحه، وروي عنه أنه قال عند موته: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إلَيْكَ" من قوله في المتعة والصدف.
وعليه فلا يصح الاحتجاج بفتوى ابن عباس، وقد رجع عنها.
ويقال لهم في أثر جابر أن قوله: "تمتعتا الخ.. " يحمل على أن من تمتع لم يبلغه النسخ، حتى نهى عنها عمر، أو يكون جابر -رضي الله عنه- قال ذلك لفعلهم في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم لم يبلغه النسخ، حتى نهى عنها عمر، فاعتقد أن الناس باقون على ذلك لعدم الناقل عنده، والقول بأن عمر هو الذي نهى عنها، وأن ذلك من قبيل السياسة الشرعية غير مسلم، فإن عمر إنما قصد الأخبار عن تحريم النبي -صلى الله عليه وسلم- ونهيه عنها إذ لا يجوز أن ينهي عما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أباحه، وبقي على إباحته: ومما يؤيد أن نهيه عنها ليس من قل السياسة الشرعية بل أنه نهى عنها لما علم نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- ما روي من طريق سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر قال: صعد عمر المنبر فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْكِحَانَ هَذِهِ الْمُتْعَةَ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا "لا أُوْتِي بِأَحَدٍ نَكَحَهَا إلاَّ رَحْمَتُهُ".
ويقال لهم في العقول لا نسلم أنها منفعة خالية من جهات القبح، ولا ضرر فيها في الآجل ولا في العاجل، بل الضرر متحقق فيها، فإن فيها امتهان المرأة، وضياع الأنساب، فإن مما لا شك فيه أن المرأة التي تنصب نفسها، ليستمتع بها كل من يريد تصبح محتقرة في أعين الناس، وأيضاً فهو معقول في مقابلة النص، وهو باطل.
ويقال لهم في الإجماع أولاً: أن إجماع أهل البيت على فرض إجماعهم ليس بحجة، فما بالك والإِجماع لم يصح عنهم.
فهذا زيد بن علي، وهو من أعلمهم يوافق الجمهور، ثم إن الإِمام علياً -رضي الله عنه- وهو رأس الأئمة عندهم يقول بتحريمها، فقد روي عن طريق جويرية عن مالك ابن أنس عن الزهري أن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، والحسن بن محمد حدثاه عن أبيهما أنه سمع علياً بن أبي طالب يقول لابن عباس إنك رجل تائه، أي حائل أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن المتعة.
رَجَعَ 1 عنه فإن صَحَّ رُجُوعُهُ وجب الحد لحصول الإِجماع، وإن لَمْ يَصِح رجوعه،
فيبنى على أنه لو اختلف أهل عَصْرٍ في مَسْأَلَةٍ، ثم اتفق من بعدهم على أحد القولين فيها هل يصير ذلك مجمعاً عليه -وفيه وَجْهَانِ أصوليان:
إن قلنا: نعم وجب الْحَدُّ، وِإلاَّ فلا، كالوطئ في سائر الأَنْكِحَةِ المختلف فيها، وهو الأصَحُّ ولك أن تقول: نقلوا في المسألة عن زفر أنه يلغو التَّأْقِيتَ وَيصِحُّ النِّكَاحُ مؤبداً فليسقط الْحَدُّ لذلك وإِنْ صَحَّ رجوع ابن عَبَّاسِ -رضي الله عنهما- وحيث لا يجب الْحَدُّ يجب الْمَهْرُ والعدة ويثبت النَّسَبُ.
= ومعاوية وعمرو بن حريث وأبو سعيد وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف، قال: ورواه جابر عن الصحابة مدة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومدة أبي بكر ومدة عمر إلى قرب آخر خلافته، قال: وروي عن عمر أنه إنما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان فقط، وقال به من التابعين طاوس وعطاء وسعيد ابن جبير وسائر فقهاء مكة، قال: وقد تقصينا الآثار بذلك في كتاب الإِيصال، انتهى كلامه، فأما ما ذكره عن أسماء فأخرجه النسائي من طريق مسلم القري قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر فسألناها عن متعة النساء، فقالت: فعلناها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأما جابر ففي مسلم من طريق أبي نضرة عنه: فعلناها مع رسول الله، ثم نهانا عنها عمر، فلم نعد لها، وأما ابن مسعود ففي الصحيحين عنه قال: رخص لنا رسول الله أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء ثم قرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وأما ابن عباس فقد تقدم، وأما معاوية فلم أرَ ذلك عنه إلى الآن، ثم وجدته في مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: أول من سمعت منه المتعة صفوان بن يعلي بن أمية، قال: أخبرني يعلى أن معاوية استمتع بامرأة في الطائف، فأنكرت ذلك عليه، فدخلنا على ابن عباس فذكرنا له ذلك فقال: نعم، وأما عمرو بن حريث فوقعت الإشارة إليه فيما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، سمعت جابر يقول: كنا نستمتع بالقبضة من الدقيق والتمر الأيام على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر حتى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث، وأما معبد وسلمة ابنا أمية: فذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة بإسناده أن سلمة بن أمية بن خلف استمتع بامرأة فبلغ ذلك عمر فتوعده على ذلك، وأما قصة أخيه معبد فلم أرها، وكذلك قصة عمرو بن حريث مشروحة، وأما رواية جابر عن الصحابة فلم أرها صريحاً، وإنما جاء عنه أنه قال: تمتعنا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر، وفي رواية: فلما كانا في آخر خلافة عمر، وفي رواية: تمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر، وكل ذلك في مسلم ومصنف عند الرزاق، ومن المشهورين بإباحتها ابن جريج فقيه مكة، ولهذا قال الأوزاعي فيما رواه الحاكم في علوم الحديث: يترك من قول أهل الحجاز خمس، فذكر فيها متعة النساء من قول أهل مكة، وإتيان النساء في أدبارهن من قول أهل المدينة ومع ذلك فقد روى أبو عوانة في صحيحه عن ابن جريج أنه قال لهم بالبصرة: اشهدوا أني قد رجعت عنها بعد أن حدثهم بئمانية عشر حديثاً أنها لا بأس بها.
قوله: روي أن امرأة كانت في ركب فجعلت أمرها إلى رجل فزوجها، فبلغ ذلك عمر، فجلد الناكح والمنكح، الشَّافعي والدارقطني [3/ 225] والبيهقي من طريق ابن جريج عن عبد الحميد عن عكرمة بن خالد به، وفيه انقطاع لأن عكرمة لم يُدرك ذلك.
ولو قال: نكحتها متعة، ولم يَزِدْ على هذا -حَكَى الحَنَّاطِيُّ في صحته وجهين- هذا شرط مَا أَوْرَدَهُ صاحب "الكتاب" في ركن الصيغة ويختمه بصور تعتبر: الموالاة بين الإيجاب والقَبُولِ على ما مَرَّ في "البيع"، ونقل القاضي أبو سعد الهَرَوِي: أنَّ العراقيين من أصحابنا اكتفوا بوقوع القَبُولِ في مَجلِس الإِيْجَاب، وقالوا حكم نهاية المجلس حكم بدايته، وإِذَا وجد أحد شقي العقد من أحدَ العاقدينَ فَلاَ بُدَّ من إصراره عليه، حَتَّى يوجد الشق الآخر، فلو رَجَعَ عَنْهُ لغى وكذا لو وجب ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ بجنون، أو إِغماء لغى، وامتنع الْقَبُولُ.
وكذا لو أذنت المرأة في تزويجها، حيث يعتبر إِذنُهَا، ثم أغمي عليها قبل العقد بَطَل إذْنُهَا.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي: المَحَلُّ) وَهِيَ الْمَرَأَةُ الخَلِيَّةُ عَنِ المَوَانِعِ مِثْلُ أن تَكُونَ مَنْكُوحَةَ الغَيْرِ أَوْ مُرْتَدَّةً، أَوْ مُعْتَدَّةً، أَوْ مَجُوسِيَّةً، أَوْ زِنْدِيقَةً، أَوْ كِتَابِيَّةً، بَعْدَ المَبْعَثِ، أَوْ رَقِيقَةً (ح) وَالنَّاكِحُ قَادِرٌ عَلَى حُرَّةٍ، أَوْ مَمْلُوكَة النَّاكِحِ بَعْضَهَا أَوْ كُلَّهَا، أَوْ مِنَ المَحَارِمِ أَوْ بَعْدَ الأَرْبَعَةِ، أَوْ تَحْتَهُ مَنْ لاَ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، أَوْ مْطَلَّقَةَ ثَلاَثاً لَمْ يَطَأْهَا زَوْجٌ آخَرُ أَوْ مُلاَعَنَةً، أَوْ مُحَرَّمَةً بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ ثَيِّباً صَغِيرَةً (ح)، أَوْ يَتِيمَةً (ح)، أَوْ زَوْجَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
"
القول في الركن الثاني من أركان النكاح
"
قال الرَّافِعِيُّ: يشترط في المنكوحة أن تكون خلية عن موانع النكاح، والكلام في الموانع مَبْسُوطٌ في مواضعه لا سِيَّمَا في الْقِسْم الثَّالِثِ مِنَ الْكِتَابِ الْمَعْقُودِ لِبَيَانِ الْمَوَانِع وهاهنا اقتصر على عد تراجمها وهي أن تكوَنَ منكوحة الْغَيْرِ، فالمنكوحة لا تنكح، وأن تكون في عدة الغير 1، وفي اللَّفْظِ تنبيه على أَنَّهَا لو كانت في عدته لم يحرم عليه نكاحها، وأن تكون مرتدة، أو زنديقة، أو كتابية دخلت في دينهم بعد مبعث رسولِ اللهِ -صَلى اللهُ عليه وَسَلَّمَ- أو بعدما بدلوا وَحَرَّفُوْا على أظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ.
وأن تكون رقيقة والنَّاكِحُ حُرَّاً قَادِراً على مهر حرة أو غير خَائِف من الْعَنَتِ.
وأن تكون بعضها أو جميعها مملوكاً للنَّاكِحِ، فالنكاح والملك لا يجتمعان.
وأن يكون مُحَرَّماً.
أو تكون خامسة، أو يكون في نكاحه أختها أو من لا يجمع بينها وبينها.
وأن تَكُونَ مُطَلَّقَةٌ ثلاثاً لم تحلل.
وأن تكون مُلاَعَنَةً.
وأن تكون مُحَرَّمَةً بحجة أو عمرة.
وأن تكون ثَيِّباً أو صغيرة.
وأن تكون يتيمة، وهي الَّتِي لا أب لها، ولا جد.
وأن تكون زوجة رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
واعلم أنَّ هذه الموانع منها ما يوجد في المرأة ويختص بها مثل كونها مَنْكُوحَةً أَوْ مُعْتَدَّةً، ومنها ما لا يختص بها مثل كونها محرماً، ومحرمة وخامسة فما كان من القسم الأول حَسُنَّ ذِكْرَهُ في هذا السياق واشتراط خلو المرأة عنها، وما كان من القسم الثَّاني، فلا اختصاص لهذا الرُّكْنِ بذكره؛ لأنه كما يشترط ألاَّ تكون المرأة محرماً ومحرمة يشترط في الزوج أيضاً ذلك، وكما يشترط فيها ألا تكون خامسة ألا يكون تحته أختها، يشترط في الزوج ألا يكون تَحْتَهُ أَرْبَعٌ ولا أختها ويجوز أن يعلم من الفصل مَوَاضِعَ نُبَيِّنُهَا عِنَّد الْبَسْطِ.
قاعدة: يشترط في كل واحد من الزوجين أن يكون معيَّناً فلو قال: زوَّجت منك إحدى ابنتي أو من أحداكما أو إحدى ابنتيك لم يصح، ولو كانت له بنت واحدة فقال: زوجتك بنتي صح، وإن لم يسميها 1.
ولو كانت حاضرة فقال: زوجتك هذه كَفَى وفي معناه ما إذا كانت في الدار فقال: زَوَّجْتُكَ الَّتِي في الدَّارِ وليس فيها غيرها 2.
ولو قال ولا بنت له إلاَّ واحدة: زَوَّجْتُكَ بنتي فُلانَةً وَسَمَّاهَا بغير اسْمِهَا ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح النِّكَاحُ؛ لأنه ليس له بنت بذلك الاسم.
وأصحهما: الصحة؛ لأن البنتية صفة لازمة مميزة فتعتبر ويلغى الاسم المذكور بعده، وصار كما لو أشار إليها، وَسَمَّاهَا بغير اسْمِهَا، فإنه يصح النِّكَاحُ وتلغو التسمية، ويشبه أن يمنع صاحب الوجه [الأولى] 1 هذه الصورة أيضاً؛ ألا ترى أنهم شبهوا الوجهين في المسألة بالوجهين فيما إذا قال: بِعْتُكَ [فَرَسِي] 2 هذا، وهو بغل هل يَصِحُّ؟ فأثبتوا الخلاف مع الإشارة، والظاهر الصحة في الصورتين، حَتَّى لو قال: زَوَّجْتُكَ هَذَا الْغُلاَمَ وأشار إلى ابْنَتِهِ.
حكى الْقَاضِيُ الرُّوَيانِيُّ في "التجربة" عن الأصحاب أنه يصح النِّكَاحُ تعويلاً على الإِشارة.
ولو قال: بعتك داري هذه وَحَدَّهَا وغلط في حدودها يصح الْبَيعُ بخلاف ما إذا قال: بعتك الدَّارَ التي في محلة كذا وَحَدَّهَا وغلط، لأنَّ التَّعْوِيْلَ هنا على الإِشارة.
ولو قال: بعتك داري ولم يقل هذه وحدها وغلط، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَارٌ سِوَاهَا، وَجَبَ أنْ يصح تفريعاً على أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، فيما إِذَا قال زَوَّجْتُكَ بنتي فُلانَةً، وَذَكَرَ غَيْرَ اسْمِهَا، ولو كان اسم بنته الواحدة فاطمة فقال: زَوَّجْتُكَ فَاطِمَةَ، ولم يقل بنتي، لم يصح النِّكَاحُ لكثرة الفواطم.
نَعَمْ لو نَوِيَاهَا صَحَّ، هكذا أجَابَ أصحابنا العراقيون وتابعهم صاحب "التَّهْذِيبِ" واعترض ابن الصَّبَّاغ بأن النِّكَاحَ عَقْدٌ يفتقر إلى الشهادة والشهود إنما يشهدون ويطلعون على اللَّفْظِ دون النِّيَةِ، وهذا متين ولهذا الأصل حكمنا بأنَّ النِّكَاحَ.
لا ينعقد بالْكِنَايَاتِ 3.
ولو كانت له بنتان فصاعداً، فلا بُدَّ من تمييز الْمَنكُوحَةِ بالتَّسْمِيَةِ، أو بالإِشارة بأن يقول بنتي هذه، أو بالوصف بأن يقول: بنتي الْكُبْرَى، أَو الْوُسْطَى وَهُنَّ ثَلاَثٌ.
قال المكتفون بالنِّيَةِ، أو بأن يَنْوِيَا واحدة بعينها، وإن لم يجر لَفْظٌ مُمَيَّزٌ.
ولو قال: بنتي الْكُبْرَى وَسَمَّاهَا باسم الصُّغْرَى صَحَّ النِّكَاحُ عَلَى الْكُبْرَى اعتماداً عَلَى الْوَصْفِ بالكبر، ويجيء على قِيَاسِ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ في الواحدة أن يبطل النِّكَاحُ،
ولو لم يتعرض للكبر والصِّغَرِ لكن قال: زَوَّجْتُكَ بنتي فلانةً، فذكر اسم الكبيرة مثلاً، وَقَصَدَ تَزْوِيجَ الصَّغِيْرَةَ أو بالعكس، وَقَصَدَ الزَّوْجُ الَّتِي قَصَدَهَا الْوَلِيُّ صَح النِّكَاحُ عَلَى الَّتِي قصداها.
ولغت التسمية وفي الاعتماد على النِّيَةِ الإِشْكَالُ الَّذِي سَبَقَ.
ولو قال الزَّوجُ قصدت الكبيرة فالنِّكَاحُ في الظاهر منعقد عليها وإن صدق الوليُّ على أنه قصد الصَّغِيْرَةَ لم يصح النِّكَاحُ؛ لأنه قبل غير ما أوجب؛ كذلك ذكره العراقيون، وصاحب "التَّهْذِيْبِ" المعتبرون للنيَّةِ، وهذا يخالف الجوابَ المنقول في فَرْعٍ آخَرَ وهو أنَّ زيداً خَطَبَ إلى قَوْمٍ وعمراً إلى آخرين ثم جاء زَيْدٌ إلى الآخرين وعمر إلى الأولين وزوج كل فريق من جاءه.
فعن أبي الحسين بن القطَّان أنه وقع في زمان أبي السَّائِب ببغداد فأفتى الفُقَهَاءُ فيها بِصِحَّةِ النِّكَاحَينِ، وَمَعْلُومَ أنَّ كُلَّ وَلِيٍّ أَوْجَبَ لغير من قَبِل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ): الشُّهُودُ فلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إِلاَّ بِحَضْرَةِ عَدْلَيْنِ (م) مُسْلِمَيْنِ (ح) حُرَّيْنِ بَالِغَينِ سَمِيعَيْنِ بَصِيرَيْنِ ذَكَرَيْنِ (ح) مَقْبُولَي الشَّهَادَةِ لِلزَّوْجَيْنِ وَعَلَيْهِمَا، لَيْسَا بِعَدُوَّيْنِ وَلاَ ابْنَيْنِ وَلاَ أَبوَيْنِ لَهُمَا، وَيُكْفَى حُضُورُ مَسْتُورَي العَدَالَةِ دُونَ مَسْتُورَي الرِّقِّ، فَإِنْ بَانَ كَوْنُهُ فَاسِقاً عِنْدَ العَقْدِ تَبَيَّنَ البُطْلاَنُ عَلَى قَوْلٍ، وَإِنَّمَا يُتَبَيَّنُ بِحُجَّةِ، أَوْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ فَاسِقٌ لاَ باعْتِرَافِ المَسْتُورِ، فَإِذَا عَرَفَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِسْقَهُ عِنْدَ العَقْدِ لَمْ يَنْعَقِد، فَإنْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِأنَّهُ عَرَفَ فِسْقَهُ وَأَنْكَرَتْ بَانَتْ مِنْهُ وَوَجَبَ شَطْرُ المَهْرِ إِنْ كَانَ قَبْلَ المَسِيسِ، وَتَوْبَةُ المُعْلِنِ عِنْدَ العَقدِ تلْحِقُهُ بِالمَستورِ عَلَى رَأيِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الإِشْهَادُ عَلَى رِضَا المَرْأَةِ.
القول في الركن الرابع
قال الرَّافِعِيُّ: ذكر صاحب "الكتاب" في "الوسيط" أن في حضور الشهود شرط لَكُنَّا تَسَاهَلْنَا بتسميته رُكْناً، والْكَلاَمُ في تفسير الرُّكنِ والشَّرْطِ وكيفية افتراقهما قد مَرَّ، فلا نعيده، وبالجملة فَحُضُورُ الشُّهُودِ مُعْتَبَرٌ في الأَنْكِحَةِ.
روي عن عمران بن الحصين أنَّ النبي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ" 1. والمعنى فيه الاحتياط للإبضاع، وَصِيَانَةُ الأَنْكِحَةِ عَنِ
الْجُحُودَ 1.
وعن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أنَّ الشَّرْطَ الإِعْلاَنَ وترك التراضي بالكتمان دُونَ الشّهَادَةِ حَتَّى لو تواصوا بالْكِتْمَانِ لم ينعقد وإن حَضَرَ الشهود، ويعتبر في شهود النِّكَاحِ صِفَاتٌ.
منها: الإِسلام، وعن أبي حَنيْفَةً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ نِكَاحَ الذِّمِّيَّةِ يَنْعَقِدُ بشهادة ذميين.
لنا: أن ما لا ينعقد به نكاح المسلمين لا ينعقد به نِكَاحُ الْمُسْلِمِ والذِّمِّيَّة كالعبدين.
ومنها: التَّكْلِيفُ وَالْحُرِّيَةُ فَلاَ يَنْعَقِد بحضور الصِّبْيَانِ والْمَجَانِينَ وَالْعَبِيْدِ لأنَّهُ لا يثبت بهم لو فرض جحود.
ومنها: العدالة: فلا ينعقد النِّكَاحُ بحضور الفاسقين خلافاً لأبَي حَنِيْفَةَ 1. = وقفه مرة، وأن الوقف أصح، ويجاب عن هذه المناقشة.
بأن هذا لا يقدح في الحديث؛ لأن عبد الأعلى ثقة، فيقبل رفعه وزيادته، وقد يرفع الراوي الحديث، وقد يقفه.
وأما حديث عمران بن حصين، فقد قيل لهم فيه: أن في إسناده عبد الله بن محرز، وهو متروك، ويجاب عن هذه المناقشة، بأن هذا الحديث رواه الشَّافعي -رضي الله عنه- من وجه آخر عن الحسن مرسلاً، وقال: هذا وإن كان منقطعاً، فإن أكثر أهل العلم يقولون به.
وأما حديث عائشة فقد نوقش بأن الدَّارْقُطْنِيَّ أعله بأن الثوري، ويحيى بن سعيد، وغيرهما رووه، ولم يذكروا فيه الشاهدين.
ويجاب عن هذه المناقشة.
بأن البيهقي نقل عن أبي علي الحافظ النيسابوري أنه قال أبو يوسف الرقي: هذا من حُفَّاظِ أهل الجزيرة ومتقنبهم، ثم ساق الحديث من طرق أُخْرَى.
هذه خلاصة ما نوقشت به الأحاديث التي تمسك بها الجمهور والناظر في الأدلة يرى ترجيح مذهب الجمهور للأحاديث.
وهي وأن تكلم فيها ألا أنها بانضمامها يقوي بعضها بعضاً فيصح الاحتجاج بها.
لا سيما أن النكاح شرع لمقاصد جليلة يعلق بها وجود النوع الإنساني على الوجه الأكمل.
فلذلك وجب أن يمتاز عن سائر العقود باشتراط الشهادة فيه.
وأيضاً في الأشهاد على النكاح تمييز له عن السفاح فإن الزنا لا يكون عادة إلا سراً.
اختلف الجمهور بعد اتفاقهم على أن الشهادة لا بد منها في النكاح.
هل هي شرط في صحة أو في تمامه.
فذهب المالكية إلى القول بأن الشهادة شرط في تمام النكاح وليست شرطاً في صحته فينعقد النكاح عندهم صحيحاً بدون شهادة ولكنه لا يتم إلا بالشهادة.
وقالوا تندب الشهادة عند العقد للخروج من الخلاف.
إلى هذا القول ذهب عبد الله بن عمر وعروة بن الزبير وعبد الله بن الزبير.
والحسن بن علي.
ومن المحدثين عبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون.
وذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى القول بأن الشهادة شرط في صحة النكاح وأن العقد لو خلا عنها يكون فاسداً وقد حكاه في البحر عن علي وعمر وابن عباس.
لنا الحديث، وأيضاً فإن النِّكَاحَ لا يثبت بشهادتهما فلا ينعقد بحضورهما كَالْعَبْدَينِ.
ومنها: السَّمَعُ وَالْبَصَرُ -فلا ينعقد بحضور الأَصَمِّ الَّذِي لا يَسْمَعُ أَصلاً، وفي الأَعْمَى وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الانعقاد؛ لأنه عَدْلٌ فَاهِمٌ.
وأصحهما: الْمَنْعُ -كما في الأَصْمِّ؛ لأنَّ الأقوال لا تثبت إلاَّ بالمعاينة والسَّمَاعِ، وفي الانعقاد بحضور الأخْرَسِ وجهان بِنَاءً على الخِلاَفِ في قَبُولِ شَهَادَتِهِ وطرد الخلاف في الانعقاد بشهادة ذوي الحِرَفِ الدَّنِيَّةِ.
وذكر القاضيُ ابنُ كَجٍّ الخلاف في الصَّبَّاغِيْنَ والصواغين كأنه ألحقهم بذوي = وذهب الشافعية والمالكية إلى القول بأن النكاح لا يصح بشهادة الفاسقين وهو رواية عن أحمد.
استدل الحنفية ومن وافقهم بالمعقول -فقالوا إن الفاسق من أهل الولاية فيكون من أهل الشهادة.
أما كونه من أهل الولاية فلأنه يزوج نفسه وعبده وأمته وابنته ويقر بما يتعلق بنفسه من القتل.
وإذا ثبت أنه من أهل الولاية ثبت كونه من أهل الشهادة لأن الشهادة من باب الولاية.
ويرد هذا الدليل بأننا لا نسلم أن كل من كان من أهل الولاية يكون من أهل الشهادة.
لأن ذلك في الولاية التامة، والفاسق ولايته قاصرة فلا يكون أهلاً للشهادة.
إذ الشهادة متعدية إلى غيره فلا يكون أهلاً لها.
وأيضاً فهو معقول في مقابلة النص فلا ينهض الاحتجاج به وأما الشافعية والمالكية ومن وافقهم فقد استدلوا بالكتاب والسنّة والمعقول أما الكتاب فقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ووجه الدلالة من الآية.
أن الله تعالى أمر بأشهاد العدل والفاسق غير عدل فلا تقبل شهادته في النكاح وغيره.
وأما السنّة فما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" مع غيره من الأحاديث القاضية باشتراط العدالة في الشهود.
وأما المعقول.
فأولاً.
قالوا إن الشهادة خبر يرجح فيه جانب الصدق على جانب الكذب والرجحان إنما يثبت بالعدالة.
وثانياً: قالوا إن الشهادة شرطت لإظهار خطر النكاح تكرمة له وتعظيماً والفاسق من أهل الإِهانة فلا تكرمة ولا تعظيم للعقد بإحضاره.
وعليه فالراجح مذهب الشافعية والمالكية من وافقهم وهو فساد النكاح بشهادة الفاسقين للأحاديث الواردة في الشهادة فإنها اشترطت العدالة.
وهي وإن كانت ضعيفة ألا أنها قد تقوت بكثرتها.
هذا كله في النكاح بشهادة ظاهر الفسق.
أما النكاح بشهادة مستوري الحال فقد اتفق الحنفية والشافعية والحنابلة على صحة.
وهذا من باب التخفيف على الناس لأن النكاح يكون في المدن والقرى وفي البادية وفي الناس من لا يعرف حقيقة العدالة فاعتبار ذلك يشق على الناس ولذلك اكتفى بظاهر الحال وكون الشاهد مستوراً لم يظهر فسقه خصوصاً في هذا الزمن الذي قلت فيه العدالة.
الحرف الدَّنِيَّةِ، ولا ينعقد بشهادة الأَعْجَمِي الذي لا يعرف لِسَانَ المتعاقدين، فإن كان يضبط اللَّفْظَ فقد حكى أبو الحسن العبادي فيه وَجَهْينِ؛ لأنه ينقله إلى الحاكم، ولا ينعقد بشهادة الْمغَفَّلِ: الَّذِي لا يضبط، فإن كان يَحْفَظُ وَينْسَى عند قَرِيبٍ فينعقد.
ومنها: الذُّكُورَةُ فَلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِرَجُل وَامْرَأَتَينِ ولا بأربع نسوة خلافاً لأبي حَنيْفَةَ 1 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وأحمد ينعقد بشهادة رجل وامرأتين، لنا ظاهر الخبر فإن لفظ "الشاهدين" يقع على ذَكَرَيْنِ وَعَلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى.
والثَّاني غير مراد بالاتفاق فيتعين الأول، ولو كَانَ الْحَاضِرَانِ عدوّي الزوجين، أو عدوّي أحدهما، أو أحدهما عدو أحدهما والثّاني عدو الثاني ففي انعقاد النِّكَاحِ أَوجُهٌ:
أصحها: على ما ذكر صاحب "التَّهْذِيْبِ" الانعقاد اكتفاءً بالعدالة والفهم وثبوت الأنكحة بقولهما في الجملة.
والثَّاني: المنع لِتَعَذُّرِ الإِثبات بشهادتهما إذا كان عدوين لهما، أو أحدهما عدو لهذا، والآخر عدو لهذا، وإذا كانا عَدُوَّيْنِ لأحدهما فَلا يُمْكِنُ الإثبات بشهادتهما إلاَّ إذا كان الجحود من غير العَدُوِّ والاحْتِياطُ والتَّوْثيقُ مَقْصُودٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
والثَّالِثُ: الفرق بين أن يكونا عدويهما، أو يكون كل واحد منهما عدواً لأحدهما، فلا ينعقد وبين أن يكونا عدوي أحدهما، فينعقد لإمْكَانِ الإِثبَاتِ فَهُمَا في الجملة، وقطع بعضهم بالانعقاد في هذه الصُّوْرَةِ وخص الخلاف بالصورتين الأوليين، وفي ابني الزوجين وابني أحدهما وابن أحدهما مع ابْنِ الآخَرِ.. هذه الأوجه، ومنهم من قال: يختص الخلاف بهذه الصورة، وفي العدوين ينعقد لاَ مَحَالَةَ والْفَرْقُ أنَّ الْعَدَاوَةَ قد تزولُ، ويجري الْخِلاَفُ فيما لو حضر جد الزوج وجد الزوجة أو أبواه وجدها أو أبوه وابنها وأما أبوها فَهُوَ وَلِيٌّ عَاقِدٌ، فلا يكون شاهداً كالزَّوْجِ ولو فرض أنه وكل وكيلاً لم يَنْعَقِد بحضوره أيضاً؛ لأَنّ الْوَكِيْلَ نَائِبُ الموكل.
واختار بَعْضُ المتأخرين وجهاً رابعاً ذكره في "الوسيط" وهو أنه ينعقد بابني المرأة وعدوي الزوج؛ لأنَّ الزَّوْجَ يقدر على الإثبات بشهادتهما، ولا ينعقد بابني الزوج وعدوي المرأة؛ لأنه لا يقدر عليه والمرأة لا تحتاج إلى الشَّهَادَةِ لإِثبات الْحَلِّ، فإنه يَنْدَفِعُ يِإنْكَارِ الزَّوْجِ.
نَعم قد يحتاج إلى إِثبَاتِ الْمَهْرِ والنفقة لكن الْمَقْصُودَ الأصلي من النِّكَاحِ الحل، والشهادة إنما شرطت لإِثباته ثم في الفصل صور:
إحداها: هل ينعقد [النكاح] 1 بشهادة المستورين 2؟.
قَالَ الإصْطَخرِيُّ: لاَ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ العَدَالَةِ بَاطِنَاً ليمكن الإِثبات بشهادتهما والمذهب الانعقاد؛ لأن النِّكَاحَ يَجرِي فيما بين أَوْسَاطِ النَّاسِ وَالْعَوَامِ، وَلَو كُلِّفُوْا مَعْرِفَةَ الْعَدَالَةِ الباطنة لَطَالَ الأَمْرُ، وَشَقّ بخلاف الحكم حيث لا يجوز بشهادة المستورين؛ لأنه يسهل على الحاكم مراجعة المزكين، ومعرفة العدالة الباطنة ويعني بالمستورين: من يعرف بالعدالة ظاهراً لا باطناً، وربما قيل: المستور من يجهل حاله في الفسق والعدالة ويشبه ألا يكون بينهما اخْتِلاَفٌ، وأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ من العبارة الثانية من يجهل حاله في الفسق والعدالة الباطنة دون العدالة الظاهرة، وذكر في "التَّهْذِيْبِ" أنه لا ينعقد النكاح بشهادة من لا يعرف عدالته ظاهراً، وهذا كَأنَّهُ مصور فيمن لا يعرف إِسْلاَمَهُ، وإلاَّ فَالظَّاهِرُ من حال الْمُسْلِمِ الاحتراز عن أسباب الفِسْقِ 3.
ولا ينعقد بمن لا يظهر إسلامه وحريته بأن يكون في موضع يختلط فيه المسلمونَ بالكُفَّارِ والأحرار بالأرقاء ولا غالب.
وعن الشَّيْخُ أبي مُحَمَّدٍ تردد جواب فيمن لا تظهر حُرِّيَّتُهُ ويكون مَسْتُورُ الْحَالِ حرية ورقاً، والظاهر الأول بل لا يكتفي بظاهر الحرية والإسلام بالدَّار، حَتَّى يعرف حاله فيهما باطناً، هذا ما يقتضيه كَلاَمُ صَاحِبِ "التَّهْذِيبِ" وغيره وفرقوا بأن الحرية يسهل الوقوف عليها بخلاف العدالة والفسق.
ولو أخبر عدل عن فسق المستور فهل يزيل إخباره الستر حتى لا ينعقد النكاح بحضوره، وإن زال فيجيء بإخباره نحو الروايات، أو يقول هو شهادة، فلا نعتبر إلاَّ قول من يجرح عند القاضي تردد فيهما الإمام رحمه الله 1.
الثَّانِيَةُ: لَوْ بَانَ كَوْنُ الشَّاهِدِ فاسقاً عند العقد فطريقان:
أحدهما: أنه يتبين بطلان النِّكَاحِ؛ لأنه بَانَ فوات شَرْطِ الْعَدَالَةِ فأشبه ما إذا كانا كَافِرَينِ أَو رَقِيْقَينِ.
والثَّانِي: أنه على قَوْلَين: وَجْهُ الْمَنْعِ الاكْتِفَاءُ بِالسِّتْرِ يومئذٍ، وهما كالطريقين فيما إذا حكم الحاكم بشهادة شاهدين ثم بَانَا فاسقين.
هل ينقض الحكم؟.
وَالأَصْحُ تبين البطلان، وإن أثبتنا الخلاف وإنما يتبين الفسق ببينة تقوم عليه، أو بتصادق الزوجين، وتوافقهما عليه ولا اعتبار بقول الشَّاهِدَيْنِ: كنا فاسقين يومئذٍ كما لا = بهذا، وقاله شيخه القاضي حسين، ونقله إبراهيم المروذي عن القاضي ولم يذكر غيره.
والله أعلم.
قال في المهمات ما قال النووي أنه الحق مردود لمخالفته النص المتقدم وأشار إلى قول الشَّافعي رضي الله عنه ولو حضر رجلان مسلمان العقد ولا يعرف حالهما من العدالة والفسق في الظاهر انعقد النكاح بهما لأن الظاهر من المسلمين العدالة ثم قال في المهمات وقوله إن البغوي صرح بأن مراده من لا يعرف ظاهره بالعدالة عجيب فقد حكاه عنه الرافعي وإنما توقف في مهم المراد منه.
وحاصل كلام البغوي أنها أقسام من عرفت عدالته ظاهراً وباطناً بحكم الحاكم بها وهو واضح ومن عرفت ظاهراً بالمخالطة من غير حكم فينعقد معها النكاح على المعروف ومن لا يعرف ظاهراً ولا باطناً كمن علمنا إسلامه ولم يخالطه فينعقد به على الصواب المنصوص إلى آخره.
قال في التوسط لفظ التهذيب: وينعقد النكاح برجاله مستورين بالاتفاق والمستور من يكون عدلاً في الظاهر ولا يعرف عدالة باطنه بخلاف الحكم لا يجوز برجاله المستورين لأن الحكم يكون بالحاكم.
اعتبار بقولهما كنا فَاسِقَيْنِ بعد الحكم بشهادتهما، وهكذا لو تقارّبا الزَّوْجَانِ على وُقُوعِ الْعَقْدِ في حالة الإحرام أو العدة أو الردة تبين بطلان العقد وَلاَ مَهْرٌ إلا إذا كان بعد الدُّخُولِ، فيجب مَهْرُ الْمِثْلِ 1.
ولو نكحها يوماً ملك عليها ثلاث طلقات، ولو اعترف الزَّوْجُ بشيء من ذلك، وأنكرت الْمَرْأَةُ لم يقبل قوله عليها في المهر، حَتَّى يجب نصف المسمى إن كان قبل الدخول وتمامه إن كان بعد الدخول ويفرق بينهما بقوله: وكيف سَبِيلُ هَذَا التَّفْرِيقِ؟ ذَكَرَ أَصْحَاب الْقَفَّالِ أنه طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ حَتَّى لَوْ نكحها يوماً عادت إليه بطلقتين.
قالوا: وَهَذَا مَأْخُوذٌ من نَصِّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فيما لو نكح أَمَةً، ثم قال: نكحتها وأنا واحد طول الحرة أنها تَبين منه بطلقة، واحتج له بأنها فرقة [غير] 2 متأبدة حصلت بقول الزَّوْجِ من غير بَدَلٍ، وَلاَ عَيْبٍ، فكانت كما لو صرح بِالطَّلاَقِ والاحتراز بغير المتأبد عن فرقة الرَّضَاعِ، وبغير بَدَلٍ عَنِ الخُلْعِ وَعَنِ الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ، والعراقيين: أنها فرقة فسخ لا ينتقص بها عدد الطلاق كما لوَ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِالرَّضَاعِ؛ لأنه لم ينشئ طلاقاً، ولا أقر به وإلى هذا مَالَ الإِمام، وصاحب "الكتاب" رحمهما الله، وإن لم ينقلاه، وهؤلاء أنكروا نَصَّهُ في مَسْألَةِ نِكَاحِ الأَمَةِ ولإنكارهم وجه ظاهر، وَذَلِكَ أَنه قال في "عيون المسائل": إذا نكح الأَمَةَ، ثُمَّ قال: نكحتها وأنا أجد طولاً لحرة فصدقه
مولاها فسخ النكاح بلا مهر، فَإنْ كان أَصَابَ فعليه مَهْرُ، مِثلها وإن كذبه فسخ النكاح بإقراره، ولم يصدَّق على الْمَهرِ دَخَلَ أو لم يدخل.
هَذَا لَفْظُهُ في "العيون" وإنه يوافق ما ذهب إليه العراقيون 1 لا ما ذهب إليه الأولون ولك أن تَبْنِي الْمَذْهَبِيْنِ عَلَى وجهين ذكرناهما فيما إذا جرى بينهما بيع، ثم ادَّعَى أحدهما اقتران مفسد به فإن صدقنا من يدعي الفَسَادَ لم نجعل هذه الفرقة طلاقاً، وإلاَّ جعلناها طلاقاً؛ لأن ظاهر النكاح الجاري الصحة فيوفر عليه حكم الصحيح، وهذا يقتضي جريان الخلاف فيما إذا ادَّعَى الرَّضَاعَ، وَأَنْكَرَتِ الْمَرْأَةُ.
واللهُ أعْلَمُ.
الثَّالِثَةُ: استنابة المستورين قبل العقد احتياطاً واستظهاراً وتوبة المعلن بالفسق حِيْنَئِذٍ هل نلحقه بالمستور؟ فيه تردد للشيخ أبي مُحَمَّدٍ -رحمه الله- والأظهر المنع؛ لأنها تصدر عن عادة لا عن عزم مُحَقَّقٍ فإن حكمنا بأنه كالمستور.
قال الإِمَامُ: فلو عادوا إلى فجورهم على القرب فالظاهر أنَّ تلك التَّوْبَةَ تصير ساقطة الأَثَرِ، وفيه احْتِمَالٌ.
الرَّابِعَةُ: الاحتياط الإشهاد على رِضَى الْمَرْأَةِ حَيثُ يعتبر رضاها لكنه ليس بشرط في صحة النِّكاحِ 2، وإنه ليس من نفس النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا هو شرط.
ولنعد إلى لفظ الكتاب.
قوله: "الشهود" علم بالميم لما حكيناه من مذهبه أنه لا يعتبر حضور الشهود، وكذا قوله: "ولا ينعقد" ولفظ "العدلين" و"المسلمين" معلمان بالحاء، ولفظ "البصيرين" بالواو ولفظ "الذكرين" بالحاء والألف.
وقوله: ليسا "بِعَدُوَّين" إلى آخره تفسيراً لقوله "مقبولي الشَّهَادَةِ للزوجين، وعليهما" وهذا اختِيَارٌ منه للوجه الثاني من الوجوه المذكورة في مَسْأَلَةِ العدوين وهو اختلاف اختيار الأكْثَرِينَ، أَمَّا العراقيون فإنهم اختاروا الْوَجْهُ الثَّالِثَ واكتفوا بمكان الإِثبات بشهادتهما في الجملة.
وأما صاحب "التَّهْذِيب" فإنه رجح الْوَجْهَ الأَوَّلَ على ما قَدَّمْنَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عليه في "الأُمِّ" فليعلم قوله: "مقبول الشهادة للزوجين وعليهما".
وقوله: "ولا أبوين لهما" محمول على أبي الزَّوْجِ وجد الزوجة، أمَّا أبوها فَهُوَ وَلِيٌّ، فلا يكون شاهداً كما مَرَّ.
وقوله: "ويكفي حضور مستوري الْعَدَالَةِ" معلم بالواو وكذا قوله: "دون مستوري الرق" التردد المنقول عن الشَّيْخُ أبي مُحَمَّدٍ، وكان الألْيَقُ أنْ يَقُولَ: "دون مستوري الحرية" كما قال: "مسْتُوري الْعَدَالَةِ لاَ مَسْتُوري الفِسْقِ".
وقوله: "على قول" يجوز إعْلاَمُهُ بالواو للطريقة النَّافية للخلاف وقوله: "إنما يتبين بحُجَّةٍ أو تَذَكّر" أشَارَ بلفظ التَّذَكُر إِلى ما ذَكَرَ الإمَامُ أن صورة الخلاف في تقارب الزَّوْجَيْنِ أما إذا قالا: لم نعرف عين الشَّاهِدَينِ عند العقد فلما عرفناهما عرفنا أنهما كَانَا فَاسِقَيْنِ وَفِي مَعْنَى هذا أن يكونا ناسيين لفسقهما عند الْعَقْدِ، ثم يذكرا، فأَمَّا إِذَا قَالاَ: كُنَّا عَالِمِينَ بِفِسْقِهِمَا حينئذٍ فنقطع تبيين البطلان؛ لأنهما لم يكونا مستوري الحال عند الزوجين، وعليهما التَّعْوِيلُ في التَّحْرِيمِ والتحليل، وكذا لو اعترفا بعلم أَحَدِهِمَا حِيْنَئذٍ، وعلى هذا ينزل قوله في الكتاب: "وإِذَا عَرَفَ أَحَدُ الزَّوْجَينِ فسقه عند العقد لم ينعقد".
وقوله: "بانت" يعني بينونة طلاق على ما أفصح به في "الْوَسِيْطِ" فيجوز أنْ يعلمَ بالواو للوجه الآخر واللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الرَّابعُ: العَاقِدُ) وَهُوَ الوَلِيّ وَالزَّوْجُ إِذْ لاَ عِبَارَةَ لَهَا في شِقَّيْ عَقْدِ النِّكَاحِ وَكَالَةً وَوِلاَيَةً وَاسْتِقْلاَلاً من كُفْءٍ وَغَيْرِ كُفْءٍ، دَنِيئَةً كَانَتْ أَوْ شَرِيفَةً، وَإِقْرَارُ البَالِغَةِ مَقْبُولٌ (وم) في الجَدِيدِ إِنْ أَضَافَتِ التَّزْوِيجَ إلَى الوَلِيِّ وَصَدَّقَهَا، فَإِنْ لَمْ تُضِفْ إِلَيْهِ = قال القاضي أبو الفتوح: احتمل أن يكون في انعقاده وجهان بناءً على ما لو صلَّى رجل خلفه فبان رجلاً.
هذا كلامه.
والانعقاد هنا هو الأصح؛ لأن عدم جزم النية يؤثر في الصلاة.
والله أعلم.
وَكَذَّبَهَا فَفيهِ خَلاَفٌ (و)، وَإِنْ كَانَ الوَلِيُّ غَائِباً سُلِّمَتْ في الحَالِ إِلى الزَّوْجِ لِلضَّرُورَةِ، وَإقْرَارُ الوَلِيِّ المُجْبِرِ نَافِذٌ إِذَا أَقَرَّ فِي حَالِ القُدْرَةِ عَلَى الإِجْبَارِ، وَيَجِبُ المَهْرُ بِالوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ، وَلاَ حَدَّ للِشُّبُهَةِ (و)، وَلاَ يُنْقَضُ قَضَاءُ الحَنَفِيُّ بِصِحَّةِ هَذا النِّكَاحِ.
القول في الركن الرابع
قال الرَّافِعِيُّ: لَفْظُ العَاقِدِ ينظم الموجب والقابل والقابل هو الزَّوجُ، أَو مَنْ يَتُوبُ عنه.
والموجب هو الولي، أو وَكِيْلُهُ ولا تَصِحُّ عِبَارَةُ الْمَرْأَةِ في النِّكَاحِ إيجاباً وَقبُولاً، فلا تزوج نفسه بإذن الْوَلِيِّ ودون إذنه ولا غيرها لا بوكالة، ولا بولايةٍ ولا تقبل النِّكَاحَ لا بولاية، ولا بوكالة، ولا فَرْقَ بَيْنَ أن تزوج نفسها من كفء، أو غير كفء، ولا بين الشَّرِيْفَةِ والدَّنِيَّةِ 1.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ- رَحِمَهُ الله تَعَالَى-: تزوج البالغة العاقلة الحرة نفسها وابنتها الصغيرة وتتوكل عن الغير لكن لو وضعت نفسها تحت من لا يكافئها فلأوليائها الاعْتِرَاضُ.
........................ = وإن لم يأذن لها؛ فلا يصح، وإليه ذهب أبو ثور.
منهم من فرق بين البكر والثيب، فصحح نكاح الثيب؛ وأبطل نكاح البكر، وإلى هذا ذهب داود الظاهري.
ومنشأ الخلاف بينهم أنه وردت أدلة من القرآن، والسنّة، وقد فهم فيها كل فريق ما فهمه، وأخذ الحكم منها حسب ما وصل إليه اجتهادهم، وسأذكر ما تمسك به كل فريق من الأدلة وأوجه دلالتها، ثم أناقش الأدلة لأتوصل بذلك إلى بيان المذهب الراجح حسب قوة دليله.
استدل أبو حنيفة ومن وافقه بالمنقول والمعقول.
أما المنقول: فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ووجه الدلالة من هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى أسند النكاح في الآية الأولى والثانية إلى المرأة، والأصل في الإِسناد أن يكون إلى الفاعل الحقيقي، فدل ذلك على صحة النكاح عند مباشرتها العقد بنفسها من غير مباشرة الولي أو إذنه وأما في الآية الثالثة، فإن قوله تعالى: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ صريح في أنها هي التي تفعل في نفسها ما تشاء، ومن ذلك أن تباشر عقد نكاحها.
وأما السنَّة: -فأولاً: ما رواه الجماعة -إلا البخاري- عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِن وَليِّهَا وَالْبكْرُ تَسْتَأذَنُ في نَفْسِهَا وصِمَاتِها إِقرَارُهَا" وفي لفظ مسلم "وَإِذْنُهَا صمَاتُها" وفي لفظ آخر "البِكْرُ تَسْتَأْمَرُ وَإِذْنَهَا سُكُوتُها".
ووجه الدلالة في هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- شارك بينها وبين الولي، ثم قدمها عليه بقوله: "أَحَقُّ بِنَفْسِهَا" وقد صح العقد من الولي فصحة منها أولى، هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن الحديث برواياته يدل صراحة على توقف العقد على رضا المرأة، وليس من المعقول، ولا من المعهود شرعاً أن يقيد رضا شخص في صحة تصرف، ثم يحكم عليه بالفساد إذا باشره بنفسه.
وثانياً: ما ورد في تزوجه -صلى الله عليه وسلم- أم سَلَمة لما بعث إليها يخطبها قالت: "لَيْسَ أَحَد مِن أَوْلِيَائي شَاهِدَاً" فقال عليه الصلاة والسلام: "لَيْسَ أحَدٌ من أَوْلْيَائِكِ شَاهِدٌ ولا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ" ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه لم يحضر أحد من أولياء أم سلمة هذا العقد، وهي التي باشرته بنفسها، فدل ذلك على صحة النكاح بمباشرة المرأة العقد، وهو يدل من جهة أخرى على أنه ليس للأولياء حق الاعتراض؛ إذا كان الزوج كفئاً.
وأما المعقول: فقد قالوا فيه: إن المرأة عند مباشرتها العقد بنفسها؛ إنما تصرفت في خالص حقها، وفي من أهل التصرف؛ إذ إنها بالغة عاقلة ولهذا كان لها التصرف في المال، ولها اختيار الأزواج بالاتفاق، وكل تصرف هذا شأنه فهو صحيح، وإنما يطلب الولي بالتزويج كيلا تنسب المرأة إلى الوقاحة.
وقد نوقشت أدلة الحنفية بما يأتي.
فقد قبل لهم في الآيات التي أضيف فيها النكاح إلى المرأة.
أن الإِضافة فيها على طريق، الإِسناد المجازي والعلاقة المحلية، وأيضاً فإن لا يكون نصاً في جواز مباشرتها العقد بنفسها، وإنما هو نص في تحصيل العقد لكن بمباشرة من؟ هذا مسكوت عنه، وقد بينت السنّة أنه لا يصح للمرأة =
...................... = أن تباشر النكاح وأنها إذا باشرته كان فاسداً كما في حديث عائشة -رضي الله عنها - حيث روت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أيُّمَا امرَأَةٍ نكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ" الحديث.
وأما قوله تعالى: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ فسياق الآية يقتضي بأن هذا في غير النكاح إذ الآية قبلها في عِدة الوفاة، والمرأة فيها ممنوعة من الزينة والخروج، مأمورة بالإحداد، فرفع الله عنها هذه القيود التي التزمتها في العدة بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾.
ويقال لهم في الحديث الأول أنه يحتمل أن تكون أحق من وليها في الإِذن والعقد، ويحتمل أن تكون أحق منه في الإذن والرضا؛ بأن لا تزوج حتى تنطق بالإِذن، بخلاف البكر.
والمراد هنا الاحتمال الثاني، وهو أنه لا يعقد عليها إلا بإِذنها ورضاها، ومما يؤيد أن المراد الاحتمال الثاني قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِي" مَع غيره من الأحاديث الدالة على اشتراط الولي.
ويقال لهم في حديث أُم سَلَمة أنه محمولٌ على الخصوصية فقد عهد اختصاص النبي -صلى الله عليه وسلم- في باب النكاح بأمور كثيرة إذ إننا إنما نحتاج للولي لرعاية المصلحة إذ إن المرأة لنقصان عَقلها قد تُخْدَع، والنبي -صلى الله عليه وسلم- خير زوجٍ فلا يصح لإنسان أن ينظرُ بعْدَ نَظرِه.
وأما المعقول: فيقال لهم فيه لا نسلم أنها عند مباشرتها العقدَ؛ تكون قد تصرفت في خالص حقها، بل تصرفت في أمر تعلق به حق الأولياء، وما من شك في أنَّ مشروعية النكاح على الأصالة إنما هي بناءُ الأُسر؛ والمحافظة على الأَعراض التي لا يصونها إلا وَلي خاص يُؤمَنْ على العِرض منى تلويثه.
واستدل الشعبي والزهري بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأم سَلَمة "لَيْسَ أَحدٌ مِن أَوْليَائِكِ شَاهِدٌ وَلاَ غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ" جواباً لقولها "لَيْسَ أَحَدٌ مِن أَوْلِيَائِي شَاهِداً".
فإنه يدل على صحة العقد من المرأة، حيث لا يكون هناك موجب لكراهة الأولياء، بأن توفرت الكفاءة، ويدل بمفهومه على خلاف هذا ويقال للشعبي والزهري في استدلالهما بهذا الحديث ما قلناه فيه عند مناقشة أدلة الحنفية واستدل محمد ابن الحسن بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أيُّمَا امرأةً نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فِنَكَاحُهَا بَاطِلٌ".
ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه يدل بمنطوقه على أن المرأة إذا نُكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، ويدل بمفهومه على أنها إذا نكحت نفسها بإذن وليها فنكاحها صحيح.
ويقول: إن الإِذن أعم من أن يكون سابقاً أو لاحِقاً.
ويقال له في استدلاله بهذا الحديث أنه استدلال بالمفهوم؛ وأنت لا تقول به.
واستدل أبو ثور على أن الشرط هو إذن الولي بنفس حديث عائشة الذي استدل به محمَّد بن الحسن.
ووجه الدلالة فيه أنه صريح في أن نكاحَ المرأةِ نفسها إِنَّما يكون باطلاً إذا كان بغير إذن الولي، ومفهومه أنها لو نكحت نفسها بإذن وَلِّيها صح نكاحها، ويرد هذا بأن استدلال بالمفهوم، والمفهوم إنما يستدل به إذا لم يخرج الكلام مخرج الغالب، وهنا كذلك.
واستدل داود الظاهري، ومن وافقه بحديث "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِن وَليِّهَا" ووجه الدلالة فيه أنه صريح في أن الثيب أحق بنفسها من وليها ومن ذلك أن تباشر عقد نكاحها.
ويرد هذا بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَثبت لها حقاً، ومعناه أنها أحق بنفسها في أن لا يعقد عليها الولي إلا برضاها؛ لأنها أحق بنفسها في أن تعقد على نفسها، على أن داود -كما قال النووي- قد ناقض =
....................... = مذهبه في شرط الولي في البكر دون الثيب؛ لأنه إحداث قول في مسألة مختلف فيها، ولم يسبق إليه، ومذهبه أنه لا يجوز إحداث مثل هذا.
وأما الجمهور فقد استدلوا بالكتاب والسنّة والمعقول:.
أما الكتاب فقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.
ووجه الدلالة في الآية الأولى: أن النهي موجه إلى الأولياء عن منعهِن عن نكاح من يخترق من الأزواج، ولا يتحقق المنع إلا مِمَّن في يده الممنوع، فدل ذلك على أن عقد النكاح في يد الولي لا في يد المرأة، وعليه فلا يصح منها لو باشرته بنفسها، ويؤيد هذا ما روي في سبب النزول من أن معقل بن يسار كانت له أخت تحت أبي البرَّاح فطلقها، وتركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم على فراقها فخطبها فرضيت به، وأبى أخوها أن بزوجها، وقال: وجهي من وجهك حرام أن تزوجتيه فنزلت الآية.
فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معقلاً وقال له: إن كنت مؤمناً فلا تمنع أختك عن أبي البراح، فقال آمنت بالله، وزوجتها منه، فلو كان لها أن تباشر النكاح بدون وليها؛ لزوجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل -وعلى هذا يبعد أن يكون النهي في الآية للأزواج كما قيل.
ومما يقوي القول بأن النهي في الآية للأولياء ما روي عن ابن عباس.
أنه قال: نزلت هذه الآية في الرجل يطلِّق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها.
ووجه الدلالة في الآية الثانية والثالثة.
أن الخطاب موجه فيهما إلى الأولياء فدل ذلك على أن الزواج إليهم لا إلى النساء.
وأما السنّة: -فأولاً ما رواه ابن ماجة والدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تُزَوِّجُ المرْأَةُ المرْأَةَ وَلاَ تُزَوِّجُ المرأةُ نَفْسَها فإنَّ الزَّانِيَةَ هِي الَّتي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا".
ووجه الدلالة من هذا الحديث "أن النبي عليه الصلاة والسلام.
نهى المرأة عن أن تزوج نفسها فدل ذلك على فساد نكاحها لأن النهي إذا رجع إلى ذات الفعل يدل على الفساد ويؤيده قوله في آخر الحديث "فإنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا".
وثانياً: بما روى أحمد وأصحاب السنن -إلا النسائي- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِي" صححه ابن حبان، والحاكم وذكر له الحاكم طرقاً، وقال: قد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- عائشة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، ثم سرد تمام ثلاثين صحابياً.
وهذا الحديث صريح في أن النكاح لا يصح بدون الولي.
وثالثاً: بما روى الخمسة -إلا النسائي- عن عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِدُونِ إِذْنِ وَليِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المهْرُ بمَا اسْتَحَلّ مِنْ فَرْجِهَا فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ ولِي مَن لا وَلي لَهُ".
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حكم على نكاحها نفسها بدون إذن وليها بالبطلان، وكرر ذلك ثلاثاً لتأكيد بطلانه، فهو قاض باشتراط الولي في صحة النكاح.
=
................... = وأما المعقول: فقد قالوا: إن النكاح له مقاصد شتى وهو رباط بين الأسر والمرأة لا تحسن الاختيار لقلة ما لديها من الاختيار، لا سيما أنها تخضع لحكم العاطفة التي تطغى عليها جهة المصلحة، فتحصيلاً لهذه المقاصد على الوجه الأكمل قلنا بمنعها من مباشرة العقد.
وقد نوقشت أدلة الجمهورة بما يأتي.
فقد قيل لهم في الآية الأولى إن معنى النهي فيها التحذير عن مَنْعِهِنَّ من مباشرة العقد بأنفسهن، فَدَلَّ ذلك على صحته منهن استقلالاً، وإلا لم يكن للتحذير معنى.
على أننا لا نسلم أن النهي للأولياء، بل هو للأزواج بدليل صدر الآية، إذ يقول اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ إنما هو خطاب لمن طلق لا للأولياء، حتى لا تخيل النَّظْمُ الْكَرِيمُ، وإذا كان كذلك.
كان معناه لا تعضلوهن أيها الأزواج، أي: لا تمنعوهن حساً بعد إنقضاء العدة أن يتزوجن أوْلاً تمنعوهن بإطالة العدة عليهن كما قال في آية أخرى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.
وترد هذه المناقشة بما ورد في سبب النزول، من أن العاضل هو معقل، وهو ولي لا زوج، وليس في لك ما يخل بالْنَّظْمِ الْكَرِيم؛ لأن محل ذلك إذا خفي المراد وحصل الاشتباه، أَمَّا إذا ظهر المراد، ولم يكن هناك اشتباه، فلا بأس من تفكيك الضمائر، وقد عهد في القرآن الكريم تحويل الخطاب، ولو كان منعه يدل على صحة النكاح بمباشرتها كما قيل؛ لأَبَاحَ لها النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تباشر النكاح بنفسها، ولما قال لمعقل إن كنت مؤمناً فزوجها.
على أن يحتمل أن يكون الخطاب في صدر الآية للأولياء، ويكون معنى إسناد الطلاق إليهم أنهم سبب له لكونهم الزوجين للنساء المطلاقات من الأزواج، وعلى هذا الاختلال في النظم الكريم.
ويقال لهم في الآية الثانية والثالثة: إنه يحتمل أن يكون الخطاب فيهما لعامة المؤمنين، لا لخصوص الأولياء، وإلا لأمرهم بماشرة عَقْدِ الزواج، فيكون من باب التشريع العام للمسلمين بأن يكون المراد بالإنكاح ما يشمل العقد، وتسهيل، والحث عليه، والتعاون فيه بإعطاء المال، واختيار الْكُفَءِ، وغير ذلك.
على أن المقصود من الآية الثانية هو اشتراط إيمان الزوج إذا كانت الزوجة مؤمنة.
ويجاب عن هذه المناقشة بأننا لا نسلم أَنَّ الخطاب يحتمل أن يكون لعامة المسلمين، بل هو للأولياء، ومما يرجح كونه للأولياء قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضُونَ دِيْنَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ" إذ إن المعروف أن من أراد أن يخطب امرأة يأتي وليها فقط.
وأما الأحاديث التي تمسك بها الجمهور، فقد نوقشت بما يأتي.
أما الحديث الأول، فقد قيل لهم فيه: إن ابنَ كَثِيرٍ قال فيه الصحيح، وقفه على أبي هريرة وعلى تسليم رفعه فغايته التنفير من استبداد المرأة بنفسها في النِّكَاحِ، وترد هذه المناقشة بأننا لا نسلم أن الحديث غير مرفوع، بل هو مرفوع، وقد حكي رفعه يَحْيَى بنُ مُعِينٍ، وليس المراد منه التنفير كلما قيل؛ لأن النهي ظاهر في عدم الصحة.
وقيل لهم في الحديث الثاني إنه حديث ضعيف مضطرب في إسناده فقد رُوِيَ موصولاً ومنقطعاً ومرسلاً، فلا تقوم به حجة على أصلكم.
وعلى تسليم صحة الاحتجاج به بناءً على تقديم الوصل على الانقطاع عند التعارض.
فغايته أنه حسن، وهو لا يعارض الحديث الصحيح، وهو حديث =
........................ = "الأيِّمُ أَحَقّ بِنَفْسِهَا".
وترد هذه المناقشة، بأن ابن حبَّانَ والحاكم صححاه، وذكر له الحاكم طُرُقاً، وقال: صَحَّتْ فيه الرواية عن أزواج -النبي -صلى الله عليه وسلم- عائشة.
وأم سلمة.
وزينب بنت جحش ثم ذكر تمام ثلاثين صحابياً، وقد قال المروزي سألت أحمد ويحيى عن حديث "لا نَكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ" فقالا صحيح، ولا نسلم معارضته لحديث "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا" وذلك لما قلناه في معناه من أن المراد أنها أحق بنفسها في أن لا يعقد عليها الولي إلا برضاها؛ لأنها أحق بنفسها في أن تعقد على نفسها بدون وليها.
ويقال لهم في الحديث الثالث ما يأتي.
أولاً: إن هذا الحديث رُوِيَ من جملة طرق مدارها على ابْنِ شِهَاب الزُّهْرِيِّ، فبعضها من رواية ابنِ جُرَيجٍ، وبعضها من رواية الحجاج بن أرطاه، وبعضها من رواية ابن لهيعة، وابن لهيعة معروف، والحجاج ضعيف، ولم يثبت سماعه من الزهري فهو موقوف، وأما رواية ابن جريج، فقد أخبر ابن علية أن ابن جريج قال لقيت الزُّهْرِيَّ فسألته عنه فأنكره.
ثانياً: إن هذا الحديث رُوِيَ عن عائشة، وقد زَوَّجَتْ حفصة بنت عبد الرحمن، وقد كان غائباً.
ثالثاً: إنه يخالف مذهب الجمهور، فإن مفهومه وهم يحتجون بالمفهوم بدل على صحة النكاح إذا باشرته المرأة بإذن وليها.
يجاب عن المناقشة الأولى بأن المخالف يحتج برواية كل من ابن لهيعة والحجاج، فكيف لا يحتج بها عند الاجتماع وأما رواية ابن جريج إنكار الزهري لرواية سليمان بن موسى، فقد ضَعَّفَهَا ابنُ مُعِينٍ، فقد أخرج عنه البيهقي من طرق منها أن جعفر الطيالسي قال: سمعت ابنِ مُعِينٍ يوهن رواية ابنِ علية عن ابن جريج أنه أنكر معرفة حديث سليمان بن موسى، وقال: لم يذكره عن ابن جريج غير ابن علية، وإنما سمع ابن علية من ابن جريج سماعاً ليس بذاك.
ولو ثبت هذا عن الزهري لم يكن في ذلك حجة؛ لأنه قد نقله عنه ثِقَاتٍ منهم سليمان بن مرسى، وهو إمام ثقة، وجعفر بن ربيعة، فلو نسبه الزهري لم يضره ذلك فإن من حفظ حجة على من نسي.
فهذا رَوَى الحديث ثقة، فلا يضره نسيان من نسيه.
ويجاب عن المناقشة الثانية بما قاله البَيهَقِيُّ.
ونحن نحمل قوله: زوجت، أي: مهدت أسباب التزويج، وأضيف النكاح إليها لاختيارها ذلك، وإذنها فيه ثم أشارت على من ولي أمرها عند غيبة أبيها، حتى عقد النكاحِ، ويؤيد هذا ما رَوْاهُ ابن جريج عن عبد الرحمن بن محمَّد بن أبي بكر عن أبيه عن عائشة أنها نكحت رجلاً هو المنذر بن الزبير امرأة من بني أخيها، فضربت بينهم بستر ثم تكلمت، حتى إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلاً فأنكح، ثم قالت فإنَّ المرأة لا تلي عقد النكاح، فالوجه أن عائشة قررت المهر وأحوال النكاح، وتولى العقد أحد عصبتها، ونسب العقد إليها لما كان تقريره إليها.
ويجاب عن المناقشة الثالثة: -بأن المفهوم هنا معطل؛ لأن الكلام خرج مخرج الغالب.
وأما المعقول فقد قيل لهم فيه.
إن تحصيل المقاصد المذكورة لا يتوقف على مباشرة الولي العقد بنفسه، بل يكفي أن يأذن لها، وليباشر العقد بعد ذلك من يباشره.
وترد هذه المناقشة بأن مباشرة المرأة للعقد تتنافى، ومحاسن الشريعة الإسلامية وآدابها، فإن المرأة تنسب إلى الوقاحة، والخروج عن مألوف العادات، وكيف يقوم هذا؟ وقد قامت الأدلة القوية على أن المرأة ممنوعة من مباشرة العقد بنفسها.
=
وقال مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: الدَّنِيَّةُ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا والشَّرِيْفَةُ لاَ تُزوج.
لنا ما روي عن أبي موسى الأَشْعَري وابن عَبَّاس رَضِيَ الله عنهما -أنَّ النَّبِيَّ -صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَال: "لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ" 1.
وعن عَائِشَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- قَالَ: "أيَّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَت نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا فَإِنِ اشْتَجَرُوْا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ من لاَ وَلِيَّ لَهُ" 2.
ولو وَكَّلَ ابنته بأن توكل رجلاً بتزويجها، فَوَكَّلَت؛ نَظَرَ إنْ قَالَ وَكِّلِي عَنْ نَفْسِكِ = يتبين لنا بما سقناه من الأدلة وما أوردنا عليها من المناقشات ودفعها أن مذهب الجمهور هو المذهب الراجح الذي يجب المصير إليه.
لم يصح وإن قال: وَكِّلِي عَنِّي أو أطلق فوجهان؛ لأنَّهُ ليس يتعلق بها إلاَّ سفارة بين الولي والوكيل.
واعلم أَنَّهُ لو خرج خلاف في تَوْكِيلِ الْمَرْأَةِ، فَالنِّكَاحُ إيجاباً وَقَبُولاً وإن لم تَمْلُكْ تَزْوِيْجَ نَفْسِهَا، ولا غيرها بالولاية لم يكن بعيداً لأن الأخبار لم تتعرض لصورة الوكالة وقد لا يستقل الإِنسان بالشيء ويجيء في توكيله فيه الخلاف كالخلاف في توكيل الْعَبدِ والْفَاسِقِ في إِيْجَاَبِ النِّكَاح مَعَ الْحُكْمِ بأنَّ الْفَاسِقَ لا يلي، ويؤيده أَنَّ الْمَرْأَةَ لا تملك الطَّلاَقَ، وَيجُوزُ أَنْ يُوَكِّلْهَاَ الإنْسَانُ بتطليق زوجته على الأصح وكل ذلك قد مَرَّ في "الوكالة".
واعلم أيضاً أن ما روي عن يونس بن عبد الأعلى أن الشَّافِعِيّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: إذا جمعت الرفقة امرأة لا ولِيّ لها فولت رَجُلاً أمرها حتى زوجها يجوز وليس قولاً في تجويز النكاح بلا ولي؛ لأن أبَا عَاصِمٍ العبادي لما حَكَى هذا النَّصَّ في "طبقات الفقهاء" ذكر أنَّ مِنْ أصحابنا من أَنْكَرَ هذه الرواية، ومنهم قبلها، وقال إنه تحكيم فإن لم تثبت فذاك وإن ثبتت فهذا نكاح بولي وهذا المحكَّم المقام مقام 1 الحاكم.
وإذا جرى الوطء في النِّكَاحِ بلا وَلِيٍّ وجب مَهْرُ الْمِثْلِ، ولم يجب الحد سواء صدر ممن يعتقد تحريمه أو إباحته باجْتِهَادٍ أو تقليد، أو حسَبان مجرد لشبهة اختلاف الْعُلَمَاءُ وتعارض الأَدِلَّةُ إِلاَّ أَنَّ مُعْتَقَدَ التَّحْرِيْمِ يُعَزَّرُ.
وقال أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِي: يجب الْحَدَّ على معتقد التَّحْرِيم، لما رُوِيَ أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "لاَ تَنْكِحُ الْمَرْأَةُ المَرْأَةَ وَلاَ نَفْسَهَا إِنَّمَا الزَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي تَنْكِحُ نَفْسَهَا" 2. وإن امرأة كانت في مركب فجعلتَ أمرها إلى رَجُلٍ فزوجها فَجَلَدَ عُمَرُ -
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الناكح والمنكح 1؛ ولأن شَارِبَ النَّبِيْذِ يُحَد مع الاختلاف في إباحته.
وَيُحْكَى هَذَا عَنِ الإصْطَخرِيِّ وأبي بكر الفارسي أيضاً وأجاب من نصر ظاهر المذهب عن الأول بأنَّ الْمُرَادَ تشبيهها بالزَّانِيَةِ في تَبَرُّجِهَا واستقلالها بضم نَفْسِهَا، ولهذا قال: "الزانية هي التي تنكح نفسها" ولم يقل: التي تنكح نفسها زانية.
وعن الثَّاني: بأنَّ الْمُرَادَ التعزيرُ؛ ألا ترى أنه جلد المنكح ولا حد عليه بالاتفاق.
وعن الثالث: بأن أدلة تحريم النَّبِيْذِ أظهر وأيضاً فَإِنَّ الطبع يدعو إليه، فيحتاج إلى الزَّجْرِ، ولهذا نوجبه على من يعتقد إباحته أيضاً، وهنا بخلافه، ولو رُفِعَ النِّكَاحُ بَلاَ وَلِيٍّ إلى قَاضٍ يصححه فقضى بصحته، ثُمَّ رُفِعَ إلينا لم ننقض قضاءه كمعظم المسائل المختلف فيها.
وقال الإِصْطَخْرِي: ينقص أيضاً؛ لظهور الأخبار، وَلَوْ طلق في النكاح بلا وَلِيٍّ لم يقع ولا يحتاج إلى المحلل، ولو طلق ثلاثاً؛ لأن الطَّلاَقَ إنما يقع في النِّكَاحِ الصَّحِيْحِ.
وقال أَبُو إِسْحَاقَ: يقع ويحتاج إلى المحلل احتياطاً للأبضاع وهذا كوجهين نقلهما أبو الحسن العبادي عن القفَّال في: أنها إذا زوجت نفسها -هل للولي أن يزوجها قبل تفريق القاضي بينهما؟ قال: وبالمنع أجاب القَفَّالُ الشَّاشِيُّ؛ لأنها في حكم الْفِرَاشِ لَهُ وَهُوَ تَخْرِيْجِ ابْنُ سُرَيْجٍ واللهُ أَعْلَمُ ولما تكلم في إنشاء المرأة النكاح أدرج في الفصل الكلام في إقرارها بالنِّكاح وقد يحتج بالإِقرار من يجوز لها الإِنشاء، وشرحه أن الْحُرَّةَ البالغة العاقلة إذا أقرت بالنِّكَاح ففيه قَوْلاَنِ:
الجديد -وهو المذكور في الكتاب: أنَّ إقرارها مع تَصْدِيْقِ الزَّوْجِ مقبول مغن عن البينة؛ لأنَّ النِّكَاح حَقُّ الزَّوْجَينِ فثبت بتقارهما كالبيع والإِجارة وغيرهما، ولا فَرْقَ على هذا الْقَوْلِ بين الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا بلديين أَوْ غَرَيبَّيْنِ.
والقديم -وبه قال مَالِك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أنهما إن كانا غريبين ثَبَتَ النِّكَاحُ بتقارهما وإلاَّ طُولِبَا بالْبَيِّنَةِ؛ لأنه يسهل عليهما إقامة البَيِّنَةِ، والنِّكَاحُ مما يحتاط فيه، فإن قلنا بالجديد فيكفي إطلاق الإِقرار أم لا بُدَّ وأن نفصل فنقول: زَوِّجْنِي مِنْهُ وَلِي بحضور شاهدين عدلين، ورضاي إن كانت ممن يعتبر رضاها فيه وجهان بِنَاءً على الخِلاَفِ في أنَّ دَعْوَى النِّكَاحِ تسمع مطلقة، أو يجب التفصيل.
وَالأَصَحُ الثَّانِي.
ثُمَّ إِذَا أَقَرَّتْ وَكَذَّبَهَا الْوَلِيُّ ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يُحكم بإقرارها؛ لأنها كالمُقِرَّةِ عَلَى الْوَلِيِّ بِالتَّزْوِيْجِ، فَلاَ يُقْبَلُ
قَوْلُهَا عليه، وَيُحْكَى هَذَا عَنِ الْقَفَّال.
وأظهرهما: وبه أجاب ابن الْحَدَّادِ والشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: أنه يحكم؛ لأنها تقر بحق على نفسها.
وعن القاضي حسين: الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَفِيْفَةُ والْفَاسِقَةُ.
ولا فَرْقَ في هذا الخلاف بين أن تفصِّل الإِقرار وتضيف التزويج إلى الولي فيكذبها، وبين أن تطلق إذا قبلنا الإقرار المطلق وَقَالَ الْوَلِيُّ: لاَ وَلِيَّ لَكَ غَيْرِي وَأَنا [ما] 1 زَوْجَتُكَ.
ويجري أَيضاً في تكذيب الشَّاهِدَيْنِ إذا كَانَتْ قد عَيَّنَتْهُمَا؛ لأنه يورث تُهْمَةً في الإِقرار، والأبضاع جديرة بالاحتياط.
والظاهر أَنَّهُ لا يقدح لاحتمال النِّسْيَانِ أو الكذب، فإن قلنا بِأنَّ تَكذِيبِ الْوَلِيِّ يمنع من الحكم بإقرارهما فإنْ كان غائباً لم ينتظر حُضُورُهُ بل يسلم إلى الزَّوْجِ في الْحَالِ للضَّرُورَةِ فَإِنْ عَادَ وكذب، فَيُحَالُ بينهما لزوال الضرورة، أَو يُسْتَدَامُ ما سَبَقَ فيه وجهان ورجح في "الْوَسِيْطِ" الأول وَرَجَّحَ غَيْرُهُ الثَّانِي.
وإذا فرعنا على القديم فجرى الإِقرار في الغربة، ثم رجعا إلى الوطن فهل يحال بينهما؟.
فيه مثل هذا الْخِلاَفِ.
قال الإِمامُ: ولا شَكَّ أَنَّهُ لو قضى قاضٍ بالإِقرار لم ينتقص قضاؤه، هذا حكم إقرارها، وأمَا إقرار الولي فَيَنْظُرُ إن كان له إنشاءُ النِّكَاح المقر به عند الإِقرار من غير رضاها فيقبل إقراره لقدرته على الإِنشاء.
وحكى أبو عَبْدِ اللهِ الحَنَّاطِيُّ وجهاً آخَرَ: أنه لا يقبل حتى تساعده البالغة كالوكيل إذا ادَّعى أنه أتى بما وُكِّلَ به وإن لم يكن له إنْشَاءُ النِّكَاحِ المقر به عند الإِقرار من غير رضاها إما؛ لأنه خير مُجْبَرِ، أو لأن الحال غير حال الإِجبار، أو لأن الزَّوْجَ ليس بكفءٍ لها لم يُقْبَلْ إقْرَارُهُ عليها ولو قال: وهي ثَيِّبٌ كنت زَوْجُهَا في حال بكارتها لم يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ أيضاً واعتبر وقت الإِقرار.
كذلك أطلق الإِمام وهو الظاهر لكن يمكن أن يجعل على الخلاف في العبد إذا أَقَرّ بعد الحجر بدينَ أسنده إلى حال الإِذن، وفيما إذا أَقَرَّ المريض بأنه وهب من وارثه في الصحة.
فَرْعٌ: أقرت لزوج وأقر وليها المقبول إقراره لآخر فالمقبول إقرارها أو إقراره؟.
حكى أبو الحسن العبادي فيه وجهين عن الحليمي عن القَفَّالِ الشَّاشِيِّ والأَوْدَنِيِّ.
وقوله في الكتاب: "لا عِبَارَةَ لَهَا" معلم بالحاء والميم.
وقوله: "إقرار البالغة مَقبُولٌ" بالواو والميم لما بَيَّنْاهُ.
وقوله: "وصدقها".
يقتضي اعتبار التَّصْدِيقِ لكن المفهوم من كلام الأئمة أنه لا يكفي ألا يكذبها فإذا كذبها ففيه الخلاف المذكور وقوله: "ولا حَدَّ للشبهة، ولا ينقص" معلمان بالواو ويجوز أن يعلم -أيضاً- قوله: "ويجب الْمُهْرُ"؛ لأنَّ من يُوْجِبُ الْحَدَّ لا يوجب الْمَهْرَ واللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ:
وَفِي بَيَانِ أَحْكَامِ الأَوْلِيَاءِ بابان
(البَابُ الأَوَّلُ في الأَوْليَاءِ، وَفِيهِ فُصُولٌ ثَمَانِيَةٌ)
(الفَصْلُ الأَوَّلُ: في أَسْبَابِ الوِلاَيَةِ)
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: (الأَوَّلُ) الأبُّوَّةُ وَفِي مَعْنَاهَا الجُدُودَةُ وَتُفِيدُ وَلاَيَةَ الإِجْبَارِ عَلَى البِكْرِ وَإِنْ كانَتْ بَالِغاً (ح و) لاَ عَلَى الثَّيِّبِ وَإِنْ كانَتْ صَغِيرَةً (ح) سَوَاءُ ثَابَتْ بِالزِّنَا (م ح و)، أَوْ بِوَطْءٍ حَلاَلٍ، وَلاَ أَثَرَ لزَوَالِ الجِلْدَةِ بِالسَّقْطَةِ (و)، وَلَوِ الْتَمَسَتِ البِكْرُ البَالِغَةُ التَّزْوِيجَ وَجَبَتِ الإِجَابَة وَإِنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً، فَإِنْ عَضَلَ زَوَّجَ السُّلطَانُ، وَالكُفْءُ الَّذِي عَيَّنَتْ أَوْلَى مِمَّنْ عَيَّنَهُ الوَلِيُّ عَلَى وَجْهٍ.
(الثَّانِي: العُصُوَبةُ) كالأخُوَّةِ وَالعُمُومَةِ، وَلاَ يُفِيدُ إلاَّ تَزْوِيجَ البَالِغَةِ العَاقِلَةِ بِرِضَاهَا الصَّرِيحِ إِنْ كَانَتْ ثَيِّباً، وَبِسُكُوتِهَا إِنْ كَانَتْ بِكْراً عَلَى رأْي (ح).
" القول في
بيان أحكام الأولياء
"
قال الرَّافِعِيُّ: لما بيّن في الفصل السابق أنَّ النِّكاحَ إنما يعقده الولي مست الحاجة إلى بَيَان أحكام الأولياء ولا شك أنَّ الولايةَ تثبت لشخص على شَخْص فعقد بابين:
أحدهما: فيمن له الولاية.
والثاني: فيمن عليه.
أما الأول: فاعلم أن للولاية 1 أسباباً وموانع، والذين توجد فيهم سَبَبُ الْوِلاَيَةِ
من غير معارضة مانع تارة يترتبون وتارة يستوون وقد يعرض لهم تزاحم حينئذٍ، ثم ما يتوظف على الولي إما أن يباشره بنفسه، أو يوكل فيه ترتب كلام الباب على [ثمانية] 1 فصول فَصْلٌ في أسباب الولاية، وفَصْلٌ في موانعها وسوابها، وفصل في ترتيب الأولياء، وفصل في تزاحمهم عند الاستواء، وفصل فيما يجب ويتوظف على الولي، وفصل في التوكيل.
فهذه ستَّةُ فُصُولٍ.
وأما فصلاً تولى الطرفين والكفاءة، فليس لهما كثير اختصاص بالباب إلا أن فيه ما ينساق إليهما؛ ألا ترى أنَّا نقول السلطان يزوج في مواضع منها: إذا أراد الْوَلِيُّ أن يتزوج = مُنْتَصِرًا هُنَالِكَ}.
وقرأ الأخوان والأعمش وغيرهم.
عن طلحة وخلف وغيرهما: "الوِلاية لله الحَقِّ".
بكسر الواو.
وجاء لفظ الولاية في اللغة مصدراً بالفتح والكسر، وهما لغتان فيه بمعنى واحد فالوكالة والوكالة، والوصاية والوصاية.
فَدَلَّ ذلك على أنهما بمعنى واحد.
وقيل بينهما فرق؛ فقد قال سيبويه الوَلايَة بالفتح المصدر، وبالكسر الأسر مثل الإِمارة والنقابة؛ لأنه اسم لما توليته وقمت به، فهذا أرادوا المصدر فتحوا ونسب إلى أبي عبيدة وأبي الحسن أنها بالفتح ولاية مولى بنسب ونحوه.
وذلك ولاية السلطان وقال الزجاج: هي بالفتح النصرة والنسب، وبالكسر للإمارة ونقل عنه أنه ذهب إلى أن الولاية لاحتياجها إلى تَمَرُّنٍ وتدريب شبهت بالصناعات؛ ولذا جاء فيها الكسر.
هذا معنى الولاية في اللغة.
أمَّا في الشرع فهي نوعان: ولاية إجبار، ويمكن أن تفسر بأنها سُلْطَةٌ تثبت للرَّجُلِ على المرأة بسبب ملك، أو أبوة، أو إيصاء فقط، تسوغ له القيام بأمر المرأة، والنيابة عنها في النِّكَاح بطريق الإِلزام.
وولاية غير إجبار، ويمكن أن تفسر بأنها سلطة تثبت للرجل على المرأة بسبب ملك، أو بنوة، أبو أبوة، أو إيصاء، أو تعصيب، أو ولاء، أو كفالة، أو سَلْطَنَةٍ، أو إسلام؛ تُسَوِّغُ له القيام بأمر المرأة، والنيابة عنها في النكاح لا بطريق الإِلزام.
لم يُسوِّ واعلم أن الشارع بين الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، ولم يَضَعْهَا في منزلته، فَقَدْ جَعَلَ لَهُ دونها الأمامة، والقضاء، والجمعة والجماعة، وفرض عَلَيْهِ الْجِهَادَ في سبيل الله، والقيام بنفقتها.
وَلَمْ يُسَوِّ بينهما في الشَّهَادَةِ إذ جَعَلَ شهادة الرَّجُلِ الوَاحِدِ تعادل شهادة امرأتين؛ وفي الإِرث إذ جَعَلَ حَظِّ الرَّجُلَ مثل حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ.
وفي الزوجية جعل العصمة بيده لا بيدها، وهكذا في مواضع كثيرة نجد الشارع الحكيم تعبد الرجل بما لم يتعبد به المرأة، واختصه بَمَزِيد تكَالِيفٍ لم تتعده إليها.
وقد جَعَل الشارع للرجل القوامة العامة عليها بقوله تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
وفيما نحن بصدده "وَهوَ عَقدُ النِّكاحِ" سلبها الشارع حق مباشرته لنفسها، أو لمن تليه، وجعل ذلك من حقِّ الرَّجُلِ وحده.
ولولا أن في تكوين المرأة الجسماني والعقلي ضعفاً يعوقها عن النُّهُوضِ بكل ما نَاطَ به الرجل من هذه الأواصر والتكاليف لما وُجدت هذه الفوارق بين المرأة والرجل.
بها ويقول: إنما يجب عليه الإجابة إذا طلبت التزويج ممن يكافئها، فنحتاج إلى معرفة أن الواحد لا يتولى طرفي العَقد، وأَنَّ الكَفَاءَةَ كيف ترعى وفيهم تُرْعَى فضم هذين الفصلين إلى الفصول الستة.
الْفَصْلُ الأَوَّل: فَي أَسْبَابِ الْوِلاَيَةِ
وقد عَدَّهَا أَرْبَعَةً:
أَحَدُهَا: الأبوة والجدودة -وهي أقوى الأَسْبَابِ لكمال شفقة الأب والجد، وللأب تزويج ابنته البكر -صغيرة كانت أو كبيرة- من غير إذنها أو مراجعتها، ولكن يُسْتَحَبُّ أن تُرَاجعُ البالغة وَيَسْتَأْذِنَهَا، ولو لم يفعل وأجبرها على النِّكَاح صَحَّ وبه قَالَه مَالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وكذا أحْمَدُ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ لما رُوِي أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الثَّيِّبُ أَحَقُ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّهَا وَالْبِكْرُ يُزَوِّجْهَا أَبُوهَا" 1 نعم لو كان بين الأب وابنته عداوة ظاهرة قال الْقَاضِيُ ابن كَجٍّ في كتابه: ليس له إجبارها على النِّكَاحِ وهكذا نقله أبو عبد الله الحَنِّاطِيُّ عن ابن المرزبان.
قال: ويحتمل جوازه وعند أبي حنيفة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ليس للأب إجبار [البكر] 2 البالغة وأما الثَّيِّبُ فلا يزوجها الأب إلاَّ بإذنها فإن كانت صَغِيْرَةً فلا [اعتبار لإذنهما] 3 فلا تُزَوَّجُ حَتَّى تَبْلُغَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: إنْ كَانَتْ صغيرة، فله تزويجها دليلنا ما رُوِيَ -أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لَيْسَ لِلوَلِيُّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ" 1 والجد كالأب في جميع ما ذكرناه على ظاهر المذهب المشهور.
وَحَكَى أبُو عَبْدِ اللهِ الحَنَّاطِيُّ قولاً: أَنَّ الجد لا يجبر البكر البالغة كالأخ.
ويروى هذا عن مالك، وهو فيما حَكَى الْمُوَفَّقُ بْنُ طَاهِرٍ اختيار ابن القَاصِّ، وأبي الطيب بن سلمة.
وعند أحمد: لا يجوز إجبار الصغيرة ولا الكبيرة، وهذه رواية عند مالك، ووجه ظاهر المذهب أن له ولادة وعصوبة فأشبه الأب، وأيضاً فإنه كالأب في ولاية الْمَالِ وفي وجوب النَّفَقَةِ وحصول العتق فكذلك هنا.
ثم هنا مسائل:
الأولى: لا فرق بين أن تحصل الثيوبة بوطء حلال، أو بوطء شبهة، أو بزنا، وفي هذه الأحوال أيضاً يعتبر إذنها.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: المصابة بالفجور حكمها حكم الأبكار، وعن مالك مثله.
وفي شرح "المختصر" الجويني أن أبا إسْحَاقَ اختاره وحكاه عن القديم.
وعن أحمد؛ روايتين كالمذهبين.
لنا أنها ثَيِّبُ، بدليل دخولها في الْوَصِيَّةِ للِثَّيْبِ فيعتبر نطقها للإخبار وإن زالت البكارة بالسقطة، أو الإِصبع أو حدة الطَّمْثِ، أو طول التعنيس فظاهر المذهب أنَّها كَالأبْكَارِ؛ لأنها لم تمارسَ الرِّجَالَ وهي على غباوتها وحيائها.
وعن أبي علي بن خيران، وابن أبي هُرَيْرَةَ: أنها كالثَّيِّبِ لزوال العُذْرَةِ.
وحكى الْقَاضِيُ ابنُ كَجٍّ عن القاضي أبي حَامِدٍ سماعاً: أن التي وطئت مجنونة، أو مكرهة، أو نائمة حكمها حكم الأبكار لنفاذ الحياء وهذا خلاف ظاهر المذهب.
وفي المصابة في غير المأتي وجهان:
أصحهما: أن حكمها حكم الأبكار.
الثانية: إذا التمست البكر البالغة التزويج وقد خطبها كفؤ فعلى الأب، أو الجد
إجابتها تحصيناً لها كما يجب إطعام الطفل، إذا استطعم، فإن امتنع أثم، وللسلطان أن يزوجها.
ويروى عن عَليٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّ النَّبِيَّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "ثَلاَثٌ لاَ تُؤَخِّرُوهَا: الصَّلاةُ إِذَا أَتَتْ، وَالْجَنَّازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأَيِّمُ إِذَا وَجَدَتْ لَهَا كُفْؤاً" 1.
وفيه وجه: أنه لا يجب الإجابة، ولا يأثم بالامتناع؛ لأن الغرض يحصل بتزويج السُّلْطَانِ وأيضاً فإنها مجبرة من جهة الأب والجد، فكيف يخبرهما على النِّكَاحِ.
الثالثة: إذا عينت كفئاً، وأراد الأبُ تزويجها من كفءٍ آخر حَكَى الإِمَامُ فيه خلافاً للأصحاب أحد الوجهين: أن عليه تزويجها ممن عينته إعفافاً لها 2.
واظهرهما: أنه لا يتعين، ولو زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ جاز لأنها مُخَيَّرَةٌ وليس لها اختيار الأزواج وهو أكمل نظراً منها، وتبين بما ذكرنا أن قوله في الكتاب "والكفء الذي عينته أولى ممن عينه الولي على وجه" لَيْسَ المُرَادُ منه وضع الخلاف في الأولوية وكأنه أراد أن من عينته أولى بأن يتعين.
وليعلم قوله في أول الْفَصْلِ "وفي معناها الجدودة" بالميم والألف والواو.
وقوله: "وإن كانت بالغة" بالحاء والميم.
وقوله: "وإن كانت صغيرة" بالحاء.
وقوله: "بالزِّنَا" بالواو والميم والحاء.
وقوله: "ولا أثر" بالواو وكذا قوله: "وجبت الإِجابة" بالواو وكل ذلك لما سبق، ولفظ "البالغة" في قوله: "ولو التمست البكر البالغة التزويج" [هل] 3 هو للتقييد.
ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّغِيرَةَ أيضاً إذا التمست التزويج، وَجَبَتْ الإِجابة إذا كانت في أوان إمكان الشهوة فعلى هَذَا لَيْسَ هو للتقييد واللهُ أَعْلَمُ.
قال: العصوبة كما لأخوة والعمومة.
السبب الثاني: عصوبة من على حاشية النَّسَبِ كالأخ والعم وبينهما ولفظ "العصوبة" في الكتاب منزل على هذا، وإلاَّ فالأب والجد لهمَا عصوبة أيضاً، فيدخلان فيه، وهي لا تفيد تزويج الصغيرة بكراً كانت أو ثيباً خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حَيْثُ قال: لهم تزويجها إلاَّ على أنه لا يلزم فلها الرَدُّ إذا بلغت بخلاف تزويج الأب والجد.
دليلنا ما روي أنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لاَ تَنْكِحُوْا الْيَتَّامَى حَتَّى تَسْتَأْمِرُوهُنَّ" 1 ونحوه من الأخبار.
وأما البالغة فإن كانت ثَيِّباً فلهم تزويجها بإذنها الصريح، ولو زوجت بدون رضاها لم ينعقد.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: ينعقد موقوفاً على إجازتها، وإن كانت بكراً فلهم تزويجها إذا استأذنوها، وهل يشترط صريح نطقها أم يكتفي بسكوتها؟.
فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا بُدَّ من النطق كما في الثَّيِّب.
وأصحهما: وبه قال أبو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: الاكتفاء بالسُّكُوتِ؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأَمَرُ في نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا" 2.
وَحُكِيَ وَجْهُ: أنه لا حَاجَةَ إِلى الاستئذان أيضاً بل إذا جرى التزويج بين يديها، ولم تنكر كان ذلك رضاءً كما إذا جرى فعل بين يدي رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فلم ينكر عليه- فإذا اكتفينا بالسكوت، فيحصل الْغَرَضُ ضَحَكَتْ أَوْ بَكَتْ إلاَّ إذا بكت مع الصِّيَاحِ وضرب الْخَدِّ فلا يكون ذلك رضىً ولو أراد الأبُ تزويج ابنته البكر من غير
كُفْءٍ، فاستأذنها فيشترط النُّطْقُ أم يكفي السكوت؟.
فيه الوجهان (1):
وقوله في الكتاب: "ولا يفيد إلا تزويج العاقلة البالغة" معلم بالحاء لما ذكرنا أنه جوز للعم والأخ تزويج الصغيرة، وإنما قيد بـ"العاقلة" لأن الأَخَ ومن في معناه لما لا يزوجون الصغيرة ولا يزوجون المجنونة على المذهب كما سَيَأْتِي في الباب الثَّانِي إلاَّ أَنَّ الْفَصْلَ كُلَّهُ مَوْضُوعٌ في العواقل، ولو وجبت التقييد هاهنا لوجب في قوله من قبل "لا على الثَّيِّبِ وإن كانت صغيرة".
وفي قوله: "ولو التمست البكر البالغة التزويج"، فلا اختصاص لهذا بالموضع بالحاجة إلى التقييد.
فروع
:
أحدها: لو قال: أزوجك من شخص فسكتت.
قال بعض المتأخرين: هذا لا يكون رضىً عند أبي حَنِيْفَةَ -رحمه الله- وهو بمذهبنا أَلْيَقُ؛ لأن الرضا بالمجهول لا يتصور عندنا ولك أَنْ تقول: هذا يخرج على أنه لا بُدّ في الإذن من تعيين الزَّوْجِ، وعلى الأَصَحِّ أنه لا حَاجَةَ إليه كما سيأتي، فلا يضر الْجَهْلُ بِهِ، ثَم لا يخفى أن التصوير مبني على الاكتفاء بالسكوت.
الثاني: إذا قال: أيجوز أنْ أزوجك؟ فقالت: لِمَ لاَ يَجُوزْ؟ أو قال: أتأذنين؟ فقالت: لم لا آذن؟.
حكى بعضهم أنه لا يكون إذناً 2، ولك أن تقول: ما ذكره الولي إن صلح مراجعة واستئذاناً فالَّذِي صدر منها يشعر بالإِذن والرضا، فإذا اكتفينا بالسكوت على الأظهر فأولى أن نكتفي بلفظ مشعر.
وَإِنْ قيل: إنه لا تصلح مراجعته استئذاناً، فهذا مما يأباه الطَّبْعُ وبتقدير أن يكون كذلك فالمعتبر أن يقول الْوَلِيُّ ائذني لي في تزويجك أو أزوجك من فلان فائذني لي ولو قال: أزوجك فقالت بالفارسية: "شايد" 3 وجب أن يكون إذناً، كما في "فتاوى القَفَّال" أنه لو قال: أنا أدفع الزكاة عنك فقالت بالفارسية: "شايد" يكون ذلك إذناً وتوكيلاً.
الثالث: لو قالت: وكلتك في تزويجي.
فالذين لقيناهم من الأئمة لا يعتدون به1
إذناً؛ لأن توكيل المرأة في [النِّكَاحِ] 1 بَاطِلٌ لكن الفرع غير مسطور، ويجوز أن يعتد به إذناً لما ذكرنا في "باب الوكالة" أنها وإن [فسدت] 2 فالأصح أَنَّهُ ينفذ التَّصَرُّفُ بحكم الإِذن 3.
الرابع: كثيراً ما يقول أهل "قزوين" عند الإِذن والتوكيل [انح توكني أو كرده اى من كردة أم] 4 ولا شك في أنه يصلح كناية فإن اكتفينا بالسكوت على الأظهر فالاكتفاء به أولى، بل ينبغي أن يكتفِ به وإن لم يكتفِ بالسكوت.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ: المُعْتِقُ) وَهوَ كَالعَصَبَاتِ (الرَّابعُ: السُّلْطَانُ) وِإنَّمَا تُزَوِّجُ البَالِغَةَ عِنْدَ عَدَمِ الوَلِيِّ أَوْ عَضْلِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ (ح)، أَوْ أَرَادَ الوَلِيُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنَفْسِهِ كَابْنِ عَمٍّ أَوْ مُعْتِقٍ أَوْ قَاضٍ، وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ (ح) تَزْوِيجُ الصَّغِيَرَةِ، وَلاَ لِلوَصِيِّ (م) وِلاَيَةٌ وَإِنْ فُوِّضَ إِلَيْهِ (ح).
قال الرَّافِعِيُّ: كان اللائق أن يقول: الثالث الإِعتاق.
والرَّابعُ: السلطنة كما قال الأول الأبوة والثاني العصوبة؛ لأن الْكَلاَمَ في أسباب الولاية والسبب الإِعتاق والسلطنة لا المعتق والسلطان.
والفقه أن المعتق وعصباته يزوجون بحق الولاية لتزويج الأخ والعم، وكذا السلطان يزوج بالولاية العامة البوالغ بإذنهن، ولا يزوج الصغائر خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ كما سبق في الأخ والعم، ثم السلطان يزوج في مواضع:
أحدها: عدم الولي الحاصل كما سيأتي في "ترتيب الأولياء".
والثاني: عضله فإذا عضل من يلي أمرها بقرابة، أو إعتاق واحداً كان أو جَمَاعَةٍ مستويين زَوَّجَهَا السُّلْطَان؛ لأن التزويج حَقُّ عليه، فإذا امتنع وفاه الحاكم كما لو كان عليه دَيْنٌ، وامتنع من أدائه.
وحكى الإِمَامُ خلافاً في أَنَّ السُّلْطَانَ والحالة هذه يزوج بالولاية أو بالنِّيَابَةِ عن
الولي، وأجرى هذا الخلاف في جميع صور تزويج السلطان مع قيام الولي الخاص، وأهليته وإنما يحصل العضل إذا ادعت البالغة العاقلة إلى تزويجها من كُفْءٍ فامتنع فأما إذا دعت إلى غير الكُفْءِ، فَلَهُ أن يمتنع، ولا يكون عاضلاً وإذا حصلت الكفاءة فليس له الامتناع بعلة نقصان الْمَهْرِ لأن المهر يتمحض حَقَّاً لها خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ولا بُدَّ من ثبوت العضل عند الحاكم [ليزوجها] 1.
قال في "التَّهْذِيْبِ" ولا يتحقق العضل، حتى يمتنع بين يدي الحاكم وذلك بأن يحضر الخاطب والمرأَة والولي ويأمره الحاكم بالتزويج فيقول: لا أفعل، أو يسكت، فحينئذٍ يزوجها القاضي، وكان هذا فيما إذا [تيسر] 2 إحضاره عند القاضي فأما إذا تعذر بتعزُّز أو توارٍ وجب أن يكون الإِثبات بالْبَيِّنَةِ كما في سائر الْحُقُوقِ.
وفي "تعليق" الشَّيخ أبي حَامِدٍ ما يدل عليه وعند الْحُضُورِ لا معنى للبَيِّنَةِ، فإنه إن زَوَّجَ نقد حصل الغرض، وإلاَّ فَهُوَ عضل.
الثالث: غيبة الولي على ما سنذكره في الفصل الثالث من الباب الرابع إذا أراد أن يتزوج بنفسه، وسنينه في الفصل الرابع.
هذه أسباب الولاية، ولا تلحق بها الوصاية، فليس للوصي ولاية التزويج سواء أطلق الموصي الوصاية، أو تعرض لتزويج البنات لِمَا مَرَّ في "باب الوصاية"، فلو لم نورد المسألة هنا اكتفينا بما ذكر في الوصاية لجاز.
وقال أَحْمَدُ: للوصي التزويج.
وعند مالك -رضي اللهُ عنه-: إذا أوصى إليه في التزويج فإن كانت البنت كبيرة زوجها الوصِيُّ بإذنها وإن كانت صغيرة وعين الموصي الزوج زوجها الوصي منه وإنْ لَمْ يعين انتظر بلوغها لتأذن.
وقوله في الكتاب: "وإنما يزوج البالغة" يجوز إعلامه بالحاء؛ لأن عنده يزوج الصغيرة أيضاً وفي هذا ما يغني عن قوله من بعد "وليس للسلطان أن يزوج الصغيرة".
وقوله: "أو غيبته، أو أراد الولي أن يتزوج بنفسه" معلمان بالحاء لما سيأتي في الفصلين المحال عليهما.
وقوله: "ولا للوصي ولاية" معلم بالحاء والألف.
ونختم الفصل بكلامين:
أحدهما: أَنَّهُ عَدَّ أَسْبَابَ الْوِلاَيَةِ أربعة، وسيجيء الْخِلاَفُ في أن المالك يزوج أَمَتَهُ بحكم الملك، أم بحكم الولاية؟ فإن قلنا بالثاني صارت الأسباب خمسة.
والثاني: التعرض لمواضع تزويج السلطان كالخارج عن مقصود الفصل؛ لأنه مسبوق لبيان الأسباب وما يفيده كل واحد منهما، وهذا الغرض يحصل لإلحاق تزويجه بتزويج العصبات كما فعل في المعتق على أن تزويجه في كلِّ مَوْضِع منها مَعْلُومٌ لما ذكره في غير هذا المقام أما عند عدم الولي فلما ذكره في ترتيب [الأولياء] (1) وأما العضل، فلقوله في السبب الأول "فإن عضل زوج السلطان"، فأما عند الغيبة ورغبة الولي في نكاحها فلما سيأتي في الفصل الثالث والرابع.
واللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي في تَرْتيبِ الأَوْليَاءِ)
وَالأَصْلُ القَرَابَةُ ثُمَّ الوَلاَءُ ثُمَّ السَّلْطَنَةُ، وَمِنَ الأَقَارِبِ الأَبُ ثُمَّ الجَدُّ (م) ثُمَّ الأَخُ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ العَمُّ ثُم ابْنُهُ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي عُصُوبَةِ المِيرَاثِ، وَالأَخُ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ لاَ يُقَدِّمُ (ز ح م) عَلَى الأَخَ مِنَ الأَبِ في النِّكَاحِ عَلَى قَوْلٍ وَإنْ قُدَّمَ في المِيرَاثِ وَصَلاَةِ الجَنَائِزِ وَالوَصِيَّةِ لِلأَقْرَبِ، وَالابْنُ لا يُزَوِّجُ أُمَّهُ بِالبُنُوَّةِ، وَلاَ تَمْنَعُهُ البُنُوَّةُ عَنِ التَّزْوِيجِ بِالوَلاَءِ وَغَيْرِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الْجِهَاتُ المعيذة للولاية تقدم منها القرابة ويليها الولاء ويليها السَّلْطَنَةُ.
أمَّا تَقَدُّمُ الْقَرَابَةِ على الولاء، فلاختصاص الأقارب بزيادة الاهتمام والشفقة، وأما تَقدِيمُ الْوَلاءِ على السَّلْطَنَةِ فلإلتحاق الولاء بالنسب على ما قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "الوَلاَءِ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةُ الْنَسَبْ" 2
ثم السلطنة ويدل عليه قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "الْسُلْطَانُ وَلِيُ مَنْ لاَ وَلِيَ لَهُ" 3. ثم يقدم من الأقارب الأب؛ لأن سائر الأولياء يدلون به، ثم الجد، ثم أبوه إلى حيث ينتهي؛ لأن له ولادة وعصوبة فيقدم على من ليس له إلاَّ عصوبة، ثم الأخ من الأبوين، أو من الأب، ثم ابنه وإن سفل ثم العم من الأبوين، أو من الأب، ثم ابنه وإن سفل، ثم سائر العصبات والترتيب في التزويج كالتَّرُتيبِ في الميراث إلا في ثَلاَثِ مَسَائِلَ:
الأولى: الجد والأخ يستويان في اسْتِحْقَاقِ الإرث وهاهنا تقدم الجد؛ لأن التزويج ولاية، واحتكام، والجد لزيادة شفقته أولى بالولاية، ولهذا اختصّ بولاية الْمَالِ.
والثانية: الأخ من الأبوين يقدم على الأخ من الأب في الميراث وهاهنا قولان:1
القديم -وبه قال أحمد-: أنهما سواء؛ لأن أخوة الأم لا تفيد ولاية النكاح، فلا يرجح بخلاف الإِرث، فإنَّ أخوة الأم تفيده.
وأصحهما -وَهُوَ الْجَدِيْدُ وبه قَال أَبُو حَنِيْفَةَ ومالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- والمزني: أنه يقدم كما في الميراث لزيادة القرب والشفقة، وليس كُلُّ ما لا يفيد لا يرجح؛ ألا ترى أنَّ الْعَمَّ من الأبوين يُقَدَّمُ على الْعَمِّ من الأب في الميراث، وإن كان العم من الأم لا يرث، ويجري القولان في ابني الأخ والعمين، وابني العم إذا كان أحدهما من الأبوين، والآخر من الأب وامتنع الإِمام من طرد الخلاف، فيما إذا كان [لها] 1 ابنا عم أحدهما أخوها من الأم أو ابنا ابن عم أحدهما ابنها، توجيهًا بأن المعتمد في تقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب أن اجتماع القرابتين قد يوجب قوة عصوبته، وهي عصوبة تفيد ولاية التزويج، وأخوة الأم في ابن العم لا تفيد عصوبة أصلًا، والبنوة في الصورة الأخرى تفيد قوة العصوبة، لكنها عصوبة لا تفيد ولاية التزويج، والأكثرون اكتفوا في طَرْدِ الْخِلاَفِ بزيادة القرابة الموجبة لزيادة الشفقة.
وقالوا في الجديد: يقدم الأخ والابن [ولو كان] 2 لهما ابنا عم أحدهما من الأبوين، والآخر من الأب، لكنه أخوها من الأم، فالثاني أولى؛ لأنه يدلي بالأم، والأول يدلي بالجد والجدة، ولو كان لها ابنا ابن عم أحدهما ابنها والآخر أخوها من الأم، فالابن أولى؛ لأنه أقرب من الأخ، ولو كان لها ابنا معتق أحدهما ابنها، فهو مقدم على الآخر.
وبهذا أجاب ابن الحداد لكنه ذكر في التفريع أنه لو أراد المعتق نِكَاحَ عتيقته وله ابن منها وابن من غيرها زوجها منه ابنه منها دون ابنه من غيرها، وهذا غلط عند مُعْظَم الأَصْحَاب مِن جهة أن ابن المعتق لا يزوجها في حياة المعتق؛ لأنه يدلي به؛ كما لا يزوج ابن الأخ مع الأخ، فهذا خطبها المعتق زوجها السُّلْطَانُ، وإنما يفرض من ابنه التزويج بعد موته، وهذا كله في الجديد.
وفي القديم: يسوى في الصور.
الثالثة: الابن في الميراث أولى الْعَصَبَاتِ، وفي التزويج لا ولاية له بالبنوة خلافًا لأبي حنيفة -ومالك وأحمد -رحمهم الله-؛ لأنه لا مشاركة بين الأم والابن في النسب، ولا يعني بدفع العار عن النسب؛ ولهذا لم نُثبت الولاية للأخ من الأم، فإن كان هناك مشاركة بأن كان ابنها ابن ابن عمها، فله الولاية، وكذا لو كان معتقًا أو قاضيًا، أو فرضت قرابة أخرى تتولد من أنكحة الْمَجُوسِ، أَوْ مِنْ وطء شُبْهَةٍ بأن كان ابنها أخاها أو