العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 426-465

(1) وَالنَّظَرُ في خَمْسَةِ أَقْسَام

ِ: (القِسْمُ الأَوَّلُ: في المُقَدِّمَاتِ)

وَهِيَ خَمْسٌ: (الأُولَى) خَصَائِصُ رَسُولِ اللهِ.
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.، وَقَد خُصَّ مِنَ الوَاجِبَاتِ بِالضُّحَى، وَالأَضْحَى (و)، وَالوَتْرِ (ح)، وَالتَّهَجُّدِ (و)، وَالسِّوَاكِ (ح).
قال الرَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ الله-: الأَصْلُ في النِّكَاحِ بَعْدَ إِجْمَاعِ أَهلِ الْمِلَلِ قَوْلُهُ تَعَالَى:1

......................... = وذهب الشافعية والمالكية وجمهور الفقهاء إلى القول بأن النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء.
وذهب الحنفية إلى العكس.
والقول بأن النكاح حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر أولى من الذهاب إلى الاشتراك اللفظي، وذلك لما هو متقرر في كتب الأصول من أنه إذا دار لفظ بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى لأنه أبلغ وأغلب.
والمشترك يخل بالأفهام عند خفاء القرنية عند من لا يجيز حمله على معانيه بخلاف المجاز فإنه عند خفاء القرنية يحمل على الحقيقة.
فكونه حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر أولى.
ثم الظاهر مذهب الجمهور القائل بأن النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء وذلك.
أولاً: لكثرة استعمال لفظ النكاح بإزاء العقد في الكتاب والسنّة حتى قيل إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد.
ولا يرد قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنّة وذلك للحديث المتفق عليه في قصة امرأة رفاعة لما بت طلاقها وتزوجها عبد الرحمن بن الزبير فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" فيكون معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ حتى تتزوج ويعقد عليها.
وقد بينت السنّة أنه لا بدّ مع العقد من ذوق العسيلة.
وثانيا: إنه يصح نفي النكاح عن الوطء فيقال هذا الوطء ليس نكاحاً ولو كان النكاح حقيقة في الوطء لما صح نفيه عنه.
وتظهر ثمرة الخلاف بين الحنفية والجمهور في حرمة موطوءة الأب من الزنا.
فلما كان النكاح عند الحنفية حقيقة في الوطء الشامل للوطء الحلال والحرام قالوا بحرمة موطوءة الأب من الزنا.
ولما كان عند الجمهور حقيقة في العقد قالوا لا تحرم موطوءة الأب من الزنا عرفه الشافعية بقولهم.
عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ الأنكاح والتزويج وما اشتق منهما -فقولهم: "عقد" جنس في التعريف.
وقولهم: "يتضمن اباحة وطء" خرج به ما لا يتضمن إباحة الوطء كالإجارة وغيرها.
وقولهم: "بلفظ الإنكاح والتزويج" خرج به ما لم يكن بهذا اللفظ كالهبة والتمليك وعرفه العلامة الدردير رحمه الله في "أقرب المسالك" حيث قال: هو عقد لحل تمتع بأنثى غير محرم ومجوسية وأمة كتابية بصيغة.
فالعقد مصدر عقد أي تمسك وتوثق.
والمراد به هنا أرتباط أحد الكلامين بالآخر أي ارتباط كلام الزوج بكلام ولي الزوجة على وجه يسمى باعتباره عقداً شرعياً يستعقب أحكامه.
وقوله: "عقد" جنس في التعريف يشمل النكاح وغيره من العقرد.
وقوله: "لحل تمنع" الخ.
علة باعثة على العقد، وهو فصل مخرج لكل عقد ليس لذلك، ومنه شراء الأمة للتلذذ بها إذ ليس الأصل فيه حل التمتع بخصوصه بل الانتفاع العام وملك الرقبة وخرج بقوله: "غير محرم ومجوسية وأمة كتابية" المحرم بنسب أو رضاع أو صهر والمجوسيات والأيماء الكتابيات.
فلا يصح العقد على واحدة منهن ولا يقال إن هذا التعريف غير مانع لأنه يدخل فيه الملاعنة والمبتوتة والمعتدة من الغير والمحرمة بحج أو عمرة؛ لأنه قصد بما ذكره إخراج من قام به مانع أصلي، وأما الملاعنة وما عطف عليها فمانعهن عرضي طارئ بعد الحل بخلاف المحرم والمجوسية والأمة الكتابية.
فإن مانعهن ذاتي لا عرضي وقوله: "بصيغة" متعلق بقعد وهو من تمام التعريف لأن الصيغة أحد =

﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] وقولهُ تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] ونحو هذا من من الآيات، ومَا رُوِيَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قَالَ: "تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا" 1، وَقَالَ- صَلَّى الله عَلَيهِ وَسلَّمَ-: "النِّكَاحُ سُنَّتِي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ = أركان النكاح وقد عرفه الكمال بن الهمام من الحنفية بقوله.
عقد وضع لتملك المتعة بالأنثى قصداً فقوله: "عقد" جنس في التعريف يشمل سائر العقود.
وقوله: "ومنع لتملك المتعة بالأنثى" يخرج به العقد على المنافع كالإجارة وعلى الذوات كالبيع والهبة.
والمراد ومنع الشارع لا وضع المتعاقدين.
وقوله: "قصدا" يحترز به عن عقد تملك به المتعة ضمناً كما في البيع والهبة لأن المقصود فيهما ملك الرقبة، ويدخل ملك المتعة فيهما ضمناً إذا لم يوجد ما يمنعه.
وعرفه الحنابلة بأنه: عقد التزويج فهو حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الصحيح.
ينظر الصحاح 1/ 413، لسان العرب 2/ 625، المصباح المنير 2/ 965، القاموس المحيط 1/ 263، معجم مقاييس اللغة 5/ 5، المطلع 318. وينظر تبيين الحقائق 2/ 94، بدائع الصنائع 3/ 1324، مغني المحتاج 3/ 123، منح الجليل 2/ 3، الفواكه الدواني 2/ 21، الكافي 2/ 519، الإنصاف 8/ 4. والحكمة في تشريع النكاح.
إن إرادة الله اقتضت أن يكون النوع الإنساني خليقته في الأرض لإصلاحها ولإقامة الشرائع فيها وهذه الأغراض التي أحبها الله وأحب أن تكون لا يمكن أن تتحقق إلا إذا ثبتت على أسس متينة ودعائم قوية ثابتة ألا وهي النكاح، فإن النسل يمكن أن يوجد بمجرد اجتماع الرجل بالمرأة بأي طريقة كانت.
ولكن مثل هذا النسل لا يمكن أن يكون صالحاً لإِصلاح الأرض وعمارتها فإن النسل الصالح لا يوجد إلا بالنكاح.
أقف إلى ذلك أن النكاح يكسب الرجل أولاداً إذا قام بتعليمهم وتربيتهم كانوا له قرة عين في حياته، وذكراً حسناً بعد وفاته، فالأولاد هم مشقة النفس وزينة الحياة قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فإذا مات الرجل فقد خلف من بعده من يحمل اسمه ويدعو له بخير، ولذلك جاء في الخبر "إِذَا مَاتَ ابن آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلَهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَث" وَذَكَرَ مِنْهَا الولد الصالح.
ثُمَّ إن النَكَاحَ هو الوسيلة التي تجمع بين الرجل والمرأة، فيكون ذلك سبباً لاستكمال النقص الذي يوجد عند المرأة، إذْ مَنِ المَقرر في أن المرأة ضعيفة لا يمكن أن تتحمل ما يتحمله الرجل من الأعمال الشاقة، فهي في حاجة إلى رجل يعينها على كسب عيشها ويعمل على صيانتها من التهتك والابتذال، كما أن الرَجُلَ في حاجة إلى امرأة تحمل على صيانة ماله وتدبير أمور منزله وتفرج عنه متاعب الحياة.
ولا يكون ذلك إلاَّ من امرأة تربطه بها صلة النكاح القوية التي سمَّاهَا اللهُ تَعَالى في كتابه العزيز ميثاقاً غليظاً حيث قال ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
وزيادة على ذلك فَإِنَّ النكاحَ وسيلةُ إلى ارتباط الأُسَرِ واتِّحَادِها وإزالة ما بينها من أسَباب العداوة والبغضاء، فكم من أسرتين كانت العداوة قائمة بينهما، ثم بفضل الزواج انقلبت تلك العداوة إلى محبة، فالنكاح ليس صلة بين الزوجين فحسب بل هو صلة من الزوجين إلى أسرتيهما ومعارفهما فيكون ذلك حلقة واسعة في اتحاد الأمة ولذلك نجد الله تعالى يمتن على عباده بالزواج فيقول ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾...

سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي" 1، ونحوهما من الأَخْبَارِ.
= عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: حجوا تستغنوا، وسافروا تصحوا، وتناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم، والمحمدان ضعيفان، وذكر البيهقي عن الشَّافعي أنه ذكره بلاغاً، وزاد في آخره: حتى بالسقط، وفي الباب عن أبي أمامة أخرجه البيهقي [7/ 87] بلفظ: تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى، وفيه محمد بن ثابت وهو ضعيف، وعن أنس صححه ابن حبان بلفظ: تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة، وعن حرملة بن النعمان أخرجه الدارقطني في المؤتلف وابن قانع في الصحابة بلفظ: امرأة ولود أحب إلى الله من امرأة حسناء لا تلد، إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، وفي مسند ابن مسعود من علل الدارقطني نحوه، وعن عياض بن غنم أخرجه الحاكم بلفظ: لا تزوجن عاقراً ولا عجوزاً، فإني مكاثر بكم، وإسناده ضيف.

وَفِقْهُ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- في الكتابِ مُفْتَتَحَ من "الْمُختَصَرِ" بذكر خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي النِّكَاحِ، وأضيف إليه خصائصه في سَائِرِ الأُمُورِ.
وَسَبَبْ تَخْصِيصِ النِّكَاح بذكرها أَنَّ خصائصه في النِّكَاحِ أكثر، وأشهر، ثم هو مُثَنَّى بباب "التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ"، وطَرَفٍ من أحكام النَّظَرِ، الذي هو من مقدِّمات النِّكَاحِ، ثم للنِّكَاح أَرْكَانٌ، لا بُدَّ من اجتماعها، وموانع لاَ بُدَّ من ارتفاعها، ليصحَّ، وإذا صَحَّ، فقد يعرض ما يوجب الخِيَارَ، وقد لا يعرضُ، فَرَتَّبَ الْمُصَنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مَسَائِلَ الكتاب علَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ.
أَحَدُهَا: فِي قَوَاعِدَ تجري مجرى المقدِّمَات.
وثانيها: في الأرْكَان.
وثالثها: في المَوَانِعِ.
ورابعُها: فِي مُوْجِبَاتِ الْخِيَارِ.
وأما الخامسُ: فهو مَعْقُودٌ لبيان فُصُولٍ تَنْخَرِطُ في الباب سُبِّبَتْ عن الأقسام الأربعة.
القسمْ الأَوَّل: في المقَدِّمَاتِ: منها بَيَانُ خَصَائِصِ رسولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في النِّكَاحِ وغيره.
قال الأَئِمَةُ- رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهي تتنوع أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ: أحدها: ما اخْتَصَّ به-صلى الله عليه وسلم- من الواجبات، والحكمة فيه زيادةُ الزُّلْفَى في الدرجات، فلم يتقرَّبِ المتقربُونَ إلى الله بمثل أداء ما افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ 1. =وهو من رواه عطاء عن عكرمة عنه، ولم يقع منسوباً، في رواية الطبراني: ابن أبي الخوار وهو موثق.
قاله الحافظ في التلخيص.

فمنها: صَلاَةُ الضُّحَى 1. رُوِيَ عنْ رَسُول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّه قال: "ثَلاَثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ، وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمُ: السِّوَاكُ، وَالْوَتْرُ، وَالأُضْحِيَةُ" 2 وفي "الجُرْجَانِيَّاتِ" لأبي العبَّاسِ الرويَانِيِّ وجهٌ آخَرُ: أنها لم تكن واجبةً عليه.
ومنها: الوِتْرُ والتهجُّد 3.

قال اللهُ تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79] أي: زيِادةً على الفرائض.
وعن عائشةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "ثَلاَثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرِيضَةٌ، وَهُنَّ لَكُمْ سُنَّةٌ: الْوِتْرْ، والسِّوَاكُ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ" 1. وفي قيام اللَّيل وجْهٌ: آخرُ أنه نُسِخَ وجوبُهُ في حقِّهِ، كما في حقِّ الأُمَّةِ، وهذا ما أورده الشيخُ أبو حامدٍ، وفي الوَتْرِ، أيضاً وجهٌ حكاه أبو العباس الرُّوَيانيُّ: أنه لم يَكُنْ واجباً عليه.
واعلم أن مقْتَضَى الخبرِ الَّذي نقلناه عن رواية عائشةَ -رضي اللَّهُ عنها-، وكلامِ الأئمةِ هنا أنَّ الوِترَ غيرُ التهجد 2 المأمور به، وذلك يخالِفُ ما مَرَّ في "باب صلاة التَّطَوُّعِ" أنه يُشْبِه أن يكون الوتر هو التهجُّدَ، ويعتضد به الوجه المذكور هناك عن رواية القاضي الرُّويَانيِّ، وكأنَّ التغايُرَ أظْهَرُ.
ومنها: السِّوَاكُ.
كانَ وَاجِباً عَلَيْهِ؛ للخبرِ، وفيه وَجْةٌ آخَرُ: أنه كان مُسْتَحَبّاً 3، كما في حقِّ الأُمَّةِ.
وليعلَم من لفظ الكِتَاب: "الأَضْحَى" "والوِتْر"، و"التهجد"، و"السِّوَاك": أربعتها، بالواو، لما ذكرنا.

ومما عُدَّ من مأموراته: المُشَاورة، كما قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي اْلأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]، وهَلْ كانَتْ واجبةً، أو مستحبة؟ فيه وجهان: أظهرهما: أولهما.
وكان يَجِبُ عليه، إذا رأَى منكراً أن ينكر عليه، وُيغَيِّرَهُ؛ لأنّ اللَّهَ تعالى وعده بالعِصْمة، والحفْظ 1. وكان يجبُ عليه مصابَرَةُ العَدُوِّ، وإن كثر عَدَدُهم، والأمة إنما يلزمها الثبات، إذا لم يزدْ عدد الكفار على الضِّعْف.
وكان يجب عليه قضاء دَيْنِ مَنْ ماتَ من المسْلمين مُعْسِراً.
وحكَى الإِمَامُ وجهاً آخرَ: أنه لم يكُنْ واجباً علَيْه، وإنما كان يقضيه تكرُّماً، وهل كان على الأئمة قضاء دَيْنِ المُعْسِرِ من مال المصالح؟ فيه وجهانِ عن رواية الشيخ أبي علي 2. وقيل: كان يجبُ عليه، إذا رأَى شيئاً يعجبه أن يقول: لَبَّيكَ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَة.
[و] هذا في غير النِّكاحِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَتَخْييرِ نِسَائِهِ (و) بَيْنَ اخْتِيَارِ زِينَةِ الدُّنْيَا أَوِ اخْتِيَارِهِ، وَمَنِ اخْتَارَتْةُ هَلْ يَحْرُمُ طَلاَقُهَا؟ فِيهِ خَلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أمَّا في النِّكَاحِ، فقد أوجب اللَّهُ تعالى عَلَى رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تخييرَ نِسَائِهِ بيْن مفارقته، واختيار زينة الحياة الدُّنْيَا 3، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ

قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} الآيَتَيْنِ [الأحزاب: 28].
والمعنَى فيه أنَّه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اثَرَ لنفسهِ الفَقْر، والصَّبْر عليه، فأمر بِتَخْيرِهِنَّ؛ كيلا يكون مُكْرِهاً لَهُنَّ على الضَرَ والفقر.
وحكى الحنَّاطِيُّ وجهاً: أن التخييرَ لم يَكنْ واجباً عليه، وإنما كان مندوباً، والمشهورُ الأَوَّلُ.
ثم إِنَّ رسولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما خَيَّرَهُنَّ، اخْتَرْنَهُ، والدَّارَ الآخِرَةَ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- التَّزَوُّجَ عليهن، والتَبَدُّلَ بِهِنَّ؛ مُكَافَأَةً لهن عَلَى حُسْن صَنِيعِهِنَّ، فقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: 52] ثم نَسَخَ ذلك؛ لتكون المِنَّةِ لرسول الله -صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بتركِ التَّزَوُّجِ عليهن، فقال تعالَن: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: 50]، وقالت عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عنها-: "مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ"، تعني: اللاتي حُظِرْنَ عليه.
وعن أبي حَنِيْفَةَ -رضي الله عنه- أنه دام ذلك التحريم، ولم ينسخ، وهل حُرِّمَ علَى رسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طَلاَقُهُنَّ 1 بعد ما اخْتَرْنَهُ؟ فيه وجهان: أحدهما: نَعَمْ؛ كما لو رغبت عنه امرأة، حُرِّمَ عليه إمساكُهَا.
والثاني: لا؛ كما لو أرادَ الواحدُ من الأمَّةِ تطليقَ زوجته، لا يُمْنَعُ منه، وإنْ رَغِبَتْ فِيهِ.
قال الإمام -رَحِمَهُ اللَّهُ- وهذا أظهرُ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ الوجهين بِالطَّلاف، عَقِيبَ اختيارهن إياه، وقطع أنه لا حجر في الطلاق الْمُنْفَصِلِ عن التَّخْيِيرِ وجوابه.
ولو قُدِّرَ أن واحدةً مِنْهُنَّ اختارتِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، هل كان يحصل الفراقُ بنفس الاختيار؟ فيه وجهان: أحدهما: نَعَمْ؛ كالواحدِ من الأمة، إذا خَيَّرَ زوجته، وَنَوَى تَفْويضَ الطَّلاق إليها، فاختارَتْ نفسها.
= طالبنه من الحلي والثياب بما ليس عنده فتأذى بذلك، فأمر بتخييرهن، وقيل إن ذلك كان بسبب طلب بعضهن منه خاتماً من ذهب، فأعد لها خاتماً من فضة وصفره بالزعفران فتسخطت، رابعها: أن الله امتحنهن بالتخيير ليكون لرسوله خيرة النساء، خامسها: أن سبب نزولها قصة مارية في بيت حفصة، أو قصة العسل الذي شربه في بيت زينب بنت جحش، وهذا يقرب من الثاني.

وأصحُّهما: لاَ؛ لقوله تعالَى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: 28] فلو حصل الفراق باختيارها الدنيا، لما كان للتسريح معنى؛ ولأنه تخييرٌ بين زينة الدنيا والآخرة، فلا يحصل الفراق باختيار الدُّنْيَا، كما لو خُيَّرَ الْوَاحِدُ من الأمة زوجته، بَيْنَ الدُّنْيَا والآخرة، فاختارتِ الدُّنْيَا.
وهل يعتبر أن يكون جوابُهُنَّ على الفور؟ فيه وَجْهَانِ مبنيَّانِ على الوجهين في حُصُول الْفِرَاقِ بنَفْس الاختيار.
فإن قلْنا بحصوله، وَجَب أن يَكُونَ على الْفَوْرِ.
وإن قلْنا لا يحصل، جاز فيه التَّرَاخِي.
وهذا ما أورده القاضِي ابنُ كَجٍّ؛ واحتج لهذا الْوَجْهِ بأنَّ النبيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما أنزلت آية التخيير، بَدَأ بِعَائِشَةَ -رضي اللهُ عنها -؛ وقال: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرَاً، فَلاَ تُبَادِرِينِي بالْجَوَابِ؛ حَتَّى تسَتأمري أَبَوَيْكِ" 1. واعترض الشيخُ أبو حَامِدٍ بِأَنَّ النَّبيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَرَّحَ بِمَدِّ خِيَارِهَا هُنَاكَ، إِلَى مُرَاجَعَةِ اْلأبَوَينِ، والْكَلاَمُ فِي التَّخْييرِ الْمُطْلَقِ.
فإن جعلناه على الْفَوْرِ، فيمتدُّ بامتداد المَجْلِسِ، والمعتبر ما يُعَدُّ جواباً في الْعُرْفِ.
حكى القاضي أبو سعيد الهَرَوِيُّ فيه وجهين، وفي "الْجُرْجَانِيَّاتِ" لأبي الْعَبَّاسِ الرُّوَيانِيِّ، ذَكَرَ وَجْهَيْنِ في أنَّه، هل كان يجوز للنبي -صلي اللَّهُ عليه وسلم- أن يجعل الاختيار إلَيْهِنَّ قبل المشاورة معهن؟ فيه وجهين في أنه، هل كان قَوْلُهَا: اخترت نفسي، تصريحاً بالْفِرَاقِ؟ ووجهين في أنَّه، هل كان يحل له التزوُّج بها بعد الفِرَاقِ؟.

قَالَ الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا المُحَرَّمَاتُ) فَقَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَالصَّدَقَةُ، وَأَكْلُ الثَّوْمِ عَلَى وَجْهٍ، وَالأَكْلُ مُتَّكِئاً عَلَى وَجْهٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: النوْعُ الثَّاني: ما اختصَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- به من الْمُحَرَّمَاتِ، وَهِيَ قِسْمَانِ.
أحدهما: المحرمات من غير النِّكَاحِ، فمنها: الزكاة، ويشاركُهُ في حرمتها أُولُو الْقُرْبَى؛ لكنَّ التحريمَ عليهم بسببه أيضاً، فالخاصيَّة عَائِدَةٌ إليه.
ومنها: الصَّدَقَةُ، على أظهر القولَيْنِ؛ على ما سبق في قسم الصَّدَقَاتِ 1. ومنها: أَنَّهُ كان -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهَ وَسَلَّمَ- لا يأْكُل الثومَ، والبَصَل، والكُرَّاثَ 2، وهل كان حَرَاماً عليه؟ فيه وجهان.
أشبههما: لا؛ لكنه كان يمتنع منه كيلا يتأذَّى به الْمَلَكُ.

رُوِيَ أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيْهَا بُقُولٌ، فَوَجَدَ لَهَا رِيْحاً، فَقَرَّبَهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: "كُلْ؛ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لاَ تُنَاجِي" 1. ومنها: أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان لا يأكل مُتَّكِئاً 2، وروي عنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قَالَ: "أَنَا آكُلُ كَمَا تَأْكُلُ الْعَبِيدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا تَجْلِسُ الْعَبِيدُ" 3، وهل كان ذلك حراماً عليه أو مكروهاً كما في حَقِّ الأمة؟ فيه وجهان.
أشبههما: الثاني.
ومما عُدَّ من الْمُحَرَّمَاتِ: الخَطّ 4 والشِّعر.

.......................... = الكتابة هو المشهور قال صاحب الخادم يشهد للنقاش ما رواه البخاري في عمرة القضاء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صالح سهيل بن عمرو فكتب علي بن أبي طالب الصحيفة هذا ما قضى عليه محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال سهيل كتب محمد بن عبد الله فقال -صلى الله عليه وسلم- لعلي رضي الله عنه امحه فقال علي لا أمحوك أبداً فأخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- الكتاب فكتب هذا ما قاضي محمد بن عبد الله وفي هذه الكتابة وجوه: أحدها: أنه -صلى الله عليه وسلم- كتب وهو لا يعلم ما يكتب فانتظم مراده.
ثانيها: أنه -صلى الله عليه وسلم- أوحى إليه فكتب عن علم بالكتابة.
ثالثها: أنه -صلى الله عليه وسلم- لكثرة كتابة اسمه بين يديه فعلم ذلك وهذا أضعف الأوجه.
رابعها: أنه أمر من كتب ونسب الفعل إليه تجوزاً ولم يبين المصنف هل المراد بالشعر إنشاده أو روايته أو أعم من ذلك قال في الخادم وجعل الماوردي والروياني قول الشعر وتعلمه وروايته سواء في التحريم واكتفى بالكتابة القراءة من الكتاب وقال أيضاً أعني صاحب الخادم ما أطلق في الشعر محله في غير الزجر أما الزجر فقال البيهقي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول وهو مبني على قول الأخفش وغيره من الأدباء أنه ليس بشعر ولو كان شعراً لم يقله النبي -صلى الله عليه وسلم- لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾.
قال الحافظ: قوله: ومما عد من المحرمات الخط والشعر، وإنما يتجه القول بتحريمها ممن يقول: إنه كان يحسنهما ثم استدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ وبقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ وفي الاستدلال بالآية الأولى على ذلك نظر، واستدل غيره بحديث ابن عمر المخرج في الصحيح بلفظ: إنا أمة أميه لا نكلتب ولا نحسب -الحديث- وقال البغوي في التهذيب: قيل كان بحسن الخط ولا يكتب، ويحسن الشعر ولا يقوله، والأصح أنه كان لا يحسنهما، ولكن وكان يميز بين جيد الشعر ورديه، انتهى وادعى بعضهم أنه صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها، وأن عدم معرفته كان بسبب المعجزة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ فلما نزل القرآن واشتهر الإِسلام وكثر المسلمون، وظهرت المعجزة وأمن الارتياب في ذلك، عرف حينئذٍ الكتابة، وقد روي ابن أبي شيبة وغيره من طريق مجالد عن عون بن عبد الله عن أبيه قال: ما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى كتب وقرأ، قال مجالد: فذكرت ذلك للشعبي فقال: صدق، قد سمعت أقواماً يذكرون ذلك، انتهى قال: وليس في الآية ما ينافي ذلك، وروى ابن ماجة وغيره عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: رأيت ليلة أسرى بي على باب الجنة مكتوباً: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، قال: والقدرة على قراءة المكتوب فرع معرفة الكناية، وأجيب باحتمال إقدار الله له على ذلك بغير تقدمة معرفة الكتابة، وهو أبلغ في المعجزة، وباحتمال أن يكون حذف منه شيء، والتقدير فسألت عن المكتوب فقيل لي هو كذا، ومن حديث محمد بن المهاجر عن يونس بن ميسرة عن أبي كبشة السلولي عن سهل ابن الحنظلية: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أمر معاوية أن يكتب للأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، قال عيينة: أتراني أذهب إلى قومي بصحيفة كصحيفة الملتمس، فأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحيفة فنظر فيها فقال: قد كتب لك بما أمر فيها.
قال يونس ابن ميسرة أحد رواته فيرى، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب بعد ما أنزل عليه، ومن الحجة في ذلك ظاهراً ما أخرجه البخاري في قصة صلح الحديبية من حديث البراء: فأخذ الكتاب فكتب: هذا ما قاضى=

قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: 48] وقال عزّ وجلّ: ﴿وَمَا = عليه محمد بن عبد الله -الحديث- وكذا أخرجه الإِسماعيلي في مستخرجه، وقال أبو الخطاب بن دحية: صار بعض الناس إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب، منهم أبو ذر الهروي، وأبو الفتح النيسابورى، وأبو الوليد الباجي، وصنف فيه كتاباً، قال: وسبق إلى ذلك عمر بن شبة في كتاب الكتاب له، فإنه قال فيه: كتب النبي -صلى الله عليه وسلم- بيده يوم الحديبية، وقال أبو بكر بن العربي في سراجه: لما قال أبو الوليد ذلك طعنوا عليه، ورموه بالزندقة، وكان الأمير متثبتاً فأحضرهم للناظرة، فاستظهر الباجي ببعض الحجة، وطعن علي من خالفه، ونسبهم إلى عدم معرفة الأصول، وقال: اكتب إلى العلماء بالآفاق فكتب إلى إفريقية وصقلية وغيرهما، فجاءت الأجوبة بموافقة الباجي، ومحصل ما تواردوا عليه أن معرفته الكتابة بعد أميته لا ينافي المعجزة، بل تكون معجزة أخرى، لأنهم بعد أن تحققوا أميته وعرفوا معجزته بذلك، وعليه تنزل الآية السابقة، صار بعد ذلك يعلم الكتابة بغير تقدم تعليم، فكانت معجزة أخرى، وعليه ينزل حديث البراء انتهى وقد رد أبو محمد بن معور على أبي الوليد الباجي، وبين خطأه في هذه المسألة في تصنيف مفرد، ووقع لأبي محمد الهواري معه قصة في منام رآه، ملخصه: أنه كان يرى مما قال الباجي، فرأى في النوم قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ينشق ويميد ولا يستقر، فاندهش لذلك، وقال في نفسه: لعل هذا بسبب اعتقادي، ثم عقدت التوبة مع نفسي فسكن واستقر، فلما استيقظ قص الرؤيا على ابن معور فعبرها له كذلك، واستظهر بقوله تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ الآيات، ومحصل ما أجاب به الباجي عن ظاهر حديث البراء أن القصة واحدة، والكاتب فيها كان علي بن أبي طالب، وقد وقع في رواية أخرى للبخاري من حديث البراء أيضاً بلفظ: لما صالح النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل الحديبية.
كتب على بينهم كتاباً،.
فكتب محمد رسول الله، فتحمل الرواية الأولى على أن معنى قوله فكتب، أي فأمر الكاتب، ويدل عليه رواية المسور في الصحيح أيضاً في هذه القصة، ففيها: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله، وقد ورد في كثير من الأحاديث في الصحيح وغيره إطلاق لفظ كتب بمعنى أمر، منها حديث ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى قيصر، وحديثه كتب إلى النجاشي وحديثه كتب إلى كسرى، وحديث عبد الله بن عكيم كتب إلينا رسول الله، وغير هذه الأحاديث كلها محمولة على أنه أمر الكاتب، ويشعر بذلك هنا قوله في بعض طرقه: لما امتنع الكاتب أن يمحو لفظ محمد رسول الله، قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أرني فمحاه فإن ظاهره أنه لو كان يعرف الكتابة لما احتاج إلى قوله: أرني، فكأنه، أراه الموضع الذي أبى أن يمحوه، فمحاه هو -صلى الله عليه وسلم- بيده، ثم ناوله لعلي فكتب بأمره: ابن عبد الله، بدل: رسول الله، وأجاب بعضهم على تقدير حمله على ظاهره، أنه كتب ذلك اليوم غير عالم بالكتابة، ولا بتمييز حروفها، لكنه أخذ القلم بيده فخط به، فإذا هو كتابة ظاهرة على حسب المراد، وذهب إلى هذا القاضي أبو جعفر السمناني، وأجاب بعضهم بأنه ليس في ظاهر الحديث إلا أنه كتب محمد بن عبد الله، وهذا لا يمتنع أن يكتبه الأمي كما يكتب الملوك علامتهم وهم أميون.
وأما الشعر فكان نظمه محرماً عليه باتفاق، لكن فرق البيهقي بي غيره بين الرجز وغيره من البحور، فقالوا يجوز له الرجز دون غيره، وفيه نظر، فإن أكثر على أن الرجز ضرب من الشعر، وإنما ادعى أنه ليس بشعر الأخفش، وأنكره ابن القطّان وغيره، وإنما جرى البيهقي لذلك ثبوت قوله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، فإنه من بحور الرجز، ولا حائز أن يكون مما تمثل به كما سيأتي لأن غيره لا يقول: أنا النبي، ويزيل عنه الإِشكال أحد أمرين، إما أنه لم يقصد الشعر =

عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69]، وإنما يتجه القول بتحريمهما ممن يقول: إنه -عليه السَّلامُ- كان يحسنهما وقد اختلفوا فيه.
فقيل: كان يحسنهما لكنه كان يمتنع منهما، وااْلأَصَحُ: أنه كان لا يحسنهما.
ومنها: كان -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ- يُحَرَّمُ عليه إذا لبس لأُمَتَهُ 1 أَنْ ينزعها، حتى يَلْقَى العدوَّ، وَيُقَاتِلَ.
= فخرج موزوناً، وقد ادعى ابن القطاع وأقره النووي الإِجماع على أن شرط تسمية السلام شعراً أن يقصد له قائله، وعلى ذلك يحمل ما ورد في القرآن والسنّة، وإما أن يكون القائل الأول قال: أنت النبي لا كذب، فلما تمثل به النبي -صلى الله عليه وسلم- غيره، والأول أولى، هذا كله في إنشائه، ويتأيد ما ذهب إليه البيهقى بما أخرجه ابن سعد بسند صحيح عن معمر عن الزهري قال: لم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئاً من الشعر قيل قبله، أو يروى عن غيره، إلا هذا، وهذا يعارض ما في الصحيح عن الزهري أيضاً لم يبلغنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات، زاد ابن عائذ من وجه آخر عن الزهري: إلا الأبيات التي وإن يرتجز بهن وهو ينقل اللبن لبناء المسجد، وأما إنشاده متمثلاً فجائز، ويدل عليه حديث عبد الله بن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ما أبالي شربت ترياقاً، أو تعلقت بتميمة أو قلت الشعر من قبل نفسي، أخرجه أبو داود وغيره، فقوله: من قبل نفسي احتراز عما إذا أنشده متمثلاً، وقد وقع في الأحاديث الصحيحة من ذلك، كقوله: أصدق كلمة قالها الشاعر قول لبيد، ألا كل شيء ما خلا الله باطل، متفق عليه من حديث أبي هريرة، وحديث عائشة: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتمثل بشعر ابن رواحة، وحديثها: وإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا استراب الخبر يتمثل بقول طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود، صححه الترمذي، وأخرجه البزار من حديث ابن عباس أيضاً، وأما ما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره من مرسل الحسن البصري: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يتمثل بهذا البيت: كفى بالإِسلام والشيب ناهياً، فقال له أبو بكر: كفى الشيب والإِسلام للمرء ناهياً، فأعادها كالأول، فقال: أشهد أنك رسول الله، وما علمناه الشعر وما ينبغي له، فهو مع إرساله فيه ضعف، وهو راويه عن الحسن: علي بن زيد بن جدعان، وأما ما رواه البيهقي في الدلائل: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للعباس بن مرداس: أنت القائل: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة، فقال: إنما هو بين عيينة والأقرع، فقال: هما سواء، فإن السهيلي قال في الروض: أنه -صلى الله عليه وسلم- قدم الأقرع، على عيينة، لأن عيينة وقع له أنه ارتد ولم يقع ذلك للأقرع، وروى الحاكم والبيهقي والخطيب من طريق عبد الله بن مالك النحوي مؤدب القاسم بن عبيد الله، عن علي بن عمرو الأنصاري عن ابن عيينة عن الزهري، عن عروة عن عائشة قالت: ما جمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيت شعر قط إلا بيتاً واحداً: فقال بما تهوى تكن فلقل ما يقال لشيء كان ألا تحقق، قالت عائشة: لم يقل تحققاً، لئلا يعربه فيصير شعراً، قال البيهقي: لم أكتب إلا بهذا الإِسناد، وفيه من يجهل حاله، وقال الخطيب: غريب جداً، والله أعلم.

وعن رواية الشَّيخِ أبي علي أنه كان ذلك مكروهاً لا محرماً، والمشهورُ الأَوَّلُ.
قال في"التهذيب": وقد قيل بناءً عليه إنه كان -عليه السَّلامُ- لا يَبْتَدِئُ تطوعاً إلاَّ لزمه إتمامه 1. ومنها: قال في "الإِنصاح": كان لا يجوزُ له مَدُّ الْعَيْنِ إِلى ما متع به الناس، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآية [طه: 131]. ومنها: خَائِنَةُ الأَعْيُنِ، مُحَرَّمَةٌ عليه، قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا يَنْبَغِي لِنَبيٍّ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ" 2 وَفَسَّرُوهَا بالإِيماء إلى مباح من ضرب أو قتل على خلاف ما يظهر = جابر: أنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل، وفيه قصة، وأخرجها أصحاب المغازي موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وابن إسحاق عن شيوخه، وأبو الأسود عن عروة، وفيه من الزيادة: لا ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب واكتفى الناس بالخروج إلى العدو، أن يرجع حتى يقاتل، وله طريق أخرى بإسناد حسن عند البيهقي [7/ 41] والحاكم [2/ 128 - 129] من حديث ابن عباس.

ويشعر به الحال، وإنما قِيلَ له: خَائِنَةُ الأَعْيُنِ؛ لأنه يشبه الخيانة من حيث إنه يخفى، ولا يحرم ذلك على غيره إلاَّ في مَحْظُورٍ.
واستدل صاحب "التَّلْخِيصِ" بتحريم خائنة الأَعْيُنِ على أنه لم يكن له أن يخدع في الحرب، وخالفه المعظم لما اشتهر أنه كان إذا أراد سفراً وَرَى بغَيْرِهِ 1. وفي "الْجُرْجَانِيَّاتِ" ذَكَرَ وَجْهَيْنِ في أَنَّهُ هل كان يجوز له أن يصلي على من عليه دَيْنٌ؟.
وطريقين في أنه هَلْ يَجُوزُ له أَن يَصَلِّي مَعَ وُجُودِ الضَّامِنِ 2. قال: ولم يكن له = أخاه من الرضاعة، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للأنصاري: هلا وفيت بنذرك، قال: يا رسول الله استنظرتك فلم تومض لي، فقال: الإِيماء خيانة، وليس لنبي أن يومي (فائدة) حكى سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان، أن الأنصاري عباد بن بشر.
قوله: وقيل بناءً عليه إنه كان لا يبتدي متطوعاً إلا لزمه إتمامه، قلت: لم أرَ لهذا دليلاً إلا إن يؤخذ من حديث صلاته الركعتين بعد العصر، وقول عائشة: كان إذا عمل عملاً أثبته، وفي الاستدلال بذلك نظر قاله الحافظ.

أن يَمُنَّ ليستكثر، قال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] أي لا تعط شيئاً، فتأخذ أكْثَرَ منه.
قال الْمُفَسِّرُونَ: وهذا خاصة للنَّبِيِّ -صَلَّىَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِمْسَاكُ مَنْ كَرِهَتْ نِكَاحَهُ، وَنِكَاحُ الحُرَّةِ الكِتَابِيَّةِ وَالأَمَةِ عَلَى وَجْهٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: المُحَرَّمَات المتعلقة بالنِّكَاحِ.
فمنها: إمساك من كَرَهَتْ نِكَاحَهُ، ورغبت عنه، واستشهد له بأن النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نكح امْرَأَةً ذَاتَ جَمَالٍ، فَلُقِّنَت أَن تقول لرسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَعُوَذُ باللَّهِ مِنْكَ.
وقيل لها: إِنَّ هذا كَلاَمٌ يُعْجِبُهُ، فلما قَالَتْ ذلك، قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَقَدِ اسْتَعَذْتِ، بِمُعَاذٍ، الْحَقِي بِأهْلِكِ " 1. ومنها: هل كان يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ؟ فيه وَجْهَانِ: = الدين أصلها المال، ثم نسخ التأديب بالمال وما تفرع عنه.

أَحَدُهُمَا: ويحكى عن أبي إِسْحَاقَ-: نَعَمْ، كالأَمَةِ، وكما كان يحل له ذَبَائِحُ أهل الكتاب.
وأصحهما: المنع، وبه قال ابن سُرَيجٍ والقاضي أبو حامدٍ والإِصْطَخْرِي؛ رحمهم الله تعالى لأنها تكره صحبته؛ ولأنه أَشْرَفُ من أن يضع ماءه في رحمهما، وهي كَافِرَةٌ؛ ولأنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "زَوْجَاتِي فِي الدُّنْيَا، زَوْجَاتِي فِي الآخِرَةِ" 1، والجنة مُحَرَّمَةٌ على الكافرين، لكن القائل الأول قال: لو نكح كتابية لهديت إلى الإِسلام كرامة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ويجري الوجهان في التَّسَرِّي باْلأَمَةِ الكتابية.
وهل كان يحل له نكاح الأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ؟ فيه وجهان: أحدهما: وَيُحْكَى عن ابن أبي هُرَيْرَةَ-: نعم، كما يحل للأمة، والنكاح أوسع عليه من الأمة.
وأصحهما: المنع، وقد قطع به قاطعون.
ووجه المنع بأن نكاح الأمة 2 هنا مَشْرُوطٌ بالخوف من العَنَتِ، والنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مَعْصُومٌ، وبفقدان طول الحرة ونكاحه -صلى الله عليه وسلم- مستغن عن المهر ابتداءً وانتهاءً، ولأن من نكح أَمَةً كان ولده منها رقيقاً، ومنصب النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُتَنزَّهٌ عن مثل ذلك.
لكن من جَوَّزَ له نكاح الأَمَةِ قال: خَوفُ الْعَنَتِ، إنما يشترط في حَقِّ الأَمَةِ، وفي اشتراط فقدان الطُّولِ تَرَدَّدَ عن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ وغيره.
وأما رق الولد ففي التزامه وَجْهٌ مُستَبعَدٌ، والصحيحُ أنه لو نكح أُمَةً كان لا يرق ولده منها 3، وإن قلنا بجريان الرِّقِّ على العرب، وفيه قولان يذكران في موضعهما.
وعلى هذا فعن أبي عَاصِمٍ العبادِيِّ: أن عليه الْقِيْمَةَ رِعَايةً لحق المولى.

وعن القاضي حُسَيْن: أنه لا يلزمه قيمة الْوَلَدِ بخلاف ولد المغرور؛ لأن هناك فات الرِّقُّ عليه، وهاهنا لا يمكن تقدير الرق ويوافق هذا ما حكاه الإِمَامِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنه لو قدر نكاح غرور في حق النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يَلْزَمْهُ قيمة الْوَلَدِ؛ لأنه مع العلم بالحال لا ينعقد رقيقاً، ولا ينتهض الظَّنُّ دافعاً للرق، وَطَرَدَ الحناطيُّ الوجهين: في أنه هل كان يحل له نِكَاحُ الأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ؟.
وأما وَطْؤُهَا بملك اليمين، فأظهر الوجهين: حِلَّهُ، وبه أجاب الشَّيْخُ أبو حامدٍ.
وقوله في الكتاب: "وإمساك من كَرهَتُ نِكَاحَهُ، ونكاح الحرة الكتابية والأمة، على وجه" لم يردْ به عود الوجه إلى المسائل الثلاث، وإنما أراد الخلاف في المسألتين الأخيرتين، لكن يمكن رده إلى المسألة الأولى أيضاً؛ لأن في شرح الجويني ذُكِرَ وَجْهٌ غَرِيْبٌ أنه كان لا يحرم عليه إمساك من كَرِهَتْ نكاحه، وإنما يفارقها يكَرُّمَاً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (أَمَّا التَّخْفِيفَاتُ) فَقَدْ أُحِلَّ لَهُ الوِصَالُ وَصَفِيَّةُ المَغْنَمِ، وَالاسْتِبْدَادُ بِالخُمْسِ، وَدُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْر إحْرَامٍ، وَجَعْلُ مِيرَاثِهِ صَدَقَةً.
قال الرَّافِعِيُّ: النوع الثالث: التخفيفات والمباحات، وما أبيح له دون غيره قسمان أيضاً: أحدهما: القسم الأول: ما يتعلق بغير النكاح، فمنه الوِصَالُ في الصَّومِ فهو مُبَاحٌ 1 للنبي -صلى الله عليه وسلم- مَكرُوهٌ للأمة على ما مَرَّ في الصَّوْم".
ومنه: اصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة من جارية وغيرها 2، ويقال:

لذلك الْمُخْتَارُ: الصفِيُّ والصَّفِيَّةُ، والجمع: الصَّفَايَا.
ومن صفاياه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ، اصطفاها، وأعتقها، وتزوجها، وَذُو الفَقَار.
ومنه خمس خمس من الفيء والغنيمة، كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والاستبدادُ 1 بأَرْبَعَةِ الأخماس من الفيء كانت له -أيضاً- على ما ذكرنا من"قسم الفيء والغنيمة".
ومنه: دُخُولُ مَكَّةَ بغير إحْرَامٍ، كان مباحاً له، نقله صَاحِب "التَّلْخِيصِ" وغيره، وفي حقِّ الأَمَةِ خِلاَفٌ مذكور في "الحج" ومنه: أنَّ ماله لا يورث روي عنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نوْرَثُ " 2. ثم حكى الإِمامُ وجهين: أحدهما: أن ما تركه بَاقٍ على ملكه ينفق منه على أهله، كما كان ينفق منه في = قال: فاصطفاها لنفسه، ومن طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس كانت صفية في السبي فصارت إلى دحية، ثم صارت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن طريق عبد العزيز بن صهيب في قصة خيبر، وأخذ دحية صفية، فجاء رجل، فذكر الحديث، فدعاها فقال لدحية: خذ جارية من السبي غيرها، وفي مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنه اشتراها من دحية بسبعة رؤوس، وقال النووي في شرحه: يحمل على أنه اصطفاها لنفسه بعد ما صارت لدحية، جمعاً بين الأحاديث والله أعلم، وقال المنذري: والأولى أن يقال: كانت صفية فيئاً لأنها كانت زوج كنانة بن الربيع، وكانوا صالحوا رسول الله وشرط عليهم أن لا يكتموه عنا، فإن كتموه فلا ذمة لهم، ثم غير عليهم فاستباحهم وسباهم، ذكر ذلك أبو عبيد وغيره، قال: وصفية ممن سبي من نساءهم بلا شك، وممن دخل أولاً في صلحهم، فقد صارت فيئاً لا يخمس، وللإِمام وضعه حيث أراه الله، وأما ذو الفقار فرواه أحمد والترمذي [1561] وابن ماجة [2808] رواه أحمد [2445] والطبراني [10733] والحاكم [3/ 39] من حديث ابن عباس: أنه -صلى الله عليه وسلم- تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، وفي الطبراني عن ابن عباس: أن الحجاج بن عكاظ أهدى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذا الفقار، إسناده ضعيف، واعترض على الرافعي هنا بأنه يرى أن غنيمة بدر كانت كلها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقسمها برأيه، فكيف يلتئم مع قوله: إن ذا الفقار كان من صفاياه، والكلام في الصفي إنما هو بعد فرض الخمس، وعلى هذا فيحمل قول ابن عباس تنفل بمعنى أنه آخره لنفسه ولم يحطه أحداً.

حياته.
قال: وهذا هو الصَّحِيحُ.
والثاني: أن ما خلفه سبيله سبيل الصدقات؛ لما رُويَ أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ" وهذا ما أورده أبو العبَّاسِ الرُّوْيانِيُّ في "الْجُرْجَانِيَّاتِ"، ثم حكى وجهين في أنه هل يصير وقفاً على ورثته؟ ووجهين لو صار وقفاً من أنه هل هو الواقف بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَا تَرَكْنَاهُ صُدَقَةٌ"، ويجوز أن يعلم في الكتاب بالواو، لما ذكرنا 1. قوله في الكتاب: "وجعل ميراثه صدقة"، ثم صاحب الكتاب جعل هذه الخَصْلَةَ من جملة التخفيفات، وكان المعنى فيه أنْ جعله صدقة لا يورث زيادة للقربة 2، ورفعة للدرجات 3. والأكثرون عدوها من الكرامات وهي من النوع الرابع من خصائصه -صلى اللهِ عليه وسلم-[لا] مما اختص به من التخفيفات.
وكان له أن يقضي بعلم نفسه 4، وفي غيره قولان مشهوران، وأن يحكم لنفسه ولولده 5، وأن يشهد لنفسه ولولده 6، وأن يقبل شهادة من يشهد له.
ونقل أبو العبَّاسِ الرُّويَانِيُّ في حكمه لنفسه ولولده وجهين.
وكان له أن يحمي لنفسه 7، والأئمة بعده لا يحمون لأنفسهم، كما سبق في "إحياء الْمَوَاتِ"، وأن يأخذ الطعام والشراب من المالك، وإن احتاج إليهما 8، وعليه البذلُ، ويفدي بمهجته مهجة رسول الله -صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لأنَّ رسول الله -

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
وكان لا ينتقض وُضُوءَهُ بالنَّومِ 1. وذكر أبو العباس فيه وجهاً آخَرَ غريباً، وكذلك حكى وجهين في انتقاض وضوئه باللمس 2، وفيما حكى صاحب "التلخيص" أنه كان يجوز له أن يدخل المسجد جُنُباً، لم يسلمه القَفَّالُ، وقال: لا أخاله صحيحاً 3، وأنه كان يجوز له القتل

بعد الأمان 1، وخطئوه فيه.
وقالوا: من يحرم عليه خائنة الأعْيُنِ كيف يجوز له قَتْلُ من أَمَّنَهُ؟!.
وأنه كان يجوز له لَعْنُ من شاء من غير سَبَبٍ يقتضيه؛ لأن لعنته رحمة، واستبعده الأئمةُ أيضاً.
نعم روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عنِ النَّبيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِ- قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدَاً لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَإِنَّمَا أنَا لَبَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُةُ أَوْ شَتَمْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ، فاجْعَلِهَا لَهُ صَلاَة، وَزِكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" 2. فمن شتمه، أو لعنه جعل ذلك قربة له بدعائه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهذا قَرِيبٌ من جعل الْحُدُودَ كفارات لأهلها 3، واللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: والزِّيَّادَةُ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَفِي الزِّيَّادَةِ عَلَى التِّسْعِ خِلاَفٌ، وَكَذَا فِي في انْحِصَارِ طَلاَقِهِ فِي الثَّلاَثِ، وَيَنْعَقِدُ نِكَاحُهُ بِلَفْظِ الهِبَةِ وَبِغَيْرِ مَهْرٍ، وَإِذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى امْرَأَةٍ فَرَغِبَ فِيهَا وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ طَلاَقُهَا لِيَنْكِحَهَا، وَفِي انْعِقَادِ نِكَاحِهِ بَغَيْرِ وَلِيٍّ وَشُهُودٍ وَفِي الإِحْرَامِ خِلاَفٌ (و)، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ القَسْمُ فِي زَوْجَاتِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني من التخفيفات مما يتعلق بالنكاح: فمنه: الزيادة على أَرْبَعِ نِسْوَهٍ: = والطبراني من حديث أم سلمة مرفوعاً: إن هذا المسجد لا يحل لجنب ولا حائض، وأخرجه البيهقي بلفظ: إن مسجدي حرام على كل حائض من النساء، وجنب من الرجال إلا على محمد وأهل بيته.

مات رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عن تسع 1 وهل كان له الزيادةُ على تسع 2؟ فيه وجهانِ:

......................... = أتباعه احترام النساء وإكرام كرائمهن والعدل بينهن وقرر الأحكام بذلك وترك من بعده أمهات للمؤمنين يعلمن نساءهم من الأحكام ما يليق بهن مما ينبغي أن يتعلمنه من النساء دون الرجال ومما سنذكره من الحكمة الخاصة والعامة بتعدد زوجات الرسول يتبين أنه لم يكن يريد بالتعدد ما أراده الملوك والأمراء من التمتع بالهلال والجري وراء الشهوة ولو كان يريد ذلك لاختار حسان الأبكار على أولئك الثيبات المكتهلات كما قال لمن اختار ثيباً "هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك".
"الحكمة في اختيار كل زوجة من أمهات المؤمنين" السيدة خديجة: تزوجه لها جاء على مقتضى الفطرة فالحكمة في اختيارها ظاهرة.
السيدة سودة بنت زمعة: تزوجها الرسول بعد وفاة السيدة خديجة والحكمة في اختيارها أن زوجها توفي بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية وكانت رضي الله عنها من المؤمنات المهاجرات الهاجرات لأهلهن خوف الفتنة ولو عادت لأهلها بعد وفاة زوجها "وكان ابن عمها" لعذبوها وقتنوها فكفلها -صلى الله عليه وسلم- وكافأها بهذه المنة العظيمة.
السيدة عائشة تزوجها بعد شهر من زواجه بالسيدة سودة والحكمة في اختيارها هي إكرام صاحبه ووزيره ورفيقه في الجنة أبي بكر الصديق وإقراره عينه بهذا السرور العظيم.
السيدة حفصة: وتزوجها الرسول بعد وفاة زوجها جنيث بن حذافة ببدر والحكمة في اختيارها كالحكمة في اختياره للسيدة عائشة وهي إكرام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومنزلته في الإِسلام غير خافية والذي بلغه مرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- طلقها فحشى التراب على رأسه وقال: "ما يعبأ اللهَ بعمر وابنته بعدها".
السيدة زينب بنت جحش: تزوجها بعد طلاق زيد إياها والحكمة في اختيارها تعلو كل حكمة وهي إبطال تلك.
البدع الجاهلية التي كانت لاحقة ببدعة التبني كتحريم التزوج بزوجة المتبني بعدة وغير ذلك.
السيدة زينب بنت خزيمة: كانت متزوجة بعبد الله بن جحش الذي قتل في واقعة أحد والحكمة في تزوجها أن هذه المرأة كانت من فضليات النساء في الجاهلية حتى كانوا يدعونها أم المساكين ليرهابهم وعنايته بنسائهم فكافاهأ -صلى الله عليه وسلم- على فضائلها بعد مصابها في زوجها بذلك فلم يدعها أرملة تقاسي الذل الذي كانت تجير منه الناس وقد ماتت في حياته -صلى الله عليه وسلم-.
السيدة أم سلمة: واسمها هند وهي زوج أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ابن عمة الرسول "برة بنت عبد المطلب" وأخوه من الرضاعة وكانت هي وزوجها أول من هاجر إلى الحبشة.
مات أبو سلمة ومعها أربع بنات هن برة وسلمة وعمرة ودرة فآواها النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن اعتذرت إليه وقالت إني امرأة مسنة وأم أيتام وأني شديدة الغيرة فأجابها على لسان رسوله بقوله: "الأيتام أضمهم إليّ وأدعو الله أن يذهب عن قلبك المغيرة ولم يعبأ بالسن.
بل كانت تلك المزهرات والعقبات من أقوى الدواعي للإِسراع في طلبها عطفاً عليها ورحمة ببناتها وصلة لرحمها ومعرفة بحق أخيه من الرضاعة وإيواءه الصفار من بعده.
السيدة أم حبيبة: وهي رحلة بنت أبي سفيان بن حرب نبذت دين أبيها وأمها وهاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية فولدت له حبيبة وبها تكنى فتنصر زوجها هناك.
أما هي فقد ثبتت على الإِسلام فانظر إلى اسلام امرأة يكافح أبوها النبي -صلى الله عليه وسلم- ويتنصر زوجها =

أحدهما: لا؛ لأن الأَصْلَ استواء النبي -صلى الله عليه وسلم- والأمة في الحكم إلاَّ أنه ثبت جواز الزيادة إلى تِسْعٍ، فيقتصر عليه.
وأصحهما: الجواز؛ لأنه مَأَمُونٌ الجور، وقطع بعضهم بهذا الوجه وفي انحصار طلاقه في الثلاث وجهان، كالوجهين في انحصار عدد زوجاته، ورأى صاحب "التَّهْذِيبِ" الصَّحِيْحُ الانحصار كما في حَقِّ الأمَةِ.
= وهي معه في هجرة معروف سببها أمن الحكمة أن تضيع هذه المؤمنة الموقتة بين فتنتين أم من الحكمة أن يكفلها من تصلح له وهو أصلح لها.
السيدة صفية: وهي بنت حي بن أخطب سيد بن النضير وقد قتل أبوها مع بني قريظة وقتل زوجها يوم خيبر وكان أخذها دحية الكلبي من سبي خيبر.
فقال الصحابة يا رسول الله "إنها سيدة بني قريظة والنضير لا تصلح إلا لك" فاستحسن رأيهم وأبى أن تذل هذه السيدة بأن تكون أسيرة عند من تراه دونها واصطفاها وأعتقها وتزوجها.
السيدة جويرية: وهي برة بنت الحارث سيد قومه بني المصطلق والحكمة في تزوجها هي أن المسلمين أسروا من قومها مائتي بيت بالنساء والذراري فأراد -صلى الله عليه وسلم- أن يعتق المسلمون هؤلاء الأسرى فتزوج بسيدتهم فقال الصحابة عليهم الرضوان "أصهار رسول الله لا ينبغي أسرهم وأعتقوهم" فأسلم بني المصطلق لذلك أجمعون وصاروا عوناً للمسلمين بعد أن كانوا محاربين لهم وعوناً عليهم وكان لذلك أثر حسن في سائر العرب.
السيدة ميمونة: واسمها برة فسماها -صلى الله عليه وسلم- ميمونة وهي بنت الحارث الهلالية والذي زوجها له عمه العباسي رضي الله تعالى عنه وكانت جعلت أمرها إليه بعد وفاة زوجها الثاني أبي رهم بن عبد العزى وهي خالة عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد ولعل الحكمة في تزوجه بها تشعب قرابتها في بني هاشم وبني مخزوم.
"الحكمة الإجمالية في استكثاره -صلى الله عليه وسلم- من النساء" ذكر العلماء في الحكمة الإِجمالية لتعدد زوجات الرسول عشرة أوجه.
أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عنه ما يظن به المشركون من أنه ساحر وغير ذلك.
لتتشرف به قبائل العراب بمصاهرته فيهم.
للزيادة في تآلفهم.
للزيادة في التكليف حيث كلف ألا يشغله ما حبب إليه منهن عن المبالغة في التبليغ.
لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزداد أعوانه على من يحاربه.
نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفي مثله.
الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة فقد تزوج أم حبيبة وأبوها إذ ذاك يعاديه والسيدة صفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها فلو لم يكن أكمل الخلق في خلقه لنفرت منه بل الذي وقع أنه كان أحب إليهن من جميع أهلهن.
خرق العادة له عليه السلام في كثرة الجماع مع التقليل في المأكل والمشرب وكثرة الصيام وقد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته فانخرقت هذه العادة في حقه عليه السلام.
تحصينهن والقيام بحقوقهن.

ومنه في انعقاد نكاحه بلفظ الهبة 1 وجهان: أحدهما: المنع، كما في حَقِّ الأَمَةِ.
وأظهرهما: وهو المذكور في الكتاب: الانعقاد؛ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: 50].
وعلى هذا لا يجب الْمَهْرُ بالعقد، ولا بالدخول كما هو قضية الهبة، وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَفْظُ النِّكَاحِ من جِهَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ في وجه: لا يشترط كما لا يشترط من جهة الواهبة.
وفي وجه: يشترط لظاهر لقوله تعالى: ﴿أَنْ يَسْتَنْكَحَهَا﴾ [الأحزاب:50]، وهذا أرجح عند الشيخ أبي حَامِدٍ، هذا في انعقاده بلفظ الهبة.
قال الأَصْحَابُ: وينعقد نكاحه بمعنى الهبة؛ حتى لا يجب المهر ابتداءٍ ولا انتهاءً.
وفي "المجرد" للحَنَّاطيِّ وغيره وجه غريب أنه يجب المهر، وخاصية النبي -صلى الله عليه وسلم- هي الانعقاد بُلفظ الهبة 2. ومنه: إذا رغب النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- في نكاح امرأة فإن كانت خَلِيَّةً فعليها الإِجَابَةُ، ويحرمُ على غيره خِطْبَتِهَا، وفيه وَجْهُ، نقله القاضي ابن كَجٍّ.
وإن كانت ذات زَوْجٍ، وجب على الزوج طلاقها؛ لينكحها وفي شرح "الجويني" وجةٌ: أنه لا يجب، وهو كوجه القاضي ابنِ كَجٍّ في الْخَلِيَّةِ واسْتَثْهَدَ صَاحِبُ "الْكِتَابِ" في "الْوَسِيطِ" على وجوب التطليق على الزوج بِقِصَّةِ زَيْدٍ -رضي

اللَّهُ عنه 1 - قال، ولعل السِّرَ فيه من جانب الزَّوْجِ امتحان إيْمَانِهِ بتكليفه النُّزُولَ عن أَهْلِهِ، ومن جانب النَّبِيِّ -صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ابتلاؤه ببلية التَّسْرِيَةِ، ومنعه من خَائِنَةِ الأَعْيُنِ، ومن الإِضمار الذي يخالف الإِظْهَارَ، ولا شَيءَ أَدْعَى إلى غَضِّ البصر من هذا التكليف.
قال: وهذا مما أورد في التخفيفات، وعندي أنه غَايَةُ التَّشْدِيدِ؛ إذ لو كلف بهذا آحاد الناس لما فتحوا أعينهم في الشوارع والطرق.
ومنه: في انعقاد نكاحه بغير وَلِيٍّ ولا شهود وَجْهَانِ: وَجْهُ الْمَنْعِ عموم قوله -صلى اللَّهُ عليه وسلم-: "لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ" 2. وأصحهما: الانعقاد؛ لأن اعتبار الولي المحافظة على الكَفَاءَة، ولا شك أنه فوق الأكفاء، واعتبار الشهود للأمن من الجحود، وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا يجحد، ولو جَحَدَتْ هي لم يلتفت إلى قولها على خلاف قوله.
ومنه: في انعقاد نكاحه في الإِحرام وجهان: في وجه: ينعقد لما رُوِيَ أنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "نكح مَيْمُونَةَ محرماً" 3. وفي وَجهٍ: لا، كما لا يحل له الوطء في الإِحرام، وَنِكَاحُ مَيْمُونَةَ في أكثر الروايات جَرَى، وهو حَلاَلٌ.
وكلام النَّقَلَةِ بترجيح الأول أشبه.
ومنه: في وجوب القسم عليه في زوجاته وجهان: أحدهما: وبه قال الإِصْطَخْرِيُّ -لا يجب لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: 51] الآية.
والآخر: أنه يجب؛ لأنه كان يُطَافُ به في المرض على نسائه، وكان -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: "هَذَا فَسَمِي فِيْمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لاَ أَمْلِكُ" 4.

والأول: هو المذكور في الكتاب، لَكِنَّ الثَّانِي أصبح عند الشيخ أبي حَامِدٍ والعراقيين، وتابعهم صاحب "التَّهْذِيبِ"، وحملوا قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: 51] على إباحة التَّبَدُّلِ بِهِنَّ بعد التحريم.
وأكثر هذه المسائل، وأخواتها يتخرج على أصل اختلف فيه الأصحاب، وهو أنَّ النِّكَاحَ في حَقِّهِ هل هو كالتُّسَرِّي في حقنا؟.
إنْ قُلْنَا: نَعَمْ، لم يَنْحصِرْ عدد منكوحاته ولا طلاقه، وانعقد نكاحه بلفظ الهبة.
ومعناها: بغير ولي، وشهود وفي الإِحرام.
ولم يجب عليه الْقَسَمُ، وإلاَّ انعكس الحكمُ، ويجوز أن يعلم لفظ الخلاف من قوله: "وفي الزيادة على التِّسْعِ خلاف"، بالواو لقطع من قطع بالجواز.
وأن يعلم قوله: "وينعقد نكاحه بلفظ الهبة، وبغير الْمَهْرِ" بالواو.
وكذا قوله: "وجب على الزوج طلاقها".
وقوله: "ولم يجب عليه القسم في زوجاته".
هذا شَرْحُ ما في الكتاب من الْمَسَائِلِ.
ومما يدخل في هذا القسم، أنه كان يجوز للنَّبِيِّ -صلى اللَّهُ عليه وسلم- تزويج الْمَرْأَةِ مِمَّنْ شاء بغير إذنها وإذن وليها، ويزوجها من نفسه، ويتولى الطرفين بغير إذنها وإذن وليها.
قال الحنَّاطِيُّ رحمه الله: ويحتمل أن يُقَالَ: لا يجوز إلاَّ بإذنها، وكان يحل له نكاح الْمُعْتَدَّةِ في أحد الوجهين 1. وهل كان يلزمه نفقات زوجاته؟.
فيه وجهان 2: بناءً على الخلاف المهر.
وكانت المرأة تحل له بتزويج الله تعالى، قال الله تعالى في قِصَّةِ زَيْنَبَ -رضي اللَّهُ عنها-: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]، وقيل: إنه نكحها بنفسه وقوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ أي: أحللنا لك نكاحها.
وأعتق النَّبيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَفِيَّةَ -رضي الله عنها- ونكحها، وجعل عِتْقَهَا صَدَاقَهَا 3، فمن الأصحاب من قال: أعتقها على شرط أن ينكحها، فلزمها الوفاء بخلاف ما في حقِّ الأَمَةِ.

وقيل: جعل نفس العتق صداقاً، وجاز له ذلك بخلاف ما في حق الأَمَةِ 1. ورأيت بخط بعض الْمُصَنِّفِينَ عن أبي الحسين بن الْقَطَّانِ [في] أنه هل كان يجوز له الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، بناءً على أن المخاطب هل يدخل في الخطاب، وأنه كان لا يَجُوزُ له الجمع الأختين، لأن خطاب اللَّهُ -جل اسْمُهُ- يدخل فيه النَّبيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأمته وذكر الحنَّاطِيُّ وجهاً بعيداً في الجمع بين الأُخْتَينِ أيضاً، وكذا في الجمع بين الأُمِّ وَابْنَتِهَا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَنِسَاؤُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى غَيْرِه لأَنَّهُنَ أُمَّهَاتُ المُؤْمِنِينَ، وَمُطَلَّقَةُ المَدْخُولُ بِهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَغَيْرُ المَدْخُولِ بِهَا مُحَلَّلَةٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: النَّوْعُ الرَّابعُ مما اختصِ به رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الفضائل والكرامات.
فمن خصائصه في النِّكَاح أنَّ زوجاته اللاتي تَوَفَّى عَنْهُن في النِّكاحِ مُحَرَّمَاتٌ على غيره أبداً، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53].
وفي التي فارقها في حياته كالتي وجد بكشحها بَيَاضاً فَرَدَّهَا 2 وَكَالْمُسْتَعِيْذَةِ ثلاثة أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أنها محرمة أيضاً، لقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] ويحكى هذا عن نَصِّهِ في "أحكام القرآن"، وبه قال ابنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
والثاني: لا تحرم لإِعراض النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عنها، وانقطاع الاعتناء بها.
والثَّالِثُ: وَبِهِ قال الشيخ أَبو حَامِدٍ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ أنه الصحيح 1: إِنْ كانت مَدْخُولاً بها حُرِّمَتْ، وإلاَّ فلا؛ لما روي في الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمان عُمَرَ -رضي اللَّهُ عنه-، فَهَمَّ برجمهما، فَأُخْبِرَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فارقها قبل أن يَمَسَّهَا فخلاهما.
وهذه الأوجه في غير المُخَيَّرَاتِ، وأما المخيرات لو قدر اختيار بعضهن زينة الدنيا ففارقها، فهل يحل للأزواج؟ طَرَدَ أصحابنا العراقيون فيه الأوجه الثَّلاَثَةَ.
وقال أبو يَعْقُوبَ الأيبوردي وآخرون: نحل لا محالة، والاَّ لم يتمكن من غرضها من زينة الدنيا، ولما كان للتخيير معنى، وبهذا أخذ الإِمَامُ وصاحب الكتاب رحمهما الله.
وإذا قلنا بتحريم من فارقها، ففي أَمَتِهِ الموطوءة إذا فارقها بالموت، أو غيره وجهان: ومنها: أن زوجاته أمهات المؤمنين سواء فيه من ماتت تحت النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن مات النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي تحته، وذلك في تحريم نِّكَاحِهِنَّ ووجوب احترامهن، وطاعتهن، لا في النظر إليهن والخُلْوَةِ والمسافرة بهن، ولا يقال: لِبَنَاتِهِنَّ: إنهن أخوات المؤمنين؛ ألا ترى أنهن لا يحرمن على المؤمنين.
وكذلك لا يُقَالُ لآبائهن وأمهاتهن: أجداد المؤمنين وجداتهم، ولا لإِخواتهن وأخواتهن: أخوال المؤمنين وخالاتهم، وحكى أَبُو الْفَرَجِ الزاز وجهاً: أنه يطلق اسم الأخوة على بَنَاتِهِنَّ، واسم الخئولة على إخوَانِهِنَّ وأخواتهن، لثبوت حُرْمَةِ اْلأُمُومَةِ لهن، وهذا كما أن المسلمات كلهن أخوات أحد المسلمين بالإِسلام، وذلك لا يوجب تحريم = فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت، فبلغ ذلك أبا بكر، فقال: لقد هممت بأن أحرق عليهما، فقال عمر: ما هي من أمهات المؤمنين ولا دخل بها ولا ضرب عليها الحجاب.
فسكن، وروى البيهقي بإسناده إلى الزهري قال: بلغنا أن العالية بنت ظبيان التي طلقها تزوجت قبل أن يحرم الله نساءه، فنكحت ابن عم لها وولدت فيهم، قوله: ولا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين، ولا لأخواتهن خالات المؤمنين، قلت: فيه أثر عن عائشة قالت: أنا أم رجالكم، ولست أم نسائكم، أخرجه البيهقي، قوله: وأما غيرهن فيجوز أن يسألن مشافهة بخلافهن، قلت: إن كان المراد السؤال عن العلم فمردود، فإنه ثابت في الصحيح أنهم كانوا يسألون عائشة عن الأحكام والأحاديث مشافهة، أو لعله أراد بقوله مشافهة مواجهة فيتجه، والله أعلم.

النكاح، وهذا ظاهر لفظ "المختصر" 1. ومنها: تفضيل زوجاته على سائر النساء 2، وجعل ثوابهن وعقابهن على الضِّعْفِ، قال في "التهذيب": ولا يَحِلُّ لأحد أن يسألهن شيئاً إلاَّ من وراء حجاب، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53] [الآية] وأما غَيْرهُنَّ، فيجوز أن يُسْأَلْنَ مُشَافَهَةً 3. ومن فضائله وخصائصه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في غير النكاح أنه خاتم النبيين -صَلَوَاتُ اللهِ عليه- وَأُمَّتُهُ خَيْرُ الاُمَم، وأن شريعته نَسَخَتِ الشَّرَائِعَ وجعلت مؤبدة وجعل كتابه معجزاً بخلاف كتب سائر الأَنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وحفظ عن التحريف والتبديل، وأُقيم بعده حجة على الناس، ومعجزات سائر الأنبياء صلوات الله عليهم انْقَرَضَتْ بانْقِرَاضِهِمْ، وَنُصِرَ بالرُّعْبِ على مسيرة الشهر، وَجُعِلَتْ له الأَرْضُ مسجداً، وَتُرَابُهَا طَهُوراً، وأحلت له الغنائم 4، ويشفع في أهل الكبائر 5، وَبُعِثَ إلى النَّاسِ

عامة 1، وهو سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يوم القيامة 2، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُ عَنْهُ الأَرْضُ وأول شافع ومشفع، وَأَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ 3، وهو أكثر الأنبياء عليهم السَّلامُ تبعاً، وأمته = قال النووي: هذه العبارة ناقصة أو باطلة، فإن شفاعته -صلى الله عليه وسلم- التي اختص بها ليست الشفاعة في مطلق أهل الكبائر، فإن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في القيامة شفاعات خمساً.
أولاهن: الشفاعة العظمى [أهل] في الفصل بين أهل الموقف حين يفزعرن إليه بعد الأنبياء، كما ثبت في الحديث الصحيح، حديث الشفاعة.
والثانية: في جماعة، فيدخلون الجنة بغير حساب.
والثالثة: في ناس استحقوا دخول النار فلا يدخلونها.
والرابعة: في ناس دخلوا النار، فيخرجون.
والخامسة: في رفع درجات ناس في الجنة، وقد أوضحت ذلك [كلَّه] في "كتاب الإِيمان" من أول "شرح صحيح مسلم" رحمه الله، والشفاعة المختصة به -صلى الله عليه وسلم-، هي الأُولى والثانية، ويجوز أن تكون الثالثة والخامسة أيضاً.
والله أعلم.

مَعْصُومَة لا تجتمع على الضَّلاَلَةِ 1، وصفوفهم كصفوف الملائكة، وكان لا ينام قَلْبُهُ، ويرى من وراء ظهره كما يرى من قُدَّامِهِ 2، وتطوعه بالصلاة قاعداً كتطوعه قائماً، وَإنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وفي حَقِّ غيره ذاك على النصف من هذا 3. ويخاطبه الْمُصَلِّي بقوله: "سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةٌ اللَّه" ولا يخاطب سائر الناس، وكان لا يجوز لأحد -من الآدميين- رفع صوته فَوْقَ 4 صَوْتِهِ، وأن يُنَادَى مِنْ

وَرَاءِ الْحُجَرَاتِ، ولا أن يناديه باسمه 1 فيقول يا مُحَمَّدُ يا أحمد ولكن يقول يا نبيَّ اللَّهِ [أو] يا رسول الله [أو] يا خيرة الله، وكان يُسْتَسْقَى به، يُتَبَّركُ 2 بِبَوْلِهِ وَدَمِهِ، ومن زَنَا بحضرته أو استهان به كَفَرَ 3، ويجب على المصلي إذا دعاه أن يجيبه ولا تبطل صلاته كما تقدم في "كتاب الصلاة".
وحكى أبو الْعَبّاسِ الرّويَانِيِّ وجهاً آخَرَ، أنه لا يجب، وتبطل به الصلاة 4 وأولاد بَنَاتِهِ يُنْسَبُونَ إليه، وأولاد بنات غيره لا ينسبون إليه، في الكفاءة وغيرها 5. [و] قال -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ سَبَبِيْ وَنَسَبِيْ" 6. = أي الأحكام الشرعية، فدل على أن من الأحكام الشرعية أن لا يفعل ذلك، أهمل المتقدم بين يديه والجهر له بالقول، وهما مستفادان من الآية أيضاً.

قيل: معناه أنَّ أمته يُنْسَبُونَ إليه في القيامة، وأمم سائر الأنبياء لا يُنْسَبُونَ إليهم.
وقيل: لا ينتفع يومئذٍ بِسَائِرِ الأَنْسَابِ، وينتفع بالنسبة إليه.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "تَسَمَّوْا باسْمِي وَلاَ تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي" 1 فعن رواية الربيع عن الشَّافِعِىِّ -رضي اللَّهِ عنه- أَنه ليس لأحَدٍ أن يكتني بأبي القاسم سواء كان اسمه محمداً أو لم يكن، ومنهم من حمله على كراهة الجمع بين الاسم والكنية، وجوزوا الإِفراد، ويشبه أن يكون هذا أظهر؛ لأن الناس ما زالوا يكنون به في جميع الأمصار والأعصار من غير إنْكَار 2 والله أعلم.
= ورواه في الأوسط من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي، عن محمد بن عباد بن جعفر سمعت عبد الله بن الزبير يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كل نسب وصهر منقطع يوم القيامة، إلا نسبي وصهرى، وإبراهيم ضعيف، ورواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند من حديث ابن عمر قاله الحافظ.

.......................... =وأن اليهود تكنَّوا به، وكانوا ينادون: يا أبا القاسم، فإذا التفت النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: لم نعنك، إظهاراً للإِيذاء، وقد زال ذلك المعنى، وهذا المذهب أقرب، وقد أوضحته مع ما يتعلق به في كتاب "الأذكار"، وكتاب "الأسماء".
[والله أعلم].
وما يتعلق بهذا الضرب، أن شعره -صلى الله عليه وسلم- طاهر على المذهب إن نجّسنا شعر غيره، وأن بوله ودمه وسائر فضلاته، طاهرة على أحد الوجهين كما سبق، وأن الهدية له حلال، بخلاف غيره من الحكام وولاة الأمور من رعاياهم.
وأُعطي جوامع الكلم.
ومن خصائصه -صلى الله عليه وسلم-، ما ذكره صاحب "التلخيص" والقفال قالا: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يؤخذ عن الدنيا عند تلقي الوحي، ولا تسقط عنه الصلاة ولا غيرها.
وفاته -صلى الله عليه وسلم- ركعتان بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر، ثم واظب عليهما بعد العصر.
وفي اختصاصه بهذه المداومة، وجهان: أصحهما: الاختصاص.
ومنها: أنه لا يجوز الجنون على الأنبياء، بخلاف الإِغماء.
واختلفوا في جواز الاحتلام، والأشهر امتناعه.
ومنها: أنه من رآه -صلى الله عليه وسلم- في المنام فقد رآه حقّاً.
وأن الشيطان لا يتمثل في صورته.
ولكن لا يعمل بما يسمعه الرائي منه في المنام مما يتعلق بالأحكام، لعدم ضبط الرائي، لا للشك في الرؤية، فإن الخبر لا يقبل إلاّ من ضابط مكلَّف، والنائم بخلافه.
ومنها: أن الأرض لا تأكل لحوم الأنبياء، للحديث الصحيح في ذلك.
ومنها: قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: "إن كذباً علي ليس ككذب على أحد".
فالكذب عمداً عليه من الكبائر، ولا يكفر فاعله على الصحيح وقول الجمهور.
وقال الشيخ أبو محمد: هو كفر.
ولنختم الباب بكلامين.
أحدهما: قال إمام الحرمين: قال المحققون: ذكر الاختلاف في مسائل الخصائص خبط غير مفيد، فإنه لا يتعلق به حكم ناجز تمس إليه حاجة، وانما يجري الخلاف فيما لا نجد بدّاً من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة لا مجال لها، والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، وما لا نص فيه، فتقدير اختيار فيه، هجوم على الغيب من غير فائدة.
والكلام الثاني: قال الصيمري: منع أبو علي بن خيران الكلام في الخصائص، لأنه لو انقضى، فلا معنى للكلام فيه.
وقال سائر أصحابنا: لا بأس به، وهو الصحيح، لما فيه من زيادة العلم، فهذا كلام الأصحاب، والصواب الجزم بجواز ذلك، بل باستحبابه.
ولو قيل بوجوبه، لم يكن بعيداً، لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتة في الحديث الصحيح فعلم به أخذاً بأصل التأسّي، فوجب بيانها لتعرف فلا يعمل بها، وأي فائدة أهم من هذه.
وأما ما يقع في ضمن الخصائص مما لا فائدة فيه اليوم، فقليل لا تخلو أبواب الفقه عن مثله للتدرُّب ومعرفة الأدلة وتحقيق الشيء على ما هو عليه.
والله أعلم.
قال في المهمات التعبير عن الثالث سهو وصوابه لمن ليس اسمه محمداً دون غيره وكأنه وقعت له نسخة ما نصه والثالث لمن اسمه محمد دون غيره والذي وقعت عليه ما ذكرته وهو الصواب.
وقال الإسنوي: وهذا الثالث هو الصواب الراجح دليلاً لقوله -صلى الله عليه وسلم- "من تسمى باسمي فلا يكتني بكلنيتى ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي".
رواه أبو داود والترمذي من حديث جابر وقال الترمذي حسن غريب وقال البيهقي في شعب الإِيمان إسناده صحيح وصححه ابن حبان وأخرجه أيضاً من حديث أبي هريرة وصححه الترمذي =

قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): يُسْتَحَبُّ النِّكَاحُ لِمَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهَا، وَمَنْ لاَ فَالعِبَادَة لَهُ أَوْلَى (ح)، وَأَحَبُّ المَنْكُوحَاتِ البِكْرُ الوَلُودُ النَّسِيبَةُ الَّتِي لَيْسَتْ لَهُ قَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ المَنْظُورُ (و) إِلَيْهَا قَبْلَ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: الشخص إما تائق محتاج إلى النكاح، وإما غير تائق، والأول إما أن يجد أُهْبَتَهُ وعدته، أو لا يجد إن وجدها فيستحب له 1 النكاح تَحْصِيْناً للدِّينِ، سواء كان مُقْبلاً على العبادة، أو لم يكن، وإن لم يَجِدْهَا فالأولى ألا يتزوج ويكسر شهوته بالصوم؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةِ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرَجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعُ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" 2 فإن لم تنكسر بالصوم لا يكسره بالكافور ونحوه، ولكن يتزوج.
= من هذا الوجه.
قال الشيخ البلقيني يحتج لما قاله الرافعي بما أسنده ابن عبد البر في مقدمة الاستيعاب من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي فإنما أنا أبو القاسم والله يعطي وأنا أقسم" ويوب عليه الترمذي باب كراهة الجمع بين اسم النبي -صلى الله عليه وسلم- وكنيته ورواه بلفظ "إن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يجمع أحد بين اسمه وكنيته ويسمى محمداً أبا القاسم" وقال حسن صحيح -ثم روى الحديث جابر قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "إذا سميتم بي فلا تكتنوا بي" وقال حسن غريب ثم روي من حديث علي بن أبي طالب أنه قال يا رسول الله أرأيت إن ولد لي بعدك ولد اسميه باسمك وأكنيه بكنيتك قال نعم.
فكانت رخصة لي- قال الترمذي صحيح.

وأما غير التائق فإن لم يجد أُهْبَتَهُ، أو كان به مَرَضٌ، أو عَجْزٌ من جب، أو عُنة أو كِبَرٌ فَيُكْرَهُ له النكاح؛ لما فيه من الالتزام بما لا يقدر على الوفاءِ بمُقْتَضَاهُ من غير حَاجَةٍ، وإن وجد الأُهْبَةَ ولم يكن به عِلَّةٌ فلا يكره له النكاح، ولكن التخلي للعبادة أفضل فإن لم يكن مشتغلاً بالعبادة فوجهان.
حكاهما ابنُ الْقَطَّانِ وغيره: أصحهما: أن النكاح أفضل، كيلا تفضي به البَطَالَةُ والفراغ إلى الفواحش.
والثاني: إِنَّ تركه أفضل للخطر بالقيام بواجبه.
وقال أبو حَنْيفَةَ -رضي اللَّهِ عنه-: النِّكَاحُ أفضل من الاشتغال بالعبادة، وفي "تعليق" الشيخ علي القزويني عن القاضي أبي سعيد الْهَرَويّ أنَّ للأصحاب وجهاً مثله، والمسألة، مشهورة في الخلاف، ويجوز أن يعلم قوله: "يُسْتَحَبْ النِّكَاحُ لمن تاقت نفسه إليه" بالواو؛ لأن في "شرح مختصر الجويني" أن بعض الأصحاب قال: إن خاف الزنا وجب عليه النِّكَاحُ، وأيضاً فإنَّ القاضي أبا سَعِيدٍ قال: ذهب بعض أصحابنا بالعراق إلى أنَّ النِّكَاحَ فرض على الكفاية، ولو أنه امتنع منه أهل قطر أُجْبِرُوا عليه 1.

جارٍ التحميل