العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 166-205

فصل العيوب مفْرُوضان في الاستقلال دُون المرافعة، وإذا قُلْنَا: إِن لها أنْ تَفسَخ بنَفْسها، فَهَل يكْفِي لنفوذ الفَسْخ إقرارُ الزَّوْج، أم لا بدّ وأن يقول القاضي [ثبتت العنة أو] 1 يثبت حق الفسخ، فاختاري فيه وجهان: أشبههما: الثاني، وهو الحكاية عن القاضي حسين ورأيتُ في "المجموع" لأبي الحُسَيْن بن القطَّان نقْلَ وجهَيْن فيما إذا قالَتِ: اخترتُ الفسخ، ولم يقُلِ الحاكمُ: نفَّذْتُه، ثم رجعَتْ، هل يصحُّ الرجوع، ويبطل الفسخ.
الأصح: المنع 2، ويشبه أن يكون هذا الخلافُ مفرَّعاً على استقلالها بالفَسْخ، أما إذا فسَخَتْ بإذنه، كان الإذن السابقُ كالتنفيذ اللاَّحق؛ وإنَّما تحسب المدةُ، إذا لم تَعْتَزِل عَنْه، فإن اعتزلَتْ، لمَ تُحْسَب، قال في "المجموع" وكذلك مرَضُها وحبْسُها يمنع الاحتساب، ومرضه وحبْسُه لا يمنع، وكذلك حيْضُها وفي سَفَره وجهان: أظهرهما: أنه لا يَمْنَع [الاحتساب] 3 أيضاً؛ لئلا يدافع بذلك، وإذا عرض ما يمنع الاحتساب في بعض السنة وزال، فالقياس أن يستأنف السنة، أو ينتظر مضيَّ ذلك الفصل من السنة الأُخْرَى، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهَذَا الفَسْخُ عَلَى الفَوْرِ، فَإِنْ رَضِيَتْ فَلاَ اعْتِرَاضَ لِلوَلِيِّ، وَلا رُجُوعَ لَهَا إلَى الفَسْخ بِخِلاَفِ الإِيَلاءِ، وَإِنْ فَسَخَتْ فِي أَثْنَاءِ المُدَّةِ لَمْ يَنْفُذْ، وَإِنْ أَجَازَتْ فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ رَضِيَتْ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا لَمْ يَعُدْ حَقَّهَا، وَإِنْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ وَطِئَهَا في النِّكَاحِ الأَوَّلَ وَعُنَّ عَنْهَا في النِّكَاحِ الثَّانِي فَلَهَا الخِيَارُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سبيل الفسْخ بالعُنَّة بعْد ثبوتها سبيلُ الفَسْخ بسائر العُيُوب، والظاهر: أنَّه على الفَوْر، ويجيء فيه الطريقةُ المذكورةُ في الفسخ بسائِرِ العيوب، وقوله: "فإن رَضِيَتْ فَلاَ اعتراض للولي" مكرَّر، وقد ذكره مرةً في فصْل العيوب، ويجوز أن يُعْلَم

بالواو لما مَرَّ، وإذا رضيت بالمقام تحته بعد مضيِّ المدة، سقَط حقُّها من الفسخ، ولا رجوعَ لها إلَيْه، كما إذا رضِيَتْ بسائر العيوب، أو رَضِيَ المشتري بالعَيْب، وليس كما [لو تركت] 1 المطالبةَ في الإيلاء، لها أن تعود إلى المطالبة، وكذا لو رَضِيَتْ بإعسار الزوج، ثم بدا لها أن تَفْسَخ، فلها الفسخ؛ لأن الضَّرَرَ يتجدَّد كلَّ يوم لبقاء اليمين، وقصد المضارَّة، والنفقة تَجِبُ يوماً يوماً، فالرِّضَا في الحال لا يؤثر في النفقات المستقبلَةِ، والعُنَّة عيْبٌ واحدٌ لا يتوقَّع زوالُها إذا تحققَّت، وإذا قسمّت في أثناء المُدَّة لم ينفذ، وَإِلاَّ، لم تتحقق فائدةُ الإِمهال، فإن أجازت ورَضِيَت بالمقام في المدَّة، أو قبل ضرْب المدَّة، فقولان: أحدُهُما: وُينْسَب إلى القديم: أنه يبطل حقُّها من الفسخ؛ لأنها تزعم العِلْم بالعيب.
وأصحُّهما: المنْع وثبوتُ الخيار بعد المدة؛ لأن الحقَّ حينئذٍ يثبت فالرضا قبله، كإسقاط الشفْعة قبل جريان البَيْع، وإن رَضيت بعْد انقضاء المدَّة، ثم طلَّقها الزوج طلاقاً رجعياً، ثم راجَعَها، لم يعُدْ حق الفسخ؛ لأنها قد رضيت بعنته في ذلك النكاح، واعترض المزنيُّ بأن الرجْعَةَ تعْتمدُ العدَّةَ، والعدةَ تعتمد الوطءَ، وبالوطءُ يزول حكم العُنَّة، وأجاب الأصحاب، بأن العدَّة قد تجبُ من غير جريان الوطء المزيلِ للعُنَّة، وذلك بأن يستدخل ماءَه، أو يأتيها في غير المَاْتَى، فتجب العدَّة، وتثبت الرَّجعة، وحكم العُنَّة باقٍ، وكذا الخلوة توجِبُ العدة، وتثبت الرجْعَةَ عَلَى قوله القديم فلعل المسألة مفرَّعة على القديم، ولو بانَتْ بانقضاء العدَّة، أو كان الطَّلاق بائناً، أو فسَخَتِ النكاح، ثم نكَحَتُه ثانياً، ففي تجدُّد حقِّ الفسخ قولان: أحدهما: لا؛ لأنها نكحته عالمةً بالعُنَّة.
وأصحُّهما: نعم؛ لأنه نكاحٌ جديدٌ، فيتوفر عليه، حكمه وتضرب المدَّة ثانياً، ويقال: إِن الأول من القولين قديمٌ، والثاني جديد، وبنى القولين جماعةٌ على قولَيْ عود الحِنْث، ولم يرتضه المحقِّقون؛ لأن هناك جرى في النكاح الأوَّل تعليقٌ أو ظهارٌ أو إيلاءٌ [ووقعت آثارها] 2 وعواقبُها في النكاح الثَّاني، وههنا أسقطت الزوجَةُ حقَّها في النكاح الأوَّل، واستوفَتْه بالفَسْخ، ولم يبْق منه عُلقْة أصلاً، وأجرى صاحب "الشامل" وغيره القولَيْن فيما إذا نكح امرأةً ابتداءً، وأعلمها أنه عِنِّينٌ وفي "التهذيب" حكايةُ طريقَيْن فيما إذا نكح امرأةً ابتداءً، وهي تَعْلَم أنه حكم بُعنَّته في حق امرأة أخْرَى.
أحدهما: إجراء القولَيْن.

والثاني: القطْعُ بثبوت الخيار؛ لأنه قد يَعْجز عن امرأة، ويَقْدِر على أخْرَى، ولو نكح امرأةً وأصابها، ثم أبانها، ثم نكَحَها وعُنَّ عنْها، فلها الخيار بلا خلافٍ؛ لأنها نكحته غَيْرَ عالمةٍ بعُنَّتهِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا تَنَازَعَا فِي الإِصَابَةِ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا، وَلأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الإِصَابَةِ إِلاَّ في مَوْضِعَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) فِي مُدَّةِ العُنَّةِ وَالإِيلاَءِ فَإِنَّ القَوْلَ قَوْلُهُ إِذْ تَعَسَّرَ إِقَامَةُ البَيِّنَةِ عَلَى الوَطْءِ، فَإِنْ أَقَامَتِ البَيِّنَةَ عَلَى البَكَارَةِ رَجَعْنَا إِلَى تَصْدِيقِهَا باليَمِينِ (الثَّانِي) لَوْ قَالَتْ: طَلَّقْتَنِي بَعْدَ المَسِيسِ وَلِي كَمَالُ المَهْرِ فَأَنَكَرَ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ، إلاَّ إِذَا أَتَت بِوَلَدٍ لِزَمَانٍ مُحْتَمَلٍ فَإِنَّا نُثْبِتُ النَّسَبَ فَيَتَأكَّدُ بِهِ جَانُبُهَا فَنَجْعَلُ القَوْلَ قَوْلَهَا، إِلاَّ إِذَا لاَعَنَ فَنَرجِعُ إِلَى تَصْدِيقِهِ إِذِ الأَصْلُ عَدَمُ الوَطْءِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال الأئمة؛ إذا اختلَفَ الزَّوْجان في الإِصَابَة، فالقَوْل قولُ من يَنْفِيها أخْذاً بأصْل العَدَم إلاَّ في ثلاثة مَوَاضِعَ: أحدها: إذا ادَّعَتْ عُنَّته، وقال الزوْج: قد أَصَبْتُها، فالقولُ قولُه مع يمينه، سواءٌ كان ذلك بعد مضيِّ المدة أو قبله، ووجْهُ ذلك بِأنَّ إقَامَةَ البيِّنة على الوطء عسيرةٌ، والأصل سلامة الشخْص ودوام النكاح، وهي تدَّعي قيام ما ترْفَعُه، فاقتضَى مجْموعُ ذلك تصدِيقَه، ولا فَرْقَ في ذلك بَيْن أن يكون الرجُلُ خَصيّاً، أو مقْطُوعَ بعْض الذَّكَر، والباقي بحَيث يُمكَنَّ من الجماع به؛ لكنها ادَّعتْ عجْزَه، وبين أن يكون سليماً، وعن أبي إِسْحَاقَ في الخصيِّ ومقطوعِ بعْضِ الذَّكَر؛ أن القول قولُ المرأة مع يمينها إلا أن النقصان الذي لَحِقه يُورث ضَعْف الذَّكَر، ويقوي جانبها، ولو اختلفا في أن الباقِيَ من الذَّكَر، هل يمكن الجماعُ به فالذي ذكره الأكثرون القَطْعُ بأنَّ القول قولُها؛ لزوالِ أصل السلامة، وقال في "الشامل": ينبغى أنْ يرى أهل الخبرة، ليعرفوا قدره ويخبروا عن الحال، كما لو ادَّعت أنَّه مجنون، وَأنْكر، قال في "التتمة": وهو الصحيح، فلو أَدَّعت عَجْزه بعد مضيِّ السَّنَّةِ، وَادَّعى الزَّوْجُ أنَّهَا امْتَنَعَتْ، ولم تُطَاوْعه، فإِنْ كَانَ لأَحدهما بينة، حكم بها، وإلاَّ فَاَلْقَوْلُ قول الزوْج؛ لأَنَّ الأَصَلِ دوام النكاح، فإذا حلف، ضَرَب القاضي المدَّة ثانياً.
وأسكنهما في دار قوم ثقات يتفقدون حالهما، فإذا مضت السنة اعتمد القاضي قول الثِّقات، وجرى [عليه كذا] 1 ذكره الشيخ المتولي.
الثاني: إذا طالبته في الإِيلاءِ بالفيأه أو الطَّلاَقِ، فقال: قد أصبتها، فالقول قوله: استدامةً للنكاح ولو أنها في الَموضعَيْن قالت: أنا بكْرٌ كما كنْتُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ

اللهُ عَنْهُ-: أُرِيهَا أربعاً من النساء عدولاً، وذلك دليلٌ على صدقها، وإن شاء، أحلفها، ثم فُرِّقَ بينهما، وظاهرُ هذا النَّظْم هو قولُ جماعةٍ من الأصحاب تَعْرِيضاً وتصْريحاً؛ أنه إذا قامت البينةُ، فشهد أربعُ نسوةٍ على أنَّها بكْرٌ يحكم بعد الإِصابة، ولا حاجة إلى تحليفها، وتكفي البكارة دليلاً على تصْدِيقها، قال هؤلاء: وقوله: "إن شاء أحلفها" معْنَاه؛ أنَّه لو قَالَ بعْد قيام البينة: قد أصبتُهَا لكنْ لم أبالغ، فعادَتِ البكارةُ، وطلَبَ يمينها، تُسْمَع دعواه، وتَحْلِف، فإن لم يدع شيئاً، لم تحلف، وقال أبو علي في "الإِفْصاح" وأبو الحُسَيْن في "المجموع" والقاضي ابنُ كَجٍّ في شرحه: تحلف الزوجةُ مع قيام البينة على البكَارَة؛ لأنَّ البكارة، وإن ثبتت بالبينة، فاحتمالُ الزوال والعَوْدِ قائمٌ، وإن لم يدَّع الزوج، فلا بدّ من الاحتياط، وبهذا أخذ الإِمام وصاحب الكتاب وغيرهما.
فإذا حلفت بعد دعواه أو دُونَها، فتحلف على أنه لم يُصِبْها، أو على أنَّ بكارتها هي البكارةُ الأصليَّة، ولها حقُّ الفسخ بعْدَ يمينها، وإن نكَلَتْ، حلف الزوج، وبَطَلَ الخيارُ، وإن نكل الزوج أيضاً، ففيه وجهان، خرَّجهما الشيخ أبو عليٍّ صاحب "الإِفصاح": أصحهما: أن لها الفسخ، ويكون نكولُه كحلفها؛ لأن الظاهر أن بكَارَتَها هي البكارةُ الأصليَّةُ.
والثاني: المنع؛ لأنّ ما قاله يحتمل، والأصل دوام النكاح.
الموضع الثالث: إذا قالتِ المرأة: طَلَّقَنِي بعد المسيس، ولي كمالُ المهر، وقال الزوْج بل قبله، وليس لك إلاَّ شطْرُ المهر، فالقول قولُ الزوْج جرياً على الأصل، وعليها العدَّةُ مؤاخذةً لها بقولها، ولا نفقة لها، ولا سُكْنَى، وللرجلِ أن ينكح ابْنَتَهَا وأخْتَهَ وأرْبَعاً سواهَا في الحال، ثم لوِ أتت بولدٍ لزمانٍ محتملٍ يُثْبِتُ النسب، وُيقَوِّي ذلك جانبها، فيرجع إلَى تصديقها، وتطالِبُ الزوْجَ بالشطْر الثاني، ولا بدَّ من يمينها؛ على ما ذكره الإمام والعبَّاديُّ؛ لأن ثبوت النسب لا يُورِث يقين الإِصابة، ويمكن أن يجيء فيه الخلاَفُ المذكُورُ فيما إذا ظَهَرت البَكَارَةُ، وهذه الصورة هي محلُّ الاستثناء عن تصديق النافي، فإن لاَعَنَ الزوجُ، ونفي الولدُ، فقد زال المرجِّح، فيعود إلى تصديقه، [ويستمر الأمر] 1 على ما تقدَّم، وحيث قلنا: إِن القول قولُ مَنْ ينفي الإِصابة، فذلك إذا لم يُسلِّم جريان الخلوة، فإن سلَمه فقولان: أَصَحُّهُمَا: أن الجواب كذلك: والثَّانِي: أنَّه يصدق المثبتُ ترجيحاً بالخلوة، فَعَلَى هذا؛ تنضم هذه المسألة إلى مواضع الاستثناء عن تصدْيق النافي، وتصير

المسائل 1 أربعةً.
وقوله في الكتاب "إلاَّ في موضعَيْن" لا يخالف ما حكيناه عن الأئمَّة، وهو استثناءُ ثلاثة مواضعَ لكنه جمع بين الأول والثاني في قرن واحد.
وقوله: "إنَّ القوْلَ قوْلُه" يجوز أن يعلم بالميم؛ لأن ابن المنذر حكَى عن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في العُنَّة؛ أنه يجمع بينهما في بَيْتٍ وتراقبها امرأةٌ من وراء حجاب، فإذا قام الرجُل عنها، نظَرَت المرأةُ إليها، فإن وجدت رطوبةَ المنيِّ، فحينئذٍ يُصدَّق في الرجلُ، وبالأَلِفِ؛ لأن عن أحمد ثلاثَ رواياتٍ: أحدها: أن يجمع بينهما في بَيْتٍ، ويؤمر بأن يُرِيَنَا ماءه على قُطْنة ونحوها، فإن فعل، فحينئذٍ نصدِّقُه.
والثانية: أن القول قول الزوجة مطلقاً.
والثالثة: مثل مذهبنا.
ونختمُ فصْل العُنَّة بصور امرأة الصبيِّ والمجنونِ، إذا ادَّعت العُنَّة، لم تسمع، ولم تضرب المدَّة؛ لأن الصبيَّ لا يجامع لِصِغَرِه غالباً ولأن الفسخ يعتمد إقرار الزَّوْج بالعُنَّة أو نكوله عن اليمين، ولا اعتبار بقولهما؛ ولأن الصبيَّ ربما يدعي الإِصابة بعْد البلوغ، والمجنون يدَّعيها بعْد الإِفاقة.
ونقل المُزَنِي: أن، إن لم يجامعها الصبيُّ، أُجِّلَ، ولم يثبْتُه عامة الأصحاب قولاً آخر، وقالوا: إنه غَلَطٌ، والذي قاله الشَّافِعِيُّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- في "الأم" والقديم؛ فإن لم يجامعها الخَصِيُّ، أُجِّل، فوقع في اللفظ تحريفٌ، وما اذكره في الخصيِّ جواب على أن الخصاء لا يثبت الخيار أو مفروض فيما إذا رضِيَتْ بكونه خَصِيَّاً، ووجدتُهُ مع ذاك عِنِّيناً، وإلاَّ، فالخيار في الخصاء، لا تأجيل فيه كخيار الجَبِّ.
وحكى الحَنَّاطِيُّ وجهاً: أن المراهِقَ الذي يتأتَّى منه الجماعُ تُسْمَع دعوى العُنَّة عليه، [وتضرب] 2 له المدَّة، وبه قال المزنيُّ، وهو ضعيفٌ، ولو جُنَّ الزوجُ في أثناء

السنة، ومضتِ السنَةُ، وهو مجنون، وطلبت الفرقة، لم تُجَب؛ لأنَّه لا يصحُّ منه الإقرار، وإذا مضتِ السنةُ، فقالت: قد أجَّلْته شهراً أو سنةً أخرَى، ذكر بعض الأَصحاب، منْهم أبو الحُسَيْن بنُ القطَّان؛ أنَّ لها ذلك، ولها أن تَعُود إلى الفسخ متى شَاءَتْ، كَما إذا أمهل بعد حلول الأجل، لا يلزم الإِمهال، والصحيحُ أنه يبطل حقُّها بهذا التأخير؛ لأنه على الفور.
ولا مهر عند الفسخ بالعُنَّة، فإنه فسخ قبل الدخول على ما بيَّناه في الفسخ بسائر العيوب، وعن صاحب "التقريب": أن الإصطخريَّ حكى قولاً آخر؛ أنه يجبُ عليه كمالُ المهر؛ لأنَّها كانت تستحقُّ عليه أن يكون بصفةِ من يُتصوَّر منه تكميلُ المهر، وقولاً آخر؛ أنه يجب نصْفُ المهر، وهذا تمامُ القِسْمِ الرَّابع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الْقِسْم الَخَامِسُ مِنَ الْكِتَابِ في فُصُولٍ مُتَفَرِّقَةٍ) وَهِيَ سِتَّةٌ: (الْفَصْلُ الأوَّلُ فِيمَا يَحِلُّ للِزَّوْجِ) وَيَحِلُّ لَهُ كُلُّ اسْتِمْتَاعِ إلاَّ الإتْيَانِ في الدُّبُرِ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُ العَزْلِ، وَقِيلَ بِتَحْرِيمِهِ في الحُرَّةِ دُونَ الأَمَةِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَحِلُّ بِرِضَاهَا، وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِهِ فِي السُّرِّيَةِ، ثُمَّ الإتْيَانُ في الدُّبُرِ فِي مَعْنَى الوَطْءِ في جَمِيعِ الأحْكَامِ إلاَّ في التَّحْلِيلِ (و) وَالإِحْصَانِ، وَاختَلَفُوا في تَعَلّقِ النَّسَبِ وَتَقْرِيرِ المُسَمَّى وَوجُوبِ الْحَدِّ وَفِي اسْتِنْطَاقِهَا في النِّكَاحِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا في وُجُوبَ مَهْرِ المِثْلِ في النِّكَاحِ الفَاسِدِ، وَكَذَا في العِدَّةِ وَتَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: معْظَمُ مسائِلِ الفصل قد اندرج في معاقد الأَقسام الأربعة، وبقِيَتْ فصولٌ شاذَّةٌ فجمعها في القسم الخامس: الفصل الأوَّل: فيما يحلُّ للزوج من الاستمتاعات، وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا يمنع من شيء من الاستمتاعات إلا النَّظَر إلى الفرج، ففيه خلاف مذكور في "كتاب النكاح" وإلاَّ والإِتيان في الدُّبُر، فإنه حرامٌ؛ لما رُوِيَ أَنه سُئِلَ رَسُولُ الله -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "في أَيِّ الخَرْمَيْنِ؛ أَمِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا، فَنَعَمْ أَمْ مِنْ دُبُرِهَا في دُبُرِهَا، فَلاَ، إِنَّ الله تَعَالى لا يَسْتَحْيي مِنَ الْحَقِّ، [لاَ تأتوا النِّسَاءَ في أَدْبَارِهِنْ] 1 والخرمة، الثقبة، وقوله "لا يستحْيي من

الحق"] 1 أي: لا يَتْرُكُ شَيْئاً منه؛ لأن من اسْتَحْيَا من شيء تركه.
وقيل: إِنَّه لا يستبْقِي شيئاً منْه من قوله ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ أي: يستبقونهن، وعن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّ النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى أمْرَأةً في دُبُرِهَا" 2 وحكى ابنُ عبد الحكَمِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: لم = (تنبيه) الخربتين تثنية خربة بضم المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة، والخرزتين تثنية خرزة، بوزن الأول لكن بزاي بدل الموحدة، والخصفتين تثنية خصفة بفتحات والخاء معجمة أيضاً، والصاد مهملة بعدها فاء، وقال الخطابي: كل ثقب مستديرة خربة، والجمع خرب بضمة ثم فتح، وقال الأزهري: أراد بالخربتين المسلكين، وقال ابن داود: خرب الفاس ثقبه الذي فيه النصاب، والخرزتين تثنية خرزة وهي الثقب الذي يثقبه الخزاز ليخرز كني به عن المأتي والخصفتين تثنية خصفة من قولك خصفت الجلد على الجلد إذا خرزته مطابقاً، وفي هذا الإسناد عمرو بن أحيحة وهو مجهول الحال، واختلف في إسناده اختلافاً كثيراً، وقد أطنب النسائي في تخريج طرقه، وذكر الاختلاف فيه، وهو من رواية عبد الله بن علي بن السائب يرويه عنه محمد بن علي بن شافع، ورواه عن محمد بن علي: الشَّافعي الإمام، وابن عمه إبراهيم بن محمد بن العباس، وقد روى الدارقطني في فوائد أبي الطاهر الذهلي من طريق إبراهيم بن محمد هذا، عن محمد بن علي قال: جاء رجل إلى محمد بن كعب فسأله عن هذه المسألة فقال: هذا شيخ قريش فاسأله، يعني عبد الله بن علي بن السائب، فسأله فقال عبد الله: اللهم قذراً ولو كان حلالاً، انتهى.
وقد اختلف فيه على عبد الله بن علي بن السائب، فرواه النسائي من طريق ابن وهب عن سعيد بن أبي هلال عن عبد الله بن علي بن السائب، عن حصين بن محصن عن هرمي بن عبد الله عن خزيمة ابن ثابت، ومن طريق هرمي أخرجه أحمد [2/ 213 - 214 - 215] والنسائي وابن حبان [1299 - 1300] وهرمي لا يعرف حاله أيضاً، وقد قال الشَّافعي غلط ابن عيينة في إسناد حديث خزيمة، يعني حيث رواه، وقال البزار: لا أعلم في الباب حديثاً صحيحاً لا في الحظر ولا في الإطلاق، وكلما روى فيه عن خزيمة بن ثابت من طريق فيه فغير صحيح، انتهى.
وكذا روى الحاكم عن الحافظ أبي علي النيسابوري، ومثله عن النسائي، وقاله قبلهما البخاري.

....................... = لا يحتج به وما انفرد به فليس بشيء، وله طريق ثالث أخرجها النسائي من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال حمزة الكناني الراوي عن النسائي: هذا حديث منكر، ولعل عبد الملك بن محمد الصنعاني سمعه من سعيد بن عبد العزيز بعد اختلاطه، قال: وهو باطل من حديث الزهري والمحفوظ عن الزهري عن أبي سلمة أنه كان ينهي عن ذلك، انتهى.
وعبد المالك قد تكلم فيه دحيم وأبو حاتم وغيرهما، وله طريق رابعة أخرجها النسائي أيضاً من طريق بكر بن خنيس عن ليث عن مجاهد عن أبي هريرة بلفظ: من أتى شيئاً من الرجال أو النساء في الأدبار، فقد كفر، وبكر وليث ضعيفان، وقد رواه الثوري عن ليث بهذا السند موقوفاً، ولفظه: إتيان الرجال والنساء في أدبارهم كفر، وكذا أخرجه أحمد عن إسماعيل عن ليث، والهيثم بن خلف في كتاب ذم اللواط من طريق محمد بن فضيل عن ليث، وفي رواية: من أتى امرأته في دبرها فتلك كفرة، وله طريق خامسة رواها عبد الله بن عمر بن أبان عن مسلم بن خالد الزنجي، عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: ملعون من أتى النساء في أدبارهن، ومسلم فيه ضعف، وقد رواه يزيد بن أبي حكيم عنه موقوفاً، وفي الباب عن ابن عباس أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان وأحمد والبزار، من طريق كريب عن ابن عباس، قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس بإسناده أحسن من هذا، تفرد به أبو خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان عن كريب، وكذا قال ابن عدي، ورواه النسائي عن هناد عن وكيع عن الضحاك موقوفاً، وهو أصح عندهم من المرفوع، وعن ابن عباس طريق أخرى موقوفة رواها عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه: أن رجلاً سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: تسألني عن الكفر، وأخرجه النسائي من رواية ابن المبارك عن معمر وإسناده قوي، وسيأتي له طريق أخرى بعد قليل، وفي الباب أيضاً عن علي بن طلق أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان بلفظ: إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أخرجه أحمد بلفظ: سئل عن الرجل يأتي المرأة في دبرها، فقال: هي اللوطية الصغرى، وأخرجه النسائي أيضاً وأعله، والمحفوظ عن عبد الله بن عمرو من قوله، كذا أخرجه عبد الرزاق غيره، وعن أنس أخرجه الإِسماعيلي في معجمه، وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف، وعن أبي بن كعب في جزء الحسن بن عرفة بإسناد ضعيف جداً، وعن ابن مسعود عند ابن عدي بإسناد واهي، وعن عقبة بن عامر عند أحمد وفيه ابن لهيعة، وعن عمر أخرجه النسائي والبزار، من طريق زمعة ابن صالح عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن الهاد عن عمر، وزمعة ضعيف، وقد اختلف عليه في وقفه ورفعه، قوله: وحكى ابن عبد الحكم عن الشَّافعي أنه قال: لم يصح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تحريمه ولا في تحليله شيء، والقياس أنه حلال، قلت: هذا سمعه ابن أبي حاتم من محمد، وكذلك الطحاوي، وأخرجه عنه ابن أبي حاتم في مناقب الشَّافعي له، وأخرجه الحاكم في مناقب الشَّافعي عن الأصم عنه، وأخرجه الخطيب عن أبي سعيد بن موسى عن الأصم، وروى الحاكم عن نصر بن محمد المعدل عن محمد بن القاسم بن شعبان الفقيه، قال ثنا الحسن بن عياض ومحمود بن أحمد بن حماد قالا نا محمد بن عبد الله يعنيان ابن عبد الحكم، قال: قال الشَّافعي كلاماً كلم به محمد بن الحسن في مسألة إتيان المرأة في دبرها، قال: سألني محمد بن الحسن، فقلت له: إن كنت تريد المكابرة، وتصحيح الروايات وإن لم تصح، فأنت أعلم، وإن تكلمت بالمناصفة كلمتك، قال: على المناصفة، قلت: فبأي شيء حرمته، قال بقول الله عزّ وجلّ:

يَصِحَّ عن النَّبِيِّ -صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في تَحْرِيمِهِ وَلاَ تَحْلِيلِهِ شَيْءٌ" والقياسُ أنه حلاَلٌ، قال الربيع: كَذِبٌ والَّذي لا إله إلا هو قد نصَّ الشافعيُّ علَى تحريمه في ستِّ كتُبٍ، هذا هو الصحيح، وفي "شرح مختصر الجويني": أن بعْضَهم أقام ما رواه قولاً، وروَي عن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تحليلَهُ، وأصحابه العراقيُّون لم يثبتوا الرواية، ثم الإِتيان في الدُّبُر كالإِتيان في القُبُل، في أكثر الأحكام، كفساد العبادة به، ووجُوبِ الغُسْل من الجانبَيْن، ووجوب الكفَّارة، في الحجِّ والصوم وغيرهما، لكن لا يحصل به التحليلُ للزوْجِ الأول؛ احتيَاطاً للتحليل، وأيضاً فقد قال -عليه السلام-: "لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" 1 وههنا لا يحصل من جهتها ذوق العُسَيْلَة، قال الإِمام: وقد حُكِيَ قولٌ؛ أن التحليلَ يحْصُل بالإصابة في النِّكاح الفاسد، فكان يبُعُد أن يلحق الإِتيان في هذا المأْتَى في النكاح الصحيح بالإِتْيَان في المأتى المستقيم في النِّكَاح = ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ وقال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ والحرث لا يكون إلا في الفرج، قلت: أفيكون ذلك محرماً لما سواه، قال: نعم، قلت: فما تقول: لو وطئها بين ساقيها، أو في إعكانها أو تحت إبطها أو أخذت ذكره بيدها، أي ذلك حرث؟ قال: لا، قلت: أفيحرم ذلك؟ قال: لا، قلت.
فلم تحتج بما لا حجة فيه؟ قال: فإن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ الآية، قال فقلت له: إن هذا مما يحتجون به للجواز، إن الله أثنى على من حفظ فرجه من غير زوجته، وما ملكت يمينه، فقلت: أنت تتحفظ من زوجته ومما ملكت يمينه قال الحاكم: لعل الشَّافعي كان يقول بذلك في القديم، فأما في الجديد فالمشهور أنه حرمه، قوله: قال الربيع: كذب والله الذي لا إله إلا هو، قد نص الشَّافعي على تحريمه في ستة كتب، هذا سمعه أبو العباس الأصم من الربيع، وحكاه عنه جماعة منهم الماوردي في الحاوي، وأبو نصر بن الصباغ في الشامل، وغيرهما وتكذيب الربيع لمحمد لا معنى له؛ لأنه لم ينفرد بذلك، فقد تابعه عبد الرحمن بن عبد الله أخوه عن الشَّافعي، أخرجه أحمد بن أسامة بن أحمد بن أبي السمح المصري عن أبيه، قال: سمعت عبد الرحمن فذكر نحوه عن الشَّافعي، وأخرج الحاكم عن الأصم عن الربيع، قال مال الشَّافعي: قال الله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ احتملت الآية معنيين: أحدهما أن تؤتى المرأة من حيث شاء زوجها، لأن أنى شئتم، يأتي بمعنى أين شئتم، ثانيهما أن الحرث إنما يراد به النبات في موضعه دون ما سواه.
فاختلف أصحابنا في ذلك، وأحسب كلاً من الفريقين تأولوا ما وصفت من احتمال الآية، قال: فطلبنا الدلالة من السنّة، فوجدنا حديثين مختلفين، أحدهما ثابت وهو حديث خزيمة في التحريم، قال: فأخذنا به، قوله: وفي مختصر الجويني أن بعضهم أقام ما رواه أي ابن عبد الحكم قولاً، انتهى.
وإن كان كذلك فهو قول قديم، وقد رجع عنه الشَّافعي كما قال الربيع، وهذا أولى من إطلاق الربيع تكذيب محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، فإنه لا خلاف في ثقته وأمانته، وإنما اغتر محمد بكون الشَّافعي قص له القصة التي وقعت له بطريق المناظرة بينه وبين محمد بن الحسن، ولا شك أن العالم في المناظرة يتقذر القول وهو لا يختاره، فيذكر أدلته إلى أن ينقطع خصمه، وذلك غير مستنكر في المناظرة والله أعلم قاله الحافظ في التلخيص.

الفاسد، ولا يَحْصُل به الإِحصان؛ لأنه فضيلة، فلا يثبت إلا بوطءٍ كاملٍ، ولا تحصُلُ به الفيئة في الإِيلاء، ولا يزول به عنه حكم العُنَّة، وفيهما وجْهٌ ضعيفٌ، وهل يثبت به النَّسَب؟ فيه وجهان: أصحُّهما: نعم؛ لأنه قد يَسْبِق الماء إلى الرَّحِم من غير شعور به، وإنما يظهر الوجهان فيما إذا أتَى السيِّدُ أمَتَه في هذا المأْتَى، أو فرض ذلك في النكَاحِ الفَاسِد، فأما في النكاح الصحيح، فإمكان الوطء كافٍ في ثبوت النسب، ويستقر به المسمَّى في النكاح الصحيح على أصح الوجهَيْن؛ لأنه وطْءٌ: في محل الاستمتاع، ومنْهم مَنْ قطع به، كما يقْطَع بوجوب مهر المثل به في النكاح الفاسد، وإذا قلْنا بالوجه الثاني؛ وهو ألاَّ يستقر به المسمَّى، فقد قال أبو عبد الله الحَنَّاطِيُّ: [و] يجب لها مهْرُ المثل، وينظر بعد ذلك، إِن وَطِئَها، فلها المسمَّى وترد مهْر المثل، وفيه وجْهٌ أنَّ لها المسمَّى ومهر المثل، وإن لم يطأْها، وطلَّقها، فقد حصل لها مهْر المثل، وللزوج عندها المسمَّى، فإن كانا من جنْس واحد، جرى أقوال التقاصِّ، [وهذا كلام مظلمٌ لا يعتدي إليه] 1 وإذا أوجبنا الحد في اللواط، فإذا أتى أمته أو منكوحته في غير المأْتَى، فالصحيح: أنه لا يتعلق به الحدُّ 2 لوقوعه في المملوك الذي هو محلُّ الاستمتاع، وفيه وجه: أنه يجب الحدُّ، وقَرُب ذلك من القول المنقولِ في وُجُوب الحدِّ، إذا وطئ أمته المحرَّمة عليه، وفي استنطاق المصابة في غيْر المأتَى وجهان قدَّمْنَاهما، والأصحُّ؛ أنه لا يشترط في تزويجها؛ لبقاءِ العذرة، وتجب به العِدَّة، كما يجب الغسل والكفارة، وسائر ما فيه تغليظٌ، ونَقَلَ أبو الحسن العَبَّاديُّ فيه وجهاً آخر، ويثبت به الرجعة، كما يثبت النسبُ، ويتقرَّر المهر، وفي الرجْعة وجهٌ آخرُ، كما في صورَتَي الاستشهادِ، وهلْ تثبت به حرمةُ المُصَاهرة؟ فيه وجهان مذْكُوران في "التهذيب" وغيره: أصحُّهما: الثبوت؛ لأنه أعظَمُ من المفاخَذَة والتقبيل واللَّمْس بالشَّهوة، وهي تثبت حرمة المصاهرة في قول قوي ويجوز التلذُّذ بما بين الألْيَتَيْنِ، والإِيلاج في القبل

من جانب الدبر، ويجوز أن يُعْلَم من لفظ الكتاب قوله: "إلاَّ الإِتيان في الدُّبُر" بالميم، لما روي عن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- 1 وقوله: "وتقرير" المسمى بالواو لقطع من قطع بالتقرير.

......................... = رواية محمد: فأخرجها الطبراني في الأوسط عن علي بن سعيد عن أبي بكر الأعين، عن محمد ابن يحيى بن سعيد بلفظ: إنما نزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ رخصة في إتيان الدبر، وأخرجه الحاكم في تاريخه من طريق عيسى بن مثرود عن عبد الرحمن بن القاسم، ومن طريق سهل بن عمار عن عبد الله بن نافع، ورواه الدارقطني في غرائب مالك من طريق زكريا الساجي عن محمد ابن الحارث المدني عن أبي مصعب، ورواه الخطيب في الرواة عن مالك من طريق أحمد بن الحكم العبدي، ورواه أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره، والدارقطني أيضاً من طريق إسحاق بن محمد الفروي، ورواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان من طريق محمد بن صدقة الفدكي كلهم عن مالك، قال الدارقطني: هذا ثابت عن مالك، وأما زيد بن أسلم فروى النسائي والطبري من طريق أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عنه، عن ابن عمر: أن رجلاً أتى امرأته في دبرها على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوجد من ذلك وجداً شديداً، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية، وأما عبيد الله بن عبد الله بن عمر: فروى النسائي من طريق يزيد بن رومان عنه: أن ابن عمر كان لا به بأساً، موقوف، وأما سعيد بن يسار: فروى النسائي والطحاوي والطبري من طريق عبد الرحمن بن القاسم، قال: قلت لمالك.
إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار، قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري فخمض لهن، والتحميض الإتيان في الدبر، فقال: أف أو يفعل هذا مسلم، قال ابن القاسم: فقال لي مالك أشهد على ربيعة لحدثني عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه، فقال: لا بأس به، وأما حديث أبي سعيد: فروى أبو يعلى وابن مردويه في تفسيره، والطبري والطحاوي من طرق، عن عبد الله بن نافع عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رجلاً أصاب امرأة في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا ثفرها، فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ورواه أسامة بن أحمد التجيبي من طريق يحيى بن أيوب، عن هشام بن سعد ولفظه: كنا نأتي النساء في أدبارهن، ويسمى ذلك الإِثفار، فأنزل الله الآية، ورواه من طريق معن بن عيسى عن هشام، ولم يسم أبا سعيد قال: كان رجال من الأنصار، قلت: وقد أثبت ابن عباس الرواية في ذلك عن ابن عمر، وأنكر عليه في ذلك، وبين أنه أخطأ في تأويل الآية، فروى أبو داود من طريق محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن ابن عمر والله يغفر له أوهم، إنما كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن، مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم من العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتي على حرف، فاصنع ذلك إلا فاجتنبني، فسرى أمرهما حتى بلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعني بذلك موضع الولد، وله شاهد من حديث أم سلمة، قال الإِمام أحمد نا عفان نا وهيب نا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط قال: دخلت على حفصة ابنة عبد الرحمن فقلت: إني سائلك عن أمر، وأنا أستحيي أن أسألك، قالت: فلا تستحي =

......................... = يا ابن أخي، قال: عن إتيان النساء، وكانت اليهود تقول.: إنه من جبى امرأته كان ولده أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فجبوهن فأبت امرأة أن تطيع زوجها، وقالت: لن نفعل ذلك، حتى أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استحيت الأنصارية أن تسأله، فخرجت، فحدثت أم سلمة رسول الله فقال: ادع الأنصارية: فدعيت فتلا عليها هذه الآية، ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ صماماً واحداً.
تنبيه: روى النسائي من طريق بكر بن مضر عن يزيد بن الهاد عن عثمان بن كعب القرظي عن محمد بن كعب القرظي: أن رجلاً سأله عن المرأة تؤتى في دبرها فقال: إن ابن عباس كان يقول: اسق حرثك من حيث نباته، كذا في بعض النسخ، وفي بعضها من حيث شئت، وكذا رواه أبو الفضل بن حنزابة عن محمد بن موسى المأموني عن النسائي، والأول أشبه بمذهب ابن عباس، وروى جابر: أن سبب نزول الآية المذكورة، أن اليهود كانت تقرل: إذ أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها، جاء الولد أحول، فأنزلها الله تعالى، أخرجه الشيخان في الصحيحين وغيرهما، وفي رواية آدم عن شعبة عن محمد بن المنكدر، سمعت جابر بن عبد الله يقول في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: قالت اليهود: إذا أتى الرجل امرأته باركة، كان الولد أحول، فأكذبهم الله عَزَّ وَجَلَّ فأنزل: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يقول: كيف شئتم في الفرج، يريد بذلك موضع الولد للحرث، يقول: أئت الحرث كيف شئت، ومن قوله يقول كيف شئتم، يحتلم أن يكون من ذلكم جائزاً ومن دونه.
فائدة: ما تقدم نقله عن المالكية، لم ينقل عن أصحابهم إلا عن ناس قليل، قال القاضي عياض: كان القاضي أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي يجيزه ويذهب فيه إلى أنه غير محرم، وصنف في إباحته محمد بن سحنون ومحمد بن شعبان، ونقلا ذلك عن جمع كثير من التابعين، وفي كلام ابن العربي والمازري ما يومي إلى جواز ذلك أيضاً، وحكى بن بزيرة في تفسيره عن عيسى ابن دينار أنه كان يقول: هو أحل من الماء البارد، وأنكره كثير منهم أصلاً، وقال القرطبي في تفسيره وابن عطية قبله: لا ينبغي لأحد أن يأخذ بذلك، ولو ثبتت الرواية فيه لأنها من الزلات، وذكر الخليلي في الإِرشاد عن ابن وهب أن مالكاً رجع عنه، وفي مختصر ابن الحاجب عن ابن وهب عن مالك إنكار ذلك، وتكذيب من نقله عنه، لكن الذي روى ذلك عن ابن وهب غير موثوق به، والصواب ما حكاه الخليلي، فقد ذكر الطبري عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن مالك أنه أباحه، روى الثعلبي في تفسيره من طريق المزني قال: كنت عند ابن وهب وهو يقرأ علينا رواية مالك فجاءت هذه المسألة، فقام رجل فقال: يا أبا محمد اروِ لنا ما رويت، فامتنع أن يروي لهم ذلك، وقال: أحدكم يصحب العالم، فإذا تعلم منه لم يوجب له من حقه ما يمنعه من أقبح ما يروى عنه، وأبى أن يروي ذلك، روي عن مالك كراهته، وتكذيب من نقله عنه من وجه آخر، أخرجه الخطيب في الرواة عن مالك من طريق إسماعيل بن حصن عن إسرائيل بن روح، قال: سألت مالكاً عنه، فقال: ما أنتم قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟ قلت: يا أبا عبد الله إنهم يقولون ذلك، قال: يكذبون علي، والعهدة في هذه الحكاية على إسماعيل فإنه واهي الحديث، وقد روينا في علوم الحديث للحاكم قال نا أبو العباس محمد بن يعقوب نا العباس بن الوليد البيروتي نا أبو عبد الله بشر بن بكر، سمعت الأوزاعي يقول: يجتنب أو يترك =

وقوله: "ولم يختلفوا" إلى آخره يقتضي القطع بوجوب العدة وثبوت حرمة المصاهرة، لكن الخلاف ثابت فيهما، كما عرفت، فأما أن يُحْمَلَ ما ذكره على طريقة أخرى، وإما أن يتأول.
المسألة الثانية: العزل أن يجامع، فإذا جاء وقْتُ الإِنزال، نزع، فأنزل خارج الفَرْج، والأَوْلَى تركه على الإِطلاق، وأطلق في "المهَّذب" أنه مكروه، ولا خلاف في جوازه في السَّرِيَّة صيانةً للملكَ، وفي الحرَّةِ المنكوحةِ طريقان: إحداهما: أنها إنْ لم تأذَنْ، لم يُجْز، لما رُويَ عن ابن مسْعُود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وابن عباس -رضي الله عنهما- أنهما قالا: "تُسْتَأْذَنُ الْحُرَّةُ فِي العَزْلِ" 1 وَإِنْ أَذِنَتْ، فوجهان: أحدهما: المنع أيضاً؛ لما رُوِيَ عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّه قَالَ في الْعَزْلِ "إِنَّهُ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ" 2. = من قول أهل الحجاز خمس، ومن قول أهل العراق خمس، من أقوال أهل الحجاز: استماع الملاهي، والمتعة.
وإتيان النساء في أدبارهن، والصرف، والجمع بين الصلاتين بغير عذر، ومن أقوال أهل العراق: شرب النبيذ، وتأخير العصر حتى يكون ظل الشيء أربعة أمثاله، ولا جمعة إلا في سبعة أمصار، والفرار من الزحف، والأكل بعد الفجر في رمضان، وروى عبد الرزاق عن معمر قال: لو أن رجلاً أخذ بقول أهل المدينة: في استماع الغناء، وإتيان النساء في أدبارهن، ويقول أهل مكة: في المتعة، والصرف، وبقول أهل الكوفة: في المسكر، كان شر عباد الله، وقال أحمد بن أسامة التجيبي نا أبي سمعت الربيع بن سليمان الجيزي لقول: أنا أصبغ قال: سئل ابن القاسم عن هذه المسألة وهو في الجامع، فقال: لو جعل لي ملء هذا المسجد ذهباً ما فعلته، قال ونا أبي سمعت الحارث بن مسكين يقول: سألت ابن القاسم عنه فكرهه لي، قال: وسأله غير فقال: كرهه مالك.

والثاني: الجواز؛ لما رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: "كُنَّا نَعْزِلُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ يَنْهَنَا" 1. وأظهرهما: أنه يجوز، إن رضيت لا محالَة، وإلاَّ، فوجهان: أحدهما: المنعُ، لكيلا يتنغص عليهما الاستمتاعُ.
والثاني: الجواز؛ لأن حقَّها في الوطء دون الإنزال؛ ألا تَرَى أنه يقطع المطالبة في دعْوَى العُنَّة بمجرَّد الوطء، وهذا أصحُّ عند صاحب الكتاب، وإن كانتِ المنكوحةُ أمةً، فإن جوَّزنا العزل في حق الحُرَّة، ففي حقِّها أولَى، وإن منعناه في حقها، فوجهان: أحدهما: أنها مستفرشةٌ بالنكاح صاحبةُ حقٍّ في الاستمتاع، فتكون كالحرَّة.
وأصحُّهما: الجوازُ تحُّرزاً عن رِقِّ الولد، وإذا اختصَرْتَ، قلتَ: في [العزْلِ] 2 أوجهٌ: الجوازُ المطلق، [و] تخصيص الجواز بالأمة، [و] تخصيص الجواز بحالة الإِذْن، وهذه الثلاثةُ مذكورةٌ في الكتاب.
والرابع: المنْعُ المطْلَقُ.
والمستولدة، رتَّبها المرتِّبون على المنكوحة الرقيقة، وهذه أولَى بالمنع؛ لأنَّ الولد حرٌّ، وآخرون على الحُرَّة والمستولدة أَوْلَى بالجواز؛ لأنَّها ليْسَتْ راسخةً في الفراش، ولهذا لا تستحقُّ القسم، وهذا أظهر، قال الإِمام -قدس الله رُوحَهُ-: وحيث قلْنا بالتحريم، فَذَاكَ، إذا نزع على قصْدِ، أن يقع الإِنزال خارجاً؛ تحرُّزاً عن الولد، فأمَّا إذا عنَّ، له أنْ ينزع لا علَى هذا القصد، فيجب القَطْع بأنه لا يحْرُم.
هذا شرح ما يشتمل عليه الكلام في الفصل.
المسألة الثالثة: الاستمناءُ بالْيَدِ، نُقِلَ عن أَحْمَدَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الترخيصُ فِيه، وذكر القاضي ابن كج أنَّ فيه توقفاً في القَدِيم، والمذْهبُ الظاهرُ تحريمُه؛ لما رُوِيَ أنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَلْعُونٌ من نَكَحَ يَدَهُ" 3 واحتج له أيضاً بقوله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ إلَى قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 7] وهذا مما وراء ذلك، ويجوز أن يَسْتَمِنْيَ بيد

زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ، كما يستمتع بسائر بدَنِها، ذكَره في "التتمة" وحكاه القاضي الرُّويَانِيُّ في "التجربة" والله أعلم.
المسألة الرابعة: القول في تحريم الوطْء بالحَيْض والنِّفاس، وفي تحريم سائر الاستمتاعات على ما مَرَّ في الحيض، وعن أبي عُبَيْد بن حَرْبَوْيهِ فيما نقل القاضي ابْنُ كَجٍّ: أنه يتجنَّب الحائض في جميع بَدِنها؛ لظاهر قوله تعالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ 1 [البقر ة: 222]. ولا بأْس بأنْ يطُوف على إمائه بغسلٍ واحدٍ، نعم، يُستحبُّ أن يخلِّل بين كل وَطْئَتَيْنِ وضوءاً أو غسل فرج، كما ذكَرْنا في "الطهارات" ولا يتأتَّى ذلك في المنكوحات 2 إلا بإِذنهن؛ لأنَّ القسْم واجبٌ فيهن، ولا يجوز أن يأْتي أخرَى في نوبة واحدةٍ إلا بإذنها، وما رُوِيَ أَنَّهُ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ" 3 محمولٌ عند من قال: كان القسْمُ واجباً عليه على أنَّهن كُنَّ أَحْلَلنَه، ومن قال:

لم يَجِب عليه القسْمُ، نزلهن في حقِّه -عليه السلام- بمنزلة الإماء، ويكره أن يَطَأ زوجته 1، أو أمته، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي في وَطْءِ الأَبِ جَارَيةَ الابْنْ) وَهُوَ حَرَامٌ وَلَكِنْ لَهُ شُبْهَةٌ وُجُوبِ الإعْفَافِ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَيجِبُ المَهْرُ، وَيَحْرُمُ عَلَى الابْنِ بَالْمُصَاهَرَةِ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ، وَيَنْعَقِدُ الوَلَدُ عَلَى الحُرِّيَّةِ، وَتَصِيرُ مُستَوْلَدَةَ الأبِ عَلَى القَوْلِ المَنْصُوصِ، وُيقَدَّرُ انْتِقَالُ المِلْكِ إِلَيْهِ مَعَ العُلُوقِ حَتَّى يَنْتَفِيَ قِيمَةُ الوَلَدِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ يَسْقُطُ المَهْرُ أَصْلاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يحْرُمُ على الأب وطء جارية الابن، إذا كان عالماً بالحال؛ لأنَّها ليس بزوجةٍ له، ولا مملوكةٍ، وإذا وطئها فيُنْظر، أهي موطوءة الابن أم لا؟.
الحالة الأولى: أَلاَّ تكونَ موطوءةَ الابن، وفيها مَسَائِلُ: المسألة الأولى: لا يجب الحد على الأب لشبهة المِلْك، [و] رُوِيَ أنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبيكَ" وأيضاً، فإِنَّ الأب يستحقُّ على الابن جنس ما استوفاه، إذْ يجبُ عليه إعفافُ الأبِ، فأشبه ما إذا سَرَق مالَ الابن، لا يجبُ علَيه القطْعُ؛ لأنه يستحق النفقة عليه عنْد الحاجة، ووُجِّه أيضاً بأنَّ الوالد لا يُقْتَلُ بولده، فيبعُد أن يرجم بوطء جاريته، وفي "أمالي" أبي الفرج أن الإصطخريَّ خرَّج قولاً في وجوب الحد عليه من قولٍ رُوِيَ في وجوب الحدِّ على من وطَئ جاريته المحرَّمَة عَلَيْه برضاعٍ أو نسبٍ، وفرق على ظاهر المذهب بأنَّ هناك ليست تلْك الجاريةُ محلَّ حلَّة بحال، وهذه محلُّ حل الأب، وقد تمكَّنت الشبهةُ فيها، وشبهة الملك كحقيقة الملك في درْء الحد، وإذا لم نوجب الحدَّ، ففي وجوب التعزير وجهان: أحدهما: المنعُ؛ كيلا يصير الابن ومالُه سبباً لعقُوبة الأب.
وأصحهما: الوجوبُ؛ كركوب سائر المحظُورات، ويشبه أن يكون هَذَا في التعْزير لحقِّ الله تعالى لا لِحَقِّ الابن.

المسألة الثانية: إن فرَّعنا على التخريج المذْكُور في الحدِّ، فهو كما إذا زنَى بأمة الأجنبيَّ، فإن كانت مكرهةً، وجب مهرها، وإن كانت مطاوعةً، فعلى وجهَيْن، وإن قلْنا بظاهر المذْهب نزلناه منزلةَ وطء الشبهة، وأوجبنا علَيْه المهر للابن، فإن كان موسراً أخذ منه، وإلا، فهو في ذمته إلى أن يُوسِر، وعن أبي الحُسَيْن حكايةُ وجهٍ ضعيفٍ؛ أنه إذا كان معسْراً، لم يتبع به.
المسألة الثالثةُ: كما يسقط الحدُّ، ويجب المهر للشُّبهة تثبت حرمة المصاهرة، فتحرم الجاريةُ علَى الابن أبداً، ويستمرُّ ملكه عليها، إذا لم يوجد من الأب إحبالٌ، ولا شيءٌ على الأبِ بتحريمها؛ لأن مجرَّد الحلِّ في ملْك اليمين لَيْس بمتقوَّم، وإنما المقْصِد الأعظم فيه المالية، وهي باقيةٌ، وله تزويجُها، ويحْصُل المهر، وممَّا يدل علَى أن الحلَّ فيه غير متقوَّم أنه إذا اشترَى أمة، فخرجت أختَهُ من الرضاع لا يتمكَّن من الردِّ، ولم اشترى جاريةً صغيرةً، فأرضعَتْها، أمُّ البائع، وحَرُمت عليه، ثم اطَّلَع المشتري علَى عيْبٍ قديمٍ أو اشترتْ زوْجةُ الرجُلِ جاريةً رضَيعةً منْهُ، وأرضعتْها، فحُرِّمت على الزَّوْج، ثم اطَّلعَت علَى عيبٍ قديم يجوز الردُّ، والحرمةُ الحادثةُ لا تُجْعَل كالعيوب الحادثة، وليس ما نحْنُ فيه كتفويت حليِّ النكاح بالرضاع أو بوطء الشبهة بأن وطئ زوجة أبيه أو ابنه بالشبهة، حيث يُغَرَّمُ المهْرَ؛ لأن هناك تفويتَ المِلْكِ والحلِّ جميعاً، ولأن الحلَّ هو المقصد هناك فيقوم، ولذلك يجوز أن يشتري أخته من الرضاع، ولا يجوز أن يَنْكِحَها.
المسألة الرابعة: إذا أحْبَلَها بوطئه فالولد نسيب حر، كما لو وطئَ جاريةَ الغير بالشبهة، وهل تصير الجارية أمَّ ولدٍ للأبِ؟ فيه قولان: أصحهما: وبه قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: نعَم، للشبهة الَّتي اقتضتِ انتفاء الحدِّ ووجوب المَهْر.
والثَّاني: وبه قال المزني: لأنها ليس ملكاً له وقْتَ الإِحبال، فصار كما لو استولَدَ جاريةً بالنكاح، وحكى الحناطيُّ في موضع القولَيْن اختلافاً، ملخَّصُ المفهوم منْه ثلاثة طرق: أحدها: تخصيص القولَيْن بما إذا كان الأَب معسِراً، والجزم بالاستيلاد عنْدَ يساره.
والثاني: تخصيصُ القولَيْن بما إذا كان مُوسراً، والجزمُ بالنفْي عند إعساره.
والثالث: وهو الأظهرُ: طَرْدُ الخلاف، ويخرَّجُ من هذه الطرق قولٌ فارقٌ بين أن يكون موسراً أو معسراً، على ما يُحْكَى عن صاحب "التقريب" كما إذا استولَدَ أحد الشريكَيْن الجارية المشتركة، فإنه ينفذ الاستيلادُ في نصيب الشريك، إن كان مُوسِراً، ولا ينفذ، إنْ كان معْسِراً، وَضعَّفَ الأئمةُ الفرْقَ من جهة أنَّ الاستيلاد هاهنا إنما يثبت

الحُرْمة الأبوة وشبهة الملك، ولا يختلفُ هذا المعْنَى بالإِعسار واليَسَارَ، وهناك يثْبُت الاستيلاد في نصيب الشَّريك لدفْع الضَّرَر عنه، فلو نفَّذناه في حالة الإِعْسَار، لعلَّقنا حقه بذمة ضر أب وهو ضرر أيضاً، فلم يَزُلِ الضررُ بالضرَرِ.
التفْريعُ: إنْ فرَّقنا بين أن يكون مُوسِراً أو مُعْسِراً، فإذا كان موسراً، قال الإِمام: يجب أن يخرَّج عَلى الأقوال الثلاثة في تعجيل الاستيلاد أو تأخيره إلَى أداء القيمة، أو التوقُّف كما في سراية العتْق من نصيبٍ إلى نصيبٍ، وإن قلْنا: لا يثبتُ الاستيلاد فَعَلَى الأَب قيمةُ الوَلَد باعتبار يَوْم الانفصال، إنِ انفصل حيّاً؛ لأن الرِّقَّ اندفَعَ بسببه، وإنِ انفصل ميِّتاً، فلا شيْء فيه، وهذا كما قدَّرنا في ولد المغْرُور، ولا يجوز للابن بيع الجارية، ما لَمْ تضَعِ العمل؛ لأنَّها حامل بحُرٍّ، وهل على الاْب قيمتُها في الحال، ثم يستردُّ عند الوضْع؟.
فيه وجهان: أحدهما: نعَمْ للحيلولَة الحاصِلَة.
وأصحُّهما: على ما ذكره صاحب "التهذيب" وغيره: لا؛ لأنَّ يده محتويةٌ عليها، وهو منتفعٌ بها بالاستخدام وغيره، بخلاف ما إذا أبق العبدُ من يد الغاصب، وهذا الحكْمُ في الجارية المغرورِ بحُرِّيَّتها، والموطوءة بشبهَة إذ أَحْبِلتَا، ولو ملك الأب هذه الجاريةَ يوماً من الدهر، هل تصير أمَّ ولدٍ؟ فيه قولان معْروفان، فإنْ جعلْناها أمَّ ولد، فيجب على الأب قيمةُ الجارية مع المهر، كما إذا استولد أحَدَ الشريكَيْن الجارية المشتركة، يجِبُ عليه نصف القيمة مع نصْف المهر، وعند أبي حنيفةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لا مهْرَ على الأب إذا وجبت القيمة، وإذا اختلفا في قيمة الجارية فالقَوْل قول الأب الغارم، ومنْهم من جعله على قولَيْن، كما [لو اشترى] 1 عبدَيْن، وتلف أحدُهما، ووَجَدَ بالآخر عيباً، وقلْنَا له: ردّه، واختلفا في قيمة التالف، ومتَى ينتقل الملك في الجارية إِلى الأب؟ فيه وجوه: أحدها: أنه ينتقل قبيل العُلُوق؛ ليكُونَ مسْقط مائه ملكاً له، صيانةً لحُرْمَتِهِ، وهذا ما أورده في "التَّهْذِيبِ".
والثاني: وهو الذي ارتَضَاه الإِمَامُ؛ أنه ينتقلُ مع العُلُوق؛ لأن العُلُوق هو علَّة نقْلِ المِلْك، والمعلولُ يساوق العلة.
والثالث: ينتقل إلَيْه بعد العُلُوق؛ لأن الضرورة حينئذٍ تتحقَّق وعلى هذا، فوجهان نَقَلَهُمَا الحَنَّاطِيُّ:

أحدهما: أنه ينتقل المِلْك إليه عند الولادة.
والثاني: ينتقل عند أداء القيمة بعْدَ الولاَدة 1. ثمَّ الكلام في ثلاثة أمور: الأول: في وجوب قيمَة الوَلَد على الأَب وجهان بَنَوْهما على الخلاف في وقْت انتقال الملْك، إن قلنا: ينتقل الملكُ بعْد العلوقَ، وجَبَت القيمة، وإن قلنا: ينتقل قبله، لم تجب، وإن قلنا: معه، فقد قيل: قضيته وجوبُ القيمة أيضاً.
وقال الإِمَامُ: العلوقُ علَى هذا التقدير يصادفُ الملك، فكيف يقتضي إيجاب القيمة؟ ورأىَ الأولى بناء الخلاف في وُجُوب الْقِيمَةِ على الخلاف في ثبوت الاستيلاد، إن أثْبتناه، لم نوجِبْ قيمة الولد، وإنْ نَفَيْناه أَوْجَبْنَاهَا.
الثاني: قال الإِمامُ لو فرض نزولُ الماء مع تغْييب الحَشَفة، فقد اقترن مُوجِب المَهْر بالعُلُوق، فينبغي أن ينزل المَهْر منزلةَ قيمة الوَلَد، والذي أطلقه الاصحابُ منْ لزوم المهْر محْمولٌ على ما إذا تأخَّر الإِنزال عنْ موجِب المَهْر على ما هو الغَالِب.
الثَّالِثُ: في "التهذيب" أنَّا إذا أثبتنا الاستيلاد فلا ولاء على الوَلَد، وإن لم نثْبِتْه، فوجهان: أصحُّهما: أن الجواب كذلك.
المسألة الخامِسَةُ: إذا استولد الأبُ جاريةً مشتركةً بين الابن وبين أجنبيِّ، فثبوت الاستيلاد في نصيب الابن علَى القولَيْن السابقَيْن، وإذا أثبتناه، فإنْ كان موسراً، سَرَى إلى نصيب الشَّريك، والولدُ حرٌّ، وعلى الأب كمالُ المهر، وكمال القيمة للابن والأجنبيِّ، وإن كان معسراً، لم يثبت الاستيلادُ في نصيب الشريك والولد نصْفُه حرٌّ، ونصفه رقيقٌ في أصحِّ القولَيْن.
وحكى القاضي أبو سعْدٍ الهَرَوِيَّ وجْهاً آخر: وهو أن الاستيلاد لا يَثْبُتَ في نصِيبِ الشَّريك.. بحال، ولا يُجْعَل حقّ الملك وشبهته كحقيقة المِلْك، ولو كان نِصْفُ الجارية للابن، ونصفُها حرٌّ، اقتصر الاستيلاد على نصيب الابن لا محالة.
ولو كان الأب المستولد رقيقاً لم يجب عليه الحد، ولا تَصيرُ الْجَارية أُمَّ ولَدٍ، له؛ لأنه لا يملك، والولدُ نسيبٌ، وفي حرية الولد وجهان: فتوى القَفَّال فيها: أنه حرٌّ،

كولد المغرور وقيمته في ذمته إلَى أنْ يعتق، والمَهْرُ يتعلَّق برقبته، إن كانت مكرهة، وإن كانت طاوعته، فقولان في أنَّه يتعلَّق برقبته أو بذِمَّته، كما لو وَطِئَ العبْد أجنبيةً بالشبهة، ولو كان الأب المستولد مكَاتباً، ففي ثُبُوت الاستيلاد وَجْهَانِ؛ بنَاءً على القولَيْن في ثبوته، إذا أولد جاريةَ نَفْسِهِ، ولو كان بعْضُه حراً وبعْضُه رقيقاً؛ لم يثبتْ الاستيلاد، ويكونُ نصْفُ الولَدِ حُرّاً، وفي نصْفه الآخر وجهان.
قال في "التَّهْذِيبِ": إن قلنا: أَنَّهُ حُرٌ أيضاً، فعليه كمالُ قيمةِ الوَلَد، نصْفُها في كسبه، ونصْفُها في ذمَّته، وإن قلْنا: إن النِّصْف الآخر رقيقٌ، فعليه [قيمة نصفه] 1 في كَسْب.
ولا فرق في الأحْكَام المذكورة بَيْن أن يكون الأبُ مُسْلماً أو ذِمَّيّاً، ويجري القَوْلاَن في ثُبُوت الاستيلاد في الذمِّيِّ، وإن كان الكافر لا يشتري المسلم؛ لأن الملك في الاستيلاد حُكْمِيٌّ، كما في الإِرث.
ووطء الأبِ جاريةَ البنْت والحَفَدة كوطْئِه جارية الابْن، ولا فَرْقَ، وأما لفظ الكتاب، فقوله: "فلا يجب الحد، ويجب المهر" مُعْلَمان بالواو، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "وينعقد الولد على الحرية" أيضاً؛ لأن من يقول بثبوت الوَلاَء علَيْه لا يُسَلَّم انعقاده على الحرية.
وقوله: "وتصير مستولدة الأب" أعلم بالزَّاي، وفي "أمالي" أبي الفرج السَّرخْسَيِّ أنه لا يثبت الاسْتِيلاَد عند مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فليعلم بالميم أيضاً، وقوله: "على القول المنصوص" يشيره الى كون القول الآخر مُخرَّجاً، وكذلك ذكر بعض الأصحاب، قَالَ القاضي ابن كجٍّ: نص ههنا على أنها تصير أمَّ ولد له، ونص فيما إذا أحبل أحد الغانِمَيْن جاريةً من المغنم أنَّها لا تصير أمَّ ولد له، فمن الأصحاب من جَرَى على النَّصَّيْنِ، فرقاً بأنَّ الأب له شبهةٌ في مال الابن، ويجب علَى الابن إعفافه، وهذا المعْنَى لا يوجدُ في الغانمين بعضهم مع بعض، ومنْهُمْ منْ جَعَل المسلِمِينَ علَى قولَيْن، وهذا ذهاب إلى أن قول المنع مُخرَّج ههنا، ومن الأصحاب من قال: هو منصوصٌ، وربَّما نسب إلى القديم، فعلى هذا قولُه: "على المنصوص" يعني في هذا الباب أو على الجديد، وقوله: "ويقدر انتقال الملك إليه مع العلوق" لا يخفى أنه مفرَّعٌ علَى ثبوت الاستيلاد.
وقوله: "علَى أظهر الوجهين" يمكن أن يرجع إلَى قوله "ويقدر انتقال الملك إليه مع العُلُوق" ويقابله الوجْهُ الذاهِبُ إلَى تقْدِيم الانتقال على العُلُوق، والوجه الذَّاهِب إلَى تأخره عنه تعليلاً بأنَّ المعْلُول يترتَّب على العلَّة بالرُّتْبة لا بالزمان، ويمكن أن يتعلَّق بقوله: "حتى ينتفي قيمة الولد"؛ لما مَرّ أن بعضهم قال: "قضية المساوقة وجوبُ القيمة" والاحتمال الأول أقرب إلى ما ذكره في "الوسيط" [وعلى هذا الاحتماله يُحْسُن

أن يُعْلَم قوله: "حتى ينتفي" قيمة الولد بالواو] 1 وقوله: "ولا يسقط المهر" معلَمٌ بالحاء.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِنْ كَانَتِ الجَارِيةُ مَوطُوءَةَ الابْنِ مَلَكَهَا الأَبُ بِالاسْتِيلاَءِ وَلَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا لأَنَّهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِوَطْءِ الابْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالةُ الثانية: إذا كانتِ الجاريةُ موطوءةَ الابنِ، ووَطِئَها الأبُ، وهو عالم بالحال، ففي وجوب الحدِّ وجهان أو قولان مأخوذانِ من القولَيْن في وجوبِ الحدِّ على من وطئ جارَيتُه المَحرَّمة عليه برضَاعٍ أو مصاهرةٍ أو نسبٍ: أَصَحُّهُمَا: وهو الجديد: أنه لا حدَّ للشبهة، وخصص القاضي الرّوَيانِيُّ في "التجربة" الخلاف بما إذا كانتْ موطوءة الابْنِ من غَيْر استيلاد، فأما إذا كان قد استولَدَها، فحكايته عن الأصْحَاب: وجوب الحد قَطْعاً؛ لأنه لا يُتصوَّر أن يمْلِكهَا بحالٍ بخلافِ ما إذا كانتْ موطوءةً غيْرَ مستولَدَةٍ 2، فإن قلْنا بوجوب الحدِّ على الأَبِّ، فلا تَحْرُم الجاريةُ على الابن، ويجب المهر، إن كانَتْ مكرهةً، وإنْ كانت مطاوعةً، فوجهان: أصحُّهما: المنعْ، ولو أولَدَها، لم تصِرِ الجاريةُ أمَّ ولد له، وكان الولَدُ رقيقاً غيْرَ نسيب، وعلى هذا القياس إذا وطئ جاريتَهُ المحرَّمَة عَلَيْهِ برضاعٍ وغيره، وأولدَهَا، لا تفسير أمَّ ولد له، إذا أوجبنا الحَدَّ، قال الإِمام: وارتاع بعْضُ الأصحاب، فلم يستجز أن

يطأ الإِنسانُ مملوكته، وتحْبَلَ منْه، ولا تفسير أمَّ ولد له، فحكم بثبوت النَّسَب والاستيلاد مع القَوْل بوجُوب الحد، وطرد هذا القائلُ كلامه في إيلاد جارية الابن، والظاهرُ الأولُ، وفي إيلاد أحد الشريكَيْن الجاريةَ المشتركةَ يَثْبُت الاستيلادُ والنسبُ، وإن طرد القول القديم، وقيل بوجوب الحدِّ؛ لأن وطأه يصادف ملكه وملْكَ غيره حقيقةً، فكانَتِ الشبهةُ أقوَى تمَكُّناً، وإنَّما أوجبنا الحدَّ صيانةً لِمِلْك الغير، وأما إذا قلْنا: إنه لا حدَّ عليه، فهو كما لو كان جاهلاً، فيلزمه المَهْر، وتكون الجاريةُ محرمةً عليهما أبداً، وإذا أولَدَها، فإن كانت مستولَدةَ الابن، لم تَصِيرْ مستولدةً له؛ لأنَّ أمَّ الولد لا تقبل النقل، وإن لم تكن مستولدةً له، فَهَلَ تَصِيرُ مُستَوْلَدَةَ الأَبِ فِيهِ الْقَولاَنِ المذْكُوران في الحالَةِ الأولَى بتفريعها.
وقوله في الكتاب "ملكها الأب بالاستيلاد" أي: إذا فرَّعنا على القَوْل الأظْهَر في الحالة الأولَى، ولو وطئ الأبُ مكاتبة ابنه وأولَدَها، فوجهان: أحدهما: أنها لا تصيرُ مستولَدة له لأنَّ المكاتبة أَيْضاً لا تنتقل من مالك إلى مالك.
والثَّاني: تصيرُ مستولَدةً؛ لأن الكتابة تَقْبَل الفسخ بخلاف الاستيلاد، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب" والأول هو الذي أورده القاضي أبو سَعْدٍ الهَرَوِيُّ، قال: ولَيْس هذا كما إِذا استولدت مكاتبته، حيْثُ ينفذ الاستيلادُ؛ لأنه لا نقل هناك، ولا تحتاج إلَى فسخ الكتَابَة، بل الكتابةُ والاستيلادُ يجتمعان ولا منافاة.
فَرْعٌ: لو كانتُ جارية الابنِ منكوحَة الغَيْر، وأولَدِها الأب، جرى القولان في ثُبُوت الاستيلاد، ويستمرُّ النكاح، وإن أثبتناه، كما لو استولَدَها سَيِّدها، ولا يجُوز للزَّوْج غشيانها في مدَّة الحمل، هذا تمام الكلام في وطء الأب جاريةَ الابْن.
ولو وطئ الابْنُ جاريةَ الأب، فهو كما لو وطئ الأَجنبيُّ، فإن كان بشبهة، نُظر؛ إن ظَنَّها، أمته أو زوجته الحرَّة، فالولدُ حرٌّ، وعليه قيمته للأب، وإن ظنَّها زوجته الرقيقَة، فينعقد الولدُ رقيقاً، ثم يعتقُ على الجدِّ، ولا يجب علَى الابن قيمته، وإنْ وطئها عالماً بالتحريم، فهو زناً يتعلَّق به الحدُّ بخلاف وطء الأب جاريةَ الابْن؛ لأنَّ له في مال الابن شبهة الإعفاف، [ولا ينعكس] 1 وليس هذا كالسَّرقةِ، حيث لا يجبُ القطْع، سواءٌ سرق الأب مالَ الابن، أو الابْنُ مالَ الأبِ؛ لأن شبهة وجُوبِ النفقة تشْمَل الطرفَيْن، ويجبُ على الابن المهر، إن كانت مكرهة، فإن كانت مطاوعةً، لم يجب على أصح الوجهين، فلو أتتْ بولدٍ، فهو رقيقٌ للأب، ولا يعتق عليه؛ لأنه لا نسب له، والله أعلم.

قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي إِعْفَافِ الأَبِ) وَيَجبُ عَلَى أَشْهَرِ القَوْلَيْنِ أَنْ يُعِفَّ أبَاهُ الفَاقِدَ للمَهْرِ المُحتَاجَ إِلَى النِّكَاحِ وَالجَدَّ وإنْ عَلاَ فَهُوَ في مَعْنَى الأَبَ، فَإِنِ اجْتَمَعَ جَدَّانِ في رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يَقْدِر إِلاَّ عَلَى إِعْفَافِ أَحَدِهِمَا أُقْرِعَ بَينَهُمَا عَلَى وَجْهٍ وَعَيَّنَ القَاضِي أَحَدَهُمَا عَلَى وَجهٍ، وَمَهْمَا أَظْهَرَ الرَّغْبَةَ فِي النِّكَاحِ صُدِّقَ بِغَيْرِ يَمِين لَكِنْ لاَ يَحِلُّ لَه بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى طَلَبُ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا صَدَقَتْ شَهْوَتَهُ بِحَيْثُ يَخَافُ الْعَنَتَ أَوْ يَشُقُّ المُصَابَرَةُ عَلَيْهِ، وَيَحْصُلُ الإعْفَافُ بِأنْ يُزَوِّجَ مِنْهُ مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّة أَوْ يُمَلِّكَهُ جَارِيَةً أَوْ يُسَلِّمَ ثَمَنَهَا إِلَيْهِ أَوْ مَهْرَ امْرَأَةٍ، وَلَيْسَ للأَبِ تَعْيِينُ امْرَأَة رَفِيعَةِ المَهْرِ، وَإذَا تَعَيَّنَ المَهْرُ فَتَعْيينُ الزَّوْجَةِ إِلَى الأَبِ، وَلَوْ مَاتَت فَعَلَيْهِ التَّجْدِيدُ، وإنْ فَسَخَ النِّكَاحَ بِعَيْبِهَا أَوِ انْفَسَخَ وَجَبَ التَّجْدِيدُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجِبِ التَّجْدِيدُ، وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ فَوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الفصل مشتمل على مسألتين: المسألة الأولى 1: ظاهر المذهب أنه يجبُ علَى الابن إعفافُ الأب، ويُحْكَى ذلك عن نصِّه في "كتاب الدَّعاوَى والبينات" وفيه قول مخرَّج أنه لا يجبُ، وبه قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ وَالْمُزَنِيُّ، وُينْسَب هذا القولُ إلَى تخريج ابن خَيْرَانِ.
قَالَ الشَّيْخَانِ أبُو حَامِدٍ، وأبُو عَلِيٍّ قال ابن خيران: لَمَّا ذكر الشَّافعي -رضي الله عنه- في النفقات نفقةَ الأقارب، ولم يذكر الإعفافَ دلَّ على أن له قولاً أنه لا يجب، وهذا إشارةٌ إلى طريقة التخريج، ووجْهُهُ الإلحاقُ بإعفافِ الولَد، فإنه لا يجب على الوالد، وكذا لا يجب الإِعفافُ في بيْتِ الَمال، ولا عَلَى المسْلِمِين، ووجْه ظاهرِ المذْهَب أنَّ في ترك الإِعفاف تعريضاً للزِّنَا، وذلك لا يليقُ بحرمة الأبوة، وليس من المصاحبة بالمَعْروف، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] وأيضاً، فإن فوات نفْس الابن محتَمِلٌ لبقاء نفس الوالد، فأوْلَى أن يحتمل فواتَ ماله، ولو اترك إعفافَهُ، فربما يقع في الزنا، ويتعرَّض للرجْم، ولأنه من وجُوه حاجاته المهمَّة، فيجب على الابن القيامُ به كالنفقة والكسْوة، ويتفَّرع على القول بالوُجُوب مسائلُ: [المسألة الأوُلَى] 2: إحداهما اختلفوا في موْضع وجُوب الإِعفاف علَى ثلاثة طُرُقٍ: أشبههما: أن سبيله سبيلُ النفقة، فيجبُ إعفاف المعْسِر الزَّمِن، وفي المعْسِر الصحيحِ البَدَنِ قولان، كما في النفقة؛ لأنه لسدِّ الخلة ودفْعِ الحاجة كالنفقة.

والثاني: أنَّ الإعفاف أَوْلَى بالوجوب، فيجبُ في المُعْسِر الزَّمِن، وفي المعْسِر الصحيح، إن أوجبنا النفقة، فإِن لم نوجْبها، ففي الإِعفاف قولان؛ وجْه الفرق: أن النفقة إذا لم تجبْ عليه، تجب في بيت المال، فيندفع حاجته، والإِعفاف، لا يُتوقَّع من جهة أخرَى، وبهذا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ.
والثالث: أنه حيث لا تجبُ النفقة، لا يجبُ الإعفاف، وحيثُ يجبُ، ففي الإِعفاف قولان، والفرْق أن الحاجة إلى النفقة أهمُّ ولذلَك يجُوزُ للمضطَرِّ أكل طعامِ الغَيْر، ولا يُفْرَض مثل ذلك في الجِمَاع، وحيثُ وجَب الإِعْفاف استوى فيه الابن والبنت كالنفقة.
[المسألة] الثانية: اعتبر صاحبُ الكتاب فيمن يُعَفُّ ثلاثة قيود، وهي الأبوة، وفِقْدَان المهر، والحَاجَةُ إلى النكاح.
الأول: الأبوةُ، والمراد من يقع عليه الاسمُ بالحقيقة أو المجاز، فيدْخُل فيه الجدُّ، وإن علا، سواءٌ كان من قبل الأب أو من قبل الأم، وفي وجوب إعفاف الأب الكافر، وجهان: أشبههما: الوجوب.
فإذا اجتمع أصلان محتاجَانِ، فإن وَفَّى مال الولد بإعفافهما جميعاً، وجب، وإن لم يَفِ، فيُنظر؛ إن اختلفا في الدرجة، فالأقربُ أولَى، إذا استويا في العصوبة أو عدمها.
مثالُه: الأب أولَى من أب الأب، وأبو الأم أولَى من أبي أبي الأم، وأبِي أمِّ الأمِّ، وإن كان للأبعد عصوبة دون الأقرب؛ وكأبي أبي الأب مع أبي الأم، فالأول أولَى، وحكى الشيخ أبو عليٍّ؛ أنهما سواءٌ؛ لتعارض المعنَيَيْن، وإن لم يكن لواحدٍ عصوبةٌ كأبي أم الأب، وأبي أبي الأمِّ، فهما سواءٌ، وحيث حكمنا بالاستواء، فلا تقسم مؤنة الإِعفاف عليهما، ولكن يخصَّص أحدهما به، وفي طريقته وجهان: أقربهما: يحُكْم القرعة 1. ولو اجتمع عدَدٌ ممن يجب عليهم الإِعفافُ، كالأولاد والأحفاد، فليكن الحكُم عَلى ما سيأتي في النفقة.
القيد الثاني: فِقْدَان المهْر، فالغَنِيُّ القادرُ علَى إعفاف نفْسِه بماله، لا يجب على الولَدِ إعْفَافُهُ، وكذا الكسوب الذي يستغنى بكَسْبه عن غيره، ذكرها شيخ أبو عليٍّ،

وينبغي أن يجيء فيه الخلافُ المذكورُ في النفقة، ولو وجَدَ قدْرَ النفقة، ولم يجدْ مؤنة الإِعْفَاف، فوجهان: أحدهما: أنه إذا سَقَطَتِ النَّفَقَةُ سَقَطَ الإِعْفَافُ.
وأظهرهما: أنه يجب إعفافه؛ لأنه محتاجٌ إليه، وِإن كان مستغنياً عن النَّفَقة، وصار كما لو وجد النفقة دون الكسْوة، [فإنه يستحق الكسْوَةِ] 1 ولو سقط وجوب النفقة أياماً بعارضٍ، قال الإِمام: ما ينبغِي أن يكون ههنا الخلاف في وجُوب الإعفاف، ولو قدر علَى سرية، ولم يقَدِرْ على مهْرِ حُرَّة، فالوَجْه أنه لا يجب إعفافه؛ لأنهَ لا يَتعيَّن في إعفافه تزويجُ حُرَّةٍ، كما سيأتي، وبهذا يَتبيَّن أنَّ فِقْدان المهر بخصوصه غيرُ معتبرٍ، وإنما المعتبر ألا يجد ما يتمكَّن به من الاستمتاع.
[القيد] الثالث: الحاجة إلى النِّكاح، وإذا أظهر الحاجة إلَى قضاء الشهوة والرغْبَةِ في النكاح، فيُصدَّق من غير يمين؛ لأن تحليفه في هذا المقام لا يليقُ بحرمته، ولكن لا يحلُّ له طلب الإعفاف إلا إذا صدَقَتْ شهوته بحَيْث يخاف العنت أو يضرّه التعزُّب، ويشقُّ عليه الصَّبْر.
قال الإِمام: ويُحْتمل أن يشترط خوْفُ العنت، كما في نكاح الأَمَة، لكن الأول أظْهَرُ.
المسألة الثالثة: المرادُ من الإِعفاف أن يُهَيِّئَ له مستمتعاً بأن يعطيه مهر حرة ينكحها، أو يقول له: انْكَحْ، وأنا اْعَطي المهر أو يباشرُ النكاحَ عن إذْن الأب، ويعطي المَهْر أو بأن يملكه جاريةً لم يطأها، أو يُعْطِيه ثمنَ جاريةٍ، ولا فرْقَ بين أن تكون الحُرَّةُ المنكوحةُ مسلمةً أو كتابية، وأومأَ القاضي الرَّوَيانِيُّ إلى أن من الأصحاب من لم يكتف بالكتابيَّة، وليس للأب أن يعيِّن النكاح، ولا يرضى بالتسِّري، ولا إذا اتفقا على النكاح أن يعيِّن امرأةً رفيعةَ المهْر؛ لفضيلة جمالٍ أو شرفٍ، وإذا اتفقا على قدْر المهْر، فتْعِيين المرأة بعد ذلك إلى الأب، ولا يجوز أن يُملِّكه أو يزوجه عجوزاً أو شوهاء، كما ليس له أن يطعمه في النفقة طعاماً فاسداً لا ينساغ، ثم يَجِبُ عليه أن ينفق علَى زوجة الأب أو أمتِهِ [ويقوم] 2 بمؤنتها ولو أيسر الأبُ بَعْد ما ملكه الابنُ جاريةً أو ثمنها، لم يكن لَه الرجوع، كما لو دفع له النفقة، فلم يأكْلها، حتى أيسر، ولو كانتُ تحته صغيرةٌ، أو عجوزةٌ أو رتْقاءُ، ولم تندفعْ حاجَتُه، فالقياسُ وجوبُ الإعفاف، وأَنَّه لا يجتمع عليه نفقتان، وإذا ماتتِ الأمةُ التي ملكها أو الحُرَّة التي تزوجها، أو فَسَخ النكاح بعيبها، أو فسخت بعيبه، أو انفسخ النكاحُ بِرِدَّة أو رضاعٍ، بِأَنْ أرضعت التي نكَحَها صغيرةً كانت

زوجتَهُ، فصارت أمَّ زوجته، فيجب علَى الابن تجديدُ الإعفاف، كما لو دفَع إلَيْه النفقةَ، فسُرِقَتْ منه، حكى الشيخ أبو حامد وجهاً آخر: أنه لاَ يجب؛ لأنَّ النكاح عقد عمر، وإذا تحمَّل مؤنته مرةً، فقد حافَظَ على حرمة الأبوة، فنقنع منه بذلك، والظَّاهر 1 الأولُ، وإذا قلنا به: فلو طلَّقها أو خَالَعها أو عتق الأمة، نظر؛ إن كان بعُذْر من شقاقٍ أو نشوزٍ أو غيرهما، ففيه وجهان: أظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب": أنه يجب التجديد، كما في المَوْت، وإِذا كان [بغير] 2، عذر لم يجب؛ لأنه المقصِّر والمفوِّت على نفسه.
وفي "التتمة" وجه آخر: أنه إذا طَلَّقَ، فعليه أن يزوِّجه مرَّة أخرَى، أو يسريه، فلو طلَّق الثانية، لم يزوِّجه بعد ذلك، ولكنْ يسرِّيه، ويسأل الحاكم أن يحجر عليه، حتَّى لا ينفذ إِعتاقه بعد ذلك، وإذا وجَب التجديد، فإن كانت بائنه فعليه التجديد في الحال، وإنْ كانتْ رجعيَّةً، لم يجبْ إلا بعْد إنقضاء العدَّة.
فَرْعٌ: إن قلنا: لا يجبُ الإِعفافُ، فللأبِ المحتاجِ أن ينْكِحَ أمة، وإن أوجَبْناه، فوجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه غيْرُ مستطيعِ للطَّول خائفٌ من العَنَت.
وأصحهما: المنع؛ لأنه مستغنٍ بمال ولده عن نكاح الأمة، فإن قلْنا بالأول، حَصل الإِعفاف بأن نزوِّجه أمةً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَيْسَ لِلأَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ جَارِيَةَ الابْنِ، فَإنْ مَلَكَ الابْنُ زَوْجَتَهُ لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِلأَب وَلَدٌ فِي مِلْكِ الابْنِ، وَلاَ يَتَزَّوَجُ جَارِيَةَ نَفْسِهِ، وَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلاَ يَتَزَّوجُ جَارِية مُكَاتَبَة، وَلَوْ مَلَكَ الْمُكَاتِبُ زَوْجَة سَيِّدِهِ فَفِي الانْفِسَاخِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألةُ الثانيةُ الحكايةُ عن نصِّه في كتاب "الدَّعَاوَى": أنه لا يجوز للأب أن يتزوَّج بجارية ابنه، ونقل المزنيُّ في "المختصر" جوازه، وهو قول أبي حنيفة، وعن أَبِي إِسْحَاقَ أن ابن سُرَيْج قَالَ: وجدتُّ الشافعيِّ -رَضِي اللهُ عَنْهُ- ما نقله المزنيُّ، والأصحابُ اختلفوا على طريقين في المسألة: أحدهما: إثبات قولَيْن فيها مبنيَّة على القولَيْن في وجوب الإِعفاف، إن لم نوجبْه،

جاز للأب أن يتزوَّج جاريةَ ابنه، كما يجُوز للابْنِ أن يتزوَّج أمة أبيه، وإن أوجبْنَاه، لم يُجْز لاستغنائه عن نكاح الأمة بمالِ ابْنه.
والثاني: القطْعُ بالمنع، وإلَيْه ذهب الأكْثَرون، وقالوا فيما نقله المزنيُّ: إِن الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: يجوز للرَّجُل أن يتزوَّج بجارية أبيه، فوقع في لفظة أبيه تصحيف؛ لأنها في الصورة تشبه ابنه، ومنْهم من أوَّله، وحمل ما نقله على ما إذا كان الابنُ معْسِراً لا يجد مؤنة الإِعفاف، وكانت له جاريةٌ يحتاج إلَى خِدْمتها، فيجوز له أن يتزوجها منه، أو كان الأب مع إعساره صحيحَ البَدَن، فإنَّا لا نوجبُ إعفافه ونفقته علَى قول، فيجوز له أنْ يتزوَّج بجارية ابنه.
والصحيح في هاتَيْن الصورتَيْن أن يُبْنَى جواز النِّكَاح علَى أنَّه إذا أولد جاريةَ ابْنه، هل تفسير مستولدةً له إن قلنا: نعم، لم يجزْ له نكاحُها، كما لا يجوزُ لهُ أن ينكح جاريةَ نَفْسه، وإن قلنا: لا، جاز له نكاحها، وكذا الحكْمُ على قولنا: إنَّه لا يجبُ الإِعفاف، هذا كلُّه فيما إذا كان الأب حراً، أما إذا كان رقيقاً، فله أن ينكْحَ جاريةَ ابنه؛ لأنه لا يجبُ عليه إعفافُه ولا نفقُته، وإذا استولد الرقيقُ جاريةَ ابنهِ، لم تصر أم ولد له على ما تقدَّم، ولو نكح الأبُ جارية أجنبيِّ، حيث يجوزُ له نكاحُ الأمة، ثم ملكها الابنُ والأبُ بحيث لا يجوزُ له نكاحُ الأمة ابتداء، هل يُفْسَخ النكاح؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما أنه لما لم يجُزْ للرجُل أن ينكح جاريةَ نَفْسِه، فلو نكح جاريةَ غَيْره، ثم ملكها، ينفسخ النكاح.
وَأَصَحُّهُمَا: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يَنُفَسِخ؛ لأن الأصْلَ في النكاحِ الثابتِ الدوامُ، وللدَّوام، من القوة ما لَيْس للابتداء عَلى ما سبق نظائِرهُ، وأُجْرِيَ الوجهان فيما لو نَكَح جاريةَ ابْنِه، ثم عَتَق، هل ينفسخ النكاح؟ فإن قلْنا: لا ينفسخ النكاح، أو جوَّزنا له أن ينكح جارية ابْنِه ابْتِدَاء، فَأوْلَدَها، قال الشيخ أبو حامد والعراقيون وتابعهم الشيخ أبو عليٍّ وصاحب "التهذيب" وغيرهم: لا تصير أمَّ ولد له، لأنه رضي بِرِقِّ ولده حين نكَحَها؛ ولأن النكاح حاصلٌ محقَّقٌ، فيكون واطئاً بالنكاح لا لشبهة المِلْك بخلاف ما إذا لم يكُنْ نكاحٌ، وعن الشيخ أبي محمد، وإليه ميلُ الإِمام: أنه يثبت الاستيلاد، وينفسِخُ النكاح وهذا قوله في "الْكِتَابِ" ما لَمْ يحْصُل للأب ولَدٌ في ملك الابْن.
ولا يجُوز للسيِّد أن ينكح جاريةَ مكاتَبِهِ؛ لأن للسيِّد في رقبة المكاتَب وما في يده شبْهَةَ المِلْك، وإذا أولد جاريةَ مكاتَبِهِ، فصارت أمَّ ولدٍ للسيد، فلو كان قدَ نكح جارية، فملكها مكاتَبُهُ، ففي انفساخ النِّكاح وَجْهَانِ، قَالَ في "التتمة": هما كالوجهَيْن في صورة ملك الابن، قضيَّةُ هذا الإطلاق ترجيحُ عدَمِ الانفساخ، وبه قَالَ القاضي أبو سَعْدٍ

الهرويُّ -رحمه الله- ومنهم من رجَّح الانفساخ ههنا وهو الأشبه؛ لأن تعلُّق السيد بمال المكاتَب فوق تعلُّق الأب بمال الابن، فحدُوثُ ملك المكاتَب يقرب إذا ملك زوجة نَفْسه والله أعلم.
ثم لا يخفى مواضع العلامات في الفصْل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الرَّابعُ فِي تَزْوِيجِ الإِمَاءِ) وَللسَّيِّدِ أنْ يَسْتَخدِمَهَا نَهَاراً، وَعَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَهَا إلَى الزَّوْجِ لَيْلاً، وَهَلْ لَهُ أَنْ يُبوِّئ لَهَا بَيتاً في دَارِهِ، أَمْ للِزَّوْجِ أن يَخْرُجَ بِهَا لَيْلاً؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإنْ قُلْنَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَتْ مُحْتَرِفَةً وَأَمْكَنَهَا ذَلِكَ في يَدِ الزَّوْجِ فَهَلْ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا نَهَاراً؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ خِلاَفَ أَنَّ لِلسَّيِّدِ المُسَافَرَةَ بِهَا لَكِنْ لاَ يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنَ الخُرُوج لِيَصْحَبَهَا لَيْلاً، وَإذَا لَمْ يُسَلِّمْهَا إلاَّ بِاللَّيْلِ فَالوَاجِبُ شَطْرُ النَّفَقَةَ، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ أَصلاً، وَقِيلَ: يَجِبُ الجَمِيعُ، وَمَهْمَا سَافَرَ بِهَا السَّيِّدُ سُقَطَتْ نَفْقَتُهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فِيهِ [ثَلاَثُ] مَسَائِلَ: الأُولَى 1: السيد إذا زوَّج أمته، لم يلزمه تسليمها إلى الزَّوْج ليلاً ونهاراً، لكن يستخدمها نهاراً، ويسلِّمها إلى الزوج ليلاً؛ وذلك لأنَّ السيد يملك منفعتَيْن من أمته؛ منفعةَ الاسْتِخدام ومنفعةَ الاستمتاع، وإذا زوَّجها، فقد عقد علَى إحدى منفعتَيْها، وبقيَتِ المنفعةُ الأخْرَى، فيستوفيها في وقْتِها، وهو النَّهار، وهذا كما أنَّه إذا أجر أمته يسلِّمها إلى المُسْتأجر نهاراً، ويُمْسِكُها لاستيفاء المنفعة الأخْرَى في وقتها، وهو الليلُ، ويتبيَّن من هذا؛ أنه لو أراد السيد أن يسلِّمها نهاراً بدلاً من الليل، لا 2 يجوز؛ لأن اللّيلَ وقْتُ

الاستراحةِ والاستمتاعِ، وعليه التعويلُ في القسم بيْنَ النساء، ولو قال السيِّدُ: لا أُخْرِجُها من داري، ولكن أُبوِّيءُ لَكَ بيتاً لتدخله، وتَخْلُوَ بها، حكى الإِمام فيه قولَيْن: أظهرهما: أنه ليس له ذلك، فإنَّ الحياء والمروءة يمنعانِهِ من دْخُول داره، وعلى هذا، فلا نفقة على الزوج، كما إذا قالَتِ الحرةُ: ادْخُل إِلى بيتي، ولا أخرج إلَى بيتك.
والثاني: أن للسيد ذلك لتدوم يدُهُ علَى ملكه مع تمكُّن الزوج من الوصول إلى حقِّه، وعلى هذا فيلزمه النفقةُ، فإن قلْنا بالأول، فلو كانت محترفةً، فقال الزوجُ: دعُوها تحترفُ للسيد في يدي وبيتي، فهل يجاب؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا، وللسيد أن يرتَبِطَها عنده؛ لأنه قد يبْدُو له في الحِرْفة، ويريد أن يستَخْدِمها.
والثاني: وبه قال أبو إِسحَاقَ المَرْوَزِيُّ: يجاب محافظةً على الجانَبْين.
الثانية: للسيِّد أن يسافر بها؛ لأنه مالكُ رقبتها، فيقدَّم جانبه على جانب مالك المنفعةِ، ولا يمنع الزوْجُ من المسافرة معَها، ليستمتعَ بها ليلاً، ولا يكلَّف أن يسافِرَ مَعها، وينفق عليها، وإذا لم يسافِرْ معَها، لم يكنُ عليه نفقتها، وأما المَهْر، فيُنْظر؛ إن كان قد 1 دخل بها، فقد استقر وعليه تسليمه، وإن لم يكنُ دخَل بها، لم يلزْمه تسليمه، وإن كان قدْ سلمه، فله أن يسترده.
الثالثة: إنْ سامَحَها السيِّد، فسلمها ليلاً ونهاراً، فعلى الزوْج تسليمُ المهْر وتمَامُ النفقة، وإن لم يسلِّمها إلا بالليل، ففي النفقة وجوه: أظهرها: عند جمهور العراقيين وصاحب "التهذيب": أنَّه لا يجبُ شيْءٌ منها، وبه قال أبو إِسْحَاق؛ لأنه لم يوجد التسليمُ والتمكينُ التامُّ.
والثاني: ويحكَى عن ابن أبي هريرة: أنَّه يجب شطر النفقة، توزيعاً لها على الزمان، وبهذا قال أبو محمَّد أحمد بنُ ميمونٍ الفارسيُّ من أصحابنا فيما حكى الشيخُ أبو عاصمٍ في "الطبقات" ونظْمُ الكتاب يقتضي ترجيحَ هذا الوجْه، وإليه مال ابنُ الصَبَّاغِ.
والثالث: عن الشيخ أبي محمَّد: أنه يجبُ تمام النفقة؛ لأنه وجد التسليمُ الواجب، ويرُوَى هذا عن المُزَنِّي في "المنثور" وأجرى الوجهين الأوَّلين فيما إذا سلمت الحرَّة نفْسَها ليلاً، واشتغلت عن الزَّوْج نهاراً 2. وأما المهْرُ فعن الشيخ أبي حامد؛ أنه لا يجب تسليمُهُ كالنفقة.

وذكر القاضي أبو الطيِّب، أنه يجب.
قال ابنُ الصَّبَّاغ: وهذا أصحُّ؛ لأن التسليم الذي يتمكَّن معه من الوطْء قد حَصَل، وليس كالنفقة، فإنَّهاَ لا تجب بتسليم واحدٍ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المَهْرُ فَإنَّما يَجِبُ للسَّيِّدِ، فَلَوْ قَتَلَهَا السَّيِّدُ قَبلَ المَسِيسِ فَالنَّصُّ سُقُوطُ المَهْرِ، وَلَوْ قَتَلَهَا أَجْنَبِيُّ أَوْ قَتَلَتِ الحُرَّةُ نَفْسَهَا فَفِي السُّقُوطِ وَجْهَانِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي أَن المَهْرُ لاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِ الحُرَّةِ وَالأَمَةِ وَلاَ بِقَتْلِ الأجْنَبِيِّ الحُرَّةَ، وَإِذا بَاعَ الأَمَةَ لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ وَيسَلَّمُ الْمَهْرُ لِلبَائِعِ لأَنَّهُ وَجَبَ بِالعَقْدِ فِي مِلْكِهِ وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ حَبْسُهَا لأَجْلِ سَوْقِ الصَّدَاقِ، وَلاَ لِلمُشْتَرِي أَيْضاً ذَلِكَ فَإنَّهُ لاَ مَهْرَ لَهَا، وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ فلاَ مَهْرَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاثُ مسائلَ تتعلَّق بمَهْر الأَمَةِ المنكوحَةِ: المسألة الأُولَى: لا شكَّ أن هلاك المنكوحَةِ بعْد الدخول حرَّة كانت أو أمة، لا يسقط المهر، ولا شيئاً منه، سواءٌ هلَكَت بالموت أو بالقَتْل، وإنْ هلكَتْ قبل الدُّخول، فينظر، إن حصل الهلاكُ بفعْلِ مستحِقِّ المهر أولاً بهذا الطريق.
أما القسم الأول: فإذا قتل السيد أمته، فالنصُّ في "المختصر" أنه لا مَهْر، وعن نصِّه في "الأم" أن الحرة إذا قتلت نفْسَها، لا يسقط شيء من المَهْر، وللأصحاب فيه طريقان: أشهرهما: أن المسألة على قولَيْن بالنقل والتخْريج، وبه قال ابن سُرَيْج: أحدهما: يسقط المهر في الصورتَيْن؛ لانقطاع النكاح قبل الدخُول من قِبَلِ مستحِقِّ المهر، فأشبه الردَّةَ قبل الدخول.
والثاني: لا يسقط؛ لأنها فرقةٌ حصَلَتْ بانتهاء العُمر، فكانت كالمَوْت.
والطريقة الثانية: تقرير النَّصَّينِ، والفَرْق أن الْحُرَّةَ كَالْمُسْلِمَةِ إلى الزوج بالعَقْد؛ أَلاَ تَرَى أنَّ له أن يمْنَعَها من المسافرة، والأمة لا تصير مسلمةً بالعقد بدليلِ أن للسَّيد أن يسافر بها، ولا يستقرَّ مهْرُها إلا بالدُّخول، وأيضاً، فإنَّ المقصود الأصليَّ من نكاح الأمة الاستمتاعُ، ولهذا لا يجوزُ إلا عنْد الحاجة، وفي نكاحِ الحُرَّة المقصودُ الوصلةُ، وتشابكُ العشائر، وأيضاً، فإن الحرةَ إذا قتلَتْ نفْسَها غَنِمَ زَوْجُهَا مِيرَاثَهَا، فجاز أن يغرم مهرها، وفي قتل الأمة لا ميراثَ له، وعلى الطريقة الأولَى قولُ وجوب المهرِ فيما إذا قتل السيد أمته مخرج ومنْهم من حكاه عن النصِّ أيضاً، وإذا قلْنا بسقوط المهرْ فيما إذا قتلها السيد، فلو قتلت هي نفْسَها، فالحُكمُ كذلك، وإن لم تكن مستحقَّةً للمهر، فإن المهْرَ يسقط بُضْعَها، كما لو ارتدَّت قبل الدخول،

أو أرضعتِ الزوجَ، هذا هو 1 النص، والظاهرُ فيه وجه: أن قَتْلَها نفْسَها كموتها.
والقسم الثاني: إذا حصل الهلاكُ لا يفعل المستحِقِّ أما الأَمةُ إذا قتلها أجنبي أو ماتت، فظاهر المذهب وجوبُ المهر، وعن الإِصطخري سقوطُه؛ بناءً على أن السيد يزوِّج بحكْم الملك، فهلاَكُهَا قبل الدخول كهلاكِ المبيع قبل القَبْض، ولو قتلها الزوْجُ، فالحكم ببقاء المهر أظهر، وفيه وجه أنَّه يسقط أيضاً، وقتل الزوج لا يتضمِّن القبض كالمستأجر إذا قتل العبد المستأجر، وأما الحرَّة، إذا قتَلَها الزوج أو أجنبيٌّ، أو ماتت، لم يسقط المهر بحال، والظاهرُ في قتل السيدِ الأَمةَ سقوطُ المهر، وفي سائر الصُّوَر وجوبه، وقال أبو حَنِيْفَة: إذا قتل السيدُ الأمةَ، سَقَط المهر، وإذا قتلت الأمةُ نفْسَها، لا يسقط، وفي قَتْلِ الأمةِ نَفْسَها روايتان، وبقي المسألة شيئان أحدهما حكى جماعة من الأصحابُ خلافاً في أن المهر على النصِّ لم يَسْقُط إذا قتل السيدُ أمته، قَالَ بَعْضُهُم: إنما يسقط؛ لأن المقصودَ بالعَقْدِ الْوَارِدِ على المِلْك، قد فَاتَ قبل التسليم، فأشبه فوات المبيع قبل القَبْض، وهَذَا أظهر، إن قلْنا: إن السيد يزوِّج بحكم الملك.
وقال آخرون: إن المستحِقَّ هو الذي فوَّت المعقود علَيْه، فلا يتمكَّن مِن الْمَطَالَبَة بعِوَضِهِ، وكان تفويته رضاً منه بالسقوط، وخرَّجوا سائر الصور على هذَيْن الْمعنَيَيْن، فَأما إذا ماتَتِ الأمة أو قتلها أجنبيٌّ، سقط الْمَهرُ على المعنَى الأوَّل، ولا يسقط على المعنَى الثانِي، وكذلك لو قتَلَتِ الأمةُ نفْسَها، وإذا قتلتِ الْحُرَّةُ نَفْسَهَا، فعلى المعْنَى الأول؛ لا يسقط المهر، وعلى الثاني يسقط الثاني.
قال صاحب "التهذيب": إذا قلنا: إن السيد إذا قتل أَمَتَهُ، سقط المهر، ولو تزوَّج رجلٌ أمة [أبيه] 2، فوطئها الأب قبْل أن يَدْخُلَ الابْنُ بِهَا، وجب أن يسقط المهر؛ لأن قطع النِّكَاحِ حصَلَ من مستحِقِّ المهر قبل الدخول.

وقوله في الكتاب: "ولا خلاف في أن المهْرَ لا يسقط بموت الحُرَّة والأمة" الأمر في موت الحرة كما ذكره، وأما في موت الأمة، فقد عرفت الخلافَ فيه، فإن كان ذلك طريقة أخرَى، فليعلم قوله: "والأمة" بالواو" لذلك.
المسألة الثانية: إذا باع الأمةَ المزوَّجة، لِم ينفسخ النكاحُ؛ لما رُوِي عن عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- "اشْتَرَتْ بُرَيْرَةَ وَلَهَا زَوْجٌ فَأعْتَقَتْهَا، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
ولو انفسخ النكاح، لَمَا خيَّرها، ويكون المهر للبائع، إن سمَّى في العقد صداقاً صحيحاً أو فاسداً، سواءٌ جرى الدخولُ قبل البيعِ أو بعْده؛ لأنه وجَب بالعقْدِ، والعقْدُ كان في ملكه، ولو طلَّقها الزوجُ بعْد البيع وقبل الدخول يكُون نصْف المهر للبائع، وإنْ كان قد زوَّجها على صورة التفْويض، ثم جرى الغرض أو الدُّخُول قبل البيع، فالمفروضُ أو مهر المثل للبائع أيضاً، وكذلك، إنْ أوجبنا المهر في المفوِّضة بالعقد، وإن جرى الفرض أو الدخول بعد البيع، فالمفروضُ أو مهرُ المثل للبائِع أو للمشترِي؟ فيه طريقان: أظهرهما: أنه على وجهَيْن؛ بناءً على أن الوجوب بالفرض والدخول، أو نتبين بالفرض والدخول وجوبَ المفروض أو مهْر المثل بالعقْد، وفيه قولان، إن قلْنا بالأول، فهو للمشتري، وإنْ قلْنَا بالثاني، فهو للبائِعِ.
والطريقُ الثَّاني: القطع بأنه للبائع؛ لأن العقْدَ هو السبَب الأول، وبه دخَل البُضْع في ضمان الزَّوْج، وإنما جرى العقْد في ملك البائع، ولو مات أحدُ الزوجَيْن بعد البيع، وقبل الفرض والدخول، وحكمنا بوجوب المهر، [ففيمن] 1 له المهرُ، مثْلُ هذا الخلاف، ولو طلَّقها بعد البيع وقبل الفرض والدخول، فالمتعة للمشتري؛ لأنها تجب بالطلاقِ، والطلاقُ وقع في ملكه، ولو أعتق أمته المزوَّجة، فالقول في المهر على التفصيل المذكور في البيع، فحيث قلْنا: إنه للبائع، فههنا يكون للمعتق، وحيثُ قلنا هناك: إِنَّه للمشتَرِي، فههنا يكون للمعتقة، وحيث حكمنا بأن المهر للبائع أو للمعتق، ولم يجر الدخول، فليس له حبْسُها لتسوق الصداق؛ لأنها خرَجَت عن ملكه وتصرُّفه، وليس للمشتري، ولا للمعتقة الحَبْس أيضاً؛ لأنهما لا يملكان المَهْر، وحيث حكمنا بأنه للمشتري، أو للمعتقة، فلهما الحبس لاستيفائه، ولو أعتقها وأوصَى لها بصَدَاقها، فليس لها حبْسُ نفسها لاستيفائه؛ لأن الاستحقاق ههنا بالوصيَّة لا بالنكاح، ولو تزوج أمة ولده، ثم مات، وَعَتَقَتْ، وصار الصداقُ للوارث، ولم يكن له حبْسُها؛ لأنه لا ملك له فيها.

هذا في النكاح الصحيح، أما إذا زوَّجها تزويجاً فاسداً، ثم بَاَعَها، ووطِئَها الزوج بعد البَيْع فمهر المثْلِ للمشتَرِي؛ لأنه وجب بالوطءْ الواقع في ملكه، وإن وطئ قبْلَ البيع، فهو للبائع.
المسألة الثالثة: ذكَرْنا من قبل أنه يجُوز أن يزوّج أمته من عبده، وأنه لا مَهْر؛ لأن السيد لا يَثْبُت له دَيْنٌ علَى عبده؛ ألا تَرَى أن جنايته عليه لا تثبت له أرشاً، وإتلافه ماله لا يقتضي ضماناً لا في الحال، ولا بعْد العتق، وحكى الشيخ أبو عليٍّ وجهين؛ في أنه يجب المهر، ثم يسقط أو لا يجب أصلاً ووجه الأولُ ألاَّ يعزي النكاح عن المهر، فالنكاحُ بلا مهْر من خصائص رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
ووجْه الثاني: أن المعنى المسقِطَ للمهر كونُه 1 ملكًا، وأنَّه مقترنٌ بالعقد، فيدفع الوجوب، ولو أعتقهما السيد أو أحدهما، لم يلْزَمِ أيضاً لا للسَّيِّد، ولا للمعتَقة، وإن جرى الدخول بعد العِتْق؛ لأن المهْرَ لم يثبت في الابتداء، فلا يثبت بعْدَه، وكذا لو باعها، ودخَل الزوْج بها في ملْك المشتري، لا يجب المهر؛ لأنه ملك بضْعَها بغير عِوَضٍ في الابتداء.
وقال الشيخ أبو عليٍّ: ويجوز أن يُقَالَ: إذا أعتقها أو أعتق الزوج، ثم دَخَل بها يجبُ المهر، فإن لم يجبْ في ابتداء العقْد، كما في المفوَّضة، يجب المهر، إذا جرى الدُّخُول، وإن لم يجب، في الابتداء، قال: وهذا إذا قلْنا: لا يجب المهرُ بالعقد، أما إذا قلْنا: إنه يجب، ثم يسقط، فلا يجيء هذا الاحتمالُ، وتكون كما لو أبرأَتْ عن المهر، ثم دخل بها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ لأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُكِ عَلَى أَنْ تَنْكَحِينِي لَمْ تُعْتَقَ إلاَّ بِالْقَبُولِ، ثُمَّ لاَ يَلْزَمُهَا الوَفَاءُ، وَعَلَيْهَا قِيمَتْهَا، فَإنْ نَكَحَهَا بِقِيمَتِهَا الَّتِي عَلَيْهَا وَهِيَ مَجْهُولَةٌ فَفِي صِحَّةِ الصَّدَاقِ وَجْهَانِ، فَلَوْ أَتْلَفَتْ عَبْداً عَلَى رَجُلٍ فَنَكَحَهَا بِالقِيمَةِ المَجْهُولَةِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ قَالَتِ السَّيِّدَةُ لِعَبْدِهَا أَعْتَقْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْكِحَنِي عَتَقَ بِغَيْرِ قَبُولٍ عَلَى الأَظهَر، كَمَا لَوْ قَالَ للِزَّوْجَةِ: طَلَّقْتُكِ عَلَى أَنْ لاَ تَحْتَجِبِي عَنِّي وَعَلَى أَنْ أُعْطِيَكِ شَيْئاً، وَسَبِيلُ السَّيِّدِ الرَّاغِبِ فِي نِكاحِهَا أَنْ يَقُولَ: إنْ يَسَّرَ الله بَيْنَنَا نِكاحَاً صَحِيحاً فَأَنْتِ حُرَّةٌ قَبْلَهُ ثُمَّ يَنْكِحُهَا فَيَصِحُّ النِّكَاحُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لأمته: أعتقتُكِ على أن تَنْكِحِيني، أو على أن أنْكِحَكِ، لم تُعْتَق إلا بالقَبُول على الاتصال، ولا فرْقَ بين أن يَقُولُ مع ذلك: وعتقك وصداقك أو لا

يقول، ولو قالت أولاً: أعتقْتَنِي علَى أن أنْكِحَكَ، فأجابها إليه، فكذلك الحكْمُ، ثم لا يلزمها الوفاءُ، فإن النكاح لا يصحُّ التزامه في الذمَّة؛ ألا ترَى أنه لو أسلم إلَيْها دراهم في نكاحها، لم يصحَّ، وفي "شرح مختصر الجوينيِّ" حكايةُ وجْهٍ عن أبي إِسْحَاقَ المروزِّي: أنه يجب عليها الوفاء بذلك، ولا اعتماد عليه، وعن أحمد في أظهر الروايتَيْن: أنها تُعْتَق، وتصير زوجةً له بالمخاطبة التي جَرَت بينهما، إن حضرها شاهدان، ويجب عليها للسيد قيمتُها؛ لأنه أعتقها علَى عوض لا مجَّاناً؛ لكنه عوضٌ فاسدٌ، فصار كما لو أعتقها علَى خمرٍ أو خنزيرٍ، ولا فرق في لزوم القيمة بين أن يَفِيَ بالنكاح المشروط، أو لا يفي، وإذا رغبتْ في النكاح، فللسيِّد أن يمتنع، ولا تسقط القيمة بذلك، وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ: إن وقت، فلا قيمةَ عليها، وعن مالك أنَّه لا قيمة عليها بحال، ولو تَرَاضَيَا على النكاح، وأصْدَقَها غير القيمة الواجبة علَيْها، فلها ما أصْدَقَها، وعليها القيمةُ له، وقد يقعُ في التَّقَاصِّ، وإن أصدقها القيمةَ الواجبةَ عَلَيْها، فإن كانا عالمَيْن عند العقْد، صحَّ الإِصداق، وبرئت ذمتها، وإن جهلا أو أحدهما، فوجهان: أحدهما: وهو الأصح: الفسادُ، كما لو أصْدَقها سائِرَ المجاهيل، فلها مهْرُ المثْل، وَعَلَيْهَا الْقِيمَةُ.
والثاني: وبه قال ابن خيران: أنه يصحُّ؛ لأن القيمةَ لمْ تَثْبُت مقصودةً، إنما كان مقصودُ السيد أن يَنْكِحَها، وإذا ثبت، فالغَرَضُ مِنْ جعله صَدَاقاً بَرَاءَتُها، وأيضاً، فإن القيمة بدلُ الرقبة، ولو أَصْدَقَهَا عَبْداً، وَجهِلا قيمته، يصح، فكذلك هاهنا ولو أتلفت امرأةٌ عبداً علَى رجل، ولزمتها قيمته، ثمَ نَكَحَها الرجلُ بالقيمةِ المجهولةِ، فسد الصَّدَاقُ، ورَجع إلَى مهر المثل قَالَ الإِمَامُ: ولو طرد طاردٌ الوجهَيْنِ في هذه الصورة، فهوَ قياسٌ، وإن نكحها على أن يكون صداقها عتقها صداقاً لها، فسد الصَّداق؛ لأن العتْقَ قد حَصَل وتقرَّر، فلا يصح أن يكون صداق النكاحِ متأخِّراً.
وفي "رقْم العباديِّ" وجه آخر: أنه يصح، وكأنه بالشرط السابق جَعَل رقبتها صَداقاً لها، والمستولدةُ، والمدبَّرة، والمكاتَبةُ، والمعتَقُ بعْضُها حكمُهن في الإِعتاق على أن تَنْكِحْنَهُ حكْمُ القِنَّة.
وعن رواية أبي الحُسَيْن بْنِ الْقَطَّانِ وجه: أنه لا قيمة على المستولَدَة؛ لأنَّهَا لا تبَاعُ وَلاَ تُشْتَرَى، ولو قال لغيره: أَعْتِقْ عبدك علَى أن أُنْكِحَكَ ابنتي، فأجاب أو قالت له امرأة؛ أَعْتِقْهُ علَى أن أنْكِحَك، ففعل، عَتَق العبد، ولم يلزم الوفاءُ بالنِّكَاحِ، وفي وُجُوبِ قيمة العبد وجهان، بناءً على القولين فيما إذا قال: أَعْتِقْ عبدك عنك على ألْفٍ؛ علَى أنه، هل يلزمه الألف؟ والأصحُّ عند الشيخ أبي حامد وصاحب"التهذيب" وغيرهما: أنه لا يلزمه؛ لأنه لا يعود إليه منفعةٌ بعتقه، ولو قال لأمته: أعتقْتُكِ على أنْ

تنكحي زَيْداً، فقبِلَتْ، ففي وجوب القيمة وجهانِ أيضاً حكاهما الحَنَّاطِيُّ، ثم في الفصْل وراء ما شرَحْناه مَسْأَلَتَانِ: المسألة الأولى: لو قالتِ السيدةُ لعبْدِها: أعتقْتُكَ على أن تَنْكِحَنِي، ففي افتقار العِتْق إِلى القبول وجْهَان: أحدهما: الافتقار، كما إذا قاله السيد لأمته؛ وهذا لأن المرأة قَدْ تقصِد نكاح رجل بعينه، وتبذل عليه المال، كما يقْصِد الرجل نكاحَ امرأةٍ بعينها، ويبذُل عليها المال، وَعَلَى هَذَا؛ فَإِذَا قَبِلَ، عَتَقَ، ولزمه قيمته، ولا يلزمه الوفاء.
وَأَصَحُّهُمَا: أنه يعتق من غير قبول، ولا شيء عليه؛ لأنَّها لم تشترطْ عليه عوضاً، وإنما وعدَّتْه وعداً جميلاً، وهو أن تصير زوجَتَه، فصار كما لو قال لعبْدِه؛ أعتقتُكَ عَلَى أن أعطيك ألْفاً، ولزوجته طلَّقتُكِ عَلَى أن أعطيك كذا، ينْفُذ العتق.
والطلاق من غير قَبُول وليس كما لو قال لأمته: أعتقتُكِ على أن تنكحيني، فإنَّ بضْعَ المرأة يتقوَّم شرعاً مقابلَ بالمال، ونكاحُ الرجل ليس متقوماً على المرأة، ولا عبرة بقول الأول: إن المرأة قد تقصُد نكاح رجل بعينه، فإن ذلك، وإن كان يتَّفِق في العُرْف لا يصلح عوضاً في الشرع، كما لو قال: طلقتكِ على ألا تحتجبي عني، فإنَّه لا يكُون عوضاً، حَتَّى يَقَعَ الطَّلاَقُ من غير قَبُول، وإن كان يقْصِده بعْض الناس في العرف.
[المسألة] الثانية: إذا لم يَأْمَنِ السيد وفاءها بالنكاح، ولم يُرِد العتق، إن لم تنكحْه، فَهَلْ لذلك من طريقٍ يَثِقُ به فيه وجهان: أحدهما: نعم، قال ابن خيران: وطريقُهُ أن يقول: إنْ كان في علْمِ الله أنِّي أنكِحُكِ أو تنكحيني بعد عِتْقِكِ، فأنتِ حرةٌ، فإن رغبتُ، وجرى النكاحُ بينهما، عَتَقَت، وحصَل غرَضُ السيد، وإلا، استمر الرقُّ، ونسب الإِمام هذا الوجه إلَى صاحب "التقريب" وعبارته في هذا التعليق: إن يسَّر الله عَزَّ وَجَلَّ -بَيْنَنَا نكاحاً فأنْتِ حرةٌ قبله بيوم، فإذا مضَى يومٌ ونكحتْه انعقد النكاح، وتبين حصول العتق قبله بيوم، وذكر اليوم جَرى على سبيل التمثيل والإِيضاح، ويكفي أن يقول: فأنْتِ حرة قبله، كما ذكره في الكتاب، ولفظ الصحيح في قوله "إن يسَّر الله بيننا نكاحاً صَحِيحاً" لا حَاجَةَ إليه، فإنَّ لفظ البيع والنكاح والعتق وسائر العقود يختصُّ بالصحيح منها على الظاهر، كما سيأتي في "باب الأيمان".
والثاني: وبه قال الأكثرون من الأصحاب: لا يصحّ النِّكَاحُ في هذه الصورة، ولا يحْصُل العتْق؛ لأنه في حالة النكاح شاكٌّ في أنها حرةٌ أو أمةٌ، كما إذا قال لأمته: إنْ دخلْتِ الدار، فأنتِ حرةٌ قبله بشهر، وأراد أن ينْكِحَها في الحال لا يصح.

قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الخَامِسُ في تَزْوِيجِ العَبِيدِ)، وَالمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ لاَزِمَانِ وَمُتَعَلِّقَانِ بِكَسبْهِ وَبِالرِّبْحِ مِنْ مَالِ تِجَارَتهِ، وَفِي تَعَلُّقِهِ بِرَأْسِ المَالِ وَجْهَانِ، وَالْقَوْلُ الجَدِيدُ أَنَّ السَّيِّدَ لاَ يَكُونُ ضَامِناً للِمَهْرِ بِمُجَرَّدِ الإِذْنِ لَكِنْ عَلَيْهِ أن يُمَكِّنَهُ حَتَّى يُؤَدِّي المَهْرَ مِنَ الْكَسْبَ وَالنَّفَقَةِ، فَإِنْ اسْتَخْدَمَهَ يَوْماً لَزِمَهُ كَمَالَ الْمَهْرِ وَنَفَقَة العُمُرِ عَلَى وَجْهِ إِذْ رُبَّمَا كَانَ يَكْتَسِبُ مَا بَقِيَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَفِي وَجْهٍ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ وَنَفَقَةُ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَفِي وَجْهٍ ثَالِثٍ وَهُوَ الأَصَحُّ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ أُجْرَةُ المِثْلِ كَمَا في الأجْنَبِيِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ليس كلامُ الفصْل في كيفية التَّزْويج ومن يزوِّج، وإن كانت الترجمة تقتضي ذلك، وإنَّما الكلامُ في المهْر والنفقة وغيرهما من أحكام النكاح، وهكذا كان الأمر في الفصْل الرابع المتَرْجَم بتَزْويج الإِماء، والفقْهُ يقع في مسألتين: [المسألة الأُولَى] 1: أنَّ المهر والنفقة لازِمَانِ في نِكَاح العبد لزومهما في نكاح الحرِّ، وبم يتعلقان ينظر في العبد أهو محجور عليه أو مأذونٌ له في التجارة.
الحالة الأولَى: إذا كان محجُوراً عليه؛ فأما أن يكون مكتسباً [أو لا يكون؛ إِن كان مكتسباً] 2 فهما متعلقان بكسبه؛ لأنهما من لوازم النكاحِ، وكسبُ العبد أقربُ شيء يصرف إليهما، فالإذْنُ في النكاح إذنٌ في صرف مكاسبه أو مؤناته، ويتعلَّقان بالأكساب العامَّة كالاصطياد، والاحتطاب، وما يحَصِّلُه بصنعة وحرفة، وبالأكساب النادرة الحاصلةِ بالهِبَة، والوصية.
وفيه وجهٌ: أنهما لا يتعلَّقان بالأَكسَاب النَّادِرَةِ بناءً على أنها لا تدخل في المهايأة، ولا تلحق بالأكساب العامَّة، وإنما يتعلَّقان بَالمكتسب بعد النكاح، فأما المكتسب قبله، فهو خاصٌ للسيد كسائر أمواله، ولو كان المهرُ مؤجَّلاً، فالمصروفُ إليه مما يكتسبه بعْد حلول الأجل دون المكتسب قبله، وهل للعَبْد أو مؤجر نفْسَه للمهر والنفقة فيه وجهانِ بناءً على القولَيْن في بيع المستأجر، إن منعناه، لم يكن لَهُ أن يؤجِّر نفسه، كيلا يفوت البيع على السيد، وإلا، فله ذلك قَالَ أَبُو سَعْدِ المتولِّي؛ هذا في إجارة العَيْن، أما إذا التزم عملاً في الذمَّة، فالمذهب جوازه؛ لأنه دَيْنٌ في الذمة، لا يمنع البيع، وطريقُ الصرف إلَى المَهْر والنفقة أن يَنْظُرَ إلى الحاصل كلَّ يوم، فيؤدي منه النفقة، إن وَفَّى بها، فإن فضَل شيْءٌ، صرف إلى المهر، [و] هكذا كلَّ يوم، حتى يتم المهر، فإذا تَمَّ، صرف الفاضل من النفقة إلى السيد، ولا يَدَّخر النفقة، وإن لم يكُنْ مكتسباً، فقولان، ويقال: وجهان:

أحدهما: أنه على السيد؛ لأن الإِذْنَ في النِّكَاحِ لِمن هذا حاله التزامٌ للمؤنات.
وَأَصَحُّهُمَا: أنَّه في ذمته؛ لأنه دَيْنٌ وجَب برضا المستحِقِّ، فصار كما لو استقْرَضَ شيئاً، وأتلفه وحكى القاضي ابن كج قولاً: أنه يكون في رقبته تَنْزيلاً له منزلة أُرُوش الجنايات، وأنَّ القاضِيَ أبا حَامدٍ طَرَدَ هَذَا الْقَوْلَ فيما إذا كان العبْدُ مكتسباً أيضاً.
الحالة الثانية: إذا كان مأذوناً في التجارة، فالمهرُ والنفقةُ يتعلَّقان بربح ما في يده فإنَّه كسْبُه، وفي رأس المال وَجْهَانِ: أحدهما: المنْعُ، كسائر أموال السيد من رقبة العبد وغيرها.
وأظهرهما: التعلّق؛ لأنه دَيْن لزمه بعَقْدٍ مأذونِ فيه، فكان كَدَيْنِ التِّجَارَةِ؛ وهذا لأنَّ العبد، إذا كان مَاذُوناً، وكان في يده مالٌ، فأطماع المعامِلِينَ تمتدُّ إلى ما في يده، وإذا أَذِنَ له في النكاح، كأنه التزم صرْفَ ما في يده إلى مؤناته، والربح الذي يتعلَّقان به هو الحاصلُ بعد النكاح أم الحاصِلُ قبله وبعده؟.
فيه وجهان: أحدهما: الحاصلُ بعْده خاصَّةً، كما ذكرنا في كَسْبِ غير المأذون.
وأظهرهما: الجمْعُ؛ لما ذكَرْنا في التعليق برأْس المال، وإطلاقُ لَفْظ الكتاب يُوافِقُ هذا الوجه، هذا كلّه في المهْر الذي يتناولُه الإِذْن، أما لو قَدَّر السيد المهر، فزاد العَبْد، فالزيادَةُ لا تتعلَّق إلا بالذمَّة كما سبق.
المسألة الثانية: يجبُ على السيد تخليةُ العَبْد ليلاً للاستمتاع، وله أنْ يستخدمه نهاراً، إذا تكفَّل بالمهر والنفقة، وإلاَّ، فعليه أن يخليه؛ ليكتسب، فإن استخدمه، ولم يلتزِمْ شيئاً، فعلَيْه الغُرْم لما استخدم؛ لأنَّه لما أَذِنَ في النكاح، فكأنه أحال المُؤَن علَى كسبه، فإذا فوَّته طولبَ بها من سائر أمواله، كما أنه إِذَا بَاعَ الْعَبْدُ الْجَانِي، وصحَّحنا البيع، يلزمه للفداء 1، بل أولَى؛ لأن الجناية هنا صدَرَتْ من العبد من غير أن ينتسب إلَيْها السيد، وفيما يغرمه وجهان: أصحُّهما: أنه يغرم أقل الأمْرَيَنْ من أجرة المثل وكمال المهر أو النفقة.
والثاني: كمالُ المَهْر والنفقة وبنَوْهما على القولَيْن في أنه يفدي العبْد الجاني [بأقلِّ] 2 الأمرين من قيمته، وأرش الجناية أو بأرش الجناية بالغاً ما بلغ؟ وزاد الإمَام -قدس الله روحه- نظراً فقال: استخدامه إتلافٌ لمنفعته، وإذا أَتْلَفَ السَّيِّدُ العبدَ الجَانِيَ، فمنهم من طرد القولَيْن فيما يلزمه، والصحيحُ أنه لا يلزمه زيادةٌ على القيمة [قطعاً] 3؛

لأنه لم يُتْلِفْ إلا قدْرَ القيمة، فلتكنْ صورة الاستخدام كإتلافِ العبْد الجاني، وحكَى وجهين تفريعاً علَى قولِ وجُوب المَهْر والنفقة؛ يعتبر نفقة مدةِ الاستخدام، أو نفقةَ مدَّةِ النكاح ما امتد؛ لأنه ربما كان يكْتَسِب ما بقي بجميع ذلك والأظهرُ الأول، ويجيء مثل هذا الخلاف علَى قول إيجاب الأقلِّ في النفقة المنظُور إليها، وإن استخدمه أجنبيٌّ، لم يلزمه إلا أجرة المثل؛ لأنه لم يوجدْ منه إلا إتلاف، ولم يسبق، منه ما سبَقَ من السيد، وهو الإذْنُ المقتضي لالتزام مؤن النكاح في كسبه، وإذا اختصر الخلاف في استخدام السيِّد، حصَلَت ثلاثة أوجه، كما ذكر في الكتاب.
وللسَّيِّد أن يسافر بالعبد، وإن تضمَّن ذلك المنع له من الاستمتاع؛ لأنه مالك الرقبة، فيقدَّم حقُّه، كما أن له أن يُسَافِر بالأمة المزوَّجة، ثم للعبْدِ أن يسافر بها معَه، قال في "التهذيب" ويكون الكراء في كسبه، فإن لم تخرُجْ معه أو كانَت رقيقةً، فمنَعَها سيِّدُها، سقطت النفقة، وإن لَمْ يُطَالِبْهَا الزوج بالخروج، فالنفقةُ بحالها، والسيدُ يتكفل بها، فإن لم يفعلْ، ففيما يغرمه لمدة السفر الخلافُ السابقُ، هذا هو المنقول في الطُّرق وقد رواه الْمُزَنِيُّ عن نصفه في "الْمُخْتَصَرِ" وحكى الإمامُ عن العراقِيِّين؛ أنه ليس للسيد استخدامُه في الحَضَر، ولا أن يسافر به ما بَقِيت عَليه مؤنةُ النكاح، وجعل المسألة مختَلَفاً فيها بين الأصحاب، ولا يكاد يُتحقَّق فيها خلاف.
واعلم أن أكثر ما ذكَرْنا في المسألَتَيْن متفرع على القول الجديد، وهو أنه إذا جرى النكاح بإذن السيِّد، لا يكون السيد ضامناً للمَهْر والنفقة بالإِذْن، ووجْهه: أنه لم يلتزمْ تصريحاً ولا تعريضاً، والتعلُّق بالكسب يحتاجُ فيه إلَى ضربٍ من التكليف، فما ظنك بالإلزام المطْلَق والتعلّق بجميع أموال السيد، وقال في القديم: يصير بالإذْن ضامناً ملتَزماً للمَهْر والنفقة؛ لأنَّ الإذْنَ يقتضي الالْتِزام، وليس فيه تخصيصٌ بالكَسب، فلا يفترق الحال بين مالٍ ومالٍ، وإذا قلْنا بالجديد، فلو أذن بشرط الضمان، لم يصر ضامناً أيضاً، إذا جرى النكاح؛ لأنه لا وجُوبَ عند الإِذْن، وإذا قلْنا بالقديم، فقد حكى أبو الفرج الزاز وجهَيْن: في أن الوجُوبَ يثبت علىَ السيد ابتداءً أو يلاقي العَبْد، ويتحمَّل عنه السيد، فَعَلَى الأول لا تتوجَّه المطالبة إلا على السيد، ولو أبرأت العبد، فهو لغْوٌ، وعلى الثاني تتوجَّه المطالبة عَلَيْهما جميعاً، ويصحّ إِبراء العبد، ويبرأ به السيد على قاعدة الضمان، قال أبو الفرج: وَالأَصَحُّ الوجْهُ الثاني؛ لأن العوض يحْصُل للعبد بخلاف ما إذا اشترى بإذْن السيد، يكون الثمن عليه ابتداءً؛ لأن الملْك في المنْع يحْصُل له، وصاحب "التهذيب" أجاب بالوجْه الأول، ويقْرُب منه ما ذكره الإمَام؛ أن هذا وإنْ سُمِّيَ ضماناً على القديم، فليس هو بمثابة ما يلتزم بعَقْد الضمان، ولكَن القولَيْن راجعان إلى أن أثر الإِذْن ينحَصِر في الكسب أم يعم جميع أموال السيد، وهو قريبُ المأخذ من الخلاف في أَن عُهْدة تصرفات العبد المأذون تنحصرُ فيما في يده أم تتعلَّق بالسيد أيضاً

فعلى رأي الإذْن في التجارة، فَمَا سلمه إلَيْه حاصرٌ عهدة التصرُّف في المُسَلَّم إليه، والإِذن ههنا في النِّكَاحِ حاصر 1 الالتزام في أقرب شيء إلى العبد، وهو كسبه، وعلَى رأي: لا تخصيص، وهذا تقريبٌ حسنٌ، لكنا ذكرنا أن الظاهر هناك التعلُّق بالسيد أيضاً، وههنا الأصحُّ الجديدُ باتفاق الأصحاب خلافه، هذا حكْمُ المَهْر في النكاح الصحيح، وأمَّا الْمَهْرُ في النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، ففيه مسألتان: المسألة الأوُلَى: إذا فسد نكاحُ العبْد لجريانه من غير إذْن السيد، فيفرّق بينه وبين زوجته، فَإِنْ دَخَلَ بها قبْلَ التفريق، فلا حَدَّ للشبهة، ويجب مهر المثل وبم يتعلَّق؟ فيه وجهان: أصحُّهما: أنه يتعلَّق بذمة العبد؛ لأنه وجب برضا المستحِقِّ، فصار كَمَا إذا اشترى أو استقرض بغير إذْن السيِّد وأتلف.
والثاني: أنه يتعلق برقبته؛ لأنَّ الوطء إتْلافٌ، فبذله لعلها فبدله كدُيُون الإِتْلاَفات، وهذا القول مِنْهُمْ من نسبه إلى [القول] 2 القديم، ومنهم مَنْ قال: هو مخرَّجٌ من قولنا: إِنَّ السَّفِيهَ إذا نكَح بغَيْر إذْن الوليِّ ووطئ يلْزَمه المهْر، والقول الأول يوافق قولَنا هناك: لا يلزمُهُ شَيْء؛ لأن المرعيَّ هُنَاكَ حقَّ السفيه فينتفي الوجوب أصلاً، والمرعيُّ ههنا حقُّ السيد، ولا ضَرَرَ عليه في التعلُّق بالذمة، فعلَّقناه بها وفي "النهاية": أن من الأصحاب من لم ينسبه قَولاً للشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وقال: إنَّه حكَى مذهب الغير.
وإن جرى النكاح من غير إذن مستحِقِّ المهر بأن نكح أَمةً دون إذْن سيِّدها، ودخل بها، فطريقان: أحدهما: وبه قال ابن الحدَّاد: القطْعُ بأنَّ مهر المثل يتعلَّق بالرقبة، كما لو أكْره أمةً أو حرةً على الزنا.
والثاني: طَرْد القولَيْن، ومن قال به، قال: المهر، وإن كان حقاً للسيد، إلا أنَّها بسبيل من إسقاطه في الجملة؛ بدليل ما إذا ارتدَّتْ أو أرضعتِ الزوجَ، وهو صغير، فإذا جاز أن يَسْقُطَ بفِعْلها، جاز أن يتأخَّر برضاها.
قال الشيخ أبو عليٍّ: ويقْرُب من هذا الخلاف ما إِذَا زَنَتْ طَائِعَةً، هل يسقط المهر؟.
المسألة الثانية: إذا أذِنَ السيدُ في النكاح، فنكح نِكَاحاً فَاسِداً، ودخَل بها قبل أن يُفرَّق بينهما، فبمَ يتعلق مهر الْمِثْلِ؟ يبني ذلك على أن الإِذْن في النكاح يتناول الصحيح

جارٍ التحميل