وَأَسْبَابُهَا ثَلاَثَةٌ: النِّكَاحُ وَالقَرَابَةُ وَالمِلْك
ُ، السَّبَبُ الأَوَّلُ النِّكَاحُ،
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أَبْوَابٍ.
البَابُ الأَوَّلُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ وَكَيْفِيَّتِهَا،
وَفِيهِ فَصْلاَن قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي وَاجِبَاتِ النفَقَةِ
وَهِيَ سِتَّةٌ: الوَاجِبُ الأَوَّلُ الطَّعَامُ وَهُوَ مُدُّ (ح م و) عَلَى المُعْسِرِ، وَمُدَّان (ح م و) عَلَى المُوسِرِ، وَمُدٌّ وَنِصْفٌ (ح م و) عَلَى المُتَوَسِّطِ، وَلاَ تُعْتَبَرُ الكِفَايَةُ (ح م ز)، وَلاَ يُعْتَبَرُ حَالُ المَرْأَةِ (ح) في مَنْصِبِهَا، وَالمُعْسِرُ هُوَ الَّذي لاَ شَيْءَ لَهُ وَهوَ المِسْكِينُ الَّذِي يَأْخُذُ سَهْمَ المَسَاكِينِ، وَالمُتَوَسِّطُ هُوَ الَّذي لَوْ كُلِّفَ مُدَّيْنِ لَرَجَعَ إلَى المَسْكَنَةِ، وَمَنْ جَاوَزَ ذَلِكَ فِهُوَ مُوسِرٌ، وَالمُكَاتَبُ والعَبْدُ مُعْسِرَانِ، وَكَذَا من نِصْفُهُ (ز) حُرٌّ وَنصْفُهُ عَبْدٌ، أمَّا جِنْسُ الطَّعَامِ فَغَالِبُ قُوتِ البَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمَا يَلِيقُ بِالزَّوْجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لوجوب النفقة أسباب ثلاثة: مِلْك النِّكاح، ومِلْك اليَمِين،، وَقَرابة البعضية، والأول والثاني يوجبان النفقة للمملوك على المالك دون العكس؛ لاشتغال المَمْلوك وكَوْنِهِ مَحْبوساً برقِّه ليتفرَّغ لمالكه، فجبر ما لحقه من التَّعَب بالقيام بمؤنته.
والثالث: يوجب النفقة لكلِّ واحدٍ من الفريقَيْنِ على الآخر لشمول البعضية والشفقة، والأصل في السبب الأول للإجماع؛ فلا خلاف في وجوب نفقة الزوجَاتِ على الأزْوَاج في الجُمْلة، ثم احتج له من الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7] وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3] يقول:
إن خفتم أن لا تعدلوا بيْن النساء، فاقتصروا على واحدةٍ وعلى ما ملكت أيمانكم، فذلك أدنى أن لا تَكْثُر عيالكم، ولا تلزمكم المؤن الكثيرة؛ فدل على وجوب مؤنة العِيَال، وهاهنا كلامان:
أحدهما: اعترضوا على تفسير الشافِعِيّ -رضي الله عنه- وقالوا: قوله: "أَلَّا تَعُولُوا" معناه ألا تَجُورُوا؛ لئلا تكثر عيالكم، يقال: عال إذا جار، وأعال إذا كَثُرَ عياله، وأجيب عنه بأن ما ذكره الشافعيُّ -رضي الله عنه- منقولٌ من جِهَة الأثر عن زيد بن أَسْلَمَ -رحمه الله- ومن جهة اللُّغَة عن الكسائيِّ -رحمه الله- وإن كان أعال في العيال أكثر.
والثاني: ذكر الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- هاهنا استحبابَ الاقْتصار على امرأة واحدة، وذلك لِعُسْر العدل والتسوية بينهن، والعَجْز عنه قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129] وقال الماوردِيُّ: هذا إذا كان تكْفيه الواحدة، ومن لا يقنع بالواحدة لقوة شهوته، فالأَوْلَى به الزيادة؛ ليكون أغضَّ لطرفه.
ومِنَ السنة ما رُوِيَ أن هنْدَ امرأة أبي سفيان جاءت إلى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت يا رسول الله إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لاَ يُعْطِينِي [من النفقة] مَا يكْفِينِي وَوَلَدِي إِلاَّ مَا آخُذُ منْهُ سِرّاً، وَهُوَ لاَ يَعلَمُ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوف" 1 واستخرج الأصحاب من الخبر وراء وجوب نفقة الزوجة ووَلَدِها فوائِدَ:
منْها: أنه يجوز للمرأة الخُرُوج من بيتها لتستفتي، وأنَّ صَوْتها لَيْسَ بعورة، وأنه يَجُوزُ لِمَنْ مُنِعَ حَقَّه أن يَشْكُو وَيتظلَّم، وأنه يجوز ذِكْر الغائب بما يسوءه عند الحاجة، فإنها وصَفَتْه بالشُّحِّ، وأنه يجوز لِمَنْ له حقٌّ على غيره، وهو ممتنع، أن يأْخُذ من ماله بغَيْر إذنه، وأنه لا فَرْق بين أن يكون من جنْس حقِّه أو من غير جنسه، وأنه يَجُوز للقاضِي أن يَقْضِي بعلْمِه على الغائب وأجيب عنْهما: بأنه أفتى ولم يَقْضِ، وأن الأم تكون قيِّمة الوَلَد، فإنه جوَّز لها الأَخْذ والإنفاق في حياة الأَبِ، فكذلك بعْد موته، وهذا وجه قد مر في موضعه، وصححه الجُوَيْنِيُّ في "المنهاج" وأفتى به القاضي الرُّويانيُّ، وظاهر المَذْهَب خلافُهُ، وإذا شهد ذلك، فلا بد في نفقة الزوجات من معرفة ما يجب، وأنَّه كيف تُوَفِّي وأنه متى يجب، ومَتَى يسْقُطُ، وأنه إذا عَجَزَ الزوْجُ عن الواجب، ما الذي تعمل؟ فضمن القول في هذه الأمور في ثلاثة أبواب:
أحدها: في قَدْر الواجب وكيفيته.
والثاني: في الأحوال التي تسقط فيها النفقة.
والثالث: فيمن أعسر، وعجز عن توفية الواجب.
أما الباب الأول: ففيه فصلان:
الفصل الأول: فيما يجب، وهو أنواع:
أحدهما: الطعام؛ أما قدره، فيختلف باختلاف حال الزوج في اليسار والإعسار، ولا يُعْتَبَر فيه الكفاية، ولا يُنْظَر إلى حال المرأة في الزهادة والرغبة، ولا في منصبها وشرفها وتستوي المُسْلمة والذمية والحرة والأمة، واحتج الأصحاب -رحمهم الله- لأصل التفاوت بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي ضُيِّق.
ثم قالوا: وجَدْنا الشرع قد قَدَّر في الكفارات فأكثر ما أوجب فيها للمسكين الواحد مُدَّيْنِ، وذلك في كفَّارة الأذى وأقل ما أوجب للواحد مد واحد، وذلك في كفارة اليمين والظهار والوقاع في نهار رمضان، فاعتبرنا النفقة بهما؛ لأن كل واحدٍ منْهما مالٌ يجِبُ بالشرع وَيَسْتَقِرُّ في الذمة، فأوجبنا على الموسر الأكْثَر، وعلى المُعْسِر الأقلَّ وجعَلْنا المتوسِّط بينهما، وألزمناه مدّاً ونصْفَ مُدٍّ، وقال الإِمام -رحمه الله- ومن نحا نحوه في توجيه المَذْهَبِ: إن نفقة الزوجات ليست على الكفاية كنفقة القريب لأنها تُسْتَحَقُّ في أيَّام مَرَضِها وشبعها، وإذا بَطَلَت الكفاية، حَسُن تقريبها من الكفارات، فالمُدُّ الواحد يَكْتَفِي به الزهيد، ويتبلَّغ به الرغيب والمدان قدر للمتوسِّعين.
والمعتبر مُدُّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وهو مائَةُ ودِرْهَم وَثَلاثةَ وَسَبْعُونَ دِرْهَمَاً وثلث درهم 1 والمدان ثلاث مائة درهمٍ وستة وأربعون درهماً والمد والنِّصفْ مائتا درهمٍ وستون درهماً.
هذا ظاهر المذهب، وما وُجِّه به، وثلثا درهم، ووراءه قولان:
أحدهما: عن رواية الشيْخ أبي مُحَمَّد: أنه يعتبر فيه الكفايَةُ كما في نفقة القَرِيب، وقد يُحْتَجُّ له بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَاَلَ لِهِنْدَ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِاَلْمَعْرُوفِ" 2.
والثاني: عن رواية صاحب "التقريب": أن الاعتماد في قَدْر النَّفَقة على فرض القَاضِي، وعليه أن يَجْتهد، وعند أبي حنيفة، ومالك: أن الاعتبارَ بحَال المرأة، ويختلف القَدْر برغبتها وزهادتها، ويقال: إن النَّظَر عند أبي حنيفة إلى شَرَفِها وضعتها، وعند أحمد: يُنْظَر إلى حال الزوجين جميعاً حتى يَجِبَ على المُوسِر للفقيرة نفقة متوسطة.
والأُمَ يُنْظَرُ في اليَسَار والإعسار والتوسُّط؟ فيه وجوه:
أحدها: أنَّ الرجوع فيها إلى العَادَة، وتختلف العَادَةُ باختلاف الأحوال والبلاد، وهذا ما أورده صاحب "التتمة" وغيره.
والثاني: عن القاضي الحُسَيْن: أن الموسر مَنْ يزيد دخله على خرجه، والمُعْسِر من يزيد خرجه على دخله، والمتوسِّط من يستوي دخله وخرجه، وهذا والأول ما أورده صاحب "التهذيب" والثالث عن "الحاوي": أن النَّظَر في هذه المراتب في باب النفقة إلى الكَسْب؛ فَمَنْ يَقْدِر على نفقة المُوسِرِين في حقِّ نَفْسِه وحق من في نفقته من كسبه، لا من أصْل ماله، فهو موسر، ومَنْ لا يَقْدِر على أن يُنْفِقَ مِنْ كسبه، فهو مُعْسِر، والمتوسِّط هو الذي يَقْدِر عَلَى أن ينفق من كسبه نفقةَ المتوسِّطين.
وأحْسَنُها، وهو الذي أورده الإِمام وصاحب الكتاب: أن من لا يملك من المال شيئاً أصلاً، أو يملك من المال مالاً يُخْرِجه عن استحقاق سَهْم المساكِين، فهو مُعْسر، فإنْ مَلَك ما يُخْرِجه عن استحقاق سهم المساكِين؛ فإن كان لا يتأثَّر بتكليف المدين، فهو موسر، وإن كان يتأثر؛ بأن يرجع إلى حد المسكنة أو كُلِّف بدَيْنٍ، فهو متوسِّط، ولا بد في ذلك من النظر إلى الرُّخْص والغَلاَء.
والقُدْرة على الكَسْب الواسع لا يخرجه عن حدِّ الإعسار في النفقة، وإن كانت تخرجه عن استحقاق سهم المساكين 1. يُنْظَر في اليسار والإعسار إلى وقت طلوع الفجر، وهو الوقت الذي يجب فيه تَسْلِيم النفقة، فإن كان مُوسِراً حينئذ، فعليه نفقة الموسرين لذلك اليوم، وإن أعسر في أثناء النهار.
وإن كان معسراً، لم يلزمْه إلاَّ نفقةُ المُعْسِرِين، وإن أيْسَرَ بعده، ذكَره في "التهذيب".
وإذا كان الزَّوْج عبداً، فلَيْس عليه إلا نَفَقَةُ المُعْسِرين، وكذلك المكاتَبُ، وإن كثر ماله؛ [لأنه غير أمِّ المِلْك، وفيمن بعْضُه حرٌّ وبعضه رقيقٌ وجهان:
أصحُّهما: أنَّه ليْسَ عليه إلا نفقةَ المُعْسرين؛ لنقصان 2 حاله، وإن كثر ماله] ببعض الحر.
والثاني: وبه قال المزنيُّ: أن عليه ببعضة الحُرِّ نَفَقَةَ المُوسِرِين، إذا كثر ماله كما أنه يخرج صدقة الفِطْر ببعضة الحر بالقِسْط، فعلَى هذا، لو كان نصفُه حرّاً، ونصفه رقيقاً، فعليه مدٌّ ونصفٌ.
وأما جنس الطعام، فغالب قوت البلد من الحنْطَة أو الأَرز أو التَّمْر أو غيرها، حتى يجب الأَقِطُ في حقِّ أهل البوادي الَّذين يقتاتونه وذلك 1 لأن الله تعالى أوجب النفقة والكسوة بالمعروف، ومِنَ المَعْروف أن يطعمها ما يَطْعَمُ أهلُ البلد، وأيضاً، فالواجب في الفطرة والكفارة الجنس الغالب فاعتبرت النفقة بهما، وعن تخريج ابن سُرَيْجٍ -رحمه الله- وجهٌ: أنَّه لا يُنْظَر إلى الغالب، وإنَّما يُعْتَبَر بما يليق بحال الزوج إلحاقاً للجنس بالقَدْر، وإذا قلْنا بالظاهر، فلو اختلف قُوتُ البلد، ولم يَكُنْ غالباً، وجب ما يليق بحال الزَّوْج.
وأمَّا لَفْظ الكتاب، فقوله: "وهو مد على المعسر" يجوز أن يُعْلَم بالحاء والميم والألف والواو؛ فإنه إذا اعتبرت الكفاية، أو اعتبر حال الزوجين جميعاً، لم يَتقدَّر الواجب، وأيضاً، فقد حَكَى القاضي ابن كج عن ابن خيران وغيره -رحمهم الله-: أن النفقة لا تتقدَّر بالمقادير المذْكُورة، ولكن يُتْبَع [فيه] عُرْف الناس في البلد، ويجوز أن تعاد العلاماتُ على لَفْظ المُدِّ، وعلى المد والنِّصْف وعلى قول: "ولا يُعْتَبَر الكفاية"، وكذا قوله: "من نصفه حر" مُعْلَمٌ بالواو والزَّاي.
وقوله: "فغالِبِ قوت البلد" بالواو.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ الثَّانِي الأُدْمُ وَهُوَ مِكْيَلَةُ زَيْتٍ أَوْ سَمْنٍ كُلَّ يَوْمٍ تَقْرِيباً، وَرَطْلُ لَحْمٍ فِي الأُسْبُوعِ لِلْمُعْسِرِ، وَرَطْلاَنِ للِمُوسِرِ، وَقِيلَ: يُزَادُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ البِلاَدِ إِذَا كَانَتِ العَادَةُ تَقْتَضِيهِ، وَلَوْ تَبَرَّمَتْ بِجِنْسٍ وَاحِدٍ مِنَ الأُدْمِ فَلَهَا السَّعْيُ فِي الإِبْدَالِ، وَلَهَا أنْ تَأْخُذُ الأُدْمَ وَإِنْ لَمْ تَأْكُلْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب على الزوج للزوجة الإدام؛ لأنه مأمور بالمعاشرة بالمعروف، وليس من المعاشرة بالمعروف وتَكْليفها الصَّبْرَ عَلَى الخُبْز البَحْث، وجنسه غالب أُدْم البلَدَ من الزيت والشيرج والسمن والتَّمْر والخَلِّ والجُبْن وغيرها 2، ويختلف ذلك
باختلاف الفصول، وقد تغلب الفَوَاكِهُ في أوقاتها، فتجب وقد تَعَرَّض لذلك في "التتمة" والوجه المذكور في جنس القوت أنَّه يُنْظَر إلى عادة الزَّوْج دون الغالب يعود في الإدام أيضاً.
وأما ففي لفظ الشافعيِّ -رضي الله عنه- مِكْيَلَةُ زَيْتٍ أو سَمْنٍ، ويقال: إنه أراد بها الأوقية قال الأصْحَاب: وإنما أمر بذلك على التَّقْرِيب، ولا يُتَقَدَّر الأُدْم بل هو إلى فرض القاضي واجتهاده، فيَنْظُر في جِنْس الأُدْم، ويُقَدِّر باجتهاده ما يحتاج إليه المُدْمِنُ الطَّعَامِ، فَيَفْرِضهُ على المَعْسِر، ويفرض على المُوسر ضعْفَه، وَيَفْرِضُ [على] المتوسِّط بينهما، ويجب عليه أن يطعمها اللحْمَ أيضاً، وفي كلام الشَّافعيِّ -رضي الله عنه-: أنه يُطْمِعَها في كل أُسْبُوع رطْلَ لَحْمٍ، وهو محمول على المُعْسِر وعلى المُوسِر رَطْلاَن، وعلى المتوسِّط رطْلٌ ونصْفٌ، واسْتُحِبَّ أن يكون الإعطاء يوم الجمعة، فإنه أَوْلَى بالتوسُّع فيه، [ثم] قال الأكثرون: إنما قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-؛ على عادة أهل مِصْر؛ لعزة اللحْم عندهم يومئذ، فأما حيث يكثر اللحم، فيزاد على عادة أهْل تلْك البلدة، وفصل صاحب "التهذيب" -رحمه الله- فقال: يجب في وقت الرُّخَص على المُوسِر في كل يوم رَطْلٌ وعلى المتوسِّط في كل يومين أو ثلاثة، وعلى المُعْسِر في كل أسبوع وفي وقت الغلاء يجب في أيامٍ مرةً على ما يراه الحاكم، وقال قائلون: وحكاه الشَّيْخ أبو محمَّد عن القَفَّال: أنه لا مزيد على ما ذَكَره الشافعيُّ -رضي الله عنه- في جميع البلاد، والحاجةُ تُقَدَّر به، وفيه كفاية لِمَنْ قنع، ويُشْبه أن يقال: لا يجب الأُدَمْ في اليوم الذي يعطيها اللَّحْم، ويكفي ذلك للإيدام، ولم يَتعرَّضوا له، وُيمْكِن أن يقال: إذا أوجبنا على الموسر اللحْمَ في كل يوم، يلزمه الإدامُ أيضاً، ليكون أحدهما غداء، والآخر عشاء على العَادَةِ، ولو تبرمت المرأة بالجنْس الواحِدِ من الأُدْمِ، فوجهان:
أحدهما: أن على الزوج أن يُبْدِله؛ إذ لا ضرر عليه فيه، ولا مشقَّة.
وأظهرهما وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يَلْزَمُه ذلك، وعلَيْها الإبْدَال إن شاءَتْ 1، وفي "أمالي أبي الفرج" -رحمه الله- أيضاً: أنها لو صرفت شيئاً من القوت إلى الأُدْم أو بالعكس أو أبدلت الجِنْس الذي أخَذَتْه من الأُدْم بجِنْس آخر، فلا بأس، وَلاَ اعتراض للزوج عليها، فإنها متعرِّضة في مِلْكها، وأنَّ من الأصحاب مَن جَوَّز له = بالشام.
قال القاضي الحسين: أو مصر فالزيت.
وإنما خص هذه الأدهان بذلك لأنها أصلح للبدن وأخف مؤنة فإنه لا يحتاج في التأدم بها إلى طبخ وكلفة.
وهذا كلام ابن الصباغ وظاهره حصر الأدم في الأدهان.
المَنْع من إبدال الأشرف بالأخس، وَلاَ يَسْقط حقُّها عن الأُدْم بأن لا تَأْكُلَهُ، وتقنع بالخبز كما لا يَسْقط حقُّها عن الطعام؛ بأن لا تأكل بعضه، وعلى الوجه المذكور في أن للزَّوْجِ أن يمنعها من إبدال الأشرف بالأخس له أن يمنعها من ترك التَّأَدُّم بطريق الأَوْلَى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ الثَّالِثُ نَفَقَةُ الخَادِمَةِ لِمَنْ يَقْتَضِي مَنْصِبُهَا الخِدْمَةَ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ شِرَاءُ خَادِمَةٍ وَتَمْلِيكُهَا، وَلَكِنْ يَجِبُ الإِخْدَامُ بِاسْتِئجَارِ حُرَّةٍ أَوِ اسْتِخدَامِ مَمْلُوكَةٍ أَو الإِنْفَاقِ عَلَى جَارِيتَهَا، وَلِلْخَادِمَةِ مُدٌّ عَلَى المُعْسِرِ، وَمَنٌّ عَلَى المُوسِرِ وَلاَ مَزِيدَ وَهُوَ قَدْرُ كِفَايَتَهَا فِي الغَالِب، وَفِي اسْتِحْقَاقِهَا الأُدْمَ وَجْهَانِ، وَلَوْ خَدَمَتْ بنَفْسِهَا فَلَيْسَ (و) لَهَا نَفَقَةَ الخَادِمَةِ، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَتَوَلَّى الخِدْمَةَ فِيمَا لاَ يُسْتَحْيَى مِنْهُ لِيخَفِّفَ عَنْ نَفسِهِ بَعْضِ مُؤْنَةِ الخَادِمَةِ، وَلَيْسَ لَهُ إِبْدَالُ خَادِمَتِهَا المأَلُوفَةِ إِلاَّ بِرِيبَةٍ، وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ سَائِرَ خَدَمَتِهَا سِوَى الوَاحِدَةِ إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ سُكْنَاهُنَّ، بَلْ لَهُ مَنْعُ أَبوَيْهَا مِنَ الدُّخُولِ، وَمَنْعُهَا مِنَ الخُرُوجِ لِلزِّيَارَةِ، وَالرَّقِيقَةُ المَنْكُوحَةُ الَّتِي تَخْدُمُ لِجَمَالِهَا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةَ الخَادِمِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: النساء صِنفان:
أحدهما: اللواتي لا يَخْدِمْنَ أنْفُسَهُن في عادة البلد، بل يكون لهن من يَخْدُمُهُن، فإذا كانت الزوجةُ منْهُنَّ وَجَبَ على الزوج إخْدَامُها 1؛ لأنها من المعاشرة بالمعروف، وهو مأمور بالمعاشرة، وأشار المزني -رحمه الله- إلى اختلاف قَوْلٍ في وجوب الإخْدَام، وعلى ذلك جرى جَارُونَ، وأثبتوا الخِلاَفَ فيه على ما حكاه أبو الفَرَجِ السرخسيُّ وغيره، والجمهور قطَعُوا بالوجوب، وحملوا النُّصوص المُشْعوة بخلافه على ما إذا لم تكن الزوجةُ من هذا الصِّنْف، ولا فَرْق في وجوب الإخدام بيْن أن يكون الزوج موسراً أو معسراً حرّاً أو مكاتباً أو عَبْداً، والاعتبار بحال المرأة في بيت أبيها دون أن ترتفع بالانتقال إلى بَيْت زوجها، ويليق بحالها؛ بسبب الانتقال أن يكون لها خَادِمٌ، وكذلك هو في تعليقِ الشيْخِ أبي حامد، ولا يجب أكْثَرُ مِنْ خادِمٍ واحدٍ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لحصول الكفاية به، وقال مالك -رحمه الله-: إن كانت مِمَّنْ يخدم في بَيْت أبيها بخادِمَيْنِ أو أكثر، وجب إخدامها بذلك العدد ولا يلزمه تمليك جارية إياها،
بل الواجب إخدامها بحرة أو أمةٍ أو مستأجَرَةٍ أو ينْصِب مملوكة [له] تَخْدِمُهَا أو بالاتفاقِ على الَّتي حَمَلَتْها معها من حُرَّة أو أمة ولا يجوز أن يكون الخادِمُ إلا امرأة أو صبيّاً أو مَحْرَماً لها، وفي مملوكها والشَّيخ الهم اختلافٌ، وفي جواز كون الخادِمِ من أهل الذمَّة وجهان:
عن أبي إسحاق -رحمه الله- جوازه؛ لأنهم أَذَلُّ نُفُوساً، وأسرع إلى الخدمة.
وعن غيره: المنع؛ لأن النفس قد تعافُهُم، وأيضاً، فلا يُؤْمَن عداوتهم الدِّينيَّة.
ثم في الفصل مسائل؛
إحداها: أن أخْدَمَها بحرة أو أمة مستأجرة، فليس عليه إلا الأُجْرة، وإن أخدمها بجاريةٍ، فنفقتها تجِبُ بحقِّ المِلْك، وإن كان يُخْدِمها بكفاية مؤنة خادمتها الحرة أو الأمةِ، فإذا موضع نفقة الخادمة، والقول في جنْس الطعام لهو في جنس طعام المخدومة.
وأما القَدْر، ففي "أمالي أبي الفرج": أن نفقة الخادم تقدَّر بِمُدٍّ، ولا تختلف باختلاف حال الزوج، والصحيح أنها تختلف، فعلى المُعْسِر مُدٌّ، وإن كان فيه تسوية بين الخادمة والمخدومة في حقِّه؛ لأن النفس لا تقوم بما دُون المُدِّ غَالِباً، وعلى الموسر مُدٌّ وثُلُثٌ، وفي المتوسِّط ثلاثَةُ أوجُهٍ:
أصحُّهما: أن عليه مدّاً كالمعسر.
والثاني: أن عليه مدّاً وثلثاً كالموسر، حكاه في "البحر"، وغَلَّطَ قائله.
والثالث: قال أبو الفرج السرخسيُّ: استحسن الأصحاب أن يكون عليه مدٌّ وسدُسٌ؛ لتفاوت المراتب في حقِّ الخادمة، كما تتفاوت في حق المخدومة ووجَّهوا التقدير في حق الموسر بالمد والثلث، بثلاثة طرق:
أشهرها: أن للخادمة والمخدومة في النفقة حالَةَ كَمَالٍ، وحالة نُقْصَانٍ.
وهما في حالة النقصان يستويان، وفي حالة الكمال يُزَاد للمفضولة ثلث ما يزاد للفاضلة، كما أن للأبوين في الميراث حالتا كمالٍ ونقصانٍ، وهما في حالة النُّقْصَان، وهو أن يكون للميِّت ابْن يستويان فيكون لكل واحدٍ منهما السُّدُسُ، وفي حالة الكمال، وهو إذا انفردا، يكون المال بينهما أثلاثاً، فيزاد للأم ثلث ما يزاد للأبِ.
ويُحْكَى هذا عن القفَّال الشاشيِّ -رحمه الله-.
والثاني: أن نفقة الخادمة على المتوسِّط ثُلُثَا نفقة المخْدُومة؛ لأنَّ نفقة المخدومة عليه مدٌّ ونصفٌ ونفقة الخادمة مدٌّ تفريعاً على الصحيح، فكذلك ينبغي أن تكون نفقة الخادمة على الموسر ثُلُثَيْ نفقة المخدومة علَيْه، وثُلُثَا المُدَّيْنِ مُدٌّ وثُلُثٌ.
والثالث: أن الموسِرَ زادت نعمةُ اللهِ عليه فيليق به الزيادةُ في الإنفاق، والنَّظَر إلى الثلث قريبٌ كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللهُ تَعَالَى أَعْطَاكُمْ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ" قال في "البسيط": وهذه المسالك بأصول أبي حنيفة أشبه منْها بأصولنا، لكن لمّا تطلبت الكفايةُ، اكتفوا بمثل هذه التفريعات، وفي "الوسيط" أن الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- ذكر المُدَّ والثُّلُثَ على التقريب، وأن الصحيح يُنْظَر إلى كفايتها، وهذا القَدْر قَدْرُ كفايتها في الغالب، ويليق بالعادة في حق الخادمة.
وقوله في الكتاب: "وهو قدر كفايتها في الغالب" يشير إلى نْحوِ مِنْ هذا، وهو غير ملائم لما ساقه الأصحاب.
والثانية: هل تَسْتَحِقُّ الخادمة الأُدْمَ فيه وجهان:
أحدهما: وُيحْكَى عن ابن أبي هريرة: لا، ويكتفي بما يَفْضُلُ من المخدومة.
وأصحُّهما: الاستحقاق كما في المخدومة، وذلك لأن العيش لا يتم دونه، وعلى هذا فجنسه جنس أُدْمُ المخدومة، وفي النوع وجهان:
أحدهما: أنه يُسوَّى بينهما فيه، كما في الجنس.
وأصحُّهما: وينسب إلى النصِّ: أنَّه يُجْعَلَ جنس أدم المخْدُومة أجود للعادة، وطُردَ الوجهان في نوع الطعام أيضاً، وفي استحقاق الخادمة اللحْمَ وجْهان، وربما بُنيا على الوجْهَيْن في التسوية في الإدام، إن قلنا: إن إدامها مثل إدام المخدومة، فلها اللحم، وإلا فلا يَجِب، وأما قدر إدامِها، فيُجْعَل بحسب الطعام.
الثالثة: لو قالت: أنا أخْدُمُ نَفسِي، وطلبت الأجرة أو نفقة الخادم، لم يلزمه ذلك؛ لأنها أسْقَطَتْ مربيتها, وله أن لا يَرْضَى بذلك؛ لأنَّها تصير متبذِّلةً، وأشار في "البسيط" و"الوسيط" إلى خلافٍ فيه، وإذا قلْنا بالظاهر، فلو توافقا على ذَلِكَ، ففي "التتمة": أنه على الخلاف في الاعتياض 1 عن النفقة، ولو قال الزوج: أنا أخدُمُها، وأراد إسقاط مؤنة الخادمة، فوجهان:
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق، واختاره الشيخ أبو حامد: أن له ذلك؛ لأنَّ الخدمة حقٌّ عَليْهِ، فله أن يوفيه بنَفْسِه وبغيره، وعلى هذا، فالواجب إخدامها بأحد الطرق التي سَبَقَتْ، أو أن يَخْدُمَهَا بنفسه.
وأظهرهما: المنع؛ لأنها تستحي منْه وتتعيَّر به، وعن القَفَّال وغيره: أن له ذلك فيما لا يستحي منْه، كغسل الثوب واستيقاء الماء وكنس البيت وطبخ الطعام، دون ما يرجع إلى خدمة نفسها غصب الماء على يَدها، وحمله إلى المستحم ونحوهما، لأنها تحتشمه وتَسْتَحْيِي منْه، وهذا ما ذكره في الكتاب؛ حَيْث قال: "وللزوج أن يتولى الخِدْمَةَ فيما لا يُسْتَحْيَى مِنْه" وهو كوجه ثالثٍ فارقٍ، وفيه إشعار ظاهِرٌ بأن النوعين جميعاً من وظيفة الخادمة، وبُنيَ عليه أنَّه إذا تولَّى بنفسه ما لا يُسْتَحْيَى منه فقد تَحْمِل بعض أعمال الخادمة، فهل تَسْتَحِقُّ النفقة التامَّة؟ فيه وجهان؛ بناء على أن السَّيِّد إذا سلَّم الأمة المزوجة ليْلاً، واستخدمها نهاراً، هل تَسْتَحِقُّ تمام النفقة؟ وأنا إذا قلْنا: لا تَسْتحقُّ التمام، فيحتمل أن نشطر ويحتمل أن تُوزَّع على الأفعال، وإلى هذا أشار بقوله في الكتاب: "ليخفف عن نفسه بعض مُؤْنَة الخادمة" لكن فيه كلامان:
أحدهما: ذكر أبو الفرج الزاز أن الذي يَجِبُ على الزَّوْج كفايته في حق المخدومة الشريفة؛ الطَّبْخ والغَسْل ونحوهما، دون حمل الماء إليها للشُّرْب، وحمله إلى المستحم، والترفُّعُ عن ذلك مَحْضُ رعونةٍ، لا عبرة بها.
والثاني: في "التهذيب": أنا نَعْنِي بالخدمة في الباب ما يَئُولُ إلى حاجتها؛ كحمل الماء إلى المستحمِّ، وصبه على يَدِهَا وغسل خرق الحيض ونحوها، فأما الطبخ والغَسْل والكنس، فلا يجب شَيْءٌ منْها على المرأة، ولا على خادمتها، بل هو على الزوْج، إن شاء فعله بنفسه، وإن شاء، بغيره، فالكلامان متفقان على النوعَيْنِ جميعاً لا يتوظَّفان على الخادمة، حتى يُفْرَض توزيع النفقة، وتخفيف بعض المؤنة، والاعتماد من الكلامَيْن على ما في "التهذيب" 1 دون الأَوَّل ويُخَرَّج مِمَّا ذكَرْناه أن للزَّوْج أن يتولَّى ما لا يُسْتَحْيَى منه بلا خلاف، والخلافُ مخصوصٌ بما يُسْتَحْيَى منه.
الرابعة: لو تنازعا في تعيين الخادمة التي تخدمها من الخادمة التي يستأجرها الزوج لِخِدمتها أو الجارية التي يُخْدِمُها من جواريه فوجهان:
أحدهما: أن المُتَّبَع اختيارها؛ لأنَّ الخِدْمةَ لها، وقد تكون التي عينتها أوفق لها وأسرع إلى الامتثال.
وأظهرهما: أن المتبع اختياره؛ لأن الواجب عليه يَكْفِيهَا الخدمة دون أن تكفي تلك المعيَّنة، وهذا كما أنه لا يجوز تطليقه توفير النفقة من طعام معيَّن، ولأنه قد تدخله ريبة وتهمة تختارها هذا في الابتداء.
فأما إذا توافقا على خادمة، وألْفَتْها أو كانت قد حملت خادمة مع نفسها، فأراد إبدالها, لم يجز؛ لأن قطْعَ النَّفْس عن المألوف شديدٌ، إلا إذا ظهرت ريبة أو خيانة، فله الإبدال.
ولو أرادت استخدام ثانية وثالثة من مالها، فللزوج أن لا يرضى بدخولهن داره، وكذا لو حَمَلَتْ مَعَها أكثر من واحدة، فله أن يَقْتَصِر على واحد؛، ويخرج الأخريات من داره، وهذَا كما أن له أن يكلِّفها إخراج مالها من داره، وأن يمنع أبوَيْها من الدخول عليها، وأن يُخْرِجَ ولدَهَا من غيره إذا استصحبته معها.
الخامسة: إذا كانت المنكوحةُ رقيقةً، لكنها ذاتُ جمالٍ تُخْدَمُ في العادة، فهل يجب إخْدامها فيه وجهان:
أحدهما: نَعَمْ 1؛ للعادة.
وأظهرهما: واقتصر الأكثرون على إيراد [هـ]: المنع؛ لأنها ناقصةٌ بالرِّقِّ وحقُّها أن تَخْدُمَ دون أن تَسْتَخْدِم.
وقوله في الكتاب: "نَفَقَةُ الخَادِمَةِ" المراد منها مؤنة الإخدام، والنفقة في الحقيقة مخصوصةٌ ببعض الأحوال على ما تَبيَّن، واعلم بالواو؛ لقول من أثبت خلافاً في وجُوبِ الإخدام.
وقوله: "ومنعها من الخروج للزيارة" صحيح في نفسه، إلا أنَّه لا يلائم المقصود هاهنا، فإن المقصود أن الدار مِلْكُه، فله مَنْع الغَيْرِ مِنْ شغلها وسكانها، والمنع من الخروج ليس من هذه الجهة.
وقوله: "والرقيقة المنكوحة" هذا هو الصحيح، وقد يوجد في النسخ "والرقيقة المملوكة" وهو غَلَطٌ.
الصِّنْفُ الثاني: من النساء اللواتي يَخْدِمْنَ أنْفُسَهُنَّ في العادة، فإذا كانت الزوجة منهن، نُظِرَ؛ إن احتاجت إلى الخدْمة؛ لِزَمَانَةٍ أو مرض، فعلَى الزوج إقامةُ مَنْ يَخْدِمُهَا ويُمَرِّضُها، وإذا لم تَحْصُل الكفاية بواحدة، فيزاد بحسب الحاجة، ولا فرق هاهنا بين أن تكون المنْكُوحة حُرَّةً أو أمةً، وهذا ما أطلقه الشافعيُّ -رضي الله عنه- وأكثر الأصحاب في المَرَضِ.
ومنهم: من فصَّل أمر المَرَضِ، وقال: إن كان المرض دائماً، وجب الإخدام؛ لأن العذر الدائم لا ينقص عن مراعاة الحشمة، وإن لم يكن دائماً، لم يجب كأسباب
المعالَجَة، وعلى هذا جرى المتلقون عن الإِمام -رحمهم الله- وإن لم يكن بها عذر محوج إلى الخِدْمة، فليس عليه الإخدام، ولو أرادت أن تتخذ خادمةً بما لها، فله منْعُها من دخول داره، قال في "التتمة": وعلى الزوج أن يَكْفِيَهَا حمل الطعام إلَيْهَا، وحمل الماء إلى المنزل، وما أشبه ذلك.
فَرْعٌ: المبتوتة الحامل، هل تَسْتَحق نفقة الخادمة؟ فيه وجهان، بناهما ابن المرزبان على أن النفقة للحمل أو للحامل؟ إن قُلْنَا بالأول، لم تجب، وإن قلنا بالثاني، وجَبَتْ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ الرَّابعُ الكُسْوَةُ وَهِيَ فِي الصَّيْفِ خِمَارٌ وَقَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَمُكعَّبُ، وَفِي الشِّتَاءِ يَزيدُ الجُبَّةَ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنْ لَيَّنِ البَصْرَةِ لِلْمُوسِرِ أَعْنِي الكِرْبَاسَ، وَمِن غَلِيظِهِ للْمُعْسِرِ، وَمَا بَيْنَهُمَا لِلْمُتَوَسِّطِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهَا الحَرِيرُ وَالكتَّانُ لَمْ يَلْزَم عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ فَإِنَّهُ رُعُونَةٌ، وَلاَ بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ مِلْحَفَةٍ وَشِعَارٍ وَمُضَرَّبَةٍ وَثِيرَةٍ وَمِخَدَّةٍ وَلَبَدٍ تَحْتَهُ أَوْ حَصِيْرٍ، وَهَلْ لَهَا طَلَبُ زِلِّيَّةٍ تُفْرَشُ، نَهَاراً؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ آلَةِ الطَّبْخِ وَآلَةِ الشُّرْبِ مِنْ كُوزٍ وَجَرَّةٍ وَقِدْرٍ وَمِغْرَفَةٍ، وَيَكْفِي أنْ يَكُونَ مِنَ الخَزَفِ وَالحَجَرِ وَالخَشَبِ، وَكُسْوَةُ الخَادِمَةِ أَخْشَنُ جِنْساً، وَطَعَامُهَا مِثْلُ طَعَامِ المَخْدُومَةِ، وَفِي جِنْسِ إِدَامِهَا تَرَدُّدٌ، وَتَسْتَحِقُّ الخَادِمَةُ الخُفَّ دُونَ المَخْدُومَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب على الزَّوْج كسوةُ زوجته على ما قال تعالى: ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] وُيرْوَى أنَّه سئل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن حقِّ الزوجة على الزَّوْج، فقال: "أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمتَ وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيتَ" 1 ولأن الكسوة كالقوت في أن البَدَن لا يقوم إلا بهما, ولا تقاس الكسوة هاهنا بالكُسْوة في الكفارة؛ لأن هناك يَكْفِي ما يقع عليه الاسم، وهاهنا لا يكْفي بالإجماع، ويجب على قَدْر كفاية المَرْأة، فيختلف بطُولها وقِصَرها وهُزَالها وسمنها، واختلاف البلاد في الحَرّ والبَرْدِ، ولا يختلف عدد الكُسوةِ، باختلاف يسار الزوج وإعْسَاره، لكنهما يُؤَثِّران في الجودة والرداءة [و] في كلام أبي الفرج وإبراهيم المروزي: أنهُ يُنْظر في الكسوة إلى حال الزوجَيْن جميعاً، فيجب عليه ما يُلْبس مثْلُه مثلَها في العادة، ثم لا بد من بيان عدد الكُسْوة وجنسها.
أما العَدَد، فيجب في الصيف قميصٌ وسراويلُ وخمارٌ، وما تلبسه في الرِّجْل من
مكعَّبٍ أو نعل وفي الشتاء يزاد جُبَّة محْشُوَّة تَدْفَع البرد، وقد يقام الإزار مقام السَّراويل، والفَرْو مقام الجُبَّة، إذا كانت العادة لُبْسَها، ذكره في "التتمة" وعن "المنهاج" للجوينيِّ: أن السراويل لا تَلْزَم في الصيف، وإنما تلزم في الشتاء، لدفع البرد، وفي "الحاوي" أن نساء أهل القُرَى إذا جرت عادتهن بأن لا يلبسن في أرجلهن شيئاً في البيوت لم يَلْزَم لأرجلهن شيء، ويجوز أن يُعْلَم لذلك في الكتاب لفظ "السراويل" و"المكعب" بالواو، وأما الجنس فقد ذكر الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- أن الموسر يُعْطِيَ جميع ذلك من لَيِّن البصْرة، أو الكوفة أو وَسَطَ بغْدَاد 1، والمُعْسِر من غليظها، والمتوسِّط ما بينهما، وأراد المتَّخَذ من القطْن، فإن جَرَتْ عادة البلد بالكَتَّان، [أو الخَزِّ] أو الحَرِيرِ، فوجهان:
أحدهما: ويُحْكَى عن الشيخ أبي محمَّد -رحمه الله-: أنه لا يلزم ذلك [بل له الاقتصار] على القطْن.
وأصحُّهما: اللزوم على عادة البلد.
ويفارق بين الموسر والمعسر في مراتب ذلك الجنس.
قال الأصحاب: وإنما ذكر الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- ما ذَكَر على عادة ذَلِكَ الوَقْت 2.
نَعَمْ، ولو كانتِ العادةُ لُبْسَ الثياب الرقيقة، كالقصب الذي لا يصلح ساتراً، ولا تصح فيه الصلاة، فلا يعطيها منه، ولكن من الصفيق الذي يَقْرُب منه في الجودة، كالدبيقي والكتَّان المرتفع.
فرع: قال أبو الفرج السرخسي: إذا لم تستغْنِ بالثياب في البلاد الباردة عن الوقود، فيجب من الحَطَب أو الفَحْم بقدر الحاجة.
هذا هو الكلام في ملبوس البَدَن.
وأما ما يُفرَشَ، فعلى الزوج أن يُعْطِيها ما تفرشه على الأرض للقُعُود عليه، ويختلف ذلك باختلاف حالِ الزَّوْج.
قال في "التَّتمة": فعلى الغنيِّ الطنفسة في الشتاء ونِطْع في الصيف، [وعلى المتوسِّط زِلِّيَّةٌ، وعلى الفقير وحصير في الصيف، ولبد في الشتاء، ويُشْبه أن تكون الطنفسة والنِّطْع بعد بسط زِلِّيَّة أو حصير، فإن الطنفسة والنطع لا يُبْسَطَان وحْدهما 3، وهل عليه فراش لتنامَ علَيْهِ؟ فيه وجهان.
أحدهما: لا، وتنام على ما يَفْرشه نهاراً.
وأصحُّهما: نعم، على العادة 1 الغالبة، وعلى هذا، فيلزمه مُضَرَّبَة وَثيرَةٌ أو قطيفةٌ، ولم يذكروا خلافاً في أنه تجب مِخَدَّة ولِحَافٌ؛ لدفع البرد في الشتاء وفي البلاد الباردة أو كساءٌ هكذا قيد الأئمة -رحمهم الله- بالشتاء، وإن أطلق ذكْر الملحفة في الكتاب، ويكون كل ذلك لامرأة الموسر من المرتفع، ولامْرأة المعسر من النازل، ولامرأة المتوسِّط مما بينهما، وحكى صاحب الكتاب عن العراقِيِّين وجهَيْن في أنه هل يَجِبُ لها زِلِّيَّةٌ تفرش نهار أو ربما أفهم إيرادُه كَوْن الزِّلِّيَّة غير اللبد أو الحصير تحْت المُضَرَّبة، والمفهوم من كلام الجُمْهور أن المَفْرُوش على الأرض من الزِّلِّيَّة، إِما اللبد أو الحصير واحدٌ ليلاً ونهاراً، والذي يوجَدُ الخلافُ فيه من كتب العراقيِّين الفراشُ دون الزِّلِّيَّة، ويجوز أن يُعْلَم؛ لِمَا حكيناه لفْظ "المضربة" بالواو، أما "الشعار" الذي ذكره في هذه الجملة فالأكثرون سكتوا عنه، ويمكن أن يُخصِّص الشِّعَار بالصيف، كما يخصَّص اللحاف بالشتاء، ويمكن أن يقال: في الشتاء يجب الشِّعَار معِ اللِّحَاف، كما يجب القَمِيص مع الجُبَّة، والحُكم في جميع ذلك مبنيٌّ على العادة نوعاً وكيفيَّةً، حتى قال القاضي الرويانيُّ في "البحر": لو كانوا لا يعتادون في الصَّيْف لنومهم غطاءً غير لباسهم، لم يلزمه شيْءٌ آخر، ثم في الفَصْل مسألتان:
إحداهما: عَلَى الزوْج للزوْجَة: آلات الطبخ والأكل والشرب كالكوز والجرة والقدر والمغرفة والقَصْعَةَ ونحوها، ويكفي أن يكون من الخشب أو الحَجَر أو الخَزْف،] 2 وذكر الإِمام وغيره: أنَّه يُحْتَمَل ألا يُزَاد في الجنْس على ذلك، ويقال: إن الزيادات من رُعونَات الأنفس، ويحتمل أن يجب للشريفة الظروف النحاسية للعادةِ، واعلم أنه لا اختصاص لِهَذا النَّوع بفصل الكُسْوة، والأَوْلَى أن يجعل كحالة للطعام والإدام، أو يجعل جنساً برأسه.
= والزلية بكسر الزاي وتشديد اللام جمعها الزلالي.
قاله في التحرير تبعاً للجوهري وفي شرح الجمل لعبد الدايم القيرواني الصواب زِلّ وهو وجه مطرح غير مبطن وأصله بالفارسية زيلوهُ فعرب فقيل زل وهو مستعمل في العراق في دخول الحمام وفي الأسفار.
انتهى.
واللبد بكسر اللام وإسكان الباء، والنطع بكسر النون وفتح الطاء بوزن عنبَ في أفصح لغاته السبع.
والنطع بفتح الطاء وكسرها لغتان بساط من الأديم والجمع أنطاع ونطوع.
الثانية: يجب للخادمة الكُسْوةُ كالنفقة، فلا بُدَّ من القميص، وفي السراويل وجْهَانِ:
أصحُّهما: عند صاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيِّ: الوجوب.
والثاني: لا يجب؛ لأن المقصود من السراويل الزينةُ وكمال الستر، والخادمةُ لا تحتاج إلى الزينة، ولا إلى كمال السِّتْر، إذا كانت أمةً، فإنَّ ساقها ليست من العَوْرَة، وكلام أكثرهم إلى هذا أَمْيَلُ، وأطلَقَ مُطْلِقُون وجوبَ المقنعة وفي "التتمة": أنها تجب في الشتاء لدفع البَرْدِ، وفي الصيف: تجب إنْ كانت حرَّةً وإن كانَتْ أَمَةً فلا تجب، إِذا كانت عادة الإماء في البلد كَشْفَ 1 الرأس، وتجب في الشتاء جُبَّة أو فروة وَيجِب الخف للخادمة 2، ولا يجب للمخدومةِ؛ لأن الخادمة تحْتَاجُ إلى الخروج، والنُّقُلة في الحوائج، ويجب لها ما تَلْتَحِف به عند الخروج أيضاً، وأمَّا ما يُفْرَش وُينَام فيه، فقد قال المتولِّي: لا بد مِنْ شَيْء تَجلْسِ علَيْه كبارية في الصيف، وقطعة لبد في الشتاء، ولا بد من مِخَدَّة وشَيْءٍ تَتَغَطَّى به في الليل من كساءٍ ونحوه، قال في "البحر": ولا يجب لها الفراشُ، بلِ يَكْتَفِي بالوسادة والكساء 3، ما يجب يجب مما يليق بالخادمة جنْساً ونوعاً، ويكون أخْشَنَ من كُسْوة المخدومة، وإن كان الطعام لا يختلفون وفي الإدام خلاف ذكرناه منْ قَبْل، وأورده صاحب الكتاب هاهنا، وقوله في الكتاب: "وكلُّ ذَلِكَ مِنْ لَيِّنِ البَصْرة يعني الكرباس مذكور على التمثيل، يعني من لَيِّنْ البصرة أو الكوفة، أو ما في معناهما، والبَلَدَانِ مذكوران في لفْظِ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- واسم "الكِرْبَاسِ" قد يختص بالنوع الغليظ الذي يختص بالخَادِمَة، ويستعمل مقابلة اللَّيِّن، وكذلك وقع في لفظ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه-.
وقوله قبل ذلك "خمار وقميص وسراويل" أراد بالخمار المقنعة، وقد يختص اسم "الخمار" بما يجعل فوق المقنعة؛ ولذلك ذكر بعضُهُمْ أنَّه يجب في الشتاء الخمارُ مع المقنعة، إذا وقعتِ الحاجة إلَيْه، وقياس مسائلِ البابِ أن تَجِبَ الزيادةُ على الجُبَّة الواحدةِ، حيث يشتد البرْدُ، ولا تكفي الواحدة 4.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ الخَامِسُ آلَةُ التَّنْظِيفِ وَهُوَ المُشْطُ وَالدُّهْنُ، وَلاَ يَجِبُ
الكُحْلُ وَالطِّيبُ، وَيَجِبُ المرتك لِلضُّنَان، وَلِلْزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ تَعَاطِي الثَّومِ وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ مُؤْذِيَةٌ وَمِنْ تَنَاوُلِ السُّمِّ، وَهَلْ لَهُ المَنْعُ مِنَ الأَطْعِمَةِ المُمَرِّضَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ تَسْتَحِقُّ الدَّوَاءَ لِلمَرَضِ، وَلاَ أُجْرَةَ الحِجَامَةِ، وَلاَ أُجْرَةَ الحَمَّامِ إِلاَّ إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ، وَالخَادِمَةُ لاَ تَسْتَحِقُّ آلَةَ التَّنْظِيفِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وعلى الزوْج أن يعطي الزوجة ما تتنظف به وتزيل الأوْسَاخ الَّتي تؤذيها أو تُؤْذي بها؛ كالمُشْط والدُّهْن 1 وما تغسل به الرأْسَ من السِّدْر أو الخطمي أو الطِّين، على عادة البقعة، والرجوع في قَدْرها إلى العادة، ويجب من الدُّهْن ما يعتاد استعماله غالباً، كالزيت والشيرج وغيرهما، وإن كانوا يعتادون التطيب بالورد أو البنفسج، وجب المطيب وأبدى الإِمام وغيره احتمالاً في الدُّهْن، إذا قال الزوج: هو للتحمُّل والتزين، وأنا لا أريده، والمشهور الأوَّل، وما يُقْصَد للتلذُّذ والاستمتاع، كالكحل والخِضاب 2 فلا يجب على الزوج بل ذلك إلى اختياره، فإنْ شاء هَيَّأه لها وإذا هيا لها أسباب الخضاب، لزمها الاخْتضَاب، ومِنْ هذا القبيل الطِّيبُ، ولا يجب إلا ما يقصد به قطع السهولة، ويجب المرتك، وما في معناه لدَفْع الصُّنَان، إذا لم ينقطع بالماء والدّراب، وحكى فيه بعْضُ أصحاب الإِمام وجهاً آخر.
وأما قوله: "وللزوج منْعُها من تعاطِي الثُّومِ [وأكل] ما له رائحةٌ مؤذيةٌ" فهذا فيه قولان، ذكرناهما في أوَّل الجنْس الرابع مِنْ موانع النِّكاح، والأصحُّ ما ذكره في الكتاب وليُعْلَم للقول الآخر، وأما قوله: "ومن تناول السُّمِّ" فإذا لا خلاف فيه؛ فإنه إهلاك للنفس، وهو مُحرَّم، ولكلِّ واحدٍ أن يَمْنَعَ منه، وهل له المَنْعُ من تناول الأطعمة التي يخاف منْها حدُوث المَرَض؟ فيه وجهان؛ لأنَّه لا يتحقَّق، والأصحُّ على ما ذكره القاضي الرويانيُّ وغيره أن له المَنْعَ.
ولا تستحق الزوجة الدواء للمرض، ولا أجرة الطبيب والفِصَاد والحجام والختان، بخلاف المُشْط والدُّهْن، ووُجِّه ذلك بأن الزوج بمثابة المُكْتَري والمرأة بمثابة المُكْرِي،
والدواء وما في معناه لحفظ البدن، ومؤناتُ حفْظِ الأصْلِ على المُكْرِي كعمارة الدار، والمُشْطُ والدُّهْنُ للتنظيف، ومؤنة التنظيف على المُكْتَري كغسل الدار وكنسها.
نعم، يلزمه الطعام والأُدمْ في أيام المرض، ولها صرف ما تأخذ إلى الدواء ونحوه، إن شاءت.
وأمَّا أجْرةُ الحَمَّام، فقد أشار بعْض أصحاب الإِمام إلى خِلاَفٍ في وجوبها، والذي أورده في الكتاب أنَّه لا يجب إلا إذا اشتد البَرْدُ وعَسُر الغسل إلا في الحَمَّام، والظاهر، وهو الذي أورده صاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ وغيرهما: أن أجرة الحمَّام تَجِبُ إلا إذا كانت المرأة مِمَّن لا يعتادون دخُولَ الحمَّام؛ كأهل بعض الرساتيق، وإذا وجَبَت، فعند [صاحب] "الحاوي" -رحمه الله- أنها تَجِبُ في كلِّ شهر مَرَّةً، ولا يجب على الزوج 1 ثمن ماء الاغتسال، إذا احتيج إلى الشراء إن كانت تغتسل مِنَ الاحْتِلام، وكذا لو كانَتْ تغتسل من الحَيْض في أصح الوجهين، ويجب إن كانت تغتسل من الجماع أو من النفاس في أصحِّهما؛ لأنَّ الحاجة إليه جاءت مِنْ قَبلِهِ، ويُنْظَر على هذا القياس في ماء الوضوء إلى أن السَّبَب مِنْ جهته؛ كاللمس أو ليس من جهته.
ولا يجب عليه أن يُضَحِّيَ عن زوجته، نذَرَتِ التضحية أو لم تنذر، ولا يجب للخادمة آلات التنظيف لأنها لا تَتنظَّف له، بخلاف المخْدُومة، بل اللائق بحالِ الخادمة أن تكون شعثة؛ لئلا تمتد إليها الأعْيُنُ، لكن لو أكثر الوسخ، وتأذَّت مِنَ الهَوامِّ، فعليه أن يعطيها ما تترفَّه به، استدركه القفَّال، واستحسنُوه، وأطْلَق صاحب العِدَّة وجهَيْن؛ في أنه هل يعطي الخادمة المُشْط والدُّهْنَ ولهذا يجوز إعلام قوله في الكتاب: "والخادمة لا تستحق آله التنظيف" بالواو.
وفي وجوب تجهيز الزَّوْجة، إذا ماتَتْ وجهان مذكورانِ في الجنائز، ويَجْرِيَان في تجهيز الخادمة ورأى في "التتمة" وترتيبهما على الوجهَيْنِ في المخدومة؛ لأن عُلْقَةَ النكاح تَبْقَى بعْدَ الموت في التوارُث والغسل، فكذلك [في] التجهيز.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الوَاجِبُ السَّادِسُ: السُّكْنَى وَعَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَهَا دَاراً تَلِيقُ بِهَا إِمَّا بِعَارِيَّةٍ أَوْ بِإِجَارَةٍ أَوْ مِلْكٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومما يجب على الزوج تهيئة المَسْكَن للزوجة؛ فإنه لا بد منْه، وقد سَبَق أن المُعتدَّة تستحقه؛ فالمنكوحة أَوْلَى، ويجب أن يُسْكِنَها الموْضِع الذي يليق بحالها في العادة، فالتي لا يليق بحالها [في العادة] الخَانُ، لا بد من إسكانها في دارٍ أو حُجْرةٍ، ويُنْظَر أيضاً إلى سَعَتها وضِيقِها، وذكر في الفرق بينه وبين القوت حيْثُ نَظَرْنا
فيه إلى جانب الزوج أن الواجب في القوت التمليكُ، فراعنا فيه جانبه، وفي المسكن المعتبر الإمتاع دون التمليك، وطُرِدَ هذا الافتراقُ فيما يجب فيه التمليك وما لا يجب.
وفي "التتمة" أنا إذا اعتبرنا المَسْكَن الذي يليق بها فيفاوت بين الغني والفقير كما في النفقة وهذا يتضمن النَّظَر إلى الجانبين معاً، ولا يُشْترط أن يكون المَسْكَن مِلْكاً له، بل يجوز إسكانها في المنزل المستعار والمستأجر بالاتفاق.
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي فِي كَيْفِيةِ الإِنْفَاقِ
أمَّا الطَّعَامُ فَيَجِبُ فِيهِ تَمْلِيكُ الحَبِّ وَمُؤنَةُ الطَّحْنِ وَالخَبْزِ وَإِصْلاحُ اللَّحْمِ، وَلَيْسَ لَهُ أنْ يُكَلِّفَهَا الأَكْلَ مَعَهُ، فَإِنْ كَانَتْ تَأْكُلُ سَقَطَ نَفَقَتُهَا عَلَى أَحْسَنِ الوَجْهَيْنِ، وَيَجُوزُ أن تَعْتَاضَ الدَّرَاهِمَ عَنِ النَّفَقَةِ قَبْلَ القَبْضِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإِنْ أَخَذَتِ الخُبْزَ فَهُوَ أَوْلَى بِالمَنْعِ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّبا، وَلَهَا طَلَبُ النَّفَقَةِ صَبِيحَةَ كُلِّ يَوْمٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا الصَّبْرُ إلى اللَّيْلِ، وَلَوْ مَاتَتْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لا يُسْتَرَدُّ، وَلَوْ نَشَزَتْ يُسْتَرَدُّ، وَلَوْ سَلَّمَ إِلَيْهَا نَفَقَةَ أَيَّامٍ مَلَّكَتَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ ثُمَّ يُسْتَرَدُّ بِالنُّشُوزِ، وَهَلْ يُسْتَرَدُّ بِالمَوْتِ فِيهِ وَجْهَانِ، أمَّا الكسوَةُ فَيَكْفِي فِيهَا الإِمْتَاعُ دُونَ التَّمْلِيكِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ كَالمَسْكَنِ والأَثَاثِ، وَلَوْ سَلَّمَ إِلَيهَا كُسْوَةَ الصَّيْفِ فَتَلِفَتْ في يَدِهَا أَوْ أتْلِفَتْ فَعَلَيهِ الإِبْدَالُ إنْ قلْنَا إنَّهُ إِمْتَاعٌ وَلَكِنْ عَلَيْهَا قِيمَةُ المُتْلَفِ، وَإِنْ مَاتَتْ فِي أَثْنَاءِ الصَّيْفِ يُسْتَرَدُّ إِنْ قُلْنَا: إنَّهُ إِمْتَاعٌ، وَإِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ فوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غرْض الفصْل بيان كيفية الإنْفَاق وَتَوْفِيَةُ الواجبات المذكورة، وهي صِنْفان:
أحدهما: ما ينتفع به باستهلاكه؛ كالطعام، وفيه مسائل:
إحداها: يجب التمليك في الطعام، كما في الكفَّارة، وكذا حُكْم الادام، وما يُسْتَهْلك من آلة التنظيف، كالدهن والطِّيب 1، وإذا أخذت المرأة نفقتها فلها إبدال المأخوذِ، والتصرف فيه بالبيع والهبة وغيرهما، لكن لو قترت على نفسها بما يَضُرُّ بها فله المنع، ونفقةُ الخادمة يجِب فيها التمليك أيضاً، وذكر صاحب الكتاب أن في تصوُّره عُسْراً؛ لأن الرقيقة لا تَمْلِك، والحرَّة المستأجرة بأُجْرة لا تستحق إلا الأجرة، وإنما يُتصوَّر ذلك في حرة وعُدَتْ بأن تَخْدُمِ بالنفقة، فتطالب كل يوم بالنفقة كالمرأة، وتستحق التمليك، وإن لم يكن ذلك عقْداً لازماً، وكان لها أن ترد النفقة إذا بَدَا لَهَا،
وهذا مأخوذ من الإِمام في غالب الظَّنِّ، ولك أن تقول: قد تَقدَّم أن موضع نفقةِ الخَادِمة ما إذا أخْدَمَها بخادمتها المملوكة أو الحُرَّة، غير المستأجرة فإن كانَتْ مملوكةً لها فيملكها نفقتها، كما يملكها نفقة نفْسها، وإن كانت حُرَّةً، فيجوز أنْ يقال: يُمَلِّكُها نفقتها، كما يَمْلِك الزوجةُ نفقَتَها، وتستحق المرأةُ المطالبة بذلك، لتَوفُّر حقُّ الخدمة، ويجوز أن يقال: يملك الزوجة؛ لتَدْفَعَهَا إلى الخادِمَة؛ وعلَى هذا، فلها أن تتصرَّف في المأخوذِ، وتكفي مؤنة الخادمة من مالها.
ولو أخَذَتِ الزوجةُ النفقةَ فَتَلِفَتْ في يدها أو سُرِقَتْ، لم تَلْزَمِ الزَّوْجَ مرةً أخرَى.
الثانية: الذي يجب تمليكه من الطَّعَام الحَبُّ، كما في الكفَّارات لا الخُبْز والدَّقِيق، فإنهما لا يَصْلُحان لكل ما يَصْلُح له الحَبُّ فلو طلبت غير الحَبِّ، لم تَلْزَمْه الإجابة، ولو بذل غيره من خُبْزٍ ودقيقٍ ودرهم وثوب، عوضاً، لم يلْزَمْها القَبُول، وهل عليه مع [الحَبِّ مؤنةُ] 1 الطَّحْنِ والخَبْزِ؟ فبحصول ما قيل فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو الذي أورده القاضي ابن كج: أنها لا تلزم كما في الكفارات.
والثاني: عن الحاوي: أن المرأة إن كانَتْ من أهل السواد الَّذين عادتهم الطَّحْن والخَبْز بأنفسهم، لم تجب المؤنة على الزَّوْج، وإن كانَتْ من غيرهم، وجَبَتْ.
وأظهرها، وهو الذي أورده في الكتاب: أنها تجب؛ لأنها في حبسه، فعليه أن يكفي مؤنتها بخلاف ما في الكفارات؛ وعلى هذا، فيلْزَم مؤْنة طَبْخ اللَّحْم، وما يُطْبَخُ به، ولو باعت الحَبَّ المأخوذ أو أكلته حَبّاً، ففي استحقاق مؤنة الإصلاح احتمالان للإمام:
أحدهما: الاستحقاق؛ لأَنَّهُ بعض ما وَجَبَ عليه.
وثانيهما: المنْع؛ لِأَنها تجب تبعاً للحَبِّ؛ فلا تُفْرَد بالإيجاب وقد يؤيَّد ذلك بأنهم ذكَرُوا أن الزوج يُخيرُ بين أن يبذل المؤنة مع الحَبِّ، وبين أن يكفيها مؤنةُ الطَّحْنِ والخَبْزِ بنفسه، أو بأن يقيم لذلك مَنْ يتولاه، ولو مكناها من التصرُّف في المأخوذ وطلب المؤنة، بطلت خيرته.
وليس له أن يُكلِّفها الأكْل معَه لا مع التمليك ولا دونه؛ لأنها حينئذٍ لا تَتَمكَّن مِنَ التصرُّف فيه كما تريد، ولو كانت تأكُلُ معَهُ عَلَى العادة، ففي سقوط نفقتها وجهان:
أقيسهما: وهو الذي ذكره الرُّويانيّ في "البحر": أنها لا تسقط، وإن جَرَيَا على ذلك سِنِينَ؛ لأنه لم يُؤَدِّ الواجب، وتَطوَّع بما ليس بواجب.
والثاني: تسقط؛ فإنه اللائق بالباب، وسماه أحسن الوجهَيْن؛ لجريان الناس عليه
في الأعمال، واكتفاء الزوجات به، وقال في "الوسيط": لو طلبت المرأة النفَقَةَ للزمان الماضي، والصورة هذه، لا تُستنكر، و [بنى] بعضهم هذا الخلاف على الخلاف في المعاطاة، هل تَجْعَل بيعاً؟ وقال: إِن جعلْناه بيعاً برئت ذمته عن النفقة، إلا لم تبرأ، وعليها غرامةُ ما أَكَلَتْ، وليكُنْ هذا مُفَرَّعاً على جواز اعتياض الخُبْز عن النفقة؛ ليجعل ما جرى قائماً مقام الاشتراط، وفي جواز الاعتياض خلافٌ سيأتي -إن شاء الله تعالى- ثم الوجهان فيما إذا كانت المرأة بالغةً أو صغيرةً، وكانت تأْكُلُ معَهُ بإذْنِ القَيِّم، فأما إذا لم يأْذَنِ القيِّم، فالزَّوْج متطوِّع، ولا تسقط [نفقتها] 1 بلا خلاف 2.
ولو اعتاضت عن النفقة دراهم أو دنانير أو ثياباً ففي جوازه وجهان:
وجه المنع: أنه طعام يَثْبُت في الذمة عوضاً، فلم يَجُزْ الاعتياض عنْه قبل القَبْض، كالمُسلَّم فيه، وأيضاً، فهو بَيْع طعام في الذمة فأشبه بيْع طعام الكفَّارة.
ووجه الجواز وهو اختيار أبي إسحاق، والأصحُّ 3 أنَّه طعام مستقِرُّ في الذمة لمعيَّن، فأشبه المعاوضة مع الطعام المغصوب المُتْلَف، وُيخرَّج عليه المُسلَّم، فيه، فإنه غير مستقر، وطعام الكفارةُ فإنه لا يستقر لمعيَّن، ولو اعتاضت عنْه الخُبْزَ أو الدقيقَ أو السَّوِيق، فوجهانِ أيضاً: ووُجِّهَ الجَوَاز بأنَّها تستحق الحَبَّ والإصلاح، فإذا أخذَتِ الطعام المصلح، فقد أخذت حقِّها لا عوضه، وأيضاً قد يَشُقُّ عليها تكلف الإصلاح والمعالجة، وعليه بَذَلُ المؤنة.
والمنع بما سبق، وأيضاً، فإن بَيْع الحِنْطة بالخبز والدقيق رِباً، ورتب في الكتاب لهذا المعنى الخلاف في اعتياض الخُبْز على الخلاف في اعتياض الدَّرَاهم، وجعَلَهُ أوْلَى بالمنع، وإلى ترجيح المنع ذهب أصحابنا العراقيُّون، وتابعهم القاضي الرُّويانيُّ وغيره، وأجاب صاحب "التهذيب" بالجواز، ولم يذكر فيه خلافاً مع حكايته الخلاف في اعتياض الدراهم والدنانير، والأوَّل أقوم.
ولا يجوز الاعتياضُ عن النفقة للزمان المستقبل، ولا أن تبيع النفقة [الحالة] من غير الزوج [قبل قبضها] بحال.
الثالثة: النفقة تستحق يوماً فيوماً، ولها المطالبة بها صَبِيحة كل يوم، إذا طلع الفجر، هكذا ذكره الأصحاب، وفي "المهذب": إذا طلعت الشمْسُ 1، ولا يلزمها الصبر إلى الليل؛ لأنها تحتاج إلى الطَّحْن والخَبْز، فلو لم تُسلَّم إلَيْها في أوَّل النَّهار، لم تنله عند الحاجة.
ولو ماتَتْ في أثناء النَّهار، أو طلَّقها, لم يكن له الاسترداد، ويكون المدفوع من تركتها لوجُوبه بأول النهار، ولو ماتت أو طَلَّقها في أثناء النهار، ولم يَدْفع إليها نفقة اليوم، كانت دَيْناً عليه، هذا هو ظاهر المذهب المشهور وفي كتاب القاضي ابن كج حكايته وجه: أن له الاسْتِرْدَادَ وإن نشزت في أثناء النهار، فله الاسترداد 2، وكأن ذلك لِمَنْعِها من النشوز، ولو سَلَّم إليها نفقة شَهْرٍ أو أيامٍ، فهل تَمْلِك الزيادة على نفقة اليوم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن سبب الاستحقاق غَيْرُ متَيَقَّن، فقد يموت أو تموت.
وأشبههما: وهو ظاهر ما قاله ابن الحدَّاد: أنها تملكها كالأجرة والزكوات المُعَجَّلة؛ وعلى هذا، فلو نشزت، ليسترد نفقة المدة الباقية، ولو ماتت [أو] طلقها، فوجهان؛ تفريعاً على ظاهر المذهب [في] نفقة اليوم الواحد:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يسترد؛ لأنها صلةٌ اتصل بها القبض.
وأصحُّهما: الاسترداد، وبه قال أحمد -رحمه الله- لأنه دفع عما يلْزَمه، ويستقرُّ عليه في المستقبل، فإذا تبيَّن خلافه، استرد كالزكاة المعجَّلة، وإذا قلْنا: لا تملك ما زاد على نفقة يوم واحد، فكلما دخل يوم، مَلَكَتْ مقدار نفقته ونفقة الخادمة في وقْتِ
وجوبِ التسليم، وفي استرداد المُسلَّم إليها كنفقة المخدومة بلا فرق.
القسم الثاني: من الواجبات: ما ينتفع به مع بقاء عَيْنِهِ، كالكُسْوة، وفي وجوب تمليكها وجهان:
أحدهما: لا يجب، وبه قال ابن الحدَّاد؛ لأن عين الكسوة لا تُمْلَك في الانتفاع، فيُعْطَى امتاعاً لا تمليكاً كالمَسْكَن والخَادم.
ويقال: إنَّ هذا قضيَّة نصه في "الإملاء"، وهو اختيار القَفَّال.
وأصحُّهما: على ما ذكر صاحب "المهذب" والتهذيب والقاضي الرويانيُّ، ويُنْسَب إلى النص: أنَّه يجب لها كما في النفقة، والإدام، وكما في كُسْوة الكفَّارة، وليست الكُسْوة كالمَسْكَن، فإن الكُسْوة تُدْفَع إليها، والمسكن لا يدفع إليها وإنما يسكنها الزوج معَه، ويجري الخلاف في كُسْوة الخادمة وطرده صاحب "التهذيب" في كل ما يُنْتَفَعُ به مع بَقَاء عينه؛ كالفُرُشِ وظروف الطعام والشراب والمُشط من آلات التنظيف، وألحق صاحب الكتاب في "البسيط" الفُرُشَ والظروف بالمسكن، وأخرجهما عن حيز الخلاف، وهو قضية قوله هاهنا "كالمسكن والأثاث"، ويتفرَّع على الخلاف المذكور صُوَرٌ تَقدَّم عليها: أن الكسوة تُدْفَع إليها في كل ستة أشهر 1، ثم تُجدَّد كُسْوة الصيف للصيف، وكُسوة الشتاء للشتاء، وأمَّا ما يبقى سنة وأكثر؛ كالفرش والبُسُط والمشي، فإنما تُجدَّد في وقْت تجديدةً، وكذلك جُيَّة الخَزِّ والإِبْرِيسمَ، لا يجدد في كل شتوة، وعليه تطريتها على العادة.
وأمَّا الصور، فمنها:
لو سلم إليها كُسْوة الصيف، فتَلِفَتْ في يدها قَبْل مُضِيِّ الصيفِ مِنْ غير تقْصِير، فعليها الإبدال، إنَّ قلنا: الواجب في الكُسْوة الإمتاع، وإن أوجبنا التمليك، لم يَلْزَمْه 2
البدل؛ لأنه قد وَفَّى ما عليه، فأشبه ما إذا مَلَّكها النفقة فتلفت في يَدِها، وذُكِر وجْه ضعيفٌ: أنه يلزمه البدل؛ لأن المقصود الكفاية.
فلو أتْلَفَتْ هي بنَفْسِها, لم يلزم الإبدال، إن قلْنا بالتمليك وإن قلنا بالامتاع، فعليها قيمة ما أتلفت، وعليه الإبدال، وأورد في "البسيط" احتمالاً فيه أَخْذاً من وجوب التجديد، إذا طَلَّق الأب بعْد الإعفاف، قال: ولكن هذا إنما يتَّجه في أنها، هل تُطَالِب قَبْل أن تَضْمَنَ القيمة؟ ولا يتَّجه في الأصْل، فإنها إذا ضَمِنَتْ ما أتْلَفَت، فكأنها لم تُتْلِف بخلاف الأب، ولو تَخرَّقَت الكُسْوة قبل مجِيْء وقْت التخرق؛ لكثرة تردُّدها فيها، وتحامُلِها عليها، فهو كما لو أتلَفَتْها.
ومنها: لو سلَّم إليها كُسوة الصَّيْف، فماتَتْ في أثنائه أو مات الزوج، أو طَلَّقها، [فيسترد]، إنْ قلنا: إِنَّ الواجب الإمتاع، وإن قلنا: الواجب التمليك، فلا يسترد، والصيف بالنسبة إلى كُسْوة الصيف، كاليوم بالنسبة إلى النفقة، هذا هو الظاهر.
وفيه وجْه: أنها تُسترد؛ لأنه أعطاها للمدة المستقبلة، فأشبه ما إذا أعطاها نفقَةَ أيَّامٍ، ويمكن تنزيل وجْه الاسترداد على الوجه القريب الذي ذكره القاضي ابن كج في نفقةَ اليوم الواحد مَعَ تسليم أن كُسْوة الصيف كنفقة اليوم.
ومنها: إذا لم يَكْسُها مدَّةً، صارت الكُسْوة دَيْناً عليه، إنَّ أوجبنا التمليك، وإن قلنا: إن الواجب الإمتاع، لم تَصِرْ دَيْناً.
ومنها: لا يجوز الاعتياض عن الكسوة على وجْه الإمتاع، كما لا يجوز للقريب أن يعتاض عن النفقة، وعلى وجه التمليك في جواز الاعتياض الخلافُ المذكور في الاعتياض النفقة، قاله في "التتمة".
ومنْها: لو أعطاها كُسْوة الصَّيْف، فمضى الصيف، وهي باقيةٌ لرفقها بها، فعليه كُسْوة الشتاء، إن قلنا بوجوب التمليك.
= يجب الكسوة كلها لنفقة اليوم أم ينضبط فيه احتمال، والقياس إيجاب الكل ولا يهول بأن يحصل ذلك بعد مضي لحظة من الفصل لأن ذلك جعل وقتاً للإنجاب لا فرق بين أن يمضي بعده كثير من الزمان أو قليل أو لم يمض شيء والقول بالتقسيط وإن كان يظهر في مبادئ الرأي إلا أنه يلزم عليه الفرق بينه وبين النفقة، والفرق بينه وبين ما إذا دفع، ثم حصل فراق وأيضاً فالتقسيط في النفقة لم يعهد إلا على وجه في الأمة والحرة لو سلمت نفسها ليلاً ونهارًا وأمَّا تقسيط الكسوة فليس بمنقول فيرجع بمقتضى ذلك إيجاب الكل والله أعلم.
وعليه لو نشزت في أثناء الفصل استرد وعلى التقسيط يسقط من النشوز لا قبله واطلاق الحاوي إليه يقتضي سقوط الكل في النفقة والكسوة فيدل لإيجاب الكل في مسألة الموت والطلاق.
وعلى الوجه الآخر: لا يلزمه إلا ما يزاد للشتاء، حتى يَبْلَى ما عندها.
ومنها: أن له أن يأخذ المدفوع إليها ويعطيها غيره على وجْه الإمتاع، ولا يجوز على وجْه التمليك إلا برضاها ما لو ألبسها ثياباً مستعارةً أو مستأجرة، لم يجُزْ على وجْه التمليك، ولَها أن لا تَرْضَى بها، ويجوز على وجْة الإمتاع، فلو تَلِفَ المستعارُ، فالضمان على الزوج.
ومنها: لا يَصِحُّ منْها بيْعُ المأخوذ على وجْه الإمتاع، ويصحُّ على وجْه التمليك كما في القوت والأَدْم؛ وعلى هذا، فعن أبي إسحاق: أن لها أن تلبس ما دون المأخوذ، كما في النفقَة، والظَّاهِر المنع؛ لما للزوج من غرض التزيُّن (1) والتجَمُّل، والله أعلم.
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ:
البَابُ الثَّانِي فِي مُسْقِطَاتِ النَّفَقَةِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَتَجِبُ النَّفَقَةُ بِالعَقْدِ بِشَرْطِ عَدَمِ النُّشُوزِ، وَعَلَى قَوْلٍ تَجِبُ بِالتَّمْكِين، فَعَلَى هَذَا لَوْ تَنَازَعَا فِي النُّشُوزِ فَعَلَيْهَا بَيِّنَةُ التَّمْكِينِ، وَعَلَى القَوْلِ الأَوَّلِ عَلَيْهِ بَيِّنَةُ النُّشُوزِ، وَتَسْتَحِقُّ الَّتِي لَمْ تُزَفَّ عَلَى القَوْلِ الأَوَّلِ إِذَا كَانَتْ سَاكِنَةً إِذْ لاَ نُشُوزَ، وَلاَ تَسْتَحِقُّ عَلَى الثَّاني إِذْ لاَ تَمْكِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقدِّمة الباب أنَّ النفقة تَجِبُ بالعَقْدِ أو بالتمكين.
اعلم أن الشيْءَ قد يَثْبُت في الذِّمَّة ويتأخَّر وجوب تسليمه كالدَّيْن المؤجَّل، ولا خلاف في أن وقْت وجوبِ التَّسْليم في النفقة صبيحةُ كلِّ يوم، وفي الكُسْوة أول كُلُّ صيف وشتاء على ما مَرَّ، وذلك بعد حصول التمكين.
وأما وقْت ثبوتها في الذِّمَّة فلا شك أن للنفقة تعلُّقاً بالعقد والتمكين جميعاً، فإنها لا تجب قبل العقد، ولو نشزت بعد العقد، لم تُطَالِبْ بالنفقة، واختلف القول في أنها بم تَجِبُ؟ فالقديم أنها تجب بالعَقْد، كالمَهْر، ولا تجبُ بالتمكين؛ بدليل وجوبها للمريضة والرتقاء، لكن لو نَشَزَتْ، سقَطَتِ النفقة، فالعقد مُثْبِت، والنشوزُ مُسْقِطٌ، فإذا حصل التمكين، استقر الواجب يوماً فيوماً، كالأجرة المعجَّلة، إلا أن الأجرة يَجِبُ1
تسليمها بالعَقْد جملةً؛ للعلم بها، وجملةُ النفقة غَيْرُ معلومةٍ؛ لأن نهاية النكاح غيْر معلومة.
والجديد: أنَّها لا تجب بالعقد؛ لأن المهر يجب به، والعقد لا يوجب عوضَيْن مختلفين، ولأن النفقة مجهولة الجملة، والعَقْد لا يوجب مالاً مجهولاً وإذا لم تجب بالعقد فتجب بالتمكين يوماً فيوماً 1.
وما حال القَوْلَيْن؟ قال أبو الفرج السرخسيُّ: هما مذكوران في "الإملاء".
وقال قائلون: هما مستخْرَجَان من معانِي كلام الشافعيِّ -رضي الله عنه- غير منصوص عليه، ويدل عليه شيئان:
أحدهما: أن أبا نصر بْنَ الصَّبَّاغ في آخرين: ذكروا أن القديم مأخوذٌ من تجويزه في القديم ضمانَ نفقة المدة المستقبلة، فإن الشافعيَّ -رضي الله عنه- لا يُجَوِّز ضمان ما لِمِ يجب، لكن قد مر في "كتاب الضَّمان" نَقْلُ قول عن القديم: أنه يجوز ضمان ما لم يَجِبْ.
والثاني: عن صاحب "الحاوي"، ونقل اختلاف الأصحاب في تجويزه عن سبب النفقة، فالبغداديون علَّقوها بالتمكين، وجعلوا سبْق العقد شرطاً، فقالوا: تجب بالتمكين المستند إلى العَقْد، والبصريون قالوا: تجب بالعقد؛ بشرط التمكين، فَرَدَّ الأمر إلى كلام الأصحاب، وتصرُّفِهِم، ثم ذكر في الكتاب من فوائد القولَيْن صورَتيْن:
إحداهما: لو اختلفا في التمكين، فقالت المرأة: مكنَتَ وسلمت نفسي إليك [منْ] وقْت كذا، وأنكر ولا بينة، فإنْ قلْنا: إن النفقة تجب بالتمكين، فالقول قول الزوج، وعليها البيِّنة؛ لأن الأصل عدم التمكين، وهو الأصح، وإن قلْنا؛ تجب بالعقد، فالقول قولها؛ لأن الأصل استمرارُ ما وَجَبَ بالعَقْد، وهو يدَّعي السقوط، فعليه بيِّنة النشوز المُسْقِط.
هذا هو المشهور، وأشار الرُّويانيُّ إلى طريقةٍ قاطعةٍ بأن القول قوْلُ الزوج.
ولو تَوَافَقَا على تسليمها نَفْسَها، وقال الزوج: قد أدَّيت نفقة المُدَّة الماضية، وأنكرتِ الزوجة، فالقول قولُها، سواءٌ كان الزوج حاضراً عنْدها أو غائباً، وعن مالك -رحمه الله-: أنه إذا كان حاضراً عنْدها، فالقول قولُهُ؛ لأن معاشرتها إياه تَدُلُّ على أخذها النفقة.
الثانية: إذا لم يطالبها الزَّوْج بالزفاف، ولم تمتنع هي منه، ولا عَرَضَتْ نفسها علَيْه، وَمَضَتْ على ذلك مدَّة، فتجب نفقة تلك المدة، إن أوجبنا النفقة بالعَقْد لوجودِ المُوجِبِ وعَدَمِ المُسْقِط، وهو النشوز، وإن أوجبنا بالتمكين، لم تجب؛ إذْ لا تَمْكِينَ.
وقوله في الكتاب: "وتجب النفقة بالعَقْد بشرط عدم النشوز" ليس المرادُ أنَّ عدم النشوز شرطُ الوجوب، وإلا، لم يكن العَقْد موجباً بِمُجرَّده، ولم يَسْتَمِرَّ قَوْلُنَا في الصورة الأولى: "إن الأصل استمرار ما أوجب بالعقد"، وإنما المعنى أنها تَبْقَى بشرط عدم النشوز، فالعَقْد على هذا القول مُوجِبٌ، والنشوز مُسْقِط.
وقوله: "فعلى هذا، لو تنازعا في النشوز" كذلك ذَكَرهَا هنا، وفي "الوسيط"، ولفظ الأكثرين: "لو تنازعا في التمكين" كما ذكرنا، وكذلك هو في "البسيط"، ويُشْبِه أن يكون الذي ذَكَره هاهنا مَحْمُولاً عليه، فأما إذا توافَقَا على حُصُول التمكين، واختلفا في أنَّها هل نَشَزَتْ، وخَرَجَتْ عن طاعته؟ فينبغي أن يُقْطَع بتصديقها؛ فإن الأصل عدم النشوز واستمرار الواجِب، وهكذا ذكره القاضي ابن كج -رحمه الله- بَعْدما أجاب فيما إذا اختلفا في أصل التمكين بأن القول قوله.
وحكي مع ذلك وجهاً ضعيفاً: أن القول قولها؛ لأن الأصل براءة الذِّمَّة.
وقوله في الكتاب: "إذا كانت ساكتة" يجوز أن تقرأ بالتاء أي "سَاكِتَةً" عن العرض، وطلب الزفاف، ويجوز أن تقرأ "سَاكِنَةً" بالنون أي لم يكن منها امتناع وعصيان، قال الأصحاب: وإذا سلَّمت المرأةُ نفْسَها إلى الزوج، فعليه النفقة من وقْت التسليم، ولو بعَثَتْ إليه؛ أنِّي مسلِّمةٌ نفْسي إليك، فعليه النفقة من وقت ما بَلَغَه الخبر فإن كان غائباً، فترفع الأمر إلى الحاكم، وتُظْهِر له التسليم والطَّاعة، ليكتب إلى حاكم بلَدِ الزوج؛ ليحضره ويُعْلِمَه الحال، فإن شاء، سار إليها كما أعلمه، وتَسلَّمها، أو بعث وكيلاً فتسلمها، وجبت النفقة من وقْت التسليم 1، فإن لم يفعل، ومضى زمانُ، إمكان الرسول إليها فرض القاضي نفقتها في ماله وجُعلَ كالمتسلِّم لها؛ لأنَّ الامتناع 2 منْه.
قال في "التتمة": ولو لم يعرف موضعه، فالحاكم يَكْتُب إلى حكام البِلاد الذي تَتَوجَّه
إلَيْها القوافل من تلْك البلدة في العادة؛ ليُطْلَب، وينادى باسمه، فإن لَمْ يَظْهَر، فَرَضَ الحاكِمُ نفَقَتَها من مَالِهِ الحاضر وأخذ منْها كَفيلاً 1 بما يُصْرَف إلَيْها؛ لأنَّه لا يُؤْمَن أن تظهر وفاته أو طَلاَقُه، ومن الأصحاب من لم يتَعرَّض للرَّفْع إلى القاضي، ولا لكتابه، وقال: تجب النفقة من حين يصل الخبر إليه، ويمضي زمان إمكان القدوم عليها وهكذا أورده صاحب "التهذيب"، ولو لم تَعْرِضِ المرأةُ نفْسَها على الزوج الحاضر أو الغائب، ولا بَعَثَت إليه فلا نَفَقَةَ لها، وإن طالت المدة، إذا فرَّعْنا على أن النفقة تجب بالتمكين.
وغَيْبَةُ الزوْج بعد التسليم، لا تُؤَثِّر ما دامت مقيمة على طاعته وإن طالت المدة، [وهذا] كله فيما إذا كانت المرأة عاقلةً بالغةً، فأما المراهِقَةُ والمجنونة، فلا اعتبار بعَرْضِها وبذلها الطاعة، وإنَّما الاعتبار في حقِّهما بعرض الوَليِّ وبذله ولَو سلَّمت المراهِقَةُ نفْسَها، وتسلَّمها الزَّوْج، وَنَقَلَها إلى دَارِهِ، وجَبَت النفقَةُ وكذا لو سَلَّمت المرأة نفْسَها إلى الزَّوْج المراهِقِ بغير إذْن الوَليِّ وجبت النفقة بخلاف تسليم المبيع إلى المراهق؛ لأن المقصود هناك أن تصير اليد للمشتري، واليد في عقد المراهق للوَلِيِّ لا لَهُ، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَمَوَانِعُ النَّفَقَةِ أَرْبَعَةٌ: المَانِعُ الأَوَّلُ: النُّشُوزُ وَمَنْعُ الوَطْءِ وَالاسْتِمْتَاعِ نُشُوزٌ، وَالخُرُوجُ بِغَيرِ إِذْنِهِ نُشُوزٌ، وَالخُرُوجُ فِي بَعْضِ اليَوْمِ يُسْقِطُ بَعْضَ النَّفَقَةَ عَلَى وَجْهٍ، وَجَمِيعَهَا عَلَى وَجْهٍ، وَتَجِبُ النَّفَقَةُ لِلرَّتْقَاءِ وَالمَرِيضَةِ وَالمَجْنُونَةِ فَإِنَّ هَذِهِ أَعْذَارٌ دَائِمَةٌ، وَتَسْقُطُ بِنُشُوزِ المَجْنُونَةِ، وَلَوْ خَرَجَتْ فِي حَاجَةِ الزَّوْجِ بِإِذْنِهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ خَرَجَتْ فِي حَاجَةِ نَفْسِهَا فَقَوْلاَنِ، وَإذَا امْتَنَعَتْ عَنِ الزِّفَافِ بِغَيْرِ عُذْر فَنَاشِزَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ مَرِيضَةَ يَضُرُّ بِهَا الوَطْءُ فَمَعْذُورَةٌ، وَلاَ يؤْتَمَنُ الرَّجُلُ فِي قَوْلِهِ: لاَ أَطَؤُهَا، وَإِنْ أَنْكَرَ كَوْنَ الوَطْءِ مُضِرّاً ثَبَتَ بِقَوْلِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَهَلْ يَثْبُتُ بِقَوْلِ وَاحِدَةٍ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ نَشَزَتْ بِالخُرُوجِ عَنِ المَسْكَنِ فَنَابَ الزَّوْجُ فَعَادَتْ لَمْ تَعُدُ النَّفَقَةُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ حَتَّى يَقْضِيَ القَاضِي بِطَاعَتِهَا أَوْ يَرْجِعَ الزَّوْجُ أَوْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ اِمْكَانِ الرُّجُوعِ، وَإذَا سَقَطَ نَفَقَتُهَا بِرِدَّتِهَا عَادَتْ بِمُجَرَّد إِسْلاَمِهَا دُونَ قَضَاءِ القَاضِي عَلَى أَفْقَهِ الطَّريقَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا نفقة للزوجة الناشز لأن النفقة وجَبَت لكَوْنها معطلة المنافع؛
بسبب الزَّوْج محبوسةً عنده ولهَذَا لو امتنع مِنَ الإنفاق، كان لها أن تمتنع من التمكين، فإذا نَشَزَتْ عليه، سقط ما يقابل التمكين، ولو نشزت في بَعْض النهار، فهل لها بعض النفقة؛ فيه وجْهَان يَقْرُبان من الخلاف، فيما إذا سَلَّم السيد الأَمَةَ لَيْلاً لا نهاراً:
أحدهما: أنه لا شَيْءَ لها؛ فإن نفقة اليوم لا تتبعَّض؛ ألا ترى أنَّها تُسلَّم دفعةً واحدةً، ولا تفرق غداء وعشاء.
والثاني: أنَّها توزَّع بحَسَب زمان الطَّاعة والنشوز، واستثنى عن التوزيع هكذا ما إذا اْطاعت نهاراً ونشزت ليلاً أو بالعكس، وحكم بشطر النفقة، كما مر في مسألة الأَمَةُ، ولم يُنْظَر في الليل والنهار إلى الطُّول والقِصَر، وبالوجه الثاني أجاب أبو الفرج السرخسيُّ.
ومنهم: مَنْ رجَّح الأول، وهو أوفق لما سَبَق مِنْ مسألة الأَمةَ.
ونشوز المجنونة والمراهقة كنشوز العاقلة البالغة؛ لاستواء الفعلَيْن في التفويت على الزَّوْج.
ثم فيه مسائل:
إحداها: الامتناعُ عن الوطءِ والاستمتاعِ وعن الزِّفَافِ من غير عذر نشوزٌ، فلو قالت: سَلِّم المَهْر لأسَلِّم نفسي، فإنْ جرى الدخول أو كان الصَّداق مُؤَجَّلاً، فهي ناشزة؛ إذ ليس لها حَبْس نفسَهَا، والحالة هذه، وإذا لم يجر دخولٌ، والصَّداق حَالٌّ، فلها النفقة من حينئذ.
هذا هو الأظْهَر، وفيه خلافٌ مذكورٌ في الصَّدَاق، والمُؤجَّل إذا حَلَّ كالحَالِّ أو كالمُؤَجَّل، فيه خلاف، وبالثاني أجاب في "التهذيب" لأن العَقْد لم يُثبِتْ هذا الجنس، ولو كانت مريضةً أو كان بها قرح يضرها الوطء، فهي معذورة في الامتناع عن الوطء وعليه النفقة إذا كانت عنده، وكذا لو كان الرجل عَبْلاً لا يحتمله، فإن أنكر القرح المَانِعَ من الوطء، فلها إثباته بقول النسوة، وتكفي امرأةٌ واحدةٌ سُلوكاً بها مَسْلَك الأخبار، أم لا بد من أربع نسوةٍ؛ لأنها شهادةٌ مُسْقِطَةٌ لحق الزوج؟ فيه وجهان:
وبالأول، قال 1 أبو إسحاق، والأظهر: الثاني، وكذا لو أنكر الضَّررَ من جهة العبالة وكبر الآلة يُرْجَع فيه إلى النسوة، ولا بأس أن ينظرن إليها عند اجتماعهما؛ ليَشْهَدْنَ، وليس لها الامتناع من الزِّفَاف بعُذْر عبالة الزوج على ما مَرَّ في أول الصداق، ولكن لها الامتناع بعذر المرض، فإنَّه متوَقَّع الزوال.
فإن قال الزوج: لا أطؤها حتى تبرأ الألم، لم يؤتمن فيه.
هكذا أطلقه في الكتاب، وقد سبق هناك في الكتاب ما يَقْتَضي إعلامه بالواو.
ولو قالت المرأة، لا أُمَكِّنُ إلا في بَيْتِي أو في بيت كذا أو بلد كذا، فهي ناشزة؛ لأن التمكين التامَّ لم يُوجَدْ، وهكذا لو سَلَّم البائعُ المَبِيعَ، وشَرَط أن لا ينقله إلا إلى موضع كذا.
وهَرَبُ المرأة وخروجُها من بيت الزَّوْج والسفر بغير إذْنِهِ 1 نُشوزٌ أيضاً، ويستثنى عن الخروج ما إذا أشرف المنزل على الانهدام، أو كان المنزل لغَيْرِ الزوج، فأُزْعِجت.
ولو سافرت بإذنه، فإن كان الزوج معها، أو لم يكن، وكان السفر في حاجته؛ بأن بعثها لبَعْضِ أشغاله، وجبت النفقة، وإن كانت في حاجَتِها، فظاهر نصِّه -رضي الله عنه- هاهنا أنه تَجِبُ النفقة، وفي غير هذا الباب أنَّها لا تجب، وللأصحاب طريقان:
أحدهما: ويُحْكَى عن أبي إسحاق: القطع بعَدَمِ الوجوب؛ لخروجها عن قبضته، وإقبالها على شأنها، وحمل النص الأوَّل الدالُّ علىَ الوجوب على ما إذا كان الزوج مَعَها.
وأظهرهما: أن المسألة على قولَيْنِ:
أحدهما، أنَّها تجِبُ؛ لأنها سافَرَتْ بإذنه، فصار كما لو سافرت في حاجَتِهِ.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفةَ وأحمد: المنع؛ لأنها غير ممكِّنة، وقد يبنيان على أن النفقة تَجِب بالعقد أو التَّمْكِين، إن قلْنا بالعقد بشرط عدم النشوز، وجَبَتْ؛ لأنه لا نُشُوز، وإن قلْنا بالتمكين، لم تَجِبْ؛ إذ لا تمكين.
الثانية: تجبُ النَّفَقَةُ للمريضة والمجنونة والرتقاء والمُضْناة الَّتي لا تَحْتَمِل الجماع، سواءٌ حدَثَتْ هذه الأحوالُ بَعْد ما سَلَّمَتْ نفسها، وما إذا سلَّمت كذلك؛ لأنَّ هذه الأعذار دائمةٌ وهي معذورةٌ فيها، وقد سلَّمت التسليمَ المُمَكِّن، وتَمَكَّنَ من الاستمتاعِ بها من بعض الوجوه، وكذا الحُكْم في أيام الحَيْض والنِّفاس، وألحق في "التهذيب" ما إذا غُصبت المرأة بما إذا هربت لا بما إذا مَرِضَتْ، وإن كانت معذورةً؛ لخروجها من قبضته فوات الاستمتاع بالكلِّيّة.
الثالثة: لو نَشَزَتِ المرأةُ، فغاب الزوج، فعادت إلى الطاعة، كما إذا خرجَتْ عن مَسْكَنِه بغير إذنه، ثم عادَتْ، وهو غائب، فهل يعود الاستحقاق للنفقة؟ فيه وجهان، وفي "التتمة" قولان:
أحدُهما: نَعَمْ؛ لأنَّ الاستحقاق زالَ بِعَارِضٍ من الخروج، فإذا زال العارض، عاد الاستحقاق.
وأظهرهما 1: لأنها خرجَتْ عن قبضته، فلا بد من تسليم وتسلم مستأنفَيْنِ، وهما لا يَحْصُلان بمجرَّد عَوْدِها إلى مسكنه؛ فعلى هذا يرفع الأمر إلى القاضي؛ ليقضي بطاعتها، ويُخْبِر الزوج بذلك، فإذا عاد إليها أو بَعَثَ إليها وكيله، واستأنف تسليمها، عادَتِ النفقة، وإن مضى زمانُ إمكَانِ العَوْد، ولم تَعُدْ، ولا بَعَثَ وكيله، تعود النفقة، وهذا كما ذكرنا في ابتداء التسليم في غيبة الزوج، ولو عاد الزَّوْج إليها أو بَعَثَ وكيله، واستأنف التَّسْلِيم، حَصَل الاستغناء عن الرَّفْع إلى القاضي وحكمه، ولو ارتدَّتِ المرأة، وسقطت نفقتها على ما بَيَّنَّا في آخر باب "نكاح المشركات"، فغاب الزوج، وعادت في العدة إلى الإِسلام، وهو غائب، فتعود النفقة بمجرَّد الإِسلام، وإن فُرِضَ، فيه خلاف، والفرق أن نفقة المرتدة قد سقطت؛ لردتها، فإذا عادت إلى الإِسلام، ارتفع المُسْقِط، فعمل الموجب عمله، والناشِزَة سَقَطَتْ نفقتها؛ لخروجها عن يد الزوج وطاعته، فإنما تَعُود، إذا عادت إلى قَبْضَته، وذلك لا يَحْصُل في غيبته، ولو خرَجَتِ المرأة: في غيبة الزوْج إلى بيت أبيها؛ لزيارةٍ أو عيادةٍ، لا على وجه النشوز، لم تَسْقُط نفقتها، قاله في "التهذيب" 2.
وقوله: "ولو خرجَت في حاجة الزوج" إلى قوله: "فقولان" يشمل من جهة اللفظ ما إذا كان الزَّوْج معها, وإذا لم يَكُنْ وقضيته إجراء القولين فيما إذا خَرَجَتْ في حاجة نَفْسِها، وإن كان الزَّوْج مَعَها، وكذلك رواه القاضي ابن كج عن أبي حَفْصِ ابْنِ الوَكِيلِ، والأكثرون قد فَصَّلوا كما سَبَقَ، وخصَّصوا القولَيْنِ بما إذا لم يكن الزَّوْج معها، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: المَانَعُ الثَّانِي: الصِّغَرُ وإذَا زُوِّجَتْ صَغِيرَةٌ مِنْ بَالِغٍ فَلَهَا النَّفَقَةُ إنْ قلنَا: تَجِبُ بِالعَقْدِ، وَإِنْ قُلْنا: تَجِبُ بِالتَّمْكِين فَلاَ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَالِغَةً مِنْ صَغِيرٍ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبانِ، وَأَوْلَى بِالوُجُوبِ لِأَنَّ المَانِعَ مِنْ جَانِبِهِ، وَقِيلَ: إنْ كانَتْ جَاهِلَةً بِصِغَرِهِ اسْتَحَقَّتْ
وَإِلاَّ فَلاَ، وَإِنْ زُوِّجَتْ صَغِيرَةٌ مِنْ صَغِيرٍ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ تَجِبَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث صور:
الأُولَى: إذا كانت المرأةُ صغيرةً، فسُلِّمَتْ إلى الزوجِ البالِغِ، أو عُرِضَتْ عليه، فقولان:
أحدهما: أنَّها تستحِقُّ النفقة؛ لأنها محبوسةٌ عليه، وفوات الاستمتاع بسَبَبٍ هي معذورة فيه، فأشبهت المريضة والرتقاء.
وأصحُّهما: المنع، وهو المنصوص عليه في الأم، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد -رحمهم الله-؛ لأنَّه تعذر الاستمتاع بها؛ لمعنى فيها، فأشْبَهَت ما إذا نَشَزَتْ، وليست كالمريضة، فإن المرض يطرأ ويزول، ولا يفوت الأنس وجميع الاستمتاعات، ولا كالرتقاء؛ فإن الرتق مانعٌ دائمٌ، ولا يمكن إدامة الحَبْس عليها مع نفْي النفقة، وقد يبنى القولَيْن على أن النفقة تَجِبُ بالعَقدْ أو بالتمكين، فعَلَى الأَوَّل: تَجِبُ، وعلى الثاني: لا؛ وعلى هذا جرى في الكتاب.
الثانية: لو كانت المرأة بالغةً، والزوجُ صغيراً، فقولان في النفقة أيضاً:
أحدهما: لا تجب؛ لأنه لا يستمتع بِهَا؛ بسبب هو معذورٌ فيه، فلا يُلْزَمُ غُرْماً.
وأصحُّهما: وهو المنصوص في "الأم": أنها تَجِبُ وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه لا مَنْعَ من جهتها، والتعذُّر جاء من جهته، فصار كما لو سلَّمت نفسها إلى الزوج، فَهَرَبَ، وقد تَرتَّب القولان في هذه الصورة على القولَيْن في الأُولَى، ويقال: هي أَوْلَى بالوجوب، وكذلك فَعَل في الكتاب، وَيتولَّد من الترتيب طريقان.
أحدهما: طَرْدُ القولَيْن.
والثاني: القطع بالوجوب، وقد حَكَى القطْعَ هكذا القاضي ابن كج عن أبي إسحاق وغيره، ولك أن تقول: إنه قضية القولَيْنِ في أنه تَجِبُ النفقة بالعَقْد أو بالتمكين معاً، وفي الصورة طريقة ثالثة؛ وهي القَطْع بالوجوب، إذا كانَتِ المرأةُ جاهلة بصغره وتخصيص القولَيْن، بما إذا كانت عالمة، وعن أحمد -رحمه الله- في الصورة الثانية: [روايتان كالقولين] 1.
الثالثة: إذا كانا معاً صغيرَيْنِ، ففي النفقة قولانِ أيضاً، وقد يترتبان على القولَيْن في الصورة الثانية، وهذه أوْلَى بعَدَم الوجوب؛ لوجود المانع من الطرفَيْنِ، واختصاصه بطرف الزَّوْج هناك، وهو الأصحُّ المنصوص، وقيام المانع فيها يكْفِي لِمَنْع النفقة، وعن القَفَّال: أنه جمع بين الصور الثلاث، وقال: هل يَمْنَعُ صِغَرُ الزوجَيْنِ النفَقَةَ؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن صغر كل واحد منهما يَمْنَعُ.
والثاني: لا يَمْنَعَ صِغَرُ كلِّ واحِدٍ منهما.
والثالث: يَمْنَعُ صِغَرُها, ولا يمنع صِغَرُه.
واعلم: أن التصوير فيما إذا سُلِّمت إلى الزوج، أو عرَضَتْ نفسها علَيْهِ، كما بيَّنَّا في الصورة الأُولَى، ما بيَّنه على أنه إذا لم يُوجَد تسليمٌ ولا عَرْضٌ، كان الحُكْم كما في حقِّ الكبيرة، وفي "البسيط" و"الوسيط" ما يقتضي خلافَهُ، والظاهِرُ الأَوَّل، وإذا كان الزوْجُ صغيراً، فيكون العَرْضُ على وَلِيِّه لا عليه، وليس المراد من الصِّغَر والبُلُوغ في الصور ما يتعلَّق به التكليف وعدمه، بل يُعْنَى بالصغير من يتأتى منه الجماع، ولا يَلْتَذُّ به وبالبالغ من يَتأَتَّى [منه]، ويدخل فيه المُرَاهِقُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: المَانِعُ الثَّالِثُ: الْعِبَادَاتُ: وَإذَا أَحْرَمَتْ بِإِذْنِهِ فَقَد سَافَرَتْ فِي غَرَضِ نَفْسِهَا، وَهَلْ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا قَبْلَ الخُرُوجِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَقُلْنَا: لَهُ تَحْلِيلُهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ مَا دَامَتْ مُقِيمَةً عَلَى أَشْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وإِنْ قُلْنَا: لاَ يُحَلِّلُهَا فَهِيَ نَاشِزَةٌ مِنْ وَقْتِ الإحْرَامِ، وَلاَ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا بِصَوْم رَمَضَانَ، وَلَهُ مَنْعُهَا عَنْ نَوَافِلِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، وَفِي الرَّوَاتِبِ وَجْهَانِ، وَصَوْمُ عَاشَورَاءَ وَعَرَفَةَ كَالرَّوَاتِبِ لاَ كَصَوْمِ الاثْنَينِ وَالخَمِيسِ، وَكَذَا الخِلاَفُ فِي مَنْعِهَا مِنَ الفَرْضِ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، وَفِي البِدَارِ إِلَى القَضَاءِ الَّذِي هُوَ عَلَى التَّراخِي، وَلَوْ مَنَعَهَا مِنْ صَوْمِ نَذْرٍ بَعْدَ النِّكَاحِ فَإِنْ لَمْ يُحَلِّلْهَا فَفِي النَّفَقَةِ وَجْهَانِ كَمَا فِي الإِحْرَام.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مِنَ العباداتِ ما يُفَوِّت الاشتغالُ به استمتاعَ الزَّوْج، فيسْقُط النفقة، وفي تفصيله مسائل:
إحداها: إذا أحرمَتْ بحجٍّ أو عمرة، فلها حالتان:
إحداهما: أن تُحْرِم بإذنه، فإذا أحرمت، فقد سافرت في غرض نفسها، فإنْ كان الزَّوْج معَها, لم تَسْقُط نفقتها، وإلا، فقولان قدَّمْنَاهما, ولا فرق بين أن تخرج بإذنه أو لا تخرج بإذنه [إذا كان الإحرام بإذنه] 1 فلا أثر لنهيه عن الخُرُوج، وعن القَفَّال: أنه إذا نهاها، فخَرَجَتْ، سقَطَتِ النفقة قطْعاً، وأما قبل الخروج، فوجهان:
أحدهما: أنَّه لا نفقةَ لها؛ لفوات الاستمتاع.
وأظهرهما: وقطع به قاطعون: أنها تَجِب؛ لأنها في قَبْضَته، والفوات جاء من سَبَبِ مأذونِ فيه، ومَنْ قال بالأول، فلا بد من أن يَطْرُدَه فيما إذا خَرَج معها.
الحالة الثانية: إذا أحرمَتْ بغير إذنه، فيبنى عَلَى أنه هلْ للزوج تَحْليلها؟ وقد ذكرنا في الحَجِّ أن له أن يُحَلِّلها في حج التَّطَوُّع، وكذا في حَجِّ الفرض على أصح القولَيْن، فإن جوَّزْنا [له] التحليل، فلمْ يَحَلِّلها، فلها النفقة ما لم تخْرُجْ؛ لأنها تحْت يده، وهو قادِرٌ على التحْليل والاستمتاع، وإذا لم يَفْعَلْ، فهو المفوِّت على نفسه، وفيه وجْه: أنها لا تستحِقُّ؛ لأنها ناشزة بالإحرام، والناشزة لا تَسْتَحِقُّ النفَقَة، وإن قدر الزَّوْج على ردِّها إلى الطاعة قهْراً، والظاهر الأول، فإذا خرَجَتْ بغير إذْنه، فلا نفقة لها، فإن خَرَج معها، فعلَى ما تقدَّم، وإن أذن لها في الخروج، فليكن كما لو أنشأت سفَراً بإذنه، وإن قلْنا: ليس له التحليل، فهي ناشزةٌ من وقت الإحرام، مانعةٌ من الاستمتاع، وفيه وجه: أنَّ لها النفَقَةَ ما دَامَتْ مقيمةً؛ لأنها في قبضته، وقد خرج الأمر من يدها بعد الإحرام، بخلاف النُّشُوز الذي تَقْدِر على تركه، وشُبِّهَ ذلك بالخلاف فيما إذا رمى نفسه من شاهق، وتَعذَّر عليه القيام، هل يلزمه القضاء؟ وحكى وجه آخر أو قول مُطْلِقٌ: أن الإحرام لا يؤثِّر في النفقة؛ لأنها تَسْقُط، فرضاً عن نفسها.
الثانية: الصوم أنواعٌ منها صوْمُ رمضان، فلا تُمْنَعَ منه، ولا تَسْقُط به النفقة بحالٍ؛ لوجوبه [على الفور شرعاً] 1 وقد يُراوِدُها [الزوج]، إذا كان قد أفْطَرَ لمرض أو قَدِمَ من سفر [هـ] مُفْطِراً.
ومنها قضاءُ رمَضَان، فإن تعجَّل لتعديها بالإفطار في رمضان، فلا تُمْنَع منه، وفي النفقة وجهان: المذكور منهما في "التهذيب": أنها لا تسقط ورجَّحه غيره أيضاً.
وفي "التتمة": أنها تَسْقُط؛ لأن فوات حَقِّ الزوج جَاءَ مِن تَعدِّيها، وشبه الخلاف بالخلاف فيما إذا سَلَّم السيد الأمة إلى الزوْج ليلاً لا نهاراً، وإن فات الأداء بعذر وتضيق وقْت القضاء، بأن لم يَبْقَ من شعبان إلا قَدْرُ أيام القضاء، فهو كالأداء، وإن كان الوقْتُ واسعاً، فقد حَكَى صاحب الكتاب وغيره وجهَيْن في أنه: هل يجوز للزوْجِ منْعُها من المُبَادرة إليه؟ وجواب الأكثرين منهم جوازُ المَنْعِ وتنزيله منزلةَ صَوْم التطوُّع، وَيقْرُب من الوجهَيْن وجهان مرويَّان عن "الحاوي" في أنه هل يُمَكَّن من إلزامها الإفطار، إذا شَرَعَت إليه أو هما وذكر صاحبه أنهما مُخرَّجان من القولَيْنِ في جواز التحليل من الحج، وأنه إذا لم يتمكَّن منه، ففي سُقُوط النفقة وجهان:
أحدهما: تَسْقُط، كما في الحج.
والثاني: لا؛ لقصر زمان الصوم وقدرته على الاستمتاع 1 بالليل.
ومِنْها صوم التطَوُّع، فإذا كان بإذن الزوج، لم يُؤَثِّر في النفقة، ولا ينبغي أن تشتغل به بغَيْر إذن 2 الزَّوْج، فإن شَرَعَتْ فيه، فله قَطْعُه، وأمرها بالإفطار، فإن أفطرْت، فالنفقةُ واجبةٌ، وإن أبت، سقَطَتِ النفقة في أصَحِّ الوجهَيْنِ؛ لامتناعها من التمكين وإعراضها عنه بما ليس بواجب عليها.
والثاني: لا تَسْقُط؛ لأنها في دارِهِ وقَبْضَتِهِ، ولها الخروج عما شَرَعَتْ فيه، متى شاءَت وحاصِلُ هذا الوجْه أنَّ صَومَ التطَوُّع لا يُؤَثِّر في النفقة، وفي العِدة وجه فارقٌ بيْن أن يدْعُوها إلى الأكل فتأبى، فلا تَسْقُط النفقة؛ لأنه لا ضرر عليه في ذلك، وبين أن يدعوها إلى الوطء، فتأبى فتسقُطُ النفقة لامتناعها مِنْ توفية حقه، وإذا قلْنا: بسقوط النفقة بإبائها، فعن "الحاوي" أن ذلك فيما إذا أمرها بالإفطار في صَدْر النهار، أما إذا أَنْفَقَ في آخره فلا تسقط ولفوت زمان التمكين ومشابهة تلْك البقية لزمان الأكل والطهارة، واستحسنه القاضي الرُّويانيُّ، والأكثرون سَكنُوا عن هذا التفْصِيل، ولو نكحها، وهي صائمة، ففي تعليق إبراهيم المروروذي: أنَّه لا يجبُرها على الإفطار، وأن في نفقتها وجهَيْن.
ومنْها: صوم النذر، فإن كان النذرُ مطلقاً، فللزوج منْعُها منه؛ لأنَّه لا يتضيَّق وقته وإن نذرت صوم أيام معينة، فيُنْظَر؛ إن نذَرَتْ قبل النكاحِ، لم يكن له 3 المنع لتعين الوقْت، وتقدَّم وجوبه على حقِّ الزوج، وإن نذرتْ بعده فإن أَذِنَ الزوْج، لم يكن له المنع، وإن لم يأذن، فله ذلك؛ لأنها بالنَّذْر منَعَتْ حقه السابق، وحيث قلْنا: له المنع، فلو شَرَعَتْ فيه وأبت أن تُفْطِر، فعلَى ما ذكرنا في صوم التَّطَوُّع.
ومنها: صوم الكفَّارة، وهو على التراخي، فللزوج المَنْع، وعن أقْضَى القضاة المَاوَرْدِيِّ: أنه إذا لم يمنعها حتى شرعت فيه، فهل له إجبارها على الخروج منه؟ فيه وجهان، وحيث قلنا بسقوط النفقة بالصوم، يسقط جميعها أو نصفها؛ للتمكن من الاستمتاع بالليل؟ فيه وجهان مذكوران في "التهذيب" 4.
الثالثة: فرائض الصلوات الخَمْس لا منع منْها ولا تتأثَّر النفقة بالقيام بها بحَالٍ وهل للزوج المنع من المبادرة إليها في أَول الوقْت؟ فيه وجهان:
الأصح: عدَم المنع، ويحكى عن نص الشَّافعي -رحمه الله- لتجوز فضيلته أول الوقت، ويخالف الحج، حيث جوزنا له المنع من المبادرة إليه؛ لأن زمان الصلاة لا يمتد، ولأن الصلاة في أول الوقت مخصوصة بزيادةِ الفضيلة، والحج في السَّنَة التي تبادر إليها، كالحج في غيرهما في الفضيلة.
والتطَوُّعات المُطْلَقَة كصوم التطوُّع، وفي السنن الرواتِبِ وجهان:
أصحُّهما: أنَّه ليس للزوج منْعُها؛ لتأكدها وتقررها بخلاف النوافل المُطْلقة، وله منعها من تطويلها، وصومُ يومِ عرفةَ وعاشوراءَ في الصيام كرواتب الصلاة، وصومُ يومِ الاثنين والخميس كالتطوُّعات المُطْلَقة، فله المنْع بلا خلاف، وله منْعُها من الخروج لصلاة العيدين والخسوفَيْن، وليس له المَنْعُ من فعلها في المنزل، وقضاءُ الصلواتِ والصلاةِ المنذورةِ كمثلهما في الصوم.
الرابعة: الاعتكاف والخروج له إلى المسجد، إن كان بإذنه، وهو معها, لم تَسْقُطِ النفقة، وإن لم يكن معها، فعلَى الخلاف المذكور للخروج في الحج، وفي كتاب القاضي ابن كج -رحمه الله- وجهٌ: أنه إن قصرت مدته، بأن لم يَزِدْ على يوم، لم يؤَثِّر، ولم يُجْعَلْ ذلك على الخلاف وإن لم يكن بإذْنِه، فإن كان عن تطوُّع أو نَذْراً مطلقاً في الذمةَ سَقَطَت نفقتها وإن كان عن نَذْرِ معيَّن من صوم نذر فإن تأخَّر عن النكاح، فكذلك الجواب، وإن تقدَّم عليه، فلا منع منه، ولا تسقط النفقة به.
وقوله في الكتاب: "ولو منعها من صوم نذرٍ بعد النكاح" التقييد بما بعد النكاح يبين أنَّه لا مَنْع فيما نذرته قبل النكاح، وهذا الفَرْقُ فيما إذا نَذَرتْ أيَّاماً معينة على ما بيَّنَّا، فأما عند الإطلاق، فله المنع في الحالَتَيْن، هذا هو الظاهر المشهور، ونقل إبراهيم المروروذي فيه وجهَيْنِ، سواء نَذَرَتْ قبل النكاح أو بعده.
وقوله: "فإن لم يُحَلِّلْها، فَفِي النَّفَقَةِ وَجْهَانِ، كما في الإحْرَام" يعني في الصوم المعيَّن المنذور بعد النكاح، وكذلك الحُكْم في صوم التطَوُّع، وفي "البسيط" وغيره: أن الوجهَيْنِ في الصَّوْم مُرَتَّبان على الوجهَيْن في الإحْرام، وأن صورة الصوم أَوْلَى بالاستحقاق؛ لأن الاستمتاع هاهنا جائزٌ من غير أن يُقَدِّم تحليلاً، ويكون الجِمَاع تحليلاً، وفي الإحرام لا بد، وأن يحلِّلها أولاً ثم يجامع.
فرع: قال في "التتمة": لو كانَتْ قد أجَّرتْ نفْسَها قبل النكاح إجارةَ عَيْنِ، لم يكن للزوج منْعُها من العَمَل، ولا تستحقُّ النفقةَ عليه، وعن "الحاوي": أن له الخيارَ إنْ كان
جاهلاً بالحال؛ لفوات الاستمتاع عليه بالنهار، وأنَّه لا يَسْقُطْ خِيَاره، بأن يرضى المستأجر بالاستمتاع نهاراً، فإنه متبرع بذلك، وقد يرجع فيه، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: المَانِعُ الرَّابعُ: العِدَّةُ، وَالمُعْتَدَّةُ المُطَلَّقَةُ إنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً فَلَهَا النَّفَقَةُ إلاَّ إِذَا أُحْبِلَتْ مِنَ الشُّبْهَةِ وَتَأخَّرَتْ عِدَّةُ الزَّوْج وَقُلْنَا: لاَ رَجْعَةَ لَهُ فِي الحَالِ فَلاَ نَفَقَةَ، وَإِنْ قلنَا: لَهُ الرَّجْعَةُ فَفِي النَّفَقَةِ وَجْهَانِ وَقِيلَ بِعَكسِ ذَلِكَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المعتدَّة الرجعيَّةُ تستحِقُّ النفقة والكُسْوة وسائر المؤنات؛ لِبَقَاءِ حبْس الزوج وسُلْطَته، ويستثنى من المؤنات آلةُ التنْظِيف، فإن الزوج مُمْتَنِعٌ عنها، ذكره في "البسيط" وغيره، ولا فَرْقَ بين أن تكون الرجعية حُرَّةً أو أمة، حائلاً أو حاملاً، ولا تسقط نفقتها إلا بما تسقط به نفقة الزوجات 1 وتستمر إلى انقضاء العدَّة بِوَضْع الحمل أو غيره، ولو ظَهَر [ت] بها أماراتُ الحمل بَعْد الطلاق، فعلى الزَّوْجِ الإنفاق علَيْها، وإذا أنْفَقَ، ثم بأن أنه لم يكن حَمْلٌ، فله استرداد ما دَفَعَ إليها بعْد انقضاء العِدَّة، وتُسْأَل عن قَدر الأقراء، فإن عَيَّنَت قدْرَها، صدَّقْناها باليمين، إن كَذَّبها الزوج، ولا يمين إن صدَّقَها، وإن قالتْ: لا أعلم متى انقضت عدتي، سألْنَاها عن عادة حَيْضها وطُهْرها، فإن ذَكَرَتْ عادةً مضبوطةً، بنينا الأمر على قَوْلِها، وإن قالت: عادتي مختلفة، أخذنا بأقلِّ عاداتها، ورجع الزَّوْج فيما زاد فإنه المستيقن، وهي لا تَدَّعي زيادةً عليه، وإن قالت: نسيت عادَتِي، فعن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه-: أنه يرجع في نفقة ما زاد على نفقة ثلاثة أشهرٍ، ويأخذ بغالب العادات، وقال الشيخ أبو حامد: يُكتب الأمْرُ عَلَى أقلِّ ما يمكن انقضاء العدَّة فيه، وهذا ما أورده أبو الفَرَجِ السرخسيُّ، والخلاف قريب من الخلاف في مَرَدِّ المبتدأة، وإن انقطع الولد الذي أتت به عنه، بأن ولَدَتْ لأكثر من أربع سنين، إما مِنْ وقْت الطلاق أو مِنْ وقْتِ انقضاء العدة على اختلافٍ سَبَق، سئِلَتْ عن حال الولَدِ، فإن قالت: هذا الولد من زوج نكحته، أو من وطء شبهة، وقع بعد إنقضاء ثلاثة أقراءٍ، فعليها رَدُّ المأخوذ بعد الثلاث؛ لاعترافها بانقضاء العدة بها، وإن قالَتْ: وقع ذلك في أثناء الأقراء فقد انقطعت عدَّتها بوطء، الثاني وإحباله، فتعود بعد الوضع إلى ما بَقِيَ منْها، وعليه النفقة في البقيَّة، وأَما في مدَّة الحَمْل، فيبنى على أنه هل للزَّوْج الرجْعة فيها؟ وفيه وجهان قد سَبَقَ ذكرهما في "كتاب الرجعة" و"العِدة" وفي كيفية البناء طريقان:
أظهرهما: أنَّا إنْ قلنا: لا رجعة في الحال، فلا نفقة، وإن أثبتنا الرجعة، ففي النفقة وجْهان:
وجه المنع: أنها صارت في حَبْس الغير.
والثاني: أنا إنْ قلنا: لا رجعة، ففي النفقة وجهانِ، وإن قلنا: له الرجعةُ، فعليه النفقة، والظاهر مِنْ ذلك الذي أجابَ به أكثرهم: أنه لا نفقة ولها [في مدة الحمل، فيَسْتَرْجِعُ ما أخذت لها, ولو قالت: واطأني الزوج، وأنكر، فهو المصدَّق بيمينه، وتُسْأَلُ] 1 عَنْ وقَتْ وطئه، فإن قالت بَعْد انقضاء الأقراء، رَدَّتْ ما زاد، وإن قالَتْ: عقيب الطلاق، فقد بأن أنَّها ما قضت عدته، فترد ما أَخَذَتْ، وتعتد بعد الوضع بثلاثة أقراء ولها النفقة فيها.
هكذا ذكره صاحب "الشامل" وغيره، وإنما يستمر ذلك على قَوْلنا إن العدتَيْنِ المُخْتَلِفَتَي الجِنْسِ من شخصٍ واحدٍ لا تتداخلان.
فرْعٌ: لو ادعت الرجعيَّةَ تباعد الحَيْضُ وامتداد الظهر، فظاهر المذهب: أنَّها تُصدَّق في وجوب النفقة، كما تُصدَّق في بقاء العدة، وثبوتِ الرجعةِ، وتستمر النفقة إلى أن تعترف بمُضِيِّها، وعن بَعْضِ الأصحاب فيما حكاه القاضيان ابن كج وأبو الطيِّب: أنَّها لا تُصدَّق في النفقة، فإنه حقٌّ لها بخلاف العِدَّة والرجْعة، فهما عليها، وهذا ما توهمه المُزنيُّ من لفظ الشافعيُّ -رضي الله عنه- واعترض عليه.
فرْعٌ: لابن الحدَّاد: وضعَتِ امرأةٌ حَمْلاً وطلَّقَها، واختلف الزَّوْجَان، فقال الزوج: طلَّقْتكِ قبل الوضع، وانقضت عدتك بالوضع، فلا نفقة لك الآن، وقالت: بل طلَّقْتَنِي بعد الوضع، وطلبت النفقة، فعليها العدة مِنَ الوقت الذي يزعم أنَّه طَلَّقها فيه، ولها النفقة؛ لأن الأصل بقاء النكاح إلى الوَقْت الذي يَقُولُه وبقاءُ العدَّة والنَّفَقَةِ، وليس له الرجعة؛ لأنها قد بانت بزعمه، ومَنْ أقرَّ بشَيْءٍ قُبِلَ فيما يَضُرُّه ولم يُقْبَل فيما يَضُرُّ غيره؛ ألا ترى أنه لو أَقَرَّ ببَيْعِ عبده، ممن يُعْتَقُ العَبْدُ عليه يُحْكَم عليه بِعِتْق العبد، ولم يُقْبَل قولُه في لزوم الثَّمَنَ على زعم أنه اشترى، ولو كان الزَّوْج قَدْ أصابها قَبْل الوضع في الوَقْت الذي زَعَمَ أنَّها مُطَلَّقة فيه، لم يلزمه مهْر المِثْل؛ لأنها تقول: إنَّما طَلَّقَنِي بعْد الولادة، فتكون الإصابة في النكاح، ولو اختلفا على العَكْس، فقال الزوج: طَلَّقْتُكِ بعد الولادة، وأنْتِ في العدةِ، والرجعةُ لي، وقالت: بل قَبْلَها، وقد انقضت عدَّتِي، فالقول قول الزوج في بقاءِ العدَّةِ وثُبُوتِ الرجْعةِ، ولا نفقة لها 2 في العِدَّة.
وقوله في الكتاب: "والمعتدة المُطَلَّقة إن كانت رجعيَّةً" لفظ المُطلَّقة مستغنًى عنه؛ فإن المُعتدَّةَ لا تكون رجعيَّةً إلا إذا كانَتْ مُطَلَّقة.
وقوله: "فلها النفقة، إذا إذا أُحْبلَتْ من الشبهة" لا شك أن المراد: فلها النفقة في العدَّة، لا على الدوام، وحينئذ، ففي ظاهر الاستثناء نَظَرٌ؛ لأنها إذا أُحْبلَتْ من الشبهة، وتأخَّرت عدة الزوْج، فلا تكون في عدة، حتى تَسْتَثْنَى من الحكم؛ بأنَّ لها النفقةَ في عدته.
وقوله: "وقيل بعكس ذلك" المراد منه الطريقة الثانية، وقد بيَّنَّاها.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا البَائِنَةُ فَلَهَا السُّكْنَى وَلَيْسَ لَهَا النَّفَقَةَ (ح) إلاَّ أَنْ تَكُونَ حَامِلاً، وَالفَسْخُ كَالطَّلاَقِ إنْ حَصَلَ بِردَّتِهِ، وإِنِ اسْتَنَدَ إلى اخْتِيَارِهَا أَوْ إِلَى عَيْبِهَا سَقَطَ جَمِيعُ المَهْرِ وَسَقَطَتِ النَّفَقَةُ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلحَمْلِ، وَفِرَاقُ اللِّعَانِ يُضَافُ إِلَيْهَا كَالفَسْخِ، أَوْ يُحَالُ عَلَى فِعْلِ الزَّوْجِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ أَنْفَقَتْ عَلَى الوَلَدِ المَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ ثُمَّ كَذَّبَ نَفْسَهُ فَلَهَا الرُّجُوعُ بِالنَّفَقَةِ لِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ وِلاَيَةَ الاسْتِقْرَاضِ بِدَلِيلِ قِصَّةِ هِنْدَ، وَأَمَّا المُعْتَدَّةَ عَنْ شُبْهَة إِنْ كَانَ فِي نِكَاحٍ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا عَلَى أَفْقَهِ الوَجْهَيْنِ، وَإِنْ كانَتْ خَلِيَّةً عَنِ النِّكَاحِ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا عَلَى الوَاطِئِ إِلاَّ إِذَا كانَتْ حَامِلاً فَفِيهِ قَوْلاَنِ يَنْبَنِيَانِ عَلَى أَنَّ النَّفَقَة لِلحَمْلِ أَوْ لِلْحَامِلِ، فَإِنْ قلنَا لِلحَمْلِ اعْتُبِرَ كِفَايَتُهُ وَلَمْ تَتَقَدَّرْ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الوَضْعِ سَقَطَتْ إِذْ لاَ نَفَقَةَ لِلْقَرِيبِ بَعْدَ المَوْتِ، وَإِنْ قُلْنَا لِلحَامِل فَهِيَ فِي التَّقْدِير كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَلاَ تَسْقُطُ بِالمَوْتِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ عُلْقَةَ الحَبْسِ دَائِمَةٌ وَكَأَنَّ الطَّلاَقَ أَوْجَبَهَا دَفْعَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: البائنة بالخُلْع أو بالطَّلاق الثلاثِ لا نَفَقَةَ لها, ولا كسوة إن كانت حائلاً وإن كانت حاملاً، فعلى الزوج النفقة والكُسْوة، وبهذا قال مالك وأحمد.
وعن أبي حنيفة: تستحق النفقة كلَّها، حائلاً كانت أو حاملاً، لنا: ما روِيَ في خبر فاطمة بنت قَيْسٍ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: "لا نَفَقَةَ لَكِ عَلَيْهِ" 1 وكانت مبتوتة حائلاً، والتقييد في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] بعد الإطلاق من قَبْلُ في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ إشعار بأنَّ الحائل لا يُنْفَق عليهن، والنفقة الواجبة إذا كانت حاملاً للحَمْل أو للحَامِل فيه قولان: = وأنكرت حلف، وهو ما أورده الرافعي في كتاب القسم والنشوز حيث جعل ذلك أصلاً مقيساً عليه أي فيما إذا ادعت عليه الطلاق فإنه لا قسم لها كما لا نفقة.
أحدهما: أنَّها للحَمْل، والحامل طريق وصول إليه، وربما يُنْسب هذا إلى القديم و"الإملاء"، ووُجِّه بأنها لا تجب لَوْلا الحَمْل، وتسقط إذا وضَعَت، وذلك يُشْعِر بأنها للحمل، وبأن الحمل يَسْتَحِقُّ النفقة والتربية بَعْد الانفصال، فكذلك قبله، بل هو قبل الانفصال أضْعَفُ، وأصحُّهما: أنها للحَامِلِ بسبب الحمل، ووُجِّه بأنها لو كانَتْ للحمل، لتقدرت بقَدْر كفايته، وبأنَّهَا تجب على المُوسِر والمُعْسِر، ولو كانت للحَمْل، لَمَا وجبت على المُعْسِر، وبأنها مختلفة القدر بيسار الزوج وإعساره، كما هو شأن نفقات الزَّوْجات، وبأن الولد بعْد الانفصال، إذا احتاج إلى حاضِنَةٍ، تجب النفقة للحاضنة، والحامل لا تَتَقاعَدُ عن الحاضنة، وهذا التوجيه الآخر ذكره الإِمام وغيره.
ثم الكلام في مسائل تَتَعلَّق أكثرها بهذَيْنِ القولَيْنِ.
إحداها: المعتدَّة عن فراق الفَسْخ، هل تستحق النفقة إذا كانت حاملاً؟ الذي حكاه الإمام وصاحب الكتاب: أنه، إن حَصَل الانفساخ بما لا مَدْخَل لها فيه، كرِدَّة الزوج فهو كالطلاق في استحقاق النفقة، كما أنه كالطلاق في تَشْطِير المَهْر، وإن كان لها فيه مَدْخَلٌ، كما إذا فسَخَتْ بخيار العتق أو بعَيْبٍ فيه أو فَسَخَ الزوج بعيب فيها؟ ففي النفقة قولان، والقولان عنْد أكثرهم مبنيَّان على أن النَّفقةَ للحَمْل أو للحَامِلِ؟ إن قلنا: للحمل، وجبت، وإلا، لم تجب، كما يسقط المهر بهذه الفسوخ قَبْل الدخول، ولم يرتَضِ الإمامُ هذا البِنَاء، وقال: إنَّما تُوجَبُ النفقةُ للحامل؛ لأنها كالحاضنة ومؤنة الحاضنة على الأب، ولا فَرْق في ذلك بين المُطلَّقة والمفسوخ نكاحُها، فلنوجه أحَدَ القولَيْنِ بالقياس على المُطَلَّقة.
والثاني: بأن القياس أن لا نَفَقَةَ بَعْد البينونة، والخروج عن مظنة الاستمتاع، وإنما خالفنا في المُطلَّقة؛ للنص، ووراء هذه الطريقة طريقتان، حكاهما الشيخ أبو عليٍّ.
إحداهما: طرد القولين في المعتدَّات عن جميع الفسوخ، بناءً على أنَّها للحمل أو للحامل؟ إن قلْنا للحامل، لم تجب؛ لأنها معتدَّةٌ لاَ عَنِ طلاق، فأشبهت المعتدَّة عن الشبهة، وهذا ما أورده صاحب "الشامل".
والثانية: وهي التي أوردها في "التهذيب" ونسبها الشيخ أبو عليٍّ إلى عامة الأصحاب؛ بأنه إن كان الفراق بسبب عارِضٍ، كالرضاع والرِّدَّة، فهو كالطلاق؛ لأنه قاطعٌ للنكاح، وإن استند إلى سبب قارِنُ العَقْد؛ كالعيب والغرور، ففيه قولان؛ لأن مثل ذلك يَرْفَعُ العقد من أصله، ولذلك لا يجب المَهْر، إذا لم يكن دُخُولٌ، وفي "التتمة" أن المفسوخ نكاحها تَسْتَحِقُّ النفقة، حيث قلْنا: إنها تستحق السكْنَى، وحيث قلنا: إنها لا تَسْتَحِقُّ السكْنَى، فتكون كالمعتدَّة عن وطء الشبهة، ففي نفقتها قولاَنِ، والكلام في السُّكْنَى قد تَقدَّم.
وأمَّا المفارقة باللعان، إذا كانت حاملاً، ولم ينف حمْلَها، فهل تستحقُّ النفقة، أما على الطريقة المذكورة في الكتاب [فقد اختلفوا:] 1 قال بعضُهم: اللعانِ مِنَ الفراق الذي لها مدْخَلٌ فيه؛ لأنها أحوجته إليه على ما يزعمه.
والأصح أنَّه كالطَّلاَقِ، وهي مُنْكِرةٌ لما يزعمه، فتستحق النفقة، وَتَجْري فيه الطريقتان الأخريان، ولا يَخْفَى على الطريقة المرجَّحة أن اللعان من قبيل العَوَارِضِ، والفراق به ليس مستنداً إلى حال العقد، وإن نفى حمْلها باللعان، لم تجب النفقة سواءٌ جِعلْنَاها للحَمْل أو للحَامِلِ؛ لأنه قد انقطع الحَمْل عنه، وصارت في حق الزَّوْج كالحائل، وحكى القاضي أبو الطيِّب وجهَيْن في أنها هل تستحق السُّكْنَى والحالةُ هذه، والأظْهَرُ الاستحقاقُ، وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامِد.
ولو أبان امرأته بالطَّلاَقِ، ثم ظَهَرَ بها حَمْلٌ، وقلْنا: له أن يلاعن لِنَفْيِهِ، فلاعن، سقَطَتِ النفقة، وعن القاضي أبي الطيِّب: أنا إن أثبتنا للملاعنة السكْنَى فههنا أَوْلَى لأنها معتدة عن الطلاق وإلا فيحمل على وجهين، وإذا لاعن عنها، وهي حامل، ونفى الحمل، ثم عاد وكذَّب نفسه، واستلحق الولد، طولب بنفقة ما مضى، نصَّ عليه واختلف الأصحاب:
فعَنْ بعضهم: أن هذا الجواب على أن النفقة للحَامِلِ، أمَّا إذا جعلْنَاها للحَمْل، فلا مطالبة؛ لأن نفقة القريب تسقط بِمُضيِّ المدة، ولا تصير دَيْناً في الذمة.
وقال الأكثرون: تثبت المطالبة على القولَيْنِ؛ لأنها، وإن كانت للحَمْل، فهي مصروفةٌ إلى الحامل، وهي صاحبة حقٍّ فيها، فتصير دَيْناً، كنفقة الزوجة، ولو أكْذَبَ نفْسَه بعْد ما ولَدَتْ، وأرضعت الولَدَ، رجَعَت عليه بأجرة الرَّضَاع، نصَّ عليه في "الأم".
وحكى أبو عليٍّ -رحمه الله- وجْهاً أنها لا ترجع.
ولو أنفقت عليه مدَّة، ثم رجع، رجعَتْ عليه بما أنفقَت، في الظاهر، الوجْهُ الآخر، ووجْهُ المذهب الظاهر أنها أنفقت عليه وفيه على ظن أنه واجِبٌ عليها, لا على سبيل التبرُّع، فإذا بانَ خلافه، ثبت الرجوع، وشبه ذلك بما إذا ظَنَّ أن عليه دَيْناً، فقضاه، ثمَ تبيَّنَ خلافَهُ، يرجع به، بخلاف ما إذا تَبرَّع على غيره بمال، وبما إذا أنفق على أبيه على ظن إعساره، فبان يسَارُهُ، يرجع بما أنفق ولو تبرَّع عالماً بإيساره، لا يرجع.
المسألة الثانية: في وجوب نفقة المعتدَّة عن النكاح الفاسد، وعن وطء الشبهة، إذا كانت حاملاً وجهان، بناهما الجمهور على أن النفقة للحَمْل أو للحَامِلِ، وقالوا: إن