فروع: قد عرفت أن الظَّاهر في نذر المشْي إلى بيت الله تعالَى الحرام وجوبُ الحج أو العمرة فلو أنه قال في نذره: أمشي إلَى بيت الله الحرام بلا حج ولا عمرة، ففيه وجهان عن أبي إسحاق:
أحدهما: أنه ينعقد نذره، ويلغو قوله "بلا حج، ولا عمرة".
والثاني: لا ينعقد؛ لأنه إذا أضَافَ حُمِلَ على عرف الشرع 1 فإذا صرح بخلافه، لم يمكن حمله عليه، فيلغو النذر، وعن الشيخ أبي حامد وغيره بناءُ الخلافِ على الخلاف فيما إذا نذر المَشْيَ إلَى مسجد المدينة والمسجد الأقصى؛ لأن المشي هناك لا يتضمَّن نسكاً، وكذلك هاهنا إذا صرفه عن النسك، واعترض ابن الصبَّاغ بأن مَنْ يقول بانعقاد النذر هنا يلغى قوله "ولا حاجّاً ولا معتمراً، ويأمره بالنسك، فلا يكون خالياً عن النسك، ثم إذا أتاه، فإن أوجبنا إحراماً لدخول مكة، فعليه حج أو عمرة، وإن قلنا لا، فعلى ما ذكرنا في مسجد المدينة والأقصى.
ولو قال: أصلِّي الفرائض في المسجد، قال في "الوسيط": يلزمه، إذا قلْنا: صفاتُ الفرائضِ تُفْرَدُ بالالتزام.
وقال القاضي ابن كج: إذا قدر أن يزور قَبْرَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فعنْدِي؛ أنه يلزمه الوفاء وجهاً واحداً، ولو نذر أن يزور قَبْرَ غيره، ففيه وجهان عندي.
وفي "التتمة": لو قال: أمشي، ونوى بقلبه حاجّاً أو معتمراً، انعقد النذر على ما نَوَى، وإن نوى إلَى بيت الله الحرام، فيُجْعَلُ ما نواه كأنه تلفَّظَ به.
قَالَ الغَزَالِيُّ: النَّوْعُ الرَّابِعُ فِي الضَّحَايَا وَالهَدَايَا: وَلَوْ نَذَرَ التَّقَرُّبَ بِسَوْقِ شَاةٍ إِلَى مَكَّةَ لَزِمَهُ الذَّبْحُ بِمَكَّةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّفْرَقَةُ أَيْضاً بِمَكَّةَ، فَإنْ لَمْ يَذكُرْ لَفْظَ الضَّحِيَّةِ وَالْقُرْبَةِ بَلْ قَالَ: عَلَيَّ ذَبْحُ شَاةٍ بِمَكَّةَ نَفِي اللُّزُومِ وَجْهَانِ، فَإِنْ أَضَافَ إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى فَأَوْلَى بألاَّ يَلْزَمَ، وَلَوْ قَالَ: للهِ عَلَيَّ أنْ أُضَحِّيَ بِنَيْسَابُورَ فَعَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُهُ الذَّبْحُ وَالتَّفْرِقَةُ بِهَا، وَعَلَى وَجْهٍ يَلزَمُهُ التَّفْرِقَةُ بِهَا دُونَ الذَّبْحِ، وَعَلَى وَجْهٍ لاَ يَتَعَيَّنُ لاَ الذَّبْحُ وَلاَ التَّفْرِقَةُ، وَهُوَ مِثلُ الْخِلاَفِ فِي تَعِيْينِ الفَقِيرِ الصَّدَقَةَ بِالنَّذرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا نذر دبْحَ حَيَوَانٍ، ولم يتعرَّض لهدي، ولا ضحية، بأن قال: لِلَّه عليَّ أن أذبح هذه البقرة، أو أنحر هذه البَدَنَةَ، فإن قال مع ذلك: وأتصدَّق بلحمها أو نواه، لزمه الذبح والتصدُّق، وإن لم يقله ولا نواه، ففي انعقاد نذره وجهان:
أحدهما: ينعقد، وعليه الذبح والتصدق، كما لو نذر أن يهدي، يلزمه الذبح والتصدق.
وأصحهما: المنع؛ فإنه لم يتعلَّق نذره بقربة.
ولو نذر أن يُهْدِيَ بدنة أو شاةً إلى مكة أو أن يَتقرَّب بسوقها إليها ويذبحها، ويفرق اللحم عَلَى فقرائها, لزمه الوفاء، ولو لم يتعرَّض للذبح وتفرقة اللحم، فيلزمه الذبح بها أيضاً وفي تفرقة اللحم وجهان:
أحدهما: لا يجب تفرقة اللحم بها إلا أن يَنْوِيَ؛ لأنه لم يلتزم بل له أن يفرِّق في موضع آخر.
وأصحهما: الوجوب، حملاً على الهدايا الواجبة في الشرع، وقال الإِمام في توجيهه: إنما يتقيد الذبح بالحرم حتى يكون اللحم المفرَّق على أهله غضًّا طريّاً، وإلا، فلا أدب في اتخاذ الحرم مجازر، ولو نذر؛ أن يذبح خارج الحرم، ويفرِّق اللحم في الحرم عَلَى أهله؛ قال في "التتمة": الذبح خارج الحرم لا قُرْبَةَ فيه، فيذبح حيث شاء، ويلزمه تفرقة اللحم هناك، وكأنه نذر أن يهدي إلى مكة لحماً، ولو نذر أن يذبح بمكة ويفرِّق اللحم على فقراء بلدة أخرَى وفَّى بما التزمه، ولو قال: لله عليَّ أن أنحر أو أَذبح بمكةُ، لم يتعرَّض اللفقاللقربة والضحية ولا للتصَّدُّق باللحم، ففي انعقاد نذره وجهان:
أحدهما: لا ينعقد؛ لأن مجرَّد الذبح لا قُرْبَةَ فيه.
وأصحهما: الانعقاد، وهو الذي أورده الجمهور؛ لأن ذكر الذبح متصلاً بالنذر مضافاً إلى مكة يُشْعِر بالقربة، ولأن الذبح عبادةٌ معهودةٌ، وعلى هذا، فهل يجب التصدق باللحم على فقرائها؟ فيه الوجهان السابقان.
قال في "التهذيب": لو نذر الذبح بأفضل بلد كان كما لو نذر الذبح بمكة؛ فإنها أفضل البلاد، ولو نذر الذبح أو النحر ببلدة أخرَى، ولم يقل مع ذلك؛ وأتصدَّقُ على فقرائها, ولا نواه، فظاهر ما نقله المُزَنِيُّ -رحمه الله- ينعقد نذره، وبه قال أبو إِسحاق؛ لأن النحر يتضمن تفرقة اللحم ويستتبعها، ويُرْوَى أن رجلاً نذر أن ينحر إبلاً في موضع سماء، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "هَلْ كَانَ فِيهِ وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالَ: لاَ قَالَ: هَلْ كَانَ فِيهِ عِيْدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالَ: لاَ فَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْفِ بِنَذْرِكَ" 1 والأصحُّ، وهو المحكيُّ عن نصه في "الأم": أنه لا ينعقد نذره إلا إذا قال مع
ذلك: وأتصدَّق على فقرائها أو نواه، بخلاف ما إذا نذر الذبْحَ بمكة، فإنَّ النذر هناك حمل على الواجب شرعاً، والذبح في غير مكة لا قربة فيه، ومن حكى الوجهَيْن في نذْرِ مكَّة؟ جعل الخلاف في غير مكة مرتباً على الوجهين هناك كما فعل في الكتاب وإذا انعقد النذر، إِما على الوجه الأول، أو الانضمام لفظ التصدق أو بنية على الثاني، فهل يجب التصدُّق باللحم عَلَى فقرائها؟ جعله الإِمام على قولَيْن مأخوذَيْن من الخلاف في نقل الصدقات، إن لم نجوز النقل، وجب التصدُّق عليهم، إنْ جوزناه، فوجهان: وجه تعيُّنهم، أن لفظ الناذر نصٌّ في التخصيص بهم والأخبار الَّتي تنقل في منع الصدقة تتعرَّض للتاويلات، والظاهر الذي يوجد للأكثرين التعيين، فإن قلْنا: لا يتعيَّن التصدُّق عليهم، فلا يجب الذبح بتلك البلدة بخلاف مكة فإنها محلُّ ذبح الهدايا، وإن قلْنا: يتعيَّن، فوجهان:
أحدهما: لا يجب الذبح بها، بل لو ذبح خارِجَها ونقل اللحم إلَيها طريّاً، جاز، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وجماعة.
والثاني: يتعيَّن إِراقة الدم بها، كما في مكة، وهذا ما أورده العراقيون، وحكَوْه عن نصه في "الأم" ولو قال: أضحي ببلدةِ كذا، وأفرِّقُ اللحم عَلَى أهلها، ينعقد نذره، ويغني ذكر التضحية عن ذكر التصدُّق ونيته وجعل الإِمام وجوب التفرقة على أهلها، ووجوب الذبح على الخلاف السابق، قال: ولو اقتصرَ على قوله: أضحي، فهل يتضمن ذلك تخصيص التفرقة بهم؟ فيه وجهان:
والظاهر الذي جرى عليه الأئمة، وحكَوْه عن صاحب "الإِفصاح": أنه يجب التفرقة والذبح بها، وخرَّج الإِمام الخلاف الذي ذكره في تعين فقراء البلدة؛ فيما إذا قال الرجل: لله عليَّ أن أتصدَّق علَى زَيْدٍ، وهو فقيرٌ، هل يتعيَّن زيد لذلك؟ والظاهر التعين.
وقد ذكر صاحب "التهذيب" وغيره؛ أنه لو نذر أن يتصدَّق بكذا على أهل بلد غنية، يجب أن يتصدَّق به عليهم، ومن هذا القبيل ما ينذر بعثه إلى القبر المعروف بجرحان، فإن ما يجتمع منه على ما يُحْكَى يقسم على جماعة معلُومِيَن، وفي "فتاوى القفَّال": أنه لو قال: إن شفى الله مريضي، فلله عليَّ أن أتصدَّق بعَشَرَةٍ عَلَى فلان، = كردم عن أبيها أنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني نذرت أن أنحر ثلاثة من إبلي، فقال: إن كان على وثن من أوثان الجاهلية فلا -الحديث- وفي لفظ لابن ماجة عن ميمونة بنت كردم الثقفية: أن أباها لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي ريفة كردم، فقال: إني نذرت أن أنحر ببوانة، فقال: هل فيها وثن؟ قال لا، قال: فأوف بنذرك.
(تنبيه): بوانة بضم الباء الموحدة وبعد الألف نون، موضع بين الشام وديار بكر، قاله أبو عبيد، وقال البغوي: أسفل مكة دون يلملم، وقال المنذري: هضبة من وراء ينبع.
فشفاه الله تعالَى لزمه التصدُّق علَيْه، فإن لم يقبل، لم يلزمْهُ شيْءٌ، هل لفلانٍ مطالبتُهُ بالتصدُّق بعد الشفاء؟ يُحْتَملُ أن يُقَال: نعم كما لو نذر إعتاق عبد معيَّن، إن شُفيَ، فَشُفِيَ، له المطالبة بالإِعتاق، وكما لو وجبت الزكاة، والمستحِقُّون في البلد محصُورُونَ، لهم المطالبة، ولا يخفَى خروجُ الوجوه الثلاْدة المذكورة في الكتاب فيما إذا قال: للهِ عليَّ أن أضحِّي بنيسابور في الخلاف الذي حَكَيْنَاه عن رواية الإِمام.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِذَا قَالَ: للهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّي بِبَدَنَةٍ فَهَلْ يَقُومُ مَقَامَهَا سَبْعٌ مِنَ الغَنَمِ أَوْ بَقَرةٌ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ عُدِمَتْ جَازَ وَإِلاَّ فلاَ، وَلَوْ نَذَرَ دَرَاهِمَ فلاَ يَتَصَدَّقُ بِجِنْسِ آخَرَ، وَإذَا ذَكَرَ فِي النَّذْرِ لَفْظَ الضَّحِيَّةَ فَلاَ يُجْزِئُهُ إلا الثَّنِيُّ مِنَ الإِبِلِ وَهُوَ مَا يُجْزِئُ فِي الضَّحِيَّةِ سَلِيماً مِنَ العُيُوبِ، وَلَوْ نَذَرَ هَدْيَاً فَعَلَى قَوْلٍ يَكْفِيهِ كُلُّ مَا يُسَمَّى مِنْحَةً وَلاَ يَجِبُ تَبْلِيْغُهُ مَكَّةَ، وعَلَى قَوْلٍ عَلَيْهِ مَا يُجْزِئُ فِي الضَّحِيَّةِ وَيَلْزَمُهُ تَبلِيغُ الحَرَمِ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ بُهْدِيَ ظَبيَّةً إِلَى مَكَّةً لَزِمَهُ التَّبْلِيغُ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا حَيَّةً وَلاَ تُذْبَحُ، وَلَوْ نَذَرَ ذَلِكَ فِي بَعِيرٍ مَعِيبٍ فَفِي ذَبْحِهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ نَذَرَ فِي مَالٍ نَقَلَهُ إِلَى مَكَّةَ فَإِنْ كَانَ عَقَاراً أَوْ مَا يَتَعَذَّرُ نَقْلُهُ بَاعَ وَفَرَّقَ قِيمَتَهُ بِمَكَّةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال: لِلَّهِ عليَّ أن أضحِّيَ بِبَدَنَةٍ، أو أن أهْدِيَ بَدَنَةً، فالبحث فيه من وجْهين:
أحدهما: أن البدنة ما هي؟ وهل يقوم غيرها مَقَامَها؟ قال الإِمام: البدنةُ في اللُّغة الاِبل، ثم الشرع قد يقيم مقامها بقرةً، وأيضاً سبعاً من الغنم، قَال الشيخ أبو حامد وجماعة: اسم البدنة يقع على الإبل، والبقر، والغنم جميعاً، ولا يخلُو، إمَّا أن يُطْلَقَ التزام البدنة، أو يُقَيَّد بالإِبل لفْظاً أو نيَّةً، إن أطلق، فعليه بدَنَةٌ من الإِبل، أما على ما ذكره الإِمام فظاهر.
وأما عَلَى المأخذ الثاني، فلأنها أكمل، والاستعمال فيها أغلبُ، يتعيَّن الإبل، أو يقوم مقامها بقرةٌ، أو سبْعٌ من الغنم، يُنْظَرُ؛ إن وجدت الإِبل، فوجهان:
أظهرهما: وهو المنصوص: أنه لا معدل عنها لقضية اللفظ.
والثاني: أنه يتخيَّر بينها، وبين بقرةٍ، أو سبع من الغنم؛ حملاً على معهود الشرع، وهما كوجهين أو قولَيْن ذُكِرَا في أن هذه الخضال إذا أُفسِدَ الحجُّ بالجماع تُشْرَعُ على الترتيب، أو على التخيير، وإن لم توجد الإِبل، فيعدل إلى بقرة، فإن لم يوجد فإلَى سبع من الغنم، هذا هو الظاهر المنصوص، وفيه وجه؛ أنه لا عدول عنها؛ اتباعاً للفظ، وإلحاقاً لما نص الناذر عليه بما نص الشارع عليه في الزكوات، حتى امتنع إبدالها.
وكذلك لو قال: للهِ عليَّ أن أتصدَّقَ بعَشَرَةِ دراهِمَ، لم يخرج عن النذر بصنف آخر من المال، وعلى هذا، فيكون في ذمته إلى أن يجد، وقد يُنْسَبُ هذا الوجه إلى القفَّال، قال القاضي الرويانيُّ: وهو القياس لكنه خالف نصَّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- وإذا جمع بين الحالتين خرج مما ذكَرْنا ثلاثة أوجه؛ ثالثها، وهو الأظهر، الفرق بين أن تُوجَدَ الإبل، فلا يُعْدَلَ عنها، أو لا تُوجَدَ، فيعدل، هذا إذا أطلق البدنة أمَّا إذا قَيَّدَ؛ فقال: أضَحِّي ببَدَنَةٍ من الإِبل، أو نوى الإِبل، فلا يجزئه غيرها إذا وجدت بلا خلاف، وإن عدمت فوجهان:
أحدهما: أنه يصبر إلى أن يجدها, ولا يجزئُهُ غيرها للتعيين.
وأظهرهما: وهو المنصوص: أن البقرة تجزئه بالقيمة، فإن كانت قيمةُ البقرةِ دُونَ قيمة البَدَنَةِ من الإِبل، فعليه إخراج الفضل، وفرق بينه وبين ما إذا أطلق البدنة؛ بأن البدنة تقع على البقرة، فلا حاجة إلى اعتبار القيمة، فإن اللفظ عند الإِطلاق ينصرف إلَى معهود الشرع، وفي المعهود تقوم البقرة مقام البدنة من الإِبل بلا تقويم.
وإذا قَيَّدَ بالإِبل، وجبت، فعند الإعواز يلزمه أكثر الأمرين مما يقوم مقامها شرعاً أو من قيمتها، كما إذا أتْلَفَ الأضحية الَمعيَّنة، يلزمه أكثر الأمرَيْن من المِثْل أو القيمة، وحكى القَاضِي ابن كج وجْهاً: أنه لا يُعْتَبَرُ القيمةُ، كما في حالة الإِطلاق، والظاهر الأول، وكيف يخرج الفاضل؟ في الكافي للقاضي الرويانيُّ: أنه يشتري به بَقَرَةً أُخْرَى إن أمكن وإلا فيشتري به شِقْصاً، أو يتصدَّق به على المساكين فيه وجهان، والمذكور في تعليق الشيخ أبي حامدَ، أنه يتصدق به، وقال المتولِّي: يشارك إنساناً في بدنة أو بقرة أو يشتري به شاة، وإذا عدل إلَى الغنم في هذه الحالة، فتعتبر القيمة أيضاً ثم نقل الرويانيُّ في "جمع الجوامع"، أنه إذا لم يجد الإبل في حالة التقييد، يتخيَّر بين البقرة والغنم؛ لأنَّ الاعتبار بالقيمة.
والذي ذكره القاضي ابن كج والمتولِّي؛ أنه لا يعدل إلَى الغَنَمِ مع القُدْرة على البقرة؛ لأنها أقرب إلى الاِبل، ولو وجد ثلاث شياهٍ بقيمة البَدَنَةِ، فهل يجزئه حكى ابن كج وجْهَيْنِ، قال أبو الطيب بن سلمة: لا، بل عليه أن يتم السبْعَ من عنده، وقال أبو الحسين النَسْويُّ، وهو شيخ من أصحابنا، كان في أيام أبي إسحاق وابن خيران -رحمهم الله- يجزئه لوفائها بالقيمة، والأول أظهر.
واعلم أن اعتبار القيمة نَقَلَهُ الإمامُ وجهاً عن رواية صاحب "التقريب" نقل الشيء الغريب من غير تمييز بين أنْ يطلق التزام البدنة أو يقيد بالإِبل، ثم ضعَّفَهُ والمشهور في كتب أصحابنا ما بيَّنَّاه، وقد نصَّ الشافعيُّ -رضي الله عنه-؛ فقال في "المختصر": فإن كانت نيَّتُه على بدَنَةٍ من الإِبل، لم يُجْزِه من البقر والغنم إلا بقيمتها، وفي طريقة
الصيدلانيِّ: حمل النص عَلَى ما إذا عيَّن بعيراً، وقال: لله عليَّ أن أهدي هَذا، ثم أتلفه، فعليه أن يأتي بمثله، وذكر الأصحاب وجهين في أنَّه يتخيَّر بين بدَنَةِ مثلها، وبين البقر والغنم، أو هي على الترتيب؟ فإذا عدل إلى البقر والغنم، ينبغي أن يكون بقيمة البعير المعين.
وَعَدَّ القاضي الرويانيُّ هذا التأويل غلطاً.
ولو نذر شاةً، فجعل بدلها بدنةً، جاز، وهل يكون الكلُّ فرضاً؟ ذُكِرَ فيه وجهان:
والوجه الثاني: البحْثُ عن الصفات المرعيَّة في الحيوان المنذور مطلقاً، فإذا قال لله عليَّ أن أهدي بعيراً أو بقرة أو شاةَ فهل يُشْتَرَطُ أن يكون في السِّنِّ بحيث تجزئ في الأضحية؟ وأنْ تكون سليمةً من العيوب؟ فيه قولان؛ بناءً على أن مطْلَقَ النذر يُحْمَل على أقلِّ واجب من ذلك الجنس أو على أقلِّ ما يتقرب به، والظاهر الأول.
ولو قال؛ أضحِّي ببعير أو بقرة، ففيه مثل هذا الخلاف، قال الإِمام -رحمه الله-: وبالاتفاق لا يُجْزئ الفصيل 1 لأنه لا يسمى بعيراً، ولا العجلُ، والَمذكورةُ البقرةُ ولا السخلةُ 2 والمذكورُ الشاةُ، ولو قال: أضحِّي ببدنة أو أهدي جرى الخلاف، ورأى الإِمام هذه الصورة، أولَى باشتراط السنن والسلامة؛ لشهرة اسْمِ البدنة في القرابِينِ، وهذا هو المذكور في الكتاب، ولو قال: لله عليَّ هدي أو أن أهدي، ولم يسمِّ، ففيه القولان إن قلنا: يُحْملُ النذر على أقلِّ ما يُتقرَّبُ به من جنسه فيخرج عن النذر بكل منحة، حتى الدجاجة والبيضة، وكل ما يتمول؛ لأن اسم الهَدْي يقع على الجميع، ألا ترى أن في قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث الجُمُعَةِ: "مَنْ رَاحَ في السَّاعةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا أَهْدَى بَيْضَةً" 3 وُينْسَبُ هذا القولُ إلى "الإِملاء" والقديم، وعلى هذا لا يجب تبليغه مكَّةَ، وهذا تناقض، وإن قلْنا: يُحْمَلُ عَلَى أقلِّ ما يجب من جنسه، حُمِلَ على ما يُجْزئ في الأضحية، وينسب هذا إلَى الجديد، وبه قال أبو حنيفةَ وأحمد -رحمهما الله- وقد توجَّه بأن الهْدَي شرعاً عبارةٌ عن ذلك، فيُحْمَلُ النذرُ على المعنى الشرعيِّ؛ كنذر الصلاة، وعلى هذا؛ فيجب تبليغه مكة، فإنَّ محل الهدْي الحرمُ قال الله تعالَى: [جدُّه]: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلُهُ﴾ [البقرة: 196] مَحِلَّهُ" وفيه وجه ضعيفٌ، أنه لا يجب إلا أن يصرح به، ولو قال: عَلَى أن أهدي الهَدْيَ، انصرف النذر إلى المعهود الشرعيّ بالألف واللام، ولم يجروا فيه الخلاف.
ولو نذر؛ أن يهدي مالاً معيناً، فيجب صرفه إلَى مساكين الحَرَمِ.
وحكى القاضي ابن كج وجهاً ضعيفاً أنَّهم لا يتعيَّنون، ثم يُنْظَرُ، إن كان المعيَّن من النعم، كما إذا قال: أهدي هذه البدنة أو الشاة، فيجب التصدُّق بها بعد الذَّبْح، ولا يجوز أن يتصدَّق بها حية؛ لأن في ذبحها قربةً، وهل يجب الذبح في الحَرَم؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: نعم.
والثاني: يجوز أن يُذْبَحَ خارجَ الحرم، بشرط أن يُنْقَلَ اللحمُ فيه قَبْل أَنْ يتغيَّر، وقد سبق نظيره، وإن كان من غير النَّعم، فهو إما حيوانٌ لا يجوز التضحية به، أو مال آخرُ يتيسَّر نقله إلى الحرم، كما إذا قال: أهدي هذه الظبية أو الطائر، أو الحمار، أو الثوب، فيجب حمله إلى الحرم.
وأطلق مُطلِقُون أن مؤنة النَّقْل على الناذر، فإن لم يكن له مالٌ، بيع بعضه لنقلِ البَاقِي، واستحسن ما يُرْوَى عن القفَّال، أنه إِن قال: أهدي هذا، فالمؤنة عليه، فإن قال: جعلته هدياً، فالمؤنة فيه يباع بعضه، لكن قضية جعله هدياً أن يبلغ كلّه الحرم فيلتزم مؤنته، كما لو قال: أهدي، ثم إذا بلغ الحَرَم، فالظاهر أنَّه يجب صرْفُه إلَى مساكين الحرم، فالمقصود من تبليغه مكَّة أن ينتفعوا به، نعم، لو نوى صرفه إلَى تطييب الكعبة، أو جعل الثوب ستراً لها، أو قربة أخرَى هناك فله صرفه إلى ما نوى، وفيه وجه، وأن أطلق، فله صرفه إلى ما نوى.
وحكى الإِمام وجهاً أضْعَفَ من هذا؛ أن الثوب الصالِحَ للسِّتْر يُحْمَلُ عليه عند الإِطلاق، وذُكرَ أن قياسَ المذْهَب، والذي صرح به الأئمة: أن ذلك المال المعيَّن، يمتنع بيعه وتفرِقَةُ ثمنه، بل يُتَصدَّقُ بعينه، وينزل تعيينه منزلة تعْيين الضحية، وتعيين الشاه في الزكوات، ويُتصَدَّقُ بالظبية والطائر، وما في معناهما في الحياة، ولا يُذْبَحُ إذْ لا قربةَ في ذَبْحِها, ولو ذبحها، فنقصت القيمة، تَصدَّق باللحم، وغرم ما نقص، وفي "التتمة" وجه آخر: أنها تُذْبَحُ، وطردها فيما إذا أُطْلِقَ ذكر الحيوان.
وقلنا: لا يُشْتَرَطُ أن يهدي ما يجزئ في الأضحية، والظاهرُ الأولُ، ولو نذر إهداء بَعِيرٍ، معيب فهل يذبحه؟ فيه وجهان مذكوران في الكتاب:
أحدهما: نعم، نظراً إلَى الجِنْس.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه إذا لم يصلُحْ للتضحية، لم يكن في ذبحه قربة، كالظبية، وإن كان المال المُعَيَّنُ مما لا يتيسَّر نقله؛ كالدار، والأرض والشجر وحجر الرحا، فَيُبَاعُ، وينقل ثمنه، فيُتصَدَّق به على مساكين الحرم، قال في "التهذيب": ويتولَّى الناذر
البيع والنقل بنفسه، ولم يذكروا؛ أنه يُتَصَدَّقُ بعينه، حيث هو على المساكين هناك، ولا بعد فيه.
وليعلم؛ لما تبيَّن قوله في الكتاب "فلا يجزئه إلا الثني من الإبل" بالواو.
وقوله "ويكفيه كلُّ ما يسمَّى منحة" بالحاء والألف.
وقوله "ولا يجبُ تبليغه مكَّة" بالواو، وكذا قوله "ويلزمه تبليغ الحرم"، وكذا قوله في مسألة الظبية "لزمه التبليغ" للوجه الذي نقله القاضي ابن كج في كلِّ هدي، وكذا قوله "ولا يذبح" وقوله "نقله إلى مكة" وقوله "بمكة".
فروع: عن "الأم" لو قال: أنا أهدي هذه الشاة نذراً، فعليه أن يهديها، إلا أن تكون نيته، أني ساحدث نذراً، أو سأهديها, ولو نذر أن يهدي هدياً، ونوى بهيمة، أو جدياً، أو رضيعاً، أجزأه، والقولان السابقان فيما إذا أطلق نَذْرَ الهَدْي، ولم ينوِ شيئاً، ولو نذر أن يهدي شاة عوراء أو عمياء، أو ما لا يجوز في التضحية إهداؤه، ولو أهدي تامّاً، كان أحَبَّ إليَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَكَّةٍ لاَ تَتَعَيَّنُ لِلصَّوْمِ في النَّذْرِ وَإِنْ تَعَيَّنَتْ لِلصَّدَقَةِ وَالصَّلاَةِ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنْ أَسْتُرَ الْكَعْبَةَ أَوْ أُطَيِّبَهَا لِزَمَهُ، وَيَجُوزُ سَتْرُ الكَعْبَةِ بِالحَرِيرِ؛ لأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ فَقَطْ، وَفِي نَذْرِ تَطْيِيبِ مَسْجِدِ المَدِينَةِ وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البقية صورتان:
إحداهما: ظاهر المذهب، أنه إذا نذر أن يصوم في بلَدٍ لم يتعيَّن ذلك البلد، بل له أن يصوم حيث شاء، يستوي فيه حرم مكة حرسها الله تعالَى وغيره، كما أن الصوم الذي هو بدل واجباتِ الإِحرام لا يختص بالحرم، وعن صاحب "التلخيص"؛ أنه إذا عيَّن الحرم، اختص به تخريجاً من الصلاة والصدقة.
الثانية: ستر الكعبة وتطييبها من القربات، فإن الناس اعتادوهما على مر الأعمار، ولم يبد من أحد نكير، ولا فرق بين الحرير وغيره، وإنما ورد تحريم لبس ذلك في حتى الرجال، وذكرنا في باب الزكاة أن الأظهر أنه لا يجوز تَحْلِيةُ الكعبة بالذَّهَب والفضة وتعليق قناديلها، وكأن الفرق استمرار الخلق على ذاك، دون هذا، فلو نذر ستر الكعبة وتطييبها، صحَّ نذرُه، وإذا نذر أن يجعل ما يهديه في رتاج الكعبة وتطييبها، قال إبراهيم المروزيُّ: ينقله إليها، ويسلمه إلَى القَيّم، ليصرفه إلى الجهة المنذورة، إلا أن يكون قد نَصَّ في نذره، أنه يتولَّى ذلك بنفسه، ولو نذر تطييب مسْجِدِ المدينة والمسجد الأقصى وغيرهما من المساجد ففيه تردد للإِمام، ومال الإِمام إلَى تخصيصه بالكعبة والمسجد الحرام وههنا فائدتان:
إحداهما: احتج الإِمام لصحَّة النذر في المسألة على أن القرباتِ كلَّها يصح نذرها، وإن لم توضَعْ وضعَ العبادات على ما تقدَّم.
والثانية: أغرب القاضي ابن كج، فحكَى وجهاً، أنه لا يجوز الوقف على البنيان كما لو وقف على المسجد والكعبة ونحوهما، وإنما الوقف على من يملك، وذكر على هذا أنه لا يجوز أن يُقْصَدَ كون الستر والطيب للكعبة، بل ينبغي أن يجعله لعامة المسلمين ليتجمّلوا به، ولا أدري، هل جرى ذكر هذا الوجه في الوقف أم لا؟.
فرع: نقل القاضي ابن كج وجهين فيما لو قال: إن شفى الله مريضي فلّله عليَّ أن أُعَجِّلَ زكاة مالي، هل يصحُّ نذره؟ ووجهين فيما إذا قال: إن شفى الله مريضي، فلّله عليَّ أن أذبح لابْنِي، هل يلزمه الذبحِ لابنه؟ لأن الذبح عن الأولاد مما يُتَقَرَّبُ به ووجهين فيما إذا قال: لله عليَّ، إن شفى الله مريضي أن أذْبَحَ ابني، فإن لم يجز، فشاة مكانه، هل يلزمه ذبح شاة؟ ووجهَيْنِ فيما لو نذر النصرانيُّ، أن يصلي، ويصوم، ثم أسلم، هل يلزمه أن يصلِّي صلاة شَرْعِنَا وصومه 1؟ وأنه لو نذر أن يصوم بمكة -حرسها الله- ثلاثة أيام مثلاً، فلا يختص الصوم بمكة، وهذا قد سبق ذكره، وزاد، فقال: إن قلنا: لا يجوز دخول مكة، إلا بحج أو عمرة، انعقد النذر، ولزمه قصد مكة بحج أو بعمرة.
وإن قلنا: يجوز، فهل يلزمه أن يقصد مكة؟ فيه قولان؛ كما لو نذر المِضيَّ إلَى مسجد المدينة؟ أو مسجد بيت المقدس.
وفي فتاوى القفَّال: أنه إذا نذر رجُلٌ أن يضحي بشاة، ثم عيَّن شاة لنذره، فلما قَدَّمها للذبح صارت معيبة، لا تجزئ وبمثله، لو نذر أن يهدي شاةً، ثم عيَّن واحدةً، وذهب بها إلى مكَّة؛ فلما قدمها للذَبْح تعيَّبت، تجزئ؛ لأن الهدي ما يهدى إلى الحَرَمِ، وبالبلوغ إليه يحصل الإهداءُ، والتضحيةُ، لا تحصل إلا بالذبح، وإن صاحب "التقريب" قال: ولو قال رجلٌ: إن شفى الله مريضي، فلله عليَّ أن أشْتَرِيَ بدرهم خبزاً، وأتصدَّقَ به فلا يلزم الشراء، بل له أن يتصدق بخبز آخر بقدر درهم، وأنه لو قال: إن شفى الله مريضي، فلّله عليَّ رِجْلِي حج ماشياً، يصح نذره، إلا أن يريد إلزاماً على الرِّجْلِ خاصَّةً.
ولو قال: عَلَى نَفْسِي أو رقبتي، صح.
وأنه إذا نذر إعتاق رقبة، وكان عليه إعتاق رقبة في الكفارة، فأعتق رقبتين،
ونواهم عن الواجب، جاز، وإن لم يعين كما إذا كانت عليه كفارتان مختلفتان.
وأنه لو نذر صلاتَيْن، لم يخرج عن نذره بأربع ركعات بتسليمةٍ واحدةٍ.
وأنه لو قال: إن شفى الله مَرِضي، فلله عَلَيَّ أن أتصدَّق بشيء، صح نذره، وَيتَصَدَّق بما شاء من قليل وكثير ولو قال: فعلي ألْفٌ يعين شيئاً باللفظ ولا بالنية، لم يلزمه شيء.
وأنه لو نَذَر صوْم شَهَر، ومات قبل إمكان الصوم، يُطْعم عنه لكلِّ يَوْمٍ مُدٌّ، بخلاف ما لو لزمه قضاءُ رمَضَانَ لمرض أو سفر، ومات قبل إمكان القضاء، لاَ يُطْعَم عنه؛ لأن المنذور يسْتَقِرُّ بنفس النذر.
وبُنِيَ عَلَى هذا، أنه إذا حلف، وحنث في يمينه، وهو مِعْسرٌ فرضه الصيام، فمات قبل الاِمكان، يُطْعَمُ عنه، وأنه لو نَذَر حَجَّةً، ومات قبل الإِمكان، يُحَجُّ عنه، وهذا يخالف ما قدَّمناه في الحج.
في تفسير أبي نصر القُشَيْرِيِّ -رحمه الله- أن القفَّال قال: من التزم بالنذْرِ ألا يكلم الآدميِّينَ، يُحْتَمَل أن يقال: يلزمه؛ لأنه مما يَتَقَرَّبُ به، ويُحْتَمَلُ أن يُقَالَ: لا؛ لما فيه من التَّضْييق والتشديد، وليس ذلك مِنْ شَرْعِنا، كما لو نذر الوقوف في الشَّمْسِ 1، والله أعلم بالصواب.