العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 373-412

الثالثة: قَذَف زوجته بزنا أضافه إلى ما قبل الزوجة، فإن لم يكُنْ هناك ولَدٌ، فليس له النَّفْيُ باللعان، ويُحَدُّ إذا لم يأْتِ بينة؛ لأنه لا حَاجَة [به] 1 إلى القَذْف بذلك الزِّنا، وبهذا قال مالك، وعن أبي حنيفة: له اللعان؛ اعتبارًا بحالة القَذْف، وعن أحمد روايتان، وإن كان هناك ولدٌ، فوجهان: أحدهما، وبه قال أبو إسحاق: لا يلاعن؛ لأنه مُقَصِّر بذكر التاريخ، وكان من حقه أن يَقْذِف مطلقًا؛ وعلى هذا فله أن يُنْشئَ قذْفًا، ويلاعن لنفي النسب، فإن لم يَفْعل، فيحد، وهذا الوجه أرْجَح عند الشيخ أبي حامد وجماعة، -رحمهم الله-.
والثاني، وبه قال أبو علي بن أبي هريرة، والطبريُّ: أن له اللعان، كما لو قذف مطلقًا، وقد برئ الولَدُ من ذلك الزِّنَا وهذا أصح عند القاضي أبي الطيِّب، وإلى ترجيحه مال الإِمام والقاضي الرُّويانىُّ وغيرهما؛ فعلى هذا يندفع الحد إذا لاَعَنَ، وهل عليها حدُّ الزنا؟ فيه وجهان؛ لأنها لم تُلَطِّخ فراشه، حتى يجب الحد عليها بلعانه انتقامًا، وهل لها معارضته باللعان؟ فيه الوجهان السابقان 2. قَالَ الغَزَالِيُّ: (فُرُوعٌ: الأَوَّلُ) لَوْ لاَعَنَ ثُمَّ أَبَانَهَا وَقَذَفَهَا بِتِلْكَ الزَّنْيَةِ فَلاَ حَدَّ وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ وَلاَ لِعَانَ وَإنْ قذَفَهَا بِزَنْيَةٍ أُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُلاَعِنْ وَحُدَّتْ لَمْ يَجِبِ الحَدُّ عَلَي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِسُقُوطِ حَصَانَتِهَا بتِلْكَ الزَّنْيَةِ بِمْوجِبِ لِعَانِهِ وَإنْ لاَعَنَتْ وَجَبَ الحَدُّ عَلَى الصَّحِيحِ إِذْ بَقيَتْ حَصَانَتُهَا بِلِعَانِهَا وَإِنْ كَانَ القَذْفُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فإيجَابُ الحَدِّ أَوْلَى لأَنَّ أَثَرَ لِعَانِ الزَّوْجِ لاَ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قَذَف زوجته، ولاعَنَ ثُمَّ قَذَف مرَّةً أخْرَى، فَلهَا حالتان: إحداهما: إذا لم تُلاَعن في مُعَارضة لعانه، وحُدَّت حد الزنا فالقذف.
الثاني: إما أن يَصْدُر من الزوج أيضًا أو من أجنبيٍّ إن قَذَفها الزوج، فيُنْظَر؛ إن قَذَفها بتلك الزنية أو أطْلَق، لم يلزمْ إلا التَّعْزير 3؛ لأنا قد صدَّقناه في تلك الزنية، وإنما يعزِّر؛ للسب والإيذاء، وإن قَذَفَها بزنية أخرى، فوجهان نقلهما صاحب الكتاب وغيره: أحدَهما: وجُوبُ الحَدِّ، كما لو لم يسْبقه لعان.
وأصحهما، وهو المذكور في "التهذيب": أنه لا يجب إلا التعزير أيْضًا؛ لأن اللعان في حقِّ الزوج كالبينة، وليس لَهُ أن يُلاَعن؛ لدَفْع التعزير؛ لأنه قَذْف بعْد البينونة،

وإن قَذَفَها أجنبيٌّ، نُظِرَ؛ إن قذفها بزنية أخرى 1، فعليه الحد، وإن قذفها بالزنية الأولى 2، فوجهان: أحدهما: لا يجب الحدَّ؛ لأنه قَذْفٌ بزنا هي محدودة فيه، فأشبه ما إذا حدث بالبينة؛ ولأن اللعان من الزوج ونكولها من اللعان؛ إما أن يُجْعَل كالبينة، أو كإقرارها، [و] 3 على التقديرين، فما يَنْبَغِي أن يجب الحَدُّ.
وأصحهما، ويُحْكَى عن ابن سلمة: أنه يجب؛ لأن اللعان حجة تختص بالزوج، فيؤثر في سُقُوط الحصانة بالإضافة إلى الزوج خاصَّة، ونَسَب ناسِبُون، منْهُم الشيخ أبو حامدٍ، وصاحب "التهذيب"، -رحمهم الله- وجْه المنع إلى ابن سُرَيْج، والوجوب إلى أبي إسحاق -رحمهما الله- عكس القاضيان أبو الطيب والرُّويانيُّ وغيرهما النِّسْبة إلى الإمامين، والعكس أثبت، وحكى القاضي ابن كج: أن منْهم مَنْ خَرَّج ما إذا قذفها بغَيْر تلْك الزنية على الخلاف أيضاً.
الحالة الثالثة: إذا لاعَنَتْ في معارضة لِعَانِ الزوج، ثم قَذَفها مرةً أخْرَى، فإن قذف بتلك الزنية أو أطلق، ليس عليه إلا التعزير، وإن قذفها بزَنْيَةٍ أُخرَى، فطريقان: أشهرهما: أنَّ فيما عليه وجْهَيْن: أحدهما: ليس علَيْه إلا التعزير؛ لأن اللعان في حَقِّ الزوج كالبينة، فيسقط الحصانة في تلْك الزنية وغيرها.
والآخر: أن الواجِبَ الحَدُّ كما لو قذف أجنبية، واللعان إنما يُسْقِطُ الحَصَانة، إذا لم يعارضْه لعانها، فإذا عارَضَه، بَقِيَتْ الحصانة بحالها على أن اللعان حُجَّةٌ ضعيِفةٌ، فيختص أثرها بتلْك الزنية، كما يختص بالزوج، ومنْهم من يَحْكي بدل الوجهَيْن قولَيْن، وعن القَفَّال، -وذكر من أصحابه الشيخان أبو علي والصيدلاني- أن وجوب الحَدِّ هو قوله القديم.
والثاني: القَطْع بوجوب الحدَّ، ويُرْوَى ذلك عن ابن سُرَيْج -رحمهم الله- والمثبتون للخلاف مِنْهُم مَنْ رَجَّح 4 وجوب التعزير دون الحد، ومنهم القاضي أبو الطيب، وتابعهم صاحب "التهذيب" والقاضي الرُّوَيانيُّ، ومنهم من رجَّح وجوب الحَدِّ، منهم الشيخ أبو عليٍّ وصاحب "التتمة" وهو الذي أورده ابن الصَّبَّاغ، وكأنه أقْرَبُ، والخلاف على ما ذكره المتولِّي مُطَّرِدٌ في القذف بزنا آخر متأخَّرٍ عن اللعان، وبزنًا آخَرَ

سابِقٍ علَيْه مُتقدِّم على النكاح أو غيرُ متَقَدِّم، ووجوب الحدَّ في الزنا المتقدِّم على اللعان أظهر؛ لمصادفته حال الحصانة، وسواء قُلْنا بالحد أو التعزير، فليس له إسقاطُه باللعان؛ لارتفاع النكاح بالأول، ولا لعان بالقَذْف بعد البينونة، إذا لم يَكُن ولَدٌ وإن قذفها أجنبي فعليه الحد، سواءٌ قَذَفَ بتلك الزنية أو بغيرها، وأَثَرُ اللِّعَان يختص بالزَّوْج كما تكَرَّر، وقيل: إن قَذفَها بتلْك الزنية، ففيه خلافٌ، والظاهر وجوب الحَدِّ، ولا فرق في الزوج والأجنبي بيْن أن يكون هناك وَلَدٌ نفاه باللعان وبين أن لا يكون، ولا إذا نفاه، بيْن أن يبقى أو يموت، وعند أبي حنيفة: إن كان هناك وَلَدٌ قد نفاه [وهو حَيٌّ،] 1 فلا حَدَّ على قاذِفها، وإن لم يَكُنْ ولدٌ أو لم يَنْفِهِ أو ماتَ، وجَب الحَدُّ على الأجنبي، إذا قذَفَها بغَيْرِ تلْك الزنية، واحتج الأصْحَاب بما رُوِي أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- 2 فَرَّق بين المتلاعنَيْن، وقضى بأن لا تُرْمَى ولا ولدها، فمَنْ رماها أو رَمَى ولدها، فعليه الحَدُّ، أطْلَقَ ولم يُفَرِّق، هذا كلُّه فيما إذا قذف زوجته، ولاَعَنَ ثم قذف، وأمَّا إذا قذفها ولم يُلاَعِنْ، فحُدَّ حَدَّ القذف، ثم قذفها بتلْك الزنية، لم يُحَدَّ؛ لأنه ظَهَر كذبه بالحَدِّ الأول، وُيعَزَّر تأديبًا؛ لما فيه من الإيذاء، وقد سبق أنه لًا يُلاَعن؛ لإسقاط مثل هذا التعزير على الظاهر، وإن قذفه بزنية أخرى، فيُعَزَّر أو يُحَدُّ؟ فيه وجهان، قال فى "التهذيب": أصحهما: الأول، وقال أبو الفرج الزاز: الأصحُّ الثاني؛ لأن كَذِبَه في القَذْف الأول لا يُوجِب الكَذِبَ في الثاني، فلا بُدَّ من الحدِ، لِدَفْعِ العار، وَهَلْ يُلاَعِنُ لإسقاط عقوبة الحَدِّ أو التعزير؟ فيه وجهان: أصحُّهما: لاَ؛ لظهور كذبه بالحد، ولو قَذَفَها أجنبيٌّ، إما بذلك الزنا أو غيره قال أبو الفرج: يلزمه الحدَّ؛ لأن زناها لَمْ يَثْبُت بحال، فهو كما لو قَذَفها أجنبيٌّ، فحُدَّ ثم قذَفَها آخر.
وقوله في الكتاب "لو لاعن ثم أبانها وقَذَفَها بتلْك الزنية فلا حد، وعليه التعزير، ولا لِعَان" يشمل بإطلاقه مما إذا لاَعَنَتْ هي، ومما إذا لم تلاعن، وهو مُجْرى على إطلاقه؛ فلا فَرْق في تلك الزنية بيْن الحالَتَيْن، كما تبيَّن أنَّ الكَلاَم في القَذْف بزنية أخرى.
وقوله "وجب الحد على الصحيح" يمكن أن يريد مِنَ الطريقين، ويمكن أن يريد من الوَجْهَيْن؛ جوابًا على أشهر الطريقين، وعلى التقدير الثاني يجوز أن يُعْلَم بالواو.
وقوله "وإن كان القذف من أجنبي، فإيجابُ الحدَّ أَوْلَى" يشعر بإثبات الخلاف في صورة الخلاف في الزوج بالترتيب، وأكثرهم ساكتون عن ذكر الخلاف في الحالة الثَّانِيَة، والله أعلم.

قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): إِذَا قَذَفَ أَجْنَبِيَّةَ ثِمَّ نَكَحَهَا وَقَذَفَهَا وَلاعَنَ انْدَفَعَ الحَدُّ الثَّانِي أَمَّا الأَوَّلُ فَيُسْتَوْفَى وَلاَ يَنْدَرجُ تَحْتَ الحَدِّ السَّاقِطِ بِاللِّعَانِ وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّدَاخُلِ لأَنَّ قَوْلَ الإتِّحَادِ يَجْرِي عِنْدَ الاسْتِيفَاءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قذف زوجتَهُ أو أجنبيةً مرتَيْنِ فصاعدًا، وأراد زَنْيةً واحدةً، لم يلْزَمْه إلا حَدٌّ واحدٌ؛ لأنه لم يَقْذِفْ إلا بفاحشةٍ واحدةٍ، إن حُدَّ مرة، أعاد، عُزِّرَ للثاني؛ لما فيه من الإيذاء، ولا يَحَدُّ لظهور كذبه؛ ويدل عليه قصة 1 أبي بَكْرة الثقفيُّ؛ فإنه كَرَّر قذف المغيرة -رضي الله عنه- فلم يُكَرَّر الحَدُّ عليه، وإن قَذَف بزنية أُخْرَى مثْل أن قَالَ: زنَيْتِ بفلان، ثم قال: زَنَيْتَ بآخر؟ فقولان: الجديد، واحد قولَي القديم: أنه لا يَجِبُ إلا حَدٌّ واحدٌ؛ لأنهما قَذْفَانِ لشخص واحد، فيتداخل موجبهما، كما لو قذف مرتين بزَنْية واحدة؛ وهذا لأنَّ الحدَّ الواجب يُظْهِر الكذب، ويدفع العار.
والثاني مِنْ قولَي القديم: أنه يتعدَّد الحدُّ؛ لأنه حقُّ الآدميِّ، فلا يجري فيه التداخل، كالقصاص وسائر الحقوق، وهذا يُشْكَل بما إذا قَذَف ثانيًا بالزنا الأوَّل، ورأى القاضي ابن كج القَطْع بأنه لا يجب إلا [حدٌّ]، 2 واحدٌ، وعلى هذا القول، لو قَذَفُ وُحَّد ثم قذف ثانياً يحد ثانيًا؟، كما لو شرب الخَمْر، فحُدَّ ثم شربها، أو يعزر للثاني، ويكتفي بظهور كذبه بالحد الأول؟ فيه وجهان أو قولان، ذكر القاضي ابن كج أن المَذْهب منهما أنَّه لا يُحَدُّ ثانيًا، ولو قَذَف زوْجَته مَرَّتَيْن فصاعدًا بزناءين، ففي الاتحاد والتعدد 3 هذا الخلاف، فإن قلْنا بالاتحاد، كفى لعان واحد، وإن قلْنا بالتَّعدُّد، فوجهان: أحدهما: يتعدَّد اللعان بحسب تعدُّد الحَد، وأصحهما أنه يكفي لعانٌ واحدٌ؛ لأن اللعان يمين، وإذا كان الحَقَّان لواحد، كفت يمين واحدة عنْهما إلا أنه يقول في اللعان: أشْهَد باللهِ إني لَمِنَ الصادقين فيما رَمَيْتُهَا به من الزناءين، وإن سَمَّى، الزانيين ذكرهما في اللعان، ولو وقع به أحَدُ القذْفَيْن في حال الزوجية، والآخر خارجها، ففيه مسألتان: إحداهما، وهي مسألة الكتاب: إذا قَذَف أجنبيةً ثم نكحها قبل أن يُحَدَّ ثم قذفها، نُظِر؛ إن قذفها بالزنا الأَوَّل، لم يجبْ إلا حَدٌّ واحدٌ، ولم يكن له إسقاطُهُ باللعان، بل يحتاج إلى البيِّنة وإن قَذَفَها بزنا آخر، ففي اتحاد الحَدِّ وتعدُّده طريقان: أحدهما: أنه على القولَيْن فيما إذا قَذَف زوْجَتَه أو أجنبيةٌ بزنائين.

والثاني: القطع بالتعدُّد، والفرْقُ أن القذف في الزوجية، والقَذْف خارج الزوجية يختلفان في الحُكْم؛ فالثاني لا يسقط موجبه إلا بالبَيِّنَة، والأوَّل يسْقط مُوجِبه بالبينة واللعان فينزل ذلك منزلة حدين 1 مختلفين، ولا تداخل مع الاختلاف؛ ألا ترى أنه لو زَنَى، وهو بكر، ثم زنى، وهو مُحْصَنٌ، لا يتداخل الحدان، والطريق الثاني أصَحُّ عنْد القاضي أبي الطيِّب، وهو الذي أورده الشيخ أبو حامد ومَنْ تابعه، ورجَّح مُرَجِّحون طريقة القولَيْن، وقالوا: موجب القذْفَيْن الحدُّ، وذلك لا اختلاف 2 فيه، وإنما الخلاف 3 في طريق الخَلاَص، وإيراد صاحب "التهذيب" يوافقه، فإن قلنا بالاتحاد، فإن لم يُلاَعِنْ، حُدَّ لهما حدًّا واحدًا، وإن لاَعَنَ للثاني، حُدَّ للأول، وإن حُدَّ للأول قبل أن يُلاَعِن، سَقَط اللعان للثاني إلا أن يكون هُنَاك ولَدٌ، فيُلاعن لنفيه، فإن لم يكُنْ، فعلى الخلاف في أنَّه هل يجوز اللعان؛ لمُجَرَّد غرَض قطْع النكاح وإلصاق العار بها؟ وقد سبق، وإن قُلْنا بالتعدد، فإن طالَبَت أوَّلاً للقذف الأوَّل، فأقام بيِّنة على زِنَاها، سَقَطَ عنه الحدان جميعًا؛ لأنه ثَبَت أنَّها غيْرُ مُحْصَنة، وإن لم يَقمْ حُدَّ، ثم إذا طالَبتْ للثاني، فإن أقام بيِّنة أو لاعن، سَقَط عنه الحدُّ الثاني، وإلا حدَّ ثانيًا، وإن طالَبَتْ أولاً للثاني، فإن أقام بينة، سَقَط الحدان، وإلا فَإِنْ لاعن، سقَط عنْه الحد الثاني دون الأول، وإن لم يلاعن، حُدَّ للثاني، ثم يحد للأول، دهان طالبت بهما جميعًا، حُدَّ للأول؛ لِسَبْقِ وجوبه، ثم للثَّاني إن لم يُلاَعن، وإن حُدَّ في القَذْف الأول، ثم قَذَفَها في النِّكَاح، ولم يلاعن، فيُحَدُّ ثانيًا [و] 4 قال ابن الحَدَّاد: لا يُحَدُّ للثاني، قال الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله-: وهذا ما رضيه أحَدٌ من أصحابنا، وقالوا: يحد ثانيًا إذا لم يلتعن تفريعًا على قَوْل التعدد، وقالوا: لا فرق بين أن يقذف في النِّكاح بعْد أن يُحَدَّ للأول أو قبله، في أنَّه يُحَدُّ للثاني، إذا لم يلتعن.
نعم، إذا كان قبله، حُدَّ لكلِّ واحد منهما.
وقوله في الكتاب "اندفع الحد الثاني" إلى آخره المقصودُ منْه أن حدًّا واحدًا مستَوْفًى لا محالة سواءٌ قلنا بالتداخل أو لم نقل به؛ لأن اللعان لا يُؤَثِّر في موجب القذف الأول، وإنما يُؤَثِّر في الثاني، فالأول ثابتٌ مستقرٌّ، والتداخل إنما يُحْكَم به عنْد الاستيفاء، فيقال: يتداخل الواجبان 5، ويعودان إلى واحد، وأما السَّاقط، فلا يدخل منه 6 شَيْءٌ.
المسألة الثانية: قذف زوجته، وأبانها من غَيْر لعان، ثم قَذَفها بزنًا آخَرَ، فإن حُدَّ للأول، ثم نَكَحها، فهل يُحَدُّ للقذف الثاني؟ فيه قولان، كما لو قذف أجنبية وحُدَّ ثم

قذفها 1 ثانيًا، وأشار ابن الحدَّاد إلى أنه لا حَدَّ عليه، وغَلِطَ فيه، وإن لم تطالب بموجب ذلك القَذْف حتى أبانَها، فإن لاعن 2 للقذف الأول، فهل يُحَدُّ للثاني؟ فيه طريقان: أحدهما، وبه قال ابن سُرَيْج: نعم.
والثاني: أن فيه قولَيْن، وهذان الطريقان هما المذكوران في الكتاب فيما إذا قَذَف 3 زوجته ولاعن، فبانَتْ باللعان ثم قَذَفها بزنًا آخَرَ، وإن لم يَلْتَعِنْ فالواجب حَدٌّ أو حدَّان؟ فيه طريقان: أحدهما: أن فيه قولَيْن، والثاني: القطع بأنه يلزمه حدان؛ لإختلاف القَذْفَيْن في الحكم، وبه قال ابن 4 الحدَّاد، والله أعلم.
فَرْعٌ: قذف زوجته، وهي بكر، فلم تطالبْه بموجب القَذْف، حتى فارَقَها، ونكَحَت غيره، وأصابَهَا الزوْج الثَّاني، فصارت محصَنَةً، وقذَفَها الثاني، ثم طالبتهما 5 فَلاَعَنَ كلُّ واحد منهما، وامتنعت هي عن اللِّعَان، فقد ثبت عليها بِلِعَانِ الأول زنَاها، وهي بكْرٌ وبلعان الثاني زناها، وهي محصنة، وفيما علَيْها وجهان: أحدهما: أنه لا يلزمها إلا الرَّجْم؛ لأن مِنْ شأن الحَدِّ التداخُل.
والثاني، وبه قال ابن الحدَّاد: أنها تُجْلَد ثم تُرْجَم قال الشيخ أبو عليٍّ -رحمه الله-: وهذا ظاهرُ المَذْهَب؛ لأنهما حَدَّانِ مختلفان، وإنما يكون التداخُلُ عند الإتفاق، قال: وعلى هذا لو زنا العَبْد ثم عَتَق، فزَنَا قبل الإحصان، فقَدْ قِيلَ: عليه خمسون؛ لزناه في الرِّقِّ، ومائةٌ 6 لاختلاف الحدين، والأصح أنه يُجْلَدُ مائةً، ويدخل الأقل في أكثر؛ لأن الجنس واحدٌ، وإنما 7 الاختلاف في القدر 8، وعلى هذا فلو زنا، وهو حُرٌّ بكْرٌ، فجُلِدَ خمسين، وترك بعذر، فزنا مرة أخْرَى، يجلد مائة وتدخل الخمسون الباقية فيها، ولو قذف مُحْصَنًا وغير مُحْصَن بكلمة واحدة، وقلْنا: يتحد 9 الحدُّ، فيدخل التعزير في الحدِّ، ولمتوقف أن يتوقف هاهنا؛ لأن الحد والتعزير قد يختلفان 10 جنسًا ولو كانت في صورة الفَرْع بكرًا في القذْفَيْن، فالصحيح أنه يتَدَاخل الحَدَّان، فلا تُحَدُّ إلا حدًا

واحدًا، كما لو ثَبَت زنيان؛ أحدهما بالبينة، والآخر بالإقرار، أو كلاهما بالبينة، وثبوت الزنا باللعان ليس بأقوى من ثبوته بالبينة، وقال ابن الحدَّاد: يلزمهما حدَّان، ويجعلان كالجنسين المختلفين؛ لأن لعان كلَّ واحدٍ منهما حجَّةٌ في حقه، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ) لاَ يُنْفَى نَسَبُ مِلْكِ اليَمِينِ بِاللِّعَانِ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَوِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لاَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ الشِّرَاءِ فَلَهُ اللِّعَانُ وَإِنِ احْتُمِلَ فَلاَ لِعَانَ فَلَوِ ادَّعَى الوَطْءِ فِي المِلْكِ وَالإسْتِبْرَاءِ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُ مِلْكِ اليَمِينِ لِلاسْتِبْرَاءِ وَلاَ بِالنِّكَاحِ لانْقِطَاعِ ذَلِكَ الفِرَاشِ بِفِرَاشِ مِلْكِ اليَمِينِ وَفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُ يَلْحَقُهُ نَسَبُ النِّكَاحِ فَعَلَى هَذَا لَهُ النَّفْىُ بِاللِّعَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: المشهور أن النَّسَب الذي يُلْحَق بملك اليمين في الأمة الموطوءة والمستولدة لا يُنْفَى باللعان، وعن أحمد بن حنبل: أنه قال: ألا تعجَبُون من أبي عبد الله؛ يقول يُلاَعِن السيِّد عن أُمِّ ولده، وللأصحاب في المسألة طريقان: أحدهما: القطع بأنه لا يلاعن، بل اللعان من خواصِّ النكاح، كالطلاق والظهار، وهذا لأن اللعان حجَّة ضروريةٌ، ولا ضرورة إليه في ملْك اليمين؛ لإمكان النَّفْي، بدعوى الإستبراء، على ما سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى.
فيقتصر على مورد النَّصِّ، وهؤلاء القاطعون [فرقتان] 1 فرقةٌ أنْكَرت أنه أراد الشَّافِعيِّ -رضي الله عنه- ثم منْهم من حَمَل "أبا عبد الله" على مالك، ومنهم من حَمَله على سُفْيَان، قال القاضي الرُّويانيُّ: وهذا ضعيف؛ لأنه قد روي عنه أنه قال: ألا تَعْجَبُون من الشافعيِّ -رضي الله عنه- وفرقة سلَّمت أنه أراد الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- ثم منهم من حمله على ما إذَا كانت أمَة الغير زَوْجَتَه، وعن صاحب "التقريب" حَمْل اللعان على اليَمين إذا ادَّعَى الاستبراء، فعبر عن اليمين باللعان؛ إما لأن اللعان يمين أو لإشتراكهما في نفي الولد، وأظهرهما أن المَسْأَلة عَلَى قولَيْن: أحدهما: أنه يلاعن لنفي النَّسَب؛ لأنه نسب لاحق بالفراش، فكان كفراش النكاح، وهذا حكايةُ القَاضِي ابن كج عن ابن سُرَيْج.
وأصحهما: المَنْع؛ لما سبق.
وقوله في الكتاب "لا ينفي نسب ملك اليمين باللعان" فيه إشعار بأن الخلاف في

أنه هَلْ اللعان مخصوص بما إذا كان هناك ولد؟ فإن لم يكُن [ولد] 1، فلا لعان بلا خلاف، وهكذا رأيته لبعضهم، فيما أحسب، ومنهم مَنْ يُطْلِق الكلام إطلاقًا، ويجوز أن يُعْلَم قوله "على الصحيح" بالواو؛ للطريقة القاطعة، وإن كان الأمر على ما قيل في أحد التأويلات المذكورة، فيما رواه أحمد -رحمه الله-، فيَجُوز أن يُعْلَم قوله "لا بنفي" بالميم.
المسألة الثانية: القول في أن دَعْوَى الاستبراء في ملْك اليمين هل تَقْطَع النَّسَب؟ وفي أن الأمة متى تصير فراشًا لسَيِّدها حتى يَلْحَق به الولد الَّذي تَلِدُه؟ مبسوط في أكثر الكتب في هذا الموضع، وصاحب الكتاب -قدس الله روحه- أَخَّره إلى آخر الاستبراء، فنشرحه إذا انتهينا إليه؛ بتوفيق الله تعالى.
والذي عَجَّله هاهنا مبنيًا على هذا الأصْل، وعلى المسألة الأولى: أنه لو اشْتَرَى زوجته الأمة، فانفسخ النكاح، ثم أتَتْ بولد، نُظِرَ؛ إن أتتْ به لأقل من ستة أشهر من يوم الشراء، فهو لاَحِقٌ بُحْكم النكاح، وله نفيه باللعان، ويكون اللعان بعد الانفساخ كهو بعد البينونة إذا قذف زوجته ثُمَّ أبانها، وإن أتت به لستة أشهر فصاعدًا من يوم الشراء فإن لم يطأْها بَعْد الشراء أو وطئها، وأتت بولد لما دون ستة أشهر من يَوْم الوطء، نُظرَ؛ إن كان لأربع سنين فَمَا دونها من يوم الشراء، فكذلك الجواب، وإن كان لأكثر منْ أربع سنينَ، فهو منفيٌّ [عنه بغير لعان] وإن وَطِئها بَعْد الشراء وأتت به لستة أشهر فصاعدًا من يوم الوطء، ولما دون أربع سنين من يوم الشراء، فإن لم يَدَّع الاستبراء بعد الوطء، فالولد مُلْحَقٌ بملك اليمين، وهل له نَفْيُه باللعان فيه ما سبق في المَسْألة الأولى، وإن ادعى الاستبراء بَعْده، فإن أتَتْ به لأقلَّ من ستَّة أشهر منْ وقْت الاستبراء، فكذلك الجواب، ويلغو دعوى الاستبراء، للعِلم بكَوْن الولد حاصلاً يومئذ، وإن كان لستة أشهر فأكبر منْ وقت الاستبراء، فالأظهر أنه لا يُلْحَق الولد بحُكْم المِلْك، وهذا الخلاف مذكورٌ في آخر باب الاستبراء، وكما لا يَلْحَقُه بحُكْم الملك، لا يلحقه بالنكاح، وإن كان الاحتمال باقيًا؛ لأن فراش النكاح قد انقطع وحَدَث فراش بنسخه؛ فيزول حكم الأول، وهذا كما أنه إذا طُلِّقَت المرأة واعتدت ونكحت 2 زوجًا آخر، وأتت بولد لستة أشهُرٍ فصاعدًا من يوم النكاح الثاني، وَلِدُونِ أربع سنين مِنْ فراق الأول، يكون الولد للثاني، وإن احتمل أن يَكُونَ مِن الأوَّل، حتى كان مُلْحَقاً به، لو لم يحدث فراش.
الثاني، وحكى الشيخ أبو عليٍّ وجهًا أنه يلحقه بحُكْم النكاح، ولا ينتفي إلا باللعان؛ لقيام الإمكان وامتناع الإلحاق بالمِلْك، وقد يُعَبَّر عن هذه الأحوال والصور بأن

يقال: إن احْتُمِل كونه من النكاح دون الملك، فهو ملحق بالنكاح، وإن احْتُمِلَ مِنَ المِلْك دون النكاح، فهو مُلْحَق بالملك، كذا 1 لو احتمل منهما، وفيه ما رواه الشيخ، وإن لم يُحْتَمَل واحدٍ منهما، فلا إلحاق للإستبراء بعد الوطء، واللائق عند الإقرار بالوطء لفظ الإقرار، وبالإستبراء لفظ الدَّعْوَى، وسيتضح ذلك في آخر الاستبراء.
وقوله "لم يلحقْه نسَبُ مِلْك اليمين؛ للاستبراء" يجوز أن يعلم بالواو؛ للخلاف في أن الاستبراء، هل يكون نافيًا للنسب؟ ومهما وقع اللعان بعد الشراء، هل يُوجِبُ التَّحْرِيمَ المؤبَّد؟ فيه وجهان، كما ذكَرْنا فيما إذا وَقَع بعد البينونة؛ لأنَّها لم تكن زوجًة له حين لاَعَنَ، فإن قلْنا لا يُوجِبُه 2، فهي حلال له بملك اليمين، وإن قلنا: يوجبه، فهل تحل له بملْك اليَمِين؟ فيه خلاف مبنيٌّ على أنه لَوْ لاَعَنَ عن زوجته الأمة، ثم اشتراها، هل يجوز لَه وطؤها بمِلْك اليمين؟ وفيه طريقان: أحدهما: أن فيه وجهَيْن كالوجهين المذكورين فيما إذا طَلَّق زوجته الأَمَة [ثلاثًا]، 3 ثم اشتراها.
والثاني: القَطْع بالمنع؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- 4: "المُتَلاَعِنَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا" والفرق من وجهين: أحدهما: أن الطلاق يَخْتَصُّ بالنكاح، فيختص تحريمه بالنكاح، واللِّعان لا يَخْتَصُّ بالنكاح، بل يَجْرِي بعد البينونة، وفي النكاح الفَاسِدِ فيثبت تحريمه في غير النكاح.
والثاني: أن تحريم الطَّلاق غير مؤبَّدٍ بل يزول بالزَّوْج، والإصَابَة، وتحريم اللعان مؤبَّد، فجَازَ أن يكون أوْسَعَ حالاً؛ لِغِلَظِهِ، وكونه أوْلَى بالاحتياط، والله أعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ: القَذْفُ) وَهُوَ نِسْبَتُهَا إِلَى وَطْءٍ حَرَامٍ فَلَوْ نَسَبَهَا إلَى زِناً هِيَ مُسْتَكْرَهَةٌ عَلَيْهِ فَوَجْهَانِ وَلَوْ كَانَ وَطَءْ شُبْهَةٍ مِنَ الجَانِبَيْنِ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِمَنْع اللِّعَانِ؛ لأَنَّ اللِّعَانَ فِي القُرْآنِ وَرَدَ مُرَتَّبًا عَلَى الرَّمْيِ بِالزِّنَا وَإِنْ كَانَ الوَاطِئُ بِالشُّبْهَةِ مُعْترَفاً وَأَمْكَنَ إِلْحَاقُ الوَلَدِ بِهِ عُرِضَ عَلَى القَائِفِ وَلاَ لِعَانَ قَطْعًا أَمَّا إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: لَيْسَ الوَلَدُ مِنِّي فَوَجْهَانِ وَأَوْلَى بِجَوَازِ اللِّعَانِ لأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الزِّنَا وَالشُّبْهَةَ وَلاَ يُشْتَرَطُ (م) أَنْ يَقُولَ فِي القَذْفِ وَاللِّعَانِ: رَأَيْتُهَا تَزْنِي وَلاَ أنْ يَقولَ: اسْتَبْرَأْتُهَا بَعْدَ الوَطْءِ (م).

قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان 1: إحداهما: اللعان مَسْبُوق بقَذْفِ المَرْأة أو نفي الولد، ومهما نسبها إلى وطء حرام من جانبها، وجانب الرَّجُل، فقد قَذَفها، وإن نسبها إلى زِنًا هي مكرهة عليه أو نائمةً [في] 2 أو جاهلةٌ، فلا حَدَّ عليه، وفي التعزير وجهان: أحدهما: لا يجب؛ لأنه نَسَبَها إلى ما هي غير ملومة عليه، ولا مأثومة به.
وأصحُّهما: نعم؛ لأن فيه عارًا، وفي ذكره تذكُّرًا وإيحاشًا، فأشبه قَذْف المجنونة بل أولَى، فإن المجنونة، تُزْجَر عن الشَّيْء القبيح بالضرب ونحوه؛ لأنَّ لها نَوْع طلب وقصد والمكرهة بخلافه، وهل له أن يُلاَعن؟ فيه طريقان، أطلقهما كثيرون: أحدهما: [أن] 3 فيه قولين أو وجْهَيْن، فوجه 4 التجويز الحاجة إلى نفي الوَلَد؛ لئلا يَلْحَق به من ليس منه، والمَنْع بأن آية اللعان وَرَدَتْ في الرمي بالزِّنَا، وهناك يُحْتَاج إلى الانتقام من المرأة واشتهار 5 حالها.
والثاني: القطع بأنه يُلاَعِنُ.
ويُحْكَى هَذا عن أبي إسْحَاق وأبو علي بن أبي هريرة والطبري، ونقل القاضي ابن كج طريقةً بأنه لا يُلاَعِنُ عن ابن سُرَيْج، ويُشْبه أن يكُونَ الأظْهَرُ من الطريقَتَيْن فيما إذا كَانَ هناكَ وَلَدٌ القَطْعَ بأنَّه يلاعن لنفيه 6، وفيما إذا لم يكن وَلَدٌ إثباتَ الخِلاَفِ؛ [بناءً على الخلاف] 7 في أنَّه هل يَجِبُ به التعْزِير، إن وَجَب، وهو الأصحُّ؛ فله أن يلاعن لإسْقَاطه، وإلا لم يَجِبْ، وإيراد صاحب "التهذيب" يوافق ذلك، ولو عَيَّن الزاني بها، فقال: زنى بِكِ فلانٌ، وأنت مكرهةٌ أو قال: قَهَرَكِ فلانٌ فزنى بكِ، فعليه الحدُّ، وله إسْقَاطه باللعان، قال في "التهذيب": ويخالف هذا ما إذا قَذَف امرأته 8 وأجنبيةً بكلمة واحدة؛ حيث لا يتمكَّن من إسقاط حد الأجنبية باللعان؛ لأن فعْلها ينفك عن فعل الأجنبية، وفعْلها لا ينفك عن فعل الزاني 9 بها ولو قال لزوجته: وِطئْت بالشُّبْهة، فقد خرج وجُوب التعزير على الوجْهَيْن، فيما إذا نَسَبَها إلى زناً، وهي مُكْرَهَةٌ عليه، وبنى على الوجهين في أنه هلْ يُلاَعِن إذا لم يكن هناك وَلَدٌ؟ وإن كان هناك ولَدٌ، فمنهم من أطْلَقَ وجْهَيْن في جواز اللعان، وقال: أظهر الوجهين: أنَّ نسبة الوَلَد إلى الوطء بالشبهة، كنسبته إلى الزِّنَا، في جواز النفي باللِّعان إلا أنه إذا لم

يُلاَعِنْ لَحِقَه الوَلَد، ولم يُحَدَّ للقذف، وقال الأكثرون: إن لم يعيِّن الواطئ بالشبهة أو عيَّنه فلم يصدقه، فالولد ملحَقٌ بالنكاح، وله نفيه باللعان، وإن صدَّقه، وادَّعَى الولد، عُرِضَ على القَائِفِ، فإن ألحقه بذلك المعيَّن 1 فهو ولده، ولا حاجة إلى اللعان، وإلا فيَلْحَق بالزوج، وليس له نفْيُه باللَّعَان؛ لأنه كان له طريق آخر ينقطع به النَّسَب؛ وهو أن يلحقه القائف بذلك المُعَيَّن إذا عرض عليه، وإنَّمَا ينفي النَّسَب باللعان، إذا لم يَكُنْ للانتفاء 2 طريقٌ آخر؛ ولذلك قلنا: لا يُنْفَى ولد الأمة باللِّعَان؛ لأنَّه يمكن منه بطريق آخر، وهو دَعْوى الاستبراء، فحصلَتْ طريقتان، والأولى هي التي أوْرَدَها في الكتاب، والثَّانية أَوْلَى بالاعتماد فإن لم يكن قائف، تُرِك، حتى يَبْلغ الصبي، فينتسب إلى أحدهما، فإن انتسب إلى ذلك المعيَّن، انقطع نسبه عن الزوج بلا لِعَانٍ، وإن انتسب إلى الزَّوْج، فله اللِّعان؛ لأنَّ نفْسَه بغير اللعان لا يُمْكِنُ، هكذا أورد صاحب "التهذيب" وغيره، ولك أن تقول: إن كان النظر إلى آخر الأمر ووقت انقطاع الطَّمَع عن انتفاء النسب بطريق آخر، فهذا المعنى حاصلٌ فيما إذا ألحقه القَائِف بالزوج، فليجز 3 اللعان، وإن كان النَّظَر إلى الابتداء، وتُوقِّع الانتفاء بطريق آخر، فهذا المعنى حاصلٌ فيما إذا توقفنا إلى بلوغه وانتسابه، فلْيَمْتَنِع اللعان إذا انتسب إلى الزوج، ولو قال: زنَيْتِ بفلان، وفلانٌ غَيْر زانٍ بكِ، بل كان يظُنُّكِ زوجَتَه، فهو قاذِفٌ لها، وله أن يلاعن لإسقاط الحَدِّ والولدُ المنسوبُ إلى ذلك الواطئ منسوبٌ إلى وطء الشبهة، فإن صدَّقه فلانٌ، عُرِضَ على القَائِفِ، كما ذكرنا ولو اقتصر على قوله "ليس هذا الولد منِّي" فعن صاحب "التقريب" حكاية تردُّد في أنه هل يلاعن؟ وهذه الصورة أوْلَى بجواز اللعان، إذا أُضيفَتْ إلى صورة الشبهة؛ لأنَّه كما يحتمل الجهة التي يثبت فيها النَّسَب يحتمل جهة الزِّنَا، والذي أجابه به المُعْظَم أنه لا يُلْتَفَت إلى ذلك، ويُلْحق الولد بالفراش، إلا أن يُسند 4 النَّفْيُ إلى سبب معيَّن، ويلاعن، ويجوز إعلام لفظ الوجهين من الكتاب في الصور الثلاث بالواو؛ للطُّرق القاطعة.
المسألة الثانية: لا يشترط لجواز اللعان أن يقول عند القذف: رأيتها تَزْنِي، بل لو قال زنَيْتِ أو يا زَانِيَةُ أو قال، وهي غائبة: فلانةٌ زانيةٌ، ولم يتعرَّض للرؤية، جاز اللعان، وكذلك لا يُشْتَرط أن يدعي أنه استبرأها بعد الوطء بحيضة، وعن مالك -رحمه الله- أنه خالف في المسألتين.
لنا إطلاق آية اللِّعان، وأيضًا فاللعان حجَّةٌ يخرج بها عن موجب القذف المفيد، فكذلك عن مُوجِب القَذْف المُطلَق كالبينة، وذكر الأصحاب -رحمهم الله- أنه لو أقر

بوطْئها في الطُّهْر الذي قَذَفها بالزنا فيه، يجوز له أن يلاعن، وَينْفِي النسب، قال في "البسيط": ولعل هذا في الحُكمِ الظاهر، فأما بيْنَه وبيْن الله تعالى، فلا يَحِلُّ له النفْيُ مع تعارُضِ الاحتمال، ويجوز أن يعوَّل الزوْجُ فيه على أمْرٍ يختص بمعرفته كعَزْلٍ، أو قرينة حال.
والله أعلم.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ في فُرُوعٍ مُتَفَرِّقَةٍ)

وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: (الأَوَّلُ): إِذَا قَذَفَهَا بِأجْنَبِيِّ وَذَكَرَهُ في اللِّعَانِ فَلاَ حَدَّ لِلأَجْنَبِيِّ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرهُ فَقَوْلاَنِ لأَنَّ اللِّعَانَ حُجَّةٌ عَلَى الجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَتْ قَاصِرَةً وَمَنْ قَذَفَ عِنْدَ القَاضِي فَهَلْ عَلَى القَاضي إِخْبَارُ المَقْذُوفِ لِطَلَبِ حَدِّ القَذْفِ؟ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفرع يحْوِي مسألتين: إحداهما: إذا قذف زوجته برجُل معيَّن، فالقول في أنَّ الواجب حدٌّ أو حدَّان؟ سيأتي في الفرع الثاني، ثم إن ذَكَر المرميَّ 1 به في اللعان؛ بأن قال: أشهد بالله إنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فيما رَميْتُهَا به من الزنا بفُلانٍ، سَقَطَ حقُّه، كما يسقط حقُّها، سواء أو جنبًا، حدًّا أو حدَّيْن، حتى لو قذفها بجماعةٍ، وذكرهم، سقط حق الكل، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يسقط الحدُّ للمرميِّ به، بل يُحَدُّ له بعد اللعان، وعند أبي حنيفة: لو حُدَّ له قبل اللعان، تَعذَّر اللعان؛ بناءً على أن المحدود في القَذْف لا يُلاَعنُ.
لنا أن اللعان حُجَّةٌ في ذلك الزنا في طَرَفِ المرأة، فكذلك في طَرَف الرجل؛ وهذا لأن الواقعة واحدة، وقد قامت فيها حجة مصدَّقة فتنتهض 2 شبهةً بارئةً للحد، وإن أغفل ذكْر المرميِّ به، ففي سُقُوط حقه قولان: أحدهما، ويروى عن "الإملاء" "وأحكام القرآن": أنه يسقط، وبه قال أحمد واختاره المزنيُّ؛ لأنه ظهر صدقه باللِّعَان، فيسقط حقُّه كما يسقط حقُّها، وقد يحتج له بأن الملاعن في عصر رسول 3 الله -صلى الله عليه وسلم- رَمَى زوجته بشريك ابْنِ السحماء، ولم يتعرض له في اللعان، ولم يُحَدَّ له، وأصحهما على ما ذَكَره القاضي الرُّويانىُّ، ويحكى عن "الأم": أنه لا يَسْقُط؛ لأنه لم يذْكُرْه في اللعان، وسقوط الحد يَفْتَقِر إلى تسْمِيَته في اللِّعان كما في حق الزوجة؛ وَعَلَى هذا فلو أراد إسْقاطه، فالطريق أن يعيد اللِّعَانَ ويذكره، وفي كتاب القاضي ابن كج: أن القولَيْن مبنيان على أن حَقَّ الرجل يَثْبُت أصلاً أو تابعًا لقذف الزوجة، فإن قُلْنا: يثبت تابعًا، كفى ذكر المرأة: وسَقَط به حقُّ الرجل،

وإن جعلْناه أصلاً، فلا بد من تسميته، ويشهد للتبعية أنَّه يكْفي طلَبُها لِلِّعان، ولا يشترط موافقته، ولو امتنع الزوج من اللعان، ولا بيِّنة له، فَحُدَّ بطلبها، ثم جاء المرمي به يطلب الحد، فإن قُلْنا: الواجب حَدٌّ واحدٌ، فقد استوفى، وإن قلنا: حدان، اسْتُوفِيَ حَدٌّ آخَرُ، وله إسقاطه باللعان، ولو ابتدأ المرميّ به بطلب حقِّه، ولم تَطْلُبْ هي، فهل يلاعن له؟ حكى أبو الفرج السرخسيُّ فيه وجهَيْن، وقد يبنيان على أن حقَّه يثبت 1 أصلاً أو تابعًا، وإن عفا المرميُّ به عن حقِّه، فله المطالبة، وإن عَفَتْ هي، فكَذَلك للأجنبي المطالبة سواءٌ قلْنا: الواجب حدٌّ أو حدان؛ لأن الحدَّ لا يتبعَّض؛ ولذلك قلْنا: إن الأصحَّ أنه إذا عَفَا بعْضُ ورثة، المقذوف كان للآخرين استيفاءُ الحَدِّ بتمامه، وله أن يلاعن لإسقاطه، وعن ابن القطَّّان: أنا إذا قُلْنا: إنَّ حقَّه تابعٌ، فلا حَدَّ، ولا لعان، والظاهر الأول، وبمثله أجاب ابن الصَّبَّاغ؛ فيما لو لم يذكر المرميَّ به في اللعان، وقلْنا: إنَّه لا يَسْقُطُ حقُّه، فطالب بموجب القذف، وامتنع الزَّوْج من إعادة اللِّعان، قال: يُحَدُّ سواءٌ قلْنا: يجب حدٌّ واحد لهما أو حدَّان؛ لأنَّ الحدَّ لا يتبعَّض، ولا يجب باللعان حدُّ الزنا على الرَّجُل المرميِّ به بحال، وإذا لاعن لإسقاط حَدِّ المرمي به، قال في "التهذيب" قد قيل: إنه تتأبد الحرمة، وخلافه محتمل.
وقوله في الكتاب "لأن اللعان حجَّةٌ على الجملة، وإن كانت قاصرةً" يجوز أن يجعل إشارة إلى توجيه القولين، كأنه قال: في قول يسقط؛ لأن اللعان حجَّةٌ فيسقط حقُّهما جميعًا، كالبينة، وفي الثاني؛ لقُصور أثر اللعان على الزَّوْجة، ولذلك لا يلاعِنُ في قذف الأجنبيِّ، ويجوز أن يُجْعَل بتمامه علَّةً للسقوط والله أعلم.
المسألة الثانية: إذا قَذَف امرأته عنْد الحاكم بمعيَّن أو قذف أجنبيّ أجنبيًّا، والمقذوف غائبٌ، فهل يَبْعث إليه الحاكم ويُخْبره بالحال؟ نقل ناقلون أنَّه يبعث ويُخْبِره، ثم اقتصر بعْضُهم على الاستحباب، منْهم الشيخ أبو حَامِدٍ، وذكر أكثرهم: أنه يجب عليه ذلك، ونقل أبو الفرج السرخسي أن الشَّافعيَّ -رضي الله عنه- نَصَّ عليه، وأنَّه نصَّ فيما إذا أقرَّ عنده مُقِرٌ لآخر بَديْنٍ لا يجب عليه إخبار المُقر له، وأن للأصحاب فيه ثلاثةُ طُرُقٍ: أحدها: تنزيل النصَّيْن على حالَيْن، إن كان الذي يتعلَّق به الحَقُّ حاضرًا عالمًا بالحال، فلا حاجة إلى إخباره في النوعين، وإن كان غائبًا أو عاقلاً عما جَرَى، وجَبَ إخْباره؛ يضيع حقُّه.
والثاني: الفَرْق بين الحَدِّ والمال، بأن الحد يستوفيه الإِمام، ويتعلَّق به، فيختبره

ليستوفي إن أراد، والمال لا يختص استيفاؤه بالإمام.
والثالث: جعْلُهما على قولَيْن بالنَّقْل والتخريج، ويُحْكَى طريقة الخلاف هذه عن رواية صاحب "التقريب" وهي التي أوردها في الكتاب، واحتج لقَوْلِنا أنه لا يُخْبِر المقذوف، بأن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ ينبه شُرَيْكَ ابْنَ السحماء ولم يخبره بالقَذْف.
ولقولنا إنه يخبر بقصة 1 العسيف، وذلك أن رجُلَيْن اختصما إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أحدُهُمَا: اقْضِ بَيْنَنَا بكِتَابِ اللهِ وَأْذَنْ لِي [في] 2 أنْ أَتَكَلَّمَ، [فقال: تكلمي 3] فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفاً 4 لِهَذَا، فَزَنَى بامْرَأَتِهِ؛ فَاخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّحْمَ فَأفْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيةٍ لِي، ثُمَّ إِنِّي سَألْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ؛ فَأخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَام، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: لأَقْضَيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ [تَعَالَى]، أمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَجَلَدَ ابْنَهُ مَائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَأَمَرَ أُنَيْسًا الأسْلَمِيَّ أنْ امْرَأَةَ الآخَرِ قَالَ: إِنِ اعْتَرَفَتْ فِارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا".
قال العلماء: وإنَّما بعث أُنَيْسًا ليُخْبِرها بأن الرَّجُل الآخر قَذَفَها بابنه لا يتفحص عن زناها، وعن القَفَّال عن بَعْضهم: أنه كان قد شَهِد على إقرارها بالزِّنا أبو الزَّانِي و 5 مع آخر، فَبَعث إليها [أُنيْسًا] ليتثَّت؛ إن رجَعَتْ عن إقْرَارها، تركها، وإلاَّ أقام [عليها] 6 الحَدَّ، والظاهر في مسْأَلَةِ الإخبار أنه يخبره، وإن أثبت الخِلاَفَ، والَّذي قاله في "المختصر": وليس للإمام إذا رَمَى رجُلاً بزناً أن يبعث إلَيْه يسأله عن ذلك، ففي تنزيله وجُوهٌ: منها أن المراد أنَّه لا يُسْأَل؛ هل زنَيْتَ؟ ومنها أن المراد منه ما إذا لم يكن الرَّامِي مُعَيَّنًا، كما إذا قال رَجُلٌ: بين يَدَيِ الحاكم: إنَّ الناس يقولون: إنَّ فُلانًا قد زَنَى، لا يَبْعَث الحاكم إليه، ولا يَتفحَّص عن الحال، وكذا لا يتفحَّص إذا لم يكن المقذوف معيَّنًا، كما إذا قال "في هذه السكة أو في هذه المحلة زانٍ" أو رمى بحجر، فقال: من رَمَانِي، فَهُوَ زَانٍ، وهُو لا يَدْرِي مَنْ رماه، وعن أبي الطيَّب بن سلمة: أن المُراد ما إذا رماه بالزنا تَعْريضًا لا تصريحًا، وعن ابن سُرَيْج وأبي إسحاق -رحمهما الله- أن المراد مَا إذَا كان كَذَلِكَ، ولاعن، سقط حَقُّ ذلك المعيَّن، إما بأن ذكره في اللعان أو قلنا: [إنه] 7 يسقط وإن

أطلق فلا 1 حاجة إلى إعلامه، والحالة هذه، وقال أبو إسحاق: لا يُخْبِره، وإن لم يُلاَعِن بَعْد؛ لأن الزوجة ستُطَالِب، ومُطَالَبَتُها مُغْنية عن مطالبته 2، ويخالف ما إذا قَذَف أجنبيًّا، وذكر أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لهذا السبب؛ لم يُخْبِر شُرَيْكًا بما جرى، وبعث أُنَيْسًا إلى المرأة، ويَجُوز أن يُعْلم قوله في الكتاب وجهان؛ لطريقة مَنْ نَفَى الخلاف.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): إِذَا قَذَفَ نِسْوَةً بكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَفِي تَعَدُّدِ اللِّعَانِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ عَلَى تَعَدُّدِ الحَدِّ وَاللِّعَانُ أَوْلَى بِأَنْ يَتَعَدَّدَ لأَنَّهُ حُجَّةٌ فَلاَ يَتَدَاخَلُ وَإِنْ قُلْنَا بِتَعَدُّدِهِ لَمْ يَتَّحِدْ بِرِضَاهُنَّ بِلِعَانٍ وَاحِدٍ كَاليَمِينِ وَإِنْ قُلْنَا: يَتَّحِدُ فَذَلِكَ حَيْثْ لاَ يُشْتَرَطُ طَلَبُهُنَّ أَوْ تَوَافُقُهُنَّ فَإِنْ انْفَرَدَتْ وَاحِدَةٌ بِالطَّلَبِ لاَعَنَ عَنْهَا ثُمَّ اسْتَأنَفَ لِلبَاقِيَاتِ وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: يَا زَانِيَةُ بِنْتَ الزَّانِيَةِ فَقَدْ قَذَفَهَا وَأُمَّهَا بِكلِمَتَيْنِ فَعَلَيْهِ حَدَّانِ فَإِنْ قُلْنَا: يقَدَّمُ حَدُّ المَقْذُوفِ أَوَّلاً عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ فَهَهُنَا يُقَدَّمُ حَدُّ الأَمِّ وَإِنْ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَلَى وَجْهٍ لأَنَّ حَدَّ البِنْتِ مُتَعَرِّضٌ لِلسُّقُوطِ بِاللِّعَانِ فَحَدُّ الأمِّ أَقْوَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قذف اثْنَيْن فصاعدًا، لم يَخْلُ إما أن يكون المقذوفُونَ أحَدَ الصِّنْفَين من الأجانب، والزوجات، وإما أن يتركَّبوا على 3 الصنفين.
القِسْم الأول: إذا كانوا أحَدَ الصِّنْفَيْن، فاما أن يكون قَذَفَهُم بكلمات أو بكلمة واحدة.
الحالة الأولى: إذا قَذَف كلِّ واحد منهم بكلمة، فعليه لكل واحدٍ حدٌّ.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- لا يجب إلا حدٌّ واحدٌ بناءً على أن المُغَلَّب في حد القذف حقُّ الله تعالى، فيتداخل إذا تكرَّر موجبه، كما لو زنى مرارًا، ولو قذف امرأتَيْه بكلمتَيْن أو أرْبَعَ نسوةٍ، له، بأربع كلمات، فعليه أربعةُ حُدودٍ، وإذا أراد اللِّعان، أفْرَدَ كل واحدة بلعان، ويجعل اللعان عنْهن على ترتيب قَذْفِهن، كذا أطلق ويُشْبِه أن يكون المرادُ ما إذا طَلَبْن جميعًا أو حيْث لا يُشْتَرط طلب المرأة لِلِّعَانِ، ولو لاَعَنَ عنْهن لعانًا واحدًا، لم يُعْتَدَّ به عن الجميع، لكن إنْ سمَّاهن، احتسب به عن الَّتي سماها أوَّلاً، وإن أشار إليهن جميعًا، وجعلْنا الإشارة مُغُنِيةً عن الاسم على ما سيأْتِي، فلا يُعْتدُّ به عن واحد منْهن؛ لأنه ليس بعضهم بأوْلَى من البَعْض.

والثانية: إذا قذفهم بكلمة واحدة بأن قال: زَنَيْتُمْ أو أنْتُمْ زناةٌ، فقولان: الجديد أنه يجب لكلِّ واحد منهم حدٌّ؛ لأن حد القذف من الحُقُوق المقصودة للعِبَاد، فلا تتداخل كالديون، وأيضًا، فإنه أدْخَل العار علَيْهم، فأشبه ما إذا قذَفَهم بكلمات متعدِّدة.
والقديم، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- أنه لا يجب إلا حَدٌّ واحدٌ؛ لإتِّحاد اللفظ 1، وأيضًا، فإنها حدُودٌ من جنس واحد، فتتداخل، كحدود الزنا، وعلى هذا، فلو حضر واحدٌ وطلب الحدَّ، حُدَّ له، وسقط حَدُّ الباقين، ولو قال: يَابْنَ الزانيَيْنِ، فهو قذف لأَبَوَي المخاطب بكلمة واحدة، ففيه القولان، ولو قذف أربع نسوة [له] 2 بكلمةٍ واحدةً، فالحدُّ على الخلاف، وإن أراد اللِّعَان، فإن قلنا: يتعدَّد الحدُّ، تعدَّد اللعان، وإن قلنا: يتَّحِد الحدُّ ففي اللعان وجْهَان: أصحهما: أنه يتعدَّد أيضًا؛ لأن اللعان يمينٌ، والأيمان المتعلِّقة بحقوق جماعة 3 لا تتداخل؛ ألا ترى أنه إذا ادعى رجلان على رَجُل مَالاً فأنكر، يَحْلِفُ بكل واحدٍ منهما يميناً تامَّةً، والثاني، نسبه القاضي ابن كج إلى أبي إسحاق وابن القطان: أنه يَكْفى لِعانٌ واحدٌ جمعهن فيه بالاسم أو بالإشارة، إن إكتفينا بالإشارة؛ لأن هذه اليمينَ حجَّةٌ تثبت الحَدَّ، فأشبهت البينة، وكذا لو أقام شاهدًا على رجُل بحَقِّ وعلى آخر بحَقِّ آخر، يجوز أن يَحْلِف معه يمينًاواحدةً يذكر فيها الحَقَّيْن وإذا قلنا بالتعدَّد، فلو رَضِيْنَ بلعانٍ واحدٍ، لم ينفع، كما لو رضي المدعون بيمين واحدة إذا قلنا: ثم يلاعن عنهن على الترتيب الذي يوافقْنَ عليه، فإن تشاحن في البداية، أقرع بينهن، ولو قدَّم الحاكم واحدة منهن، قال الشافعيَّ -رضي الله عنه-: رجَوْتُ أن لاَ يأْثَم، ونقل القاضي أبو الطيِّب عن الأصحاب، أن ذلك فيما إذا لم يقصد تفضيل بعضهم على بَعْض، وتجنَّب الميل، وإن قلنا بالاتحاد، فذلك إذا توافَقْنَ على الطَّلَب أو لم يشْتَرط طَلَبُهن، أما إذا اشترط، وانفرد بعْضُهن بالطلب، فلاعن، ثم طَلَبت الباقيات، فيحتاج إلى اللعان، ويحصل التعدد، وإذا لاعَنَ عنهن، لزمهن الحدُّ، فمن لاعنت منْهن، سقط عنها الحدُّ، ومن أبَتْ حُدَّت، وإذا امتنع من اللعان، كفَاهُ حدٌّ واحدٌ على قَوْلنا باتحاد الحَدِّ، وجميع ما ذكرنا فيما إذا قذف اثنتين فصَاعِدًا بكلمة واحدة، ولم يعلِّق قذفهما بزنًا واحدٍ، فإن خلق كما إذا قال لأجنبية أو لزوجته: زنَيْتِ بفُلاَن، فطريقان: أظهرهما طرد القولين في تعدُّد الحد واتحاده.

والثاني: القطع بالاتحاد؛ لأنه لم يَرْمِهما إلا بفاحشة واحِدَةٍ 1. والقسم الثاني: إذا تركب المقذوفون من الصنفين؛ كما إذا قَذَف زوجته وأجنبيةً، فيُنْظَر؛ إن قذفهما بكلمتين، فعليه حدَّانِ، فإن لاعَنَ عن زوجته، سَقَط حدُّها وبقي حد الأجنبية، ولو قال لزوجته: يا زانية بنْتَ الزانية، أو قال: زنَيْتِ، وزَنَتْ أمُّك، فهذا قَذفٌ لها ولأمها بكلمتَيْن، وله إسقاط حَدِّ لزوجة بالبينة أو اللعان، وإسقاط حد أمها بالبينة وحْدِها وإذا طلبت واحدةٌ منهما أو وكيلُها حَدَّها ولا دافع، لم يخْفَ الحكم، ولو حَضَرَتَا معاً، وطَلَبَتَا، فهَلْ يراعى في استيفاء الحدَّيْن ترتيب فيه وجهان: أحدهما: لاَ، بل يقرع بينهما، كمن [أتلف] 2 أموالاً، ولزمه ضمانُها، لا يُنْظر فيه إلى التقديم والتأخير.
وأصحهما: نعم، كما لو قتل شخْصَيْن على التعاقب يقنَص بالأول، وعلى هذا فوجهان: [أحدهما يبدأ بحد البنت 3 لأن قذفها متقدم].
وأصحهما، وهو المنصوص: أنه يبدأ بالأم؛ لأن حقها أقوى، فإنَّ حدَّها لا يَسْقُط إلا بالبينة، وحدُّ البنت كما يسقط بالبينة، يسقط باللعان، وأقوى الحقين أوْلَى بالتقديم ولو قَذَف أجنبية وأُمِّها على الوجه المُصَوَّر 4 في الزوجة، سَقَط، وجه تقديم الأم، ويبقى وجهان: أظهرهما: تقديم البنت.
والثاني: القرعة ولو قذف أُمَّ زوجته [أوَّلاً ثم زوجته] 5، سقط وجه تقديم البنت ويبقى وجهان: أظهرهما: تقديم الأم.
والثاني: القرعة، وإن قذف زوجته وأجنبية بكلمة واحدة بإن قال: زنَيْتُما أو أنْتُما زانيتان، ولم يلاعن الزوجة فطريقان 6: أظهرهما: تعدُّد الحد واتحاده، على القولين السابقين.

والثاني: القطع بالتعدُّد؛ لإختلاف القذفَيْن في الحُكْم؛ فإن أحدهما يَسْقُط حدُّه باللعان دون الآخر، فإن قلْنا بالإتحاد، فلو جاءت الأجنبية طالبةً للحد، فحد لها، سقط 1 الحد واللعان في حقِّ الزوجة إلا أن يكون هُنَاك وَلَدٌ، وأراد نَفْيه، وإن لاَعَنَ عن الزوجة، فيُحَدُّ للأجنبية، وإن عَفَتْ إحداهما، حُدَّ للأخرى، إذا طلبت على القَوْلَين جميعًا.
ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، ومهما وَجَب حدان لواحد أو لاثنين وَأُقِيمَ أحدُهُما، أمْهِل إلى أن يبرأ جلْدُه ثم يقام الثاني، وقد يعود هذا في الحدود.
وقوله في الكتاب "لأنَّه حجَّةٌ، لا تتَداخَل" يعني به أن العقوبات هي التي يليق بها التداخل، واللعان من جملة الحُجَج المثبتة أو الدافعة، والتداخُلُ بَعِيدٌ عنها.
وقوله "فقد قذفها وأمها بكلمتين، فعليه حدَّان" يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن بعضهم أبعد؛ فجعل قوله "يا زانية بنت الزانية" كما إذا قال: أنتِ وأمك زانيتان [حتى] 2 يكون على الخلاف في تعدّد الحدِّ واتحاده، وعدَّ ذلك من قَذْف الزوجة والأجنبية بكلمةٍ واحدةٍ، وعليه جرى صاحب "التتمة".
وقوله "فإن قلنا: يُقَدَّم حد المقذوف أوَّلاً" يريد به الخلاف في أن الحَدَّيْن إذا أثبَتَا يستوفيا على تَرْتيب القَذْف أم لا؟ فإن قلنا: نَعَم، ففي قوله "يا زانيةُ بنْتَ الزَّانِيَةِ" الوجهان في أنَّه يُقَدَّم حق الأم أم البنت؟ قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ): إِذَا ادَّعَتِ القَذْفَ فَأَنْكَرَ فَقَامَتِ الحُجَّةُ عَلَى القَذْفِ فَلَهُ أنْ يُلاَعِنَ إِنْ أَظْهَرَ لإنْكَارِهِ تَأوِيلاً وإلاَّ فَوَجْهَانِ فَإِنْ أَنْشَأَ قَذْفاً فلَهُ اللِّعَانُ وَانْدفَعَ عَنْهُ ذَلِكَ الحَدُّ أَيْضًا إِلاَّ إِذَا كَانَ قَدْ قَالَ: مَا قَذَفْتُ وَمَا زنَيْتُ فَإِنَّ قَذْفَهُ بَعْدَهُ ينَاقِضُ شَهَادَةَ البَرَاءَةِ إِلاَّ إِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ احْتُمِلَ طَرَيَانُ الزِّنَا بَعْدَهَا وَلَوِ امْتَنَعَا عَنِ اللِّعَانِ فَلَمَّا عُرِّضَا لِلْحَدِّ رَجَعَا إِلَيْهِ جَازَ كَمَا في البَيِّنَةِ بِخَلاَفِ اليَمِينِ وَلَوْ حُدَّ الرَّجُلُ فَأَرَادَ أنْ يُلاَعِنَ بَعْدَهُ مُكِّنَ مِنْهُ إِنْ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ وَإِلاَّ فَلاَ فَائِدَةَ لِلِعَانِهِ فَلاَ يُمَكِّنُ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: ادعت المرأة على زَوْجها أنه قَذْفها، فله في الجَوَاب أحوالٌ: أحدها: إذا سكت، فأقامتْ عليه البينة، فله أن يُلاعَن، وليس السكوت إنكارًا للقذْف، ولا تكذيبًا لبينة في الحقيقة، ولكنه جُعل كالإنكار في قبول البينة، فإذا لاعن قال: أشهد بالله، إني لمن الصادقين فيما أثبتت على من رمى إياها بالزنا.

والثانية: إذا قال في الجواب: لا يلزمني الحَدُّ، فأقامت البينة على القَذْف، فله اللعان أيضًا، ويجوز أن يريد بقوله: "لا يلْزَمُنِي الحدُّ"؛ أني صدقت فيما قلْتُ، وسأحقِّقه باللعان فلا يكون عليَّ حدٌّ.
والثالثة: إذا أنكر القَذْف، فأقامت الشاهدين علَيْه، ثم أراد أن يُلاَعِن، فيُنْظَر؛ إن أوَّل الإنكار، وقال: لم أردْ أني ما رمَيْتُها بالزنا؛ وإنما أردتُّ أن هذا الرمي حقٌّ، وليس بقذفٍ باطلٍ، قُبِلَ ذلك [منه] 1 ومُكِّن من اللعان، وإن لم يتأَوَّل الإنكار، لكنه أنشأ في الحال قَذْفاً، فله أن يُلاَعن، فإذا لاَعَنَ، سَقَط عنه الحَدُّ، وإن كانت هي صادقةٌ في دَعْواها؛ لأنَّ مَنْ كرَّر قذف امرأته كَفَاه لعانٌ واحدٌ، وإن لم يَذْكر تأويلاً ولا أنشا قذفًا، ففي جواز اللعان وجْهان: وجه المَنْع: أنه يُنْكِر نسبتها إلى الزنا، فكيف يَشْهَد بالله إنه لمن الصادقين، فيما نسبها إليه؟ والثاني: يجوز؛ لأنه لم ينكر زناها، وإنما أنكر القَذْف، والقَذْف يُسْتعمل في القول الباطل، فيجوز أن يريد: إن قَوْلي صدْقٌ، وليس بقذفٍ باطلٍ، وإن لم يتلفظ 2 بالتأويل ولأن قوله مردود عليه بالبينة فصار فكأنه لم ينْكُرْه، وشبه ذلك بما إذا قال المُشْتَري في جواب من يدعي الاستحقاق: إنه مِلْكي، وكان ملكًا لفلان إلى أن اشتريته منه، ثم قامت البينة على الاستحقاق، وانتزع المال من يده وتمكن من الرجوع على البائع، وإن أقرَّ له بالمِلْك؛ لأن إقراره قد صار مردُودًا عليه بالبينة، وهذا ظاهر النَّصِّ في "المختصر" وبه أخذ أكثر الأصْحَاب، وربَّما نفى العراقيون الخلافَ فيه.
الرابعة: إذا لم يَقْتَصِر في الجوابِ على إنْكَار القذْف، ولكن قال: مَا قذَفْتُ وما زنَيْتِ، فيحد ولا لعان؛ لأنه شهد بعفَّتها وبراءتها، فكيف يُحقِّق زناها باللعان، وقوله الأول بكذبه، وليس له أن يقيم البينة على زِنَاها، والحالة هذه؛ لأنه كَذَّب الشهود بقوله "ما زَنَيْتِ" وشبه ذلك بما إذا أنكر المُودَع أصْل الإيداع، فأُقيمت البينة علَيْه، فادَّعى التلف أو الرد، لا تُسْمَع دعواه، وفي هذه الحالة، لو أنشأ قذفاً، فعن القاضي حسين إطلاقُ القول بجواز اللِّعان، والذي استقر عليه كَلامُ الإِمام، وتابعه صاحب الكتاب: أن ذلك محمولٌ على ما إذا مضى بعْد الدعوى والجواب زمانٌ يُمْكن تقدير الزنا فيه، وإلا، فيؤاخذ بإقراره ببراءتها ولا يُمَكَّن من اللعان، فإذا لاَعَنَ، فهل يسقط حدُّ القذف الَّذي قامت البيَّنة علَيْه، حكى الإِمام -رحمه الله- وغيره فيه خلافًا، وقضية لفظ الكتاب الجواب سقوطه؛ لأنه قال في إذا أنكر في الجواب القذف: "فإن أنشأ قذفًا آخر، فلَهُ

اللِّعان، واندفع عنه ذلك الحَدُّ أيضًا" ثم استثنى ما إذا قال: "ما قذَفْتُ، وما زَنَيْتِ"، أي فلا لِعَان، ولا يندفع عنه ذَلِك، ثُمَّ اسْتَثْنى من المستثنى ما إذا مضت مدة يُمْكن فيها حدوث الزنا، أي فَلَهُ اللعان، ويندفع ذلك الحدُّ، هذا قضية ظاهر النظم.
المسألة الثانية: إذا امتنع الزَّوْج عن اللعان، فعرض للحد أو استوفى بعْض الجلدات، ثم بَدَا له أن يُلاَعِن، مُكَّن منه، وإذا لاعَنَ، سَقَط عنْه ما بَقِيَ من الحَدِّ، كما لو بَدَا له أن يقيم البينة، وكذلك المرأة إن امتنعت من اللعان، ثم عادت إليه، مُكِّنَتْ، ويسقط عنْها ما بقي من الحد، قال الأصحاب: واللِّعان، وإن كان يمينًا عندنا، لكن أُلْحِقَ في هذا الحكم بالبينة، لمشابهته إياها من حيث إن الزَّوْج يأتي به من غير أن يُطْلَب منه كالبينة، ويؤثر لِعَانُه في إثبات الحَدِّ عليها، كالبينة، ولم يُلْحَق باليمين، حيث لا يجوز العَوْد إليها بعد النكول؛ لأن اليمين بعْد النكول] 1 تنتقل إلى جنبة المدعي [ففي تمكُّن المدَّعَى عليه من اليمين] 2 بعد الإنتقال إبطالُ حَقِّه، واللعان بالامتناع عنه لا يَنْتَقِل إلى جنبة الغير، ولو أُقيم عليه الحَدُّ بتمامه ثم أراد أن يُلاَعِن، فلا معنى له؛ لأنه قد ظَهَر كذبه بإقامة الحد عليه، قال القفَّال: إلا أن يكون هناك ولَدٌ، فله أن يلاعن 3 لنفيه، وهذا أورده مُورِدُون في مَعْرِض البيان لما أطلقه الأولون، ولم يجعلوا جواز اللِّعان عند قيام الولد مختلفًا فيه، وأثبت الإِمام الخلاَف؛ فقال: فعل القفَّال عن الأصْحَاب أنَّه لا يُلاَعِن، ووجَّهَه أن القَذْف سَقَط بإقامة الحد، وكان الزوج بعد الحد لَيْس قاذفًا، والقَذْف لا بد منه في نَفْي الولد، واختار 4 لنفسه أنه يُلاَعِنُ لغَرَض نفي النسب، ولا يَبْعد أن يقال: إن القَذْف يتأكَّد بالحد، وهو باللعان يُخْرِج نفسه عن أن يَكُون قاذفاً؛ وعلى هذا يجوز أن يُعُلَم قوله في الكتاب "مُكِّن منه" بالواو.
وأما إذا لم يكن هناك وَلَدٌ، فالذي أطلق أنه لا يلاعِنُ اقتصارًا مثله على الأصح، ويجيْء فيه الخلاف المذْكُور في أن ما سوى غرض دفع الحد، ونفي النسب هل يجوز له اللعان؛ ذَكَره في "التتمة".
والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّاِبعُ): إِذَا قَالَ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ فَيَجِبُ التَّعزِيرُ فَإِنْ قَالَ: وَأَنْتِ مَجْنونَةٌ أَوْ مُشْرِكَةٌ فَكَمِثْلِ إِنْ عَهِدَ لَهَا ذَلِكَ وَإِلاَّ فَالحَدُّ وَقِيلَ: لاَ حَدَّ إِذَا لَمْ تُعْهَدْ تِلْكَ الحَالَةُ لأَنَّهُ جَاءَ بِمُحَالٍ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لزوجته: زنَيْتِ وأنتِ صغيرةٌ، فقد أطْلَق صاحب الكتاب أن علَيْه التعزير، وكذلك ذكره صاحب "التهذيب"، وفَصَّل الأكثرون، فقالوا: يراجع، ويؤمر ببيان حالة الصغر، فإن ذكر سنًا لا يحتمل الوطء، كما إذا قال: بنت ثلاث أو أربع، فهو ليس بقاذف، مدة للسبِّ والإيذاء، ولا لعان بمثله على ما مرَّ، وإن ذَكَر شيئًا يحتمله كما إذا قال: كانت بنت عَشْرٍ، فهو قاذفٌ، وعليه التعزيرُ، وله إسقاطه باللعان، ولو قال: زَنَيْتُ وأنْتِ مجنونةٌ أو مُشْرِكةٌ أو أمةٌ، فإن عُرِفَتْ لها هذه الأحْوَال أو ثبتَتْ بإقرار أو بينَة، فعليه التعزير، دُون الحَدِّ، وله اللعان؛ لإسقاطه، وإن عرف ولادتها على الإِسلام والحرية واستقامة عَقْلها، فالمشهور أنه يجب الحَدُّ للقذف الصريح، وتلْغَى الإضافة إلى تلك الحالة، وعن صاحب "التقريب" وجْه أنه لا حَدَّ؛ لأنه نسَبَها في تلْك الحالة إلى الزِّنَا، وإذا لم يكُنْ لها تلْك الحالة، فيكون ما أتى به لَغْوَاً من الكلام ومحالاً، فأشبه ما إذا قال: زنَيْتِ، وأنتِ رتْقَاءُ، وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: يجب الحد فيما إذا قال: وأنتِ مشركةٌ أو أمةٌ؛ لأنها مكلفة في الحالَتَيْن، ولا يجب في الحالتين، فيما إذا قال: وأنتِ صغيرةٌ أو مجنونةٌ.
وإن لم يَعْلَمْ حالها، واختلفا، ففيه قولان: أحدهما: أن الزوج هو المُصدَّق بيمينه: ولا حدَّ عليه؛ لأن الأصل براءة ذمته؛ وعلى هذا، فَلَوْ نَكَلَ، فحلَفَت، حُدَّ.
والثاني: أن الزوجة هي المصدَّقة باليمين؛ [لأن الظاهر مَنْ في دار الإِسلام الحرية، والغالب سلامةُ العَقْل؛ وعلى هذا، فلو نكَلَت، فحَلَفت، فالواجب التعزير، ويشبه أن يكون هذا أرْجَحَ القولَيْن، وموافقة قوْله في الكتاب، وإلا، فالحد؛ فإنه حَكَم بوجوب الحد، إذ لم تُعْهَدْ تلك الحالَةُ ونظْم "التهذيب" يقتضيه أيضًا، ويجيْء القولان فيما إذا اختَلَفا؛ فقال الزوج: أنتِ أمَةٌ في الحال، وقالت: بَلْ حرَّةٌ ولا يجيئان فيما إذا قال: أنتِ مشركةٌ في الحال، وقالَتْ: بل مسلمة، فإنها إذا قالت: أنا مسلمةٌ، فيحكم بإسلامها 1، وإذا قالت المرأة: أردتَّ بقولك "زنَيْتِ، وأنْتِ صغيرةٌ" قذفي في الحال، ووصفي في الحال بالصغر، ولم تُردْ القذف بِزِناً في الصِّغَر، فعن الشيخ أبي حامد: أن القول قَوْلُها، وكذا لو قال: وأنتِ مجنونةٌ أو مشركةٌ، إذ أقرت بتلْك الحالة، وقالت:

أردتَّ القذف في الحال، واستبعده ابن الصَّباغ وغيره؛ لأن الواو في مثله للحال، والسابِقُ إلى الفَهْم تعليق الزنا بتلْك الحالة؛ ولذلك يقال: لو قال: أنتِ طالقٌ، إن دخَلْتِ الدار، وأنتِ مسلمةٌ، يتعلَّق الطلاق بالدخول في حالة الإِسلام، ولو أطلق النسبة إلى الزنا، ثم قال: أردتُّ في الصغر أو في الكُفْر أو في الجنون والرق، فالمشهور أنه لا يُقْبَل منه ذلك؛ لأنه قذف في الحال ظاهرًا، وأنه موجبٌ لِلْحَدِّ، ولا فَرْق في ذلك بيْن أن تُعهَدِ لها تلْك الحالة أو لا تُعْهَد، فإن قال: هي تعلم أني أردت ذلك حلفت على نفي العلم، وحُدَّ، وفي أمالي أبي الفرج السرخسي: أنه يُقْبَل إذا عُهِدَت لها تلْك الحالة، ويجب التعزير، وإن لم تُعْهَد، فعلى قولين 1، والصورة شبيهةٌ بما إذا قال: أنتِ طالقٌ، ثم قال: أردتُّ إن دخلَتِ الدار، وقد سَبَق القول فيها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الرَّابعُ: اللَّفْظُ) وَالنَّظَرُ فِي أَصْلِهِ ثُمَّ في تَغْلِيظَاتِهِ وَسُنَنِهِ (أَمَّا اللَّفْظُ) فَأَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا وَفِي الخَامِسَةِ أَنَّ لَعنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ وَيَجِبُ إعَادَةُ ذِكْرِ الوَلَدِ فِي كُلِّ مَرَّةِ إِنْ كانَ ثَمَّ وَلَدٌ وَالمَرْأَةُ تَشْهَدُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ وَفِي الخَامِسَةِ أَنَّ غَضَب اللهِ عَلَيْهَا إَنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ وَلَيْسَ عَلَيْهَا إِعَادَةُ ذِكْرِ الوَلَدِ وَلاَ يَقُومُ (ح) مُعْظَمُ الكَلِمَاتِ مَقَامَ الجَمِيعِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُتَعَيَّنُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ فَلاَ يُبْدَلُ بِالحَلِفِ وَلاَ لَفْظُ الغَضَبِ بِاللِّعْنِ وَالأَصَحُّ أنَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي تَأْخِيرِ اللَّعْنِ وَتَجِبُ المُوَالاة بَيْنَ الكَلِمَاتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المقْصُود الآن القوْلُ في كيفية اللِّعَان، وهو مُدْرَج في ثلاثة فصول: أحدها: في ألفاظه الأصليَّة، والثاني: في التغليظات المشروعة فيها، والثالث: في سنتها.
أما الفصل الأول، فكلمات اللعان خَمْسٌ: وهي أن يقول الزوج أرْبَعَ مرَّاتٍ: أشهد بالله إنِّي لمن الصادقين فيما رمَيت به زَوْجَتِي من الزنا، ويسميها، ويرفع في نَسَبِها قَدْرَ مَا يَحْصُل به التمييز، إن كانَتْ غائبةٌ عن البَلَد، أو لم تَكُنْ معه في المَسْجد؛ لحيض أو كُفْر وفي تعليق الشيخ أبي حَامِدٍ: أنه يَرْفَع في نسبها قَدْرَ ما تتميَّز عن سائر زوجاته، إن كان في نكاحه غَيْرها، وقد تشْعِر هذه اللفظة بالاستغناء بقوله "فيما رميتُ به

زوجتي" عن الاسم والنسب، إذا لم يكن تحته غَيْرُها، وإن كانت المرأة حاضرة عنده، وأشار إليها، وهل تحتاج مع الإشارة إلى التسمية؟ فيه وجهان: أصحهما: لا، كما في سائر العقود، والحلول كالنكاح والطلاق.
والثاني: نَعَم؛ لأن اللعان مبنيٌّ على التغليظ والاحتياط 1؛ فيُؤكَّد الإشارة بالتسمية، وقد يقال على قضية هذا التوجيه: لا يُكْتَفَى في الحاضرة بالتَّسْمِيَةِ، ورَفْع النَّسَب، حتى تضم إليهما الإشَارَةُ، بل أَوْلَى؛ لأن الإعراض عن الإشَارَةِ، والعُدُولُ إلى التسمية في الحاضرة قد يجر لبسًا، فإذا لم يُكْتَفَ في حقِّها بالإشارة، فَأَوْلَى أن لا يكتفي بالتسمية، ثم يقول في الخامسة: أَنَّ لَعْنة اللهِ عليْه، إن كان من الكاذبين، فيما رماها به من الزنا وتعريفُها في الغيبة والحضور كما في المرات الأربع، وإذا كان هناك ولَدٌ ينفيه، يتعرض له في الكلمات الخمس، فيقول: "وأنَّ الولد الذي ولَدَتْه، أو هذا الولد، إن كان حاضرًا، من الزنا وليس مني"، فلو قال: "هو من زنا" واقتصر عليه، فوجهان، أجاب كثيرون: بأنه لا يَكْفِي، ولا ينتفي به الوَلَدُ؛ لأنه قد يعتقد الوطء بالشبهة أو وفي النكاح الفاسد زنًا.
وأصحهما، على ما ذكر في "التهذيب": الاكتفاء به؛ حملاً لِلَّفظ على حقيقته، وإذا كان من زنا، لم يلتحق به، ولو اقتصر على أنه ليس مني فالمشهور أنه لا يكفي؛ لإحتمال أن يراد به عدم المشابهة خَلْقًا وخُلُقًا، وفيه وجه، ولو أغفل نَفْي الولد بَعْض الكلمات الخمس، إحتاج إلى إعادة اللعان لنفيه، ولا تحتاج المرأة إلى إعادة لعانها، بل يقع معْتَدًّا به، وحكى أبو الفرج السرخسي تخريج قَوْلٍ فيه.
وصورةُ لعانِ المرأة: أن تقول أربع مرات: أشهد باللهِ إِنَّه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وفي الخامسة أن غضب الله عليَّ إنْ كان من الصادقين، فيما رماني به، والقول في تعريفه غائبًا وحاضرًا، كما ذكرنا في جانب المرأة، ولا تحتاج إلى ذكر الولَد؛ لأن لعانها لا يُؤثِّر فيه، ولو تعرَّضت له لم يضُرَّ، [و] في "جمع الجوامع" للقاضي الرُّويانيِّ: أن القفَّال حكى وجهًا ضعيفاً: أنها تَذْكُر الولَدَ، فتقول: وهذا الولد ولده، ليستوي اللعان ويتقايلان، ثم الكلام في صور:

إحداها: لا يثبت شيْء من أحكام اللعان إلا إذا تمَّت الكلمات الخمْس، وقال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بالفرقة بأكثر كلمات اللعان، نَفَذ، وأقام أكثر مُقَام الجميع، وإن كان هو مُخْطئًا في الحكم، واحتج الأصحاب بأنَّ هذا الحُكْم غير جائز بالإجماع، فلا ينفذ كسائر الأحكام الباطلة.
الثانية: لو قال بَدَل كلمة الشهادة: أحلِفُ باللهِ أو أُقْسِم أو أولى إني لَمِنَ الصادقين، فوجهان: أحدهما: صحة اللعان؛ لأن اللعان يمينٌ، وهذه ألفاظ اليمين.
وأصحُّهما: المنع، وتعيين لفظ الشهادة، كما في أداء الشهادة؛ اتباعًا لما ورد به النص، وأجرى في "التهذيب" الوجهين فيما إذا قال: "بالله إني لمن الصادقين" من غير زيادة، وقطع صاحب "التتمة" بالمنع؛ لأن الشرع غلَّظ حكمه بالجمْع بين كلمتين، فلا يجوز الاقتصار على واحِدَة، ويجري الوجهان في إبدال لَفْظ اللعن بالإبعاد، ولفظ الغَضَب بالسَّخط، وفي إبدال اللعن بالغضب، والظاهرُ في الكل المَنْع، وأما إبدال الغَضَب باللَّعُن فمنهم من أجرى الخلاف فيه، وهو الذي أورده في الكتاب، ومنْهم من قطع بالمَنْع، وقال: الغضبُ أشدُّ وأبلغُ من اللعن؛ ولذلك خُصَّ جانب المرأة بلَفْظ الغَضَب؛ لأن جريمة الزنا منْها أقبح من جناية القذف منه؛ ولذلك تفارق الحدَّان، وبنوا على هذا: أن كل مغضوبٍ عليه ملعونٌ ولا ينعكس.
الثالثة: في وجوب تأخُّرِ لفظ الغضب واللعن عن الكلمات الأربع وجهان: في وجهٍ: لا يجب؛ لأن المعنى لا يختلف، والتغليظ يحصل تأخر اللفظان أو تقدما والأصح الوجوب؛ إتِّباعًا؛ ولأن المعنى إن كان من الكاذبين في الشهادات الأربع، فوجب تقدمهما ويقرب من هذين الوجْهَيْن وجهان ذكرا في أن المُوالاة بَيْن كلمات اللعان، هل تشترط؟ والأشبه الاشتراط حتَّى لو تخلَّل فصْلٌ طويلٌ منع الاعتداد، والمذكرر في "التهذيب": جواز التفريق، ويشترط في اللعان في حق الرجل والمرأة جميعًا أن يأمر الحاكم به، وَيُلَقَّنَ الكلماتِ، فيقول: قل: أشهد بالله، إني لمن الصادقين، إلى آخرها، فلو ابتدأ به، لم يعتبر لأن اللعان يمينٌ، واليمين لا يُعْتد بها قبل استحلاف القاضي، وإن غلبنا معنى الشهادة، [فالشهادة] 1 تؤدي عند القاضي، ويشترط أن يُؤخَر لعان المرأة عن لعان الزوج؛ لأن لعانها لإسقاط الحد، وإنما يجب الحدُّ عليها بلعان الزوج، فلا حاجة بها إلى أن تَلْتَعِنَ قبله، وعن أبي حنيفة ومالك -رحمهما الله-: أنه يجوز الابتداء بلعانها.
والله أعلم.

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَصِحُّ لِعَانُ الأخْرَسِ (ح) وَقَذْفُهُ وَعَلَيهِ أَنْ يَكتُبَ مَعَ الإِشَارَةِ لِيُتَبَيَّنَ لَفْظُ الْغَضَبِ وَاللِّعْنِ أَوْ يُورِدَ عَلَيْهِ نَاطِقٌ فَيُشَيرُ بِالإجَابَةِ فَإِنْ قَالَ بَعْدَ انْطِلاَقِ اللِّسَانِ: لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ وَلَوِ اعْتُقِلَ لِسَانُ النَّاطِقِ قَبْلَ اللِّعَانِ وَكَانَ يُنْتَظَرُ زَوَالُهُ عَلَى قُرْبٍ أمُهِلَ ثَلاثةَ أَيَّامٍ وَالعَاجِزُ عَنِ العَرَبِيَّةِ يَقُومُ في حَقِّهِ تَرْجَمَةُ اللِّعْنِ وَالغَضَبِ وَالشَّهَادَةِ مَقَامَهَا وَلَكِنْ لاَ بُدَّ مِنْ تُرْجُمَانَيْنِ يُعرِّفَانِ القَاضِيَ وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَرْبَعَةٌ؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: إن لم يكن للأخرس إشارةٌ مفهومة 1 ولا كتابة، لم يصحَّ قَذْفُهُ ولا لِعَانُه، ولا سائر تصرفاته؛ لتعذُّر الوقوف على ما يريده، وإن كان له إشارةٌ أو كتابة، فيصحُّ قذْفُه ولعانه، وقال أبو حنيفة: لا يَصحَّان حتَّى قال: لو كانَتِ المَرْأة خرساءَ، لم يصحَّ لعان الرجل أيضًا؛ لأنه يُشْترط في اللعان أهليَّة الزوجيْنِ جميعًا، ويَجْرِي الْخِلاَف فيما إذا قَذَف وهُو ناطقٌ ثم خَرس، هل يلاعن؟ لنا: القياس على البَيْع والنِّكاح والطَّلاق وغيرها 2 بل أَوْلَى؛ لأن اللَّعَن مما تَدْعُو الضَّرورة إليه، وليس كالشهادة؛ حيث لا تُقْبل مِنَ الأخْرَس على أظهر الوجْهَيْن؛ لأن المُغلَّب في اللِّعَان معْنَى الأَيْمَان دون الشَّهادات على ما سَبَق، وأيضًا، فإن الشهادة يقوم بها الناطِقُون، فلا ضرورة إلَى أن يتحمَّلها الأخْرَس، واللِّعَان يختَصُّ بالأَزْوَاج، فإذا كان الزَّوْج أخْرَس، لم يكن بُدٌّ من تصحيحه منْه، ثم المفهوم منْ كَلاَم أكثرهم [و] في "الشَّامِل" وغيره تصريحٌ: أنه يَصحُّ منه اللِّعَان [بالإشارة وحدها وبالكتابة وحدها وذكر المتولي أنه إذا لاعن بالإشارة أشار بكلمة الشهادة أربع مرات ثم بكلمة اللعن]، وإن لاَعَنَ بالكتَابَة، فيكتب كلمة الشهادة، وكلمة اللَّعْن، ويشير إلى كَلِمَة الشَّهادة أربع مرات، [ولا يكف أن يكتب أربع مرات] وهذا الطريق الآخر 3 جَمْعٌ بين الإشارة والكتابة، وهو جائزٌ، لكن قضيَّة التصْحِيح بالكتابة المُجَرَّدة تكرير كناية كلمة الشَّهَادة 4. وأمَّا قوله في الكتاب "وعليه أن يَكْتُب مع الإشَارَة؛ ليتبين لفْظ الغَضَب واللَّعْن أو يورد عليه ناطقٌ، فيشير بالإجابة" واعلم أن الإمَام بعْد نقْل المَذْهَب في صحَّة لعان

الأخرس، قال: ويختلج إشْكَالٌ في الصَّدْر في تأدية كلمات اللِّعان سِيَمَا إذا عينا لفظ الشهادة؛ لأن الإشَارَات لا تُرْشِد إلى تفضيل الصِّيغ قال: والَّذي ينقدح في وجْه القياس أنَّ كلَّ مقصود لا يختصُّ بصيغة، فلا يمتنع 1 إقامة الإشَارَةِ مُقَام العبادة، وما يختصُّ بصيغةٍ مخصوصةٍ، فيغمض إعراب الإشَارَة عنها ولو كان في الأَصْحَاب من يَشْترط في الأخْرَس الكتابة، إن كان يُحْسنها أو يشترط 2 من ناطق أن يَنْطق بها، ويشير على الأخرس، فيقول: تشهد هكذا، فيقرره الأخرس بالإجابة كقُرُب بعض القرب، فأما الإشَارَة المجرَّدة، فلا أهتدي إلَى مجرَّد دلالتها عَلَى مخصُوصَة؛ هذا كلام الإمَام، فاء صاحِبُ الكتَاب، وقال: ما تمنَّى الإِمام أن يَكُون في الأَصْحاب مَنْ يقوم به، وحكَاه في "البسيط" عن بعض الأصحاب، وهو كالمُنْفَرد بالقَوْل [به] 3، ولم ينقل عن غيره 4 ولْيُعْلَم؛ لِمَا ذكَرْنا قوْلُه "وعليه أن يكتب مع الإشَارة" بالواو.
وإذا قذف ولاعن بالإشارة ثم عاد نطقه وقال: لم أرِدِ اللِّعان بإشارتي، قبل قوله فيما عليه، حتى يلحقه النَّسَب، ويلزمه الحَدُّ، ولا يُقْبل فيما له حتى لا ترتفع الفرقة، ولا التحريم المؤبَّد، وله أن يُلاَعِن في الحال، لإِسْقَاط الحَدِّ، وله اللِّعان لِنَفْي النَّسَب أيضًا، إذا لم يمض من الزمان ما يَسْقُط فيه حقُّ الَنَّفْي، ولو قال: لم أرد القَذْفَ أصْلاً، لم يُقْبَل قوله؛ لأن إشارته أثْبتَتْ حقًّا لغيره، وإن قَذَف لناطق، لم أعْتُقِل لسانه، وعجز عن الكلام؛ لمرض وغيره، نُظِر؛ إن كان لا يُرْجَى زوال ما به، فهو كالأَخْرَس، وإن كان يُرْجَى، فهل يُنْتَظَر زوالُه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، ويُلاَعِن بالإشارة؛ لحصول العَجْز في الحال، وربَّما يموت، فيَلْحَقه نَسَبٌ ليْس منه.
وأشْبَهُهُما: أنه يُنْتَظِر زوالَهُ ولا يغير 5 الحكم بالعوارض الَّتي تَطْرَأ وَتزول، وعلى هذا، فكم يَنْتَظر؟ فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ يَنْتَظِر وإن امتدَّت لمدة.
والثاني: أنَّه لا يزادُ الانْتِظَار عَلَى ثلاَثَة أيَّام؛ لما في التأْخِير منَ الإضْرار

بالمَقْذُوفة، وهذا أَحْسن، وذكر الإِمام أن الأئمة -رحمهم الله- صحَّحوه، وعليه جَرَى صاحب الكتاب، وعلى هذا، فالوَجْه أنْ يقال: إنْ كَانَ يتوقَّع زواله إلى ثلاثة أيَّام، فَينْتَظِر، وإلا، فلا يَنْتَظِر إصلاً.
الثانية: مَنْ لا يُحْسِن العربية أصلاً يلاعن بلسانه، ويراعي ترجمة الشهادة واللعن والغضب، وفيمن يُحْسِنها وجْهان: أحدَهُما: أنه لا يُلاَعن إلا بالعَرَبيَّة؛ لأنَّ الشرع وَرَدَ بها؛ فلا عدول عنها عند القُدْوة، كما في أركان الصَّلاة.
الثاني: يُلاَعن بأيِّ لسان شاء؛ لأنَّ اللِّعَان، إما أن يُغَلَّب فيه معنى الْيَمِين أو الشهادة، وهما باللغات 1 سواءٌ، وهذا أقوى وأظهر، وأجاب كثيرٌ من العراقيين بالأَوَّل، وإذا جرى اللِّعان بغَيْر العربية، فإن كان القاضِي يُحْسن تلْك اللغة، فلا حاجَةَ إلَى المترجم، وُيسْتَحَبُّ أن يحضره أربعة مِمَّنْ يُحْسنها، وإن لم يُحْسِنْها، فلا بُدَّ مِنْ مُتَرجُمَين، وُيكْتَفَى بهما في جانب المرأة؛ فإنها تلاعن لنَفْي الزنا لا لإثباته، وفي جانب الزَّوْج [طريقان أحدهما: أنه على قولين مبنيان على أن الإقرار بالزنا هل يثبت بشاهدين أم يشترط أربعة؛ لأن لعان الزوج] قول يثبت به الزنا عليها، كما 2 أن الإقرار بالزنا قول يَثْبُتُ به الزنا.
والثاني، وُيرْوَى عن أبي إسحاق، وأبِي الطيِّب بن سلمة: القطع بالاكتفاء بشاهدَيْن؛ لأنه نقْلُ قوْل إلَى القاضي، فصار كسائر الأقْوَال، وهذا أصَحُّ فيما ذكر القاضي الرُّويانيُّ في جَمْع الجوامع، وإذا قيل بالنَّظَر 3 عنه الأُولَى، فالأصحُّ في مسألة الإقْرَار ثبوته برجُلَيْن.
وقوله في الكتاب "فيه خلاف" إن حُمِلَ على الطريقَيْن، فذاك، وإلاَّ فيَجُوز إعْلامه بالواو للطريقة القَاطِعَة.
وقوله، "ولكن لا بدَّ من ترجمانين" يجوز إعلامه بالحاء؛ لأنَّ عند أبي حنيفة يَكْفِي مترجِمٌ واحدٌ، وسيأتي ذَلِكَ في أدَب القضاء، إن شاء الله تعالى.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (أَمَّا التَّغْلِيظُ) فَهُوَ بالزَّمَانِ وَالمَكَانِ وَالجَمْعِ (أَمَّا الزَّمَانُ) فَبِالتَّأْخِيرِ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَبٌ حَاثٌّ فَيَوْمَ الجُمُعَةِ (وَأَمَّا المَكَانُ) فَأشْرَفُ مَوَاضِعِ البَلَدِ وَهُوَ مَقْصُورَةُ الجَامِعِ وَفِي مَكَّةَ عِنْدَ المَقَامِ وَفِي المَدِينَةِ بَيْنَ المِنْبَرِ وَالمَدْفَنِ وَفِي

بَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَفِي حَقِّ الذِّمِّيِّ الكَنِيسَةُ وَالبَيْعَةُوَفِي المَجوسِيِّ بَيْتُ النِّيرَانِ عَلَى وَجْهٍ وَأَمَّا بَيْتُ الأَصْنَامِ فَلاَ يَأْتِيهِ وَيُغَلَّظُ عَلَى الزِّنْدِيِقِ لِيَنَالَهُ شُؤْمُهُ وَالحَائِضُ تُلاَعنُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ وَالمُشْرِكُ الجُنُبُ وَالمُشْرِكَةُ يُلاَعِنَانِ فِي المَسْجِدِ (ح) وَلاَ يؤَاخِذُهُمَا الْقَاضِي بِتَعَبُّدِ الشَّرْعِ (وَأَمَّا الجَمْعُ) فَهُوَ أنْ يَحْضرَ جَمَاعَةٌ وَلاَ تَنْقُصَ عَنْ أَرْبَعَةٍ وَلاَ يَصِحُّ اللِّعَانُ إِلاَّ فِي مَجْلِسِ الحَاكِم أَوْ في مَجْلِسِ المْحَكَّمِ عَلَى قَوْلٍ ثُمَّ التَّغْلِيظُ بِالمَكَانِ فِي وُجُوبِهِ قَوْلاَنِ وَفِي الزَّمَانِ وَالجَمْع طَرِيقَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصْل الثَّانِي: في التغليظات المشْرُوعة في اللِّعان: فمِنْها التَّغليظ بالزَّمان، وذلك بالتأخير إلى ما بَعْد صلاة العصر، فإن اليمين الأئمة حينئذ أغْلَظُ عقوبةً، وفُسِّر قوله تعال ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ﴾ [المائدة: 106] الآية بصلاة العصر، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- 1 قال: "ثَلاَثةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عذابٌ أَليمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ يَمِينًا عَلَى مَالِ [مُسْلِمٍ] فَاقْتَطَعَهُ، وَرَجُلٌ حلَفَ [عَلَى يَمِين] 2 بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِسِلْعَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى، وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ" وإن لم يكُنْ طلبٌ حاثُّ، فلْيؤخر إلى يَوْم الجُمُعة، ذكره القَفَّال 3 وغيره، ووُجِّه بما اشتهر عن رَسُول الله 4 -صلى الله عليه وسلم-: "أنَّ في الجُمُعَةِ سَاعَةٌ لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ الله شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ" قال كَعْب الأحبار [-رضي الله عنه- عنه -]: "هي الساعة بعد العصر" واعْتُرِض عليه بأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُصَلْي" وَالصَّلاَةِ بَعْدَ صَلاَةِ اَلْعَصْرِ مَكْرُوهَة [فأجاب] بأن العَبْد في الصلاة ما دام يَنْتَظِر الصَّلاة.
ومنها التغليظ بالمَكَان بأن يجري اللعان في أشْرَف مواضع البَلَد، وذكر بمكة بين الركن والمقام، وقد يُقَال: بيْن البيت والمقام، وهما متقاربان، وفي "جَمْع الجَوَامِع" للقاضي الرُّويانيُّ عن القَفَّال: أنه يَحْلِف في الْحَجْر، وبالمدينة عند المِنْبَر، وقوله: "بين المِنْبر والمدفن" فيه كلام يَأْتي في الفَصْل بَعْد هذا، [الفصل] 5 وُيلاَعن [ببيت] 6

المَقْدِس في المَسْجد الأقصى عند 1 الصخرة، وفي سائر البلاد: في المسجد الجامع عنْد المِنْبر، وهو المقصورة.
ومنهم مَنْ لم يعتبر في سائر البلاد مَوْضع المنبر، ويلاعن الحاكم بين أهْل الذمة في المَوْضع الذي يُعَظِّمونه، وهو الكنيسة لليهود، والبَيْعة للنصارى، وهل يأتِي الحاكِم بيْتَ النار في لِعَان المَجُوس؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، وبه قال القَفَّال؛ لأنه لم تكن له حرمةٌ وشرف قطٌّ، بخلاف البيعة والكنيسة؛ وعلى هذا، فيلا عن بينهما في المَسْجد أو في مجْلس الحُكْم؟ وأظهرهما: نَعَم؛ لأن المقصود تعظيمُ الوَاقِعة، وزَجْر الكاذب عن الكَذِب، واليمينُ في الموضِعِ الَّذي يعظِّمه الحالف أغلَظُ، ويجوز أن يراعَى اعتقادهم؛ لشبهة الكتاب، كما رُوعِي في قَبُول الجزية، ولا يأتي بيْتَ الأصنام في لِعَان الوثنيِّين؛ لأنه لا أصل له في الحُرْمة، واعتقادُهم غيْرُ مَرْعِيٍّ، بل يلاعن بينهم في مجْلس الحُكْم، وهذا إذا دخَلوا عليْنا بأمانٍ أو هُدْنةٍ، وإذا كان الزوْجُ مسلماً، والمرأة ذمِّيَّةً، لاعن الزوج في المَسْجد، وهي الموضع الذي تُعَظِّمه، فإن قالت: ألاعن في المَسْجد، ورضي به الزوج، جاز، وكذا يجوز أن يتلاعن الذِّمِّيَّان في المَسْجد إلا في المَسْجد الحرام 2. ومنْها التغليظُ بحُضور جماعة من أعيان البَلَد وصلحائه، فإنَّ ذلك أعْظَمُ للأمر، وقد حَضَر اللعانَ على عَهْدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 3 ابنُ عبَّاس، وابنُ عُمَرَ وسَهْلُ بن سَعْدٍ -رضي الله عنهم- وهم من أحداث الصَّحابة -رضي الله عنهم-، فاسْتَدَلَّ به الشافعيُّ -رضي الله عنه- على أنَّه حَضَر جمْعٌ كثير؛ فإن العادة في الصِّغار ألا يحضروا وحْدَهم، وأقلُّ ما يتأدَّى به هذا التغليظُ أربعةُ نفرٍ؛ فإن الزنا يثْبُت بهذا العَدَد، فيحضرون لإثباته.
ومنها التغليظُ اللفظيُّ، وسيأتي في الدعاوى والبينات، إن شاء الله تعالى.

وهذه التغليظاتُ تجبُ أم تُسْتَحب؟ أما بالمكان ففيه قولان: أحدهما: أنه يَجِب؛ لأن اللعان في عَصْر رسُول لله -صلى الله عليه وسلم- كذلك جَرَى، فأشبه العدَدَ في لفظة الشهادة.
وأصحُّهما: الاستحبابُ كتغليظ اليمين بتعديد أسماء الله تعالى، وفي التغليظ بالزمان والجمع طريقان.
أحدهما: طرد القولين.
والثاني: القطع بالاستحباب، وطريقة القولَيْن في الزمان أظْهَرُ، والقطع في الجَمْع أظهرُ، وعن ابن القاصِّ: القَطْع بالاستحباب في المكان أيضاً، فيجوز أن يُعْلَم قوله في التغليظ بالمكان "قولان" بالواو، وعند أبي حنيفة: لا تغليظ بالمكان، ولا الزمان، ولا الجَمْع، وربَّما يُحْتَاج إلى إعادة هذه الصُّورة في الدعاوى والبينات، ثم في الفَصْل صُوَرٌ تخلَّلَت في نظْم الكتاب المَسَائِلَ المذْكُورة.
إحداها: مَنْ لا يَنْتَحِل ديناً كالزنادقة، والدهرية، هل يُغَلَّظ على من يلاعن منهم بالوجوه المذكورة فيه وجهان: يوجه أحدهما 1 بأنه لا يعظم بقعة ولا زماناً فلا يؤثر التخصيص في زجره 2. والثاني: يُغَلَّظ عليه؛ لتناله عقوبة اليمين الفاجرة بصفَةِ التَّغْليظ، وشيْء منْها، وقد 3 وَرَد أنَّ اليمين الفاجرةَ تدَعُ الديار بَلاَقِعَ، وهذا كما أنه يُغَلَّظ عليه في أصْل

التحليف بالله -تعالى-، وإن كان لا يُعَظِّم اسم الله تعالى، ولا يَعْرِفه، والتغليظ أظْهَر عند صاحب الكتاب، وبه أجاب هاهنا، والَّذي ذكَره الأكثرون أنه لا يُغَلَّظ عليه بالمكان، ويُلاَعن في مجْلس الحُكْم، وهو المنصوص، وإذا لم يُغَلَّظ بالمكان، ففي الزمان والجَمْعِ أوْلَى، ويُخَالَف التغليظُ بأصل اليمين، فإن الأحكام المتعلِّقة باللِّعان موقوفة على ذلك 1، واستحسن أن يقال في التحليف: قل باللَّه الذي خَلَقك ورَزَقَك، فقد قيل: إن المعطِّل، وإن غلا في الإنكار بلسانه، فإذا رَجَع إلى نفسه وجَدَها مذعنة لخالق مُدَبِّر.
الثانية: الحائض تلاعن علي باب المَسْجد، ويخْرُج الحاكم إلَيْها أو يَبْعث نائباً والمشرك والمُشْركة يُمَكَّنان من المُكْث في المَسْجد واللِّعان فيه في حال الجنابة والحيض، ولا يؤخذان بتفاصيل الأحكام المتعلِّقة بحق الله -تعالى- هذا هو الظاهر، وفيه وجْه مذكور في آخر الباب الخَامِس من "كتاب الصلاة".
الثالثة: اللِّعان يحتاج إلى حضور الحاكم كما مَرَّ، ولو حَكَّمَ فيه الزوجان، فهل يقوم المُحَكَّم مَقَام الحاكم يُبْنَى على جواز التحْكيم في الأموال، إن لم يُجَوَّز في الأموال؛ فهاهنا أَوْلَى، وإن جوَّزناه في الأموال، فهاهنا وجْهان، والفَرْق أنه أمْرٌ خطَر، فاللائق تفويضُه إلى نَظَر القاضي ومنصبه، وأيضاً، فإنَّ الحقَّ فيه يتعلَّق بثالث، وهو الولد فلا يؤثِّر رضاهما في حقِّه، وجزم صاحب "التتمة" بأنه لا يَصحُّ اللعان بالحُكْم، إذا كان هناك ولدٌ إلا أن يكون بالغاً ويرضى 2 بحكمه، وذَكَر أيضاً أن العَبْد إذا قَذَف زوجته وطلبت [الحدّ، ففي تَوَلِّي السيد اللعان خلافٌ مبنيٌّ على أن السَّيِّد، هَلْ يستوفي] 3 الحد من العبد، ويسمع البينة أم لا؟ إن قلنا: نَعَم، تَولَّى اللعان.
وزَوْج الأَمَة إذا قَذَفَها ولاَعَن، هل يَتولَّى سيِّدُها لعانَها؟ فيه هذا الخِلاَف، وإذا عرفت ذلك، أَعْلَمْت قوله في الكتاب "وأما التغليظ فهو بالزمان، والمكان، والجمع" بالحاء، ويجوز إعلامه بالألف أيضاً؛ لأن عن أحمد مثْله، ولفظ "المَقْصُورة" بالواو، لأن في وجْه لا يختص بالمَقْصُورة.
= على أنه لم يسمع منه، وقال ناصح بن عبد الله عن يحيى بن أبي كثير عنه، عن أبي هريرة، وأصح من ذلك ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير رواية، فذكره مرسلاً أو معضلاً، وروى عبد الرزاق أيضاً عن معمر أخبرني شيخ من بني تميم عن شيخ يقال له أبو سويد سمعت رسول الله يقول: إن اليمين الفاجرة تعقم الرحم، قال عمر: وسمعت غيره يذكر فيه: وتقل العدد، وتدع الديار بلاقع.

وقوله "عند المَقَام" كذلك؛ لما قيل: إنه يَحْلف في الحِجْر، وكذا قوله "ويغلَّظُ على الزنديقِ"، وقوله "يلاعنان في المسجد".
قَالَ الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا السُّنَنُ) فَثَلاَثةٌ أَنْ يُخَوِّفَهُمَا القَاضِي بِاللَّهِ فَلَعَلَّهُمَا يَنْزَجِرَانِ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى المِنْبَرِ أَعْنِي القَاضِيَ عَلَى وَجْهٍ وَالزَّوْجَ عَلَى وَجْهٍ وَأَنْ يَأْتِيَهُ رَجُلٌ مِنْ وَرَائِهِ عِنْدَ الخَامِسَةِ فَيَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَيِقُولَ لَهُ صَاحِبُ المَجْلِسِ: اتَّقِ اللَّه فَإنَّهَا مُوجِبَةٌ وَالمَرْأَةُ تَأْتِيَهَا امْرَأَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفَصْل الثالث: في سُنن اللِّعان: منها: أن يخوِّفهما القاضي بالله تعالى، وَيعظَهما، ويخبرَهُما أن عذاب الآخرة أشدُّ من عذاب الدنيا، ويقرأَ عليهما ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ [وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا]﴾ الآيةُ، ويروى أنه -صلى الله عليه وسلم- 1 قال للمتلاعنَيْنِ: " حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا [مِنْ] تَائِب؟ " ومِنْهَا: ذكرنا أن بالمدينةِ يُلاَعن عنْد المنبر، وهو لفظ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- في "المختصر" وقال في موضع آخر: يلاعن علي المنبر، وروي القطان عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- 2 [فعن أبي هريرة أنه -صلى الله عليه وسلم-] قال: "مَنْ حَلَفَ عند مِنْبَرِي عَلَى يَمِينٍ آثمة، وَلَوْ بِسِوَاكٍ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ".
وعن جابر -رضي الله عنه- أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- 3 قال: "مَنْ حَلَف عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ ثَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"، واختلف الأصحاب في أن الملاعن هَلْ يَصْعَدُ المنبر؟ على ثلاثةِ أوجُهٍ: أصحهما، على ما ذَكَر صاحب "التهذيب": لما رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لاَعَنَ بيْن العجلانيِّ وامرأته على المِنْبَر.
والثاني، وبه قال ابن أبي هريرة: أنه لا يَصْعَد؛ لأن الصعود لا يليق بحالهما؛

لأنهما فَاسِقَان أو أحدُهما؛ فَلاَ يستحقان الإكْرَام، والخَبَر محْمُول على أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان على المِنْبَر، وقَدْ تُحْمَلْ "على" "عند".
والثالث، وبه قال أبو إسحاق -رحمه الله-: إنْ كثر القَوْم، صَعِدَ ليراه النَّاس، وإلاَّ، لاعن عنْدَهُ، ولم يَصْعَد؛ لأنه لا حَاجَة إلَيْه وفي كتاب القاضي ابن كج طريقةٌ عن ابن أبي إسحاق قاطعةٌ بأنَّه يَصْعَد، وفي "التتمة": أنا إذا قلْنا إنَّه في المدينة يصعد 1 المنبر، فكذلك في سائر البلاد، وإن قلْنا: لا يصعد، فهل يُلاَعن عند المِنْبَر؟ فيه وجهان: أحدهما: نَعَم، كالمدينة والثاني: أنَّه لا اختصاص في ذلِكَ المَوْضِع، بخلاف تلْك البُقْعَة في المتكلِّمين، فهي على ما وَرَد في 2 الخَبَر "رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاض الْجَنَّةِ" وهذا هو الوجْه الَّذي حكَيْناه في الفَصْل السابق، وإذا وقَفْتَ على ما نقلناه، وتأَمَّلْتَ قوله في الكتاب في الفَصْل المتقدِّم، "والمدينة بيْن المنبر والمَدْفن" عرَفت أن هَذا لا يستمر على قَوْلنا: إنه يصْعد المِنْبر، أما إذا قُلْنا: إنه لا يَصْعد، يلاعن عنْده، فليكن ممَّا يلي المدفن، فيكون بينهما، ويمكن؛ لذلك إعْلاَمُ قوله:.
"بين المنبر والمدفن" بالواو.
وقوله هاهنا "وأن يكون على المنبر" قصد حكايته اللفظ المنقول في قصَّة العجلاني؛ وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- 3 لاَعَنَ بيْن العجلانيِّ وامرأته على المِنْبَر، وأشار إلى الوجْهَيْن لاختلاف الأصحاب في معْنَاه.
ومنها إذا فرغ من الكلمات الأربع، وانْتَهَى إلى كلمة اللَّعن، بالغ القَاضِي في تخْوِيفه وتحذيره وأمر رجُلاً أن يضع يَدَه على فيه، فلَعَلَّه ينْزَجر ويمتنع، وقال له الحاكم أو صاحب مجلسه: اتَّقِ اللَّهَ، فقولك "عَلَيَّ لَعُنَةُ اَللَّهِ" يوجب اللَّعنة، إن كُنْتَ كاذباً وتَضَعُ امرأةٌ [يَدَها] 4 على فم المرأة، إذا انتهت إلى كلمة الغضب، فإن أبَيَا إلا المضيَّ

لقنهما الكلمة الخامسة، وَرَدَ النَّقْلُ بذلِكَ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رواية ابْن عبَّاس -رضي الله عنه-.
ومنها أن يَتَلاَعَنَا عنْ قيام، فتكون المرأة جالسةً عند قيام الرجل، وإذا أرَادَتْ أن تلاعن، قَامَتْ، والغَرَض منه إشهار أمرهما، وأن يراهما النَّاس، ويُقَام الحدُّ على المرأة، وهِيَ جالسةٌ؛ حَذراً من التكشُّف، والله عز وجل أعلم بالصواب.

البَابُ الثَّالِثُ فِي جَوَامِعِ أحْكَامِ اللِّعَانِ وَنَفْيِ الوَلَدِ

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهِ خَمْسَةُ أَحْكَامٍ: الفِرَاقُ وَتَأَبُّدُ الحُرْمَةِ وَسُقُوطُ الحَدِّ عَنْهُ وَانْتِفَاءُ النَّسَبِ وَوُجُوبُ حَدِّ الزِّنَا عَلَيْهَا وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهَا سُقُوطُ الحَدِّ عَنْهَا فَقَطُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكَرْنا في أولَّ الكتاب أن الوجْه إبدال الباب الثالث بالقِسْم الثاني: وبيَّنَّا أن مقصوده القَوْل في أحكام اللِّعَان، وأحكام نَفْي الولد، واعلم أن كلام الفَصْل قد يولج أكثر 1 مسائل اللِّعَان مِنْ أَوَّل الكتَاب، والمذكور هاهنا كالضَّابط الجامع، ثم لا يَخْلو عن زيادات، والَّذي يفتتح به أحكام اللِّعَان أن الزَّوْج غيْرُ محْمُول على اللِّعَان بعْد القذف، بل إذا امتنع، حُدَّ كالأجنبيِّ إذا قَذَف، ولم يُقم البيِّنَة، لكنه مُكِّن من اللعان؛ للضرورة الداعية إلَيْه على ما تقرَّر، وكذا المرأة غَيْر محمولةٍ على اللعان بعد لعان الرجل، وعند أبي حنيفة: قذف الزوج لا يُوجِب الحَدَّ عليه، ولكنه يوجب اللعان، فإن امتنع، حُبِس حتى يلاعن، واللعان عقوبة هذا القذف دون الحَدِّ قال: وإذا لاَعَنَ، تحبس المرأة إلى أن تُلاَعن، ولا تحد، وكذلك قال أحمد: لا يجبُ علَيْها الحدُّ بلعانه، وعنْه في حبْسِها روايتان، ويتعلَّق بلعان الزَّوْج خمسة أحكام: أحدها: حصول الفِرَاق بيْن الزوجَيْن، واحتج له بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- 2 قال: "الْمُتَلاَعِنَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَداً" ولو لم تَحْصُل الفرقة، كان الاجتماع حاصلاً، وبأن اللعان يَنْفِي النَّسب، ولولا الفُرْقة، لكان الفراش باقياً، والولد للفراش، وهذه الفُرْقة تحصل ظاهراً وباطناً، سواءٌ كان الزوج صادقاً أو كانت هي صادقة [وحكى أبو الفرج 3 وجْهاً أنَّها لا تَحْصُل باطِناً، إذا كانت هي صادقة] 4 وهي فُرْقة فسخ خلافاً لأبي حنيفة؛ حيث قال: هي فرقةُ طَلاَقٍ.
لنا: أنها تَحْصُل بغَيْر لفظٍ فأشْبَهَت الفرقة بالرضاع والرِّدة [و] قال أبو سعْدٍ

المتولِّي: وتظهر فائدة الخِلاَف فيما إذا عَلَّق طلاق امرأة أُخْرَى بوقُوع الطَّلاق على هَذِه، ولاَعَنَ عَنْ هَذِه.
والثاني: تَأَبُّد التحريم؛ للحديث، وقال أبو حنيفة: لا يتأبَّد التحريم بل لو كَذَّب نفسه، له أن يجدِّد نكاحها، ويروى مثلُه عن أحمد، -رحمه الله-.
والثالث: سُقُوط حَدِّ القذف عن الزوج، وأبو حنيفة يُخَالف فيه؛ لأنه لا يقول بوُجُوب الحد على الزوج حَتَّى يسقط.
والرابع: وُجُوب حدِّ الزنا عليها، خلافاً لأبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله- على ما قدَّمناه.
والخامس: انْتِقَاءُ النَّسب إذا نُفِيَ الوَلَد في اللعان ومن الأصحاب مَنْ يرد أحكام اللعان إلى ثَلاَثةٍ، ويقول: الفرقة في الحال تدْخل في التحريم المُؤَبَّد، وانتفاء النَّسَب تختص بما إذا كان هناك وَلَدٌ ونفاه، فليس ذلك حُكْماً لمُطْلَق اللِّعان، ولا اختلاف في الحقيقة إنَّما هذا شَيْء يَتعلَّق بالضَّبْط والإيراد، ثم هَذه الأحكامُ تَثْبُت بمجرَّد لعان الزَّوْج، ولا يتوقَّف شيْء منها على لعانها، ولا علَى قضاء القاضي، ولا يتعلَّق من هذه الأحكام بإقامة البيِّنة على زناها إلا ربع حد القذف، وإثْبَات حدِّ الزِّنا علَيْها، ولذلك تقول: يجوز للزوج أن يلاعن مع التَّمكُّن من إقامة البينة؛ لأن فيه فوائِدَ لا تَحْصُل بإقامة البيِّنة ثم إذا أرادَتِ المرأة: إسْقاط حَدِّ الزنا عن نَفْسها، فلها اللعان، ولا يتعلَّق بلعانها إلا هَذا الحُكْم، ولو أقام البيِّنة علَى زناها، لم يمكنها دَفْع الحد باللِّعَان؛ لأن اللِّعان حجَّةٌ ضعيفةٌ لا تقاوم البيِّنة، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب: "ويتعلق بلعانه خمسة أحكام" بالحاء، والميم، والألف.
أما بالحاء، فلأن عند أبي حنيفة إنَّما يثبت من الأحكام الخمسة في اللِّعان حُكْمان: حُصُول الفُرْقة، وانتفاء النَّسَب، ولا يتعلَّقان بلعان الزَّوْج وحْده، بل يتعلَّقان بلعان الزوجين جميعاً، أو بقضاء القاضي، حتى لو مات أحدُهما بعْدما تلاعنا، وقبل أن يقضي القَاضِي يرثُه الآخر، ولو طَلَّق، وقَع الطلاق، ولكن على القاضِي التَّفْريق بينهما بعْدما يَتَلاعَنَا، ولا يجوز تقريرُهُما علَى النكاح.
وأما بالميم: فلأن عند مالك -رحمه الله-: أحكامُ اللِّعان تَثَبَتْ بلعنهما جميعاً، لا بلعانه وحْده، ولم يعتبر قضاء القَاضِي، وهذا أشْهَر الرِّوَايَتَيْن عنْ أحمد والثانية: اعتبار قَضَاء القَاضِي أيضاً، ويجوز أن يُعْلم قوله "ويتعلَّق بلعانها سقوط الحد عنها" بالحاء، والألف؛ لما بيَّنَّا أنهما لا يقولان بوجوب الحد عليها بلعانه، حتى يقال بسقوطه بلعانها.

قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا حُكْمُ نَفْيِ الوَلَد فَفِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ: (الأَولَى): أَنَّ اللعَانَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الوَلَدُ مِنَ الزَّوْجِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِمَّا لِقُصُورِ المُدَّةِ عَنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ لِطُولِ المَسَافَةِ (ح) بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أَوْ لِكَوْنِ الزَّوْجِ صَبِيّاً دُونَ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ لِكَوْنِهِ مَمْسُوحاً مَجْبُوبَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَيَيْنِ فَلاَ يَلْحَقُهُ وَالبَاقِي الأُنْثَيَيْنِ يَلْحَقُةُ الوَلَدُ قَطْعاً وَكَذَلِكَ الخَصِيُّ البَاقِي الذَّكَرِ عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِنَّما يُحْتاج إلى نَفْي الوَلَد باللِّعَان إذا لَحِقَه لوْلا اللِّعَان، وذلك عنْد قيام 1 الإمكان، أما إذا لم يُمْكن، فهو منفيٌّ بلا لعان، ولعَدَمِ الإمكان صُوَرٌ منها: أنْ تأتي بالوَلَد لستة أشهر؛ فما دونها منْ وقْت العقد.
ومنها أن تَطُول المسافة بيْنَهما، كالمَشْرقي مع المغربية إلى صُوَرٍ قد ذكرناها منْ قبل، ووراءها صورتان: إحداهما: في أقل زمان إمكان اللحوق من الصغير وجهان: أحدهما: يبتدئ من وقتْ استكماله عَشْر سنين، وإذا أتَتِ امْرأةُ الصبيِّ بولد لسِتَّة أشهر وساعة يفرض 2 فيها الوطء بعد تمام عشر سنين، لحقه، وإن أتت به لِمَا قَبْل ذلك، فهو مَنْفِيٌّ عنْه بلا لعان.
والثاني: أنه يبتدئ زمان الإمكان منْ أوَّل السنة العاشرة، حتى إذا أتَتْ بوَلَد لستة أشهر وساعة منْ أول العاشرة، كان لاحقاً به، وهذا أصحُّ علَى ما ذكَرَهُ الشيخ أبو حامدٍ، وأصحابُه وصاحبُ "التَّهْذيب" والقاضي الرُّويانيُّ -رحمهم الله- وظاهر النص في "المختصر" الأوَّل، ويوافِقُه قوله في الكتاب "أو يكون الزوج صبيَّا دون عشر سنين"، وهذان الوجهان كوجهين ذكرناهما في باب "الحجر" في أن وقْت إمكان الاحتلام وخُروح المنيِّ يدخل بأول السنة العاشرة أو بتمامها أو هما هما؟ وذكرنا هناك وجْهاً آخر: أنَّه يدْخُل بمضيِّ ستة أشهر منَ العَاشِرة، وعلى قِيَاس ذلك الوَجْه إذا ولَدَتْ لرأس العشر، لحقه 3، وحكى الإِمام وجهاً ضعيفاً: أنه يتصور الاحتلام بعْد مضيِّ ستة أشهر من السنة التاسعة، وأن على هذا الوجه: لَوْ أتت بالوَلَد كما طعن في العاشرة، يلحقه، وهذا لم يَجْرِ ذكره في "الحجر"، فحصل في ابتداء حَدِّ اللحوق أربعة أوجُه: عشر سنين وستة أشهر، عشر سنين، تسع سنين وستة أشهر، تسع سنين وإذا حكمنا بثبوت النسب؛ لحصول الإمكان، فلا نحكم بسبب ذلك بالبُلُوغ؛ لأن النَّسَب يثْبُت

بالاحتمال، والبلوغ لا يكْفِي فيه الاحتمال، لكن لو قال: أنا بالغ بالاحتلام، فله اللِّعَان، ولو قال: أنا صَبِيٌّ، لم يصِحَّ لعانه، فإن قال بَعْد ذلك: أنا بالغٌ، وأراد النفْيَ قُبل قوله، ومُكِّن من اللعان، فإن البلوغ لا يُعْرَف إلا منه، وربما حَدَث سببه، قال الإِمام: في كلام الأصْحَابِ ما يَدُلُّ على أنه لا يُقْبَل قوله "أنا بالغ" بعد ما قال: أنا صبيٌّ؛ للتهمة، ويقْرُب من هذا ما أورده صاحب "التتمة": وهو أنه إن لم يَتَّهِمْه الحاكم، حَكَم ببلوغه، ومَكَّنَه من اللعان، وإن اتُّهِم، ترك الأمر موقوفاً إلى أن يُتحقَّق بلوغه.
الثانية: مَنْ لم يَسْلَمْ ذَكَرُهُ وأنثياه، فإما أن يفقدهما جميعاً أو يَفْقِدَ الذَّكَر، دون الأنثيين، أو بالعَكْس.
الحالة الأولَى: إذا كان ممسوحاً فقد الذكر والأنثيين، فظاهر المَذْهب أنه لا يلْحَقُه الوَلَدُ، ولا يحتاج إلى اللِّعَان؛ لأنه لا يُنْزِل، ولم تَجْرِ العادة بأن يُخْلَق لمثله وَلَدٌ، وفيه قول يُحْكَى عن الإصطخريِّ: أنه يلْحَقُه؛ لأن مَعْدِن الماء الصُّلْب، وأنه ينفذ في ثقبه إلى الظَّاهِر، وهما باقيان، وذُكِرَ أن الصيدلانيَّ والقاضي الحُسَيْن أخذا بهذا الجَوَاب.
الثانية: إذا كان مجْبُوب الذَّكَر باقِيَ الأنثيين، فأتَتْ زوجته بولَد، لحقه لبقاء أوْعِيَة المنيِّ، وما فيها من القُوَّة المحيلة للدَّمِ، والذَّكَرُ آلةٌ توصِّلُ الماءَ إلى الرَّحِم بواسطةِ الإيلاج، وقد يُفْرَض وصول الماء بغَيْر إيلاج.
الثالثة: الخَصِيُّ الباقي الذَّكَر، هل يلحقه الولَدُ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الوَلَد من المَاءِ، والخصيُّ لا ماء له.
وأظهرهما: نَعَمْ، لأن آلة الجِمَاعِ باقيةٌ، وقدْ يبالغ في الإيلاج، فيَلِد، وينزل ماء رقيقاً، وإدارة الحُكْم على الوطء، وهو السبب الظاهر، أولى من إدارته على الإنْزال الخفيِّ، وعن الفورانيِّ: أنه يراجع أهْل الخبرة، فإن قالوا: إنه لا يُولَدُ له، لم يلْحَقْه الولد، وإلا، لَحِقَه.
واعلم أنه نَصَّ في "المختصر" على أنه إذا كان الزَّوْج مجبوباً، يلحقه الولد إلا أن يَنْفِيَه باللَّعَان.
وفي رواية الربيع: أنه يُنْفَى عنه بلا لعان، واخْتَلَفوا في حال النَّصَّيْن، وفي المراد من المجبوب، فعن أبي إسحاق: حَمْل ما في "المختصر" على ما إذا كان مجبوب الذَّكَرِ باقي الأنثيين، وحَمل ما ذكره الربيع على الممسوح، وعن القاضي أبي حامدٍ: أن في الذكر ثقبتين: إحداهما: للمنيِّ، والأخرى: للبَوْل، فإن انسدَّت التي هي للمنيِّ، لم يُلْحَقِ الوَلَد، وهو المراد من رواية الرَّبيع، وإن لم تَنسَدَّ، لحق، وهو المراد ممَّا في "المختصر".
وقيل: إن بعْض الرواة صحَّف، لفْظَ الشافعيِّ -رضي الله عنه- إذا كان الزَّوْج مجنوناً، يلحقه الولد، ولا يُنْظَر إلى أنه لو كان عاقلاً، كأن يقبله أو ينفيه، فإن لاعن

بعد الإفاقة، انتفى حينئذ، ومنْهُم مَنْ جعلهما قولَيْنِ.
وقال: المراد صورةُ المَمْسوح، ويُمْكن الحَمْل على مقطوع الخِصْيَتَيْنِ السَّلِيمِ الذَّكَر، فقد ذكرنا الخِلاَف فيه.
ولا أثر لِجَبِّ بعْض الذَّكَر إذا كان الباقي قَدْر الحَشَفَة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): اللِّعَانُ عَنِ الحَمْلِ جَائِزٌ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأَنَّهُ جَائِزٌ بِمْجَرَّدِ عْرَضِ القَطْعِ دُونَ الوَلَدِ وَبَعْدَ البَيْنُونَةِ فِيهِ قَوْلاَنِ مَأَخَذُهُمَا أَنَّ اليَقِينَ هَلْ يُشْتَرَطُ لِلِّعَانِ أَمْ يَجْوزُ بِالظَّنِّ لِخَطَر المَوْتِ؟ قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكَرْنا فيما إذا أبان زوْجَتَه ثم قَذَفها، وهناك حَمْل، فأراد أن يلاعن؛ لنَفْيه، طريقَيْن: في أنه هل يُمَكَّن من اللِّعَان؟ أصحُّهما: أن فيه قولَيْن: أظهرهما: أنَّ له ذلك.
والثاني: القَطْع بالمنع، ولْيُعْلَم؛ للطريقة الثانية قوله "وإن كان بعد البينونة، ففيه قولان" بالواو، وأما إذا لاَعَنَ النفي الحمْل في صلْب النكاح، فقد نُقِل فيه طريقان: أحدهما: طَرْد القولين؛ بناء على أن الحَمْل هل يُعْرف؟ وأصحهما: القَطْع بجوازه؛ لأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- 1 لاعن بيْن هلال بن أمية وزوْجته وكانت حاملاً، ونفى هلال الحَمْل؛ ولأن اللِّعَان في صُلْب النكاح جائزٌ، وإن لم يكن له ولدٌ؛ لسائر الأغراض 2 والفوائد المتعلِّقة به؛ فَلأَنْ يجُوزَ عنْد توَقُّع الولد بظُهُور مخايل الحَمْل، كان أوْلَى، وعن أبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: أنه لا يجوز اللِّعَان؟ لنفي الحَمْل، ثم في مذهب أبي حنيفة: أنه إذا كان قَدْ صَرَّح بالقذف، ولاَعَن عن الحَمْل، رُتِّبَ عليه حكْمُه إلا أنَّ الولَد يلْزمه، ولا يُمكن نفيه بعْد الانفصال؛ لأنها تَضَع الحَمْل بعد البينونة، ولا لعان عنْده بعْد البينونة.
وقوله في الكتاب: "لأنه جائِزٌ بمجرَّد غرض القطع دون الولد" يعني غرض قَطْع النكاح، وفي جواز اللعان لمجرَّد قطع النكاح خلافٌ قد مَرَّ، والظاهر منْعُه، فلْيُحْمَل ما ذَكَره على عرضُ القَطْع.
وسائر ثمرات اللعان في صُلْب النكاح، ولفظ التجريد يرجع 3 إلى التجريد عن نَفْي الولد.
وقوله "مأخذهما أن اليقين هل يشترط" إلى آخره معناه أنه يُوجَّه أحد القولَيْن بأن

الحَمْل لا يُتيقَّن، واللِّعَان حجَّة ضروريةٌ، فيشترط فيه يقين 1 الولد.
والثاني: بأنه مظنونٌ إن لم يكن متيقناً، وقد يموتُ الشَّخْص قبل الولادة، فيَبْقَى الولد مُلْحقاً به، فوَجَبَ تجويزه بالظَّنِّ.
فَرْعٌ: لو استَلْحَق الحَمْل، لزمه، ولم يكُنْ له نَفْسُه بعْد ذلك، خلافاً لأحمد، -رحمه الله-.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ) إِذَا أَتَتْ بتوءمين فَنَفَى أَحَدَهُما لَمْ يَنْتَفِ وَإِنْ نَفَاهُمَا ثِمَّ اسْتَلْحَقَ أَحَدَهُمَا لَحِقَهُ الثَّانِي لأَنَّهُ لاَ يَتَبَعَّضُ وَيُغَلَّبُ جَانِبُ الإِثْبَاتِ وَلَوْ نَفَى الحَمْلَ فَأَتَتْ بِتَوْءَمَيْنِ انْتَفَيَا وَلَهُ أَنْ يَنْفِيَ أَوْلاَداً عِدَّةً بلِعَانٍ وَاحِدٍ وَبَيْنَ التَّوْءَمَيْنِ المَنْفِيِّيْنِ أُخُوَّةُ الأَمِّ وَلاَ تَثْبُثُ أُخُوَّةُ الأُمِّ وَلاَ تَثْبُتُ أُخْوَّةُ الأَبِ عَلَى الصَّحِيحِ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ولَدَتْ زوجته توْءمين، فنَفَى أحدهما دون الثاني، لم يَنْتَفِ واحدٌ منهما، ولو نَفَاهُما، ثم اسْتَلْحَق أحدَهُما، لَحِق الثاني أيضاً؛ لأن الله تعالَى لم يُجْرِ العادة بأن يجتمع في الرَّحِم ولَدٌ من ماء رجُلٍ، وولَدٌ من ماء آخر، فلا يتبعَّض التوءمان لُحوقاً والانتفاءً؛ وإذا تعذَّر التبعيضُ، فيُغَلَّب جانب اللحوق؛ لأن الثُّبوت إلى النَّسَب أسرعُ من الانتفاء؛ ألا ترى أنَّه يلحق بثبوت النسب؛ بالإمكان ولا يُحْكَم بانتفائه؛ بالإمكان، النسب يثبت بالإقرار وبالسُّكوت المُشْعِر بالإقرارِ، والاقتضاءُ لا يحْصُل إلا بمجرِّد النفي، وإذا أتَتْ بولد، فنفاه بعْد الولادة باللِّعان، ثم أتَتْ بولدٍ آخر، فإما أن تَكُونَ المدةُ بين الولدَيْنِ دون ستَّة أشهر أو تكُونَ ستةَ أشْهُرٍ فصاعداً: الحالة الأولى: إذا كان [كُلٌّ] منهما أقَلَّ من ستة أشهر، فهما حمْل واحدٌ، فيُنْظَرُ؛ إن نَفَى الثانِيَ بلعان آخر، انتفى الثاني 2 أيضاً، وفي "جمع الجوامع" للقاضي الرويانيِّ حكايةُ وجهين: في أنه هل يَحْتاج [في] 3 اللعان الثاني ذكْرُ الولد الأوَّل؟ قال: والأصح عندي: أنه لا يحتاج، وهل تَحْتاج المرأة إلى إعَادة اللّعان، إذا كانت قد لاعَنَتْ بعد لعانه الأوَّل؟ قال الشيخ أو عليِّ -رحمه الله-: فيه وجهان كالوجهين فيما إذا أَغْفَل في اللِّعَان ذكْر الولد، وأعاد اللعان لنفيه بَعْد ما التعنت المَرْأة، هل تحتاج إلى إعادة اللعان؟ الأصحُّ المنع، وإن لم يَنْفِ الثاني، بل استحلقه أو سكت مع إمكان النفي، لحقاه جميعاً؛ لأنهما [حمل] 4 واحد، وإذا ثبت أحدهما، ثَبَت الآخر، وإذا لحقاه، والحالةُ هذه، فهل يلْزمه الحدُّ بقذفها؟ نُظِرَ؛ إن استلحق الثانِيَ صريحاً، لزمه كما لو كذب

نفسه، وإن سكت، فلَحِقه لم يلزمْه الحدُّ؛ لأن اللحوق حُكْم الشَّرْع، ولم يأت هو بما يناقض قوله الأول ولو قذفها ثم لاعن 1 عنها في البينونة، وأتت بولد آخر لأقلَّ من ستة أشْهُرٍ، فسواء اسْتَلْحق الثانِيَ صريحاً أو سكَتَ عَنْ نفْيِه، فلحقاه، يلزمه الحَدُّ والفرْقُ أن اللِّعَان بعْد البينونة لا يكون إلا لنَفْي النَّسَب، فإذا لحق النَّسب، لم يبق لِلَّعان حُكْم، فحُدَّ، وفي صلْب النكاح له أحكام وفوائد أُخَر، وتلك الأحكام لا ترتفع بلحوق النَّسَب، فلذلك لا يلزمه الحدُّ، حُكِيَ هذا عن القَفَّال واستحسنه القاضي الرُّويانيُّ، وقال: لم أره لغيره، وقد يقال: اللعان، وإن كان بعد البينونة يُؤَثِّر في تأبيد التحريم على أظْهَر الوجهَيْن، كما تَقدَّم، والتأبُّد لا يرتفع بلحوق النَّسب، فجاز أن يبقى أثر اللعان في سُقُوط الحدِّ أيضاً.
الثانية: إذا كان بينهما ستة أشهُر فصاعداً، فالثاني حَمْل آخر؛ لأن هَذه المدَّة مدَّة الحَمْل، فلو أمكن وقُوعُها بيْن ولدين مِنْ حَمْلِ واحدةٍ؛ لخرجَت عن أن تكون كلَّ مدة الحمل، ثم يُنْظر؛ إن نَفَى الثانِيَ باللعان، انتفى أيضاً، وإن استلْحَقَه أو سكَتَ عن نفيه، لَحِقه، وإن بانَتْ باللعان؛ لاحتمال أنه وطئها بَعْد وضع الأَوَّل فعلقت قبل اللعان، فتكون حاملاً حَالَ حُصُول البينونة، فأشبه ما إذا طَلَّق امرأته ثلاثاً، فأتت بوَلَدٍ لأقل من أرْبَع سنين منْ وقْت الطَّلاق يثبت نسبه؛ لاحْتمال كونها حاملاً يوم الطلاق، ولا، يلزم من لحوق الولد الثاني لُحُوقُ الأول؛ لأنهما حملان [فلا يلحقه الأول] بخلاف ما في الجملة الأَولَى، وما ذكَرْناه من لُحُوق الوَلَد الثاني، إذا لم يَنْفِه، هو الصحيح الذي أوْرَدَه الجُمْهور.
وقال الشيخ أبو إسْحَاق -رحمه الله- في "المهذَّب": إن أتتْ بوَلَدٍ، فنفاه باللِّعَان، ثم أَتَتْ بالولد الثاني لستة أشْهُر من ولادةِ الأوَّل، انتفى الثاني بغَيْر لعان؛ لأنها علقت به بعْد زوال الفراش، وهذا ليْس وجهاً آخر، بل الأشبه أنه سهْو، والتوجيه الذي ذكَرَه ممْنُوع، وجميع ما ذكَرْناه فيما إذا لاَعَن عن الولد المُنْفَصِل ثم أتَتْ بولد آخر، أما إذا لاعن عن الحَمْل، أما في النكاح أو بعد البينونة إذا جوَّزناه، فَوَلَدَتْ ولداً، ثم ولدت آخر، نُظِر؛ إن لم يكن بينهما ستة أشهر، فالثاني منفي أيضاً؛ لأنه لاَعَن عن الحَمْل، والحمْلُ اسم لجميع ما في البَطْن، فالإشارة إلى الحَمْل إشارةٌ إليهما جميعاً، وهو كما لو نَفَى بلعانٍ واحدٍ ولدَيْن أو أولاداً عدةً بعد الانفصال، وإن كان بينهما ستَّة أشهر، فصاعداً، فالأول منفيٌّ باللعان، وينتفي الثاني بلا لِعَان؛ لأن النكاح ارتفع باللعان، وانقضتِ العدة بوضع الولد الأول، وتحقق براءة الرحم، فيكون الثاني حادثاً بعد البينونة

جارٍ التحميل