وإذا أكْرِهَ على الأكْل، فأكل، وقلنا: يبطل 1، صومه، انقطع التتابع؛ لأنه سببٌ نادرٌ، هذا هو المشهور في الصورتَيْن، وجعَلَهُما القاضي ابن كج على الخِلاَف في المرض، وذكر أنه لو استنشق فوصل الماء إلى دماغه، وقلنا ببطلان صومه، فانقطاع التتابع 2 على الخلاف.
ولو ابتدأ بصَوْم الشهرين في وقْت يدخل عليه رمضان قَبْلَ تَمَامِ الشهْرَيْن أو يدخل يوم النَّحْر لم يُعْتَدُّ بصومه عن الكفَّارة؛ لإنشائه في وقْت يَتعذَّر فيه الوفاء بالتتابع، قال الإِمام: ويَعود القولان في أنَّه هل ينعقد نفْلاً؟ فهذا مضى رمضان ويوم العيد، اعْتُدَّ بما بَعْد ذلك, وكذا إذا مَضَى يوم النحر وأيام التشريق [إلا إذا قلْنا: إنَّ أيَّام التشْريق] تقْبَل الصوم الَّذي له سَبَبٌ تفريعًا على أن للمتمتِّع أن يصومها؛ فيكون الاعتداد من أول أيام التشريق، ولا يجوز أن يصوم رمضانَ عن الكفَّارة؛ لأن زمانَ رَمَضان متعيِّنٌ لغيرها، وإذا [نوى الصيام] عن الكفَّارة، لم يُجْزه عن رمضان؛ لأنه لم يَنْوه، ولو نواهما، لم يُجْزِه عنْهما، وحكى القاضِي أبو الطيِّب في "المُجَرَّد" عن أبي عُبَيْد بن حربويه إجزاءه عنْهما، وغلَّطه فيه، وفي كتاب القاضي ابن كج أنَّ الأسير إذا صام عن الكفَّارة بالاجتهاد، فغلط فجاء رمضان أو يومُ النَّحْر قبل تمام الشهرين، فانقَطَاعُ التتابع على الخلاف في الإفطار بالمرض.
وإذا أوجَبْنا التتابع في كفَّارة اليمين، فحاضَتْ في خلال الأيَّام الثلاثة، فقد قيل: هو كالإفطار بالمرض في الشَّهْرين، بخلاف الحيض في الشهْرَيْن؛ لأن الغالب اشتمالهما على الحيض، ويُشْبِه أن يكون فيه طريقةٌ قاطعةٌ بانقطاع التتابع؛ لأن إيقاع الثلاثة في الوقْت الَّذي لا يطرأ الحَيْض فيه مُتَيَسِّر.
وإذا شَرَع في صوم الشهرَيْن، ثم بَدَا له أن لا يُتِمَّ، ويستأنف بعد ذلك، فقد ذكروا في جوازه احتمالين:
أحدهما: يجوز، كما يجوز تأخيره في الابتداء، وليس في الامتناع من الإتمام إبطالُ عبادةٍ، فإنَّ صوْمُ كلِّ يَوْمٍ عبادةٌ مستقلةٌ.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه تبطل صفَةُ الفرضية، والوقوع عن الكفَّارة فيما مَضَى،
ولو عرض ما لا يبطل التتابع في خلال الشهرين؛ كالحيض وأرادَتِ الحائض ترْك الصوم بعد زوال الحيض، واستئْنَافَ الشهرين بَعْد ذلك، ففيه الاحتمالان، وهذه الصورة هي التي ذَكَرها في الكتاب، وفي "الوسيط" والحُكْم فيها وفي التَّرْك من غير أن يعرض عُذْرٌ واحدٌ، ولو عَمَّمَ وقال: الحائض في صوم الشهرين لو تركَتْه من غير عذر على عَزْم أن تبتدئ شهرَيْنِ بعْده، هل له ذلك؟ فيه خلافٌ لجاز أو كان أولى، وكذلك أورد الإِمام، وصاحب الكتاب في "البسيط" ثُمَّ في المسألة كلمتان:
إحداهما: صوَّر الإِمام فيما إذا لم ينو صوْمَ الغَدِ، وقال: الإفطار في اليوم الذي شَرَع فيه، يبعد التسليط عليه؛ لِمَا فيه من إبطال العِبَادة، وصاحب الكتاب أطْلَقَ لفْظ الإفطار فقال: "ولو أفطَرَتْ على عَزْمِ أن تستأنف"، فيمكن أن يترك، ويُحْمل على ما قاله الإِمام، ويجوز أن يقال: إذا كان تَرْكَ الصوم يبطل صفة الفرضية عَمَّا سبق، ويجعله نفْلاً، فكذلك الإفطار في خِلاَل اليوم يجعله نفلاً، والنَّفْل يجوز الخروج منه.
وقوله "بَعْد زوال الحيض" متعلِّق بقوله "أفطرت"، وفي بعض النسخ "بعد زوال العذر" وهما قريبان.
والثانية: الأظْهَرُ من الاحتمالين عند صاحب الكتاب جوازُ الترك واستئناف الشهرين، وقال القاضي الرُّويانيُّ: والذي يقتضيه قياس المذهب أنَّه لا يجوز؛ لأن صوم الشهرين عبادةٌ واحدةٌ كصوم يَوْمٍ واحدٍ، فيكون قطعه كقطع فريضة شَرَع فيها، وأنه غير جائز، وهذا حسن والله أعلم -بالصواب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَصْلَة
ُ الثَّالِثَةُ: الإِطْعَامُ)
وَهوَ سِتُّونَ مُدًّا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالقَتْلِ وَالوِقَاعِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بَدَلاً عَنْ صَوْمِ سِتِّينَ يَوْمًا وَيُصْرَفُ إِلَى سَتِّينَ مَسْكِينًا وَلاَ يَكْفِي الصَّرْفُ إِلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي سِتِّينَ يَوْمًا وَجِنسُهُ كجِنسِ زَكَاةَ الفِطرِ وَيجِبُ فِيهِ التملِيكُ، وَلاَ يجزِئُ التغذِيَةُ (ح) وَالتعشِيَةُ وَلاَ يُعْدَل إِلَيْهِ إِلاَّ بِعُذْرِ الهَرَمِ أَوِ المَرَضِ الَّذِي يَدُومُ شَهْرَيْنِ وَأَمَّا الشَبَقُ (و) فَلاَ يُرَخِّصُ في تَرْكِ الصَّوْمِ عَلَى الأَظْهَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] والكلام في هذه الخصلة يقع في فُصُول:
أحدها: في قَدْر الطعام، وهو في كفارة الظهار والوقاع في نهار رمضان وكذا في كفارة القتل إن أوجبنا فيه الإطْعام ستُّون مدًا لستين مسكيناً بدلاً عن صوم ستين يوماً، والاعتبار بمُدِّ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو رطل وثُلُثٌ، [بالبغدادي] وذلك رُبُعُ صَاعٍ، فالصاع أربعة أمدادٍ على ما سَبَق، ولا يختلف [ذلك باختلاف] 1 جنس المُخْرَج، وقد قَدَّمنا أن
عنْد أبي حنيفة المُدُّ رطلان، والصاع ثمانية أرطالٍ؛ أربعة أمناء وأمداد ووظيفة كلِّ مسكين إن أخرج البُرَّ نصْفُ صَاعٍ مُدَّان، ومن التمر والشَّعير صاعٌ أربعةُ أمْدَادٍ، وعنه في الزبيب روايتان، وقال مالك: الاعتبار في كفَّارة الظِّهار بِمُدِّ هشام بن عبد الملك بن مروان، وهو أزيد من مُدِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قِيلَ: هو مدَّانِ بِمُدِّ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وقيل: هو مدٌّ ونصْفٌ، وقيل: مد وثُلُثٌ، وساعَدَنا في غير كفارة الظهار، وقال أحمد: لكلِّ مسكينٍ منَ البُرِّ مُدٌّ، ومن الشعير والتمْرِ مُدَّان، واحتج أصحابنا بِمَا رُوِيَ في حديث الأعرابيِّ الذي جامَعَ في نهار رمَضَان أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ فِيهِ خمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَقَال: خُذْ هَذَا، وَأَطْعِمْ عَنْكَ سِتِّينَ مِسْكِيناً، وهذا المبلغ إذا قُسِّمَ على ستين، كان لكلِّ واحدٍ منْهم مُدٌّ لا صَاعٌ، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "وهو ستون مداً" بالحاء؛ لأن الواجب عنده من البر مائةٌ وعشْرُون مُدًّا، ومن غيره سِتُّونَ صَاعًا، وبالألف؛ لأن عنده الواجب من غير البُرِّ مائةٌ وعِشْرون مُدًّا, ولاَ ينبغي أن يُعْلَم بالميم، فإنه لم يخالف في عدد المد، وإنما الخلاف في قَدْر المد، وأعلم قوله "والقتل" بالواو؛ لخلافٍ سيأتي في كفَّارة القتل في أن الإطْعَام هل له مدخل فيها؛ وأعلم أنَّ في قَدْر الكفَّارة والفَطْرة 1 ونحوهما نَوْعُ إشكالٍ؛ وذلك لأن الصيدلانيَّ وغَيْره [من الأئمة] 2 ذكروا في أن الاعتبار في ذلك بالكيل دُون الوَزْن، وأرادوا به أن المِقْدار الذي يَحْويه الصَّاع يَخْتلف وزْنُه باختلاف جنْس المَكِيلِ 3 ثِقلاً وخفةً، فالبر أثْقَلُ من الشعير، وأنواع البُرِّ أيضاً قد تختلف أوزانِّهَا، فالواجب الَّذي يحويه المكْيل بالغًا وزنه ما بلغ، وذكر بعضهم أن الذي قيل في وزن الصالح على ما قدَّمنا في زكاة الفطر، كأنّه اعتبر فيه البُرَّ أو التمر، وقضية هذا الكلام أن يجزئ من الشعير ما هو دُونَ ذلك المِقدار في الوزن، إذا كان يَمْلأُ الصَّاع، لكن اشتهر عن أبي [عُبَيْد] القاسم بن سَلاَّم [ثم] عن ابن سُرَيْج أن دِرْهم الشَّرِيعَة خمسون حَبَّةً وخُمْسَا حَبَّةٍ ويُسَمَّى ذلك درْهَمَ الكيل؛ لأن الرَّطْل الشرعيَّ منه يُرَكَّب، ويركب من الرَّطْلِ المُدُّ، ومن المد الصَّاعُ، وذكر الفقيه أبو محمَّدٍ عبْدُ الحَقِّ بْنُ أبِي بَكْرٍ بْنِ عطيَّةَ أنَّ الحَبَّة التي يتركَّب منها الدرْهَم هي حبَّة الشعير المتوسِّطة الَّتي لم تُقَشَّر، وقُطِعَ من طرفَيْها ما امْتَدَّ، وقضيَّة هذا أن يحوي الصالح هذا المقدار من الشعير، وحينئذ، فإن اعتبر الوزن، لَمْ يملأ البر بهذا الوَزْنِ الصَّاعَ، ولم ينتظم القول بأن الوَاجِبَ ما يحويه المِكْيَال، وإن اعتبر الكيل، كان ما يجزئ من البُرِّ أكثر مما يجزئ من الشعير 4 بالوزن والله أعلم.
الفصل الثاني: في المصروف إليه، وهو ستون مسكيناً، ولا يجزئ الصرْفُ إلى واحِدٍ في ستِّين يوماً، ولا يجْزئ الصَّرْف إلَيْه دفْعةً واحدةً، واختلف الرُّويانيُّ في الصَّرْف في يوم واحدٍ لستِّين دفْعَةً، واحتج الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- بأن قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] يشتمل على وَصْف، وهو المَسْكَنَة، وعلى عَدَدٍ وهوَ السِّتُّون، فكما لا يجوز الإخلال بالوصف، لا يجوز الإخلال بالعَدَد، كما أن قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فيه تعرُّضٌ لوصفٍ وعَدَدٍ وكما لا يجوز الإخلال بالوصف، لا يجوز الإخلال بالعَدَد، حتى لا تَكُونَ شَهادةٌ واحدةٌ كشهادةِ اثنين.
ولو جمع ستين مسكيناً، ووَضَع بيْن أيديهم سِتِّين مُدّاً، وقال: مَلَّكْتُكم هذا، وأطْلَق أو قال بالسَّويَّة، فقَبِلُوه، جاز وقال الإصْطخريُّ: لا يجوز 1؛ لأن علَيْهم مُؤْنَةَ القِسْمَة، فأشبه ما لو دفع إليهم سنابل، والمذهب الأول، وهذه المؤنة خفيفة، ولو قال: خذوا، ونوى الكفَّارة، فإن أخذوا بالسوية، أجزاه، وإن أخذوا على التفاوت، لم يجزئه إلا واحدٌ، لأنَّا بَتَيَقَّنُ أن أحدَهُمْ أخَذَ مُدّاً، فإن تُيُقَّنَ أن عَشَرة أو عشرين منْهم قَدْ أخَذَ كلُّ واحد منهم مُدّاً، أجزأه ذلك القَدْر، وتدارك الباقي، ولو صَرَف الستين إلى ثَلاَثِين مسْكيناً أجْزأه منها ثَلاثُونَ مُدّاً، ويصرف إلى ثلاثين غَيْرهم ثلاثين مدّاً، ويستَرِدُّ الأمداد الزائِدَة من الأوَّلِينَ إن شَرَط كَوْنه كفَّارةً، وإلا لم يسترد، ولو صرف ستين مدًا إلى مائةٍ وعشرين، أجزأه من ذلك ثَلاثونُ مُدًّا، ويصرف ثلاثين مُدًّا إلى ستين منْهم يختارهم، فالاسترداد من الباقين على التفصيل المَذْكُور، ويجوز صَرْف الكفَّارة إلى الفقراء؛ فإنهم أشَدُّ حالاً من المَسَاكِين، ولا يجُوزُ صَرْف الكفَّارة إلى الكفار خِلافًا لأبي حنيفة في أهل الذِّمَّة، ولا إلى "الهاشِمِية" كالزكاة، ذكره صَاحِبُ "التهذيب" في فتاويه، ولا إلى من تَلْزَمُه نفقته؛ كالزَّوجة والْقَرِيب، ولا إلَى عبْد ولا مكاتَبٍ، خلافًا لأبي حنيفة في المُكَاتَب، ولو صرف إلى عبد بإذْن سيده، والسيِّد بصفةِ الاستحقاق، جاز؛ فإنه صَرْف إلى السَّيِّد وبغَيْر إذنه، يبنى على قَبُوله الوصية بغيْر إذن السَّيِّد، ويجوز أن يصرف [نصيب] 2 المجْنون إلى الولي، ولا يجوز أن يَنُقص المَصْروف إلى الصغير 3 عن المُدِّ، وإن كان يكْفيه اليسير، وعن الداركي: أن أبا إسحاق ذَكَر وجهاً: أنه إن كان الصَّغيرُ رضيعًا، لم يصح الصَّرْف له؛ لأن طعامه اللَّبَن دون الحَبِّ.
وحكى القاضي ابن كج فيما لو دَفَعه إلى الصَّغير، فبلَّغه الصغير وَلِيَّهُ 4.
الفصل الثالث: في جنْسِهِ، وجنْسُ الطعام المُخْرَج في الكفَّارة جنْس الفطرة، وفي
الأرز وجْه، نقله السرخسي: أنه لا يجزئ، وحكى القاضي ابن كج وجهاً: أنه لا يجزئ، إذا نحيت 1 عنه القِشْرة العليا؛ لأن ادخاره فيها، والظاهر الآخر.
ثم إن كان في القشْرة العليا، فيُخْرِج قَدْرَ ما يَعْلَم اشتماله على مُدٍّ من الحب، ولم يَجْرِ في الفطرة ذِكْرُ هذا الخلاف مع الأرز، وجرى ذكْر قول في العَدَس والحُمُّص، ويُشْبه أن يجيْء في كل بابٍ ما نقل في الآخر، وفي الأقط الخلافُ المَذْكور هناك، فإن قلنا بإجزائه، فيخص أهل البادية أم يعم الحَاضِر والبادي؟ وذكر القاضي ابن كج فيه وجهَيْن، وفي اللحم واللبن خلافٌ مرتَّبٌ على الأَقِطِ، وأولى بالمنع؛ لأنه لا يُدَّخَر، ثم يتعيَّن على المُكَفِّر من الأجناس المجزئة غالبُ قوت البلد 2، فإن كان الغَالِبُ ما لا يجزئ؛ كاللَّحم، إذا قلنا: إنه لا يُجْزئ، فيخرج من القوت الغالب في أقرب البلاد إلَيْه، وقال أبو عبيد بن حربويه -رحمه الله-: عليه الاعتبار بغالب قُوته على الخُصُوص، كما قاله في الفطرة، وقد ذكرنا في الفطرة وجهاً أو قولاً: أنَّه يَتَخيَّر بين الأجناس المجزئة، وهو جارٍ هاهنا؛ ألا تراهم يقولون: إذا تعيَّن قوتٌ، جاز إخْراج ما هو أعْلَى منه، وفي الأدنى خلافٌ، ويجوز الأدنى يختبر، ولا يجزئ الدقيق ولا السويق ولا الخبز، خلافاً لأبي حنيفة.
وعن أبي القاسم الأنماطيِّ: تجويز الدقيق كما قاله في الفِطْرة، وحكى القاضي أبو الطيِّب عنْه التجويز في السويق أيضاً، ونقل القاضي الرُّويانيُّ عنه إجزاء الخبز أيضاً، وروي مثل ذلك عن ابن أبي هريرة والصَّيْمَرِي واختاره لنفسه، وعن ابن خَيْران: أنه يجوز أن يُعطَى كل مسكين رطْلَيْ خُبز، وقليلَ أدَمٍ, والظاهر ما سبق ولا تُجْزئ الدراهم والدنانير؛ بدلاً، خلافاً لأبي حنيفة.
والرابع: طريق الصَّرْف إلى المستحقِّين، وهو التمليك والتسليط التام، فلا يكفي التغذية والتعشية، كما في الزكاة، وعند أبي حنيفة: تجزئ التغْذية والتعشية، قال في "التتمة": وإنما يظهر الخِلاَف في التَّمْر؛ فإن الخبز يجزئ عندنا بحالته 3 كما يجوز العُدُول من الصيام إلى الإطعام، فإذا عَجَز عن الصوم لِهَرَمٍ أو مرض، كان له العدول إلى الإطعام، وبمثله أجابوا فيما إذا لم يَعْجَز، ولكن كان يلْحَقُه من الصوم مشقةٌ شديدةٌ أو كان يَخَاف زيادةً في المرض، ثم لم يعتبر الإِمام وصاحب الكتاب في المَرَض أن لا يُرْجَى زواله، بل قالا 4: لو كان يدوم شهْرَيْن في غالب الظنِّ المستفاد من اطراد العادة
في مثْله أو [من] 1 مراجعة الأطباء، فله أن يَعْدِل إلى الإطعام، ولا ينتظر زواله؛ ليصوم بخلاف ما إذا كان مالُه غائبًا؛ حيث لا يجوز له الصيام، بل ينتظر وصول 2 المال؛ ليعتق، والفرق أن الله -تعالى- قَالَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ولا يقال لمن يملك مالاً جمًّا غائبًا عنه: إنه غير واحد للرَّقبَة، وقال في الصيام: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ويقال للعاجز بالمرض الناجز: إنه غير مستطيع للصوم، وأيضاً، فوُصول المال يتعلَّق باختياره، والاختيار في مقدِّمات الشيْء، والسبب إليه، كالاختيار في نفسه، وزوالُ المرض لا يتعلَّق بالاختيار، وقضية كلام الأكثرين 3: أنه لا يَجُوز الإطعام بمثْل هذا المرض، بل يعتبر في المرض أن يكون بحَيْث لا يُرْجَى زواله، وصرح صاحب "التتمة" بتشبيه المَرَض عنْد رجاء الزوال بالمال الغائب، حتى لا يعدل بسببه إلى الإطعام في غير كفَّارة الظهار، وحتى يجيءْ في كفارة الظهار الخلافُ المذكور فيها في المال الغائب، فلْيُعْلَمْ؛ لذلك قوله في الكتاب "يدوم شهرين" بالواو.
فإن جوَّزنا العدول إلى الإطعام مع رجاء الزوال، فأطعم ثم زال، لم يلزمه العَوْد إلى الصيام، وإن اعتبر ألاَّ يكون المرض مَرْجُوَّ الزوال، فلو كانْ كذلك، ثم اتفق الزوال نادرًا، فيشبه أن يُلْحَق بما إذا أعتق عبْداً لا يرجى زوالُ مَرَضه، واتفق الزوال 4.
ولا يلحق السفر فيما نحن فيه بالمرض على الظاهر؛ لأنَّ المسافر مُسْتَطيع
للصوم، وفي "النهاية" عن القاضي الحسين وغيره: أنَّ السَّفَر الذي يُجَوِّز الإفطار في رمضان، يُجَوِّز العدول إلى الإطعام.
وفي جواز العدول إلى بدل الاطعام؛ لعذر الشَّبَق وغلبة الشهوة وجْهان، وقد مرَّت المسألة مرَّةٌ في كتاب الصيام، والأظهر عند الإِمام وصاحب الكتاب: لا يَجُوز، والأكثرون مالوا إلى التَّجْويز، وبه أجاب أبو إسحاق فيما روى الداركيُّ، ولم يورد القاضي حُسَيْن غيره، قالوا: ويخالف هذا صوم رمضان، حيث لا يُتْرَك بهذا العذر؛ لأنه لا بَدَل 1 له، ولصوم الكفَّارة بَدَلٌ، وهذه صورة تدْخُل في باب العاجز عن جميع خصال الكفَّارة، هل تستقر الكفَّارة في ذمته؟ فيهِ خلافٌ ذكرناه في كتَاب الصَّوْم، والظاهر الاستقرار، وقد بُنِيَ الخِلاف على أن الاعتبار في الكفَّارة بحال الوجوب أم بحال الأداء؟ إن اعتبرنا حالَ الُوجُوب، لم يستقر عليه شيْء، وكان للمظاهر أن يطأ، ويستحب أن يأتي بما يَقْدِرُ عليه، وإن اعتبرنا حال الأداء، لزومه أن يأتي بما يَقْدِر عليه من الخِصَال، ولا يطأ المظاهر حتَّى 2 يكفر، ومن لا يجد إلا بعض رقبة كمن لا يجد شيئاً، فيصوم، فإن لم يقدر، والحالة هذه، على الصيام والإطعام، فعن أبي الحُسَيْن بن القطان تخريجُ أوجه فيه:
أحدها: أنه يُخْرِج المقْدُور عليه، ولا شيْءَ عليه غيره.
والثاني: يخرجه، وباقي الكفَّارة في ذمَّته.
والثالث: لا يُخْرِجه أيضاً ولا يجوز تفريق الكفَّارة الواحدة، بأن يعتق نصْف عبد ويصوم شهراً أو يصوم شهراً، ويطعم 3 ثلاثين.
ويجوز 4 أن يصرف إلى مسْكين واحدٍ مُدَّيْن عن كفارتَيْن، ولو دفع مدّاً إلى مسكين، ثم اشتراه منْه ودفَعَه إلَى آخر، ولم يزل يفعل ذلك إلى استيعاب السِّتِّين أجزأَ،
لكنه مكروه.
ولو وطئ المظاهِرُ المظاهَرَ عنها في خلال الإطعام، لم يجب الاستئناف، كما لو وطئ في خلال الصيام ليلاً.
ولو أطعم بعض المساكين، ثم قَدَر على الصَّوم، لم يلزمه الصوم، كما لو شَرَع في الصوم، ثم قَدَر على الإعتاق، لا يعود إلى الإعتاق.
وفي تجربة القاضي الرُّويانيُّ: أنه لو دفع الطعام إلى الإِمام، فتلف في يده قبل التفريق على المساكين، فظاهر المذهب أن الفَرْض لا يسقط عن المُكفِّر بخلاف الزكاة؛ لأن الإِمام لاَ يد له في الكفَّارة.
وفي فتاوى صاحب "التهذيب": أنه لو قال لغيره: أعْتِقْ عندك عنِّي على كذا، فقال: أعتقته عنك مجانًا كان كما لو ابتدأ به، فيقع العتْق عن المُعْتِقِ دون المُسْتَدْعِي.
والله أعلم.