العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 478-517

المخصُوص بتلك القرابةِ، أمَّا إذا لم يكن لمكانِ الحَاجِب، كما إذا خلَّف بِنْتاً وابنَيْ عَمٍّ، أحدُهُما، أخٌ لأمٍّ ففيه وجهان: أظهرهما: وهو المذكورُ في الكتَاب: أنَّ للبنت النصْفَ، والباقي بينهما بالسَّوِّية، لأنَّ إِخُوَّة الأُمِّ سقطَتْ بالبنت، فكأنها لم تكُنْ، فيرثان بِبُنُوَّة العمِّ على السَّواء، وأقواهما عند الشيخ أبي عَلِيٍّ، وهو جواب ابن الحدَّاد أن الباقِي لِلَّذِي هو أخ لأُمِّ؛ لأنَّ البنْتَ منعتْهُ من الأخذِ بقرابةِ الأُمِّ، وإذا لمْ يأْخذ بها، رجحت عُصُوبَته، كالأخ من الأبوَيْن مع الأخِ للأَبِ.
واحتج ابن الحدَّاد لجوابِهِ بنفيِّ الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في صورة الولاء عَلَى ما قدَّمناه، فقال الأخ من الأبوين يتقدَّم في ولاية النكاح على الأخ من الأبِ ترجيحاً بقَرابَةِ الأمُومَةِ، وإنْ كانَتْ لا تفيد ولاية النكاح وهذا هو أصحُّ القولَيْنَ فيه.
ولنَا قولٌ آخرُ: أنَّهما سواءٌ في ولايةِ النِّكاحِ نذكره في موضِعِهِ، إن شاء الله تعالَى.
واعْلَمْ أن لهذيْن الوجهيْنِ ترتيباً على الخلاف، فيما إذا لَمْ يوجَدْ حاجبٌ، وكيف يترتبان؟ توجيه الوجْه الثاني يقتضي أن يقال: إنْ رجَّحنا الأَخَ من الأُمِّ هناك، فهاهنا أَوْلَى، وإلاَّ فوجهان؛ لأنَّ هناك وَرِثَ بقرابة الأُمُومَةِ، وهاهنا لم يَرِثْ، فانتهضَتْ مرجحة، وقد نصَّ على هذا ابن الحدَّاد، وتوجيهُ الوَجْه الأوَّل يقتضي أنْ يقال: إنْ لم نرجِّح الأَخِ من الأُمِّ هناك، فهاهنا أَوْلَى، وإن رجَّحناه، فوجهان؛ لأنه وُجِدَ المُسْقِطُ للجهة، فصار وجودُها كعَدَمِها، وقد وجدتُّهُ منصوصاً في كلام ابْنِ اللَّبَّان تفريعاً على قَوْلِ من يقدم الأخ هناك، والله أعلم.
وإذا قُلْنا بالصَّحيح، فلو خلَّف ابْنَ عمٍّ لأبٍ وأُمٍّ وآخرَ لأبٍ، وهو أخٌ لأمٍّ، فللثاني السُّدُسُ بالأُخُوَّة، والباقي للأول، وتسقط به عصوبةُ الثاني.
ولو خلَّف ثلاثةً بني أعمام متفرِّقين، والَّذي هو لأمِّ زوج، والذي هو لأبٍ أخ لأمِّ، فللزَّوْج النِّصْفُ، وللأخ السدسُ، والباقي للثَّالِثِ.
ولو خلَّف أخوَيْنِ لأمٍّ [وترك سواهما] أحدُهُما ابنُ عمِّ، فلها الثلثُ بالأُخُوَّة، والباقي لابن العَمِّ منْهما بلا خلافٍ، وصورةُ ابْنَيْ عمِّ أحدُهُما أخٌ لأمٍّ: أن يتعاقب أخوانِ عَلَى امرأةٍ واحدةٍ، وتلد لكلِّ واحدٍ منهما ابْناً، ولأحدِهِمَا ابْنٌ من امرأةٍ أخرَى، فابناهُ ابْنَا عَمِّ الآخَرِ، وأحدُهُما أخُوه لأمِّه.
وصورةُ أخوَيْنِ لأمٍّ أحدُهُما ابنُ عمٍّ: أن يكون للمَرْأةِ في الصُّورَة المذكورة ابنٌ من زَوْجٍ آخَرَ، فابْنُهما من الأجنبيِّ، وابنُ أحدِ الأخوَيْنِ أخٌ للآخر من الأمِّ وأحدُهُما ابْنُ عمِّهِ.

ولو خلَّف ابْنَي عمٍّ، أحدُهما أخٌ لأمِّ، وخلَّف سواهما أخوَيْن لأمٍّ، أحدهما ابنُ عمٍّ، فالحاصِلُ أنه خلَّف أخوَيْن، هما ابْنَا عَمٍّ، وأخاً ليْسَ بابن عمٍّ، وابنَ عَمٍّ ليس بأخ، فالثلثُ للإخْوَة الثلاثة، والباقي لبني العمِّ من الثلاثة، ولابْنِ العمِّ الذي ليْسَ بأخٍ بالعُصُوبة، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: أما عَصَبَاتُ المُعْتِقِ، فإن كانَ لِلمُعْتِقِ أُمٌّ وَابْنِ فَالعُصُوبَةِ للابنِ، وَلاَ يَثْبُتُ الإِرْثُ بِالوَلاَءِ لِلْإِنَاثِ إلاَّ إِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ مُعْتِقَةً، وَأَخُ المُعْتِقِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ يُقَدِّمُ عَلَى الأخِ لِلْأَبِ كما في النَّسبِ، وَقِيلَ: لاَ يُقَدَّمُ إِذْ لاَ أَثَرَ لِقَرَابَةِ الأُمُومَةِ في الوَلاءِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ جَدُّ المُعْتِقِ وَأَخْوهُ فَقَوْلاَنِ (أَحَدَهُمَا): أنَّهُمَا يَسْتَوِيانِ (ح م) لاِسْتِوَاءِ القُرْبِ (وَالثَّانِي): أنَّ الأخَ مُقَدَّمٌ لِأَنَّهُ ابْنُ أَبِ المُعْتِقِ، وَالإِدْلاَءُ بِالبُنُوَّةِ أَقْوَى في العُصُوبَةِ، وَالوَلاَة يَدُورُ عَلَى العُصُوبَةِ المَحْضَةِ.

"

فصل في عصبات المعتق

" قَالَ الرَّافِعِيُّ: قدْ مَرَّ أن من لا عَصَبَةَ له من النَّسَب فمَالُهُ، أو ما يَفْضُلُ عن الفروض لمعتِقِهِ، إنْ كان عَتِيقاً.
وإنَّما يُؤَخَّر الولاءُ عن النَّسَب؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ رجلاً أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- برَجُلِ، فقال: إني اشْتَرَيْتُهُ، وَأَعْتَقْتُة، فَمَا أمر ميراثه؟ فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "إنْ تَرَكَ عَصَبَةً، فالعَصَبَةُ أَحَقُّ، وَإلاَّ، فَالْوَلاَءُ لك" 1. وأيضاً، فالنَّسَبُ أَقْوَى من الولاء؛ لأنَّه يتعلَّق به المحرميَّة، ووجوبُ النَّفقة، وسقُوطُ القِصَاص، وردُّ الشهادة، ونَحْوُها، ولا فرق بين أن يكونَ المعتِقُ رجُلاً أو امرأةً؛ لقولِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "الوَلاَءُ لِمَنْ اعْتَقَ" 2، ولأن الإنعام بالإعْتَاقِ موجودٌ منهما، فاستَوَيَا في الإرْث، فإنْ لم يوجَدِ المعتقُ، فالاستحقاق لعصابته [من النَّسَب] الَّذين يتعصَّبُون بأنفسهم دُون من يعصبهم غيرهم، حتَّى لو ماتْ ولمُعْتِقِهِ ابنٌ وبنْتٌ، فلا حَقَّ للبنْتِ، وكذا في الأخِ والأُخْتِ.
وكذا لو كان لَه أَبٌ وأُمٌّ، بل لا يَرِثُ النِّسَاء بالولاء إلاَّ ممن أعْتَقْنَ أو أعْتَقَ من

أعْتَقَ أو جَرَّ الولاء إلَيْهنَّ من أعْتَقْنَ، وإنْ شِئْتَ قلت: لا تَرِثُ المرأةُ بولاء إلا من معتقها أو من ينتمي إلَى معتِقِهَا بوَلاَءٍ أو نَسَبٍ.
قال ابن سُرَيْجٍ: وإنّما كان كذلك؛ لأنَّ الولاء أضْعَفُ من النَّسب المتراخي، وإذا تَرَاخَى النسب، وَرِثَ الذُّكورُ دُون الإنَاثِ؛ ألا تَرَى أن بني الأخ والعَمّ وابنه يرثُونَ دون أخواتهم، فإذا لم ترِثْ بنْتُ الأخ والعم، فبنتُ المُعْتِق أولى ألاَّ تَرِثَ.
وقوله في الكتاب: "ولا يَثْبُتُ الإرث بالولاء للإنَاثِ إلاَّ إذا كانَتِ المرأةُ مُعْتِقةً" فيه تساهلٌ، والضابطُ ما ذَكَرْنَاه، ثم الذين يتعصَّبُون بأنفسهم، ترتيبُهم في الولاء كترتيبهم في النَّسَب، حتَّى يتقدَّم ابن المُعْتِق وابن ابنه عَلَى أبِيه وجَدِّه.
وقال أحمَدُ: للأبِ أو الجَدِّ السدُسُ، والباقى للابْنِ، وادَّعى أنَّ كلَّ ذكرٍ يرثُ بالولاءِ، سواءٌ كان صاحبَ فَرْضٍ أو عَصَبَةً.
نعم، يفترق الترتيبَانِ في مَسَائِل: منْها: في أَخٍ لأبوَيْهِ مع أخيه لأبيه طريقان: أصحُّهما: تقديمُ الأخِ من الأبوَيْنِ كما في النَّسَب.
والثاني: أنَّ فيه قولَيْن: أحدُهما: هذا.
والثاني: أنَّهما يتساوَيَانِ، إذْ لا أثَرَ لقرابَةِ الأمومَةِ في الوَلاَء، وقَدِ اسْتَوَيَا في قرَابَةِ الأَبِ، ومنْها إذا اجْتَمَعَ جدُّ المُعْتِق وأخُوه، ففيه قولان: أحدُهُما، وبه قال أحْمَدُ: أنَّهما يستويان كما في النَّسَب؛ لاستوائهما في القُرْب.
والثاني: أن الأخَ مقدَّم؛ لأنَّه ابنُ أبي المُعْتق، والجَدُّ أبو أبيه، والبنوة أقوى من العُصُوبة، وإنما تركْنَا هذا القياس في النَّسَب؛ لإجماع الصَّحَابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- عَلَى أنَّ الأَخِ لا يُسْقِطُ الجَدِّ 1، وأيضاً، فالولاء يدورُ على محْضِ العُصُوبة، ولا يُورَثُ فيه إلا بها، فَمَن أقَرَّ، كَانَ أقْوَى عصوبةً، فهو أَوْلَى، وبهذا القَوْلِ قال مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وأبيهما أصحُّ.
قال في "التهذيب": إنَّ الأوَّل أصحُّ، إلاَّ أنَّ الشيخ أبا حامدٍ وأبا خلَفٍ الطبريَّ والأكثرين رجَّحوا الثاني، وأبو حنيفة خالَفَ القولَيْن جميعاً، وقدَّم الجد، فيجوز إعلامُ قولِهِ: "يستويان" وقولِهِ: "إنَّ الأَخِ مقدَّمٌ" بالحاء، وإعلامُ الأوَّل بالميم، والثَّاني بالألف.

التفريعُ: إنْ قلْنَا إنهم يستويان، فقد روى أبو عبْد الله الحناطيُّ وغيره وجهين: أحدُهُما: أن للجَدِّ ما هو خيرٌ له من المقاسمة وغيرها، عَلَى ما سيأتي -إن شاء الله تعالَى- في النَّسَب، وأصحُّهما وهو النقْلُ المستفيض 1 أنه يقاسِمُهم أبداً؛ لأنَّه لا مدخل للفرْضِ المقدَّر في الولاءِ، ولو اجْتَمَعَ معَ جَدّ المعتق إِخْوَةٌ من الأبوَيْنِ وإِخْوَةٌ من الأَبِ، فالحكايةُ عن ابنِ سُرَيْجٍ: أنَّه لا معادة، والجَدُّ مع الأخ من الأبوَيْنِ يقتسمان: وفيه وجه آخَرُ، وهو اختيارُ ابنِ اللَّبَّان: أنه يعد الأخُ من الأب عَلَى الجَدِّ كما في النسب، وبالأَوَّلِ أخَذَ كثرَهُم، ويُمْكِنُ أنْ يُفْرَقَ بيْن البابَيْنِ.
فأما إذَا أدْخَلْنَا أولادَ الأَبِ في الحسَاب هناك، فقَدْ يدفع إلَيْهم شيئاً، وكما لَوِ اجتمع مع الجَدِّ أختٌ من الأبوَيْنِ، وأخت من الأَب، وهاهنا لا يمكنُ صَرْف شيْءٍ إلَى ولدِ الأب أصْلاً؛ لأنَّه لا يأْخُذ بالولاء إلاَّ المذكور، ولا شيء للأخ من الأبِ مع الأخِ من الأبوَيْنِ، فيبعُدُ أن يدْخُل في القسْمَةَ مَنْ لا يَأْخُذُ بحال، وعلَى هذا القولِ، فالجَدُّ أوْلَى من ابنِ الأَخِ، كما في النَّسَب، وقيل: هما سواءٌ، وفي "التهذيب" تفريعاً عَلَى هذا القَوْل: أنَّ الأَخِ أَوْلَى من أب الجدِّ، وأنَّ أبا الجَدِّ مع ابْنِ الأخِ يَسْتَوِيان، والله أعلم وعلى القول الثَّاني، وهو تقَديمُ الأَخِ على الجَدِّ، أنَّ الأخَ أيْضاً يقدَّم عليه، وبه قال مالِكٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كما أنَّ ابنَ الَابْنِ، وإنْ سَفَل، يقدَّم على الأب، والقولاَنِ في الأخ والجد يجريان من العمِّ مع أبي الجَدِّ 2، وفي كلِّ عمٍّ اجتمع مع جدٍّ، إذا أَوْلَى العم بأبٍ دون الجَدِّ، ولا خلافَ أنَّ الجَدَّ أولَى من العم.
ومنها: إذا كان للمعْتِقِ ابنا عَمٍّ، أحدُهُما: أخٌ لأمِّ فالنصُّ أنه أَوْلَى بخلافِ ما في النَّسَب عَلَى ما تقدَّم.
ثم إنْ لم يوجد أَحَدٌ من عَصَبَات المُعْتِقِ، فالمالُ لِمُعْتِقِ المُعْتِقِ، ثم لعصبَاتِهِ عَلَى النَّسَق المذكور من عَصَبات المعتِقِ، ثم لمُعْتِقِ مُعْتِقِ المُعْتِقِ، وعلى هذا القياس، ولا يَرِثُ مُعْتِقٌ عصبة الميت إلاَّ مُعْتِق أبيه أو مُعْتِق جَدِّه، وكذا معْتِق عصَبَةِ المُعْتِقِ إلا معتق أبِي المُعْتق أو جده.
والقوْلُ في تفصيل ذلك، وفي قواعِدَ أُخَرَ ومسائِلَ عويصةٍ في الولاء، ومؤخر إلَى كتابِ "العِتْق" والله يُيَسِّرُ على الوُصُول إلَيْه.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَا مُقَاسَمَةُ الجَدِّ وَالْإخْوَةِ في النَّسَبِ فَالْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ يَسْقُطُونَ، وَأَمَّا مُقَاسَمَتُهُ مَعَ إِخْوَةَ الأَبِ وَالأُمِّ أو الإِخْوَةِ لِلْأَبِ فَصُورَتُهَا أنَّهُ إِذَا لَمْ يَكن مَعَهُمْ ذُو فَرْضٍ

فَيَكُونُ الجَدُّ كَوَاحِدٍ مِنْهُمُ ما دامَتِ القِسْمَةُ خَيْراً لَهُ مِنَ الثُّلُثِ، فَإنْ نَقَصَتِ القِسْمَةُ مِنَ الثُّلُثِ فَلَهُ الثُّلُثُ كَامِلاً، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَخٌ أَوْ ثَلاَثُ أَخَوَاتٍ أَوْ أُمٌّ وَأُخْتَانِ فَالْقِسْمَةُ خَيْرٌ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَخَوَانِ أَوْ أَرْبَعُ أَخَوَاتِ أَوْ أَخٍ وَأخْتَانِ فَالْقِسْمَةُ وَالثُّلُثُ سِيَّانِ، فَإنْ كَانَ الإِخْوَةُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَالْثُّلُثُ خَيْرٌ لَهُ فَيُسَلَّمُ إِلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القَوْلُ في ميرَاثِ الجدِّ مع الإخوة بابٌ خطيرٌ في الفرَائِضِ، وقَدْ أكثر فيه الصحابةُ ومَن بعْدَهُمْ من الأئمة 1 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وإنَّما أورده المصنِّف في هذا المَوْضع؛ لأنَّه قد بيَّنَ في ترْتِيب العَصَبات أنَّ الجَدَّ مع الإِخوةِ والأَخَوَاتِ من الأَبَوَيْنِ، أو من الأب في درَجَةٍ وَاحِدَةٍ، لا هُوَ يُسْقِطُهم، ولا هُمُ يُسْقِطُونه، فمسَّت الحاجةُ إلَى معرفةِ أَنَّهم كيف يقْتَسِمُون المالَ.
وقوله: "فالْإِخْوَةُ لِلأُمِّ يسْقُطُونَ" هذا قد أعادَهُ من بَعْدُ في فصل حَجْب الإخْوَة، ولا ضرورةَ إلَى ذكْره هاهنا؛ لأَنَّ الكلامَ من أولِ الفَصْل الثَّاني إلَى آخِرِ ما يتَعلَّقَ بالجَدِّ والإِخوة في العَصَبَات؛ ألا تَرَى أنه قَالَ في آخِرِ حُكْم العَصَبَات، والإِخوة "والأَخَوَات من الأُمِّ: لَيْسُوا مِنَ الْعَصَبَاتِ" وجملة القوْلِ في الباب أَنَّ الإخوةَ والأَخَوَاتِ من الأبوين أو من الأبِ، إذا اجتمعوا مع الجَدِّ لم يَسْقُطوا به، وبهذا قاَل مالكٌ وأحمدُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-.
وقال أبو حنيفةَ والمُزَنِيُّ: إِنَّهُمْ يَسْقُطُونَ، ويُحْكَى ذلك عن اختيار ابن سُرَيْجٍ، ومحمَّدِ بنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيِّ، وابْنِ اللَّبَّانِ وأبِي مَنْصُورٍ البَغْدَادِيِّ، ووُجِّهَ ذلك: بأنِ ابْنَ الابْنِ نازلٌ منزلة الابْنِ في إِسقاط الإخوة والأخَوَات، وغيره فلْيَكُنْ أبُ الأبُ نازلاً منزلةَ الأَبِ، ويُرْوَى هذا التوجيهُ عن ابنَ عبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا 2 - وبأنَّ الجَدَّ أَقْوَى من الأخِ، بدليل أنَّه يشاركه في الإرْثِ، وينفرد بولايةِ المَالِ والنِّكَاح، وبدليلِ أنَّ الابْن

يُسْقِط الإخوةَ، ولا يُسْقِطُ الجدَّ، وعنِ ابْنِ اللَّبَّانِ: أَنَّه احتجَّ بأن الجدَّ إما أن يكونَ كالأخِ من الأبَوَيْنِ، أول كالأخِ من الأَبِ، أو أضْعَف منهما أو أقوى منهما، إنْ أن كالأخِ من الأبوَيْنِ، وجب أن يسقط الأَخُ من الأب، وإن كان كالأخِ من الأبِ، وجَبَ أنْ يسقط، بالأخ من الأبوين، وإن كان أضْعَفَ منهما وجب أن يَسْقُطَ بهما جميعاً، ولما تعذرت الأقْسَامُ الثلاثة تعيَّن الرابعُ، وهو أنَّه أقْوَى منْهما، فيُسْقِطُهما.
وأمَّا وجْه ظاهِرِ المذْهَب، فعَنْ عليٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تشبيهُ الجَدِّ بالبَحْرِ أو النَّهْرِ الكبير، والأب كالخَلِيجِ المأخوذِ منْه، والميِّت وإخوته كالسَّاقِيتَيْنِ المُمْتَدَّتَيْنِ من الخليج، والسَّاَقيةُ إلى السَاقية أقربُ منها إلى البَحْر؛ ألاَ ترى أنه إذا 1 سُدَّتْ إحداهما، أخذت الأخرَى ماءَها، ولم يرجع إلى البَحْر.
وعن زَيْدِ بْنِ ثابت -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: يُشَبَّهُ الجَدُّ بساقِ الشَّجرة وأَصْلِهَا، والأَبُ كغصن منها، والأخوة كغصنين تفرعا من ذلك الغُصْن، واحد الغُصْنَيْن إلى الآخَرِ أقربُ منْه إلَى أَصْلِ الشَّجَرة؛ ألا تَرَى أنه إذا قُطِعَ أحدُهما امتصَّ الآخَرُ ما كان يمْتصُّه المقْطُوع، ولم يرْجِعْ إلى السَّاق 2. ووجهه الأصحابُ: بأنَّ الأَخِ يُعَصِّب أخته، فلم يَسْقُطْ بالجَدِّ كالابن، وبأنَّ ولد الأب يُدْلِي بالأب، فلا يَسْقُط بالجد كأمِّ الأب، وبأنَّ الأخ أقوَى من الجدِّ من جهة أنَّه ابنُ أَبِي الميِّتِ، والجَدُّ أبو أبيه، والبنوةُ أقْوَى من الأُبُوَّة، وأَنَّهُ يُعَصِّبُ أَخَوَاتِهِ، وَالْجَدُّ لا يُعَصِّبُهُنَّ؛ فإن الإخوة والأخواتِ يَرِثُون حَسَبَ ميراثِ الأَوْلاَدِ عُصُوبةً وَفَرْضِيَّةً، والجدُّ بخلافه، وإن فرع الأخ، وهو ابن الأخ يسقط فرع الجد، وهو العَمُّ، وقوَّة الفرع تدُلُّ على قوة الأصْل، وإذا كان الأخُ أقوَى فقضيته أن يَسْقُطَ الجدُّ به إلاَّ أنَّ الإجْمَاع صدَّنا عن ذلك، فلا أَقَلَّ من ألا يسقط [بذلك] الجد إذا تقرَّر ذلك، فإما أن يجتمع مع الجدِّ أحدُ الصِّنْفَيْن منَ الاِخوة والأَخَوات من الأبوَيْنِ، والإِخوة والأخوات من الأَبِ، وإمَّا أنْ يجتمع معَه الصِّنْفَان.
القسْمُ الأوَّل: إذا اجتمعَ معَهُ أحدُهما، فإمَّا ألا يكونَ معَه ذُو فَرْضٍ، وإمَّا أن يكون:

الحالةُ الأُولَى: إذا لم يكُنْ معهم ذو فَرْضٍ، فللجَدِّ خيرُ الأمرَيْن من المقاسمة معهم، وثُلُثُ جميع المالِ، فإنْ قاسَمَهُمْ، كان بمثابة أخٍ منهم، وإنْ أَخَذَ الثُّلُثَ، فالباقي بينهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقَدْ يستوي الأمْرَان، فلا فَرْقَ في الحقيقة، ولكنَّ الفَرَضِيُّون يتلفَّظُون بالثُّلُث، فإنَّه أسهلُ، وإنما تكونُ القسْمَة خَيْراً له إذا لم يكُنْ معه إلاَّ أخٌ أو أخْتٌ، أو أخٌ وأختٌ أو أختان أو ثلاث أخوات، فهي خمسُ مسَائِلَ، وإِنَّمَا يستَوِي الأمْرَانِ، إذا لم يكنْ معه إلاَّ أخَوَانِ أو أخٌ وأختانِ أو أربَعُ أخواتٍ، فهي ثلاث مسائلَ، وفيما عدا ذلك الثلُثُ خير له من القِسْمة.
والعبارَةُ الضَّابطة: أن الإِخْوةَ والأخواتِ، إنْ كانوا مثليه، فالقسْمةُ والثُّلُثُ سيان، وإن كانُوا دُونَ مثليه فالقسمة خَيْرٌ، وإن كانوا فَوْق المثلين، فالثلُثُ خَيْرٌ، ووجه اعتبار الثُّلُث أن الجَدَّ والأُمَّ، إذَا اجتمعا، أخَذَ الجَدُّ مِثْلَىْ ما تأخذه الأمُّ؛ لأنَّها لا تأْخُذُ إلاَّ الثُّلُث، والإِخوة يَنْقُصُون الأُمَّ من السُّدُس، فَوَجَبَ ألا يَنْقُصُوا الجدَّ من ضِعْف السُّدُس، والله أَعْلَم.
قال الغَزَالِيُّ: وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ذُو فرْضٍ سُلِّمَ لَذَوِي الفَرْضِ فُرُوضُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلاَّ السُّدُسُ سُلَّمَ إِلَيَّ الجَدِّ، وَإِنْ بَقِيَ أقَلُّ مِنَ السُّدُسِ أَوْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ أُعِيلَتِ المَسْأَلَةُ وفُرِضَ للجدِّ سُدُسٌ عَائِلٌ وَسَقَطَ الإِخْوَةُ، وَإِنْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنَ السُّدُسَ فَيُسَلَّمُ لِلْجَدِّ، إِمَّا سُدُسُ جَمِيعَ المَالِ أَوْ ثُلُثُ مَا يَبْقَى أَوْ مَا تُوجِبُهُ القِسْمَةُ فَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ خَيْراً لَهُ خُصَّ الجَدُّ بِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالة الثانية: إذا كانَ مَعَهُمْ ذو فَرْضٍ وأصحابُ الفروضِ الوارِثُون مع الجَدَّ والإِخوة ستَّةٌ: البنْتُ، وبنتُ الابْنِ، والأمُّ، والجَدَّةُ، والزَّوْج، والزَّوْجَةُ.
فإمَّا ألاَّ يبقَى بعد الفروض شيءٌ أو يبقى وحينئذٍ، فإمَّا أن يكون الباقي قدْرَ السدُسِ أو أقلَّ أو أكْثَرَ، فهذه أربعة تقديرات: أحدها: ألاَّ يبْقَى شيْءٌ؛ كبنْتَيْنِ، وأُمٍّ، وزَوْجٍ، فيُفْرَضُ للجَدِّ السدُسُ، ويزاد في العَوْل.
والثَّاني: أن يكونَ البَاقي قدْرَ السُّدُس، كما إذَا كان مع الجدِّ والإخوةِ بنْتَانِ وأمٌّ، فيصرف السُّدُس والباقي إلى الجَدٍّ.
والثالث: أن يكون الباقي دونَ السُّدُسِ؛ كبنتَيْنِ وزَوْجِ، فيفرَضُ للجَدِّ السدس، وتُقَالُ المسألةُ.
وعلى التقديراتِ الثَّلاثةِ يسقط الإِخوة والأخوات.

والرابعُ: أنْ يكونَ الباقي فوْقَ السُّدُس، فللجَدِّ خيْرُ الأُمُور الثَّلاثة وهي المقاسَمَة مع الإِخوة والأَخَوات، وثُلُثُ ما يبْقَى وسدُسُ جميع المال.
أما المقاسَمَةُ؛ فلمساواته إيَّاهم ونُزُولِهِ منزلةَ أخٍ، وأما ثلُثُ ما يبقَى؛ فلأنَّهُ لو لَمْ يكُنْ صاحبَ فرضٍ، لأَخَذ ثلُث جميعِ المَال، فإذا خَرج قدْرُ الفَرْضِ مستحقّاً، فأخَذَ ثلث الباقي.
وأما السُدُس؛ فلأن البنتَيْنِ لا يَنْقُصُون الجَدَّ عن السُّدُس، فالإخوةُ أَوْلَى، هذا هو التَّرْتيبُ المذْكُور في الكِتَاب، ووراءه عبارتان تؤدِّيان الفَرَضَ: إحداهما: أن يقالَ: إنْ كانَ الفرْضُ دون النصف؛ لزوجٍ أو زوجَةٍ معهم، فلِلْجَدِّ خيْرُ الأمرَيْنِ من المقاسَمَةِ وثُلُثِ ما يبْقَى، وإن كان فوْقَ النِّصْف ودون الثلثَيْن؛ كبنْتٍ وزوجةٍ أو قَدْر الثلثَيْن؛ كبنتين، فله خيْرُ الأمرَيْنِ من المقاسمة أو سدُسِ جميعِ المالِ، وإن كان فوق الثلثَيْنِ؛ كبنتٍ وزوج، فللجَدِّ السدسُ، فهو خيرٌ وهو والقسمة سيان، وذلك إذا لم يكُنْ مع الجَدّ، والصورةُ هذه، إلاَّ أخْتٌ واحدةٌ.
والثانيةُ: أن يُخْتَصَرُ فيُقَالَ: إذا اجْتَمَعَ معَهُمْ ذو فَرْضٍ، فلِلجَدِّ خيْرُ الأمورِ الثلاثةِ، وإذا أَردتَّ أن تعرف أن كلَّ واحدٍ منْهما في أيِّ موضعٍ يكون خيْراً، فانْظُرْ في قدْر الفَرْض، فإنْ كان قَدْرَ النِّصْف أو دُونَهُ، فالقسْمةُ خَيْر، إذا لم يكُن معه أختٌ، أو أخ، أو أخَتانِ أو ثلاثٌ، أو أخٌ وأختٌ، فإنْ زادُوا، فثلثُ الباقي خَيْرٌ، وفي هذا القسمْ تقع المسالةُ المعروفةُ بـ"الخَرْقَاءِ"، وهي: أُمٌّ، وجَدٌّ، وأُخْتٌ، فللأمِّ الثلثُ، والباقي يُقسَّم بين الجَدِّ والأُخْتِ أثْلَاثاً، وسُمِّيَتِ بـ"الخَرْقَاءِ" لتخرُّق أقوال الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وكثرة اختلافِهِمْ فيها، فعِنْدَ أبي بكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- للأمِّ الثُّلُثُ والباقي للجَدِّ.
وعند عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: للأخْتِ النصْفُ، وللأم ثلثُ ما يَبْقَى، والباقي للجَدِّ.
وعند عثمان -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: لكلِّ واحدٍ منْهما الثُّلُثُ.
وعند عليٍّ عليه السلام: للأختِ النصْفُ، وللأمِّ الثلثُ، وللجَدِّ السدُسُ وعند ابن مَسْعُودِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: النِّصْفُ، والبَاقي بيْنَ الجَدِّ والأمِّ بالسويَّة، وُيرْوَى عنْه مثْلُ مذهَبُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ 1 -.

والذي ذكرْنَاه أوَّلاً هو مَذْهَبُ زَيْدِ، وإنْ كان الفَرْضُ يفوق النصْفَ ودون الثلثَيْنِ، فالقسْمَة خيرٌ مع أخ وأختٍ وأختَيْنِ، فإنْ زادُوا فالسدس خيرٌ، وإن كان قدْرَ الثلثَيْنِ، فالقسمة خيرٌ، إن لمَ يكنْ إلاَّ أخْتٌ واحدةٌ إلاَّ فالسُّدُسُ خيْرٌ، وهَذَا التفصيل قد أَتَى به الشافعيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- في "المختصر" بأكثره، لكنَّه قال: "إِذا كان الفَرْضُ أَكْثَرَ منَ النِّصْف، ولم يجاوِزِ الثلثَيْنِ قاسم أخاً أو أختَيْنِ" 1. قال الشَّارِحُونَ: المرادُ: إذا لم يبلُغِ الثلثَيْنِ أيضاً؛ لأنَّه إذَا بلغ الثلثَيْنِ، فلا يقاسم أَخَاً ولا أُخْتَيْنِ، إنَّما يقاسم أخْتاً واحدةً، كما مَرَّ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلاَّ إِخْوَةٌ لِلْأَبِ وَالأُمِّ أوْ إِخْوَةَ الأَبِ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا جَمِيعاً فَحُكْمُ الجَدِّ لاَ يَتَغَيَّرُ بَلْ هُوَ كَمَا كَانَ، وَإِنَّمَا تتَجَدَّدُ المُعَادَّةُ وَهِيَ أَنَّ أَوْلاَدَ الأَبِ نَعُدُّهُمْ عَلَى الجَدِّ في حِسَابِ المُقَاسَمَةِ وَنُقَدِّرُهُمْ وَرَثَةً، ثُمَّ إِذَا أَخَذَ الجَدُّ حِصَّتَهُ قُدِّرَ نَصِيبُ الإِخْوَةِ كَأنَّهُ كُلُّ المَالِ بَيْنَهُمْ، فَإنْ كَانَ في أَوْلاَدِ الأَبِ وَالأُمِّ ذَكَرٌ اسْتَرَدَّ جَمِيعَ مَا خَصَّ أَوْلاَدَ الأَبِ، وَإِنْ كَانَ في أَوْلاَدِ الْأَبِ وَالْأمِّ أُنْثَى وَاحِدَةٌ اسْتَرَدَّتْ مَا يَكْمُلُ لَهَا بِهِ النِّصْفُ، وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ اسْتَرَدَّتَا مَا يَكْمُلُ بِهِ لَهُمَا الثُّلُثَانَ، فَإنْ كَانَ لاَ يَتِمُّ النِّصْفُ أَوِ الثُّلُثَانِ بِاسْتِرْدَادِ الجَمِيعِ اقْتُضِرَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ للتَّكْمِيلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القِسْمُ الثَّاني: إذا اجتمَعَ مَعَ الجَدِّ الصِّنْفَانِ الإِخوة والأخوات من الأبوَيْنِ والإِخوةُ والأخواتُ من الأبِ، فللجَدِّ خَيْرُ الأمرَيْنِ، إن لم يكُنْ معهم ذُو فَرْضٍ، وخَيْرُ الأمورِ الثلاثةُ، إنْ كان معهم ذُو فَرْض كما إذا لم يكن معه إلاَّ أحد الصِّنْفَيْنِ، لكن هاهنا أولاد الأبوَيْن يُعَادُّونَ الجَدِّ بأولادِ الأبِ، أي: يُدْخِلُونَهُمْ في العَدَدِ معَ أنْفُسِهِمْ وَيعُدُّونهم في القسْمة على الجَدِّ ثم [إذا أخذ الجدُّ حصَّتَهُ، نُظِر: إن كان ولدُ الأبوَيْنِ عصبة] 2 إما ذكراً أو ذُكُوراً وإما ذكوراً وإنَاثاً، فلهُمْ كلُّ الباقي، ولا شيء لولَدِ الأب، وإن لم يكنْ عصبةً، بل أنثَى أو إناثاً متمحِّضَاتٍ، فالاثنتانِ فصاعداً = والأم سهماً، قال: فما قال فيها زيد بن ثابت، قلت: جعلها من تسعة، أعطى الأم ثلاثة، والجد أربعة، والأخت سهمين -الحديث- وأما مذهب عمر ومتابعة ابن مسعود له: فرواه البيهقي من طريق إبراهيم النخحي قال: كان عمر وعبد الله لا يفضلان أماً على جد، وعن عمر أيضاً في هذه المسألة: للأخت النصف، وللأم السدس، وللجد ما بقي، وكذا رواه ابن حزم من طريق إبراهيم عن عمر، وأما الرواية عن أبي بكر فقال البزاو: نا روح بن الفرج المصري ويقال ليس بمصر أوثق منه نا عمرو بن خالد نا عيسى بن يونس نا عباد بن مرسى عن الشعبي قال: أتى بي الحجاج موثقاً فذكر القصة، وأوودها أبو الفرج المعافى في الجليس والأنيس بتمامها].

يَأْخُذن إلى الثلثَيْنِ، والواحدةُ تأخُذُ إلى النِّصْف، فإن زادَ شيءٌ، فهو لأولادِ الأَبَ، ذُكُوراً كانوا أو إِناثاً.
أمثلتُهُ: جَدٌّ، وأخ من الأبوَيْنِ، وآخَر من الأب: يدخل الثاني في القسْمَةِ، ويأخُذُ الجدُّ الثلثَ، وهو والمقاسَمَةُ سواءٌ، والباقي للأخِ مِنَ الأبوَيْنِ.
جَدُّ وأخٌ من الأبوَيْنِ، وأختٌ من الأبِ، المال على خمسة: للجَدِّ سَهْمَانِ، والباقي للأخِ.
جدٌّ، وأخٌ، وأختٌ من الأبوين، وأخ وأخت من الأب، وجد، للجد الثالث، والباقي للأختين من الأبوين.
أختانِ من الأبوينِ، وأخٌ، وأخْتَانِ من الأب للجَدِّ الثلُثُ، والباقي للأختَيْنِ، من الأبوَيْنِ، وهُوَ تمام فرضهما.
أخْتَانِ من الأبوَيْنِ، وأختاً من الأب، وجَدٌّ: المالُ على خمْسةٍ للجدِّ سَهْمَانِ، والباقي للأختين من الأبوَينِ، وهو دُون فَرْضِهِمَا.
أختانِ من الأبوَيْنِ وأخت من الأب، وزوْجٌ، وجَدٌّ، للزوج النصْفُ، ويستوِي في البَاقِي القسمةُ، وثلُثُ ما يبقى وسُدُسَ المَالِ فيأْخُذُه الجَدُّ، والباقي للأختَيْن من الأبوَيْنِ، وهو دُونَ فرضهما.
أختٌ من الأبوَيْنِ، وأختان، وأخٌ من الأبِ وجَدٌّ: المالُ عَلَى خمسة أسهمٍ: للجَدِّ سهمان، وللأختِ من الأبوَيْنِ سهمان ونصفٌ، وهو قدْرُ فرضهما، والباقي لولَدِ الأبِ.
أختٌ من الأبوَيْنِ، وأخواتُ من الأب فصاعداً، وجدُّ: للجَدِّ الثلُثُ، فهو خيرٌ، وللأخْتِ من الأبوَيْنِ النصْفُ، والباقي لأوْلاَدِ الأبِ.
أختٌ من الأبوَيْنِ، وأخرَى من الأب وجَدٌّ: المالُ على أربعة أسهمٍ: سهمانِ للجَدِّ، والباقيان يأْخُذُهما الأخْتُ للأبوين.
أخت من الأبوَيْنِ، وأخٌ من الأبِ، وجَدُّةٌ، وجَدُّ: للجدة السدُسُ، والباقي بينهم على خَمْسَةٍ: للجَدِّ سهمان، والباقِيَ تأْخُذه الأختُ، فهو نصف المال، فإن كان بدَلَ الجَدَّة زوجةٌ، أخَذَت الرَّبُع، والباقِي على خَمْسَةِ: للجَدِّ سهمان، والبَاقِي تَأْخُذُه الأخْتُ، وهو دون النِّصْف، [إذا مات].
وإذا تأمَّلْتَ ذلك عَرَفْتَ أنَّ أوْلادَ الأبِ لا يأخُذُون شيئاً إلاَّ أن يكون ولَدُ الأبوَيْنِ أنثَى واحدةً، وأنهم لا يأْخُذُون في جميع صُوَر وجُودِها، هذا مَعْنَى المُعَادَّة وطرق في صُوَرِهَا.

وأما أنَّه لِمَ قِيلَ بها؟ فقد ذكروا له نوعَيْنِ من التَّوْجِيه، واستأنُسُوا بشَيْءٍ ثالثٍ: أحدُ النوعَيْنِ: أن الجَدَّ شخصٌ له ولادةٌ تحْجُبُه عن نصيبِهِ، أخوانِ وارِثَانِ، فجاز أن يحجُبَهُ أخوانِ، وارِثٌ، وغيرُ وارثٍ؛ كالأمِّ كما يحجُبُهَا عن الثُّلُثِ أخوانِ وارِثَانِ، يحْجُبُها وارثٌ وغيرُ وارثٍ، وأيضاً، فإنَّ أولاد الأب، أخوةٌ يرثُون، لو انفردُوا معَ شَخْصٍ له ولادةٌ، فإذا اجتمَعَ مَعَهُمْ من يمْنَع الاِخوة من الإِرث، حُجِبُوا، ولم يرثوا، كأولاد الأم إذا اجتمع معهم الجدُّ.
والثَّاني: أن الأَخَ من الأبوَيْنِ يقولُ للجَدِّ: أنا وأَخِي من الأَبِ بالإضافة إليك سواءٌ، وأنا الذي حُجُبُه، فأَزْحَمُكَ بِهِ وآخُذُ حصَّته، وهذا كما أنَّ الإِخوة يردُّون الأمِّ من الثلث إلى السُّدُس، والأَب يحجبهم ويأْخُذُ ما نقَصُوا من الأمِّ وفَرَقُوا بين ما نحْنُ فيه وبين ما إذا اجتمع الأخُ من الأُمِّ مع الجَدِّ، والأخُ من الأبوَيْنِ حيثُ لا يقُولُ الجَدُّ: أنا الذي أحجَبَهُ فأزْحَمُكَ به، وآخُذُ حصَّتَهُ -بأن الأُخُوَّةَ جهةٌ واحدةٌ، فجاز أن ينوب أخٌ عن أخٍ، والإخوةُ والجدودةُ جهتانِ مخْتَلِفَتَان، فلا يجوزُ أنْ يستحقَّ الجدُّ نصيبَ الأَخِ، وأَوْلَى من هذا أنْ يُقَال: ولَدُ الأب المعدود على الجَدِّ ليْسَ بمحرومٍ أبداً بَلْ يأْخُذُ قِسْطاً مما قُسِّم له في بعض الصُّورَ علَى ما بيَّنا، ولو عدّ الجد الأخ من الأمِّ على الأخِ من الأبوَيْنِ، كان مَحْرُوماً أبداً، فلا يَلْزَمُ من تلْكَ المُعَادَّةِ هذه المُعَادَّةُ.
وأما الاستئناس، فقد قال القَاضِي إسْماعيلُ المَالِكِيُّ

-[رحمه الله]-

: يجوزُ أن يَعُدُّ الإنسانُ علَى غيره مَنْ لا يأْخُذُ شيئاً، ويأْخُذُ حصَّتَهُ؛ ألا تَرَى أنَّهُ لو أوصَى بمائةِ درهمٍ لزيْدٍ، وبما يبقى من ثلاثةٍ بعد المَائَةِ لعَمْرٍو، وبجميع الثُّلُثِ لِبَكْر، وثُلُثُه مَائَتَانِ، فإنَّ زيداً يُدْخِل عمراً في قسْمة بكْرٍ، ويقول: أوصَى لنا باَلثُّلُث، كما أوصَى لك، ثم يقُول لِعَمْرٍو: ليْسَ لك أنْ تأْخُذ شيئاً ما لَمْ أستَوْفِ المائةَ، ويأخُذُ جميع المائة، ويحرم عَمْراً، لكنْ ذكر القاضي ابن كجٍّ أنَّ مِنَ الأصحاب مَنْ منَع المسألة، وسوَّى بين زيْدِ وعمْرٍو في المائة، وسنذكُرُ الخلافَ في المسألةَ وأخَوَاتِهَا في "الوصيَّة" إن شاء الله تعالَى.
وقوله في الكتاب: اسْتَرَدَّ جَميعَ مَا خَصَّ أولادَ الأَبِ، ضرْبُ استعادةٍ، وليس هناك دفْعٌ واستردادٌ محقَّقٌ، وإنما هو كلامٌ تقديريٌّ، أي: ماَ قُسِّم وجُعِلَ باسْمِهِ لا يُدْفَع إلَيْه، ويحول إلى الأخِ من الأبوَيْنِ، وعلَى هذا يقاسُ ما ذكره من استرْدَادِ النِّصْف والثلثَيْنِ، وربَّما سبق إلى الوَهْم من لفْظِ الكتَاب: أنَّ الواحدةَ تستردُّ تكملةَ النِّصْف، والاثنين تستردًّانِ تكملةَ الثلثَيْنِ، ويقرّر ما فضل على أولاد الأب، وقد يتَّفِق ذلك في الواحِدَةِ، لكنْ لا يُتصوَّر في الاثنتين، ولا يفْضُل عن الثلثَيْنِ شَيْءٌ.
فَائِدَةٌ: إذا اجتمع الصِّنْفَانِ [معه] وكان غيْر القسْمة خيراً للجد، كما إذا اجتمع معه

أختٌ من الأبوين [وأَخَوَاتِ من الأبِ أو أربعُ أخواتٍ فصاعداً، فرضْنَا للجَدِّ الثلثَ، فعن بعض الفرَضِيِّينَ أنَّه يجعل الباقي بيْن ولد الأبوَيْنِ] 1 وولَدِ الأب، ثم يَرُدُّ ولد الأب عَلَى ولد الأبوَيْنِ قدْرَ فرضه، قال ابن اللَّبَّانِ: والصَّوابُ أن يُفْرَضُ للأختِ من الأبوين النِّصْفُ، ويجعل الباقي لولَدِ الأب؛ لأنَّ إدخالَهُمْ الحساب إنَّما كان؛ لإدخال النَّقْص على الجَدِّ، فإذا أخَذَ فَرْضَهُ، وانحاز، فلَا معْنَى للقسمة والرد، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَلاَ يُفْرَضُ لِلْأُخْتِ مَعَ الجَدِّ إِلاَّ فِي مَسْاَلَةِ تُعْرَفُ بِالأَكْدَرِيَّةِ، وَهِيَ زَوْجٌ وَأُمُّ وَجَدٌّ وَأُخْتٌ، فَلِلْزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلأُمِّ الثُّلُثُ وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ وَلَمْ يَبْقَ لِلْأُخْتِ شَيْءٌ فَيُفْرَضُ لَهَا النِّصْفُ، وَتَعُولُ المَسْأَلَةُ، ثُمَّ يُؤْخَذُ مَا في يَدِ الجَدِّ وَالأخْتِ وُيقْسَّمُ عَلَيْهِمَا ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، فَإِنْ كَانَ بَدَلَ الأُخْتِ أَخٌ سَقَطَ إِذْ لاَ فَرْضَ لِلْأَخِ بِحَالٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا فرْقَ بيْن أن يجتمع مع الجَدِّ محضُ الإِخوة أو الإخوة مختلِطينَ بالأخواتِ، أو مَحْضُ الأَخَوَاتِ، بل الجَدُّ في الأحوال كلها بمثابةِ أخٍ، ولهذا مَنْ لم يُسْقِط الإِخوة بالجَدِّ، اتفقوا في جِدٍّ وأَخٍ وأختٍ، عَلَى أن المال بينهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
وإن كان كذلك، فالأخواتُ معَهُ، كما إذا كنَّ مع أخ، فلا يفرض لهنَّ، ولا تُعَالُ المسألةُ من أجْلِهِنَّ بخلافِ الجَدِّ، حيث ذكَرْنا أنَّه يفرض له، وتُعَالَ المسألةُ؛ لأنَّه صاحبُ فرض بجهةِ الجُدُودة، فرجع إليه عند الضَّرُورة، وهذا أصلٌ مُطَّرِدٌ إلاَّ في مسألةِ واحدةٍ تعرف بالأَكْدَرِيَّةِ، وهي: زوْجٌ، وأمٌّ، وجِدٌّ، وأختٌ من الأبوَيْنِ أو من الأَب، فللزوْج النصْفُ، وللأمِّ الثلثُ، ولِلجَدِّ السُّدسُ، ويُفْرَضُ للأختِ النِّصْفُ وتُعَالُ المسَالةُ من ستَّةٍ إلى تسعةٍ ثم يُضَمُّ نصيب الأخت إلى نصيب الجَدِّ، ويجعل بينهما أثلاثاً، وَيصحُّ من سبعةٍ وعشرينَ ويمتحن بها، فيقال فريضة عدد الوارِثينَ فيها أربعة، أخذ أحدهم ثلُث الجميع من المال، والثاني ثُلُثَ الباقي، والثالِثُ ثُلُثَ الباقي، والرابعُ البَاقِي؛ لأنَّ الزَّوْج يأخذ تسعة من سبْعةٍ وعِشْرينَ، وهي ثُلُثُها، وللأم ستة، وهي ثُلُثُ الباقي؛ وللأخت أربعةٌ، وهي ثلُثُ الباقي، والجَدُّ الباقي، وإنَّما فرض للأختِ في هذه الصُّورة؛ لأنَّ الجدَّ رجَع إلى أصْلِ فرْضِهِ، فلا سبيل إلى إسقاطَها، فرجَعَتْ هي أيْضاً إلَى فَرْضِها، وإنما قُسِّمَ المبلغان بينهما؛ لأنَّه لا سبيلَ إلَى تفضيلهما على الجَدِّ، كما في سائِر صُوَر الجَدِّ والإِخوة، ففرض لها بالرحم، وقسِّم بينهما بالتَّعْصِيب رعايةً للجانبين،

هذا ما.
وُجِّهت المسألةُ به، وقياسُ كوْنِها عصبةً بالجَدِّ أن تُسقطَ، وإن رجَع الجَدِّ إلى الفَرْض، ألا ترَى أنا نقول: في بنتَيْنِ، وأُمٍّ، وجَدٍّ، وأختٍ: للبنتَيْنِ الثلُثَانِ، وللأم السدُسُ، وللجَدِّ السدسُ، وتَسْقُطُ الأخت؛ لأنها عصبةٌ مع البنات، ومعلومٌ أنَّ البناتِ لا يأْخُذْنَ إلا الفَرْضَ؛ يؤيِّده أن قبيصةَ بن ذُؤَيْبٍ يُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ أَنْكَرَ قَضَاءَ زَيْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- في الْأَكْدَرِيَّةِ بِمَا اشْتَهِرَ عَنْهُ 1. وأجيب عن هذه الرواية بإسْقَاطها.
وقد مَرَّ أنَّ الشافعيَّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يأخُذُ بقول زَيْدٍ في الفرائِضِ، وأنَّه اختلَفَ قولُهُ حيْثُ اختلفَتِ الروايةُ عن زَيْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فقضيَّتُهُ تخريجُ قَوْلٍ للشافعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وإنْ لم يُنْقَلْ، وإن كان بدل الأخت أخ، سقطَ لا محالَةَ؛ إذ لا فَرْضَ للإخْوَةِ، ولو كانت أختان، فللزَّوْجِ النصفُ، وللأمِّ السدسُ، وللجَدِّ السدسُ، والباقي لهما، ولا فَرْضَ ولا عَوْلَ.
ولمَ سُمِّيَتِ الْأَكْدَرِيَّةَ؟ فيه أربعة أوْجُهٍ: قيل: إنَّ امرأةً مِنْ أَكْدَرَ ماتَتْ وخلَّفتهم، فنسبت إليْها.
وقيل: لأنَّ عَبدَ الملكِ بْنِ مَرْوَانَ سَألَ رجُلاً من أكْدَرَ عَنْهَا.
وقيل: لتَكَدُّر أصْل زَيْدِ فيها، فإنَّه لا يفرض للأخواتِ مع الجَدِّ، وقد فَرَضَ هاهنا، ولا يُعيلُ في الجد والأخوة، وقد أعال هاهنا.
وقيل: لتكدُّرِ أقوال الصَّحَابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وكثرة خلافهم فيها.
فأبو بَكْرِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يُسْقِطُ الأخْتَ، وعنْد عُمَرَ وابْنِ مسْعود -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: للأم السدسُ، والباقي كما ذكَرْنا، فيكونُ العول إلى ثمانيةٍ، وعنْد عليٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يفرض وتَعال كما ذكرناه، لكن تقرّر نصيبُ الأخْتِ عليها، ولك أن تقُولَ إذا عصَّبْنا الأخواتِ بالجَدِّ، فَمِنْ حقِّنا أن نُلْحِقَ عصوبتهن بالجَدِّ لعصوبتهن بالبنْتِ وبنْتِ الابْنِ، فإنَّها من أنواع العُصُوبة بالغَيْر، وإن لم يَذْكرُوها في جملتها.
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا حُكْمُ العَصَبَاتِ (أَمَّا سَائِرُ الوَرَثَةِ) فَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ لاَ يُحْجَبَانِ كَالَأَبِ وَالْأُمِّ وَالابْنِ وَالبِنْتِ، لأَنْهُمْ يُدْلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، أمَّا الجَدُّ فَلاَ يَحْجُبُهُ إِلاَّ الأَبُ،

وَالجَدَّةُ مِنْ قِبَلِ الأُمِّ تَحْجُبُهَا الأُمُّ، بَلْ لاَ تَرِثُ مَعَ الأُمِّ جَدَّةٌ أَصْلاً، وَأُمُّ الأَبِ يَحْجُبُهَا الأَبُ وَالأُمُّ، وَالْقُرْبَى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ تَحْجُبُ البُعْدَى مِنْ تِلْكَ الجِهَةِ، وَالقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الأُمِّ تَحْجُبُ البُعْدَى مِنْ جِهَةِ الأَبِ، وَالْقُرْبَى مِنْ جِهةِ الأَبِ لاَ تَحْجُبُ (ح) البُعْدَى مِنْ جِهَةِ الأُمِّ عَلَى أَظْهِرِ القَوْلَيْنِ، وَالجَدَّةُ مِنَ الْجِهَتَيْنِ لاَ تَحْجُبُ الجَدَّةِ منْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ يَشْتَرِكْنَ عَلَى السَّوَاءِ فِي السُّدُسِ.

"

القول في الحجب

" قَالَ الرَّافِعِيٌ: لمَّا تكلَّم في ترتيب العصَبَاتِ، وبيَّن المتقدِّم والمتأخِّر منهم، والَّذين يقَعُون في درجةٍ واحدةٍ، أراد أن يبيِّن سائر الورثةِ منْ لا يُحْجَبُ ومَن يُحْجَبُ وَحَاجِبَهُ، ثم أحوجه سياقُ الكلاَمِ إلَى أن يُعِيدَ بعْضَ ما يتعلَّق بترتيب العَصَباتِ، على ما بيَّنه.
واعلم أن الحَجْبَ نوْعَان 1: حجْبُ نُقْصَانٍ: يَحْجُبُ الولَدُ الزَّوْجَ من النِّصْف إلى23

...................... = الثالث: إذا كان أحدهما عاصباً والآخر ذا فرض: ولا يخلو الحال من أن يكون الحاجب ذا سهم والمحجوب عصبة فيحجب العصبة حينئذ حجب نقصان بذي السهم -كالبنت مع الابن والأخت مع الأخ فإن لو لم تكن الأنثى لصار جميع المال للذكر.
ويوجود الأنثى انتقص نصيبه.
أو يكون الحاجب عصبة والمحجوب ذا سهم.
وفي هذه الحالة قد يكون الحجب حجب نقصان كما إذا ترك الميت أختين شقيقتين وأختين لأم.
وأم فالمسألة في الأصل من ستة وتقول بسدسها إلى سبعة ويكون للاختين الثلثان "أربعة" من سبعة فلو ترك معهما أخاً شقيقاً لكان لهما معه ثلاثة من ستة.
وقد يكون حجب حرمان كبنت الابن مع الابن أو كأخ شقيق مع الأخت لأب واعلم أيها القارئ الكريم أن: الحجب مبني على قاعدتين:- إحداهما: أن كل من يدلي إلى الميت بشخص لا يرث مع وجود ذلك الشخص كابن الابن فإنه لا يرث مع الابن.
وشرط حجب المدلي بالمدلَى به أحد أمرين أمّا استحقاق المدلَى به جميع التركة سواء اتحدا في سبب الإرث أم لا كما في الأب والجد والابن وابنه فإن الأب يدلي به الجد والابن يدلي به ابنه... الخ وهما يستحقان جميع التركة، وقد اتحدا أي المدلي والمدلَى به في سبب الإرث: ومثال عدم اتحادهما في سبب الإرث أب وإخوة وأخوات فإن المدلى به لما أحرز جميع المال لم يسبق للمدلي شيء أصلاً.
وقد اختلفت جهة الإرث في هذا المثال.
الشرط الثاني: اتحاد السبب إذا لم يستحق المدلَى به الجميع كما في الأم وأم الأم.
فإن المدلَى به وهي الأم لما أخذت نصيبها بجهة الأمومة لم يبق للجدة شيء من النصيب الذي يستحق بتلك الجهة فليس لها نصيب آخر وصارت محرومة.
أما إذا اختلفا في السبب كما في الأم مع أولاد الأم فإن المدلَى به وهي الأم تأخذ نصيبها المستند إلى سبب الأمومة كاملاً والمدلي وهو ولدها يأخذ نصيباً آخر مستنداً إلى سبب آخر وهي الأخوة مع كونها أي تلك الجهة لا تستحق جميع التركة لو انفردت.
الثانية: ما تقدم في باب العصبات من أن التفضيل يكون بالجهة عند اختلافها فإن اتحدت واختلفت الدرجة فالأقرب درجة يحجب الأبعد عنه أما إن اتحدت الجهة والدرجة واختلفت القوة قدم الأقوى قرابة على الأضعف وكلما تتحقق هذه القاعدة في العصبات كذلك قد تجري في أصحاب القروض فمثال التقديم في أصحاب الفروض بالجهة.. تقديم البنت أو بنت الابن علي ولد الأم.
ومثال التقديم بالقرب تقديم البنتين علي بنتي الابن اللتين لم يعصبا.
ومثال التقديم بالقوة -تقديم الأختين الشقيقتين على أختين لأب لم يعصبا.
وقد تتحقق هذه القاعدة في أصحاب الفروض مع العصبات: فمثال التقديم فيهم بالجهة: تقديم الأب أو الجد على الأخوة للأم.
ومثال التقديم بالقرب -تقديم ابن علي بنت ابن.
ومثال التقديم بالقوة -تقدم الأخ الشقيق على الأخت للأب ولا يفوتنا أن نذكر حجب الأصول والفروع والحواشي توضيحاً للقاعدتين السابقتين فنقول: الجد في جميع حالاته يحجب بالأب كذلك: لأن الجد انتسب إلى الميت بواسطة الأب.
وكذلك =

...................... = يحجب كل جد قريب كلّ جدٍّ بعيد لأولائه به.
أما الجدات فتحجب بالأم سواء أكانت الجدات من جهة الأم أم من جهة الأب.
أما حجب الأولى بالأم فلأنها تدلي بها.
وأما حجب الثانية بها فلكون الأم أقرب من يرث بالأمومة.
فإنها ترث بها بلا واسطة بخلاف الجدات فيرثن بها بواسطة: فالتي من جهة الأب ترث بالأمومة باعتبار كونها أم أب.
والتي من جهة الأم ترث بالأمومة باعتبار كونها أمِّ أمِّ.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "أتت أبا بكر الجدة مع ابنتها فطلبت الميراث من بنتها فجلس أبو بكر على المنبر يشير كأنه يريد أن يشركها مع ابنتها فدخل العباس بن عبد المطلب وأبو بكر يقول تلك المقالة -فقال العباس- أحقهما التي باتت تقول على رأسه آه.
آه.. فقال أبو بكر -صدقت- فورث بنتها وترك أم البنت التي هي جدة الميت.
والأم إذا حجبت الجدة من قَبِلها حجبت الجدة من قبل الأب أيضاً لأنها مثلها.
بل الجدة من قبل الأب أضعف حالاً من الجدة التي من قبل الأم ولهذا قدمت الثانية على الأولى في حق الحضانة.
وكما تحجب الجدات من جهة الأب بالأم.
تحجب أيضاً بالأب وهو قول عثمان وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم رضي الله عنهم.
وتسقط الجدات الأبويات أيضاً بالجد إلا أم الأب وإن علت كأم أم الأب وهكذا فإنها ترث مع الجد لأنها ليست من قبله بل هي زوجة له مثلاً فترث مع الجد.
كلما أن الأم ترث مع الأب.
والجدة القربى من أي جهة تحجب البعدى من تلك الجهة سواء أكانت من قبل الأب أو من قبل الأم.
وحاصل أقسام الجدات باعتبار القريب والبعد أربعة: إذ لا يخلو إما أن تكون القربى والبعدى من جهة الأم كأم الأم مع أم أم الأم أو يكون كل منهما من جهة الأب كأم الأب مع أم أم الأب.
أو القربى من جهة الأب والبعدى من جهة الأم كأم الأب مع أم أم الأم.
أو العكس كأم الأم مع أم أم الأب أو مع أم أبي الأب.. وحكم هذه الأقسام أن القربى من أي جهة تحجب البعدى من أي جهة لكن إذا كانت القربى من جهة الأب والبعدى من جهة الأم.
فالأصح عند الشَّافعي رحمه الله أن الجدتين تقتسمان السدس بالسوية بينهما وهو مروي عن زيد بن ثابت في إحدى الروايتين عنه.
وإليه ذهب مالك رضي الله عنه.
لأن الجدة إنما تستحق بالأمومة وهي في الجدة التي في جانبها الأم أظهر فإنها أم تدلي بأم بخلاف الأبوية فإنها أم تدلي بأب.
فإذا كانت القربى من جهة الأم فلها رجحان بزيادة القرب وظهور صفة الأمومة معاً فكانت أولى.
أما إذا كانت القربى من جهة الأب والبعدى من جهة الأم كما هو الفرض فلاحداهما ظهور الصفة وللأخرى زيادة القرب فتستويان في استحقاق الإرث.
ويرى أبو حنيفة رضي الله عنه أن البعدى من جهة الأم تسقط بالقربى من جهة الأب وهو المفتى به عند الحنابلة.
وأحد القولين للشافعي واستدل الحنفية، بأن استحقاق الجدة باعتبار الأمومة وهي الأصلية ومعنى الأصلية في القربى أظهر وأقوى من في البعدى سواء أكانتا من جهة واحدة أم من جهتين فتكون القربى مقدمة على البعدى مطلقاً.
ولو كان ظهور الأمومة موجباً للتقديم لكانت أم الأم مقدمة على أم الأب مع تساويهما في الدرجة مع أن تقديمها في تلك الصورة لم يقل به أحد.

..................... = ورد عليه بأن قوة المدلَى به في أم الأب قاوم ظهور الأمومة التي في أم الأم فتساويا حينئذ فلم تتقدم أم الأب عليها لعدم الترجيح -سواء في جميع ما تقدم أكانت القربى وارثة كأم الأب عند عدمه مع أم أم الأم وكأم الأم عند عدمها مع أم أم الأب- أم محجوبة كأم الأم عند وجودها فإنها محجوبة بها ومع ذلك تحجب أم أم الأب والجدة الوارثة هي من أدلت بمحض الذكور كأم الأب وأم أب الأب أو أدلت بمحض الاناث كأم أم الأم أو بمحض إناث إلى ذكور كأم أم أب كما تقدم شرحه.
وأما حجب الفروع فالابن يحجب ابن الابن وابن ابن الابن وإن نزل وابن الابن يحجب ابن ابن الابن وهكذا كل ابن ابن وبنت ابن نازلين بابن ابن أقرب منه.
وهو مبني على القاعدة الثانية المتقدمة.
أما حجب الأخوة، فهم يسقطون بالولد الذكر واحداً أو أكثر سواء أكان الأخوة أشقاء أم لأب أم لأم ذكوراً كانوا أم إناثاً واحداً أم متعدداً.
وولد الابن الذكر كالولد في حجب الأخوة سواء أكان ابن الابن واحداً أم أكثر.
وتسقط أيضاً الأخوة بالأب دون الجد فيقاسمون كما سيأتي وإنما حُجبت الأخوة بالابن وابن وبالأب لمفهوم معنى الكلالة فإنها هي من لم يترك ولداً ولا والداً.
وقد ورد لفظ الكلالة في آيتين:- الأولى: قوله تعالى: إ ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾... الآية فهذه تفيد بمفهومها حجب الأخوة للأم بالولد والوالد.
وخص منها البنت فإنها لا تحجب الأخوة الأشقاء أو الأب ودليل التخصيص هنا ما ورد في السنة.
والثاني: قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾... الآية وهي تفيد بمفهومها أيضاً حجب الأخوة الأشقاء أو لأب بالابن والأب وابن الابن في الأولى ملحق بالابن.. وكذا في الثانية ملحق به ودليله من السنة قوله -صلى الله عليه وسلم- (فما بقي فلأولى رجل ذكر).
ولا شك أن كلاً من الابن والأب وكذا ابن الابن أولى من الأخوة فعلم أن الاشقاء يحجبون بالابن وابن الابن والأب.
والأخ لأب يحجب بهؤلاء الثلاثة وبالشقيق.
وبالأخت الشقيقة إذا صارت عصبة مع البنت أو بنت الابن.
وابن الأخ الشقيق يحجب بهؤلاء وبالجد وبالأخ للأب وبالأخت للأب إذا صارت عصبة مع البنت أو بنت الابن، وابن الأخ للأب وخص من هذا البنت مع الأخت بالحديث فإنها عصبة يحجب بهؤلاء وبابن الأخ الشقيق.
والعم الشقيق يحجب بهؤلاء وبابن الأخ للأب.
والعم للأب يحجب بهؤلاء وبالعم الشقيق.
وابن العم الشقيق يحجب بهؤلاء وبالعم للأب.
وابن العم للأب يحجب بهؤلاء وبابن العم الشقيق.
والمدلي المعتق ذكراً كان أو أنثى يحجب بهؤلاء وابن العم للأب.
أما الأخ للأم وأخته فيحجبان يالابن وابن الابن والأب والبنت وبنت الابن والجد.
=

الرُّبُعِ [والزوجة من الربع إلى الثمن] والأمّ من الثُّلُثِ إلى السُّدسِ، وحَجْبُ حِرْمَانِ: وهوَ أن يُسْقِطَ الشخْصُ غيره بالكُلِّيَّة، وهو المقصودُ من هذا الفصل والذي يَليه، والورثةُ ينْقَسِمُون إلَى من لا يتوسَّط بينهم وبَيْن الميت غيرهم، وهم: الزَّوْجُ، والزَّوْجة، والأَبُ، والأمُّ والابنُ، والبنتُ، وإن اختصرْتَ، قلْتَ، الزوجَانِ، والأَبَوانِ، والأَوْلاَدِ فهؤلاء لا يحجُبُهُمْ غيرهم، وإلَى من يتوسَّط وهم ثلاثة أضْرُبٍ: الْأَوَّلُ: المنتسبُونَ إلَى الميِّت من جهة العُلُوِّ، وهمُ الأُصُول، فالجَدُّ لا يحجُبُه إلا الأبُ، وإنما حجبه الأب؛ لأنَّه مَنْ يُدْلِي بعصبة، لا يَرِثُ معه، وكذلك كلُّ جدٍّ يَحْجُبُ مَنْ فَوْقَهُ، والجَدّاتُ قد يَحْجُبُهُنَّ غيْرُهُنَّ، وقد يَحْجُبُ بعضُهن بعضاً.
فأما حجْبُهنَّ بغَيْرِهِنَّ، فالأمُّ تحْجُبُ كلَّ جدةٍ، سواءٌ كانتِ منْ جهتِها أو مِنْ جهةِ الأَبِ، كما يحجُبُ الأبُ كلَّ من يرث بالأُبُوَّة.
قال العلماء: وكأَنَّ الجدات يرثن السُّدسَ الذي تستحقُّه الأمُّ، فإذا أخذْتَهُ، فلا شَيْءَ، والأبُ يحْجُبُ كلَّ جدةٍ من جهته؛ خلافاً لأحمد في أصحِّ الروايتَيْنِ.
لنا: أنها تُدْلِي بعصبة، فلا ترث معه، كالجَدِّ، وابْنِ الابْنِ، وأنها تُدْلِي بوَلَدِها، فلا تُشَارِكُه في الميرَاثِ، كأمِّ الأمِّ مع الأمِّ.
وكذلكَ كلُّ جدٍّ يحجب كلَّ أمِّ نفْسِهِ وآبائه، ولا يحْجُب أمَّ من هو دونَهُ.
والأَبُ والأجدادُ لا يَحْجُبُون الجدَّةَ من جهة الأمِّ، قريبة كانت أو بعيدةً بالإجماع.
وأما حجْبُ بعْضِهِنَّ ببعضٍ فالقربَى من كلِّ جهةَ تَحجُبُ البعدَى من تلْك الجهةِ، وهذا من جهة الأُمِّ لا يكون إلاَّ والبُعْدَى مُدْلِيَةٌ بالقربَى.
ومِنْ جهةِ الأَب، قد يكونُ كذلك، فالحكم كمثْلٍ، وقد لا يكونُ كأمِّ الأبِ، وأمِّ أبِي الأبِ، ففيه اختلاَفٌ عن الفرضيين.
= وبنت الابن فأكثر تحجب بالبنتين فأكثر ما لم يعصبها ابن ابن في درجتها أو أنزل منها فترث وبنت ابن الابن مع بنتي الابن كذلك وهكذا تحجب الأخوات للأب الواحدة والمتعددة بالشقيقتين فأكثر إذ لم يسبق لهن من الثلثين شيء ما لم يكن معهن أخ لأب فيعصبهن ولا يعصب إلا من في درجة، ينظر الميراث للشيخ وهبة إبراهيم.
"تتمة" وجود المحجوب بالوصف كالعدم فلا يحجب أحداً حرماناً ولا نقصاناً عند الشافعية والحنفية وهو قول عامة الصحابة رضي الله عنهم لما روي -أن امرأة مسلمة تركت زوجاً مسلماً وأخوين من أمهما مسلمين وابناً كافراً.
فقضى فيها علي وزيد بن ثابت بأن للزوج النصف ولأخويها الثلث وما بقي فهو للعصبة لو كان هناك عصبة ترث ولم يعطوا الابن لكونه كافراً وجعلوا وجوده كالعدم بالنسبة للحجب خلافاً لابن مسعود فإنه قال لا يحجب حجب حرمان بل حجب نقصان.

والذي أوردَه صاحبُ "التهذيب" وغيرُهُ أنَّ القُربَى تحجُب البُعدَى أيضاً، ولو كانتِ البُعْدَى مدليةً بالقُرْبَى، لكنَّ البُعْدَى جَدَّةٌ من جهة أخرَى، فلا تَحجب.
ومثالُهُ: أن يكونَ لزينب بنتان حفصةُ، وعَمْرَةُ، ولحفْصَةَ ابْنٌ، ولعمرةَ بنْتُ بنتٍ فنكح الابنُ بنْتَ بنْتِ خالَتِهِ، فأتت منه بوَلَدٍ، فلا تُسْقِطُ عمرةُ التي هِيَ أمُّ أمِّ أمَّهِ أُمَّهَا؛ لأنَّها أمُّ أمِّ أبِي المولودِ 1. والقربَى من جهة الأُمِّ كأمِّ الأُمِّ تحْجُبُ البُعْدَى من جهة الأب كأمِّ أم الأبِ، كما أن الأم تَحْجُبُ أمُّ الأب.
والقربَى من جهة الأبِ كأمِّ الأبِ هل تحْجُبُ البُعْدَى من جهة الأم؛ كأمِّ أمِّ الأمِّ، فيه روايتانِ عن زَيْدٍ، وقولانِ للشَّافِعِي -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-.
أحدُهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- نعم، وحجَبَتِ القربَى من جهة الأُمِّ البُعْدَى من جهة الأب.
وأظهرهما: وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-: لا، لأنَّ الأب لا يَحْجُبُ تلك الجدَّةَ، فأمّه المُدْلِيَةُ به أَوْلَى ألا يحجُبُهَا، وعلى هذا القياسِ نقَلَ صاحب "التهذيب" أن القُرْبَى من جهةِ أمهاتِ الأَبِ، كأمِّ أمِّ الأب تُسْقِطُ البُعْدَى من جهة أباء الأب؛ كأمِّ أم أبي الأب، وأم أبي أبي الأبِ، والقربَى من جهة أباء الأَبِ؛ كأم أبي الأب، هَلْ تُسْقِطُ البعدَى من جهةِ أمهاتِ الأَبِ؛ كأم أم أم الأب، فيه القولان.
وقوله في الكتاب: "وأمُّ الأبِ يحْجُبُها الأبُ" معلم بالألف.
وقوله: "والقُرْبَى من جهة الأَبِ لا تَحْجُبُ البُعْدَى من جهة الأُمِّ" بالحاءِ، وأَمَّا قوله و"الجَدَةُ من الجهتين لا تُحْجُبُ الجَدَّةَ من جهةٍ واحِدَةٍ" هذه فقد صوَّرنْا في هذا الفصْل ومِن قَبُلُ الجَدَّةَ من جهتين، بَيَّنا أنَّ السُّدُسَ يكونُ بينهما ومن ضرورته ألا تكون واحدةٌ منهما حاجبةً للأخرى، ولْيُعْلَمْ قولُهُ "على السواء" بالواو؛ لوجهٍ قدَّمنا، فإن القسْمَةَ على الجهات لا عَلَى الرؤوس والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا ابْنُ الابْنِ فَلَا يَحْجُبُهُ إِلاَّ الابْنُ، وَأَمَّا بِنْتُ الابْنِ فَيَحْجُبُهَا الابْنُ، وَبِنْتَانِ من أَوْلاَدِ الصُّلْبِ إِلاَّ أنْ يَكُونَ مَعَهَا أَوْ أَسْفَلَ مِنْهَا مَنْ يُعَصِّبُهَا، وَالْأخُ لِلْأَبِ وَالأُمِّ

لاَ يَحْجُبُهُ (ح ز و) إلاَّ الأَبُ وَالابْنُ وَابْنُ الابْنِ، وَالأُخْتُ لِلْأَب وَالْأُمِّ كَذلِكَ، وَالأَخُ لِلْأَبِ يَحْجُبُهُ مَنْ يَحْجُبُ الأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ وَالأُمِّ أَيْضاً يَحْجُبُهُ، وَالأُخْتُ لِلْأَبِ يَحْجُبُهَا من يَحْجُبُ أَخَاهَا، وَأُخْتَانِ من قِبَلِ الأُمِّ وَالأَبِ، وَالإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ لِلْأُمِّ يَحْجُبُهُمُ الأَبُ وَالجَدُّ وَالابْنُ وَالبِنْتُ وَابْنُ الابْنِ وَبِنْتُ الابْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الضربُ الثَّاني: المنتسبون إليْهِ منْ جهةِ السَّفَل، فابن الابنِ لا يحْجُبُه إِلاَّ الابنُ، وهو كما سبق في ترتيب العَصَبَاتِ، وبنْتُ الابْنِ يَحْجُبُهَا الابنُ، وكذا بنتان من أولادِ الصُّلْب إلاَّ أن يكونَ مَعَها أو أسْفَلَ منها ذَكَرٌ يُعَصِّبُها، وكَذَا بَنَاتُ ابْنِ الابْنِ يَحْجُبُهَا ابنُ الابْنِ، ويَسقُطُن أَيْضاً، إذا استكْمَلَتْ بناتُ الابْنِ الثلثَيْنِ إلاَّ أنْ يكونَ معَهُنَّ أو أسْفَلَ منهن ذَكَرٌ فَيُعَصِّبُهُنَّ، وكذا إن كانتْ بنتٌ من الصُّلْب، وبنتُ ابْنٍ أو بناتُ ابنٍ، وعلَى هذا القياس.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: المنتَسِبُون إلَيْه على الطّرف، فالأخُ من الأبوين يحجبه ثلاثةٌ؛ الأَبُ، والابْنُ، وابنُ الابْنِ، واحتجَّ لذلك بقولِهِ تعالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: 176] الآيَةَ، لكنه احتجاجٌ يفتقِرُ إلَى مقدِّمات طويلةٍ.
وفي الإجماع ما يغني عن مِثْلِهِ، ويجوزُ أنْ يُعْلَمَ قولُه في الكتاب: "لا يحجبه إلا الأبُ والابنُ وابنُ الابنِ" بالحاء والزاي والواو، ولأن مَنْ يقولُ: الجَدُّ والإخْوَةُ لا يتقاسَمُون يسقطهم بالجد، والأخت من الأبوين، كالأخ في أنَّه لا يَحْجُبُهَا إلاَ الثلاثةُ، والأخُ من الأبُ يَحْجُبُهُ الَّذين يحْجُبُون الأَخِ من الأبوَيْنِ؛ لِمَا سَبَقَ من الحَدِيثِ في تَرْتِيب العَصَبات فجملةُ حاجِبيهِ أربعةٌ، والأختُ من الأب يحجُبُهَا هؤلاء الأربعةُ، وكذلكَ إِذَا استكْمَلَتِ الأختانِ أو الأخوات من الأبوَيْنِ الثلثَيْنِ سَقَطَتِ الأخواتُ من الأبِ إلاَّ أن يكونَ معَهُنَّ مَنْ يُعَصِّبُهُنَّ.
والإخوةُ والأخواتُ من الأُمِّ يحجُبُهُمْ ستَّةٌ: الأبُ، والجَدُّ، والابنُ، وابنُ الابْنِ، والبنْتُ، وبنتُ الابْنِ، وإنْ شئْتَ قلتَ: أربعةٌ: الأَبُ، والجَدُّ والوَلَدُ، ووَلَدُ الابْنِ، ووجْهُهُ قولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: 12] الآيَةَ، والمرادُ من الأم على ما تقدَّم.
وقوله [تعالَى]: ﴿يُورَثُ كَلَالَةً﴾ مفسَّرٌ بأنْ يرثه غَيْرُ الوالدين والمولودين، ثم يُقَالُ: "الكَلاَلَةُ": اسمُ الميت، ويقال: اسْمُ غَيْرِ الوالدين والمولودين من الوَرَثَةِ.
وعن الأَزْهَرِيِّ وقُوعُهُ عليهما جميعاً، فدلَّت الآيةُ على أنَّهُم إنَّما يرثون عند عدم الوَالِد والوَلَدِ.
ومِنَ الأصحابِ من [يَخْلِطُ أصحاب الفروض بالعَصَبَاتِ، وَيعُدُّ كلِّ واحدٍ من

الورثة ومَنْ] 1 يَحْجُبُهُ.
أما الرجال، فالابنُ لا يَحْجُبُهُ غيره, وابنُ الابْنِ لا يحْجُبُهُ إلا مَنْ يُدْلِي به.
والأَبُ لا يُحْجَبُ، والجَدُّ لا يحْجُبُهُ إلاَّ من يُدْلِي به، والأَخُ من الجهات على ما تبيَّن، وابنُ الأخِ من الأبوَيْنِ يحْجُبُهُ ستَّةٌ: الابْنُ، وابنُ الابنِ، والأبُ، والجَدُّ، والأخُ من الأبَوَيْنِ، والأخ من الأب، وابنُ الأخ من للأب يحْجُبُهُ هؤلاء، وابْنُ الأَخِ من الأَبَوَيْنِ والعمُّ من الأبَوَيْنِ يحْجُبُهُ هؤلاءِ، وابنُ الأخِ من الأب والعمِّ من الأبِ يحْجُبُهُ هؤلاء والعمُّ من الأبوَيْنِ يحْجُبُهُ هؤلاءِ، والعمُّ من الأب وابْنُ العَمِّ من الأبِ يحْجُبُهُ هؤلاء.
وابن العمِّ من الأبَوَيْنِ والزَّوْجُ لا يُحْجَبُ، والمِعْتِقُ يحْجُبُهُ عصباتُ النَّسَب.
وأما النساءُ، فالبنْتُ لا تُحْجَبُ، وبنتُ الابْنِ يحْجُبُها الابن، وبنتُ الصُّلْبِ، إذا لم يَكنْ مَنْ يُعَصِّبها، والأمُّ لا تُحْجَبُ، والجَدَّةُ من الأمِّ لا يحْجُبُها إلاَّ الأمُّ، ومِنَ الأبِ يحْجُبُهَا الأبُ والأمُّ، والأختُ من الجهاتِ علَى ما بيَّنَّا.
والزوجةُ والمعتِقَةُ كالزَّوْجِ والمُعْتِقِ.
وكلُّ عصبيةٍ من هؤلاء يحْجُبُهُ أصحابُ الفُرُوض المستغْرِقَةِ للتَّرِكَةِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَنْ لاَ يَرِثْ لاَ يَحْجُبُ إِلاَّ في مَسْألَةٍ وَهِيَ أَبَوَانِ وَأَخَوَانِ فَإِنَّ الأخَوَيْنِ سَاقِطَانِ بِالأَبِ، ويَحْجُبَانِ الأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ، وَالتَّقْدِيرُ أنَّهُمَا يَحْجُبَانِ الأُمَّ أَوَّلاً ثمَّ الأَبُ يَحْجُبُهُمَا وَيَأْخُذُ فَائِدَةَ حَجْبِهِمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جميعُ ما ذَكَرْنا في حَحْب شخصٍ بشَخْصِ فيما إذا كان الحَاجِبُ وارِثاً من الميِّت، أمَّا إذا لم يَرِثْ، نُظِرَ إنْ كانَ امتناعُ الإرثِ لِرِقٍّ، وما في معناه من الموانِع، فَلاَ يُحْجَبُ لا حَجْبَ حرمانٍ، ولا حَجْبِ نُقْصَانٍ، أما حجْبُ الحِرْمَانِ فمُجْمَعٌ علَيْه، وأما الاخَرُ، فمَقِيسُ عليه، فلو ماتَ عن: ابْنِ رقيقٍ، وزوجةٍ وأخٍ حرين لم يحرم الأخ الابن 2 ولا ينقص فرض الزوجة، وإنْ كان لا يَرِثُ لتقدُّمِ غيره عليْه، فقد يحجب غيره حَحْبَ النقْصَانِ، وذلك في صُوَرٍ: إحداها: إذا ماتَ عَنْ: أبوَيْن، وأخوَيْنِ، فللأمِّ السُّدُدُ لمكانِ الأخَوَيْنِ، والباقي للأبِ, لأنهما يسقطان بالأب، وَيرْجع فائدةُ حَحْبِهِمَا إلَيْه.
الثانيةُ: أمُّ وجَدٌّ، وأخَوَانِ، مِنَ الأُمِّ، الحكْمُ كما في الصورة الأُولَى.

الثالثةُ: أبٌ، وأمُّ أبٍ، وأمُّ أُمِّ، تسقط أمُّ الأَبِ بالأَبِ، وفيما ترثه أم الأمِّ وجهان: أحدُهما: نصْفُ السُّدُسِ, لأنَّ الأَبَ هو الذي ححْبَ أمَّه، فترجع فائدةُ الحَجْب إلَيْه.
وأَظْهُرُهُمَا: السُّدُسُ؛ لانفرَادِها بالاسْتِحْقَاق، ولَيْسَ كما سَبَق, لأنَّ الجَدَّة ترث بالفرضيَّة، فلا تناسب جِهَة استحقاق الأَب، وهِيَ العْصُوبَة، وهناك كُلُّ واحدٍ منهما يرث بالعصوبه، فأمكن ردُّ الفائدة إليه.
الرابعةُ: في المعادَّة.
إذا مات عن جَدٍّ وأخٍ من الأبَوَيْنِ وأخٍ من الأبِ، ينقص الأخُ من الأبِ نصيب الجد، ولا يأخذ شيئاً.
وقولُه في الكتاب: "ومَنْ لاَ يَرِثُ، لا يَحْجُبُ إلاَّ في مَسْأَلَةِ"... هذه اللفظةُ مشهورة من الفرائض مع هذا الاستِثْنَاءِ، وليس المراد منه حَجْبَ الحِرْمَانِ، فإنِّه لا استثنَاءَ منْه، وإنَّما المُرَادُ حَجْبُ النقصان، أو ما يشتركانِ فيه.
وعلَىِّ التقديرَيْنِ، فالاستثْنَاءُ غيْرُ مقْصُود في المسْأَلَة المَذْكِورة، كما تَبَيَّن.
فالتقدير أنهما يَحْجُبَانِ الأمَّ أوَّلاً ثم الأَبُ يَحْجُبُهُمَا ويأخذ فائدة حجبهما قضية اللفظ ترتب حجبهما على الحَجْب بهما, ولا يعرف بهما ترتُّبٌ لا بالزَّمَانِ ولا بالرُّتْبَةِ وصرف ما يفضي إلى الأب متوجه منْ غَيْر أن يُقَدَّرَ هنا الترتيب بأن يُقَالَ: ليس لها مَعَ الأخَوَيْنِ إلا السُّدُسُ بالنَّصِّ، فما يبقَى يأخُذُهُ الأبُ بالعُصُوبة، وبتَقْدِير ثُبُوت الترتيب المفْرُوضِ.
فالأخوان حين حجبنا الأم لم يخرجا عن كونهما وارثين؛ لأنهما لم يحجبا بعْدُ، فلا تكونُ المسالةُ مستثناةً منْ قَوْلنا: "من لا يَرِثُ لاَ يَحْجُبُ".
والله أعْلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا اجْتَمَعَتْ قَرَابَتَانِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ لاَ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الإِسْلاَمِ قَصْداً، وَلَكِنْ لَوْ حَصَلَ بِنِكَاحِ المَجُوسِ أَوْ بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ يَسْقُطُ أَضْعَفُ القَرَابَتَيْنِ بِأَقْوَاهُمَا وَلَمْ يُوَرَّثْ (ح و) بِهِمَا، وَالأَقْوَى يُعْرَفُ بِأمْرَيْنِ (أَحَدُهُمَا): أن تَحْجُبَ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى كَبِنْتِ هِيَ أُختٌ لأُمِّ فَتُسْقُطُ أُخُوَّةُ الأُمُّ بالبُنُوَّةِ (وَالثَّانِي): أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا أَقَلَّ حَجْباً كَاُمِّ أُمِّ هِيَ أُخْتِ لِأَبٍ وَرِثَتْ بِالْجُدُودَةِ، لأَنَّ الجَدَّةِ لاَ تَسْقُطُ إِلاَّ بِوَاحِدَةٍ وَهِيَ الأُمِّ، وَالْأُخْتُ تَسْقُطُ بالأبِ وَالابْنِ وَابْنِ الابْنِ، فَإِذَا نَكَحْ الْمَجُوسِيّ ابْنَتَهُ فَوَلَدَتْ بِنْتاً فَمَاتَ المَجُوسِيُّ فَقَدْ خَلَّفَ بِنْتَيْنِ إِحْدَاهُمَا زَوْجَةٌ فَلاَ حُكْمِ لِلْزَّوْجِيَّةِ، وَلَهُمَا الثُّلُثَانِ، وَإِنْ مَاتَتِ

العُلْيَا بَعْدَهُ فَقَدْ خَلَّفَتْ بنْتاً هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ فَلَهَا النِّصْفُ بِالْبُنُوَّةِ، وَسَقَطَتِ (ح و) الأُخْوَّةُ، وَإِنْ مَاتَتِ السُّفْلَى أَوَّلاً فَقَدْ خَلَّفَتْ أُمَّاً هِيَ أُخْتُ لِأَبٍ فَلَهَا الثُّلُثُ بِالأُمُومَةِ وَسَقَطَتِ (ح و) الأُخُوَّةُ، فَلَوْ أَنَّ المَجْوسِيَّ وَطِئَ البِنْتَ السُّفْلَى فَوَلَدَتْ بِنْتاً، فَإذَا مَاتَ فَقَدْ خَلَّفَ ثَلاَثَ بَنَاتٍ فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ، فَإِنْ مَاتَتِ العُلْيَا فَقَدْ خَلَّفَتْ بِنْتاً وَبِنْتَ بِنْتٍ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ بالبُنُوَّةِ، وَلِبِنْتِ البِنْتِ البَاقِي بِأُخُوِّةِ الأَبِ، وَأُخُوَّةُ الأَبِ فِي حَقِّ البِنْتِ العُلْيَا قَدْ سَقَطَتْ، فَلَوْ مَاتَتْ الوُسْطَى أَوَّلاً فَقَدْ خَلَّفَتْ أُمَّاً وبِنْتاً هُمَا أُخْتَا أَبٍ، فَسَقَطَتِ الأُخُوَّةُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، فَلَوْ مَاتَتِ السُّفْلَى أَوَّلاً فَقَدْ خلَّفَتْ أُمَّاً وَأُمِّ أم هُمَا أُخُتَا أَبٍ، فَلِلْأُمِّ الثُلُثِ بِالأُمُومَةِ، وَلِأُمِّ الأُم النِّصْفُ بِاُخُوَّةِ الأَبِ، وَسَقَطَتْ جُدُودَتُهَا بِالأُمِّ، هَذَا طَرِيقُ النَّظَرِ فِيهِ.

القول في ميراث المجوسي

: قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفَصْلِ الكلامُ فيما إذا اجْتَمَعَا فِي شَخْصٍ وَاحدٍ قرابَتَانِ، منع الشرْعُ من مباشرةِ سَبَبِ اجتماعِهِمَا؛ كأمٍّ هي أختٌ، وذلك يقَعُ فيما بَيْن، المجُوسِي المستبِيحِينَ لنكاح المحارِمِ، وربما أسلموا بعْدَ ذَلِكَ، أو ترافَعُوا إِلَيْنَا، وقد يتفق نادراً فيما بيْنَ المُسْلِمِينَ بالغَلَطِ والاشتباه، والحُكْمُ أَنَّه لا يُوَرَّثُ بالقرابَتَيْنِ جميعاً، وَإِنَّمَا يُوَرَّثُ بأقْوَاهُمَا، وبِهذَا قال مالِكَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
وقال أبو حنيفة وأَحْمَدُ: يُوَرَّثُ بالقَرَابَتَيْنِ جميعاً، إذا كانت القرابتان بحَيْثُ لو وُجِدَتَا في شخصَيْنِ، لَوَرِثَا معاً.
وبه قال ابنُ اللَّبَّانِ، وحكاه ابْنُ الصَّبَّاغِ عن ابْنِ شُرَيْحٍ وقال الشيخ أبو عليٍّ: إِنه ذهب إِلَيْه في بعض المسائل، ولم يُطْلِق.
واحتجَّ القائِلُون به بأنَّهما سبَبَانِ يُوَرَّث بكلِّ واحدٍ منْهما عنْد الانفراد، فإِذَا اجتمعا لم يُسْقِط أحدُهما الآخَرَ، كَابْنِ عمٍّ، هو أخ الأُمِّ أَو زَوْج وزوجة.
ووجه ظاهر المَذْهَب أَنهما قرابتان يُوَرَّث بكلِّ واحدٍ منْهما فَرْضٌ عند الانفرادِ، فإذا اجتمعا لم يورث بهما الفرضانَ كالأخت من الأب والأمِّ, لا ترث بالقرابَتَيْنِ معاً، ويخالف ما استَشْهَدُوا بِه، فإن هناك يُوَرَّث بإحدىَ الجِهَتَيْنِ فرضاً، وبالأخرَى عصوبةً واجتماعهما معهودٌ كما في حقِّ الأبِ مع الوَلَدِ.
قال علماؤُنَا -رحمهم الله تعالَى-: والأقوى يُعْرَفُ بأمرَيْنِ: أحدُهُمَا: أن تحجب إحداهما الأُخْرَى؛ كبِنْتٍ، هِيَ أُخْتٌ لأمٍّ, وذلك بأنْ يَطَأَ أمَّهُ، فتلِدَ بنتاً، فهي أختُهُ لأمِّه وبِنْتُهُ، فالْأُخُوَّةُ ساقطةٌ بالبنتية.

وأبو حنيفةَ يُوَافِق على التوريث بالأقْوَى منْ هذا الوَجْه، وإنَّمَا الخِلافُ من الأقْوَى منَ الوَجْه الثَّانِي.
والثاني: أنْ يَكُونَ أحدُهُمَا أقَلَّ حجْباً أوِ لا يتطَرَّق إليهما حجْبٌ.
مثالُ الأوَّلِ: أمُّ أمٍّ, هِيَ أختٌ لأبِ: وصورَتُهُ: أن يطَأَ ابنتَهُ، فتَلِدَ بنتاً، فيطأها، فتَلِدَ ولداً، فالأُولَى أمُّ أمِّ الوَلَدِ وأختُهُ لأبيه.
ومثال الثاني: أمُّ, هيَ أخْتٌ لأب، وذلِكَ بَيِّنٌ من هذا التصوير، فيكون الإرْثُ بالأُمُومَة أو بالجُدُودَةِ دون الأُخُوَّة؛ لأنَّ الأم لا تُحْجَبُ، وأمُّ الأمِّ لا تحجبها إلاَّ الأمُّ.
وأما الأختُ فيحجبها جماعةٌ، سبَقَ بيَانُهُ.
وابنُ اللَّبَّانِ -رحمه الله تعالَى- حكَى غير هذه العبارَةِ من مَعْرِفَةِ الأقوَى والأضْعَفِ، فقال: إذا كانتْ إِحْدَى القرابَتَيْن تَسْقُط حيثُ لا تَسْقُط الأخْرَى، فالأُوْلَى ضعيفةٌ والأخرى قويةٌ، فالأمُّ التي هي أختٌ ترث بالأمومَةِ؛ لأن الأختَ تَسْقُط بالأب والابن، وابْنِ الابنِ دُون الأمِّ.
قال: وهذا يُشْكِلُ بأمِّ الأمِّ التي هي أختٌ لأب، فإنَّ الجَدَّة تسقط بالأم، والأخت لا تَسْقُط، والأخْتُ تسقط بالأب والجَدَّةُ، لا تسْقُط بالأُمِّ فيلزم أنْ تَكُون كلُّ واحدةٍ من القرابَتَيْنِ أَقْوَى من الأخْرَى وأضْعَف، وأخذ يحتجُّ بذلك على إبْطَال القول بسُقُوطِ إحْدَى القرابَتَيْنِ، والعبارة مزيفة، كما ذَكَرَهُ، ولكنَّ اعتماد الأصحابِ عَلَى ما سبق.
وهذا الإشْكَالُ لا يرد عليه.
إذا تقرَّر ذلك، فنوضِّحه بمثالَيْن: أحدُهُمَا: وقد ذكره صاحب الكتاب -رحمه الله-: نكح المجوسيُّ ابنته فأولدها بنْتاً، ثم مات المَجُوسِيُّ، فقد خلف بنْتَيْنِ: إحداهما زوجةٌ، فلها الثلثانِ، ولا عبرةَ بالزَّوْجِيَّةُ بالاتِّفاق، كما لو ماتَتِ الكُبْرَى بعده، فقَدْ خَلَّفَتْ بنتاً هي أختٌ لأب، فلها النصف بالبنتية وسقطت الأُخُوَّة.
ولو ماتَتِ الصغرَى بعده دُون الكُبْرَى، فقد خلَّفتْ أُمّاً، هي أختٌ لأبٍ، فلها الثلُثُ بالأمُومَةِ، وسقَطَتْ بالأُخُوَّة.
وقال أبو حنيفةَ ومن ساعَدَهُ من الصُّورة الأُولَى: لها النِّصْف بالبنوَّة والباقي بالأخوة.
وفي الثانية: لها الثلُثُ بالأمُومَةِ، والنِّصْفُ بالأُخُوة.
وعن تخريج ابْنِ سُرَيْجٍ مثْلُ قوله في الصورة الأُولَى دون الثَّانية، والفرقُ أنَّ الأخْتَ مع البنْتِ تأخذ بالعصوبة، فلا يلْزَمُ الجَمْعُ بين فرضَيْنِ، وفي الثانِيَةِ يلْزَمُ.

وعنه أيْضاً: أنَّه يحتملُ أنْ يُقَال في الصُّورة الثَّانية: لها النِّصْفُ مفْهُوماً إلى الثُّلُث بخلافِ ما إذا خلَّفَتْ أُمّاً، هي أختٌ لأب وأختاً أخْرَى، حيث لا نورثها بالأُخُوَّة، ولا يلزمُنَا أنْ نردَّها إلى السُّدُس، فتكون قد حَجَبَتْ نفْسَها، وهذا لا يجُوزُ.
واحتمل أبو حنيفةَ حَجْبَها بنفسها، وجعل لها السُّدُسَ بالأمومة، والثلثَيْنِ بينهما بالأُخُوَّة.
ولو كانتِ المسألةُ بحالها، ووطِئَ المجوسيُّ البنْتَ الصغرَى، فولدت بنتاً، ثم مات، فقَدْ خلف ثلاثَ بناتٍ، فلهنَّ الثلثان، فإن ماتت العلْيا بعده، فقد خلَّفتْ بنتاً وبنْتَ بنْتِ، هما أختان لأبٍ، فللبنتِ النصفُ بالبُنُوَّة، ولبنْتِ البنتِ الباقي بالأُخُوَّة.
وإنْ ماتَتِ الوسطَى بعدْ الأب أولاً، فقد خلَّفت أمّاً وبنتاً، هما أختانِ لأبٍ، وكلُّ واحدةٍ من الأمُومَةِ والبُنُوَّة أقوَى من الأخوة، فللأمِّ السدُسُ وللبنْتِ النِّصْف.
وعند أبي حنيفةَ: الباقي بينهما بالسويَّةِ؛ لأنَّهما أختان.
ولو ماتَتِ السفلَى أولاً؛ فقد خلَّفت أماً وأمَّ أمٍّ، هما أختان لأبٍ، فللأمِّ الثلثُ بالأمومةِ، ولأمِّ الأمِّ النصْفُ بالأخُوَّةِ؛ لأنه سقَطَتْ جُدُودَتُهَا بالأمِّ.
ولو أنَّ في مسألة البنَاتِ الثلاث ماتَتِ العُلْيَا قبْل الأبِ، فقد خلَّفت أباً وبنْتاً وبنْتَ بنْتٍ، فهما أختان لأبٍ، فالمالُ للأب والبنْتِ.
فلو مات بعدها الأبُ، فقد خلف بنتَيْنِ، ولو ماتَتِ الوسطَى دون الأبِ، فقد خلَّفَتْ أباً وبنتاً، ولو ماتَتْ بدلها السفْلَى، فقد خلَّفَتْ أباً وأمّاً، ولو كانت الوسطَى أوَّلَ مَنْ ماتَ مِنَ الأربعةِ، فقد خلَّفت: أبوَيْنِ وبنْتاً، فلو ماتَ بعْدها الأبُ، فقد خلَف بنتين ولو ماتَتْ بعدها العليا، فقد خلَّفت أباً وبنْتَ بنتٍ، هي أختٌ لأب فلا شيء لها.
ولو ماتَتِ السفلَى بعْدها فقدْ خلَّفت: أباً وأمَّ أمِّ, هي أختٌ لأب، فلها السُدُس بالجُدُودَةِ، والباقي لأَبِ.
ولو كانَتِ السفلَى أوَّلَ مَنْ ماتت من الأربَعَةِ، فقد خلَّفت أباً وبنتاً، وأمَّ أمِّ, هما أختان لأبٍ، فتسقط أمُّ الأمِّ وجدودَتُها بالأم وأخويها بالأَبِ، فلو ماتَ الأبُ بعْدَها، فقد خلَّف: بنتَيْنِ.
وإنْ ماتَتِ العلْيا، فقد خلَّفَتْ أباً وبنتاً 1. وإنْ ماتَتِ الوسطَى، فقد خلَّفَتْ أبوَيْنِ.
ولو ماتَتِ العُلْيَا بعْدِ مَوْتِ الأَبِ والوسْطَى، فلها بنْتُ بنتٍ، هي أختٌ لأبٍ، ولو

ماتَتِ الوُسْطَى بعد موْتِ الأبِ والسفْلَى، فلها بنتٌ، هي أخت لأبٍ.
ولو ماتتِ الوسطَى بعْد موْتِ الأب 1، والعلْيَا، فَلَها بنْتٌ، هي أختٌ لأب.
ولو ماتت بعد موتِ الأَبِ والسفْلَى، فقد خلفت أمّاً، هي أختٌ لأب، فلها الثلُثُ بالأمومة.
ولو ماتتِ السفلَى بعْد موتِ الأَبَ والعلْيَا، فقَدْ خلَّفت أيضاً أمّاً، هي أخُتٌ لأب.
ولو ماتَتْ بعد موْتِ الأَبِ والوُسْطَى، فقد خلَّفت أُمَّ أمٍّ, هي أخت لأبٍ، فلها السدُسُ بالجدودة.
وحكَى الشَّيخ أبو عليَّ أن ابْنَ اللَّبَّان ذكَر وجْهاً آخَرَ، وهو أنَّها ترث بالأُخُوَّة، لأنَّ نصيبَ الأختِ أكْثَرُ وليحرر هذا من أخوات الصورة.
المثَالُ الثَّانِي: نُكَحَ أمَّه، فأولَدَها بِنْتاً، ومات، فَقَدْ خلف أماً وبنتاً، هي أختٌ لأمِّ، فللأمِّ السدُسُ، وللبنْتِ النصْفُ، ولا شيء لها باُخُوَّةِ الأمِّ بالاتِّفَاق.
ولو ماتتِ الأُمُّ بعده، فقدْ خلَّفتْ بنْتاً، هي بنتُ ابنٍ، فلها النِّصْف بالبنتية.
وقال أَبُو حنيفةَ: لها مَعَ ذلكَ السُّدُس تكملَةَ الثُّلُثَيْن.
ولو ماتَتِ البِنْتُ دُونَ الأمِّ، فقد خلَّفت أمّاً، هي أمُّ أبٍ، فلها الثلثُ بالأمومة.
ولو ماتَتِ الأمُّ أولاً، فقَدْ خلَّفَتْ بنتاً هِيَ بنْتُ ابنٍ، فَإِنْ مَاتَ بعدها المجوسيُّ، فقد خلَّفت بِنْتاً، هي أختٌ لأمٍّ.
ولو ماتتِ البنْتُ دون المجوسيِّ، فقد 2 خلَّفت أباً، هو أخٌ لأمٍّ، ولو ماتَتِ البنْتُ أوَّلاً، فقَدْ خلَّفتْ أبوَيْنِ، والأبُ أخٌ لأمِّ والأمُّ أمُّ أبٍ.
فإنْ ماتَ المجوسيُّ بعْدَها، فقَدْ خلَّف أماً، وإنْ ماتَتِ الأم بدلَهُ، فقد خلَّفت ابناً.
ولو أن المجوسيَّ، أولَدَ أمَّهُ بنتَيْنِ، ثُمَّ نكَح أحدَهُمَا فأولَدَها ابناً وبنتاً، ومات فله أمٌّ وبنتان، هما أختاه لأمِّه، وابنٌ وبنْتٌ، هما ولدَ ابْنَتِهِ وأختُهُ لأمِّه 3، فللأم السدُسُ والبَاقِي بيْن الأولاد، فإن ماتَتْ بعده الأمِّ, فلها بنتان هما بنْتَا ابْنٍ، وبنتُ ابنٍ وابْنُ ابنٍ،

هما ولدا بنتٍ، فللبنتين الثلثانِ، والباقي بيْن بنْتِ الابن وابنِ الابْنِ أثلاثاً، يعصِّب الذكرُ أختَهُ لأبيه وأمِّه دون أخته لأبِيهِ.
قال ابن شُرَيْحٍ: ولو ماتَ الغُلاَمُ دون الأمِّ, فله أختٌ من الأبوَيْنِ وأختان مِنَ الأبِ؛ إحداهما أمُّهُ، وجده هيَ أمُّ أمه وأمُّ أبيه، فللأخْتِ من الأبوَيْنِ النصْفُ، وللأخْتِ من الأب التي هي أمُّ السدُسُ بالأمُومَةِ، وللأخرَى السُّدُس تكلملةَ الثُّلُثَيْنِ وسقَطَتِ الجَدَّة بالأم.
وهذا جوَابُ أبي حنيفةَ في الأُخْت من الأبوَيْنِ والجَدَّة.
وقال: للأمِّ السدُسُ، ولها باُخُوَّة الأبِ مع الأخرَى السدسُ بالشَّركة.
ولو ماتَتْ أختُ الغُلاَمِ دونَهُمَا، فلها أخٌ من الأبوَيْنِ وأختان من الأبِ، إحداهما أَمٌّ وجدَّةٌ، هي أمُّ أبٍ وأمُّ أمِّ، فللأمِّ السدسُ، والباقي للأخِ.
ولو ماتَتْ أمُّ الغلامِ دونَهُمْ، فلها ابنٌ وبنْتٌ هما ولدا أب وأمِّ، وأختٌ من الأبوَيْنِ، فلأمها السدُسُ والباقي بيْن ولَدَيْهَا.
ولو ماتَتِ الَّتي هي خالةُ الغُلاَم دُونَهم، فلها أمٌّ وأختٌ من الأبوَيْنِ وأخٌ وأختٌ من الأَب، فلأُمِّها السدُسُ، وللأخْتِ من الأبوَيْنِ النصْفُ، والباقي بيْنَ الأَخِ والأَخْتِ أثلاثاً.
وقياسُ مذْهَب أبي حنيفة حيْثُ لم نذْكُرْه بيِّنٌ وليعلم قولُهُ في الكتاب، ولم يورث بهما، بالحاء والألف والواو، ويمكن إعادة هذه العلامات في مواضعَ مِنَ الفَصْل، وقد يَخْطُر بالبَال أنه، لِمَ وصَلَ القَوْلَ من ميراث المُجُوسيِّ بفُصُول الحَجْبِ، فلعل سببه أن إِسْقَاطِ إِحْدَى القَرَابَتَيْنِ بالأُخْرَى ضرب منَ الحَجْبِ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَا يَنْدَفِعُ بِهِ المِيرَاثُ سِتَّةُ أُمُورٍ: الأَوَّلُ: اخْتِلاَفُ الدِّينِ، فَلاَ يَتَوَارَثُ الكَافِرُ وَالمُسْلِمُ (ح و)، وَيتَوَارَثُ اليَهُودُ والنَّصَارَى وَأَهْلُ المِلَلِ، وَفِي تَوَارُثِ الذِّمِّيِّ وَالحَرْبِيِّ مَعَ انْقِطَاعِ المُوَالاَةِ بَيْنَهُمَا بالدَّارِ خِلاَفٌ (و)، وَالمُعَاهَدُ (ح) في حُكْمِ الذِّمِّيِّ عَلَى الأَظْهَرِ، لاَ فِي حُكْمِ الحَرْبِيِّ، وَقِيلَ: إنَّهُ فِي حُكْمِ الحَرْبِيِّ، وَالمُرْتَدُّ لاَ يَرِثُ وَلاَ يُورَثُ (ح) أَصْلاً، بَلْ مَالُهُ فَيْءٌ وَالزِّنْدِيقُ كَالمُرْتَدِّ.
قَالَ الرِّافِعِيُّ: قد يكونُ في الشَّخْص صفةٌ أو تَعْرِضُ بينه وبيْن المُوَرِّث حالةٌ تَمْنَعُ من الإِرْثِ، ورُبَّما سماه الفَرَضِيُّون حَحْباً بالأوْصاف وما سبق ححْباً بالأشْخَاصِ، ولما كانا جميعاً مقتضِيَيْنِ للحِرْمَانِ قرن صاحبُ الكتابِ بيْنَهُما، وهَذا النَّوْع فيما عَدَّه ستةٌ أضْربٍ: الضَرْبُ الأوَّلُ: اختلافُ الدِّين، وفيه ستَّةُ مسائِلَ: المسألة الأُولَى: المُسْلِم لا يَرِثُ الكافرَ، ولا بالعَكْسِ، لِمَا رُوِيَ عن أسامةَ بْنِ

زَيْدٍ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلاَ الكَافِرُ المُسْلِمَ" 1 2. ولا فَرْقَ بين القريبِ والمعتِقِ، ولا بَيْن أن يُسْلِمَ قَبْل القسمة، أو يستمرَّ عَلَى الْفُرَّة 3؛ خلافاً لأحمَدَ من المسألَتَيْنِ؛ حيث قال: المسلم يَرِثُ عتيقه الكافِرِ، ومَنْ

أسْلَم قبْلَ القِسْمَةِ وَرِثَ مِنَ المُسْلم، قال الشيخُ أبو محمَّد: والفرقُ بين الميراثَ، حيثُ لا يَرِثُ المسلمُ من كافِرٍ مَا، وبَيْن النِّكَاح، حيث يجُوزُ لَهُ نكاحُ بعْضِ الكافراتِ أن التوارث مبنيٌّ على الموالاةِ والمناصرَةِ، ولا موالاة ولا مناصرة بين المسلِمِ والكافرِ بحالٍ، ومواصلَتُنَا إيَّاهُمْ نوعُ تشريف لَهُمْ، فيختص بمَنْ لهم أصْلٌ من الاحترامِ، وهم أهْلُ الكتابِ.
المسألة الثانيةُ: يَرِثُ الكفَّارُ بعْضُهُم مِنْ بَعْضٍ، كاليهوديِّ من النصرانىِّ، والنصرانيِّ من المجوسيِّ، والمجوسيِّ الحربيِّ من الوثَنِيِّ، وبالعْكوس وبه قال أبو حنيفة: ووجَّهَه: بأنَّ الكفار -على اختلافِ فِرَقِهِمْ- كالنَّفْس الواحدةِ فِي مُعَادَاةِ المُسْلِمِينَ والتَّمَالُؤِ عليهم.
قال الشافعيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- المُشْرِكُون في تفرُّقِهِمْ واجْتماعِهِمْ يَجْمَعُهُمْ أعظَمُ الأُمورِ، وهو الشِّرْكُ باللَّهِ تعالَى، فجعل اختلافهم كاختلافِ المَذَاهِبِ في الإسْلاَم، وقد قال عزَّ اسْمُهُ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾: [الكافرون: 6] وقال عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: 32] فأشْعَر بأنَّ الكفْر كلَّه ملةٌ واحدةٌ.
وقال أحمد -رحمه الله- في أصَحِّ الروايَتَيْنِ: لا يرثُ أهْلُ ملَّة من أهْل ملَّة أخْرَى.
وعن ابن خَيْرَانَ وغَيْره تخريج وجْهٍ مثْله بنَاءً عَلَى قولنا إن الكافِرَ إذَا انْتَقَلَ منْ دينٍ إلَى دِينٍ لا يُقَرُّ عليه، فإنه يقتضي أنْ يكُونَ الكفر كله مِلَلاً مختلفةً.
وهذا ما اختارَهُ الأستاذ أبو منصور فيما حكاه أبو خَلَفٍ الطبريُّ، ويدلُّ عَلَيْه ظاهرُ مَا رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شيء" 1. = الميراث للحمل فأسلمت ثم ولدت الولد ورث، وإن كان محكوماً بإسلامه لأنه كان محكوماً بكفره يوم الموت.
ذكره الرافعي في الكلام على إرث الجنين، وقد يقال هذه لا ترد لأنه حين موت أبيه كان كافراً فما ورَّثنا إلا كافراً من كافر.
وما ذكره الشيخ الأسنوي عن الأشراف للقاضي عبد الوهاب المالكي في الخلاف أن الشَّافعي رضي الله عنه قال: إذا مات عتيق المسلم النصراني أنه يرثه معتقه المسلم لا يعرف هذا في نصوص الشَّافعي بل الموجود في نصوصه عدم الإرث وأطال الشيخ البلقيني وغيره الرد عليه.

ومَنْ قال بالمذْهَب المشْهُور حمَلَهُ علَى الإسْلاَم والكُفْر؛ لما سبق؛ ويؤيِّده أنه رُوِيَ من بعْضِ الرِّواياتِ: "لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ؛ وَلاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ" 1. فجعل الثاني بياناً للأوَّل، وهذا إذا كان اليهوديُّ والنصرانيُّ مثلا ذمِّيَيْنِ أو حَرْبيَّيْنِ، ولا فرْقَ بيْن أنْ يكُون الحربيَّانِ مُتَّفِقَي الدَّارِ، أو مخْتَلِفِيهَا.
وقال أبو حنيفةَ: إنْ كَانَا مختلِفَي الدَّار؛ كالروم والهِنْد 2، لم يتوارَثَا، وإن أتحدثْ ملتهماً، والضابطُ أن يختلفَ الملوَكُ ويرَى بعضُهم قتْلَ بعْض.
أما إذا كان أحدُهما ذمِّياً، والآخَرُ حربِيّاً؛ ففي التوارُثِ بينهما قوْلان، حكاهما الإمامُ وغيره.
أحدهما: جريانه، لشُمُولِ الكفر.
وأصحُّهما: المَنعُ، لانقطاعِ المَوَالاَةِ بينهما.
وهذا ما أورده أكْثَرُ الأصْحَاب.
وربَّما نقل الفرضيُّون إجماع العلماء عليه، والمعاهد والمستَأْمن كالذِّمِّيِّ أو كالحربيِّ؟ فيه وجهان: = رواه الترمذي واستغربه، وفيه ابن أبي ليلى، وأخرجه البزار من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "لا ترث ملة من حلة" وفيه عمر بن راشد، قال: إنه تفرد به وهو لين الحديث، ورواه النسائي والحاكم.
والدارقطني بهذا اللفظ، من حديث أسامة بن زيد، قال الدارقطني: هذا اللفظ في حديث أسامة غير محفوظ، ووهم عبد الحق فعزاه لمسلم، قوله: روي في بعض الروايات: "لا يتوارث أهل ملتين، لا يرث المسلم الكافر" فجعل الثاني بياناً للأول، فدل على أن المراد بالملتين: الإسلام، والكفر، البيهقي بلفظ: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، ولا يتوارث أهل ملتين" وفي إسنادها الخليل بن مرة وهو واه.
قاله الحافظ في التلخيص.

أحدُهُما: ويُحْكَى عن ابن سُرَيْجٍ: أنه كالحربىِّ؛ لأنه لا يستوطِنُ دارَنَا، وبهذا قال أبو حنيفة.
وأصحُّهما: وهو.
الذي حكاه ابن اللَّبَّان عن الشَّافعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أنه كالذمِّيِّ؛ لأنَّهما جميعاً معْصُومَانِ بالعَهْد والأَمَان.
فعلى هذا يجري التوارُثُ بين الذميِّ والمستأمَنِ، وعلَى الأوَّل في 1 التوارثُ بينهما القَوْلان.
ويجري التوارُثُ بينه وَبيْن الحَرِبيِّ، ولا بأسَ بإيراد مثالٍ من المسألة: يهوديُّ ذَمِّيٌّ مات عنِ ابْنٍ مثْله، وآخر نصرانيٌّ ذَمِّيٌّ، وآخَرُ يهوديٌّ معاهَدُ، وآخَرُ يهوديٌّ حربِيٌّ، فالمال بينهم سِوَى الأَخِيرِ على المَذْهَب 2. ويجيء من النصرانيِّ وجْهٌ بناءٌ على انقطاعِ التوارُثِ بيْن ملك الكفار، ومن المعاهِدَ أيضاً بناءً علَى أنه كالحربي والذِّمِّيِّ يتوارثان ويجيء في الحربِيِّ وجْةٌ أنَّه يرث؛ بناءً على أنَّ الحربِيَّ والذِّمِّيِّ يتوارثان، وليعلَمْ قولُهُ في الكتاب: "ويتوارث اليهودُ والنصارى" بالألف والواو والميم أيضاً، ففد اضطربتِ الروايةُ عَنْ مالِكٍ فيه.
وقولُهُ: "والمعاهَدُ من حكم الذِّميِّ بالحاء، والله أعلم.
المسالةُ الثالثة: المرتَدُّ لا يرثُ منْ أحدٍ، ولا يرثُهُ أحَدٌ لا مسلمٌ ولا مرتدٌّ ولا كافرٌ أصليٌّ، بل مالُهُ فَيءٌ لبَيْتِ المالِ، سواءٌ ما اكتسبَه 3 في حالِ الإسْلاَم، وما اكْتَسَبَهُ في حال الرَّدَّة، وبه قال أحمَدُ ومالكٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- إلاَّ أنَّ مالكاً يقول: إذا ارتدَّ في مرَضِهِ، واتُّهِمَ بأنَّ قصْد منع المالِ من الورثة وَرِثُوهُ.

وقال أبو حنيفةَ: ما اكتسبَهُ في حالِ الإسْلاَم يَرِثُهُ المسلمون من أقاربه.
لنا: حديثُ أسامة بنْ زيد -رضي الله عنه- وقياسُ المتنازع فيه على المُتَّفَقِ عليه، وأبدى الإمامُ احتمالاً في توْرِيث المرتدِّ من المرتد على قولنا: أنَّ مِلْكَ المرتدِّ لا يزُولُ إلاَّ بالمَوْتِ، تخريجاً من قولنا إنَّ ولد المُرْتَدِّ من المرتدِّة مُرْتَدٌّ ولا ينزَّل التحاقه بدار الحَرْب منْزلةَ مَوْتِهِ.
وقال أبو حنيفَة: ينزل منزلِةَ المَوْتِ، حتَّى يقسَّم مالُه بيْن ورثَتِهِ وتُحَلُّ ديونُهُ وُيعْتَق مدبَّرُهُ، قال: فلو رجَع مُسْلِماً ردَّ الورثة ما بَقِيَ في أيديهم، وما اسْتَهْلَكُوا وتصرَّفوا فيه، لَمْ يلزمْهُم ضمَانُهُ.
هذا من المرتَدُّ الذي يظْهُرُ كُفْرُه.
وكذا الحُكْم في المرتد بالزَّنْدَقَةِ الذي يُخْفي الكفرَ، ويتجمَّل بالإسلام، خلافاً لمالكٍ؛ حيث قال: مالُهُ لورثَتِه المُسْلمين، والله أعْلَم.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: الرَّقِيقُ فَلاَ يَرِثُ وَلاَ يُورَثُ إِذْ لاَ مِلْكَ لَهُ وَيَسْتَوِي فِيهِ المُكَاتِبُ (ح م) وَالمُدَبَّرُ وَأُمُّ الوَلَدِ وَالْقِنُّ، وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ لاَ يَرِثُ، بَلْ يُورِثُ فِي القَوْلِ الجَدِيدِ، فَإنْ قُلْنَا: لاَ يُورَثُ فَمَا مَلَكَهُ بِنِصْفِهِ الحُرِّ لسَيِّدِهِ، أَوْ لبَيْتِ المَالِ، فِيهِ خِلَافٌ (وم).

" القَوْل فِي الرِّقّ"

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرقيقُ لا يَرِثُ، واحتجَّ له بأنَّه لو وَرِثَ، لكَانَ الملك للسَّيِّد، والسَّيِّد أجنبيٌّ عن الميِّت، فلا يمكن توريثُهُ منْه، ولم يقُولُوا: إنه يرثُ العَبْد ثم يتلقَّاه السَّيِّد بحَقِّ الملك، وسواءٌ استمرَّ الرقُّ أو عَتْقَ قَبْل قسْمة التركَةِ، خلافاً لأحمد -رحمه الله-.
من الحالة الثَّانيَةِ: ولا يرثُ من الرقِيقِ أحدٌ؛ لأنه لا مِلْكَ له، وِإذَا قلْنا إِنه يملك بتمليك السيِّد، فهو مِلْكٌ غيرُ مستقرِّ، يعُودُ إلى السَّيِّد، إذا زال الملْكُ عنْ رقَبَتِهِ، كما إذا باعه، ويستَوِي في ذَلِكَ القِنُّ والمكاتَبُ والمِدَبَّر، وأمُّ الولدِ، فلا يرثُونَ، ولا يُورَثُون.
وعن أبي حنيفةَ ومالِك أنَّ المكاتَبَ، إذا مات عن وفاء فما يفضل عن النجُومِ لورثَتِهِ؛ لأنه يمُوتُ حرًا عنْدَهما، وأما مَنْ بعضُهُ حرٌّ وبعْضُهُ رقيقٌ، فلا يرثُ أيضاً؛ لأنَّه لو ورث لكان بعْضُ المالِ لِمَالِكِ البَاقِي، وهو أجنبىٌّ عن الميت.
وقال أحمدُ -رحمه الله-: يرثُ بقَدْرِ ما فِيهِ منَ الحُرَّيَّة.
وهلْ يُورَثُ عنه؟ فيه قَوْلاَن:

القديمُ، وبه قال أبو حنيفة ومالك: أنَّه لا يُورَثُ عنْهُ، كما أنه لا يَرِثُ.
والجديد، وبه قال أحمد 1: أنه يرث؛ لأنَّ ملْكه تامٌّ على ما في يده؛ فاشْبَه الحُرَّ.
فإن قلْنا بالقديمِ، فما ملكه بالبَعْض الحُرِّ، لمن يكُون؟ فيه وجهان: أظهرهما: عند أكثرهم، وحَكُوه عن نصِّه في القديم: أنَّه لمالِكِ الباقي؛ لأنَّه نقصٌ مَنَع الإرْث، فصار كما لو كان كلُّه رقيقاً.
والثاني: أنَّه لبَيْتِ المالِ، ويُنْسَب هذا إلى تخريج الإِصطخريِّ.
ووجهه أنَّ مالِكَ الباقِي قد أخَذَ حقَّه منْ كسْبه، وهذا مملوك بالحرِّيَّة.
ونقل الفرضيون هذا الوَجْه عنِ ابن سُرَيْجٍ 2. وقالوا: إنه الصحيحُ؛ لأنَّه ليس لمالكِ الباقي على الجرِّ مِنَّةٌ ولا ولاء، ولا مِلْكٌ، ولا نَسَبٌ، فلا مَعْنَى لصَرْفِه إلَيْه.
وإن قلْنا بالجديدِ، فهو لِمَنْ له مِنْ قريبٍ أو مُعْتَقٍ.
وفي القدْرِ المَوْرُوثِ وجْهان، حكاهما ابنُ اللَّبَّان والإمَامُ: أحدُهُمَا: أنَّ ما جَمَعَهُ بنصفه الحرِّ يتقسَّط علَى مالكِ الباقي والورثة بقَدْر ما فيه مِنَ الرقِّ والحرِّيَّة، فإذا كان نصْفُهُ حُرّاً، ونصفُهُ رقيقاً، فنصفُ ما جَمَعَهُ بنصْفِه الحرِّ للسيِّد، ونصفه للورثة, لأنَّ سبب الإرْثِ الموْتُ، والموتُ حلَّ جميع بدنه، وبدنه ينقسِمُ إلى الرقِّ والحرِّيَّةِ، فينقسِمُ ما خلَّفَهُ.
وأصحُّهما: أنَّه يملك جميعَ ما مَلَكَهُ بنصْفِهِ الحُرِّ؛ لأن مالِكَ الباقي قد استوفى نصيبَهُ بحق الملك؛ فلا سبيلَ لَهُ علَى البَاقِي.
وقولُه في الكتاب: "ومن نصْفُه حرٌّ ونصفُهُ رقيقٌ لا يرثُ" يجوز أن يُعْلَمَ مع الألف بالواو والزاي.
أما الواو؛ فلأن أبا عبْد الله الحناطيَّ روَى عن ابْنِ سُرَيْجٍ وجهاً أنه يرِثُ بقَدْر ما فيه من الحرِّيَّة.
وأما الزايُ، فلأن المُزَنِيَّ، لَمَّا نقَلَ عن الشافعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أن نصف العَبْد، إذا كان حُرّاً يرثُهُ أبُوهُ، إذا مَاتَ.
قال: والقياسُ علَى قوله: أنه يَرِثُ منْ حيثُ يُورَثُ، فمن الأصحابِ مَنْ قال: قصَدَ بهذا الكلامِ الاحْتجاجَ علَى أنَّه لا يُورَثُ إذ: لو وَرِثَ، لَوَرَّث.

وقال آخَرُون: أراد به كما يُورَثُ ينبغي أن يَرِثَ بقَدْر ما فيه من الحرِّيَّة وظاهرُ قَوْلِهِ تخريجُ قولٍ للشافعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وكذلك حكَاهُ ابْنُ اللَّبَّان, والفرضيون علَى مذهب المُزَنِيِّ في جملة.
ومن وَرَّث المَعْتق بعْضه، وبه قال في الصَّحَابةِ علِيُّ -كرَّم الله وجْهَهُ- وعلَى هذا؛ فلو ترك الحُرُّ ابناً له، نصْفُه حرٌّ، وأخاً حُرّاً، فالنصفُ للابن، والباقِي للأخ.
ولو ترك ابنَيْن ونصفُ كلِّ واحدٍ منهما حرٌّ، وأخاً حرًا، فقد اختلفُوا في قياسِ قَوْل عليٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: فعن محمَّدِ بْنِ الحَسَنُ اللُّؤلُؤيِّ في آخرين أن قياسَهُ أنْ يجمع ما فيهما من الحرِّيَّة, وهو حرِّيَّة تامٍّ، فيسقط الأخُ، ويكون جميعُ المالِ بينهما.
وقال سفيانُ الثَّوْرِيّ -رحمه الله- قياس: قولِهِ: قسمةُ المالِ بينهما.
عَلَى تقديرِ كَمَالِ الحرِّيَّة، والحطّ بقَدْرِ ما فيها مِنَ الرِّقِّ.
ولو كانا حرَّيْنِ، لكان جميعُ المالِ بينهما لكُلِّ واحدٍ منهما النصْفُ، فإذا كان نصْفُ كلِّ واحدٍ منهما رقيقاً، رجَع حقُّه إلَى النصف، فلكلِّ واحد منهما الرُّبُع، والبَاقِي للاخِ.
وللبصريين عبارةٌ أخْرى تؤدِّي قول سفيانَ -رحمة الله عليه- وهِيَ: أن يؤخذ المالُ مثْل جزء الحرِّيَّة، ويقسَّم بينهما بحَسَب ما فيهما من الرِّقِّ والحرِّيَّة، فيأخذ في هذه الصُّورَة نِصف المال، ويجعله 1 بينهما نِصْفَيْن، وهذا هو الصحيحُ عنْد الفَرَضِيِّينَ؛ لأنَّ عليّاً -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: ويحجب بقَدْر ما فيه من الرِّقِّ ومِنْ جميع ما فيهما مِنَ الحُرِّيَّة لم يحجبهما عن شيءٍ، ويُشْبِه أن يذْهَب إلى الصَّحِيحِ مَنْ ورَّثه من أصحابنا.
وهذه صُوَرٌ ممَّا يتفرَّع عَلَى توريثه.
ابنان ثلث كلُّ واحدٍ منهما حُرٌّ، وأخ، فعلى الطريقِ الأَوَّل: لهما ثلُثَا المَالِ، وعلَى الصحيحِ: لكلِّ واحدٍ منهما ثلُثُ النصف.
ثلاثة بنين، نصْف كلِّ واحدٍ منهما حرٌّ.
على الطريقِ الأَوَّل فيهم حريَّةٌ ونصْفُ حرِّيَّة، فيجعل المالُ بينهم أثلاثاً، وعلى الصحيح: لو كانوا أحراراً، لاقتسموا المالَ أثلاثاً؛ فلكلِّ واحد منهم نصْفُ الثُّلُث.

بنْتَانِ، نصْفُ كلِّ واحدة منهما حرٌّ: على الأَوَّل: فيهما حرِّيَّةٌ بنت فلها النصف.
وعلى الصحيحِ: لو كانتا حرَّتَيْنِ، لأخذتا ثلثَي المال، فالأنَ يأخذان نصْفَ الثلثَيْن.
أربعُ بناتٍ، نصفُ كلِّ واحدةٍ منهُنَّ حُرٌّ: على الأوَّل: فيهن حريَّة بنتَيْنِ؛ فلهُنَّ الثلثان.
وعلى الصحيح: لو كنَّ حرائرَ، لأخَذْنَ الثلثَيْن؛ لكلِّ واحدةٍ منهن السدُسُ، فالآنَ تأْخُذ كلُّ واحدةٍ منْهنَّ نصْفَ السُّدُس.
بنتانِ: نصْف إحداهما وثلُثُ الأخرى حرٌّ: على الأَوَّل: فيهما خمسةُ أسداسِ حرِّيَّةٍ؛ فلهما خمسةُ أسْدَاسِ النصفِ، يقتسمانِهَا بحَسَب حرِّيَّتهما.
وعلى الصحيحِ: لو كانَتَا حرَّتَيْنِ، لكان لكلِّ واحدةٍ منهما الثلثُ، فلكلِّ واحدةٍ منهما ثلُثُ الثلث، وهو التُّسْع؛ لاشتراكهما في حريَّةِ الثلُثِ، ثم صاحبة النصْف اختصت بمزيدِ حُرِّيَّة، وهو السدُسُ، فلها مَعَ ذَلِكَ سدُسُ النصْفِ، فَلا يُنْظَرُ هاهنا إلى الثلث الَّذي تأخُذُه مع الأخْرَى بتقدير الحرِّيَّة، وإنَّما يُنْظَر إلى النصف الذي تأخُذُه عنْد الانفرادِ؛ لأنها انفردَتْ بالسدُس الزائد.
بنتٌ نصفُها حرٌّ، وأخرَى ثلثها حرٌّ، وأخرَى ربُعُها حرٌّ: على الأوَّل: فيهما حريَّةٌ ونصْفُ سدُسِ حُرِّيَّةٍ، فلهنَّ بالحرية نصفُ المال، وبالزائِدِ نصْفُ سدُسِ السُّدَسِ؛ لأن حصَّةَ الوَاحِدَة، منِ النصْفِ السدُسُ، فيضمُّ ذلك إلى النِّصْفِ، ويقسَّم بينهن على ثلاثةَ عشَرَ، ست للأُولَى وأربعةٌ للثانية، وثلاثة للثالثة.
وعلى الصحيحِ: لو كنَّ حرائر، لأخذَتْ كلُّ واحدةٍ منهن تُسْعَى المَالِ، وقد استَوَيْنَ من حريَّة الرْبَع، فلكلِّ واحدة منهنَّ ربُعُ التُّسْعَيْن، وذلك تمامُ حقِّ التي ربُعُهَا حرٌّ، وإذا خرجت من البنين، نظَرْنا إلى ما تأخُذُه كلُّ واحدةٍ من الباقِيَتَيْنِ بتقدير حريتهما، وانفرادِهِما، وهو الثلثُ، ولكلِّ واحدةٍ منهما نصْفُ سدسِ الثُّلُثِ؛ لاشتراكهما في حرية.
نصف السُّدُس بَعد الرُّبُع، وذلك تمامُ حقِّ الَّتي ثلُثُها حُرٌّ.
والثالثةُ فضَلَتْهُمَا بحُرِيَّةِ السدُسِ، ولها بتقدير الحريَّة والانفرادِ نصفُ المال، فتأخذُ سدُسَ النصْفِ، وتضمُّه إلى ما عنْدَها.
ابنٌ نصْفُه حرٌّ، وآخَرُ ثلُثُهُ حرٌّ، وآخَرُ ربُعُهُ حُرٌّ: على الأوَّلِ: جميعُ المالِ بينهم علَى ثلاثةَ عَشَرَ.

وعلى الصحيحِ: لو كانُوا أحراراً، لأخذوا المالَ أثلاثاً، وقد استووا في حريَّة الربع، فلكلِّ واحد منهم ربعُ الثُّلُث، وهو تمامُ حقِّ الذي رُبعُهُ حُرٌّ.
ثم الآخرَانِ لو انفردا، لكان لكلِّ واحدٍ منهما نصْفُ المال، ولو اشتركَا في حرِّيَّة نصْفِ السُّدُسِ بعْد الربع، فلكلِّ واحد منهما نصفُ سدُس النصْفِ.
وهو تمامُ حقِّ الذي ثلثه حُرٌّ، ثم الآخرانِ، لوِ انفردا، لكان لكلِّ واحدٍ منهما نصف المال، وقد اشتركَا في حرِّيَّةِ نصْف السدُسِ بعد الربع، فلكلِّ واحدٍ منهما نصْفُ سُدُسِ النِّصْفِ، وهو تمام حقُ الذي ثلُثُهُ حُرٌّ، وللآخر مع ذلك سدُسُ المالِ؛ لأنه لو انفردَ، لأخَذَ كلَّ المال، وقد فضَلَهُما بحرية السدُسِ.
ابنٌ وبنْتٌ، نصْفُ كلِّ واحدٍ منْهما حُرٌّ: على الأوَّل: يضمُّ نصفُ حرية البنْتِ إلَى حرية الابْنِ؛ لأن بنتَيْنِ بابْنٍ، فيحصلُ ثلاثةُ أرباعِ حريَّةٍ، فلهما ثلاثة أرباعِ المَالِ أثلاثاً.
وعلى الطريقةِ الثانِيَةِ: لو كانا حرَّيْنِ، لكان المالُ بينهما أثلاثاً، فلكلِّ واحدٍ منهما الآن نصْفُ نصيبِه، لو تمَّتْ حريته.
وقيل: لو كانَ الابْنُ حُراً، وهيَ رقيقةٌ، لأخَذَ جميع المال.
ولو كانا حرَّيْنِ، لأخَذَ ثلثَيِ المال، بحريتها وحجبتْهُ عن ثلُثِ المال، فنصْفُ حريتها تحْجُبُه عن نصْفِ الثُّلُث، فيبقَى له خمسةُ أسْدَاسِ المالِ، وهي عشْرون سهْماً منْ أربعةٍ وعشرين سهماً، لكنْ نصفُهُ رقيقٌ، فيعود ذلك إلى عَشَرةِ أسْهُمٍ.
ولو كانتِ البنتُ حرَّةً، وهو رقيقٌ، لأخذَتْ نصْفَ المال.
ولو كانَا حرَّيْنِ، لأخذَتْ ثلثه فحريته حجبتها عن سدُسِ المال، فنصف حرِّيتِهِ تحجبها عنْ نصْفِ السدُسِ، فيكون لها الربُعُ والسدس، وهو عشرةٌ من أربعةٍ وعشرين، لكن نصفُهَا رقيقٌ، فيعود إلى خمسةٍ من أَربعةٍ وعشْرِينَ.
وهذا الجوابُ اختيارُ ابن اللَّبَّان وغيره في هذه الصْورَة، ويُسَمَّى هذا النوْعِ من القسْمة طَريقَ المُخَاطَبَةِ والدَّعْوَى.
ابنٌ وابنُ ابنٍ نصفُ كلِّ واحدٍ منهما حُرٌّ.
قيل: يجمع بين الحريتَيْنِ ويجعلُ المال بينهما نصفَيْن.
وعلى طريق سُفْيَانَ -رحمه الله تعالَى-: للابْنِ النصفُ، ولا شيء لابن الابنِ، لأنَّ الابْنَ يَحْجُبُ ابْنَ الابْنِ.
لو كانَا حُرَّيْن فنِصْفُه يَحْجُبُ نصفَهُ.
وقيل: للابْنِ النصْفُ، ولابنِ الابْنِ نصْفُ الباقي؛ لأنه لو كان حرّاً، لكان له

الباقي، فإذا كان نصْفُه حراً، كان له نصْفُ الباقي.
قال الشيخُ أبو خَلَفٍ الطبريُّ: وهذا أظهر.
بنتٌ وبنْتُ ابنٍ، نصفُ كلِّ واحدة منْهُما حُرٌّ.
قيل علَى قياسِ محمَّدِ بْنِ الحَسَنُ: يجمع بين الحُرِّيَتَيْنِ، فيحصل حرية بنْتٍ، فلهما النصْفُ بالسوية، وسببُ التسْويةِ أنَّ بنت الابن، تقول لبنْتِ الصُّلْب: ليْسَ لكِ إِلاَّ الربُعُ، فخذيه ودَعِينِي مع العصبة ولي معهم، لو انفردت، النصفُ فآخُذُ نصْفَهُ.
وعلَى طريقه سفيانَ -رحمه الله-: لو كانَتَا حرَّتَيْنِ لأخذت البنتُ النصف، وبنتُ الابْنِ السدُسَ، فيرد كلّ واحِد إلى نصْف نصيبَها.
وقيل: هو اختيارُ ابْنِ اللَّبان وغيره: للبنْتِ الربع, لأنها لو كانتْ حُرَّة، لكان لها النصْفُ، ولبنتِ الابْنِ السدُسُ، وبنُوهَا عَلَى أنَّهَا، لو كانت حُرَّةَ، وكان النصْف من بنْتِ الصُّلْب حُرّاً، يكون لبنت الابن الثلث؛ لأنها تستحقُّ مع حرية البنت السدس، ومع رقها النصْفَ، فإذا حجَبَتْها حرِّيَّتُها عن الثلُثِ الزائِدِ علَى السُّدس، فيحجبها نصْفَ حرِّيَّتها عنْ نصْفِ الثلُثِ الزائدِ عَلَى السُّدُس 1. وإذا كانَ لَها الثُّلُث عنْد حُرِّيَّتها، فيكونُ لها السدُسُ عنْد حرية نصْفَها.
والظنُّ أن أصحابَ المذْهَبَيْنِ الأولَيْنِ لا يسلمون أنَّهَا تستحقُّ الثلث عنْد تمامِ الحُرِّيَّة، واللَّهُ أعلم.
أبٌ وابْنٌ، نصْفُ كلِّ واحدٍ منهما حُرٌّ: عن محمدٍ اللُّؤلُؤِيِّ -رحمه الله تعالَى- أنه يُقَسَّم المالُ بينهما نصفَيْنِ, لأنَّ كلَّ واحد منهما، لو انفردَ، لأخَذَ الكُلَّ، كأنهما جَمَعَا ما فيهما من الحُرِّيَّة، فتحصُلُ عصبةٌ كاملةٌ.
وطريقة سُفْيَانَ: أنهما لو كانا حرِّيْن، كان للأبِ السدُسُ، والباقي للابن، فلكلِّ واحدٍ منهما الآنَ نصْفُ نصيبه.
وقيل: للأبِ سدُسُ وثُمُنٌ، وللابْنِ سدُس ثلُثٍ، وثُمُنٌ؛ لأنه، لو كان الأبُ حراً، والابنُ رقيقاً، أخَذَ جميع المال.
ولو كانا حُرَّيْنِ، أخذ سدُسَ المال، فحرية الابْنِ تحْجُبُهُ عَنْ خَمْسَةِ أسداسِ المالِ، فنصفُها يحْجُبه عن نصْفِ هذا المبْلَغ، وهو ربيعٌ وسدسٌ، فينضم ذلك إلى السُّدُسِ، فيحصل له ثلث وربع، لكن نصفُهُ رقيقٌ، فيعودُ إلَى سدُسٍ وثمنٍ.
والابنُ، لو كانَ حُرّاً، والأَبُ رقيقاً، لأخَذَ جميع المال.

ولو كانَا حرِّيْنِ، لأخذ خمْسةَ أسْداسِ المالِ، فحريَّةُ الأبِ تحْجُبُهُ عن سدُسِ المالِ، فنصفُهَا يحْجُبُهُ عن نصْفِ السدُسِ، فيحصُلُ له خمسةُ أسداس، ونصفُ سدسٍ، لكن نصْفُه رقيقٌ، فيرتدُّ إلَى نصْفِ هذا المبْلَغ، وهو ثُلُثُ وثُمُنٌ.
قال أبو خَلَفٍ: وهذا هو الصحيحُ على قياس (1) عليٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وهذه صورة تفيدُ الأقيس بهذا المذْهَب، ولم نطوِّل بإيراد أخواتها؛ لبُعْد هذا المذهب من مذْهَبِنا, ولأنَّا لم نجدْ عن القائسين على مذهب عليٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ضوابطَ منقَّحةً، فتخرَّجَ عليها الفُرُوعُ وبالله التوفيق.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ القَاتِلُ لاَ مِيرَاثَ لَهُ إِنْ كَانَ قَتْلُهُ مَضْمُوناً إِمَّا بِكَفَّارَةٍ، أَوْ إِثْمٍ (و)، أَوْ دِيَةٍ، أَوْ قِصَاصٍ سَوَاءٌ كَانَ عَمْداً أَوْ خَطَأً (ح م و)، بسَبَبٍ كَحَفْرِ البِئْرِ، أَوْ مُبَاشَرَةٍ من مُكَلَّفٍ (ح) أَوْ غيرِ مُكَلَّفٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُوناً كَقَتْلِ الإِمَامِ فِي الحَدِّ فَقَوْلاَنِ، وَإِنْ كَانَ يسَوَّغُ قَتْلُهُ وَتَرْكُهُ كَقَتْلِ القِصَاصِ، وَدَفْعِ الصَّائِلِ، وَقَتْلِ العَادِلِ البَاغِيَ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ.

القتل مانع من الإرث

قَالَ الرَّافِعِيُّ: عن عُمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنه قَالَ: "لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِيرَاثٌ" 2. وعن ابن عَبَّاسِ -رَضِيَ الله عَنْهُمَا- أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَرِثُ القَاتِلُ شَيْئاً" 3. ويُرْوَى: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً، لاَ يَرِثُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَه وَارِثٌ غَيْرُهُ" 4.1

وعن أبي هريرة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّه قال -صلى الله عليه وسلم-: "القَاتِلُ لاَ يَرِثُ" 1. والمعنَى الكليُّ أنا لو ورَّثْنَا القاتِلَ، لم نأمَنْ مِنْ مستعجِلِ الإرث أن يقتُلَ مورِّثه، فاقْتَضَتِ المصلحةُ حرْمَانَهُ 2. إذا تقرَّر ذلك، فالقَتْلُ ضرْبَانِ: أحدهما: المضمونُ منه، وهو موجبٌ لِلْحِرْمَانِ، سواءٌ كان مضْمُوناً بالقصاصِ أو

الدِّيَةِ أو الكفَّارة، والتضمين: بمجرَّد الكفارة، كما إذا رَمَى إلى صَفِّ الكفَّار في القتَالِ، ولم يعْلَمْ أنَّ فيهم مُسْلِماً، وكان فيهم مورِّثه المُسْلِمُ، فقتله، تجب الكفارةُ ولا دِيَةَ.
ولا فرْقَ بين أنْ يكونَ القَتْل عمداً أو خَطَأً، خلافاً لمالك -رحمه الله- حيث قال: الخَاطِئ يَرِثُ إلاَّ مِنَ الديَةِ الواجبَةِ بفعْلِهِ.
وحكَى الحناطيُّ قولاً: أنه الخاطئَ يرثُ مطْلَقاً.
لنَا: الأخبار، وأيضاً، فمن لا يَرِثُ من الديَةِ، وجبَ ألا يرث من غيرها؛ كالعامد، ولا فرْقَ بين أن يكونَ الخطأُ بالمباشرة، كما إذا كان يَرْمِي إلَى هدف أو صيدٍ، فأصاب مورِّثَه، أو بالتَّسَبُّب، كما لو حَفَر بئراً عُدْواناً، فتردَّى فيها مورِّثُه، أو نصَبَ حَجَراً في الطَّريق، فتعثر به ومات.
وقال أبو حنيفة: القتْلُ بالتسبُّب لا يقتَضِي الحرْمَان، إلاَّ إذا رَكِبَ دابَّة، فرَفَسَتْ مورِّثه، ومات.
لنا: أنَّه قتْلٌ يتعلَّق به الضمانُ، فيتعلَّق به الحرْمانُ كالقتل مباشرةً، ولا فرْقَ بين أن يقْصِدَ بالتَّسَبُّبِ مصلحته؛ كَضَرْب الأب والمعلِّم والزَّوْجِ للتأدِيب، إذا أفضَى إلى الموت، وكما إَذا سقَى موَرِّثَهُ الصَّبِيَّ دواءً أو بَطَّ له جُرْحاً عَلَى سبيل المعالَجَةِ، فمات أَوْ لاَ يقْصِد.
وفي سَقْيِ الدواء وبط الجُرْح وجْهٌ حكاه ابن اللَّبَّانِ وغيره.
وعن صاحب "التقريب" وجْهٌ في مطْلَق القَتْل بالتَّسبُّب: أنَّه لا يوجب الحرْمَانَ، والمذهب الأوَّلُ.
ولا فرْقَ بين أن يصْدُرَ القتْلُ من مكلَّف أو غير مكلَّفٍ، خلافاً لأبي حنيفَة، حيث قال: القتْلُ الصادِرُ من الصبيِّ والمجنونِ والمُبَرْسم لا يقتَضِي الحرْمَانَ.
لنا: الأخبارُ، وأن ما يمنع من توريثِ المكلَّف يَمْنَعُ من توْريث غيره؛ كالرِّقِّ، ولك أن تُعْلِم، لما ذكرنا قولَهُ في الكتاب: "أو خطأً" بالميم والواو، وقوله: "بسبب" بالحاء والواو، وقوله: "أو غير مكلف" بالحاء، ويجُوزُ إعْلامُه بالواو، وأيضاً؛ لأنه، إِذا كانَ لنا في الخطأِ قولٌ جاء منْه خلافٌ في الصَّبيِّ بناءً على أنَّ عمْدَهُ خطأٌ، وقوله: "مضمُوناً إِمَّا بكفارةٍ أو إِثْمٍ" لفظ التَّضْمِين بالإِثْم، كالبعيد عن الاستعمال.
ثم المرادُ منْه مسألةٌ، وهي: أنَّ المكْرَه علَى قتْلِ مورِّثه، إذا قتَلَهُ لا يَرِثُهُ.
وإن قُلْنا: لا قصاصَ، ولا ضمانَ؛ لأنه أَثِمَ بالقتل.
[هذا ظاهرُ المَذْهب، وفيه وجهٌ آخَرُ، بناءً علَى أنَّ المكْرَه ألَةُ القَتْلِ]، وهو المذكور في الكتاب من أبواب القصاص، فيجوزُ أن يُرْقَمَ قولُهُ "أو أثم" لذلك.
الضرب الثاني: غير المضْمُون مَنْ القَتْل، وينقَسِمُ إلَى: مستحقٍّ مقصودٍ وإلَى غيره.

جارٍ التحميل