(1), وَفِيهِ فُصُولٌ قال الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الأَوَّلُ في بَيَانِ الوَرَثَةِ) والتَّورِيثُ
إمَّا بَسَبَبٍ أَوْ نَسَبٍ،1
......................... =كالشاذ النادر فقال تعالى:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾... الآيات.
وقال تعالى: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾.
فنبه سبحانه بافتتاحه الآيات بلفظ الوصية على وجوب استئصال ما كانوا عليه واجتناب بذوره من أصله.
وجعل للصغار مع الكبار نصيباً.
وكذا للإناث مع الذكور.
ولا غرو أن كان هذا الحكم مما تحار العقول في حسن ما انطوى عليه من الحكم البالغة فسوى بين الصغير والكبير لأن الصغير إلى المال والإعانة أحوج.
ونظر إلى الإناث بضعفهن وترغيباً في نكاحهن.
غير أن حكمته اقتضت امتياز الذكر على الأنثى بجعل نصيبه ضعف نصيبها.
لأن الذكر ذو حاجتين.
حاجة لنفسه وحاجة لعياله والأنثى ذات حاجة واحدة.
وأيضاً فإن الرجل أكمل حالاً من المرأة في الخلقة.
وفي المناصب الدينية مثل صلاحية القضاء دونها والأمامة، وشهادتها فيما تقبل فيه على النصف من شهادة الرجل فلذلك استحق أن يكون نصيبه، في الميراث أكثر.
أضف إلى ذلك قلة عقلها وكثرة شهوتها مما إذا انضم إليه المال الكثير عظم الفساد.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾.
وقال الشاعر:
"إن الشباب والفراغ والجده... مفسدة للمرء أي مفسده"
أما الرجل فلكمال عقله يصرف المال فيما يفيده المدح الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة، كبناء الرباطات وإغاثة الملهوفين والنفقة على الأرامل والأيتام.
وذلك لأنه يخالط الناس كثيراً.
أما المرأة فلقلة اختلاطها لا تقدر على ذلك غالباً.
وعلى الجملة فالتوارث يدور على معان ثلاثة.
أولها: القيام مقام الميت في شرفه ومنصبه وما هو من هذا الباب.
ثانيها: الرفق والحدب عليه والخدمة والمواصاة.
ثالثها: القرابة المتضمنة هذين المعنيين معاً.
أما المعنى الأول فمظنة من يدخل في عمود النسب كالأب والجد والابن وابن الابن والأخوة ومن في معناهم ممن هم كالعضد ومن قوم المرء وأهل نسبه وشرفه.
وأما المعنى الثاني فمظنة ذات القرابة القريبة والأحق به الأم والبنت ومن في معناهما ممن يدخل في عمود النسب وكذلك الأخت.
ويوجد معنى الرفق والحدب في النساء كاملاً.
وأما الثالث فمظنة على وجه الكمال من يدخل في عمود النسب كالأب والجد والابن وابن الابن فهؤلاء أحق الورثة بالميراث.
فلذلك يفضل هذا النوع على الأوليين قبله.
لأن الناس جميعاً عربهم وعجمهم يرون إخراج منصب الرجل وثروته من قوم إلى قوم آخرين جوراً وظلماً.
هذا ولا يضر تحقيق معنين من المعاني الثلاثة السابقة في شخص واحد أو تحققها كلها فيه فإن ترتيبها على هذا الوجه لبيان من توفر فيه المعنى بوجه الكمال وكما أن الأب يقوم مقام الابن في الشرق وغيره كذلك الابن يقوم مقام أبيه -إلا أن قيام الابن مقام أبيه هو الوضع الطبيعي الذي عليه بناء العالم من انقراض قرن وقيام القرن الثاني مقامه.
فهو الذي يرجونه ويتوقعونه ولو أن الرجل خير في ماله لكانت مواصاة ولده أملك لقلبه من =
وَالسَّبَبُ إِمَّا عَامٌّ كَجِهَةِ الإسْلاَمِ (ح و) فِي صَرْفِ المِيْراثِ إلَى بَيْتِ المالِ، وَإِمَّا خَاصٌّ كالإِعْتَاقِ، وَلا يُوَرَّثُ بِهِ إلاَّ بالْعُصُوبَةِ، أَوْ كَالنِّكَاحِ وَلا يُورَثُ بِهِ إِلاَّ بِالفَرِيضَةِ، وَأَمَّا النَّسَبُ فَالقَرابَةُ.
= مواساة والده فلذلك جاءت الشريعة الغراء بتفضيل الأبناء على الآباء.
وأيضاً فإن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل غالباً فكان احتياجهما إلى المال قليلاً.
أما الأولاد فهم في زمن الصبا فكان احتياجهم إلى المال كثيراً... هذا وليس تفضيل الذكور على الإناث للمعنى السابق مطرداً بل يستثنى الأخوة لأم فإن نصيبي الذكر والأنثى منهم متساويان كما أنه لا يزاد نصيبهم وإن كثروا على الثلث عند التعدد.
لأن الرجال منهم قلّ أن يقوموا بحماية البيضة والذب عن الذمار.
ولا يتحقق فيهم معنى القيام مقام أخيهم من أمهم في المنصب والشرف كاملاً.
فقد يكون الرجل من عائلة وأخوة لأمه من عائلة أخرى.
وقد تقوم خصومة بين العائلتين فينصر كلا الأخوين عائلته على الأخرى.
ولا يرى الناس قيامه مقام أخيه عدلاً ولائقاً لأنه من قوم آخرين.
وأيضًا فإن قرابتهم متشعبة من الأم فكأنهم جميعاً أناث.
هذا، وإذا اجتمع جماعة من الورثة فإما أن يكونوا في مرتبة واحدة وإما أن يكونوا في منازل شتى.
والثاني، إما أن يعمهم اسم واجد وجهة واحدة، أو تكون أسماؤهم وجهاتهم مختلفة.
فالقسم الأول -يجب أن يوزع عليهم لمساواتهم في المرتبة والدرجة فلا سبيل لتمييز واحد عن صاحبه ولا لاختصاص واحد دون الآخر بل هم في المعنى سواء.
وأما القسم الثاني -وهو ما إذا كانوا في منازل شتى وعمهم اسم واحد وجهة واحدة.
فالأقرب منهم يحجب الأبعد حرماناً.
وذلك أن التوارث إنما شرع حثاً على التعاون وشد العرى المناصرة والمؤازرة.
ولكل قرابة وتعاون كالرفق فيمن يعمهم اسم الأم والقيام مقام الأب فيمن يعمهم اسم الأب.
والذب عنه فيمن يعمهم اسم العصوبة.
ولا شك أنها في الأقرب أقوى فلذلك هو الذي يلام على تركه المؤازرة أشد اللوم.
ولذا كان هو بالميراث أحق.
وأما القسم الثالث فالأقرب والأنفع فيما علمه الله يحجب الأبعد نقصاناً وإنما ورث الزوج زوجته وورثته هي أيضاً مع أنه لا يتحقق فيهما واحد من المعاني السابقة كاملاً كما لم تشملهما آية ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ بطريق إلحاقهما بذوي الأرحام الذين تحقق فيهم أحد تلك المعاني -لوجوه-
منها "أ" أن الزوجة ربما تلد من زوجها أولاداً هم من قوم الرجل لا محالة ومحل نسبه ومنصبه ومعلوم أن اتصال الولد بأمه لا ينقطع أبداً فمن هذه الوجهة تصير الزوجة بمنزلة ذوي الأرحام.
فتستحق في الميراث الربع أو الثمن وأما الزوج فله ضعف نصيبها جرياً على القاعدة المتقدمة.
ولما أن الزوج له رابطة خاصة بالانفاق عليها واستبداء ماله عندها ولأنه يأمنها على ما يملك حتى يخيل من شدة العلاقة أن جميع ما تركته أو بعضه هو حقه في الواقع فكان إخراج المال من يده شاقاً على نفسه فعالج الشرع هذا الداء بأن فرض له الربع أو النصف ليكون جابر القلب كاسر السورة غضبه -وأيضاً فإن إلحاقهما بمن تقدم كان رأفة من الله ورحمة بعباده سبحانه هو الرؤوف الرحيم.
الفصل الأول في بيان الورثة والتوريث
قَالَ الرَّافِعِيُّ: نَصدِّرُ الكِتابِ بَعْدَ حَمْدِ اللهِ تَعالَى بفَواتِحَ:
الفاتِحَةُ الأُولَى: أصْلُ الفرائِضِ في اللِّسَانِ الْحَزُّ، والقَطْعُ، وفُرْضةُ الْقَوْسِ، وفرضَتِها: الحَزُّ الَّذِي يقعُ فِيهِ الوَتَرُ، وفُرْضَةُ الَّنهْرِ ثُلْمَتُه الَّتِي منْهَا يُسْتَقَى، والمِفْرَضُ: الحَدِيدَة الَّتي يُحَزُّ بِها، وفَرَضَ الله تعالَى، أي: أوْجَبَ، وألزمَ، وافْتَرَضَ مثلُهُ، وهوَ الفَرْضُ والفَرِيضَةُ.
قال في الصِّحاحِ 1: والفَرْضُ العَطِيَّة الموسُومَةُ، يُقالُ: ما أصَبْتُ منْهُ فَرْضاً ولا قَرْضاً.
وفَرَضْتُ الرَّجل وأفْرَضُهُ إذا: أَعْطَيْتُهُ، وفَرَضْتُ لَهُ في الدِّيوانِ، فقالَ العُلَمَاءُ: يُسمَّى العِلْمُ بقسمةِ المواريثِ "الفرائض" -فصاحِبُ هَذَا العِلْم الفَرْضِيُّ؛ لِمَا فيها مِنَ السِّهَام المُقَدَّرَةِ، والمَقَادِير المُنْقطِعَةِ المُفَضَّلَةِ، ومنْهُ قولُهُ تَعاَلَى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء 118] أي: مُقتَطَعَاً محْدُوداً، وقُرِئَ: ﴿أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] أيْ: فَصَّلْناهَا.
وفيما جُمِعَ منْ كَلامِ ابْنِ اللَّبَان البَصْرِي وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ تسميه "الفرائِضَ" منَ الوُجُوب واللُّزوم، إلاَّ أنَّ الفَرْضَ بمعنى الإيجابِ والإلْزامِ، مأْخُوذٌ من المَعْنَى الأوَّل، وهُوَ الاقتطاعُ؛ لأنَّ للفريضةِ معالِم وحُدُودًا مُقَدَّرةً، وإنْ جَازَا ذَلِكَ، جاز أن يُقَال: إنَّها مأْخُوذَةٌ من معْنَى العَطِيِّة؛ لأنَّ الاسْتِحْقَاقَ بالإرْثِ عطيَّةٌ من الشَّرْع، لكنَّهُ يُشْبهُ أنْ يُقالَ: استعمالُ هَذَا اللَّفْظِ في نَفْسِ الإعْطَاءِ مستعارٌ، وحقيقَتُهُ: قطْعُ شَيْءٍ من مالِ الدِّيوَانِ ونَحوِهِ، ومنهُ فَرَضَ له الحاكِمُ النفقةَ، وقولُهُ تَعالَى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236]، والله أعلم.
[الفاتحة] 2 الثانيةُ: عن ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبيَ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "تَعَلَّمُوا الفَرائِضَ، وعَلَّمُوها النَّاسَ، فَإنِّي امرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ، وَتَظْهَرُ الفِتَنُ، حَتَّى يَخْتَلِفَ الاثْنَانِ في الْفَرِيضَةِ، فَلا يَجِدانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا" 3.
وعنْ أبي هريرَة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "تَعَلَّمُوا الفَرائِضَ فَإِنَّهَا مِنْ دِينِكُمْ، وإنه نِصْفُ العِلْمِ، وإنه 1 أَوَّلُ ما يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي" 2.
وَعَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا تَحَدَّثْتُم فَتَحَدَّثُوا بِالْفَرَائِضِ، وَإِذَا لَهَوْتُمْ، فَالْهُوا بِالرَّمْيِ" 3.
وحُمِلَ قَوْلُهُ: "نِصْفُ العِلْم، وأنه أول ما ينزع" على أنَّ للإنسانِ حَالَتَي الحَيَاةِ والمَوْتِ، وفي الفَرائِضِ مُعْظَمُ الأحْكَامِ المتعلقةَ بحالِ المَوْتِ.
[الفاتِحَةُ] الثالثة: كَانُوا في الجاهِليَّة يُورِّثُونَ الرِّجَالَ دونَ النِّسَاءِ، ويجْعَلُونَ حَظَّ المرْأَةِ مِنَ الميراثِ أنْ يُنْفَقَ عَلَيْها من مَالِ [زوْجِهِا 4 سنة]، ويقولُونَ الرِّجالُ هُمُ الِّذينَ يتحمَّلُونَ المُؤَن، ويُقْرُونَ الأَضْيَاف، وَيلْقَوْن الحروب، وكانُوا لمِثْل ذَلِكَ يُوَرِّثونَ الكِبَارَ من الأوْلادِ دُونَ الصِّغَارِ، وكانوا يُورِّثونَ الأمَ وابْنَ الأخ [وزَوْجَةَ الأخَ] 5 والعَمَّ كَرْهَاً.
وَعَدَّ أَبو عَلِيٍّ الزجَّاجِيُّ والقاضي الرُّوَيانيُّ [رحمهُما اللهُ تَعَالَى] وكثيرٌ مِنَ الطبريَّةِ التوارثُ بالحَلِفِ والنُّصْرَةِ منْ وجُوهِ الإرْثِ في الجاهليَّة دونَ ما كانُوا علَيْهِ في ابتداءِ الإسْلاَم، والمشهور جريانُ التوارِثُ به في ابتداء الإسْلاَمِ، وقَد حَملَ عَلَيْه قولُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33] ثم نُسِخَ ذلكَ، فكَأنُوا يتوارَثُونَ بالهِجرةِ والإسْلاَمِ، فلَوْ هَاجَرَ أحد القريبينِ المسلمينِ دُونَ الثَّانِي، لَمْ يتوارثا، وهُوَ المَغْنِيُّ بقولِهِ تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 72] ثمِ نُسِخَ ذَلِكَ، وجُعِلَ الإرْثُ بالقرابة على ما قَالَ تعالَى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75] ويُقالُ: إنَّهُ نُسِخَ بآية الوَصيَّة، وهِيَ قولُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: 180] الآية، وكانَتْ واجِبَةٌ للوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ.
وعنْ ابْنِ سُرَيْجٍ: أنَّه كانَ يَجِب على المُحْتَضِرِ أنْ يوصي لكلِّ واحدٍ مِنَ الوَرَثَةِ بما في علْمِ الله تعالَى من الفرَائَضِ، وكانَ من يُوَفَّقُ لِذلِكَ مُصِيباً، ومن يَتَعَدَّاهُ مُخْطِئاً.
قَالَ الإمامُ: هذا زَلَلٌ، وَلا يَجْوزُ ثُبُوتُ مِثْلهِ في الشَّرائِعِ، فإنَّه تكليفٌ، علَى
عَمايَةِ، ثُمَّ نُسِخَ وجُوبُ الوصيَّةِ، ووَرَدَتْ آيَاتُ الموَاريثِ [على ما استقَرَّ الشَّرْعُ علَيْهِ، وما عُدَّ من وُجوهِ التَّوَارُثِ] 1 في ابْتِداءِ الإسْلاَمِ التَّبَنِّي والمُؤَاخَاة.
الفَاتحةُ الرَّابِعَةُ: الأصْلُ في الموارِيثِ قولُهُ تَعالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء:11] الآية، والتي تليها، وآيَةُ الكَلالَةِ في آخِرِ السُّورَةِ، ولم تشتملْ الآياتُ الثلاثُ علَى جَمِيعِ قواعِدِ الفَرائِضِ، لكن وَرَدَت السُّنَّةُ بأصُولٍ أخْرَى، وتَكَلَّمَ أصحابُ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فيما لم يجدوه منْصُوصاً عليه، وكَثُرَ اختلافُهُم فيه؛ لأنَّ مَسائِلَ الفرائِضِ غَيْرُ مَبْنِيَّةٍ عَلَى أُصُولٍ معقُولةٍ، فتَعَلَقُوا بالأَشْبَاهِ والأَمْثَالِ.
وحَكَى الإمَامُ عَنِ العُلَمَاءِ بالفَرائِضِ أنَّ صَحَابَةَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تَحَزَّبُوا فَتَكَلَّمَ أربعةٌ منْهُمْ في جَمِيع أُصُولِهَا، وهُمْ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وابنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَهؤُلاءِ الأربعةُ، إذَا اتَّفَقُوا في مسألةٍ وافَقَتْهُمُ الأُمَّةُ، وإذا اختلَفُوا، اختلَفَتِ الأمَّةُ، ولم يتَّفِقْ في مَواضِع اخْتِلاَفِهِمْ ذَهَابُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ إلَى مَذْهَب وذَهابَ الآخَرَيْنِ إلَى خِلاَفِهِ، ولكنْ حَيْثُ اختَلَفُوا، وقَعُوا آحَاداً، وذهَبَ ثلاَثةٌ إلَى مَذْهَبٍ، والرَّابَعُ إِلَى خِلاَفِهِ 2.
ومنْهُمْ مَنْ تَكَلَّم فِي [مُعْظَمِها كأبي بَكْرٍ وعمر، ومعاذٍ بْن جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ومنهُمْ مَنْ تَكَلَّم في] مسائِلَ معْدُودةٍ كابن عباس 3 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، ثُمَّ نَظَرَ الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في مَواضِعِ الخِلافِ، فاخْتَارَ مذْهَبَ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حَتَّى تَرَدَّدَ قولُهُ حيْثُ تَرَدَّدَتِ الروايةُ عَنْ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
قَالَ الأصْحَابُ -رَحِمَهُمُ اللهُ-: وَلَمْ يُقَلّد زيدًا، وإنما ترَّجحَ مَذْهَبُهُ عنْدَهُ مِنْ وجْهَيْنِ: أحدهما: رُوِيَ عنِ النبِّيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قَالَ:"أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ" 4.
والثاني: قَالَ القَفَّالُ: ما تَكلَّم أحدٌ من الصحابة -رَضِي اللهُ عَنهُمْ- في الفَرَائِضِ، إلا وقَدْ وُجِدَ له قَوْلٌ في بعضِ المَسائِل هَجَرَهُ النَّاسُ بالاتَّفاقِ إلاَّ زَيْدٌ، فإنَّه لم يَقُل بقَوْلٍ مهجُورٍ بالاتِّفاقِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ كالعمومَيْنِ، إذَا وَرَدَ، وقَدْ خُصَّ أحَدُهُمَا بالاتِّفاقِ دُونَ الثَّانِي، كانَ الثَّانِي أَوْلَى، وقد يُعتَرَضُ فَيُقالُ: للكَلاَم مَجالٌ في أنَّ الوجْهَيْنِ، هل يُوجِبَانِ الرُّجْحَانَ، لَكنْ بتقدير التَّسْليم فالأخذ بما رُجِحَ عَنْدَهُ، أنه [إنْ] لَمْ يَكُن بَناهُ عَلَى الدَّلِيلِ في كلِّ مسألةٍ، لمْ يَخْرُجْ عن كونهِ تقليدًا، كالمقلَّدِ يأخُذُ بقَوْلِ مَن رَجَحَ عِنْدَهُ من المجتهدين، وإن كان بَنَاهُ علَى الدَّلِيلِ، فَهُوَ اجتهادٌ وافَقَ اجتهاداً، فلا مَعْنَى للقَوْلِ بأنَّه اختارَ مذْهَبَ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ويُجابُ عَنْه بأنَّ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لمْ يُخْلِ مسألة عن احتجاج واستشهاد، لكنهُ اسْتَأْنَسَ بما رَجَحَ عنْدَهُ من مذْهَب زَيْدٍ، ورُبَّمَا تَرَكَ بهِ القياس الجليِّ، وعضَّدَ الخَفِيَّ.
كقولِ الواحدِ من الصَّحابة، إذا انْتَشَرَ، ولم يُعْرَفْ لَهُ مخالفٌ؛ فباعتِبَار الاستئْنَاسِ، قيل: إنَّه أخَذَ بمذْهَبِ زَيْدٍ، وباعتبار الاحتجاج، قِيل: إنَّه لمْ يُقَلِّدْ، والله أعلم.
الفاتحَةُ الخامِسَةُ: يُبدأ من تركة الميِّتِ بمؤنة 1 تجهِيزِهِ المَعْرُوفِ؛ لأَنَّهُ يحتاجُ = في ترجمة علي بن جعفر، وعن أبي سعيد رواه قاسم بن أصبغ عن ابن أبي خثيمة، والعقيلي في الضعفاء عن علي بن عبد العزيز كلاهما عن أحمد بن يونس عن سلام عن زيد العمي عن أبي الصديق عنه، وزيد وسلام ضعيفان، وعن ابن عمر رواه ابن عدي في ترجمة كوثر بن حكيم وهو متروك، وله طريق أخرى في مسند أبي يعلى من طريق ابن البيلماني عن أبيه عنه، وأورده ابن عبد البر في الاستيعاب من طريق أبي سعد البقال عن شيخ من الصحابة يقال له: محجن أو أبو محجن].
إلَيْهَا، وإنَّما يدفعُ إلى الوَارِثِ ما يَستَغْنِي عنه المُوَرِّثُ، وهَذَا فِيمَا لَمْ يتعلَّقْ بِهِ حَقُّ الغَيْرِ، فإنْ تعلَّق كالمَرْهُونِ، والعَبْدِ الجانِي، والمبيع إذَا مَاتَ المشتَرِي (مُفْلِساً) قُدَّمَ حَقُّ الغَيرِ، ثمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْها، وَللْوَرَثَةِ إمْسَاكُ ما تَرَكهُ وغَرامَهُ ما عَلَيْهِ مِنْ عنْدِهِمْ، كما سَبَقَ في "الرَّهْنِ" ثُمَّ تُنفَذُ وَصَاياهُ منْ ثُلُثِ الباقِي، ثمَّ يُقَسَّم الباقِي بَيْنَ الوَرَثَةِ عَلَى فرائِضِ الله تَعالَى، عَلَى ما قَالَ تَعالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] إذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فأعْلَمْ أَنَّ المُصَنِّفَ -رَحِمَهُ الله- أَوْدَع مقْصُودَ الكتابِ في ثلاثَةِ فصُولِ.
أَحَدُهَا: في بيانِ أسبابِ التَّوْرِيثِ والوارِثينَ، ومقادِيرِ استِحْقَاقِهِمْ.
الثاني: في وجوه الحرْمَانِ بعْد قيامِ سَبَبَ التَّوْرِيثِ [في التَقَدُّم والحَجْبِ].
وَالثالثُ: فيِ حِسابِ الفَرائِضِ.
= وإن قلنا: إن الدين يتعلق بالتركة تعلق شركة إلى آخر ما ذكره، وهو تقرير حسن، وزاد على ما ذكره الشيخ صوراً.
أحدها: الربح في القراض إذا مات المالك قبل أن يقسم الربح، وقلنا بالمذهب إن العامل لا يملك حصته إلا بالقسمة.
ثانيها: الدار التي أسكنها المعتدة بغير الأشهر، وهي المعتدة عن الوفاة فإنها تستحق السكنى فيها إلى انقضاء العدة على المذهب، ولا يصح بيع رقبة الدار للجهل بالمدة فيكون حقها متعلقا بعينها مدة العدة، ومقتضى ذلك تقديم حقها على مؤن التجهيز.
ثالثها: إذا أدى المكاتب النجوم إلى السيد ثم مات السيد قبل الإيفاء، فقد ذكر المصنف أنه يأخذ الواجب منه ولا يزاحم أصحاب الديون لأن حقه في عينه.
رابعها: اللقطة إذا ظهر مالكها بعد التملك فله أخذها على الأصح، ويقدم بها على سائر الحقوق.
خامسها: اطلع المشتري على عيب في المبيع، وقد آيس من الرد بغير تقصير منه كان أعتقه مثلاً فإنه يثبت الإرث، وهو جزء من الثمن، فإن كان باقياً, فالصحيح أن حقه متعلق بعينه، وليس للبائع دفع الأرش من غيره، فلو مات قبل أخذ الأرش فقياس تعلق حقه بعينه أن يقدم بقدر الأرض على سائر الحقوق.
سادسها: البيع بعد التحالف إذ فرعنا على الأصح أنه لا ينفسخ بنفس التحالف فللبائع أن يفسخ ويقدم بالمبيع على سائر الحقوق لتعلق حقه بعينه.
سابعها: أصدقها عيناً وأقبضها ثم حصل فراق قبل الدخول إما بسببها أو بسببه ثم ماتت، والعين باقية، لكنها نقصت في يدها فإنه والحالة هذه يخير بين أن يرجع فيها أو في نصفها، ويقدم بالعين على سائر الحقوق لتعلق حقه بعينها، وبين أن يرجع إلى البدل.
ثامنها: إذا مات المقترض بعد قبضه وهو باق في يده، وفرعنا على المذهب أنه يملك بالقبض لا بالتصرف، وأن له الرجوع في عينه ما دام باقياً بحاله.
قال الزركشي: فينبغي أن يجوز له الرجوع، ويقدم كسائر الحقوق المتعلقة بالأعيان
أمّا الفَصْلُ الأَوَّلُ، فَهُوَ مُفْتَتَحٌ بِعَدِّ أسباب التَّوْرِيثِ، والعِبَارَاتُ فيهِ مختلفةٌ، وإنْ أدَّتْ مقْصُوداً واحِداً، وكثيراً ما يَتَّفِقُ ذَلِكَ في ضَوابطِ الفَرائِضِ، فَقالَ الأكثرُون: أسبابُ التَّوْرِيثِ ثلاثةٌ: قَرَابَةٌ، ونَكِاحٌ، وَوَلاءٌ, والأقَارِبُ يَرِثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِ على تفْصِيلٍ سيأتِي.
قال الله تَعالَى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75]: و [أما]، الزَّوْجَان فَيَرِثُ كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا من الآخَر، قَالَ الله تَعالَىَ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء:12] والمرادُ من الوَلاَءِ أنَّ المُعتِقَ يَرِثُ مِنَ المُعتَقِ.
رُوِيَ أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "وَرَّثَ بنْتَ حَمْزَةَ من مولى لَها" 1، وَعَنَى هؤلاء بما ذَكَرُوه الأَسْبابَ الخاصَّة، ووراءها سَببٌ آخرُ عامٌّ، وهو الإسْلاَم، فَمَنْ مَاتَ، ولم يخلف من يرثه بالأسْباب الثلاثةِ، فمالُهُ لبَيْتِ المال؛ يرثه المسلمون بالعُصُوبة، كما يتحملون عنه الدّيَةَ.
وقد رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "أَنَا وَارِثُ مَنْ لا وَارِثَ لَهُ، أَعْقِلُ عَنْهُ وَأَرِثُهُ" 2.
وفِيهِ وجْةٌ آخَرُ: أنَّه يُوضَعُ مالُهُ في بَيْتِ المالِ عَلَى سَبِيلِ المَصْلَحةِ لا إرْثاً؛ لأنَّه لا يَخْلُوا عَنِ ابْنِ عَمٍّ، وإنْ بَعُدَ فألحق ذلكَ بالمالِ الضائِعِ الذي لا يُرْجَى ظهورُ مالِكِهِ، ويُحْكَى هذَا عن أبي حنِيفَةَ، وأحْمَدَ، وأقَامَهُ القَاضِي الرُّويانِيُّ قَوْلاً عن روايةِ ابنِ اللَّبَّان، والأوَّلُ هُوَ المَذْهَبُ، ومنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بين الجهاتِ العامَّةِ والخاصَّةِ، وقالَ: التَّوْرِيثُ
يَثْبُتُ بِسَبَبٍ ونَسَبٍ، فالنَّسَبُ: القرابَةُ، والسَّبَبُ: إمَّا خاصٌ، وهو النِّكاحُ والإعْتاقُ، وإمَّا عامٌّ، وهُوَ الإِسْلاَمُ، هَذَا ما أوْرَدَهُ في الكتاب، وهؤلاءِ يَعْنُونَ بالسَّبَب ما سِوَى النَّسَب من وُجوهِ الإرْثِ، وإلاَّ فالنَّسَبُ أَحَدُ أسْبابِ الإرْثِ، وأحَدُ وجُوهِ الَوصلَةِ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ، فَيَكُونُ داخلاً في السَّبَبِ دُخُولَ الخصوصِ في العُمُومِ، فلا يَنْتَظِمُ التَّقْسِيمُ.
وقولُهُ في الكِتَاب: (إمَّا عامٌّ كجهةِ الإسْلاَمِ) يجُوزُ أن يُعْلَمَ بالحَاء والأَلفِ والواوَ، لِما تَقَدَّم، وَلَوْ قال: "وهو جِهَةُ الإِسْلاَمِ" لكانَ أحْسَنَ؛ لأنَّ الكَافَ للتَّمْثِيلِ؛ وليس هاهُنَا سَبَبٌ عامٌّ سِوَى الإسْلاَمِ.
وذَكَرَ صاحبُ "التَّتِمَّةِ" تفريعاً على الخلافِ في أنَّهُ موضُوعٌ في بَيْتِ المالِ إرْثاً أم على سَبِيلِ المصْلَحةِ؟ أَنَّا إذَا جَعَلْناهُ إرْثاً، لم يَجُرْ صَرْفُهُ إلَى المكَاتَبِينَ، ولا إلَى الكُفَّارِ، وفي جَوازِ صرفِه إلَى القاتِلِ وجهان:
وجه الجواز أَنَّ تُهْمَةَ الاسْتِعْجَالِ لا تَتَحَقَّق هَاهُنَا؛ لأنَّه لا يتعيَّنُ مَصْرِفاً لمالِهِ 1.
وفِي جواز صَرْفِهِ إلَى من أوصَى له بشَيء وجْهَانِ:
فَفِي وَجْهِ لئلا يُجْمَعُ بين الوَصِيَّةِ والأرْثِ، ويخيَّر بَيْنَهُمَا.
وفي وَجْهٍ: يجوز 2 بخلافِ الوَارِثِ المُعَيِّنِ؛ لأنَّه أَغْنَاهُ بِوَصِيَةَ الشَّرْعِ بقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء:11] عن وَصِيَّةِ غَيْرِهِ.
ويجوزُ علَى الوجْهَيْنِ تخصيصُ طائفةٍ منَ المُسْلِمِينَ بهِ، ووجْهُهُ: بأنَّه استحقاقٌ بصفةٍ وهي أُخُوَّة الإسْلام، فَصَارَ، كما لَو أوصَى بثلثهِ لَقَوْمٍ موصُوفِين لا يَجِبُ استِيعابُهُمْ، وكَذَلِكَ، يَجُوزُ 3 أنْ يُصْرَفَ إلَى مَن وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ، أو كَانَ كافرًا فأسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ، أوْ رَقِيقاً، فَعَتَق 4.
وقولُهُ في الإعْتَاقِ، (وَلا يُوَرَّثُ بهِ إلاَّ بالعُصُوَبةِ) وفي النِّكَاحِ، (وَلا يُوَرَّثُ بِهِ إلاَّ بِالْفَرِيضَةِ) مبنيٌّ، عَلَى أَصْلٍ سَيَأْتِي من بَعْدُ -إن شاءَ الله- وهو أَنَّ مِنَ الوارِثِينَ منهم من يَرِثُ بالفرضية، ومنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بالتَّعْصِيبِ، فبين أنَّ الإِرْثَ بالأعْتَاقِ مِنَ القِسْمِ الثَّاني وبالنِّكاحِ مِنَ الأَوَّلِ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَالوَارِثُ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَةٌ اثْنانِ مِنَ السَّبَبِ وَهُمَا المُعْتِقُ والزَّوْجُ، وَاثْنَانِ مِنْ أَعْلَى النَّسَبِ وَهُمَا الأَبُ والجَدُّ، واثْنَانِ مِنَ الأَسْفَلِ وَهُمَا الابْنُ وَابْنُ الابْنِ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى الطَّرَفِ وَهُمُ الإِخْوَةُ وَبَنُوهُمْ إِلاَّ بَنِي إِخْوَةِ الأُمِّ، والأَعْمَامُ وَبَنُوهُم إِلاَّ الأَعْمَامَ مِنْ جِهَةِ الأُمِّ وَهُمْ إخْوَةُ الأَبِ للأُمِّ، والوَارِثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ سَبْعٌ، اثْنَتَانِ مِنَ السَّبَبِ وَهُمَا المُعْتَقَةُ والزَّوْجَةُ، واثنَتَانِ مِنْ أَعْلَى النِّسَبِ وَهُمَا الأُمُّ والجَدَّةُ، وَاثْنَتَانِ مِنَ الأسْفَلِ وَهُمَا البِنْتُ وَبِنْتُ البِنْتِ، وَواحِدَةٌ عَلَى الطَّرَفِ وَهِيَ الأُخْتُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ:
فصل في بيان المجمع على توريثهم
في حصْرِ الورثةِ طريقتان:
احداهُمَا: طريقةُ خَلْطِ الذُّكُورِ بالإنَاثِ، وهِيَ أنَّ الوَرَثَةَ قِسْمان: مَنْ يرثُ بالنِّسَبِ، وهم الزَّوْجَان والمُعْتَق، ذكَراً كان أو أنثَى، ومن يرثِ بالنَّسَب والمناسَبُون قِسْمانَ: مَن يُدْلِي إلى الميِّتِ بغير واسِطةٍ، وهم الأبَوَانِ، والأولادُ، [و] كَلهم وارثُونَ، وَمَنْ يُدْلِي بواسِطَةٍ، وهُوَ إمَّا ذَكَرٌ أو أُنْثَى، وعلَى التقدِيرَيْنِ، فالتَّوسُّط إمَّا بمَحْضِ الذُّكورِ، أوْ بمحض الإنَاثِ أو بِهِمَا جميعاً، فيخرجُ مِن ذَلك ستُّ حالاتٍ: ذكر والتوسُّطُ بمَحْضِ الذُّكورِ، وكلُهُم ورثةٌ، ذكر والتوسُّطُ بمحضِ الإناثِ، ولاَ يرثْ منْهُم إِلاَّ الأَخُ للأُمِّ، ذكر والتوسُّطُ بالذُّكُورِ والإِنَاثِ، ولا يَرِثُ منهُمْ أحدٌ إلاَّ أُنثَى، والتوسُّطُ = أولاد الأُم، الذكر منهم والأُنثى في الإرث سواء؛ لأنهما في جهه الاستحقاق، وهي الرحم سواء.
ذكره أصحابنا.
ويوافق قول النووي في زياداته الجرجاني حيث قال في التحرير "ولا يورث على الخصوص بغير رحم ولا نكاح ولا ولاء ولا المبتوتة في مرض الموت إذا قلنا بالقديم إنها ترث مطلقاً، ثم هذا ليس بقديم، فقد قال الماوردي: إنه نص على القولين في الرجعة، والعدد من الإملاء، وكذا نقلهما القاضي أبو الطيب عن الجديد.
قال الزركشي: وينبغي أن يضم إليها الرحم عند عدم بيت المال على ما سيأتي قياساً على جعل الإسلام سبباً عند فقد العصبة الخاصة.
بمَحْضِ الذُّكورِ، ولا يرثُ مِنْهُنَّ إلاَّ بنتُ الابْنِ والأُخْتُ للأب والجَدَّةُ للأبِ أُنْثَى، والتوسُّطُ بمَحْضِ الإناثِ لا يَرثْ منْهُنَّ إلاَّ الأُخْتُ للأمِّ، والجَدَّةُ للأمِّ أُنْثَى، والتوسُّطُ بالصِّفَتَيْنِ لا يَرِثُ منهُنِّ إلاَّ الجَدَّاتُ المُدْلِيَاتُ بمَحْضِ الإناثِ إلَى مَحْضِ الذُّكُور؛ كأمِّ أمِّ الأَبِ، وأمِّ أمِّ أبي الأب.
الثانيةُ طريقةُ التَّمييز: وهِيَ أنَّ الوَرثَةُ صِنْفان رجالٌ ونسَاءٌ, وفي حَصْرِ كلِّ صِنْفِ عَبارَتانِ بَسْطٌ وإيجازٌ.
فمنْ يَبْسُطُ بقول: الرِّجالُ الوارثُون خَمْسَةَ عَشْرَةَ: الابْنُ، وابنُ الابْن، وإن سَفَلَ، والأبُ، والجَدُّ للأب وإنْ علاَ، والأخُ للأبِ والأمِّ، والأخ للأب، والأخُ للأمِّ، وَابنُ الأخَ للأب والأمِّ، واَبنُ الأخ للأبِ، والعمُّ للأبِ والأمِّ، والعَمُّ للأب، وابْنُ العمِّ للأبِ والأمِّ, وابنُ العَمِّ للأبِ، والزَّوْجُ، والمُعْتِقُ.
والنِّساءُ الوارِثاتُ عَشْرٌ: البنْتُ، وبنْتُ الابْنِ، وإنْ سَفَلَتْ، والأمُّ والجَدَّةُ للأبِ والجَدَّةُ للأمِّ، -وإن عَلَتا- والأختُ للأبِ والأمِّ، والأُخْتُ للأبِ، والأُخْتُ للأُمِّ، والزَّوْجَةُ، والمُعْتَقَةُ.
ومَنْ يُوجز يقُولُ: الرجَالُ عَشَرَةٌ: الابْنُ وابْنُ الابْنِ، والأبُ، والجَدُّ، والزَّوْجُ، والمُعْتِقُ، كَمَا سَبَقَ، ويتصرَّفُ فيمنْ عَدَاهُمْ بالاخْتِصَارِ، فيُعَدُّ الأخُ واحداً، وَيدْخُلُ فيهِ الإخْوةُ مِنَ الجِهاتِ الثَّلاثِ.
وأمَّا الباقُونَ، فللموجِزِينَ فيهمْ أَرْبَعُ عِبَارَاتٍ:
إحداها: أَطْلَقَ بَعضُهُمْ: ابْنُ الأخِ، والعَمُّ وابْنُ العَمِّ، وهَذَا يدْخُلُ فِيهِ الأمِّيُّونُ منْهُمْ، لكنَّ تأْوِيلَهُ أَنَّ الغَرَضَ الآنَ بيانُ الجِنْسِ، ثُمّ تَبَيَّنَ عند التَّفْصِيلِ أَنَّ الشَّرْط يكونُوا من الأُمِّ، وهَذا كَما أنَّا أطْلَقْنا القَوْلَ في الجَدِّ للأبِ، وفي الجَدَّةِ، ثمَّ تبينُ أنَّ الشَّرْطَ ألا يتوسطَ بينهما وبَيْنَ الميت مَنْ لا يرثُ.
والثانيةُ: قيل: وابْنُ الأخِ للأَبِ، والأمِّ أو الأب، وكَذَلِكَ في العَمِّ، وابن العم.
والثالثة: قيل: وابنُ الأخِ للأبَ، وفي العَمِّ وابْنِ العَمِّ كَذَلِكَ.
وصَاحبُ هذه العبارةِ يَعْنِي الانْتِسابَ إِلى الأَب بمطلقهِ، وأنَّه مَوْجُود 1 في الانْتِساب إلى الأبَوَيْنِ، [وصاحبُ العبارةِ الثَّانِيَةِ يَعْنِيَ الانتسابَ إلى الأب، وأنَّه غيرُ موجودٍ في انتِساب إلى الأَبوَيْن] 2 وهذا أشْهَرُ في الاسْتِعمالِ.
والرابِعَةُ: قِيلَ: وابنُ الأخَ إلاَّ مِنَ الأُمِّ، وفي العَمِّ وابنِ العَمِّ كَذَلِكَ، والمرادُ إلاَّ مِنَ الأمِّ وحْدَهَا، وأحْسَنُ العِباراتِ هَذِهِ أو الثانِيَةُ.
قال الموجِزُونَ: والنِّساءُ الوارِثاتُ سَبْعٌ: البنْتُ، وبِنْتُ الابْنِ، والأُمُّ، والجَدَّةُ من
[الجِهَتَيْنِ، والأُخْتُ، والزَّوْجَةُ، والمُعْتِقَةُ، وضَمَّ الشَّيْخُ أَبُو خَلفِ السُّلَميُّ إلى المذكورِينَ في الصِّنْفَينِ: عصَبَاتِ المُعْتِقِ، ومُعتِقِ المُعتِقِ، وهَذَا] 1 قريبٌ لفْظاً، فإنَّ اسْمَ المُعْتِقِ لا ينتَظِمُهُما، لكنْ لو فَتَحْنا هذا البابَ، لاحتَجْنَا إلَى ضَمِّ عصباتِ مُعْتِق المعتِق، ومُعْتِقِ مُعْتِق المُعْتِق، وهَكَذا إلَى ما لا يَتَناهَى، فإذَن المُرَادُ من المُعْتِقِ مَنْ صَدَرَ منه الإعتاقُ، وكُلُّ مَنْ يُتَوَسَّلُ بِهِ.
وإذَا اجْتَمَعَ الوارِثُونَ مِنَ الرجالِ لَمْ يَرِثْ منهمُ إلاَّ الأبُ، والابْنُ، والزَّوْجُ.
وإذا اجْتَمَتِ الوارِثاتُ مِنَ النِّسَاءِ، وَرِثَتْ منهُنَّ خَمْسٌ: البنتُ، وبنتُ الابن، والأُمُّ، والزوجَةُ، والأُخْتُ من الأبَوَيْنِ.
وإذا اجتمعَ من يُمْكِنُ اجتماعُهُمْ من الصِّنْفَينِ، ورثَ الأبَوانِ، والابْنُ، والبنْتُ، ومَنْ يُوجَدُ من الزِّوْجَيْنِ 2.
ومَن انْفَرَدَ مِنَ الرِّجَالِ؛ جازَه جَمِيع التَّركةِ؛ إلاَّ الزَّوْجَ، والأَخَ للأُمِّ، ومَنْ يقولُ بالرَّدِّ، لا يَسْتَثْنِي إلاَّ الزَّوْجَ.
ومَنِ انفردَتْ من النِّسَاءِ لم تَحُزْ جميعَ التركةِ إلاَّ المُعْتِقَةَ، ومَنْ يقولُ بالرَّدِّ يثبت لِكُلِّهِنَّ الحيازَة إلاَّ الزَّوْجَةَ 3.
وإذا تَوَغَّلْتُ الكتاب، عَرَفْتَ صِدْقَ هَذهِ الثلاثِ، ووجُوهها.
وأعْلَمْ أنَّ الفَصْلَ من أَصْله لبيان المُجْمَعِ عَلَى توريثِهِمْ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، ثُمَّ
مَنْ يَقُولُ بتوريثِ ذَوِي الأرحامِ يزيدَ عليهم بكَثِيرٍ.
وقولُهُ في الكِتاب "والوارِثُونَ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَةٌ" هُوَ عبارةُ الإِيجاز، وزَادَهَا بياناً، فقَالَ "اثْنانِ مِنْهُمْ مِنَ السَّبَبِ، وَهُمَا: الزَّوْجُ والمُعْتِقُ، والباقُونَ من النَّسَبِ اثْنَانِ مِنْ أَعْلاَهُ" يعني: أصُولَ الميِّتِ، ولم يُقَيِّدْ لفظ الجَدِّ بأبي الأب، وهو المُرادُ، ولا يَصْلُحُ قولُهُ "مِنْ أعلَى النَسَب" مُقَيَّدًا كما لا يَصْلُحُ في طرف الجَدَّةِ، واثْنَانِ من أسْفَلِهِ، يَعْنِي: فُرُوعَهُ، وأربعةً علَى الطَّرف، وهم الإخوةُ وبنوهم، والأعمامُ، وبنُوهُم.
قولُهُ "إلاَّ الأعمام مِنْ جِهَةِ الأُمِّ" استثناءٌ مِنَ الأَعْمَام، واكْتَفَى به عَن الاسْتثناءِ مِنْ بينهم؛ لأنَّه إذا بَانَ أنَّ العَمَّ مِنَ الأمِّ لاَ يَرِثُ، فابنه (1) أولَى بألاَّ يَرِثَ.
وقولُهُ "وَهُمْ إخْوَةُ الأَبِ للأُمِّ" تفسيرٌ لا تَمَسُّ الحاجةُ إليه، ولفْظُ "الأَعْمام" ينظم عمَّ المَيِّتِ، وَعَمِّ أبِيهِ وعمَّ الجدِّ إلَى حيث يَنْتَهِي، وَكَذَلِكَ حيثُ أطْلَقْنَا لَفْظَ العَمِّ في عَدِّ الوارِثينَ بخلافِ لَفْظِ الأخ، فإنَّ المُرادَ منهُ أخ الميتِ لا غَيْرَ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَنْ عَدَا هَؤُلاَءِ كأبِ الأُمِّ، وَأَوْلاَدِ البَناتِ، وَبَناتِ الإِخْوَةِ، وَأَوْلاَدِ الأَخَوَاتِ، والعَمَّاتِ والخَالاَتِ، وَبَنَاتِ الأعْمَامِ فَهُمْ مِنْ ذَوِي الأَرْحَامِ وَلا شَيْءَ لَهُمْ (ز ح و).
فصل في ذوي الأرحام
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذَوُو الأَرْحامِ بالقَوْلِ الجُمَلِيِّ: كُلْ قَرِيبٍ يَخْرُجُ مِنَ المَعْدُودِينَ فِي الفَصْلِ السَّابِقِ.
وإنْ شِئتَ قلتَ: كُلُّ قريب لَيْسَ بذي فَرضٍ ولا عَصَبَةٍ، وَهَذَا عَلَى إدخَال قَرابَةٍ الأُمَّ في مُطْلَقِ لَفْظِ القَرابَةِ، وَأَمَّا تَفْصِيلُهُم، فَفِيهِ طَريقَان:
أحدُهُمَا: [إن نَقلَّت الطريقة الأُولَى في حَصْرِ الورثة] 2 وتقول: كُلُّ مناسِبٍ، فإمَّا أو يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُ وبيْنَ المَيِّتِ واسطةٌ، ولَيْسَ في هَذَا القِسْمِ أحَدٌ منْ ذَوِي الأرْحَامِ أو يتوسَّطَ، فَهُوَ إما ذَكَرٌ أو أُنْثَى، وَعَلَى التقديرَيْنِ، فالتوسُّطُ إمَّا بِمَحْضِ الذكور، أو بِمَحْضِ الإنَّاثِ، أو بِهِمَا: إنْ كانَ ذكرًا، والتَّوَسُّطُ بمَحْضِ الذُّكُورِ، فلَيْسَ فيهم أحدٌ مِنْ ذَوِي الأَرْحَامِ أيضاً.
وإنْ كَانَ ذَكَراً، والتوسط بمِحَضِ الإنَاثِ؛ فَكُلُّهُمْ من ذَوِي الأَرْحَامِ إلاَّ الأخَ من الأمِّ.1
وإن كان أُنْثَى، والتوسُّطُ بمَحْضِ الذُّكُورِ، فكُلُّهُمْ مِنْ ذَوِي الأَرْحَامِ، إلاَّ بنتَ الابْنِ، والأخْتَ للأَبِ، والجِدَّةَ للأبِ.
وإنْ كانَتْ أُنْثَى، والتوسط بمَحْضِ الإنَاثِ، فَكَذَلِكَ الأخْتَ للأمِّ, والجِدَّةَ للأُمِّ.
وإنْ كانَ ذَكراً أو أُنْثَى، والتوسط بالإنَاثِ والذُّكُور جميعاً، فالكُلُّ من ذَوِي الأَرْحَامِ إلاَّ الجَدَّاتِ المُدْلِيَاتِ بمَحْضِ الإنَاثِ إلَى مَحْضِ الذُّكُورِ.
والثاني: أنَّ ذَوِي الأَرْحَامِ عَشَرَةُ أصْنَافٍ: الجَدُّ أبُو الأُمِّ، وكلُّ جَدٍّ وجَدَّةٍ سَاقِطَيْنِ، وأَوْلاَدُ البَنَاتِ، وبَنَاتُ الإخوةِ، وأولاَدُ الأخَواتِ، وبنُو الاخوةِ للأُمِّ، والعَمُّ للأُمِّ، وبناتُ الأَعْمَامِ والعَمَّاتِ، والأخْوَال، والخالات، ومنْهُمْ مَنْ يعدُهُّمْ أَحَدَ عَشَرَ صِنْفاً، وَيَفْصِلُ الجَدَّ عن الجَدَّةِ.
ومِنْهُمْ مَنْ يَزِيدُ علَى ذَلِكَ، والمقْصُودُ لا يَخْتَلِفُ، فهؤلاء لا يَرِثُون بالرَّحمِ شَيْئاً، وبِهِ قال مالِكٌ: خِلافاً لأبي حنِيفَةَ وأَحْمَدَ؛ لما رُوِيَ أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: "سأَلْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مِيرَاثِ العَمَّةِ والْخَالَةِ فَسَارَّني جِبْرِيلُ أنْ لاَ مِيرَاثَ لَهُمَا".
وُيرْوَى أنَّه -صلى الله عليه وسلم- "رَكِبَ إِلَى قباء يَسْتَخِيرُ اللهَ تَعَالَى فِي الْعَمَّةِ والْخَالَةِ، ثُمَّ قَالَ: "أُنْزِلَ عَلَيَّ أنْ لاَ مِيرَاثَ لَهُمَا".
وأَيْضاً، فإنَّ العَمَّةَ لا تَرِثُ مَعَ العَمَّ، وكُلُّ أُنْثَى لا تَرِثُ مَع مَنْ في دَرَجَتِهَا مِنَ الذُّكُورِ لا تَرِثُ إِذَا انْفَردَتْ كابْنَةِ المُعْتِقِ.
وأيْضًا فإنَّهُم لَوْ وَرِثُوا، لَتَقَدَّمُوا على المُعْتِقِ؛ لأنَّ القَرَابَةَ مقدَّمَةٌ علَى الوَلاَءِ، وقَدْ سَلَّم أبُو حنيفةَ بتَقَدُّمِ المعتقِ علَيْهِمْ.
ولْيُعْلَمْ قَوْلُهُ في الكتاب "لاَ شَيْء لَهُمْ" بالحاءِ والألف وبالزاي والواوِ أَيْضاً؛ لأَنَّ في "التهذيب" أنَّ المُزَنِيَّ وابْنَ كج يوافِقَان أَبَا حَنيفَة في المَسْألةِ، وُيبْنَى على مَنْع التَّوْرِيثِ منْعُ الرَّدِّ، وهو أنْ يُخَلِّفَ الميتُ صاحِبَ فَرْضِ أو أصحابَ فُرُوضٍ، لاَ تَسْتَغْرِقُ المالَ، فلا يُرَدُّ البَاقي عليهِم.
والذينَ ورَّثُوا بالرِّحم حَكَمُوا بالرَّدِّ عَلَى أصْحَابِ الفُرُوضِ، إلاَّ على الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ؛ فإنَّه لا رَحِمَ لَهُمَا، ويقدِّمُونَ الرَّدَّ علَى توريثِ ذوِي الأَرْحَام الذينَ لا فَرْضَ لهُمْ؛ لأنَّ القَرَابَةَ المفيدةُ لاسْتحقاقِ الفَرْض أوْلَى، واحتَجُّوا عَلَى إبْطَال الرَّدِّ بقولِهِ تَعالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: 176]، جَعَلَ لَهُ الكُلِّ حيثُ جَعَلَ لَهَا النِّصْفَ.
ولَوْ قُلْنَا بالرِّد، لوَرِثَتِ الكُلَّ كَمَا يَرِثُهُ الأَخُ، فيرتَفِعُ الفَرْقُ، وبَمَا رُوِيَ عَنِ النبيِّ
-صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "فَمَا أبْقَتِ الفَرائِضُ فَلأَوْلَى عَصَبَةٍ" 1.
ومِثْلُ هَذَا الشخْصِ عَصَبَتُهُ المُسْلِمُونَ؛ ألا تَرَى أَنَّهُم يتحمَّلُون عَنْهُ الدِّيَةَ، ومَا ذَكَرْنَا مِنْ منْعِ توْرِيثِ ذَوِي الأرْحَام، ومنْعِ الرَّدِّ فيمَا إذَا انتظمَ أمْرُ بيْتِ المالِ بأَنْ وَلِيَ النَّاسَ إمامٌ عادِلٌ.
أمَّا إذا لَمْ يَكُن إمامٌ، أو لم يكن مستحِقاً للإمَامَةِ، فَفِي مَالِ مَنْ لَمْ يخلِّفْ ذَا فَرْضٍ ولا عَصَبَةٍ أو خَلَّفَ ذَوِي فُرُوضِ لا تَسْتَغرِقُ المَالَ، وجهانِ حكاهما الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ والمُعْتَبَرُونَ.
أظْهَرُهُما، عند أبِي حامِدٍ وصاحب "المهذَّب": أنَّه لا يُصرَفُ إلَى ذَوِي الأرحامِ ولا يُرَد عَلَى ذَوِي الفُرُوضِ أَيْضاً؛ لإنَّ الَحَقَّ فيه لِعَامَّةِ المُسْلِمِينَ، فلا يَسْقُطُ بِفِقْدانِ منْ ينُوبُ عَنْهُمْ.
والثانى: أنَّه يُصْرَفُ وَيُردُّ؛ لأنَّ المَالَ مصْروفٌ إلَيْهِمْ أو إلَى بيْتِ المَالِ بالاتِّفَاقِ.
فإذَا تَعذَّرت إحْدَى الجهتَيْنِ، تعينت الأخْرَى، ولو تَوَافَقَتَا، لعَرَّضْنَا المالَ للفَوَاتِ والآفاتِ، وهَذَا ما اخْتَارَهُ الق! اضِي ابنُ كَجٍّ، وأفتى 2 به أكَابِرُ المتأخرينَ 3.
التفريعُ: إنْ قُلْنَا: لا يُصْرَفُ إلَيْهِمْ، وَلا يُرَدُّ، فإن كَانَ المَالُ في يدِ أمينٍ؛ قَالَ في "التتِمَّةِ": يُنْظَر: إنْ كَانَ في البَلَدِ قاضٍ، بشَرائِطِ القضاءِ، مأذونٌ في التصرُّفِ في مالِ المصالح، وَدُفِعَ إليهِ؛ لِيَصْرِفَهُ فِيهَا، وإنْ لم يَكُنْ قَاضٍ، أو لَمْ يكِنْ بشرائِطِ القَضَاءِ، صَرَفَهُ الأمِينُ بِنَفْسِهِ إلى المصالِحِ، وإنْ كَانَ هُنَاكَ قاضٍ بشَرْطِ القَضَاءِ، لكنه لم يُؤْذَنْ لهُ
في التَّصَرُّفِ في مَال المَصَالِحِ، فَيُدْفَعُ إلَيْهِ أمْ يفرقه الأمينُ بنَفْسِهِ [إلى المَصالِح]؟ فيه وجْهَانِ 1، وعلَى الثَّاني وُقُوفُ المَسَاجِدِ في القُرَى يَصْرِفُها صلحاءُ القريةِ إلَى عِمَارةِ المَسْجِدِ ومصالِحِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في يَدِ أَمِينٍ، وَدُفِعَ إلَيْه ليفرِّقه.
وحَكَى أَبُو الفَرَجِ الزاز وجْهاً آخَرَ، وَهُوَ: أنَّه لا يُفَرِّقُ، بَلْ يُوقَفُ إلَى أنْ يَظْهَرَ بيْتُ المَالِ، ومن يَقُومُ له بشَرْطِهِ، وإذَا قُلْنَا بالصَّرْفِ إلَى ذَوِي الأرحامِ، فَقَدْ رَوَى القاضي ابْنُ كجٍّ وجْهًا أنَّه يُصْرَفُ إلى الفُقَرَاءِ مِنْهُمْ، ويقدَّمُ الأحْوَجُ فالأحْوَجُ؛ جَمْعًا بَيْنَ المذهبَيْنِ بقَدْرِ الإمْكَانِ.
والمَشْهُورُ أنَّه يُصْرَفُ [إلَى جَمِيعِهِمْ، ثُم هُوَ إرْثٌ أمْ شيءٌ على سبيل المصلحة؟ أَشْبَهُهُما بأصْلِ المذْهَب: أنَّه عَلَى سبيلِ المصْلَحةِ، وهَذَا ما اختاره القاضي الرُّويانيُّ، وَذَكَر أنَّه يصْرَفُ] 2 إليَهم، إنْ كانُوا محتاجين، أو إلَى غيرِهِ مِنْ أنْواعَ المصالِح، فإنْ خِيفَ على المالِ مِنْ حَاكِم الزَّمان، صُرِفَ إلَى الأصْلَح بقَوْل مُفْتِي البَلْدةِ 3، وأَطْلَقَ صاحبُ "التهذيب" أنَّ شَيْخهُ القاضِيَ، حُسَيْنَ كانَ يُفْتِي بتوْرِيثِ ذَوِي الأرْحَامِ، وهَذَا يجوزُ أنْ يراد بهِ عند فَسَادِ بيْتِ المَالِ، ويَجُوزُ أنْ يكُونَ مطْلقًا كَمَا حكَاهُ عن المُزَنِيِّ وابْنِ سُرَيْجٍ.
وإنْ حَكَمْنا بأنَّهُمْ يورثونهم، ويثبتُون الرَّدَّ، فلا بُدَّ من معْرفةِ كيفِيَّةِ الأمْرَيْنِ، والخَطْبُ في بيانها لَيْسَ بِهَيِّنٍ، ولا يَلِيقُ به هذَا الموْضِعُ، فتورِدُهُ في جملةِ أبْوابٍ، نأتي بها بَعْدَ الفراغِ مِنْ شَرْحِ مسائِلِ الكِتابِ، إن شاءَ الله تعالَى.
قال الغَزَالِيُّ: فَنَذْكُرُ الآنَ قَدْرَ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الوُرَّاثِ (أَمَّا الزَّوْجُ) فَلَهُ النِّصْفُ، فَإنْ كانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ وارِثْ فَلَهُ الرُّبْعُ (وأَمَّا الزَّوْجَةُ) فَلَهَا الرُّبْعُ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ وَارثٌ فَلَهَا الثُّمُنُ، فَإنْ كُنَّ جَمَاعَةً اشْتَرَكْنَ فِي الرُّبُعِ أَوِ الثُّمُنِ، وَلا يَزِيدُ حقَّهُنَّ.
"
فصل في بيان ما يستحقه كل وارث من المجمع عليهم
"
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَمَّا فَرَغَ من بيانِ مَنْ يَرثُ وَمَنْ لا يَرِثُ مِنَ الأَقَارِبِ، تكلَّم فِيمَا يستحقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الوَرثَةِ، وتُقدِّم عليه أنَّ كُلَّ وارِثٍ: إمَّا أنْ يكونَ لَهُ سَهْمٌ مُقدَّرٌ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ، ويُقَالُ لَهُ: صاحِبُ فرضٍ، أَوْ لاَ يكُونَ، ويقالُ لَهُ: عَصَبَةٌ، ولكنْ بشَرْطِ، وَهُوَ أنْ يكُونَ مُجْمَعًا عَلَى توريثِهِ، فإنَّ مَنْ وَرَّثَ ذَوِي الأَرْحَامِ لا يُسَمِّيهِمْ عَصَباتٍ، وإنْ لمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمٌ مُقدَّرٌ.
ثُمَّ أَصْحابُ الفُرُوض صنفان: منهم منْ لا يَرِثُ إلاَّ بالفرضيَّة؛ وهُم الزَّوْجَانِ، والأُمُّ، والجَدَّةُ، وولَدُ الأمِّ، ومنهم مَنْ يَرِثُ بالتَّعْصِيبِ أَيْضاً، ثم مِنْ هؤلاء من لا يَجْمَعُ بين الجِهَتَيْنِ دَفْعةً واحِدةً، بلْ إمَّا أنْ يَرِثُ بِهَذِهِ أو بِهَذِهِ، وهُمُ البَناتُ وَبَنَاتُ الابْنِ والأخواتُ من الأبَوَيْنِ، والأخواتُ من الأبِ.
ومنْهُمْ من يَرِثُ بالجهتَيْنِ جميعاً، وعلَى الانفرادِ، وهُوَ الأبُ والجَدُّ 1.
والعَصَبَةُ عَلَى ضربَيْنِ: عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ، وهُوَ كُلُّ ذَكَرِ يُدْلِي إِلَى الميِّتِ بغَيْرِ واسِطَةٍ أو بتَوَسُّطِ محْضِ الذُّكُورِ، وهَؤُلاءِ يأْخُذُونَ جميع المال إذَا انفَرَدُوا.
والباقي بعد أصحابِ الفرائِضِ عنْدَ الاجْتماع، ورُبَّما سَقَطُوا 2.
وعصبة بِغَيْرِهِ، وهمُ البَناتُ وبنَاتُ الابْنِ، والأخَوَاتُ من الأبوَيْنِ، والأخواتُ من الأب، فيتَعصَّبْنَ بإخوتهن، ويتعصَّبُ الأخواتُ من الجهتين بالبناتِ وبناتِ الابْنِ أيضاً 3، وقد تُجُعَلُ العَصَبَةُ عَلَى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ:
عصبةٌ بنَفْسِهِ، كَمَا سَبَقَ، وعَصَبَةٌ بِغَيْرِهِ، وهُوَ تعْصِيبُ الأصْنافِ الأرْبعَةِ بالإِخْوَةِ، وعصبةٌ مَعَ غَيْرِهِ، وهوَ تَعْصِيبُ الأخَوَاتِ من الجهَتَيْنِ بالبَناتِ وبناتِ الابْنِ، ويُفْرَّقُ بينَهُما بأنَّا إذَا قُلْنَا: عصبةٌ بالغَيْرِ، فَذَلِكَ الغَيْرُ عَصَبَةٌ، وإذَا قُلْنَا: عَصَبَةٌ مع الغَيْرِ، لَمْ يَجِبْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الغَيْرُ عَصَبَةٌ بنَفْسِهِ، وهَذا تفاُوتٌ في الاصطلاح، والحقيقةُ واحدةٌ، فاعْرِفْ هَذِهِ الجملَةَ، وتفْاصيِلُهَا بين يديْكَ.
جئْنَا إلى المقصودِ بالفَصْلِ، فَنقولُ: للزَّوْجِ نصْفُ المَالِ، إذَا لَمْ يكنْ للميتة وَلَدٌ، ولا وَلدُ ابْنٍ، ورُبعُهُ إذَا [كَانَ] لَها وَلَدٌ أو ولدُ ابْنِ مِنْهُ أو مِنْ غَيْرِهِ.
وللزوْجَةِ الرُّبُعُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ للميِّتِ وَلَدٌ ولا وَلَدُ ابْنٍ، والثُّمْنُ، إذَا كانَ لَهُ وَلَدٌ، أوْ وَلَدُ ابْنٍ منها، أو مِنْ غَيْرِها، قَالَ الله تَعالىَ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ وقالَ: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: 12] إلَى آخِرِها، إلاَّ أنَّ النَّصَّ ساكِتٌ عَنْ وَلَدِ الابْنِ فقال قائلون: اسْمُ الوَلَدِ يَقَعُ عَلَى وَلَدِ الابْنِ أَيْضاً، فكانا مرادَيْنِ باللَّفْظِ قَدْ ذَكَرْنَا في الوَقْفِ أنَّ اسْمَ الوَلَدِ لا يتناوَل وَلَدَ الابْنِ في أَصَحِّ الوجْهَيْنِ.
وقَالَ آخَرُونَ: قِسْنَاهُ علَى الولدٍ للإجْمَاعِ عَلَى أنَّه كَوَلَدِ الصُّلْب في الإرْثِ والتَّعْصِيب، والزَّوْجَتان والثَّلاثُ والأرْبَعُ يَشْتَرِكْنَ فِي الربعُ أو الثُّمُنِ، وَلا يزيدُ حَقُّهُنَّ، فلَو زِدْنَا، لاسْتَغرَقَتِ الأربَعُ المالَ، والزَادَ نصيبُهُنَّ عَلَى نَصيبِ الزَّوْجِ، وَهَذَا تَوْجِيهٌ إقْناعِيُّ، وكَفَى بالإجماعِ حُجَّةً.
وقولُهُ في الكتاب "أوْ لَدُ وَلَدٍ وارِثٌ" لفظُ "وارث" نعْتٌ لـ"الولد" المضافِ، وإنَّما يَكُونُ وارِثاً، إذَا كَانَ المضافُ إليهِ ابْناً، فإنَّ ابْنَ البِنْتِ لا يَرِثُ ويَخْرُجُ عَنْهُ ما إذَا كَانَ قاتِلاً أو رَقِيقاً، فإنَّ مَنْ لا يَرِثُ بِهَذِهِ الأَسْبَاب لا يَحْجُبُ، ويجوزُ أَنْ يُجْعَلَ عَائِداً إلَى وَلَدِ الصُّلْب أيْضاً، فيكونَ بِمَثابَةِ قولهِ [تَعَالَى]: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون:50] وَلا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ "الوارِث" نَعْتاً لـ المضاف إليه؛ لأنَّ وَلَدَ البِنْتِ وَلَدٌ وارِثٌ, وأَنَّهُ لا يحجب، والله أَعْلَمْ.
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا الأُمُّ) فَلَهَا الثُلُثُ إِلاَّ في أَرْبَعِ مَسَائِلَ، زَوْجٌ وَأَبَوَانِ، وَزَوْجَةٌ وأَبَوَانِ، فَلَهَا المَسْأَلتَيْن ثُلُثٌ (و) مَا يَبْقَى، وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ وارِثٌ، أَوِ اثْنَانِ مِنَ الإِخْوَةِ أَوِ الأخَوَاتِ فَصَاعِداً، فَلَهَا فِي السُّدُسُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قَالَ الله تَعالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:11] فنصت الآية علَى أنَّ للأمِّ الثُّلُث، إذَا لَمْ يكُنْ للميِّتِ وَلَدٌ، ولا إخوة له، وعَلَى أنَّ لَها السُّدُسُ، إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ أو إخْوةٌ.
وَوَلَدُ الابْنِ مُلْحَقٌ بالوَلَدِ، عَلَى ما ذَكَرْنَا في ميراثِ الزَّوْجَيْنِ، وإنْ كَانَ له اثْنَانِ من الإخْوَةِ والأَخَواتِ أيِّ جِهَةٍ كَانُوا، فَلَهَا السُّدُسُ أيضاً، ولفظُ الآيَةِ "الإخْوَة" وظَاهِرُهُ يقتضي ألاَّ تَنْقُصَ عَنِ الثُّلُثِ باثْنَيْنِ منْهُمْ، لكنَّ قدْ يعبر بلَفْظِ الجَمْعِ عَنْ الاثْنَيْنِ.
وقَدْ قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "الاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ" (1).
وَرُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ احتجَّ عَلَى عُثْمَان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وقالَ: "كَيْفَ تَرِدُها إلَى السُّدُسِ بالأَخَوَيْنِ، وليسا بإخْوَةٍ، قَالَ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: لا أَسْتَطِيعُ رَدَّ شَيْءٍ كَانَ قَبْلِي وَمَضَى في الُبلْدَانِ، وَتَوَارَثَ النَّاسُ بِه" (2).
فأشارَ إلَى إجماعِهمْ علَيْهِ قَبْلَ أنْ أظهر ابْنُ عَبَّاسِ
-[رَضِيَ الله عَنْهُ]-
الخِلاَفَ.
وأيضاً، فإنَّه حَجْبْ يتعلق بعدد، فكانَ الاثْنَان أَوَّله كَحَجْبِ البَناتِ [لِبَنَاتِ] الابْنِ، واحتَجَّ أيضاً بأنَّه فَرْضٌ يتعيَّن بعَددٍ، فَكَانَ الاثْنان فيه كالثَّلاثَةِ كفرض البناتِ، فَهَذانِ فَرْضانِ للأُمِّ، ولَهَا فَرْضٌ ثالثٌ في مسأَلَتَيْنِ:
إحداهما: إذَا ماتَتِ امرأةٌ، وخَلَّفَتْ زَوْجاً وأبَوَيْنِ: فللزوجِ النِّصْفُ، وللأمِّ ثُلُثُ ما يَبْقَى، والباقِي للأَبِ.
والثَانيةُ: ماتَ رجُلٌ وخلَّفَ زَوْجَةَ وأبَوَيْن، فللزَّوْجَةِ الرُّبُعُ، وللأمِّ الثُلُثُ ما يَبْقَى، والباقي للأب، وَوَجَّهوهُ بأنَّهُ شارَكَ الأبَوَيْنِ ذُو فَرْضٍ، فيَكُونَ للأمِّ 3 ثُلُثُ ما فَضَلَ عن الفَرضِ، كَمَا لَو شَارَكَتْهَا بنْتٌ، وبأنَّ كُلَّ ذَكَرٍ وأُنْثَى، لو انفَرَداً اقْتَسَما المالَ أَثْلاثاً، وإذا اجتمعا معَ الزَّوْجِ والزوجةِ، وَجَبَ أنْ يكونَ الفاضِلُ عَنْ فَرضِهِما بينهما أثْلاثاً، كالأخِ12
والأُخْتِ، وبأنَّ الأَصْلَ الفرائِضِ أنَّهُ إذَا اجتمعَ ذَكَرٌ وَأُنثَى في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، يكونُ للذَّكَرِ ضعْفُ مَا لِلأُنْثَى.
فَلَوْ جَعَلْنا في زَوْج وأبَوَيْنِ للأمِّ الثُّلُثَ كامِلاً، فَقَدْ فضَّلْنَاها على الأَبِ، ولو جَعَلْنا لَهَا الثُّلُثَ في زَوْجَةٍ وأبَوَيْنِ، لم يَحْصُلْ تفضيلُ الأَبِ عَلَى النِّسْبَةِ المعهُودَةِ.
قَالَ الإمَامُ: وهَذا يُشْكِلُ بمَا إِذَا اجْتَمَعا معَ الابْنِ، ويجوز أن يُحْتَجَّ في المسألَتَيْنِ باتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- قَبْلَ إِظهارِ ابنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الخِلاَفَ، كَمَا احتَجَّ عثمانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في المَسْأَلَةِ السَّابقةِ.
وأعْلَم أنَّ ما تَأخذُهُ الأُمّ في المَسْأَلَةِ الأُولَى سُدُسُ المالِ، وفِي الثانيةِ رُبْعُهُ، إلاَّ أنَّ اللهَ -تَعَالَى- جَعَلَ لَهَا الثُّلُثَ عنْد عَدَمِ الوَلَدِ والإخوةِ، فأَحَبُّوا استيفاءَ لَفْظِ الثُّلُثِ مُوَافَقَةً للقُرْآنِ.
وقولُهُ في الكتاب "فَلَهَا الثُّلُثُ إلاَّ فِي أَرْبَع مسَائِلَ" أرادَ بالمسألةِ الثَّالِثَةَ: أنْ يكُونَ للمَيِّتِ وَلَدٌ أو وَلَدُ ابْنٍ، وبالرَّابعَةِ: أنْ يكُونَ لهُ اثنانِ من الإخوةِ، والأخَوَاتِ فَصَاعِداً، وليْسَ في بناء فَرْضِهِمَا على الثُّلُثِ، واستثْناءِ المَسَائِل الأَرْبَعِ كثيرُ غَرَضٍ، ولو بني على السُّدُسِ واستَثْنَى ثلاث مسائِلَ: زوجٌ وأَبَوَانِ، وزوجةٌ أبوانِ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ وَلاَ وَلَدُ ابْنٍ ولا اثنانِ مِنَ الإخْوَةِ والأَخَوَاتِ كانَ مِثْلَهُ أوْ قَرِيبًا مِنْهُ.
ولَكَ أنْ تُعْلِمَ قَوْلَهُ "فَلَهَا في المَسْأَلَتَيْنِ ثُلُثُ مَا يَبْقَى" [بالوَاوِ]؛ لأنَّ الشَّيْخَ أَبَا حاتمٍ القَزوِينيَّ -رَحِمَهُ الله- لَمَّا حَكَى مَذْهَبَ ابْنِ عبَّاسٍ في زَوْجٍ وأبَوَيْنِ، وهو أنَّ للأمِّ الثُّلُث كاملًا، قَالَ: وبِهِ قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي أبَا الحَسَنِ بْنَ اللَّبَّانِ.
ورأيت في "الإيجاز" من جمع الأَخْذَ بقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في الصورَتَيْنِ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا الجَدَّةُ) فَلَهَا السُّدُسُ أَبَدَاً وَهِيَ الَّتِي تُدْلي بِوَارِث، وَلا شَيْءَ لأُمِّ أَبِ الأُمِّ لِأَنَّها تُدْلِي بِغَيْرِ وارِثٍ، فَكُلُّ جَدَّةٍ تُدْلي بِمَحْضِ الإنَاثِ كَأَمِّ أُم الأُمِّ، أَوْ بِمَحْضِ الذُّكُورِ كَأُمِّ أَبِ الأَبِ، أَوْ بمحْضِ الإِنَاثِ إِلى مَحْضِ الذُّكُورِ كَأُمِّ أمِّ أَبِ أَبِ الأَبِ فَإِنَّها تَرِثُ (م)، وَإِذَا دَخَلَ في نَسَبِها اِلَى المَيِّتَ ذَكَرٌ بَيْنَ الأنْثُيَيْنِ لَمَ تَرِثْ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ كُلَّ جَدَّةٍ تُدْلِي بِذَكَرٍ فَلا تَرِثُ إِلاَّ أُمَّ الأَبِ وَأُمَّهَاتِهَا مِنْ قِبَلِ الأُمِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَنْ قُبيصةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: جَاءَتِ الجَدَّةُ إلَى أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تَسْألُهُ عَنْ مِيرَاثِهَا، فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ شَيْءٌ، وَمَا عَلمْتُ لَكِ في سُنَّةِ
رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- شَيْئاً، فارْجِعِى، حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةُ: شَهِدتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقامَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلَمَةَ الأنْصَارِيُّ، فَقَالَ مِثْلُ مَا قَالَ المُغِيرَةُ، فأَنْفَذَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ السُّدُسَ.
ثُمَّ جاءَتِ الجَدَّةُ الأُخْرَى إلَى عُمَرَ تَسْأَلُهُ مِيرَاثُهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ فِي كتابِ اللهِ شَيْءٌ، وَمَا كَانَ القَضَاءُ الَّذِي قَضَى بِهِ إلاَّ لِغَيْرِكِ، وما أنا بِزائدٍ في الفَرائِض شَيْئاً، ولكنْ هُوَ ذَلِكَ السُّدُسُ، فإنِ اجْتَمَعْتُمَا، فَهُوَ بَيْنَكُمَا، وَأَيُّكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا 1.
وعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- جَعَلَ للجَدَّةِ السُّدُسُ 2، إذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ.
والكلامُ في الجَدَّةِ في فُصُولٍ، مِنْهَا في جهتها، وسيَأْتِي [إنْ شَاءَ الله -تَعَالَى-] في "فَصْلِ الحَجْبِ".
ومِنْها بيانُ الَّتي تَرِثُ مِنَ الجَدَّاتِ، والتي لاَ تَرِثُ، فترِث أمُّ الأمِّ، وأمَّهَاتُهَا المُدْلِياتُ بمَحْضِ الإنَاثِ، وأُمُّ الأَبِ، وَأمَّهَاتُها كَذَلِكَ 3.
وقد رُوِيَ عَن القاسِم بْن مُحمَّدٍ أنه قَالَ: جَاءَتِ الجَدَّتانِ إِلَى أبِي بَكْر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَأَعْطَى أُمَّ الأُمِّ المِيرَاثَ 4 دُونَ أُمِّ الأَبِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الأنْصَارِ: أَعْطيْتَ الَّتِي لَوْ
مَاتَتْ، لَمْ يَرِثِهَا، ومَنَعْتَ الَّتِي لَوْ مَاتَتْ وَرِثَهَا، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- السُّدُسَ بَيْنَهُمَا 1.
وفِي أُمِّ أب الأبِ وأمِّ من فَوْقَهُ مِنَ الأَجْدَادِ وأُمَّهَاتِهِنَّ قَوْلاَنِ للشَّافِعِيِّ [-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-]، ورِوَايَتَانِ عن زَيْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-:
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُنَّ وَارِثَاتٌ 2، وبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لِمَا رُويَ أَنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَعْطَى السُّدُسَ ثَلاَثَ جَدَّاتٍ؛ جَدَّتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الأبَ وَوَاحِدَةً مِنْ قِبَلِ الأُمِّ 3؛ وَلِأَنَّهُنَّ جَدَّاتٌ مُدْليَاتٌ بِالْوَارِثِينَ فَأَشْبَهْنَ أُمَّ الأبِ.
والثَّانِي: رَوَاهُ أبو ثور عَنْ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَبهِ قَالَ مالِكٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-؛ أَنَّهُنَّ لاَ يَرِثْنَ؛ لِأَنَّهُنَّ مُدْلِيَاتٌ بِجَدٍّ فَأَشْبَهْنَ أُمَّ أَبِ الأمِّ.
وقَالَ أَحْمَدُ: لاَ يَرِثُ مِنَ الجَدَّاتِ إلاَّ ثَلاَثٌ: أُمُّ الأُمِّ، وأمُّ أم الأبِ وأُمُّ أبِ الأَبِ، وأُمَّهَاتُهُنَّ.
وأمَّا الجَدَّةُ الَّتِي تُدْلِي إلى المَيِّتِ بذَكَرٍ بَيْنَ أُنْثَيَيْنِ، كأُمِّ أب الأم، فإنَّها لاَ تَرِثُ، كَما لاَ يَرِثُ ذَلِكَ الذَّكَرُ، بَل هُمَا مِنْ ذَوِي الأرْحَامِ، كَمَا قَدَّمْنَا.
إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فَفِي ضَبْطِ الجَدَّاتِ الوَارِثَاتِ عَلَى القَوْلِ الصَّحِيحِ عِبَارتَانِ، ذَكَرَهُمَا في الكِتَابِ:
إحداهما: أَنْ يُقَالَ: الوَارِثَاتُ؛ كُلُّ جَدَّةٍ تُدْلي بِمَحْضِ الإناث أَوْ بِمَحْضِ الذكور أو بمحضِ الإناث إلى محضِ الذكورِ.
والثَّانِيَّةُ: أنْ يُقَال: الَّتِي لا تُدْلِي بمَحْضِ الوَارِثينَ غَيْرُ وَارِثَةٍ والبَاقِيَاتُ وَارِثَاتٌ عَلَى مذْهبِ مالكٍ، والقَوْلُ الذي رَوَاهُ أبُو ثَوْرٍ لاَ يَرِثُ مِنَ الجَدَّاتِ مَنْ تُدْلِي بِغَيرِ وَارِثٍ، وَلاَ
مَنْ وقع آخِرِ نَسَبَهَا، أبوانِ فَصَاعِداً، وعلَى مَذهب أحْمَد، ولا الَّتِي يَقَعُ في نسبها ثَلاثَةُ آباءِ.
وقولُهُ في الكتاب "وهِيَ الَّتِي تُدْلِي بِوَارِثٍ" يَعْنِي أنَّ الجَدَّةَ التي لَهَا السُّدُسُ هِيَ الَّتِي تُدْلِي بوارِثٍ، أو مَا أشْبَهَهُ، وإنْ كَانَ المَذْكُورُ مُطْلَقَ الجَدَّةِ.
وَيجُوزُ أنْ يُعْلَمَ قَولُهُ "فَإِنَّهَا تَرِثُ" بالمِيمِ والألفِ؛ فإنَّهُنَّ لا يَرِثْنَ جميعاً عِنْدَهُمَا، بلْ فِيهِ التَّفْصِيلُ المَذْكُورُ، والقَوْلُ المَذْكُورُ [آخِراً هوَ] الَّذِي رَوَاهُ أَبُو ثَوْرٍ.
ومنها: بيانُ فرضها، وهُوَ السُّدُسُ.
إذا اجتَمَعَت جَدَّتَانِ وارِثتانِ فَصَاعِداً، اشْتَرَكْنَ في السُّدُسِ، ولمْ يَزِدْ حَقُّهُنَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الأخْبَارِ والآثَارِ، فإنْ كَانَتْ إِحْدَى الجَدَّتَين تُدْلِى بِجِهَتَيْنِ؛ كالمرأَةِ تُزَوِّج ابْنَ بِنْتِهَا بِبِنْتِ بنتها الأُخْرَى، فَيُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ، فَهَذِهِ المَرْأَةُ أُمُّ أمِّ أبِيهِ، وأُمُّ أُمِّ أمِّه، فإِذَا ماتَ الوَلَدُ، وخَلَّفَ هذهِ الجَدَّةَ وجَدَّةً أُخْرَى هِيَ أُمُّ أَبِي أَبِيهِ، فالمَذْهَبُ أنَّهُ يُسَوِّى بَيْنَهُمَا في السُّدُسِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ.
وعن ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي عُبَيْد بْنِ حَرْبَوَيْهِ أَنَّ ثُلُثَى السُّدُسِ لِصَاحِبَةِ القَرابَتَيْنِ، وثُلْثُهُ لِلْأُخرَى تَوْرِيثاً لَهَا بالجِهَتَيْنِ، كَمَا يَرِثُ ابْنُ العَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ لأُمِّ من الجِهَتَيْنِ، ومَنْ نَصَرَ المذْهبَ قَالَ: إِنَّمَا يُوَرَّثُ بالقَرَابَتَيْنِ، إِذَا اخْتَلَفَتَا، والجُدُودَةُ قَرَابَةٌ واحِدَةٌ.
ومِنْ هَذَا القَبيلِ ما إِذَا نَكَحَ ابْنُ ابن المَرْأَةِ بِنْتَ بِنْتِهَا، فَوُلدَ لَهُمَا وَلَدٌ، فالمَرْأَةُ أُمُّ أَبِي أَبِيهِ، وأُمُّ أُمِّ أُمِّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الوَاحِدَةُ جَدَّةً من ثَلاَثَةِ أوجُهٍ وأكْثَرَ، كَمَا إذَا نَكَحَ الوَلَدُ في المثالَيْنِ حافدةً أخْرَى لِتِلْكِ المَرْأَةِ، وَوُلِدَ لَهُمَا وَلَدٌ، تكُونُ المَرْأَة جدَّةً للوَلَدِ الثَّانِي من ثَلاثةِ أوْجُهٍ، وَيجْرِي الخَلافُ فِيهَا، فَعَلَى المَذْهَبِ يُوَزَّعُ السُّدُسُ علَى الرؤوسِ، وَعَلَى الوَجْهِ الآخَرِ يُوزَّع علَى الجِهَاتِ.
ومِنْهَا القَوْلُ في تَنْزِيلِ الجَدَّاتِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ في الكِتَاب، وتَلْخِيصُ مَا قِيَل فِيهِ عَلَى طُولِهِ أنْ يقالَ: لَكَ أَبٌ، وأَمٌّ، وهُمَا الوَاقِعانِ في الدرجَة الأُولَى من درجاتِ أُصُولكَ، ثُمَّ لِأَبِيكَ أبٌ، وكَذَلِكَ لِأُمِّكَ، فالأربعةُ هُمُ الوَاقِعُونَ في الدرَجَةِ الثَّانِيةِ من دَرَجَاتِ أُصُولِكَ، وهَذِهِ الدَّرَجَةُ هي الأُولَى من دَرَجَاتِ الأَجْدَادِ وَالجَدَّاتِ، ثُمَّ أُصُولكَ في الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ ثَمَانِيَةٌ؛ لأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأربْعَةِ أَباً وأُمّاً، فَتُضْرَبُ الأَرْبَعَةُ في اثْنَيْنِ، وفي الدَرجةِ الرَابِعَةِ: سِتَّةَ عَشَرَ، وفِي الخَامِسَةِ: اثنَّانِ وَثَلاثُون كمِثْلِ ذَلِكَ، والنِّصْفُ مِنَ الأصُولِ في كلِّ دَرَجةِ ذُكور، والنصفُ إنَاثٌ، وهُنَّ الجدَّاتُ، ففي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ من الأُصُولِ جَدَّتانِ، وفِي الثَّالِثَةِ أرْبعٌ، وفي الرَّابِعَةِ ثَمَانٍ، وفي الخَامِسَةِ ستةَ عَشَرَ، وهَكَذَا يتضَاعَفُ عَدَدُهُنَّ في كُلِّ درجةٍ، ثُمَ مِنْهُنَّ وارثاتٌ وغَيْرُ وَارِثَاتٍ، فإذا سُئِلْتَ عنْ عَدَدٍ
مِنَ الجَدَّاتِ الوارثاتِ عَلَى أقْرَبِ ما يُمْكِن مِنَ المِنَازِلِ، فاجْعَلْ درجهن بالعَدَد الذي سئَلْتَ عنْهُ، ومحض نسْبة الأولى إلى المَيِّتِ منْ أُمَّهات، ثُمَّ أَبْدِلْ منْ آخر نسبة الثانية أمّا بأبٍ، وفي آخِر نِسْبة الثاليةِ أُمَّيْن بأبوَيْنِ، وهَكَذَا يَنْقُصُ منْ الأُمَّهَاتِ، وتَزِيدُ في الآبَاءِ حتَّى تتمحضن نِسْبَةُ الأخيرة آباء.
مثاله: سُئلْتَ عنْ أَرْبَع حَدَّاتٍ، فقُلُ: هُنَّ: أُمُّ أُمِّ أُمِّ أُمِّ، وأُمُّ أُمِّ أُمِّ الأب، وأم أم أبي أب وأم أبي أبي أب، فالأولى منْ جِهةِ أُمِّ الميِّتِ، والثانية منْ جهةِ أبِيهِ، والثَّالِثةُ مِنْ جِهَةِ جَدِّهِ، والرابعةُ مِنْ جِهةِ أبِي جَدِّهِ، وَهَكَذَا، إذاً زدتَّ، زدتَّ لكلِّ واحدةٍ أَباً.
وإذا أردتَّ معرفةَ مَنْ يُحَاذى الوَارِثَاتِ مع السَّاقطَاتِ، فإنْ كَانَ السُّؤالُ عن جدتَيْنِ على أقرب ما يُمْكِنُ، فلَيْسَ في دَرَجَتِهِما غَيْرُهُمَا، وإنْ كَانَ السُّؤالُ عن أكثر، فَأَلْقِ مِنْ عَدَدِ الوَارِثَاتِ اثْنَيْنِ أبداً، وضَعِّفِ الاثْنَيْنِ بعَدَدِ ما بَقيَ مِنْهُنَّ، فما بَلَغَ، فَهُوَ عَدَدُ الجَدَّاتِ، في تِلْكَ الدرجةِ الوَارِثَاتُ والسَّاقِطَاتُ، فإذَا أَسْقَطْتَ مِنْهُنَّ الوَارِثَاتِ، فَالباقِيَاتُ السَّاقِطَاتُ.
مِثَالُهُ: خُذِ مِنَ الأربعِ اثْنَيْنِ وَضَعِّفُهمَا مَرَّتَيْنِ؛ لأنَّ البَاقِي اثْنَانِ، فيبلغُ ثَمَانِيَةٌ، فَهُنَّ عَدَدُ الوَارِثَاتِ والسَّاقِطَاتِ، فإذا فَرَضْتَ ثَلاَثَ جَدات؛ فخُذ منْ الثلاثةِ اثْنَتَيْنِ وضَعِّفهُمَا مرَّة: لأنَّ البَاقِي واحدٌ، فيبلغ أربَعةً، فَهِيَ عددهُنَّ وفي هذهِ الدَرَجَة ثلاثُ وارثات، ووَاحدةٌ ساقطةٌ، واعْلَمْ أنَّ الوارثاتِ في كلِّ درجةٍ من درجاتِ الأُصُولِ بعَدَد تلْكَ الدرجَة، ففي الثانيةِ اثْنتانِ، وفي الثالثةِ ثلاثٌ، وفي الرابعة أرْبَعٌ، وهَكَذَا في كلِّ درجةٍ لا تزيدُ إلاَّ وَارِثةٌ واحدةٌ، وإنْ تَضَاعَفَ عَدَدُهُنَّ في كلِّ درجةٍ، وسَبَبُهُ أنَّ الجَدَّاتِ ما بَلَغْنَ نِصْفَهُنَّ منْ قِبَل الأُمِّ، ونِصْفَهُنَّ منْ قِبَلِ الأب، ولا يَرِثُ منْ قِبَلِ الأمِّ إلاَّ وَاحِدَةٌ، والبَاقِيَاتُ مِنْ قِبَلِ الأَبِ، فإذَا صَعَّدْنَا درجةً، تبدّلَت كلُّ واحدةٍ مِنْهُنَّ بأُمِّهَا، وزَادَتْ أُمُّ الجَدِّ الَّذِي صَعَّدْنَا إليه، ولا يُخْفَى أنَّ مُعْظَمَ مَا ذَكَرنَا مِنْ تنزيلِ الجَدَّاتِ مبنيٌّ علَى القَوْلِ الصَّحيحِ، فأمَّا عَلَى ما رَوَاهُ أَبُو ثَوْرٍ، فلا يرثِ إلا جَدَّتَانِ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا الأَبُ وَالجَدُّ) فَلِلْأَبِ السُّدُسُ بِالفَرِيضَةِ المَحْضَةِ إنْ كَانَ لِلمَيِّتِ وَلَدٌ ذَكَرٌ وَارِثٌ (م)، وَلَهُ كُلُّ المَالِ أَوْ مَا بَقِيَ بِالغُصُوبَةِ المَحْضَةِ إِذَا لَمْ يَكُنِ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَارِثٌ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أُنْثَى وَارِثَةٌ فَلَهُ السُّدُسُ بالفَرِيضَةِ، وَمَا يَبْقَى مِنَ الفَرَائِضِ بالعُصُوبَةِ، وَيُجمَعُ بَيْنَ الفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: للأب في الميراثِ ثَلاَثُ حالاتٍ: حالةٌ يَرِثُ فِيها بمحضِ الفَرْضِيَّةِ، وهِيَ أنْ يَكُونَ مَعَ الأبَ ابْنٌ أو ابْنُ ابْنٍ، فلهُ السُّدُسُ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11] والبَاقِي للابن أو ابن الابنِ، لأنَّهُمَا أَقْوَى في العُصُوبَةِ.
وحالةٌ يَرِثُ فِيهَا بمحْضِ التَّعْصِيب وهيَ ألاَّ نُحَلِّفَ غيرَهُ فلهُ جميعُ المالِ بالعُصُوبَةِ، وكذَا إذَا اجْتَمَعَ مَع ذِي فَرْضٍ، لَيْسَ بولَدٍ ولاَ ولدِ ابْنٍ؛ كزوْجٍ وأمٍّ أو جَدَّةٍ، فيَأخُذُ ذو الفَرْضِ فرْضَهُ، والبَاقِي للأَبِ بالعُصُوبَةِ.
وحالةٌ يَرِثُ فيهَا بالجهتَيْنِ معاً، وهِيَ ما إذَا اجتمعَ معهُ بنْتٌ أو بنتُ ابْنٍ، فلهُ السُّدُسُ بالفَرْضِيَّةِ؛ لأنَّ الآيَةَ لَمْ تَفْصِلْ بينَ أنْ يكُونَ الوَلَدُ ذَكَرًا أو أُنْثَى، والبَاقِي بعدَ الفَرْضِ يأخذُهُ بالعُصُوبَةِ؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "فَمَا أَبْقَتِ الفَرائِضُ، فَلأِوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" 1.
قَالَ الإمَامُ: الجَمْعُ بَيْنَ الفَرْض والتَّعْصِيب يتَّفِقُ في صُوَرٍ: كَزَوْجٍ هُوَ مُعْتِقٌ، أَوْ ابْنُ عَمٍّ، وكابْنَيْ عَمٍّ، أحَدُهُمَا أَخٌ لَأُمّ، لكنَّهُ يسَتَنِدُ إلَى سَبَبَيْنِ مختَلِفَيْن، فأَمَّا الجَمْعُ بَيْنَهُمَا بسَبَب واحَدٍ، وهُوَ الأُبُوَّةُ، فقد امتازَ بِهِ الأبُ عَنْ سَائِرِ الوَرَثَةِ، وهَل الجَدُّ كالأَبِ؟ فيهِ؟ اختَلَفَ الفَرَضِيُّونَ فمِنْ قَائِلٍ نَعَمْ، وبهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ، ومِنْ قَائِلٍ لاَ يَقُولُ: للبنْت النِّصْفُ، والبَاقِي للجَدِّ؛ لأَنَّا إِنَّمَا جَمَعْنَا بين الجِهَتَيْنِ في حَقِّ الأَبِ 2 والمشهورُ أنَّه كالأبِ؛ لِظاهِرِ الآيةِ، وهَذَا الخِلاَفُ يَرْجِعُ إلى العِبَارَةِ، وما يأخذَ أنه واحدٌ.
وقولُهُ في الكتَاب: "إنْ كَانَ للمَيِّتِ وَلَدٌ ذَكَر وَارِثٌ" وقولُهُ بَعْدَ ذَلِكَ "فإنْ كَانَ لِلميِّتَ وَلَدٌ أنْثَى وَارِثَةٌ" تطويلُ لفظٍ لاَ حاجةَ إليه؛ لأنَّ الابْنَ يَقُوم مَقَامَ الوَلَدِ [الذَّكَرِ، والبِنْتَ مَقَامَ الوَلَدِ] 3 الأنْثَى.
وأمَّا الوراثة فسيأْتِي، [إنْ شَاءَ الله تَعَالَى]، أنّ من لا يَرِثُ، لاَ يَحْجُبُ [بحالٍ]، بل وجُودُهُ كَعَدَمِهِ والأصولُ الكلَّيةُ لا تتكرر في آحادِ الصُّوَرِ، وإنْ تَوَهَّمَ مُتَوهمٌ أنَّ الغَرَضَ مِنْ هَذَا اللَّفْظ أنْ يَتَنَاوَلَ وَلَدَ الابْنِ، ومَنْ وصَفَه بالإرْث أنْ يَخْرُجَ وَلَدُ البنْتِ، فَلَيْسَ بقَوم؛ لأنْ تَنَاوُلَ الوَلَدِ لِوَلَو الابْنِ كتَنَاوُلِ الابْنِ والبِنْتِ لوَلَدِ الابْنِ والبنتِ ولا فرقْ.
قال الغَزَالِيُّ: وَالجَدُّ في مَعْنَى الأَب، إِلاَّ في مَسْأَلَتَيْنِ (إِحْدَاهُمَا) أَنَّ الأَبَ يُسْقِطُ الاِخْوَةُ وَالجَدُّ يُقَاسِمُهُمْ (ح) (الثَّانِيَةُ) أَنَّ الأَبَ يَرُدُّ الأُمَّ إِلَى ثُلُثِ مَا يَبْقَى إِذَا كَانَ فِي الْمَسْاَلَةِ زَوْجٌ وَأَبَوَانِ، أَوْ زَوْجَةٌ وَأَبوَانِ، وَالجَدُّ لاَ يَرُدُّهَا بَلْ لَهَا مَعَ الجَدِّ الثُّلُثُ كَامِلاً.
في بيان المسائل المستثناة من مشابهة الجد الأب
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجدُّ كالأب في الميراثِ إلاَّ في مسائِلَ:
إحداها: الأَبُ يُسْقِطُ الإخوةُ والأَخَوَاتِ، والجَدُّ لا يُسْقِطُهُمْ، إذَا كَانُوا مِنَ الأَبَوَينِ أو منَ الأَبِ، بل يُقَاسِمُهُمْ، والكَلاَمُ في الطَرَفَيْنِ سيأتي.
والثانيةُ: الأَبُ يردُّ الأمِّ إلى ثُلُثِ ما يَبْقَى في صورتَيْن: زوج وأبَوَيْنِ، وزوْجَةٍ وأبوَيْنِ، كَمَا سَبَقَ، ولَوْ كَانَ في المَسْأَلَةِ زَوْجٌ وَجَدٌّ، وأُمٌّ أو زوجةٌ وَجَدٌّ وأمٌّ، فالجَدُّ لاَ يَرُدُّهَا إلى ثُلُثِ مَا يَبْقَى بَلْ لَهَا الثُلُثُ كَامِلاً؛ لأَنَّ الجَدَّ لا يُساوِيها في الدَّرَجَةِ، فلا يَلْزَمْ تَفْضِيلُهُ عَلَيْهَا.
والثَّالِثَةُ: الأَبُ يُسْقِطُ أُمَّ نَفْسِهِ، وأُمُّ كُلِّ جَدٍّ، والجَدُّ لاَ يُسْقِطُ أُمَّ الأَب، وإنْ أَسْقَطَ أُمَّ نَفْسِهِ وسيَعُودُ هَذَا في الحَجْبِ، وأبو الجَدِّ ومَنْ فَوْقَهُ كَالجَدِّ، لكنْ كُلُّ واحِدٍ يَحْجُبُ أُمَّ نَفْسِهِ، ولاَ يَحْجُبُهَا مَنْ فَوْقَهُ، وَإِذَا لَمْ يَجْمَع الجَدُّ بينَ الفَرْضِ والتَّعْصِيب، كَانَ الجَدُّ مُفَارِقاً فِيهِ أَيضاً، لكنَّ تلْكَ كل المفارقة لفَظِيَّةٌ (1)، ولا يَخْفَى بعد هَذَا أنَّ الاسْتِثْنَاءَ غَيْرُ مُنْحَصِرِ فِيمَا ذَكَرَهُ في الكِتَابِ، وأَنَّ قَوْلَهُ "والجَدُّ يُقَاسِمُهُمْ" غيرُ مُجْرى علَى إطلاقِهِ، ثُمَّ يجوزُ أن يُعْلَمَ بِرُقُومِ مَنْ يُخَالِفُ في مقَاسَمَةِ الجَدِّ والإِخْوَةِ وسَنَذْكُرُهُمْ.
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا الأَوْلاَدُ) فَالابْنُ الوَاحِدُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ المَالِ، وَكَذَا الجَمَاعَةُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أُنْثَى فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَلِلْبِنْتِ الوَاحِدَةِ النِّصْفُ، وَلِلْبِتتَيْنِ فَصَاعِداً الثُّلْثَانِ، وَأَمَّا أَوْلاَدُ الابْنِ إِذَا انْفَرَدُوا فَحُكْمُهُمْ حُكمُ أَوْلاَدِ الصُّلْبِ.
"
فصل في الأولاد
" قَالَ الرَّافِعِيُّ: الابْنُ الوَاحِدُ يستغرِقُ جَمِيعَ المال بالإِجْمَاعِ، ثُمَّ استَأْنَسُوا بوجْهَيْنِ.1
أَحَدُهُمَا: أنَّه أَقْوَى مِنَ العَصَبَاتِ، وهَذَا شَأْنُ العَصَبَةِ إِذَا انْفَرَدُوا.
والثاني: أنَّ منْ خَلَّفَ ابْناً وبنْتاً، أَخَذَا الابْنُ ضِعْفَ ما أخَذَتِ البنْتُ، إذا انْفَردَتْ تأْخُذُ النِصْفَ، والابن إذا انفردَ وجَبَ أنْ يأْخُذَ ضعْفَها، وهو الكُلُّ، وكذلك الاثنانِ والجماعةُ منَ الأبناء يستغرقُونَ المَالُ للبنْتِ الواحدَةِ النِّصْفُ؛ لقولهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: 11] وللبنتَيْنِ فصاعداً الثُّلُثَانِ؛ لما رُوِيَ أنَّ امرأةً مِنَ الأَنْصَار أَتَتْ رسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَمَعَها ابنتان، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هاتان ابْنَتَا سَعْدٍ بْنِ الرَّبِيع، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَك يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَخَذَ عَمُّهُمَا مَالَهُ، ووَاللهِ، لا تُنْكَحَانِ وَلاَ مَالَ لَهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: يَقْضِي اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ فَنَزَل قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11] فَدَعَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- المرأةَ وَصَاحِبَهَا، فَقَالَ: "أَعْطِ البِنْتَينِ الثُّلُثَيْنِ، وَالْمَرأَةَ الثُّمُن وَخُذِ الْبَاقِي" 1.
ولَمَّا بينت السُّنَّةُ ذلك، قيل: كلمةُ "فَوْقَ" زائِدَةٌ كقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: 12]، وقيلَ: المعنى اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا.
وإذَا اجتَمَعَ البَنُونُ والبَنَاتُ، فللذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ [النساء: 11] الآية.
هَذَا حُكمُ أَوْلادِ الصُّلْب، إِذَا انْفَرَدُوا، ولَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ أولادُ الابْنِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ أولادِ الابْنِ، إِذَا انْفَرَدُوا بِلاَ فَرْقٍ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَإذَا اجْتَمَعَ أَوْلاَدُ الصُّلْبِ وَأَوْلاَدُ الابْنِ فَإِنْ كَانَ في أَوْلاَدِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ سَقَطَ أَوْلاَدُ الابْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نُظِرَ، فَإِنْ كانَتْ بنْتٌ وَاحِدَةٌ فَلَهَا النِّصْفُ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلى أَوْلاَدِ الابْنِ فَإِنْ كانَ فِيهِمْ ذَكَرٌ فَالبَاقِي بَيْنَهُمْ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرٌ فَسَوَاءٌ كانَت بِنْتٌ وَاحِدَةٌ أَوْ بَنَاتٌ فَلَهَا أَوْ لَهُنَّ السُّدُسُ تكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، أَمَّا إِذَا كَانَ مِنَ الصُّلْبِ بِنْتَانِ فَصَاعِداً فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَوْلاَدِ الابْنِ ذَكَرٌ سَقَطْنَ إِذْ لَمْ يَبْقَ منْ فُرُوضِ البَنَاتِ شَيْءٌ وَهوَ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ذَكَرٌ فَلَهُ المَالُ، أَوْ ذَكَرُ مَعَ الأُنْثَى فَالمَالُ لَهُمْ، وَتَتَعَصَّبُ الأُنْثَى بِأَخِيهَا، وكَذَا بِذَكَرٍ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهَا كَابْنِ أَخِيهَا أَوْ ابْنِ ابْن أَخِيهَا وَإِنْ سَفَلَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذَا اجْتَمَعَ أوْلاَدُ الصُّلْب وأولادَ الابْنِ، إِمَّا مِنْ ابْنٍ واحدٍ، أو مِنْ ابْنَينِ فصاعداً، فإمَّا أنْ يَكُونَ فِي أولادِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ، فَلاَ شَيْءَ لأولادِ الابْن، بل يحْجُبُهُمْ لقُرْبِهِ، أو لاَ يَكُونَ، فَوَلَدُ الصُّلْبِ، إمَّا بنْتٌ وَاحِدَةٌ أو أَكْثَرُ، وإن لمْ يَكن إلاَّ بنتٌ وَاحِدَةٌ، فَلَهَا النِّصْفُ، ثُمَّ يُنْظَرَ: فإنْ كَانَ وَلَدُ الابْنِ ذَكرًا، فَالبَاقِي لَهُ، وكَذَا لَو وُجدَ ذَكَرانِ أو ذُكُورٌ، وإنِ اجْتَمَعَ ذُكُورٌ، وإنَاثٌ، فالبَاقِي بَينَهُمْ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وإنْ كَانَ وَلَدُ الابْنِ أنثى واحدةً، فلَهَا السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَينِ؛ لِمَا رُوِيَ عَن هزيل بن شُرَحْبيلَ -بالزاي- أنه قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنِ وَأُخْتٍ، فَقَالَ: لِلْبنْتِ النِّصْفُ، وللأخت النِّصْفُ، وَائْت ابْنَ مَسْعُودٍ فسَيُتَابِعُني فسئِلَ ابْنَ مَسْعُودٍ، وأُخَبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذنْ وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ، لأَقْضِيَنَّ فِيهَا بَمَا قَضَى النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: لِلبِنْتِ النِّصْفُ، ولبِنْتِ الابْنِ السُّدُسُ [تكملة الثلثين] وَمَا بَقِيَ فللأخت، فَأَتيْنَا أَبَا مُوسَى، فَأَخبَرْنَاهُ بقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لاَ تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحِبْرُ فِيكُمْ وبَينَكُم 1. وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فصاعداً، فالسُّدُسُ لَهُنَّ؛ لأنَّ البَنَاتِ لاَ يَسْتحْقِقْنَ أكْثَرَ مِنَ الثُّلُثَيْنِ، فَالبِنْتُ وبنتُ الابنِ أَوْلَى بذَلِكَ؛ لأنَّ البَنَاتِ يُسَوَّى بَينَهُنَّ، وتُرَجِّحُ البِنْتُ عَلَى بناتِ الابنِ لقُرْبِها، وإنْ كانَ منْ أولادِ الصُّلْبِ بنتَانِ فصَاعِداً، فَلَهُنَّ الثُّلْثَانِ، ولَاَ يُفْرَضُ لِبَنَاتِ الابْن شيء؛ لأنَّهُنَّ إنَّمَا يَأخُذْنَ الثُّلُثَيْنِ عِنْدَ عَدَمِ البَنَاتِ أوْ مَا بَقِيَ مِنَ الثُّلُثَيْنِ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ هَذَا السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، لكِنْ لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ أوْ أسْفَلَ مِنْهُنَّ ذَكَرٌ عَصَّبَهُنَّ وكانَ البَاقِي بينهُمْ للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ، وأمَّا تَعْصِيبُ مَنْ في دَرَجَتِهنَّ إيَّاهُنَّ، فَكَمَا يُعَصِّبُ الابنُ البَنَاتِ، والأخُ الأخَوَاتِ، والَّذِي في دَرَجَتِهِنَّ قَدْ يَكُونُ أَخاهُنَّ، وقَدْ يكُونُ أَخَا بعضِهِنَّ، ويُسمَّى [الأخ] المبارَكَ، وَقَدْ يكونُ ابْنَ عَمِّهِنَّ، وأمَّا تَعْصِيبُ منْ هُوَ أسْفَلُ مِنهُنَّ؛ فلأنَّه لاَ يُمْكِنُ إسْقَاطُهُ؛ لأنَّهُ عَصَبَةٌ ذَكَرٌ، [وَأَمَّا إذَا] لَمْ يَسْقِطْ، فَكَيْفَ يَجوزُ حرْمانُ منْ فَوْقَهُ؟ وكيفَ يُفرَدُ بالمِيرَاثِ مع بُعْدِه، ولَوْ كَانَ في دَرَجَتِهِنَّ، لَمْ يُفْرَدْ مَع قُرْبِهِ، ولهذَا لاَ يُعَصِّبُ منْ هِيَ أسفَل مِنْهُ، ولا يُعَصِّبُ التي فَوْقَهُ، إذَا أخذَتْ شَيْئاً، وذَلِكَ فيما إذَا خَلَّفَتْ بنتُ صُلْبٍ واحِدَةً، وبنتَ ابْنٍ، وابنَ ابْنِ ابنٍ، وبنْتَ ابنِ ابنٍ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، ولبنْتِ الابْنِ السُّدُسُ، والبَاقِي بَيْنَ الأسْفَلين أَثْلاَثاً [لأنَّ الَّتِي فَوْقَهُ غَيُر مَحْرُومةٍ، فَجَرَيْنَا علَى القِياسِ، وأَوْلادُ ابنِ الابنِ مَعَ أولادِ الابنِ، كأولادِ الابْنِ معَ أولاد
الصُّلْبِ، في كلِّ تفصيلٍ، وَكَذَا في كُلِّ دَرَجَةٍ نَازِلَةٍ مَعَ درجةٍ عَالِيَّةٍ] (1) حَتَّى؛ إِذَا خَلَّفَ بنْتَ ابْنٍ وبنْتَ ابْنِ ابْنٍ، فللْعُليا النِّصْفُ، وللسفلى السُّدُسُ، ولوْ خَلَّفَ بنتَي ابْنِ وبنْتَ ابْنِ ابنٍ، فَلِبِنْتَيْ الابنِ الثُّلثَانِ، ولَيْسَ للسُّفْلَى شيْءٌ، إلاَّ أنْ يكُونَ في دَرَجَتِهَا أوْ أسْفَلَ مِنْهَا مَن يُعَصِّبُها.
وقولُهُ في الكِتَاب: "وتتَعَصَّبُ الأُنْثَى بأَخِيهَا، وَكَذَا بِذَكَرٍ هُوَ أسفَل مِنْهَا كابْنِ أخِيهَا أو ابْنِ ابْنِ أَخِيهَا، وإنْ سَفَلَ هَذَا بَعضُ صُوَرِ [التَّعْصِيبِ، ولَيْسَ يُشْتَرطُ أنْ يَكُونَ المُعَصِّبُ أَخاً أو ابْنَ أخٍ، بلْ قَدْ يكُونُ ابْنَ عَمِّهَا أو ابْنَ ابْنِ عَمِّها، كَمَا سَبَقَ.
قَالَ الفَرَضِيُّونَ: ولَيْسَ في الفَرائِضِ منْ يُعَصِّبُ أُخْتَهُ و] (2) عَمَّتَهُ وَعمَّةَ أبيهِ وجدهِ وبناتِ أَعْمَامِهِ، وبناتِ أَعْمَامِ أبيهِ، وَجَدِّهِ إِلاَّ المستغل (3) منْ أَولادِ الابْنِ، واللهُ أعلمُ.
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ) إِنْ كَانُوا لِأَبٍ وَأُمٍّ فَحُكمُهُمْ عِنْدَ الانْفِرَادِ حُكْمُ أَوْلاَدِ الصُّلْبِ، وَكَذَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ مِنَ الأَبِ إِذَا انْفَرَدُوا فَهُمْ كَإِخْوَةِ الأَبِ وَالأُمِّ، إِلاَّ في المَسْأَلَةِ المُشْتَرِكَةِ، وَهِيَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ وَأَخٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَللأُمِّ السُّدُسُ وَلإِخْوَةِ الأُمِّ الثُّلُثُ، وَلاَ يَبْقَى لِلأخِ مِنَ الأَبِ وَالأمِّ شَيْءٌ فَيُشَارِكُ أَوْلاَدَ الأُمِّ بِقَرَابَةِ الأُمُومَةِ وَيُسْقِطُ إِخْوَةَ الأَب، وَلَوْ كَانَ بَدَلَهُ أَخٌ لِأَبٍ سَقَطَ وَلاَ يُشَارِكهُمْ إِذْ لاَ يُسَاوِيهِمْ في قَرَابَةِ الأُمِّ.
فصل في الإخوة والأخوات
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الإخْوَةُ والأخَوَاتُ: إمَّا أنْ يكونُوا مِنَ الأَبَوَيْن أو مِنَ الأبَ أوْ مِنَ الأَمِّ، فهُمْ ثلاَثَةُ أصنَافٍ، والصِّنْفَان الأَوَّلاَنِ: إمَّا أن يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا أو يَجْتَمِعَا، فَأمَّا عِنْدَ انْفِرَادِهِم، فالإخْوَةُ والأَخَوَاتُ مِنَ الأَبَوَيْنِ كأولادِ الصُّلْبِ، فللذَّكَرِ الوَاحدِ جَمِيعُ المالِ، وكذَا الاثنَان فصَاعِداً، وإنْ ماتَ ولهُ أُخْتٌ، فلَها نِصْفُ مَا تَرَكَ، وإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ، وإنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً ونِسَاءً فلِلذَّكَرِ مِثلُ حِظِّ الأُنْثَيْينِ بنَصِّ القُرْآنِ.
والإخْوَةُ والأخَوَاتُ للأَبِ عِنْدَ الانْفِرَادِ كالْإخْوَةِ والأخَوَاتِ مِن الأبَوَيْنِ إلاَّ فِي المشرَّكَةِ 4، وهِيَ: زَوْجٌ وأُمٌّ وأَخَوَانِ [لأم، وأخوان] لأبٍ وأمٍّ، فلِلزَّوْجِ النِّصْفُ،123
وللأمِّ السُّدُسُ، وللأَخَوَيْنِ لأمِّ الثُّلُثُ، والأَخَوَانِ للأب والأمِّ يُشَارِكَانِهِمَا في الثُّلُثِ، ولا يَسْقِطَانِ، وبِهِ قَالَ مَالكُ، وقَالَ أحمَدُ [وأبُو حَنِيْفَةَ] 1: يَسْقُطَانِ، وحكى؛ أبُو بَكْر بْنُ لاَل قَوْلاً للشَّافِعيِّ -رَضِىَ اللهُ عَنْهُ- وقالَ: لَهُ في المَسْأَلَةِ قَوْلانِ، بحَسَب اخْتِلاَفِ الرِّوَايَةِ عَنْ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- والرَّوَايَةُ عَنْ زَيْدٍ مُخْتَلِفَةٌ، كمَا ذكَرَ، لكَنْ لمْ أَجِدْ لغيرَهُ نقل قول للشافِعيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- في المسْأَلَةِ، نعم ذَهَبَ ابن اللَّبَّانِ إلى الإسْقَاطِ.
وقَالَ أَبُو خَلَفٍ، الطَّبَرِيُّ وهُوَ اختيارُ أسْتَاذِي أبي منْصُور البَغْدَادِيِّ وَوَجْهُهُ: أنَّ الإخْوَةَ مِنَ الأَبَوَينِ عَصَبَةٌ، فإذَا اسْتَغْرَقَتِ الفروضُ المَالَ، سَقَطُوا.
ووجْهُ ظاهرٌ المذْهَب: أَنَّها فَرِيضَةٌ، جَمَعَتِ الإخْوَةَ مِنَ الأَبوَيْنَ، والإخْوَةَ منْ الأمِّ فوَرِثَ الصِّنْفَانِ معاً، كما لَوِ انفردَا، وبأنَّ أولادَ الأمِّ، لو كَانَ بعْضُهُمُ ابْنَ عمٍّ، شارَكَ الآخَريْنِ بقَرابَة الأُمِّ، وإنْ سَقَطَتْ عُصُوبَتُهُ، فالأخُ مِنَ الأَبِ والأمِّ أَوْلَى لأن يكُونَ كَذَلِكَ، ولَكَ أنْ تُعَلِمَ؛ لمَّا نَقَلْنَا قَوْلَه في الكِتَابِ: "فَيُشَارِكُ أَوْلاَدَ الأُمِّ" مَعَ الحاءِ والأَلِفِ بالوَاوِ.
قَالَ الفَرَضِيُّونَ: ولُصُورِ 2 المشترِكَةِ 3 أرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: أنْ يكونَ فِيها: زَوْجٌ.
وأنْ يَكُونَ فيهَا منْ يَأْخُذُ السُّدُسُ منْ أُمٍّ أو جدة 4، وأنْ يكونَ فِيها اثْنَانِ فصَاعِداً مِنْ أولادِ الأُمِّ، وأنْ يكونَ منْ أولادٍ الأب والأمِّ ذكَرٌ، إمَّا وَحَدَهُ أوْ مَعَ ذُكُورٍ أو إِنَاثٍ، وإنْ شِئْتَ، قُلْتَ: أنْ يكُونَ مِنْ أولادِ الأَبِ والأُمِّ عَصَبَةٌ، فإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الأرْكَانُ، فَهُوَ موضعُ الخِلاَفِ المذْكُورِ.
أمّا إذَ لمْ يكن عَصبةً بَلْ كَانَ في المَسْأَلَةِ زَوْجٌ وأمٌّ واثنَانِ مِنَ الأَوْلاَدِ للأمِّ، وأختٌ مِنْ الأبَوَيْنِ أو مِنَ الأَب فَيُفْرَضُ لَها النِّصْفُ ولَوْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، فَيُفْرَضُ لَهُمَا الثُّلُثَانِ وَيُقَالُ المسْأَلَةُ، ولَو كَانَ ولدُ الأمِّ واحِداً، أَخَذَ السُّدُسَ، والبَاقِي للعَصَبَةِ مِن أولادِ الأَب والأمِّ أو الأب 5، ولا بُدَّ مِمَّنْ تَأخُذُ النِّصْفَ والسُّدُسَ؛ لِيَحْصُلَ الاسْتِغْرَاقُ، وتُسمَّى هذِهِ المسأَلةُ المُشْتَرَكَةِ، لِمَا فِيها مِنَ التَّشْرِيكِ بَيْنَ أولادِ الأُمِّ، وأوْلادِ الأَب والأمِّ، والحِمَارِيَّةَ؛ لأنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَانَ لا يُوَرِّثُ أولادَ الأَبِ والامِّ، فقالُوا: هَبْ
أنَّ أبَانَا كَانَ حِمَاراً، أَلَسْنَا من أُمٍّ وَاحِدَةٍ؟ فَشَرَكَهُمْ 1.
ولوْ كانَ بَدَلَ الإخْوَةِ من الأَبِ والأُمِّ إِخوة منَ الأَب، سَقَطُوا بالاتِّفَاقِ؛ لأنَّه لَيْسَ لَهُمْ قَرَابَةُ الأُمُومَةِ، حتَّى يُشَارِكُوا أولادَ الأُمِّ فافْتَرَقَ الصِّنْفَاَنِ في هذِهِ المسْأَلَةِ.
وإذَا شَرَكْنَا في الثُّلُثَ بيْنَ أولادِ الأُمِّ وأولادِ الأَبِ والأمِّ فيتقاسمُونهُ بالسَّوِيَّةِ؛ لأنَّهُمْ يَأْخُذُونَ بقَرابَةِ الأمِّ فيَسْتَوِي ذَكَرُهُمْ وأنْثَاهُمْ، وكَانَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إذَا تقَاسَمُوا في الثُّلُثِ بالسَّوِيَّةِ، أُخِذَ مَا يَخُصُّ أَوْلاَدَ الأَبِ، والأمِّ، فَيُجْعَل بينَهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، كَمَا أنَّ في المعادة 2، إذَا أخرَجَ نصيبُ الجَدِّ، أقْتَسَمُوا البَاقِي بينهُمْ، كَمَا يَقْتَسِمُونَهُ إذَا انْفَرَدُوا.
وَإِذَا قلْنَا بالمذهبِ، فالَّذِي يَأْخذُونَهُ بالفَرْضِ، فإن الإخْوَةَ مِنَ الأبَوَيْنَ يرِثُونَ بالتَّعْصِيبِ تَارَةً، وبالفَرْضِ تارةً أُخْرَى كالأَخَواتِ مِنَ الأَبَوَيْنِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا اجْتَمَعُوا فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَوْلاَدِ الصُّلْبِ مَعَ أَوْلاَدِ الابْنِ إِذَا اجْتَمَعُوا، وَيُنَزَّلُ أَوْلاَدُ الأَبِ وَالأُمِّ مَنْزِلَةَ أَوْلاَدِ الصُّلْبِ، وَالْأَوْلاَدُ مِنَ الأَبِ مَنْزِلَةَ أَوْلاَدِ الابْنِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، إِلاَّ فِي شَيْءٍ وَهُوَ أَنَّ بِنْتَ الأبْنِ يُعَصِّبُهَا مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهَا، وَالأخُتُ لِلأَبِ لاَ يُعَصِّبُهَا إِلاَّ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَرَفْتَ حُكْمَ الصِّنْفَيْنِ عِنْدَ الانْفِرَادِ.
أمَّا إِذَا اجْتَمَعا، فَهُوَ كمَا لَو اجتَمَعَ أَوْلادُ الصُّلْبِ معَ أولادِ الابنِ، فأولادُ الابَوَيْنِ كأولاَدِ الصُّلْبِ، وأولادُ الأَبِ كَأوَلاَدِ الابْنِ، فلوْ كانَ من أولادِ الأَبَوَيْنِ ذَكَرٌ، فأولادُ الأبَوَيْنِ مَحْجُوبُونَ وإلاَّ فإن كَانَتْ أُنْثَى وَاحِدَةً، فَلَها النِّصْفُ، والبَاقِي لأوْلاَدِ الأَبِ، إنْ تَمحَّضُوا ذُكُوراً أو كانُوا ذُكُوراً وَإنَاثاً.
وإنْ تَمَحَّضُوا إنَاثاً أوْ كَانَت أُنْثَى واحدةً، فلهُنَّ أوْلَهَا السُّدُسُ تكْمِلَة الثُّلُثَيْن، وإنْ كَانُوا مِنْ أولاَدِ الأَبَوَيْنِ اثْنَتَان فَصَاعِداً، فلَهُمَا الثُّلُثَانِ، ولاَ شَيْءَ لأَوْلاَدِ الأَب، إلاَّ أنْ يَكُونُوا ذُكُوراً، أوْ يكونَ فيهِمْ ذَكَرٌ يُعَصِّبهُنَّ الإنَاثَ، وهَذَا كلُّهُ كَمَا سَبَقَ في أَوَلاَدِ الابْنِ والأولادِ الصُّلْبِ، إلاَّ أنَّ بناتِ الابْنِ يُعَصِّبُهُنَّ مَنْ في دَرَجَتِهِنَّ، ومَنْ هُوَ أسْفَل منهُنَّ، والأُختُ لِلأَبِ لا يُعَصِّبُهَا إلاَّ مَنْ هو في دَرَجَتِهَا، فَلَوْ خلَّفَ أُخْتَيْنِ لأبِ وأُمٍّ، وأختاً وأخَاً لأبٍ [وابْنَ أخٍ لأبٍ]؛ فللأخْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، والبَاقِي لابْنِ الأَخِ، ولا يعَصِّبُ عَمَّتَهُ، إلاَّ أَنَّ ابْنَ الأخِ لا يُعَصِّبُ مَنْ في دَرَجَتِهِ، فلا يُعَصِّبُ مَنْ فَوْقَهُ، وابْنُ الابن، وإنْ سَفَلَ، يُعَصِّبُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ، فجازَ أنْ يُعَصِّبَ من فَوْقَهُ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا الْإِخْوَة وَالأَخَوَاتُ من جِهَةِ الأُمِّ) فَلِلْوَاحِدِ مِنهُمُ السُّدُسُ، وَللْاثْنَيْنِ فَصَاعِداً الثُّلُثُ، وَلاَ يَزِيدُ حَقُّهُمْ بِزِيَادَتِهِمْ يَسْتَوِي ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ فِي الاسْتِحْقَاقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الصِّنْفُ الثَّالِثُ: الإِخْوَةُ والأَخَوَاتُ مِنَ الأمِّ، وللوَاحدِ مِنْهُمُ السُّدُسُ، ذكراً كأن أو أنثَى، وللاثْنَيْنِ فصَاعِداً الثُّلُثُ يُقَسَّمُ بَيْنَ ذُكُورِهِم وإناثِهِمْ بالسَّوِيَّةِ 1، قَالَ الله تَعَالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12].
والمرادُ أختٌ أو اخٌ من الأُمِّ، وكَذَلِكَ هُوَ في قَرَاءَةِ أبنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا بَنَاتُ الإِخْوَةِ) فَلاَ مِيرَاثَ (ح و) لَهُنَّ، وَبَنُو الْإخْوَةِ لِلْأُمِّ أَيْضاً لاَ مِيرَاثَ لَهُمْ (ح و)، وَبَنُو الإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالأُمِّ، وَبَنُو الاِخْوَةِ لِلْأَب فَيُنَزَّلُونَ مَنْزِلَتَهُمْ عِنْدَ عَدَمِهِمْ إِلاَّ في حَجْبِ الأُمِّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، وَفي مُقَاسَمَةِ الجَدِّ، وَفِي مَسْاَلَةِ المُشْرَكَةِ، وَفِي تَعْصِيبِ الأخُتِ فَإنَّهُمْ لاَ يَرُدُّونَ الأُمِّ إِلَى السُّدُسِ، وَيَسْقُطُونَ بالجَدِّ، وَيَسْقُطُونَ في مسألة المُشَرَّكَةِ لَوْ كَانُوا بَدَلَ أَبِيهِمْ، وَلاَ يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ إِذْ لاَ مِيرَاثُ لِأَخَوَاتِهِمْ أَصْلاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قولُهُ: (أَمَّا بَناتُ الإخْوةِ، فلاَ ميراثَ لَهُنَّ) وكَذَا (بَنُو الْإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ) لا حَاجَةَ إِلَيْهِ في هَذَا الموْضعِ؛ لأنَّهُ قَد ذَكَرَهُ مرَّةً في ذَوِي الأَرْحَامِ، [وأيَضاً، فإنَّ الكَلامَ هَاهُنَا فِيمَا يأْخُذُه كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الورَثَةِ، وَهُؤُلاَءِ لَيْسُوا من الوَرَثَةِ.
وأمَّا بَنُو الإخْوَةِ مِنَ الأبَوَيْنِ أو مِنَ الأبِ] 1.
فيَنزَّلُ كُلُّ وَاحدٍ مِنَ الصِّنْفَيْنِ منزلةَ أبِيهِ في حالَتَي الانفرادِ والاجتماع، حتَّى يَسْتَغْرِقَ الوَاحِدُ والجَمَاعَةُ مِنْهُمُ المَالَ عِنْدَ الانْفِرَادِ، ويأْخُذ ما فَضَلَ عَنْ أصْحَابِ الفَرائض، وعندَ الاجْتِمَاع، يَسْقُطُ ابْنُ الأخِ مِنَ الأبِ كَمَا يَسْقُطُ الأَخِ مِنَ الأبِ معَ الأخ مِن الأَبَوَيْنِ إِلاَّ أنَّهُمْ يُفَارِقونَ الإِخْوَةَ في أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أنَّ الإخْوَةَ يَرُدُّونَ الأُمَّ من الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ، وبَنُوهُمْ لاَ يَرُدُّونَ؛ لأنَّ الله أعْطَاهَا الثُّلُثَ إِذَاَ لمْ يَكُنْ وَلَدٌ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11]، وبنو الإخْوَة لَيْسُوا بإِخوةٍ، وفَرَقُوا بيْن ما نَحْنُ فيه وبَيْن الوَلَدِ ووَلَدِ الولدِ 2؛ حيث رَدُّوا كُلَّ واحدٍ منْهما إلى السُّدُس بأَنَّ اسْم الوَلَدِ يقعُ علَى وَلَد الوِلد بالحقيقةِ أو المجاز، واسْمُ الأَخِ لا يقَعُ عَلَى ولده بحالٍ، ولأنَّ قوَّة الابن في الحَجْب أشَدُّ؛ ألا ترَى أنَّ الواحد من الأوْلادِ يَحْجُبُ، والواحدَ من الإخوة لا يَحْجُبُ، وإذا كانَتْ قوته أشدَّ جاز أن يتعدَّى الحجْبُ منْه إلَى ولده، ولهذا يَحْجُبُ ابنُ الابنِ الإِخوةَ والأَعْمَامَ والزَّوْجَ أو الزوجَةَ، كما يحجُبُهم الابْنُ، والأخُ من الأبَوَيْنِ قد يَحْجُبُ مَنْ لا يحجُبُهُ ابنُهُ، وهو الأخُ من الأبِ.
والثاني: أنَّ الإخوةَ مِنَ الأبوَيْنِ ومِنَ الأب يُقَاسِمُون الجَدَّ، وبنوهم لا يقاسِمُونَه، بل يَسْقُطُون بهِ لِبُعْدِهِم، وأيْضاً، فإن الجدَّ في دَرَجَةِ الأَخِ، وبنو الأَخِ يَسْقُطُون بالأَخِ، فكذلك بالجَدِّ.
والثالثُ: أنَّ بني الإخوة من الأبوَيْنِ، لو كَانُوا بدَلَ آبائِهِمْ في المُشْتَرَكَةِ، سقَطُوا؛ لبُعْدِهِمْ.
والرابعُ: أن الإخْوة من الأبوَينِ أو من الأبِ يعصِّبون أخَوَاتَهُم، وبنُوهُمْ لا يعصِّبون أخواتِهِم 1؛ فانَّهُنَّ غير وارثات، واعْرِفْ بعدْ هذا شيئَيْنِ:
أحدُهُمَا: أن مفارقَةَ بني الإخْوة لآبائِهِمْ في الأمْر الأوَّلِ غيْرُ مخْصُوص بالإخْوَة من الأبوَيْنِ، وبالإخْوَةِ من الأَبِ، بل الحكمُ في الإِخْوة من الأم وأولادِهِمْ كذلك.
والثَّانِي: أن لَفْظ الكتاب يقتَضِي مفارقَةَ كُلِّ واحدٍ منَ الصِّنْفَيْن بني الإِخوة من الأبَوَيْنِ، وبني الإِخْوة من الأَبِ لأبائِهِمْ في جميع الأُمور الأرْبَعَة، لكن المفَارقَةَ في الأمْرِ الثَّالث يختصُّ ببني الأخْوة من الأبَوَيْنِ وآبَائِهِمْ، فأما الإخوةُ من الأبِ وبَنُوهم، فيَسْقُطُون جميعاً بلا فَرْقٍ.
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا أَخُ الْأَبَ وَهُوَ الْعَمُّ فَهُوَ عَصَبَةٌ، وَكَذا ابْنُهُ، وَكَذَا عَمُّ الأَبِ وَعَمُّ الجَدِّ وَبَنُوهُمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: العم من الأبوين والعم من الأبِ كالأخِ مِنَ الجهتَيْن في أنَّ من انفرد منهمَا يأْخُذِ جميعِ المالِ، أو ما بقي من أصْحابَ الفرائِض، وإذا اجْتَمَعَا، أسْقَطَ العمُّ من الأبوين، العَمَّ من الأبِ، كما يُسْقِطُ الأخ من الأبوين من الأب، ولا يَخفَى أنَّ المراد من قوله: (أمَّا أَخُ الأَبِ وهُوَ العَمُّ) ما إذا كان من الأبوَيْنِ أو مِنَ الأَبِ.
وقوله: (فهو عصبةٌ) ليسَ عَلَى معْنَى: أن المذكورِينَ قبْلَه أصْحابُ فُرُوضٍ، بل البنونَ وبنُوهُمْ وبَنُو الأخِ كلُّهم عصباتٌ، ولكن أشار بأنَّه عصبةٌ إلَى أنَّه يأخذ جميعَ المَالِ، أو ما بقي من أصحاب الفُرُوضِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَمِنْ حُكْمِ الأَخَوَاتِ أنَّهُنَّ مَعَ البَنَاتِ عَصَبَاتٌ، فَإذَا كَانَ لِلمَيِّتِ بِنْتٌ وثَلاَثُ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَالبَاقِي لِلْأخْتِ منْ قبلَ الأبَ وَالْأُمِّ بالعُصُوبَةِ وَسَقَطَتِ الأُخْتُ لِلْأَبِ لعُصُوبَةِ الأُخْتِ لِلْأَبِ وَالأُمِّ، وَتَسْقُطُ الأُخْتُ لِلْأُمِّ بِالْبِنْتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأخواتُ من الأبوَيْنِ، ومنَ الأبِ مع البنَاتِ وبنَاتِ الابْنِ عصباتٌ، لما مَرَّ من حديثِ هُزَيْلِ عن ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
قال الإمامُ: والسَّببُ فيه أنَّه إذا كان في المَسْأَلَةِ بنتانِ فَصَاعداً، أو بنتا ابنَ وأخوات، وأخذتِ البناتُ الثلثَيْنِ، فلو فرضْنَا للأخواتِ، وَأَعْلنَا المسألةَ، نقص نصيبُ
البنات، فاستَبْعَدُوا أن يزحم أولادُ الأبِ الأولادَ، ولم يُمْكِنْ إسقاطُهُنَّ فيجعلوهن عصباتٍ، ليدخل النَّقْص عليهن خاصَّة.
إذا تقرَّر ذلك، فالأختُ من الأبوَيْنِ أو من الأبِ مُنَزَّلَةٌ مع البنات منزلة الأخِ، حتى لو خلَّف بنتاً وأخْتاً، فللبِنْتِ النصْفُ، والباقي للأخت، ولو خلَّفَ بنتَيْن أو أُخْتًاً أو أخواتٍ، فلهن الثُّلُثَانِ، والباقي للأخْتِ أو للأخوات بالسَّوِيَّة، ولو كانَ معَهُنَّ زوْجٌ، فللبنتَيْنِ الثلثان، وللزوْجِ الربُعُ، والباقي للأخْتِ أو للأخْوَاتِ، ولو كان معَهُمْ أمٌّ عالَتِ المسألةُ، وسقَطَتِ الأخت، كما لو كان مَعَهُم أخٌ، ولو خلَّفَ بِنْتاً وبِنت ابن وأُخْتاً، فالنصفُ والسُّدُس والبَاقي.
وإِذا اجْتَمعَتِ الأُخْتُ من الأبَوَيْنِ، والأُخْتُ من الأبِ مع البنْتِ أو بنت الابن، فالباقي للأخْتِ من الأبوَيْنِ، وسقَطَتِ الأخرَى.
وكذا، لو خلَّف بِنْتاً وأُختاً من الأبوَيْنِ وأَخاً منَ الأَبِ، كان الباقي للأختِ، وسقَط الأخُ بها سُقُوطَه بالأَخ من الأبوَيْنِ، لكن لو خلَّف بِنْتاً وأخاً وأُختاً من الأبوَيْنِ، كان الباقي بينهما ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ولم نجعل معه كالأخ لأن تعصيبها، والحالةُ هذه، بالأخ دون البنْت؛ لأنَّ التعصيبَ بالبنْتِ إنَّما يُصَارُ إليه عنْد الضَّرُورة، وإذا تعصبت به، لَزِمَ تفضيلُهَا علَيْها على ما هو المعهودُ في تعْصِيب الإنَاثِ بالذكور.
وإذا خلَّفَ الميِّتُ بنْتاً وثلاثَ أخواتٍ متفرِّقات، فللبنْتِ النصفُ، والباقي للأخْتِ من الأبوَيْنِ بالعُصُوبَةِ، وسقطَتِ الأختُ من الأبِ، والأختُ من الأمِّ بالبنت، وكذا الحُكُمُ في بنتٍ وثلاثةِ إِخوةٍ متفرِّقين.
قال الغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي في التَّقْدِيمِ وَالحَجْبِ
فَإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ إِلاَّ عَصَباتٌ فَتَرْتِيبُهُمْ أن أَوْلَى العَصَبَاتِ الْبَنُونَ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وإنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الأَبُ، ثُمَّ الجَدُّ وَالإِخْوَةُ فَإنَّهُمْ بَتَقَاسَمُونَ (ح ز و)، ثُمَّ إِخْوَةُ الأَب وَالأُمِّ يَتَقَدَّمُونَ عَلَى إِخْوَةِ الأَبِ ثُمَّ بَنُو إِخْوَةِ الأَبِ وَالأُمِّ، ثُمَّ بَنُو إِخْوَةِ الأَبِ، ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأَبِ وَالأُمِّ، ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنُوهُمْ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ ثُمَّ أَعْمَامُ الأَبِ، ثُمَّ أَعْمَامُ الجَدِّ وَبَنُوهُمْ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَالعُصُوبَةُ لِمُعْتَقِ المَيِّتِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَيّاً فَلِعَصَبَاتِ المُعْتِق، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِمُعْتِقِ المعتق، فَإِنْ لَمْ يَكُن فَلِعَصَبَاتِ مُعْتِق المُعْتِقِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي، فَإنْ لَمْ يَكُنْ واحدٌ مِنْهُمْ فَالمَالُ لِبَيْتِ المَالِ، وَهوَ أَيْضاً (ح) عُصُوبَةٌ (و) لِأَنَّهُ يَسْتَغْرِقُ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ، وَيَأْخُذُ مَا بَقِيَ من أَصْحَابِ الفَرَائِضِ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ ذُو فَرْضٍ.
فصل في بيان العصبات وترتيبهم
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أكثرُ ما يُسْتَعْمَلُ لفْظ المتقدُّم في العَصَبَاتِ وترتيبهم، ولفظ الحَجْب في ذوي الفروض، وكأنَّه لذلك جمع بين اللفظَيْنِ في ترجمة الفَصْل.
أما العَصَبَاتُ، فالأقربُ منْهم يُسْقِطُ الأبْعَدَ، وقدِ اشتهر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أُلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أبقت الفَرَائِضُ، فَلأوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ" 1 وقد فسّر "الأولى" بالأقرب وقيل: إنه مأخوذٌ من الولي وهو القُرْب.
وجملة عصباتِ النَّسب: الابنُ والأبُ ومَن يُدْلِي بهما، وأَوْلاَهُمُ الابن، وإنما يقدَّم على الأب؛ لأنَّ الله تعالَى جعَلَ للأبِ معه السُّدُس، وأعطاه الباقي، وأيْضاً، فلابن يعصب أخته، والأبُ لا يعصِّب أختَهُ، فاحتجَّ بذلك على قوَّةِ عصوبَتِهِ، ثم الأَوْلَى بعد البنين بنُوهُمْ، وإن سَفَلُوا، ثم الأب، لأنَّ سائِرَ العصَبَاتِ يُدْلُون به، وبعْده الجَدُّ والإِخوة من الأبوَيْنِ أو مِنَ الأَب في درَجَةٍ واحدةٍ، ولذلك يتقاسَمُون عَلَى ما سيأتي -إنْ شاءَ الله تعالَى- وأبو الجَدِّ، وإنْ علا، مع الأخ كالجَدِّ مع الأخ، يتقاسمون لقوَّة الجُدُودَةِ، ووقوعِ الاسم على القَرِيبِ والبَعِيدِ، هذا ما نصَّ علَيْه، وهو المذْهَب.
وقال الإمامُ الذي رأَيْتُهُ في ذلك [يعني الأصحاب] أنَّ أبا الجَدِّ لا يسقط بالأخ، ولكنْ لا يقاسم الأخ، بل له السدُسُ، والباقي للأخِ، ثم قال: وفي القلب من هذا شَيءٌ، وأَبْدَى المذهبَ المنْصُوص عليه 2 كما يُبْدِي الاحتمالاتِ 3، وإذا لم يكنْ أخٌ، فالأَوْلَى الجَدُّ ثم أَبُوه، وإنْ علا، ويسقط ابن الأخ بالجَدِّ العالي سقُوطَهُ بالجَدِّ الأدنى،
وفي "النهاية" وجْهٌ ضعيف: أن [أبا الجَدِّ وابن الأخ يتقاسَمَانِ 1 كما يتقاسم الجَدُّ والأخُ، والمذْهَبُ الأَوَّلُ، فإنَّا إذا قدَّمنا نوعاً عَلَى نوعٍ، لا ينظر إلى القُرْب والبُعْد؛ ألا ترى أنَّ ابن الأخ، وإن سفل] 2 يقدَّم على العمِّ مع قربه، وإن لم يكن جَدُّ، [فالأخُ من الأبوَيْن على الأخ من الأب، ثم الأخُ من الأبِ، وإنَّما يقدَّم الأخُ من الأبوَيْنِ على الأخَ من الأب] 3، لما رُويَ عن عَلِيٍّ -كرَّم الله وجهه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَعْيَانُ بَنِي الأمُ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي العَلَاَّت، يَرِثُ الرَّجُلُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ" 4.
والمذكور أخيراً تفسير للمذكور أولاً، فأولاد الأعيانِ الأخوةُ والأخوات من الأبوَيْنِ، وأولاد العلات الإخوةُ والأَخَوَاتُ من الأب، وأيْضاً فالأخُ من الأبوَيْنِ أقربُ لاِختصاصِهِ بقرابتين، فكَانَ المَالُ مصْرُوفاً إلَيْهِ؛ لقوله: "فما تَرَكَتِ الفَرَائِضُ، فَلأوْلَى عَصَبَةِ ذَكَرٍ" ثم بعد الإِخوة من الجهَتَيْنِ، الأَوْلَى بنو الإخْوةِ من الأبوَيْن، ثم بنو الإِخوة من الأب، وكذلك بنوهم، وإنْ سَفَلوا، ثم العمُّ من الأَبوَيْن، ثم العمُّ من الأب، ثم بنو العم كذلك، ثم عمُّ الأبِ من الأبوَيْن، ثم عمُّه من الأب، ثمَّ بنوهما كذلك، [ثم عم الجَدِّ من الأبوَيْن، ثم عمُّه من الأبِ، ثم بنُوهما كذلك] 5، إلَى حيث ينتهي، فَإِنْ لَمْ يَوجَدْ أحدٌ من عصبات النَّسَبِ، واَلميِّت عتيق، فالعصوبةُ لمعتِقِهِ، فإن لم يكن حيّاً، فلعصبَاتِ المُعْتِقِ، فإن لم يوجدوا، فلمعتِقِ المعتِقِ، ثم لعصابَتِهِ إلَى حيث ينتهون، وإنْ لم يكُنْ عتيقاً، وأبوه أو جده عتيق، ثبت الولاء عليه لمعتِقِ الجَدِّ أو الأبِ؛ على ما سيأتي من موضعه -إن شَاء الله تعالى- فإن لم يكن منهم أحدٌ، فالمَالُ لبَيْتِ اَلمال.
وقوله في الكتاب: "فإن لم يكن للميِّت إلاَّ عصبات" هذا التقييد غير محتاج إليه، بلْ مَنْ خلف [ذوي فروضٍ، فالكلامُ فيمن يستحق الباقِيَ من الفُرُوض، على هذا الترتيب.
وقوله: "فإنَّهُمْ يتقاسَمُون، قد أُعْلِمَ بعلامات مَنْ يخالِفُ في مقاسمة الجَدِّ والإِخوة] 6، وسنذكرهم.
وقوله: "عند ذكر بيت المال: و"هو أَيْضاً عصوبةٌ" يجوز أن يُعْلَمَ بالحاء والألف والواو؛ لِمَا مَرَّ في أوَّل الكتاب.
قال الغَزَالِيُّ: ثُمَّ لْيُعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الأَخِ وَإِنْ سَفَلَ مُقَدَّمُ عَلَى العَمِّ القَرِيبِ لاِخْتِلَافِ الْجِهَةِ، وَابْنَ الأَخِ لِلْأَبِ مُقَدَّمٌ عَلَى ابْنِ ابْنِ الأَخِ لِلْأَبِ وَالأُمِّ بِسَبَب القُرْبِ مَعَ أَنَّ جِهَةِ الاِخُوَّةِ فِي حُكْمِ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ كَانَ لِلْمَيِّتِ ابْنَا عَمِّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِلْأُمِّ فَلَهُ بِأُخُوَّةِ الأُمِّ السُّدُسُ وَالبَاقِي بَيْنَهُمَا بِعُصُوبَةِ بِنُوَّة العَمِّ علَى السَّوَاءِ، وَلَوْ كَانَ لِلْمَيِّتِ بِنْتٌ وَابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِلأُمِّ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَيَسْقُطُ إِخْوَةُ الأُمِّ بالبنْتِ، والبَاقِي بَيْنَهُمَا (و) بِالسَّوِيَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان:
المسألة الأُولَى: البعيدُ من الجهة المقدَّمة يتقدَّم على القَرِيب من الجهة المؤَخَّرة:
مثاله: ابن الابن، وإن سفَلَ يُقدَّم على الأب وابنُ الأخ، وإن سَفَل، يُقدَّم على العمِّ، وكذا ابنُ العمِّ السِّافِلِ يُقدَّم عَلَى عمِّ الأب، وإذا اتَّحدَتِ الجهة، فالمُقدَّم الأقْرَبُ، فإنِ استويا في القرب، وأحدهما يُدْلِي بقرابة الأب والأم، قُدِّم على من يُدْلِي بقرابة الأبِ وحْدَهُ.
مثاله: الأخُ من الأبَوَينِ يُقدَّم على الأخ من الأب، والأخُ من الأب يُقدَّم على ابن الأخ من الأبوَيْن وابن الأخ من الأبوَيْنِ يُقدَّم على ابن الأخ من الأب، وابنُ الأخ من الأبِ يُقدَّم على ابْنِ ابنِ الأخ من الأبوَيْنِ 1 وكذلك القَوْلُ في بنِي العَمِّ وبَنِي عَمِّ الأَب.
وقوله: "مع أنَّ جهة الأخُوَّة في حكم جنس واحدٍ" ربما أشْعَر بأن جهته الإدْلاَء في الأخوَّة بني الإِخْوة واحدةٌ، وهي الأُخُوَّة؛ لأنه ذكر عقيب تقديم ابن الأخِ من الأبِ، على ابن ابن الأخِ من الأبوَيْن، لكن الأشبه أن بَنُو الإِخوة جهة برأسها وراء الأُخُوَّة، فيكون المعنى أنَّ جهة الأخُوَّة في حكم جِنْسٍ واحدٍ، وكذلك جهة بُنُوَّة الإِخوة.
المسألة الثانيةُ: إذا اشترك اثنانِ في جهةِ عصُوبةٍ، واختص أحدهما بقرابةٍ أخرى، كابني عمٍّ، أحدُهما أخ لأمِّ فينظر: إن أمكن التوريث بالقرابة الأُخْرَى؛ لفقد الحاجب، فالنص أنه يورَثُ بهما، فالأخُ للأمِّ يأخذ السدُسَ، والباقي بينهما بالعُصُوبة، ونَصَّ فيما إذا مات وخلَّف ابْنَيْ عمّ معتقه، وأحدُهُما أخو المعتق لأمِّه، أنَّ جميع المال للذي هو أَخُوهُ لأمه، وللأصحاب فيها طريقان.
منْهُمْ من نقَل وخرَّج، وجعلهما على قولَيْن:
أحدُهُما: أنَّه يترجح الأخُ للأمِّ، ويأخذ جميعَ المَالِ في الصورَتَيْنِ؛ لأنهما استَوَيا
في جهةِ العُصُوبة، واختصَّ أحدهما بقرابةِ الأُمِّ، فأشبها الأَخَ من الأبوَيْنِ مع الأخِ من الأبِ أو العم من الأبوين مع العم من الأب.
والثاني: أنَّه لا يترجَّح؛ لأنَّه أختصَّ بجهة تُفرض بها، فلا يُسقِط من يُشَارِكُه في جهة العَصوبَة كابْنَيْ عمٍّ أحدُهُما زوْجٌ، وعلى هذا؛ ففي النسب له السدس بالفرضيَّة، والباقي بينهما بالعُصُوبة، وفي الولاء لا يمكن التوريثُ بالفرضيَّة، وقد استَوَيَا في العصُوبة، فيكونُ المال يينهما بالسَّوِيَّة، وبهذا قال أبو حنيفةَ ومالِكٌ، وربَّما خرّج من نصِّه في الولاء هاهنا، ولم يعكس.
والطريقة الثانيةُ، وهي الأصحُّ: القطع بالمنصوص في الموضِعَيْنِ 1، والفَرْقُ: أن الأخ من الأمِّ يرث في النَّسَب، فأمكن أنْ يعطَى فرضه، ويجعل الباقي بينهما لاِستوائِهِمَا في العُصُوبة، وفي الولاء لا إرث بالفرضية، فترجح عصوبةُ من يُدْلي بقرابة الأمِّ، كما أن الأخَ من الأبوَيْنِ، لَمَّا لَمْ يأخُذ بقرابةِ الأُمِّ شيئاً ترجَّحت بها عضويتُهُ حتَّى يقدَّم على الأخ للأبِ، وهذا كلُّه مبنيٌّ على أن أخ المعتق من الأبوَيْنِ يقدَّم على أخيه من أبِيهِ، وفيه خلافٌ مذكور في الفصْل الذي يَلِي هذا الفَصْلَ، ويجري الخلاف فيما إذا خلَّف ابنَيْ عَمِّ أبِيهِ، وأحدُهُما أَخُوهُ لأمِّه 2، ولو خلَّفت المرأة ابني عمّ، أحدُهُما أخٌ لأم، والثاني زوجٌ، فعلَى الصحيح؛ للزَّوْج النصفُ، وللآخَرِ السدسُ، والباقي بينهما بالسَّوِيَّةِ، وإذا رجَّحنا الأَخِ للأمِّ فالباقي كلُّه له، ولو خلَّفت ثلاثةَ أبناء أعمامٍ، أحدُهما زوجٌ، والثاني أخٌ لأمِّ فعلى الصحيح: للزَّوْج النصف وللأخ السُّدُسُ، والباقي بينهما بالسويَّة، وإذا رجَّحنا الأَخِ للأمِّ، فللزَّوْج النَصْفُ والباقي له، فهذا إذا أمْكَنَ توريثُ