كلام الأصحاب؛ وإن كان الصبي مُوسِراً فإن كان القريب بحيث تجب نفقته في الحال، بأن يكون زمناً أو يَكُونَ غَيْرَ كَسُوبٍ على أحد القولين فلا يجوز للولي القبول؛ كَيْلاَ يَتَضَرَّرُ الصبي بالانفاق من ماله، وإن كان لا تجب نفقته فعلى مَا ذَكَرْنَا في المعسر، فإن لم يقبل [الولي] 1 قبل الحاكم، فإن لم يفعل فَلِلصَّبِيِّ بعد بلوغه، أن يقبل كذلك.
ذَكَرَهُ الرَّوْيانِيُّ وليكن هذا في الوصية.
هذا في هِبَةِ جَمِيعِ الْقَرِيب أو الوصية به فأَمَّا إِذَا وَهَبَ بعضه فإن كان الصبي مُعْسِراً قَبِلَة الولي، وإن كان مُوسِرَاً زاد النَّظَرُ في غَرَامَةِ السِّرَايَةِ وإن لم تجب النفقة وفيه قولان:
أَظْهَرُهُمَا: أنه لا يقبل؛ لأنه لو قبل لعتقَ على الصبي، وإذا عتق سَرَى ولزم قيمة [نصيب] 2 الشريك، وفيه إِضْرَارٌ بالصبي.
والثاني: يَقْبَلُهُ ويعتق عليه، ولا يسري كيلا يتضرر الصبي وَوُجِّه أيضاً بأنه لا اختيار له في حصول الملك، وفي "تعليقة الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ": أن بعض الأصحاب رحمهم الله: قطع بأنه ليس له أن يقبل، وجعل القولين في أنه إذا قبل هل يصح؟
الثانية: إِذَا اشْتَرَى المَرِيضُ مَرَضَ المَوْتِ قَرِيبَهُ فأما أن يشتريه بثمنه أو بِمُحَابَاةٍ، وعلى التقدير الأول: فإِمَّا أن يكون عليه دَيْنٌ أو لا يكون وحكم الأحوال الثلاث قد ذكرناه في "الوَصَايَا"، وبينا إذا لم يكن دَيْنٌ وَلاَ مُحَابَاةَ فيعتبر عتقه من الثلث، فإن خرج الْكُلُّ من الثُّلُثِ عَتِقَ كُلِّهِ وإلاَّ عتق منه قدر الثلث، وهذا هو المقصود من قوله هاهنا: "عتق إِنْ وَفَّى به ثلثه، وإلاَّ لم يعتق" أَيْ: لم يعتق كُلُّه، وإن ملكه بإرث فيعتق من رأس المال حتى يعتق [محله] 3 وإن لم يملك شيئاً آخر أو من الثلث حَتَّى لا يُعْتَقُ إِلاَّ الثُّلُثُ، إذا لم يملك مالاً آخر فيه وجهان ذكرناهما هنالك، والأول أولى بالترجيح، وهو الذي أورده 4 صاحب الكتاب.
ثم لو مَلَكَهُ بِالاتهاب أَو بِقَبُولِ الْوَصِيَّةِ فَهُوَ مُرَتَّبٌ على ما لو مَلَكَ بِالإِرْثِ إن قلنا: هناك يَحْسِبُ من الثُّلُثِ فهاهنا أولى وإن قلنا من رأس المال فهاهنا وجهان: بناء على مَعْنَيَيْنِ عَلّلَ بهما احتساب الموروث من رأس المال فَعَلَّلَ الْمُعَلِّلُونَ بِأَنَّ الملك والعتق حصلا بغير اختياره، فهو خارج عن التَّبرُّعَاتِ مستحق [شرعاً] 5.
وعلل آخرون: بأنه مِلْكٌ بلا عِوَضٍ بذله في مقابلته بخلاف ما إذا اشترى فمن قال
بالأول، يحتسب الموهوب والموصى به من الثلث ومن قال بالثاني، يحتسب من رأس المال، فيعتق وإن كان على المريض دَيْنٌ مستغرق وكذا المُفْلِسُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ إذا قبل، ولا مُعْتَرَضٌ لِلْغُرَمَاءِ عليه، وإن قلنا يحتسب 1 مِنَ الثُّلُثِ فلا يعتق، ويباع في الدَّيْنِ، ويُكْتَفَى بِهَذَا القدر هاهنا فالمسألةُ مَبْسُوطَةٌ في الموضع المحال عليه، وإذا راجعته جوزت إعلام قوله هاهنا: "إن وَفَّى به ثلثه" بالواو؛ لوجه ذكرناه أن المريض ليس له شراء القريب بحال وحينئذ فلا يعتق.
الثالثة: من الأصول في "السير" أنه 2 إذا [قهر] 3 حربي حربياً ما ملكه، ويخالف ما إذا قهر مسلم حربياً وأسره، لا يجري الرق عليه حتى يرقه الإِمام؛ لأن للإمام اجتهاداً في أَسَارَى الكُفَّارِ، والمسلم مأمور بِرِعَايَتِهِ والحربي لا يؤاخذ بمثل ذلك.
قال الإِمَامُ، ولم يشرط الأَصْحَابُ قَصْدَ الإِرْقَاقِ، بل اكتفوا [بصورة] 4 القهر وعندي: لاَ بُدَّ من القصد، فإن القهر قد يكون بالاستخدام، ولا يتميز قصد الإرقاق عن غيره إلاَّ بالقَصْدِ.
وإذا عرفت ذلك فلو قهر عبد سيده الحربي عتق العبد وصار السيد رقيقاً له، ولو قَهَرَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ، وَاسْتَرَقَّهَا مَلَكَهَا، وجَازَ له بَيْعُهَا، وكذا لو قَهَرَت الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا ولو قهر حَرْبِيٌّ أَبَاهُ [أو] 5 ابْنَهُ فهل له بيعه؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ: لا-؛ لأنه يعتق عليه بالملك فلا يَسْتَقِرُّ له 6 مِلْكٌ حَتَّى يَبِيعَهُ.
والثاني: نعم؛ لأن القهر دائم، فكما يَرْفَعُ ابتداؤه الحرية الأصلية يرفع دَوَّامَةَ الْعِتْقِ المُرَتَّبِ على المِلْكِ، وبهذا أجاب الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ حين سأله الحُلَيْمِيُّ في مسائل أَنْفَذَهَا إليه، يَسْتَفْتِيهِ فيها كذلك حكاه الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ -رحمهم الله- ويشبه أن يرجح الأول.
قال الإِمَامُ: وَيتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ أنه لا يَمْلِكُهُ بالقهر لاقتران [السبب] 7 المقتضي للعتق بالقهر [المقتَضي] 8 للملك، ويخالف الشراء فإنا جوزناه لوقوعه ذريعة إلى تخليصه من الرق 9. وقوله في الكتاب: "صَحَّ بَيْعُهُ مِنَ المُسْلِمِ" ليس لتخصيص الحكم بالمسلم، بل يصح بيعه من المسلم، والذِّمِّيُّ والحَرْبِيُّ، وكان الغرض: أن المسلم يجوز له الشراء اعتماداً على قهر بعضهم بعضاً.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوِ اشْتَرَى نِصْفَ قَرِيْبِهِ عُتِقَ وَسَرَى عِنْدَ شُرُوطِهِ، وَلَوْ وَرِثَ لَمْ يَسْرِ، وَلَوْ قَبِلَ وَكِيْلُهُ فَاخْتِيَارُ وَكِيلِهِ كَاخْتِيَارِهِ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ أَبِيْهِ فَمَاتَ قَبْلَ القَبُولِ فَقَبِلَهُ لَهُ أَخُوهُ سَرَى عَلَى المَيِّتِ إِنْ وَفَّى بِهِ الثُّلُثَ وَكَأَنَّهُ قَبْلُ فِي الحَيَاةِ، وَلوْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ ابْنِ أَخِيهِ فَمَاتَ فَقَبِلَ أَخُوهُ لَهُ لَمْ يُعْتَقْ عَلَى الأَخِ فِي وَجْهٍ، لِأَنَّ المِلْكَ يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ ثُمَّ لَهُ فَكَأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَيَجْرِي الخِلاَفُ فِيمَا لَوْ رَجَعَ إِلَيْهِ بَعْضُ قَرِيْبِهِ بِرَدِّ عِوَضِهِ بِالعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ رَجْعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد ذكر صاحب الكتاب مرة في شروط سِرَايَةِ العتق: أنه إذا اشْتَرَى نِصْفَ قريبه عُتِقَ عَلَيْهِ ما اشتراه وسرى إلى الباقي، وفي معناه قبول الْهِبَةِ وَالوَصِيَّةِ، وأنه لو وَرِثَ نِصْفَ قريبه لا يَسْرِي؛ لأنه لا اختيار له فيه، وشِرَاءُ الوَكِيلِ وَقَبُولُهُ الهِبَةِ والوصية كشرائه، وقَبُولِهِ لصدوره عن اختياره، وكذلك قَبُولُ نائبه شرعاً حتى لو أوْصَى لإنسان [ببعض ابنه] 1 فَمَاتَ قبل قبوله الوصية، وَقَبِلَهَا أخوه عتق الشَّقْصُ على المَيِّتِ وسَرَى إلى الباقي إِنْ وَفَّى به 2 الثُّلُثُ وينزل قبول الوارث مَنْزِلَةَ قَبُولِهِ في حياته ولو أوصى لإنسان ببعض مِمَّنْ يعتق على وارثه كما لو أوصى له ببعض ابن أخيه، فمات.
قبل القبول، وقبل الأخ عُتِقَ الشقص، وفي السِّرَايَةِ وجهان:
أَشْبَهُهُمَا: المنع-؛ لأَنَّ المُلْكَ يحصل للميت أولاً، ثم ينتقل إليه إرثاً فكأنه لم يتملكه مقصوداً، ويجري الخلاف في السِّرَايَةِ حيث يحصل الملك بطريق اختيار، يتضمن الملك، ولا يقصد به التَّمَلُّكُ، كما إذا باع من يعتق على وارثه مثل: إن باع ابْنَ أَخِيهِ بِثَوْبٍ ومات، ووَارَثَهُ أخوه فرد الثوب بعيب واسترد الشقص عتق عليه، وهل يَسْرِي إلى الباقي؟ وهذا صورة قوله في الكتاب: "لوْ رَجَعَ إِلَيْهِ بَعْضُ قَرِيبٍ برد عِوَضِهِ بالعيب؛ لأنه رجع غير مقصود".
وقوله: "لَمْ يُعْتَقْ عَلَى الأَخِ في وجه" كان الأَحْسَنُ أن يقول: لَمْ يَسْرِ ولا كلام في أن الشقص المردود؛ يعتقُ عليه، وأراد بما ذكره "أنه لم يعتق [كله] 3 عليه" [فكنى] 4 به عن السِّرَايَةِ.
واعلم أن هذه الصورة قد ذكرناها بشرحها في شروط السِّرَايَةِ؛ لأنه ذكر بعضها هناك وَضَمَّ هاهنا إلى المذكور هناك صوراً فرأينا إيرادها مَجْمُوعَةً أولى وَأَكْثَرَ فَائِدَةً.
ولو وهبَ من العبد بعض من يعتق على سَيِّدِهِ فَقَبِلَ وقلنا: لا يَفْتَقِرُ قَبُولُهُ إلى إذن السيد
عُتِقَ [الموهوب] (1) على السيِّد وَسَرَى؛ لأن قَبُولَ العبد كَقَبُولِهِ شرعاً (2). فرع: جَرَحَ ابْنٌ رَقِيقٌ أَبَاهُ فاشتراه (3) الأب ثم مات من تلك الجراحة: إن قلنا: تَصِحُّ الوَصِيَّةُ للقاتل عتقَ مِنْ ثُلُثِهِ وإلاَّ لم يعتق قال "صاحب التَّهْذِيب": وعلى هذا فيجوز أن تُجْعَلَ صِحَةُ الشراء على وجهين كما لو اشتراه، وعليه دَيْنٌ (4) والوجهان مذكوران في "كتاب الوَصَايَا".
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: (الخَاصِيَّةُ الثَّالِثَةُ امْتِنَاع العِتْقِ بِالمَرَضِ)
فَإذَا أَعْتَقَ عَبْداً لاَ مَالَ لَهُ غَيْرُهُ عُتِقَ ثُلُثُهُ فَقَط، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغرِقٌ لَمْ يُعْتَقْ شَيْءٌ، فَإِنْ مَاتَ هَذَا العَبْدُ قَبْلَ السَّيِّدِ فَيَمُوتُ رَقِيقاً كُلُّهُ، أَوْ حُرّاً، أَوْ ثُلُثُهُ حُرٌّ وَثُلُثَاهُ رَقِيقٌ فِيهِ ثَلاثةُ أَوْجُهٍ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِيمَا لو وَهَبَ وَأَقْبَضَ فَمَاتَ فِي مُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ، أَمَّا لَوْ قَتَلَهُ المُتَّهِبُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مَا وَرَاءَ الثُّلُثِ، وَلَوْ أَعْتَقَ ثَلاثةَ أَعْبُدٍ وَمَاتَ وَاحِدٌ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَيُجْعَلُ كَالمَعْدُومِ أَمْ يَدْخُلُ المَيِّتُ فِي القُرْعَةِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، فَإِنْ قُلْنَا: يَدْخُلُ فَلَوْ خَرَجَ عَلَيْهِ رِقُّ الآخَرَانِ، وَلَوْ خَرَجَ عَلَى إِحْدَى الجِهَتَيْنِ لَمْ يُعْتَق إلاَّ ثُلُثَاهُ، وَمَوْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَلَكِنْ قَبْلَ امْتِدَادِ يَدِ الوَارِثِ إِلَيْهِ هَلْ يَكُونُ كالمَوْتِ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، فِيْهِ وَجْهَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ الخِلاَفَ فِي مَوْتهِ قَبْلَ القُرْعَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ.1234
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سبق في "الوصايا": أن التبرعات في مرض الموت، تُعْتَبَرُ من الثُلُثِ، وأن العتق من التبرعات، وقد يَنْدَفِعُ [لذلك] 1 وُقُوعُهُ في المرض وإنما يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ بعد حط قدر الدَّيْنِ، فلو 2 كان الدين مُسْتَغْرِقاً لم يُعْتَقْ منه شيء وسنعود إلى هذا.
وإذا عرف ذلك ففي الفصل مسألتان:
إِحْدَاهُمَا: إذا أعتق عبداً لا مال له غيره؛ لم يُعْتَقْ منه إلاَّ ثُلُثهُ وإن مات هذا العبد بعد موت السيد مات [وثلثه حراً] 3، وإن مَاتَ قبل موت السيد ففيه ثلاثة أَوْجُهٍ:
أَحدها: أن يموت رقيقاً كُلُّهُ؛ لأن ما يُعْتَقُ يَنْبَغِي أن يَحْصُلَ للورثة مِثْلاَهُ وهاهنا لم يَحْصُلْ لهم شيء 4، ويؤثر عن الشيخ أَبِي زَيْدٍ -أنه قال: أَجَبْتُ به في مجلس الشيخ أَبِي بَكْرِ المَحْمُودِيِّ فَرَضِيَهُ وَحَمَدَنِي عليه.
والثاني: أنه يموت حراً كُلُّهُ؛ لأن ما يَهْلَكُ في حياة المُوَرِّثِ لا حق فيه للورثة؛ حتى يَرُدَّ تَبَرُّعَهُ لحقهم، ولأنه لا فائدة في إِرْقَاقِ شيء منه فلا 5 يحصل للورثة منه شيء.
والثَّالِثُ -وبه قال القَفَّالُ: أنه يموت ثُلُثُهُ حراً، وُثُلُثَاهُ رقيقاً كما لو مات بعد موت السيد؛ ولأنه لو عَاشَ عَاشَ على الرِّقِّ والحرية فإذا مات مات عليهما.
والأصح عند الصَّيْدَلاَنِيِّ الوجه الأول، ولم يورد في "التَّهْذِيبِ" إلاَّ الوجهين الآخرين، وبناهما على أنه إذا زاد التَّبَرُّعُ على الثُّلُثِ، وأجازه الوارث؛ فهو تَنْفِيذٌ لما فعله المورث أو ابتداء عَطِيَّةٍ، وتمليك من الوارث؛ إن قلنا بالأول، فيموت حراً؛ لأن ما فعله المورث تنفيذ، وإن قلنا بالثاني، فلا؛ لأن تَبَرُّعَهُ غَيْرُ نَافِذٍ فيما زاد على الثُّلُثِ.
وتظهر فائدة الخلاف في شيئين:
أحدهما: وهو المذكور في الكتاب: إذا وَهَبَ في مرض الموت عبداً لا مال له غيره وَأَقْبَضَهُ، ومات العبد قبل موت السيد فإن قلنا في مَسْأَلَةِ العتق يموت رقيقاً، فها هنا يموتُ على مِلْكِ الوَاهِبِ، وعليه مَؤُنَةُ تجهيزه، وإن قلنا يَمُوتُ حراً يموت هاهنا على مِلْكِ المَوْهُوبِ منه وعلَيه المُؤْنَةُ، وإن قُلْنَا بالوجه الثالث؛ وُزِّعَتِ المَؤُنَةُ عليهما.
والثاني: إذا كان لهذا العبد وَلَدٌ من مُعْتَقَةٍ كان وَلاَءُ الولد لموالي أُمِّهِ فإن قلنا: إنه
يموت حُرّاً، [فينجر] 1 الولاء إلى معتق الأب، وإن قلنا: يعتق ثُلُثُهُ ينجز ولاء الثلث، وقد ينجز الولاء في بعض الْعِتْقِ دُونَ بَعْضٍ كما لو 2 اشترى ابْنَا مَمْلُوكٍ أُمَّهُمَا معتقة أباهما بالسَّوِيَّةِ، ينجر ولاء نصف كل واحد منهما إلى الآخر، ويبقى النصف الآخر لمعتق الأم.
ولو أَعْتَقَ في المرض عَبْداً وله مَالٌ سواه فمات قبل موت المعتق؛ فقد ذَكَرَ الإِمام: أن جَمَاهِيرَ الأصحاب -رحمهم الله- قالوا: لا يحسب من الثلث ولا يُزَاحمُ أَرْبَابُ الْوَصَايَا، بل يجعل كان ذلك العبد لم يكن؛ لأن الوصية إنما تتحقق بالموت، فإذا لم تبق إلى الموت؛ لم يَدْخُلْ في الحِسَاب، وأنه يجيء على قولنا: إِنَّ حُكْمَهُ بعد الموت، كحكمه لو عاش أن يحسب من الثلث ويزاحم أرباب الوصايا.
ولو وَهَبَ عبداً، وأَقْبَضَهُ وله م الآخر فَتَلَفَ في يد المُتَّهَبِ قبل موت الوَاهِبِ، فهو كما لو أَعْتَقَهُ، وهذا كما أَنَّ هِبَتَهُ، ولا مال له سواه بمثابة إعتاقه، ولا مال له سواه، ولو أَتْلَفَهُ المُتَّهَبُ فهو كما لو كان باقياً حتى إذا 3 كان له مال آخر فيحسب من الثلث الموهوب، وإذا لم يخرج من الثلث يَغْرَمُ المتهب للورثة ما يزيد على الثلث بخلاف ما إذا تلف؛ لأن الهِبَةَ ليست مُضَمَّنَةً، والإِتْلاَفُ مُضَمَّنٌ على كل حال.
وأشار الإِمام إلى أنه يحتمل أن تَجِبَ الضَّمَانُ في صورة التلف، إذا قلنا: "أنه يُحْسَبُ من الثلث"، فَإنَّ الزائدَ على الثلث حينئذ، يَتَبَيَّنُ أنه تَلَفَ في يده لغيره، فيكون كما لو وَهَبَ الْغَاصِبُ المَغْصُوبَ من غيره، وَأَقْبَضَهُ فتلف في يد الموهوب منه فإنا قد نقول: باستقرار الضمان عليه.
قال: وبتقدير ألا يجب الضمان في التَّلَفِ، فيجوز ألاَّ يجب في صورة الإتلاف أيضاً، كما أَنَّ الوَاهِبَ في [حياته] لا يُطَالِبُ الْمَوْهُوبَ منه بشيء سواء تَلَفَ المَوْهُوبُ في يَدِهِ، أو أَتْلَفَهُ.
الثانية: إذا أَعْتَقَ ثَلاثَةَ أَعْبُدٍ قيمتهم سواء، وهو لا يملك غيرهم، فمات أَحَدُهُمْ قبل موت السَّيِّدِ، فالذي بوجد للأصحاب على اختلاف طبقاتهم، وهو مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه-: أن المَيِّتَ يَدْخُلُ في القُرْعَةِ، وذكر الإِمَامُ أَنَّ قِيَاسَ ما ذكرنا في العبد الواحد، أَنْ يُجْعَلَ الْفَائِتُ كالمعدوم، ويُقَدَّرُ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ عبدين، لا مال له سِواهُمَا، وأقام صاحب الكتاب هذا وَجْهاً 4 فقال: "يُجْعَلُ المَيِّت كالمعدوم، أم يَدْخُلُ
في القرعة؟ فيه خلاف".
ولك أن تقول: [نحن] 1 في الصورتين جميعاً نبقي للورثة مِثْلَيْ مَا مات [الموروث] 2 عنه، ولا يَدْخُل الغائب في حساب التَّرِكَةِ على ما سَيَتَّضِحُ في التفريع، لَكِنَّ العَدَدَ من العبيد مَحَلُّ القُرْعَةِ، وَإِدْخَالُهُ في القُرْعَةِ يَنْفَعُ الوَرَثَةَ والعبد الواحد ليس مَحَلَّ القرعة وإذا أدخل الميت في القرعة، فإن خَرَجَ له سَهْمُ العتق بَانَ أنه مات حُراً مَوْرْوثاً عنه وَرَقَّ الآخَرَانِ، وإن خرج له سَهْمُ الرِّقِّ؛ لم يُحْسَبْ على الورثة؛ لأنهم يَسْتَغْنُونَ بالمال، وَمَنْفَعَتِهِ وَيُحْتَسَبُ بهِ عن المُعْتِقِ؛ لأن المُعْتِقَ يبغي الثواب، وتُعَادُ القرعة بين العبدين، كما لو لم يكن إلاَّ عبدان فَأَعْتَقَهُما فمن خَرَجَ له سَهْمُ العتق، عتقَ ثُلُثَاهُ وَرَقَّ 3 ثُلُثُهُ مع 4 العبد الآخر، ولو خَرَجَ سَهْمُ العتق ابتداءً على أحد الْحَيَّيْنِ، فكذلك يُعْتَقُ ثُلُثَاهُ ويمكن أن يقال: إذا لم يَكُنِ المَيِّتُ من التركة وَخَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ على أحد الحيين وَأَقَمْنَا فيهما رَسْمَ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَينِ، فيفرد المَيِّتُ بالحكم حتى يجيء الخلاف في أنه يموت حُراً أو رَقِيقاً، كما لو أَعْتَقَ عبداً لا مال له غيره، ولو مات أَحَدُهُم بعد موت السَّيِّدِ، وَقَبْلَ امْتِدَادِ يَدِ الْوَارِثِ إلى التَرِكَةِ فالحكم كما لو مات قبل موت السَّيِّد.
وَلَفْظُ الصَّيْدَلاَنِيِّ يَقْتَضِي الاكْتِفَاءَ [بألاَّ] يكون المَيِّتُ في يده لثبوت الحكم المذكور، وإن مَاتَ بعد امتداد يد [الوارث إلى التركة] 5 وقبل الإِقْرَاعِ ففيه وجهان:
أَصَحُّهُمَا: أنه يُحْسَبُ المَيِّتُ على الورثة، حتى لو خَرَجَتِ القُرْعَةُ لأحد الحيين يعتق كُلُّهُ، وذلك لِأَنَّ الميت دخل في أيديهم وَضَمَانِهِم.
والثاني: أَنَّ الحُكْمَ كما لو مات قَبْلَ ثبوت أَيْدِيهِم على التَرِكَةِ؛ لِأَنَّهُم لا يَتَسَلَّطُونَ على التصرف، وإن ثَبَتَتْ يَدُهُمُ الحِسِّيَّةُ.
وقوله في الكتاب: "وَمَوْته بعد مَوْتِ السَّيِّدِ، ولكن قبل امتداد [يد الوارث".
إلى آخره في إثبات وجهين فيما قبل 6 امتداد أيديهم]، وفي أن بَعْضَهُم طرد الوجهين فيما إذا مات بعد امتداد أيديهم، والذي يُوجَدُ لغيره أَنَّ الحُكْمَ فيما إذا مات قبل الامتداد كهو فيما إذا مات قبل موت السيد وإن فيما بعد الامْتِدَادِ وَجْهَيْنِ، وكذلك ذكره الإِمَامُ، وصاحب الكتاب في "الوَسِيطِ" وما ساقه في الكتاب من تَفَرُّدَاتِهِ ولا يُؤْمَنُ صُدُورُ مِثْلِهِ عن السَّهْوِ، ولو كانت الصُّورَةُ بحالها، ومات اثنان قبل موت السَّيِّد فعن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنه يُقْرَعُ بينهم، فإن خَرَجَ سَهْمُ العتق على أَحَدِ المَيِّتِيْنَ عتق نِصْفُة، وَيَحْصُلُ للورثة مِثْلاَهُ، وهو العبد الحي، وإن خَرَجَ سَهْمُ الرِّقِّ عليه أَقرَعْنَا بَيْنَ المَيِّتِ الآخَرِ وَبَيْنَ
الحَيِّ، فَإنْ خَرَجَ سَهْمُ العتق (1) على الميت الآخر؛ أَعْتَقْنَا نِصْفَهُ الآخر، وإن خَرَجَ سهم الرق عليه؛ لم يُحْسَبْ على الورثة، وَأَعْتَقْنَا ثُلُثَ العبد الحي.
وَلَوْ قُتلَ أَحَدُ العبيد قبل موت السَّيِّد، أو بعده؛ فيدخل الْقَتِيلُ في القرعة لا محالة؛ لأن قيمته تَقُومُ مقامه فإن خَرَجَ سَهْمُ العتق لِأَحَدِ الْحَيَّيْنِ عتق كُلُّهُ وللورثة الآخر وقيمة القتيل فإن خرج لِلْقَتِيلِ بَانَ أنه قُتِلَ حُرّاً، وعلى قاتله الدِّيَة لِوَرَثَتِهِ، وأما القِصَاصِ فعن بعض الأصحاب: أنه لا يجب إن كان قاتله حراً بخلاف ما إذا قال لعبده: إنْ جُرِحْتَ؛ فأنت حر قبله، فَجَرَحَهُ حُرٌّ، ومات من الجِرَاحَةِ حيث يجب القصاص؛ لِأَنَّ الحُرِّيَّةَ مُتَعَيِّنَةٌ فيه، وهَاهُنَا التَّعْيِينُ بِالْقُرْعَةِ.
قال "صاحب التَّهْذِيب": يُحْتَمَلُ أن يَكُون في المَسْأَلَتَيْنِ جميعاً وجهان؛ لأنه قتل من اعْتَقَدَ رِقَّهُ، كما لو قَتَلَ من عَرَفَهُ رقيقاً فَبَانَ أنه كان عُتِقَ ففي وجوب القصاص قولان.
وَاعْلَمْ أن الكلامَ في المسألة الثانية من فروع القرعة، والخاصِيَّةُ (2) الرَّابعَةُ أَحَقُّ بِأَنْ تودع (3) فيها، وَلَكِنْ لما ذكرت (4) مَوْتَ العبد الواحد إذا أَعْتَقَ؛ عَقِبَهُ بالقوَل في موت الواحد من الجَمَاعَةِ، إذا أعتقوا وقد يُوجَدُ في كثير من نُسَخِ الْكِتَاب في آخر الفصل، "وإن كان بعد موت السيد" وهو غَلَطٌ وَالصَّوَابُ بعد ثبوت اليد أو بعد امتداد اليد.
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: (الخَاصِيَّةُ الرَّابِعَةُ:) القُرْعَةُ
وَمَحَلُّهَا أَنْ يَعْتِقَ عَبِيْداً مَعاً يَقْصُرُ الثُّلُثَ عَنْهُمْ، وَلَوْ أَعْتَقَ عَلَى تَرْتِيبٍ فَالسَّابِقُ مُقَدَّمٌ، وَلَوْ أوْصَى عَلَى تَرْتِيْبٍ أَوْ جَمْعِ أَقْرَعَ، وَقِيلَ: لاَ قُرْعَةَ فِي الوَصِيَّةِ بَلْ يقسم عَلَيْهِمْ، وَلَوْ قَالَ الثُّلُثُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُرٌّ فَفِي إِجْرَاءِ القُرْعَةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ الخَاصية مُرَتَّبٌ 5 على طَرَفَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: في مَحَلِّ القُرْعَةِ -وهو أَنْ يَعْتِقَ عبيداً في مرض موته دَفْعَةَ وَاحِدَةً يقصر عنهم ثلث ماله، ولم يجز للورثة صنيعه فَيَقْرَعُ بينهم لِتَجْتَمِعَ الحرية في بعضهم؛ فَيُعْتَقُ بِكَمَالِهِ، أو يقرب من العتق وبه قال مَالِكٌ، وَأحْمَدُ.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: لا يُقْرَعُ، بل يُعْتَقُ من كل واحد ثُلُثَهُ وَيُسْتَسْعَى في الباقي وقد ذكرناه مع مُعْتَمَدِنَا في القُرْعَةِ، وهو خَبَرُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -رضي الله عنه- في كيفية1234
احتساب التَّبَرُّعَاتِ من الثُّلُثِ من "كتاب الوصايا"، وفي [الضابط] 1 المذكور قيود:
أَحَدُهَا: وُقُوعُ الإِعْتَاقِ في مرض الموت، فإن أَعْتَقَهُم لاَ فِي مَرَضِ الموت عتقوا جميعاً ولا قُرْعَةَ.
والثاني: أَنْ يَعْتَقِهُم دَفْعَةً واحدة، مثل: أَنْ يُوَكِّلَ بإعْتَاقِ كل واحد وكيلاً [فيعتقوا] 2 معاً [أو] 3 يقول: هؤلاء أَحْرَارٌ أو يقول لهم: أَعْتَقْتُكُم، أو أنتم أحرار فإن أَعْتَقَهُم على الترتيب يقدم الأَوَّلُ فَاَلأَوَّلُ إلى أن يتم الثُّلُثَ وذلك مثل أن يقول: سَالِمٌ حُرٌّ، وَغَانِمٌ حر، وفائق حُرٌّ، ولو قال: سالم وغانم وفائق أحرار فهو محل القرعة.
ولو قال: سالم وغانم وفائق حر -فعن القاضي أَبِي حَامِدٍ: أنه يراجع، فإن قال: أردت حرية كل واحد منهم فهو كما لو قال: أَحْرَارٌ؛ وإن قال: أردت حرية الأخير قُبِلَ ولا قُرْعَةَ.
وإن قال: أردتُ حُرِّيَّةِ غَيْرِه لم يُقْبَلْ.
والثالث: أن يقصر عنهم ثلث ماله، ولا يجيز الورثة فإن وَفَّى الثُّلُثُ بالمعتقين أو أجاز الورثة عتقوا جميعاً.
ولو أوصى بإعتاق عبيد 4 ولم يَفِ الثُّلُثُ بِهِمْ، ولم يُجزِ الوَرَثَةُ فيقرع أيضاً ولا فرق هاهنا بين أَنْ يُوصِيَ بإعتاقهم دفعة واحدة، وبين أن يقول: أَعْتِقُوا عبدي فلاناً ثم يقول: أَعْتِقُوا فلاناً؛ لأن وقت الاستحقاق واحد وهو الموت، بخلاف ما إذا رَتّبَ الإِعْتَاق المنجز إلاَّ أن يُقَيَّدَ فيقول: أَعْتِقُوا فلاناً ثم فلاناً، ولو عَلَّقَ العِتْقَ بالموت فقال: إذا مُتُّ فأنتم أحرار أو أَعْتَقتُكُمْ بعد موتي، أَوْ رَتَّبَ فقال: إِذا مُتُّ فَفُلانٌ حُرٌّ ثمَّ قَالَ: إذا مُتُّ فَفُلاَنٌ حُرٌّ يُقْرَعُ أيضاً، وفي الوَصِيَّةِ وتعليق العتق وَجْهٌ: أنه لا قُرْعَةَ بل يُعْتَقُ من كل وَاحدٍ ثُلُثَهُ؛ لأن الْقُرْعَةَ على خلاف القياس، وإِنَّمَا ورد بها الخبر في الإعتاق المُنْجَزِ، وقد ذكرنا هذا في "الوَصَايَا"، والظَّاهِرُ الأول.
ولو قال: أَعْتَقْتُ ثُلُثَ كُلِّ واحد منكم، أو أَثْلاَثُ هَؤُلاَءِ أَحْرَارٌ.
فوجهان:
أحدهما: أنه [لا] 5 يُقْرَعُ بَيْنَهُم، بل يُعْتَقُ من كل واحد ثُلُثه لِتَصْرِيحِهِ بِالتَّبْعِيضِ وأصحُّهما -على ما ذُكِرَ في "التَّهْذِيبِ": أنه يُقْرَعُ أيضاً؛ لأن العبيد له على الخلوص، وِإعْتَاقُ بَعْضِ العبد الخَالِصِ كَإعْتَاقِ كُلِّهِ وصار كما لو قال: أعتقتكم -وقد سبق هذا في "الوصايا" أيضاً، وسبق أنهَ لو قَال: أَعْتَقْتُ ثُلُثَكُم- أو ثلثكم حُرٌّ فهو كقوله: أعتقتكم أو كقوله: أَثْلاَثُ هَؤُلاَءِ أَحْرَارٌ فيه طريقان -وأنه لو أَضَافَ إلى الموت فقال: ثُلُثُ كُلِّ
واحد حُرٌّ بَعْدَ موتي أَوْ أَثْلاَثُ هَؤُلاءِ أحرار بعد موتي، [فيعتق] 1 مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهُ ولا يُقْرَعُ؛ لأنَّه لا سِرايَةَ بعد الموت، وحكى 2 وَجْهاً آخَرَ: أنه يقرع كما لو نجز في المرض وَالظَّاهِرُ الأَوَّلُ، وعليه فَرَّعَ ابْنُ الحَدَّادِ، ولصاحب الوجه الآخر أن يقول: نعم لا سِرَايَةَ بعد الموت، وَلَكِنَّ قوله: "ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ منكم حُرٌّ نزلتموه منزلة" قوله: "أَعْتَقْتُكُم حِين 3 حَكَمْتُمْ بِالقُرْعَةِ فِيهِ" في أظهر الوجهين، وإذا نزل منزلته فلو قال: أعتقتكم بعد موتي يُقْرَعُ بينهم فكذلك 4 إذا قال: ثُلُثُ كُلِّ واحد منكم حُرٌّ بعد موتي، فاعتدّ بأن أحدهما يعتبر لمعرفة الثلث فيمن أَعْتَقَهُ منجزاً في المرض قيمة يوم الإعتاق وفيمن أَوْصَى بعتقه يوم الموت؛ لأنه وَقْتُ الاسْتَحْقَاقِ [وفيما] 5 يبقى للورثة أَقَلُّ قِيمَةٍ من يوم الموت إلى أن يقبضوا التركة؛ لأنه إن كانت قيمة يوم الموت أقل فالزيادة حصلت في ملكهم وإن كانت قيمة يوم القبض أقل.
فما نقص قبل ذلك لم يدخل في يدهم فلا يحسب عليهم كما يغصب أو 6 يضيع من التركة قبل أن يقبضوه، وإذا نجز إعتاق عبد في المرض وأوصى بإعتاق آخر قومنا الأول حال إعتاقه والآخر [حال الموت] 7 وبقية التركة بأقل القيمتين، فإن خرجا من الثلث عتقا وإن خرج [أحدهما] 8 أعتقتا المنجز إعتاقه وإن زاد الثلث على أحدهما أعتقنا بقدر الزيادة من الموصى لإعتاقه وإن نقص الثلث أعتقنا بقدره [من] 9 المنجز إعتاقه.
ولو أعتق في المرض عبداً مبهماً بأن قال: أحد هؤلاء حر، أو أوصى لإعتاق [واحد] 10 منهم أيضاً بأن قال 11: أعتقوا أحد هؤلاء -ففي "جمع الجوامع" للروياني: أنه يكتب رقعة للعتق، وأخرى للوصية، ورقعتان للتركة، فمن خرج له العتق فكأنه أعتقه بعينه ومن خرج له الوصية فكأنه أوصى بإعتاقه بعينه ثم يكون الحكم كما سبق.
وفي "الشامل": أنه يميز الثلث بالقرعة أو لا، ثم يميز بين المنجز إعتاقه وبين الآخر.
والثانية: كل عبد من المنجز إعتاقهم عتق بالقرعة يحكم بعتقه من يوم الإعتاق لا من يوم القرعة ويسلم له ما اكتسبه من وقت الإعتاق غير محسوب من الثلث سواء اكتسبه في حياة المعتق أو بعد موته وكل من بقي رقيقاً منهم فأكسابه قبل موت المعتق
تحسب على الوارث في الثلثين وأكسابه بعد موته وقبل القرعة لا تحسب عليه لحصوله على ملكه، فلو أعتق في مرضه ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم قيمة كل واحد مائة، واكتسب أحدهم مائة، وأقرعنا فإن خرجت القرعة للمكتسب عتق وفاز بكسبه ورق الآخران، وإن خرجت لأحد الآخرين عتق، ثم تعاد القرعة بين المكتسب والثاني فإن خرجت للثاني عتق ثلثه وبقي [ثلثاه مع المكتسب] 1 وكسبه للورثة وإن خرجت للمكتسب وقع في الدور لأنه يعتق بعضه ويتوزع الكسب على ما عتق وعلى ما رق ولا [يحسب] 2 عليه حصة ما عتق وتزيد التركة بحصة ما رق وإذا زادت التركة زاد ما عتق وتزيد حصته وإذا زادت حصته نقصت حصة التركة وطريق استخراجه قد بيناه في المسائل الدورية من "الوصايا" والحكم: إنه يعتق منه ربعه ويتبعه ربع كسبه، يبقى للورثة ثلاثة أرباعه وثلاثة أرباع كسبه مع العبد الآخر، وجملتها ضعف ما عتق.
ولو اكتسب أحدهم مائتين وخرجت القرعة الثانية لغير المكتسب عتق ثلثاه، وبقي ثلثه، والمكتسب وكسبه للورثة، وإن خرجت للمكتسب فقد عتق منه شيء وتبعه من الكسب شيئان؛ لأن كسبه مثلا قيمته تبقى للورثة أربعة أعبد إلاَّ ثلاثة أشياء، وإن شئت قلت أربع مائة إلاَّ ثلاثة أشياء تعدل ضعف ما عتق وهو عبدان وشيئان فبعد الجبر أربعة أعبد تعدل عبدين وخمسة أشياء نسقط عبدين بعبدين يبقى عبدان [وشيئان] 3 في مقابلة خمسة أشياء فالشيء خمس العبدين وهما خمساً عبد وذلك أربعون فقد عتق مائة وأربعون وبقي للورثة ثلاثة أخماسه ستون وثلاثة أخماس كسبه مائة وعشرون والعبد الآخر وجملتها مائتان وثمانون.
ولو اكتسب أحدهم خمسين وخرجت القرعة الثانية لغير المكتسب عتق سدسه وهو ستة عشر وثلثان 4 وبقي خمسة أسداسه والمكتسب وكسبه للورثة، وجملة ذلك مائتان وثلاثة وثلاثون وثلث ضعف ما عتق، وإن خرجت للمكتسب عتق منه شيء وتبعه من الكسب نصف شيء، يبقى للورثة عبدان ونصف سوى شيء ونصف شيء؛ وذلك عدل ضعف ما عتق وهو عبدان وشيئان فبعد الجبر يصير عبدان ونصف في معادلة عبدين وثلاثة أشياء ونصف، نسقط عبدين بعبدين تبقى المعادلة بين نصف عبد وبين ثلاثة أشياء ونصف والشيء من ثلاثة أشياء ونصف سبعاه فالشيء سبعا نصف عبد وسبعا نصف عبد سبع عبد فعرفنا أنه عتق منه سبعه وهو أربعة عشر وسبعان ويتبعه من الكسب سبعه غير محسوب عليه يبقى للورثة ستة أسباعه، وهي خمسة وثمانون وخمسة أسباع،
ومن الكسب ستة أممباعه، وهي اثنان وأربعون ستة أسباع، والعبد الآخر وهو مائة وجملة ذلك مائتان وثمانية وعشرون وأربعة أصباع ضعف ما عتق.
ولو كانت المسألة كما صورنا واكتسب كل واحد من العبيد مائة فمن خرجت له القرعة عتق وتبعه كسبه، ثم تعاد القرعة بين الآخرين، فمن خرجت له القرعة عتق منه شيء وتبعه من الكسب مثله يبقى مع الورثة أربعة أعبد سوى شيئين يعدل ضعف ما أعتقنا وهو عبدان وشيئان، فبعد الجبر يعدل أربعة أعبد عبدين وأربعة أشياء فنسقط عبدين بعبدين يبقى عبدان في مقابلة أربعة أشياء فالشيء نصف العبد، فعلمنا أنه عتق من هذا العبد نصفه وتبعه نصف كسبه غير محسوب يبقى للورثة نصفه الآخر ونصف كسبه والعبيد الآخر وكسبه، وجملته ثلاثمائة ضعف ما عتق، وقد قدمنا لهذه الصورة نظائر في "الوصايا" فلا نطول، وهذا كله في الأكساب الحاصلة في حياة المعتق.
ولو اكتسب واحد من العبيد في المثال المذكور مائة بعد موته فإن خرجت القرعة للمكتسب عتق وتبعه كسبه غير محسوب كما لو اكتسب في الحياة وإن خرجت القرعة لغير المكتسب عتق ورق الآخران، وَلاَ تُعَادُ الْقُرْعَةُ لِلْكَسْبِ بَلْ يَفُوزُ به الوَرَثَة؛ لحصوله في ملكهم، وَكَسْبُ من أَوْصَى بِإِعْتَاقِهِ في حياةِ الموصى، للموصى تَزِيدُ بِهِ التَّرِكَةُ والثلث، وكسبهُ بعد موته لا تزيد به التَّرِكَةُ وَالثُّلُثُ بلا خِلاَفٍ.
وحكى ابْنُ الصَّبَّاغِ: في أنه لِلْوَرَثَةِ، أو للعبد طريقين:
أَحَدُهُمَا: أن فيه قولين، كالقولين في أَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ المُوصَى بِهِ بعد موت المُوصِي، وَقَبْلَ الْقَبُولِ للورثة أو لِلْمُوصَى لَهُ.
وَأَصحُّهُمَا: القطع بأنه للعبد.
والفرق أَنَّهُ اسْتَحَقَّ العتقَ.
بموت الموصى اسْتِحْقَاقَاً مستقراً وَالمُوصى غير مستقر، بل المُوصَى لَهُ بالخيار، بين الرد والْقَبُولِ، وإذا زادت قيمة من نُجِزْ إِعْتَاقِه [بموت الموصى] 1 كانت الزيادة كالكسب.
فَمَنْ خرجت له قُرعَةُ العتق؛ تبعته الزيادة غَيْرَ مَحْسُوبَةٍ عليه، وهذا لو كان مِمَّنْ أَعْتَقَهُم جَارية فَوَلَدَتْ قَبْلَ مَوْتِ المعتِق؛ فالولد كالكسب، فإذا خرجت القُرْعَةُ لها؛ تَبِعَهَا الولد غَيْرَ مَحْسُوبٍ من الثلث، وَإِنْ خَرَجَتْ لغير الذي زادت قيمته، أو الذي وَلَدَتْ؛ وَقَعَ الدَّوْرُ 2، ولو أَعْتَقَ ثَلاثَةَ أَعْبُدٍ لا مال له غيرهم قِيمَةُ كُلِّ واحدٍ مِائَةٌ [فبلغت] 3 قيمة أَحَدِهِم مائتين فهو كما لو اكتسبت [أحدهم] 4 مِائَةً [ولو أعتق جاريتين قيمة كل واحدة مائة فولدت إحداهما ولداً قيمته
مائة، فهو كما لو اكتسب أحدهما مائة] 1 فإن خَرَجَتِ القُرْعَةُ للتي لم تلد؛ عتقت وَرَقَّتِ الوَالِدَةُ وَوَلَدُهَا، وَهُمَا ضِعْفُ ما أعتقنا، وَإِنْ خَرَجَتْ للوالدة عتق 2 منها شيء، وتبعها من الولد مثله؛ يبقى مع الورثة ثَلاثمائَةِ سوى شَيْئَيْن تَعْدِلُ ضِعْفَ ما أَعْتَقْنَا محسوباً وهو شيئان.
فبعد الجبر يَعْدِلُ ثَلاثمائَةٍ أَرْبَعَةُ أشْيَاءَ فَالشَّيْءُ رُبْعُ الثَّلاَثِمِائَة، وَرُبْعُ الثلاثمائة: ثلاثة أرباع المائة، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ عتق منها ثَلاثةُ أَرْبَاعِهَا وتبعها ثلاثة أرباع الولد، يَبْقَى مع الورثة ربعها، وربع الولد والجارية الأخرى، وجملة ذلك مائَةٌ وَخَمْسُونَ ضعف ما عتق منها، وَفَرْعٌ على هذا الأصل أَنَّهُ لو قال لجارية له حامل في مرض موته: أَنْتِ حُرَّةٌ أو ما في بطنك فَوَلَدَتْ لِمَا دُونَ سِتَّةِ أشهر من يوم الإِعتاق، ولم يتفق تعيين فيقرع بينهما، فإن خَرَجَتْ لِلْوَلَدِ عتق دون الأم، فإن لم يَفِ به الثلث؛ عتق منه بقدر الثلث، وإِنْ خرجت للأم عُتِقَتْ وتبعها الولد إن وَفَّى بهما الثُّلُثُ، وَإِلاَّ فيعتق منها شيء، وتبعها من الولد شيء.
وطريق الاسْتِخرَاجِ ما ذكرناه فيما إذا أَعْتَقَ عبداً واحداً فاكتسب في "باب الوصايا"، وتقويم الولد إنما يكون في يوم الولادة، وهذا الذي ذكرناه فيما إذا ولدت الجارية قبل موت المُعْتِقِ، فإن 3 وَلَدَتْ بعد موته؛ نُظِرَ إن ولدت لأَكْثَرَ من ستة أشهر من يوم الموت، فَالْوَلَدُ كالكسب الحاصل بعد موتهِ، إنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَة للوالدة؛ عتقت، وتَبِعَهَا الْوَلَدُ، وإن خَرَجَتْ لغير الوالدة؛ عُتِقَتْ، ولا تُعَادُ الْقُرْعَة للولد؛ لأنه حَدَثٌ على مِلْكِ الورثة، وإن وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فهل تحسب على الوارث حَتَّى تُعَادَ الْقُرْعَةُ؟
قال "صَاحِبُ التَّهْذِيبِ": يُبْنَى على أَنَّ الحملَ هل يعرف؟ إن قلنا: لا فهو كالحادث بَعْدَ الموت، فَلاَ تُعَادُ، وإن قلنا: نعم فكالحادث بَعْدَة فتعاد، وَأَطْلَقَ الصَّيْدَلاَنِيُّ حكاية وجهين في أنه: إذا وَلَدَتِ الجَارِيةُ بعد الموت، هل يُحْسَبُ الولد على الوَرَثَةِ من الثُّلُثَيْنِ؟ ولو نقصت قيمة من نجز عتقه قبل موت المُعْتِقِ فإن كان النقصان فيمن خرجت له قرعة العتق؛ فهو محسوب عليه؛ لأَنَّهُ محكوم بعِتْقِهِ من يوم الإعتاق وإن كان فيمن رَقَّ؛ فلا يُحْسَبُ على الورثة إذا لم يحصلْ لهم إلا النَّاقِصُ.
فلو أعتق عبداً لا مال له غَيْرُهُ قيمته مائَةٌ فرجع 4 إلى خَمْسِينَ.
فقد ذكرنا طريق استخراجه في "الوصايا".
وبإيراد آخر نقول: عتق منه شيء ورجع إلى نصف شيء يبقى خمسون ناقصة فنصف شيء يَعْدِلُ ضِعْفَ ما عتق، وهو شيئانِ، فبعد الجَبْرِ يَعْدِلُ خمسون شيئين
ونِصْفَ شَيْءٍ، فَعَرَفْنَا أنه يعتق منه خمسه؛ لأن النصف من شيئين، ونصف خمس، وإن كان قيمته يوم الإعتاق عشرين فعاد إلى عشرة، وبقي للورثة أربعة أخماسه وقيمته يوم الموت أربعون، وهي ضعف ما عُتِقَ، ولو أَعْتَقَ ثَلاثةَ أَعْبُدٍ قِيمَةُ كل واحد مائة فعادت قيمة أحدهم إلى خمسين، فإن خَرَجَتِ القُرْعَةُ للذي انتقص قيمته عتق، ولا يُعْتَقُ من الآخرين شيء؛ لأنه كانت قيمته يوم الإعتاق مائة، فينبغي أن يبقى للورثة ضعفها، وإن خرجت لأحد الآخرين عتق منه خمسة أسداسه، وهي بالقيمة ثلاثة وثمانون وثلث، ويبقى للورثة سُدُسُهُ والعبد الآخر [و] الذي نقصت قيمته، وجملتها: مائة وستة وستون وثلثان وهي 1 ضعف ما عتق، وإنما كان كذلك لِمَا ذكرنا أن المحسوب على الورثة الباقي بعد النقصان، وهو مائتان وخمسون.
ولو أعتق عبدين قيمة كل واحد منهما مائة، ولا مال له سواهما فعادت قيمة أحدهما إلى خمسين فإن خرجت القرعة للذي لم تنقص قيمته؛ عتق نِصْفُهُ وبقي للورثة نصفه والعبد الآخر، وهما ضعف ما عتق، وإن خرجت للذي انْتُقِصَ وَقَعَ الدَّوْرُ لأنا نحتاج إلى إعتاق بعضه مُعْتَبَراً بيوم الإعتاق، إلى إبقاء بعضه للورثة مُعْتَبَراً بيوم الموت، وَطَرِيقُهُ أن يُقَالَ: عتق منه شيء، وعاد إلى نصفه يبقى للورثة مائة وخمسون سوى نصف شيء، وذلك يَعْدِلُ ضِعْفَ ما أعتقنا، وضِعْفُ ما أعتقنا شيئان، فبعد الجبر يعدل مِائَةٌ وخمسون شيئين ونصف شيء والشيء من شيئين، ونِصْفُ خُمُسَاهُ وَخُمْسا مِائَةٍ وخمسين ستون، فعلمنا أَنَّهُ عُتِقَ من العبد يوم الإعتاق ستون، وعاد هذا المبلغ إلى ثلاثين يبقى للورثة خمساً: هذا العبد، وهو عشرون، والعبد الآخر وهو مائة، والمائة والعشرون ضعف الشيئين، وَإِنْ حَدَثَ النقصان بعد موت المعتق، وقبل الإِقْرَاعِ فهل يحسب النقصان على الورثة؟ قال في "التَّهْذِيبِ": إن كان الوارث [مقصور] 2 الْيَدِ عن التَرِكَةِ؛ لم يحسب عليه، كما في حال الحياة وإلاَّ فوجهان:
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا تحسب عليه، وهذا كالخلاف الذي مَرَّ فيما إذا مات بَعْضُهُم.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَسْهَلُ طُرُقِ القُرْعَةِ إِذَا كَانُوا ثَلاَثةً أَنْ يَكْتُبَ الرِّقَّ عَلَى رُقْعَتَيْنِ وَالحُرِّيَّةُ عَلَى رُقْعَةٍ وَتُدْرَجَ فِي بَنَادِقَ مُتَشَابِهَةٍ وَتُعْطَى صَبِيّاً حَتَّى يُعْطِي كُلَّ عَبْدٍ وَاحِداً، وَلاَ يَتَعَيَّنُ الكَاغِدُ بَلْ يَجُوزُ بِالخَشَبِ وَالنَّوَى، وَلاَ يَجُوزُ بِشَيْءٍ آخَر فِيْهِ خَطَر؛ كَقَوْلِهِمْ: إِنْ طَارَ غُرَابٌ فَفُلاَنٌ يتَعَيَّنُ لِلْحُرِّيَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الطَّرَفُ الثاني في كَيْفِيَّةِ الْقُرْعَةِ والتجزئة التي تترتب عليها القرعة، وفيه فصلان:
الأول: في كيفية القُرْعَةِ -وقد مَرَّ في "باب القسمة": أن للقرعة طريقين:
أحدهما: أَنْ يَكْتُبَ أسماء العبيد في رِقَاع ثمَ يَخْرُجُ على الرِّقِّ والحرية.
والثاني: أن يكتب في الرقاع "الرق" و"الحرية" وَيَخْرُجُ على أسماء العبيد.
وذكرنا أن من الأصحاب -رحمهم الله- من أثبت قولين في أنه يقرع بالطريق الأول، أو الثاني؟ وأن في كون ذلك الخلاف في الجواز، أو الأَوْلَويَّةِ؟ خلافاً آخر، وَأَنَّ عَامَّتَهُم ذهبوا إلى أن في العتق يَسْلُكُ ما شاء من الطريقين ولفظ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الْمُخْتَصَرِ" يدل عليه، وإِثْبَاتُ الأسماء والإخراج على الرق والحرية أَخْصَرُ؛ لِأَنَّ إِثْبَاتَ الرق والحرية، والإخراج على الأسماء قد يُحْوِجُ إلى إعادة القرعة مرة أخرى كما سنفصل.
وَاسْتَحَبَّ الشَّافعي -رضي الله عنه- على الطريقين أن تكون الرِّقَاعُ صغاراً؛ لتكون أخفى، وأن تكون متساوية، وأن تدرج في بَنَادِقَ، وتجعل في حجر من لم يحضر هناك على ما بينا في "القسمة"، وأن تُغَطَّى بثوب، ويدخل من يخرجها اليد تحته، وكل ذلك ليكون أبعد عن التُّهْمَةِ؛ ولا تتعين الرقاع، بل تجوز القرعة بأقلام متساوية وبالنوى وبِالبَعَرِ.
وقد روِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- أَقْرَعَ في قسمة بعض الغنائم بِالبَعَرِ، وأنه أَقْرَعَ مرة بِالنَّوَى.
وذكر الصَّيْدَلاَنِيُّ أنه: لا يجوز أن يُقْرَعَ بِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ كدواة وقلم، وحصاة وقد يتوقف في هذا؛ لأن المخرج إذا لم يعلم ما اختاره كُلُّ واحد منهم لا يظهر فيه حَيْفٌ، ويدل عليه ما ذكر الإِمَامُ: أَنَّ الْغَرَضَ تحكيم القرعة على وجه لا يبقى فيه خيال الخيانة، وَالمُوَاطَأَةِ، ولسنا نضبط وجهاً من القرعة ولذلك قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه-: "أَحَبُّ القرعة إِلَيَّ وأبعدها عن الحيف رِقَاعٌ صِغَارٌ... " إلى آخره.
ولا يَجُوزُ الإعراض عن القرعة أصلاً، والتمييز بطريق آخر، بأن يَتَّفِقُوا على أنه إن طار غُرَابٌ ففلان حر، أو أنَّ مَنْ وَضَعَ على 1 صبي يده فهو حر، أو أن يراجع شخص لا غرض له في تعيين عبد الرق، أو العتق، بل يَتْبَعُ ما ورد به الخبر، وللإمام هاهنا بحثان 2:
أحدهما: إذ كنا نَعْتِقُ عبداً، وَنَرِقُّ عبدين، ورأينا إثبات الرق والحرية فقد قال الأَصْحَابُ -رحمهم الله-: يَثْبُتُ الرق في رقعتين، والحرية في رقعة على نسبة المطلوب في القلة، والكثرة، فإن ما يكثر فهو أحرى [بسبق] 3 اليد إليه وفي كلامهم ما
يدل على استحقاق ذلك، ومنهم من عَدَّهُ احتياطاً وقال: يكفي رُقْعَةٌ للرق، وأخرى للحرية، ثم إذا خرجت واحدة باسم أحدهم وخرجت رقعة الحرية؛ انفصل الأمر، وإن خرجت رقعة الرق احتجنا إلى إدراجها في [البيذقة] 1 مرة أخرى.
والثاني: قال: إذا أثبتنا الرق والحرية، فَقَالَ المُخْرِجُ: أُخْرِجُ على اسْمِ هذا ونازعه الآخرون، وقالوا:، أَخْرِجْ على أسمائنا، وأثبتنا الأسماء وقال المخرِج: أُخْرجُ على الحرية، وقالوا: أَخْرِجْ على الرق أو تَنَازَعَ الوَرَثَةُ والعبد.
فقال الورثة: أَخْرِجْ على الرق، وقال الْعَبْدُ على الحرية.
فهذا لم يتعرض له الأصحاب وفيه احْتِمَالاَنِ، إن أثبت الرق والحرية:
أحدهما: أن يُقْرعَ بين العبيد أولاً، حَتى يتعين من يعرض على الرق والحرية، فإذا تعين واحد أخرجت رقعة على اسْمِهِ.
والثانية: أن يثبت الحرية على رقعة والرق على رقعتين، وَيُعْطِي المُخْرِجُ كُلِّ عبد رقعة، وقد سبق في "باب القِسْمَةِ" أن تعيين من يبتدأ به من الشركاء والإجراء 2 مَنُوطٌ بِنَظَر القَسَّامِ فيمكن أن يُنَاطَ هاهنا أيضاً بِنَظَرِ مَنْ يَتَوَلَّى الإقراع من قاضٍ، أو وَصِيٍّ حيث 3 يبتدئ بمن شاء، ولا يلتفت إلى مضايقاتهم.
وقوله في الْكِتَاب: "وأسهل طرق الْقُرْعَةِ... " إلى قوله: "حتى يعطي كل عبد واحداً" كأنه يعني به: أَنَّ إِثْبَاتَ الرق والحرية، وتسليبم رقعة إلى كل واحد أدفع للمنازعة في البداية، وهذا الاحتمال الثاني ذكره الإِمام، وَإِلاَّ فقد بَيَّنَّا أَنَّ إثبات الأسماء، والإخراج على الرق.
والحرية أَخْصَرُ وَأَيْسَرُ، وإعطاء كل عبد رقعة ليس بشرط في الإقراع، بل يكفي الإخراج بأَسْمَائِهِمْ وأعيانهم ويمكن أن يعلم قوله: "وأسهل طرق القرعة" بالواو؛ إِشَارَةٌ إلى قوله: من أثبت الخلاف في أنه الطريق هذا أو هذا، فإن من عَيَّنَ طريقاً لا يجعل للقرعة طريقين أو طرقاً حتى يكون أحدها أسهل.
وقوله: "ولا يجوز بشيء آخر فيه خَطَرُ" [لم يقل: بشيء فيه خطر] 4 إِشَارَة إلى أن في إخراج القرعة خطراً أيضاً لكن الشرع عينها، فلا مَعْدِلَ عنها إلى غيرها [والله أعلم] 5.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (أَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّجْزِئَةِ) فَسَهْلٌ إِذَا أَمْكَنَ تَجْزِئَتُهُمْ بِثَلاثَةِ أَجْزَاءٍ مُتَسَاوِيَةٍ فِي
القِيْمَةِ وَلاَ بَأْسَ إِنْ لَمْ يَتَسَاوَ عَدَدُهُمْ بَلْ يُجْبَرُ الخَسِيْسُ بِالنَّفِيْسِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَمَا لَوْ كَانُوا ثَمَانِيَةَ أَعْبُدٍ قِيْمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِائَةٌ، فَفِي قَوْلٍ يَجِبُ تَجْزِئَتُهُمْ بِثَلاثةِ أَجْزَاءٍ تَقْرُبُ مِنَ التَّثْلِيثِ فِي القِيْمَةِ فَيُجَزَّءُونَ إلَى ثَلاثَةٍ وَثَلاَثَةٍ وَاثْنَيْنِ، فَإِنْ خَرَجَ عَلَى ثَلاثةٍ انْحَصَرَ العِتْقُ فِيْهِمْ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ رِقٍّ وَسَهْمَي عِتْقٍ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ الرِّقُّ رَقَّ ثُلُثُهُ لِيَرْجِعَ كُلُّ العِتْقِ إلَى قَدْرِ الثُّلُثِ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَى اثْنَيْنِ عُتِقَا ثُمَّ يُعَادُ بَيْنَ السِّتَّةِ إلَى أَنْ يَخْرُجَ العِتْقُ لِوَاحِدٍ فَيُرَقُّ ثُلُثُهُ وَيُعْتَقُ ثُلُثَاهُ، وَالقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ التَّثْلِيثَ لاَ يَجِبُ بَل يَجُوزُ القُرْعَةُ كَيْفَ اتَّفَقَ إلَى أَنْ يُؤَدِّي إِلَى المَقْصُودِ، وَقِيْلَ: هَذَا الخِلاَفُ فِي الاسْتِحْبَابِ دُونَ الاسْتَحْقَاقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل الثاني: في كيفية تجزئة العبيد.
[وتجزئتهم] 1 تقع بحسب الحاجة، فلو أعتق عبدين لا مال له سواهما؛ أقرع بينهما بإثبات اسْمَيْهِمَا في رقعتين، وإخراج إحداهما على الحرية، أو الرق، أو بإثبات الرقِّ والحرية في رقعتين على اسْمِهِمَا، ثم إن استوت قيمتهما فمن خرج له سهم الحرية عتق ثلثاه ورق باقيه مع الآخر، وإِنِ اختلفت قيمتهما كمائة ومائتين، فإن خرج سهم الحرية للذي قيمته مائة، عتق ورق الآخر وإن خرج للآخر؛ عتق نصفه ورق باقيه والأول، وإذا [اختصرت] 2 قُلْتُ: من خرج له سهم الحرية؛ عتق منه قدر الثلث، فإن كان الثلث أكثر منه تمم من الثاني 3، فإن أعتق جماعة من العبيد لا مال له سواهم وأردنا القرعة، فإن كانوا ثلاثة واستوت قيمتهم فإن شئنا كتبنا أَسْمَاءَهُمْ وقلنا لِلْمُخْرِجِ: أَخْرِجْ رقعة على الحرية فمن خرج اسمه؛ عُتِقَ، أو قلنا أخرج على الرق حتى يتعين الآخر للحرية، والإخراج على الحرية أولى؛ لأنه أقرب إلى فصل الأمر، وإن شئنا كتبنا على الرقاع الرق في رقعتين والحرية في رقعة، [وقلنا] 4؛ أَخْرِجْ على اسْمِ سَالِمٍ أو أشرنا إلى عينه.
وقلنا: أَخْرِجْ على اسْم هذا، فإن خرج سهم الحرية؛ عتق، ورق الآخران وإن خرج سهم الرق؛ رَقَّ، وَأَمَرْنَا بإخراج رقعة أخرى على اسم غانم، فإن خرج سهم الحرية؛ عُتِقَ، وَرَقَّ [الثالث،] 5 وإن خرج سهم الرق فبالعكس، وإن اختلفت قيمتهم كمائة، ومائتين، وثلاثمائة فإما أن نكتب أسماؤهم فإن خرج اسم الأول، عتق وأمرنا بإخراج رقعة أخرى فإن خرج اسم الثاني؛ عُتِقَ نِصْفهُ، وإن خرج اسم الثالث؛ عُتِقَ ثُلُثَاهُ [وإن خرح أولاً اسم الثاني عتق ورق الآخران، وإن خرج اسم الثالث عتق ثلثاه] 6 وَرَقَّ باقيه والآخران، وَإِمَّا أن يكتب الرق في رقعتين، والحرية في رقعة ويخرج على أسمائهم،
وإن كانوا أكثر من ثلاثة، فإن أمكن تسوية الأجزاء عدداً وقيمة كَسِتَّةٍ، وتسعة، وَاثنيْ عَشَرَ قيمتهم متساوية جزأناهم [ثلاثة أجزاء] 1 وصنعنا صنيعنا في الثلاثة المتساوية القيمة 2، وكذلك الحكم في ستة، ثلاثة منهم قيمة كل واحد منهم مائة وثلاثة قيمة كل واحد منهم خمسون، فنضم إلى كل نَفِيسٍ خَسِيساً، ونجعلهم ثلاثة أجزاء وفي ستة اثنان قيمة كل واحد منهم ثلاثمائة، واثنان قيمة كل واحد منهما مائتان، واثنان قيمة كل واحد مائة فنجعل للذين قيمتهما أَرْبَعمِائَةٍ جزءاً، وتضم إلى كل واحد من النفيسين واحِد من [الخسيسين] 3 فتستوي الأجزاء عددًا وقيمة، وإن لم يمكن التسوية بالعدد وتيسرت بالقيمة كخمسة قيمة أحدهم مائة، وقيمة اثنين مائة جَزّأْنَاهُم كذلك، وأقرعنا، وإن أمكن التسوية وتيسرت بالقيمة كستة قيمة أحدهم مائة، وقيمة اثنين مائة، وقيمة ثلاثة مائة فكيف يعدلون؟! فيه وجهان: حكاهما الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالعِرَاقِيُّونَ -رحمهم الله.
[و] 4 أَصَحُّهُمَا -وَيُنْسَبُ إلى النص: أنَّهم يُجَزَّءُون واحدًا واثنين وثلاثة ويقرع بينهم كما ذكرنا.
والثاني: يُجَزءُون بالعدد اتباعاً؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عمران وعلي -رضي الله عنهما 5 - وعلى هذا فيجعل اللذان قيمتهما مائة جزءاً، والذي قيمته مائة مع واحد من الثلاثة الباقين جزءاً والباقيان من الثلاثة جزءاً ويُقْرَعُ بينهم فإن خرجت القرعة للذين قيمتهما مائة؛ عتقا وَرَقَّ الباقون، وإن خرجت على الدين قيمة أحدهم مائة، وقيمة الآخر ثلث المائة؛ أُعِيدَتِ القُرْعَةُ بينهما، فإن خرجت للذي قيمته مائة؛ عتق وَرَقَّ الآخر، وإن خرجت للآخر؛ عتق ورق 6 من الأول ثلثاه؛ لانحصار العتق فيهما، وإن خرجت للذين قيمتهما ثلثا المائة؛ عتقا، وأعيدت القرعة بين [الجُزْأَيْنِ] 7 الآخرين، فإن خرجت على اللذين قيمتهما مائة أُعِيدَتِ القُرْعَةُ بينهما، فأيهما خرجت عليه؛ عتِقَ ثلثاه، وإن خرجت على اللذين قيمتهما مائة وثلث؛ أُعِيدَتْ بينهما، فإن خرجت على الذي قيمته ثلث المائة، عتق جَمِيعُهُ، وإن خرجت على الآخر عتقَ جميعه، وهذا تطويل بلا فائدة، وفي حديث عِمْرَانَ -رضي الله عنه- أنه كانت قيمتهم متساوية، وإذا لم تكن التسوية بالعدد، ولا بالقيمة كثمانية أَعْبُدٍ قيمتهم متساوية ففيه قولان:
أَصَحُّهُمَا: أنَّهم يُجَزَّءُونَ ثلاثة أجزاء، بحيث يقرب من الثلث؛ لِأَنَّ ذلك أَقْرَبُ إلى فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيجزءون ثلاثة، وثلاثة، واثنين، ويقرع بينهم، فإن خرج سهم
العتق على ثلاثة رَقَّ غيرهم، وانحصر العتق فيهم، ثم يُقْرَعُ بينهم بِسَهْمَي عِتْقٍ وَسَهْمَيْ 1 رِقٍّ، فمن خرج له الرق؛ رَقَّ ثُلُثُه، وعتق ثلثاه مع الآخرين وذلك تمام الثلث، وإن خَرَجَ سهم العتق على اثنين عتقَا، ثم تعاد القرعة بين الستة، ويجعل كل اثنين جزءاً، فإذا خرج سهم العتق باسْمِ اثنين، أَعَدْنَا القُرْعَةَ بينهما، فمن خرج له سهم العتق، عتق ثُلُثَاهُ وهذا إذا كتبنا في الرقاع الرق والحرية، وإن كتبنا الأسماء فإذا خرج اسم اثنين وعتقا؛ لم تعد القرعة بين الستة، بل يخرج رقعة أخرى ثم يقرع بين الثلاثة المسمين فيها، فمن خرج له سهم العتق عتق ثلثاه 2، ولا يجوز على هذا القول أن تُجَزِّءهم أربعة واثنين واثنين لبعد 3 هذه التجزئة عن التثليث.
والقول الثاني: أنا لا نُراعي التَّثْلِيثَ، بل نراعي ما هو أقرب إلى فصل الأمر، فيجوز أن تكتب أسماؤهم في ثمان رقاع ويخرج واحدة بعد واحدة إلى أن يتم الثلث، ويجوز أن يجعلوا أرباعاً ثم إن شئنا أثبتنا اسم كل اثنين في رقعة، فإذا أخرجنا واحدة على الحرية عتقا، ثم يخرج رقعة أخرى ويقرع بين الاثنين اللذين اسمهما فيها، فمن خرجت له القرعة عتق ثلثاه 4 وإن [شئنا] 5 أثبتنا الرق والحرية، فأثبتنا العتق في واحدة والرق في ثلاث، فإذا خرجت رقعة الحرية لاثنين عتقا، ويعيد القرعة بين الستة، فإذا خرجت الحرية لاثنين آخرين، أَقْرَعْنَا بينهما كما سبق ولا يبعد أن نجوز على هذا إثبات العتق في رقعتين، والرق 6 في رقعتين ويعتق الاثنان اللذان خرجت لهما رقعة العتق أولاً، وَيُقْرَعُ بين اللذين تخرج لهما رقعة العتق الثانية، وإن كان العبيد سبعة فعلى القول الأول يُجَزِّءهم ثلاثة، واثنين، واثنين، وعلى الثاني: نجزئ كيف شئنا، إلى أن يستوفى الثلث، وإن كانوا أربعة قيمتهم متساوية: فعلى القول الأول نجزءهم اثنين وواحداً وواحداً، فإن خرج سهم الحرية لأحد الواحدين؛ عتق ثم يعيد القرعة بين الثلاثة فمن خرج له سهم الحرية؛ عتق ثلثه، وإن خرج الاثنين أقرعنا بينهما فَمَنْ خرج له سهم الحرية؛ عُتِقَ كله، ومن الآخر ثلثه، وهذا على تقدير إثبات الرق والحرية في الرقاع.
وعلى القول الثاني: إما أن يثبت اسم كل واحد في رقعة ويخرج باسم الحرية، فمن خرج له اسمه أولاً؛ عتق، ومن خرج اسمُهُ ثانياً؛ عتق ثلثه، وإن كانوا خمسة قيمتهم متساوية: فعلى الأول نُجَزِّءهم اثنين اثنين، وواحداً، وعلى الثاني: لنا إثبات أسمائهم في خمس رقاع.
ثم القولان في الاستحباب، والاستحقاق أم في الاحتياط
والاستحباب؟ حكى الإِمام عن القَاضِي -رحمهما الله- أن الخلاف في الاستحباب وكل منهما جائز، وهذا ما اختاره.
وعن الصَّيْدَلاَنِيِّ: أنه في الاستحقاق هذا ما يوافق إيراد الأكثرين وهو قضية نظم الكتاب، فإنه حكى القولين: في أنه هل يجب تجزئتهم بثلاثة أجزاء؟ ثم قال: وَقِيلَ هذا الخلاف في الاستحباب، وإذا أعتق عبيداً [من عبيده] 1 على الإبهام؛ فقد يحتاج إلى تجزئتهم أربعة أجزاء 2، أو خمسة وأكثر فَيُجَزَّءُونَ بحسب الحاجة، فكذلك لو كان على المعتق دين على ما سنذكر على الأثر إن شاء الله تعالى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (فُرُوعٌ، الأَوَّلُ) إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ رُبُعِ التَّرِكَةِ وَلاَ مَالَ له إِلاَّ عَبِيْدٌ قَدْ أَعْتَقَهُمْ فَيُجَزأُ العَبِيْدُ بِأَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ وُيُقْرَعُ لِلدَّيْنِ وَالتَّرِكَةِ، فَإذَا خَرَجَ عَلَى جُزْءٍ سهم الدَّيْن بيع أَوَّلاً فِي الدَّيْنِ وَقُدِّرَ البَاقِي كَأَنَّهُ كُلُّ المَالِ فَيُقْرَعُ لإِعْتَاقِ الثُّلُثِ مِنْهُمْ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُقْرَعَ دُفْعَةً وَاحِدَةً لِلدَّيْنِ وَالتَّرِكَةِ وَالعِتْقِ لأنَّهُ رُبَّمَا يَسْبِقُ قُرْعَةُ العِتْقِ وَلاَ يُمْكِنُ تَنْفِيذُهُ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَقِيْلَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ ثُمَّ يَتَوَقَّفُ العِتْقُ عَلَى القَضَاءِ، وَإِذَا دَفَعْنَا بَعْضَ العتْقِ لِأَجْلِ الدَّيْنِ فَظَهَرَ لِلْمَيِّتِ دفين تبينا نفوذ العتْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذَا أعتق في مرض موته عبيداً لا مال له غيرهم ومات وعليه دين، نُظِرَ إن كان يستغرقهم فَالدَّيْنُ يُقَدَّمُ على العتق؛ لأن العتق وصية، والدَّيْنَ مُقَدَّمٌ على الوصية، وأيضاً فحق الورثة 3 في الثلثين يتقدم على العتق، والدَّيْنُ مقدم 4 على حق الورثة، فَأَوْلَى أن يقدم على العتق فيباعون وتصرف أثمانهم إلى الدَّيْنِ، وإن كان لا يستغرقهم ويحيط ببعضهم؛ فَيُقْرَعُ بين الدَّيْنِ والتركة ليصرف العتق عما يتعين للدين، فإن كان الدَّيْنُ بقدر نصفهم؛ جعلناهم جزأين وأقرعنا بينهما بسهم دَيْنٍ وَسَهْمِ تَرِكَةٍ ثم إن شئنا كتبنا أسماء كل جزء في رقعة وأخرجنا رقعة لِلدَّيْنِ، أو التركة، وإن شِئْنا كتبنا الدَّيْنَ في رُقْعَةٍ والتركة في أخرى، وأخرجنا إحداهما على أحد الجزأين 5 وإن كان الدَّيْنُ بقدر ثلثهم [جَزَّأْنَاهُمْ] ثلاثة أجزاء، وأقرعنا بينهم بسهم دَينٍ وَسَهْمَيْ تركة، وإن كان بقدر الربع جَزَّأْناهُم أربعة أجزاء، وأقرعنا بسهم دَيْنٍ وثلاثة أسهم تركة، وهل يجوز أن يقرع لِلدَّيْنِ والعتق والتركة؟ بأن يقرع والصورة هذه بسهم دَيْنٍ، وسهم عتق، وسهمي تركة، أو يُجَزِّئهم وَالدَّيْنُ بقدر النصف ستة أجزاء، ويقرع بثلاثة أسهم لِلدَّيْنِ وسهم للعتق وسهمين للتركة.
فيه وجهان:
أصحهما: وهو المنصوص: لا؛ لأنه لا يمكن تنفيذ العتق قبل قضاء الدَّيْنِ، ولو تلف المعين لِلدَّيْنِ قبل [قضَائه] العكس الدَّيْنُ على الباقي من التركة، وكما لا يقسم شيء على الورثة قبل قضاء الدَّيْنِ لا يعتق قبله.
والثاني: يجوز؛ لأن العمل فيه أخف، فلا ينقص به حتى ذي حق، وعلى هذا فالذي نقله في الكتاب: أنا نتوقف في تنفيذ العتق إلى أن يَقْضِيَ الدَّيْنَ وفي "التَّهْذِيبِ" ما يقتضي الحكم بالعتق في الحال، فإنَّه قَالَ فيما إذا كان العبيد ثلاثة متساوين في القيمة والدَّيْنِ يقدر قيمة أحدهم على هذا الوجه: يقرع بينهم بسهم دَيْنٍ، وسهم عتق، وسهم تركة، فمن خرج عليه سهم الدين، بِيعَ فيه، ومن خرج عليه سهم العتق؛ عتق ثُلُثَاهُ، وَرَقَّ ثلثه مع الثالث.
وَذَكَرَ اَلصَّيْدَلاَنِيُّ: أن الوجهين مبنيان على قولين سنذكرهما، فيما إذا أعتقنا ثلث العبيد بالقرعة، ولا دَيْنَ ثم ظهر دَيْنٌ غَيْرُ مستغرق هل يبطل أصل القرعة؟ إن قلنا: نعم -فلا يجوز أن يقرع للعتق ولم يحصل قضاء الدين.
وإن قلنا: لا -فلا بأس بالجمع.
وإذا قلنا بالوجه الأصح، فإذا تعين بعضهم لِلدَّيْنِ يُبَاعُ ويقضي منه الدَّيْنُ ثم يقرع للعتق وحق الورثة.
ولو قال الورثة: [أقضى] 1 الدَّيْنَ من موضع آخر، [وأمضى] 2 العتق في الجميع فهل يَنْفُذُ الْعِتْقُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم-؛ لأن الدَّيْنَ هو الذي كان يمنع النفوذ فإذا سقط الدَّيْنُ بقضائهم من غير العبد؛ وجب أن ينفذ كما لو أسقط الورثة حقوقهم من ثلثي التركة، وأجازوا العتق في الجميع.
والثاني: لا-؛ لأن تَعَلُّقَ الدَّيْنِ منع من نفوذه فلا ينقلب نافذاً بسقوطه، كما لو أعتق الراهن، وقلنا: لا ينفذ عتقه فقال: أنا أقضي الدَّيْنَ من غيره لينفذ، فإنه لا ينفذ إلاَّ أن يبتدئ [إعتاقاً] 3 وبنى 4 الوجهان على: أن تصرف الورثة في التركة قبل قضاء الدَّين هل 5 ينفذ؟ هذه إحدى مَسْأَلَتَي الفَصْل.
والثانية: لو ظهر للميت دفين بعد ما أعتقنا بعض العبيد الدين أَعْتَقَهُم بالقرعة،
وأَرْقَقْنَا البعض، فإن كان بحيث يخرج جميعهم من الثلث بأن كان الدَّيْنُ مثلي قيمتهم، فيحكم بعتقهم جميعاً، وَيَدْفَعُ إليهم أكسابهم من يوم إعتاقهم، ولا يرجع الوارث بما أنفق عليهم كمن نكح امْرَأَةً نكاحاً فاسداً على ظن أنه صحيح، ثم فرق القاضي بينهما لا يرجع الزوج بما أنفق، وإن خرج من الثلث بعض من أرققناهم أعتقناهم بالقرعة، وذلك كما إذا أعتقنا واحداً من ثلاثة، ثم ظهر [مال] 1 يخرج به عبد آخر من الثلث؛ يُقْرعُ بين اللذين أرققناهما 2 فمن خرج له سهم الحرية عتق، ولو أعتقنا بعض العبيد بالقرعة، ولم يكن عليه دَيْنٌ ظاهر ثم ظهر دَيْنٌ؛ نُظِرَ إن كان مستغرقاً للتركة؛ فالعتق باطل، فإن قال الورثة: نحن نقضي الدَّيْن من موضع آخر، فعلى الوجهين السابقين، واستبعد الشَّيْخُ بِنَاءَهُمَا على الخلاف في تصرف الوارث في التركة قبل قضاء الدين.
وقال هناك: الوارث ينشئ إِعْتَاقاً من عنده، ولا يمضي ما صدر عن المورث وإنما الخلاف مبني على أن: إجازة الوَرَثَةِ الوَصِيَّةَ بما زاد على الثلث تنفيذ لما فعله المُوَرِّثُ أو ابتداء عطية من الوَرَثَةِ، إن قلنا: تنفيذ؛ فلهم إِمْضَاءُ عتقه بقضاء الدَّيْنِ من موضع آخر، وإن قلنا: ابتداء عطية فينبغي أن يقضوا الدَّين أولاً، ثم [يبتدِئوا] إعتاقاً، وإن كان الدَّيْنُ الذي ظهر غير مستغرق، فهل تبطل القرعة من أصلها؟ فيه وجهان ويقال قولان:
أحدهما: نعم؛ لأن الدَّيْنَ مستحق كالعتق، ولم يكن الدَّيْنُ ظاهراً فهو كما لو اقتسمه شريكان، ثم ظهر لهما شريك ثالث، وعلى هذا فيقرع الآن لِلدَّيْنِ وَالتَّرِكَةِ، ولا يبالي بوقوع سهم الدَّين على من خرجت له قرعة العتق أولاً.
وأظهرهما: لا-.
ولكن إن تبرع الوارث بأداء الدَّيْنِ؛ نَفَذَ العتق، وإلاَّ فيرد العتق بقدر الدَّين، فإن كان الدَّيْنُ نِصْفَ التركة رددنا العتق في نصف من أعتقنا، وإن كان قدر ثلثها؛ رددناه في ثلثهم، فلو كان العبيد ستة متساوين في القيمة، وأعتقنا اثنين منهم بالقرعة، ثم ظهر دَيْنٌ بقدر قيمة عبدين [فنبيع] 3 من الأربعة عبدين لِلدَّيْنِ، كيف اتفق؛ لأنه لا حق لهم في العتق [فإذا] 4 وهب الدَّيْنَ اثنان بقي أربعة وثلثهم عبد وثلث، فيقرع ببن اللذين خرجت لهما قرعة الحرية بسهم عتق وسهم رق فمن خرج له سهم الرق رَقَّ ثلثاه، وعتق ثلثه مع الآخر وإن ظهر الدَّيْنُ بقدر قيمة ثلاثة منهم، يقرع بين اللذين كان قد خرج لهما سهم الحرية، فمن خرج له سهم الحرية عتق ورقَّ الآخر وإن كان العبيد أربعة [وأعتقنا] 5 بالقرعة عبداً وثلثاً، ثم ظهر دَيْنٌ بقدر قيمة عبد، وقلنا بالوجه الثاني؛ فيباع في الدَّيْنِ واحد من الذين أرْقَقْنَاهُم ويقرع بين الذين أعتقنا، فإن
خرجت للذي أعتقنا كله كان [حراً] 1 وَرَقَّ الآخر، وإن خرجت للذي أعتقنا ثلثه؛ فَثُلُثُه حُرٌّ وَمِنَ الآخر ثلثاه، وذكر الصَّيْدَلاَنِيُّ: أن الخلاف في المسألة مبني على: أن الورثة إذا اقتسموا ثم ظهر دَيْنٌ هل تنقض القسمة؟ وإذا اقتسمموا مع العلم بالدَّيْن فالقسمة بَاطِلَةٌ أو مَوْقوفَةٌ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّانِي:) إِذَا أُبْهِمَ العِتْقُ بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ هَلْ يَكُونُ الوَطْءُ تَعْيِيناً لِلْمِلْكِ فِي المَوْطُوءَةِ؟ فِيْهِ وَجْهَانِ، وَفِي اللَّمْسِ بِالشَّهْوَةِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، والاسْتِخْدَامُ لاَ يُعَيَّنُ عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال الرجل لعبيد له: أحدكم حر أو اثنان حران أو أعتقت أحدكم، فإما أن يريد معيناً، أو يطلق اللفظ، ولا يقصد معيناً 2: أردت هذا؛ عتق، ولغيره أن يَدَّعِيَ [عليه] 3: أنَّكَ أردتني، وَيُحَلِّفُهُ فإن نَكَلَ السيد؛ فله أن يَحْلِفَ، ويعتق هو أيضاً باليمين المردودة.
[فلو] 4 عَيَّنَ واحداً -وقال: أردت هذا- ثم قال: لا، بل هذا، عتقا مُؤَاخَذَةً له بإقراره.
ولو قتل واحداً منهم لم يكن ذلك بياناً، بل يَبْقَى الأمر بالبيان، فإن قال: أَرَدْتُ المقتول؛ فعليه القصاص، ولو جرى ذلك في إماء أو أمتين، ثم وَطِئَ واحدة، لم يكن الوطء بياناً للعتق في غير الموطوءَةِ، حَتَّى لو بين العتق فيها، تعلق به اَلْحَدُّ، والمهر لجهلها بأنها العتيقة، وإذا مات قبل البيان ففيه طريقان:
أظهرهما 5: أن وَارِثَهُ يقوم مقامه، فإنه خليفته، وربما ذكر ذلك له وأطلعه عليه.
والثاني: أن فيه قولين كما في الحالة الثانية، فإذا أقمناه مقامه فبين الوارث أحدهم؛ عتق ولغيره تحليفه على نفي العلم، وأنَّ لم يكن وارث أو قال الوارث: لا أعلم -فالظاهر أنه يُقْرَعُ بينهم؛ لأنه قد أشْكَلَ الحال والقرعة قد تعمل في العتق.
وفيه وجه أو قول: أنه لا يقرع؛ لأنه قد تخرج قرعة الرق على الحر، بل يوقف، وبهذا قال ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ولو قال المعتقُ: نسيت منْ عَيَّنْتُهُ فيؤمر بالتذكر.
قال الإِمَامُ: وفي الحبس، والحالة هذه احتمال، والذي أطلقه الأصحاب -رحمهم الله-: أنه يحبس، وإن 6 مات قبل التذكر ففي بيان الورثة والقرعة إذا قالوا: لا نعلم ما مر وهكذا يكون الحكم لو سمى واحداً وأَعْتَقَهُ ثم قال: نسيت من سميته.
الحالة الثانية: إذا لم يرد معيناً فيؤمر بالتعيين ويوقف عنهم إلى أن يبين، ويلزمه الإنْفَاقُ عليهم، فإذا عَيَّنَ أحدهم؛ عتق، وليس لغيره أن ينازع فيه مع تسليم أنه لم يقصد معيناً، وإذا قال: عينت هذا بل هذا عتق الأول، ولُغِيَ قوله للثاني؛ لأن التعيين حصل بالأول بخلاف قوله: عينت هذا، بل هذا فإنه إخبار ثم العتق في المعين يحصل في الحال أو يتبين حصوله من وقت اللفظ المبهم.
فيه وجهان سبق نظيرهما في الطلاق، وقد يُعَبَّرُ عن هذا الخلاف بِأَنَّ الإِبْهَامَ يوقعُ 1 العتق في الحال أو 2 هو التزام عتق في الذمة، وَخُرِّجَ على الخلاف: أَنه لو مات أحدهم فعينه -هل يصح؛ إن قلنا بحصول [العتق عند] 3 التعيين، فلا يصح؛ لأن الميت لا يقبل العتق، وعلى هذا فلو كان الإبهام في عبدين، فإذا بطل التعيين في الميت تعين الثاني، ولا حاجة إلى لفظ، وإن قلنا بالوقوع عند الإبهام صَحَّ تعيينه، والتعيين على هذا بيان أيضاً، ولو جرى ذلك في أَمَتَيْنِ أَوْ إِمَاء -فهل يكون [الْوَطْءُ] تعيناً لغير المَوْطُوءَةِ؟ فيه وجهان كما ذكرنا في "الطلاق".
ونقل 4 ابْنُ الصَّبَّاغِ أن التعيين قوله أكثر الأصحاب -رحمهم الله- وهو اختيار المُزَنِيِّ، وإذا لم نجعله تعيناً فلو عين العتق في الموطوءة فلا حد عليه، وبنى في "التَّهْذِيبِ" حكم المهر على أن العتق يحصل عند التعيين، أو باللَّفْظِ الأول، إن قلنا بالأول؛ لم يجب، وإن قلنا بالثاني؛ وجب.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: [الْوَطُء] لا يكون تعيناً إِلا إِذَا أَحْبَلَهَا، [الوطْء] فيما دون الفَرْجِ، وَالقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ بالشهوة يترتب على [الوطء] إن لم يكن تعيناً فهذه أولى، وإن كان تعيناً فوجهان؛ لأنهما أَخَفُّ من [الوطء] والاستخدام يترتب 5 على هذه الاسْتِمْتَاعَاتِ حكى ذلك عن الْقَاضِي الحُسَيْنِ وغيره والصحيح أنه ليس يتعين.
قال الإِمام -قَدَّسَ اللهُ روحَهُ-: وهذا يوجب طَرْدَ الخلاف في أن الاستخدام في زمان الخيار يكون فسخاً، أو إجازة والعرض على البيع كالاستخدام، ولو باع بعضهم أو وَهَبَهُ، وأَقْبَضَهُ أو أجرهُ.
قال في "التَّهْذِيبِ": فيها وجهاً [الوطء]؛ لأنها من تصرفات الملاك 6 وعن أَبِي حَنِيْفَةَ: أنَّها تكون تعيناً، والإعتاق ليس بتعيين، ثم إن عَيَّنَ فيمن أعتقه قبل، وإن عين في غيره عتقا، وقتل السَّيِّدِ أَحَدَهُمْ ليس بتعيين، ثم إن عَيَّنَ في غير المقتول؛ لم يلزمه إلاَّ الكفارة، وإن عين في المقتول؛ لم يجب القصاص للشبهة، وأما المال فإن قلنا:
العتق يحصل عند التعيين فلا يجب عليه وإن قُلْنَا: يحصل عند الإِبْهَامِ؛ فعليه الدِّيَةُ لورثته، وإن قَتَلَ أَجْنَبِيٌّ أَحَدَهُمْ؛ فلا قصاص إن كان القاتل حراً، ثم إن عين في غير المقتول، فعليه القيمة، وإن عَيَّنَ وقلنا: إن العتق يحصل عند التعيين، فكذلك كما لو نذر إعتاق عبد بعينه فقتل، وإن قلنا: يحصل عند [إبهام] 1 اللفظ؛ فعليه الدية لورثة المقتول.
ولو مات قبل التعيين فهل للورثة التعيين؟ فيه قولان -وَيُقَالُ وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن [ذلك] 2 متعلق باختيار المبهم وقد فات؛ لأنه في حكم تكميل اللفظ فَلْيُؤْخذ 3 مِنَ المُتَلَفِّظِ.
وأظهرهما: نعم؛ لأنه خيار يتعلق بالمال [فيخلف] 4 الوَارِثُ المُوَرثَ فيه كما في خيار البيع والشفعة.
وعن الْقَاضِي الحُسيْنِ بِنَاءً على الخلاف: على أن التعيين إيقاع، عتق في الحال، أو يستند إلى وقت الإِبْهَام، إن قلنا إيقاع في الحال فيقوم الوارث فيه مقام [الموروث] 5 كما يعتق عنه بأمره وفي تأدية كفارة، وإن قلنا ليس إيقاعاً في الحال فلا.
قال الإِمام: وهذا عندنا بالعكس أَوْلَى [فإنا] 6 إن جعلناه إيقاعاً فهو تَتِمَّةُ اللَّفْظِ، ولا يجوز أن ينقسم لفظ في الإيقاع بين 7 شخصين.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ:) إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكَتِهِ: أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِيْنَهُ فَهُوَ حُرٌّ فَوَلَدَتْ مَيِّتاً انْحَلَّتِ اليَمِينُ وَلَمْ يُعْتَقِ الحَيُّ بَعْدَهُ (الرَّابعُ:) إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ: أَنْتَ ابْنِي عُتِقَ عَلَيْهِ وَلَحِقَهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ سِنّاً مِنْهُ فَلاَ يُعْتَقُ، وَإِنْ كَانَ مَشْهُورَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ فَفِي العِتْقِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لأَمَتِهِ: أول ولد تلدينه فهو حر فولدت ميتاً ثم حياً لم يعتق الحي؛ لأن الشرط قد حصل بولادة الميت؛ ألا ترى أنه لو قال: إذا ولدت فَأَنْتِ حُرَّةٌ يُعْتَقُ الثاني؛ لأن الميت ليس بمحل [زوال] 8 العتق، وإذا وجدت الصفة يَنْحَلُّ اليمين.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: يعتق الثاني وسلم أنه لو قال: أَوَّلُ عبد رأيته من عبيدي فهو حر فرأى واحداً منهم ميتاً؛ ينحل اليمين حتى إذا رأى بعده حياً لا يعتق.
وإذا قال لعبده: أَنْتَ ابْنِي ومثله يجوز أن يكون ابْناً له ثبت نسبه، وعتق إن كان
صغيراً، أو بالغاً، وَصَدَّقَهُ، وإن كَذَّبَهُ عتق أيضاً، وإن كان هو المصدق في نفي النسب، وإن لم يمكن أن يكون ابناً له بأن 1 كان أكبر منه أو مثله في السن, أو أصغر على حَدٍّ لا يتصور أن يكون ابنه لغى قوله ولم يعتق؛ لأنه ذكر محالاً.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: يحكم بعتقه، هذا في مَجْهُولِ النسب، وإن كان معروف النسب من غيره فلا يلحق به، وهل يحكم بعتقه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا-؛ لأن العتق يَثْبُتُ بتبعية النسب وليس هو ممن يستلحق وأشبههما: نعم؛ لأن قوله يتضمن الإقرار بالنسب، والعتق، فإن لم يقبل في النسب لحق الغير لم يمتنع مُؤَاخَذَتِهِ بالعتق.
وقوله في الكتاب: "إلا أن يكون أكبر سناً منه" -الاستثناء غَيْرُ مُنْحَصِرٍ في هذه الحالة على ما بَيَّنَّاه.
ولو قال لزوجته: أنت ابنتي -قال الإِمام الحكم في حصول الفراق وثبوت النسب كما في العَتَاقِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الخَامِسُ:) إِذَا قَالَ: إِنْ أَعْتَقْتُ غَانِمَاً فَسَالِمٌ حُرٌّ ثُمَّ أَعْتَقَ غَانِمَاً وَكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِهِ عُتِقَ غَانِمٌ وَلاَ قُرْعَةَ لِأَنهُ رُبَّمَا يُخَرَّجُ عَلَى سَالِمٍ فَيُعْتَقُ بِغَيْرِ وُجُودِ الصِّفَةِ (السَّادِسُ:) عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ قَالَ أَحَدُهُمَا: إِنْ كَانَ الطَّائِرُ غُرَاباً فَنَصِيبي حُرٌّ وَقَالَ الآخَرُ: إنْ لَمْ يَكُنْ فَنَصِيبِي حُرٌّ فَلاَ يُعْتَقُ شَيْءٌ لِلشَّك فَإنِ اشْتَرَاهُ ثَالِثٌ حُكِمَ بِحُرِّيَّةِ نِصْفِهِ فِي يَدِهِ وَلاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَيهِمَا بِالثَّمَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفرعان متكرران: أما الأول: فمذكور في [كتاب] 2 "الوصية"، وأما الثاني: في الكتاب الذي نحن فيه، وإن بعد العهد بالوصية فهو بالعتق ليس ببعيد 3 [والتكرار] 4 فيه أبعد عن الْعُذْرِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (السَّابعُ:) إِذَا قَالَ لِعَبْدَيْهِ: أَعْتَقْتُ أَحَدَكُمَا عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلاَ وَمَاتَ قَبْلَ البَيَانِ وَقُلْنَا: الوَارِثُ لاَ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي التَّعْيِينِ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ عُتِقَ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ رَقَبَتِهِ لِفَسَادِ المُسَمَّى بِالإِبْهَامِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ المُسَمَّى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لِعَبْدَيْنِ له: أَعْتَقْتُ أحدكما على ألف، أو أحدكما حر على ألف، فلا يعتق واحد منهما ما لم يقبلا؛ لتعلق العتق بِالْقَبُولِ كما إذا قال: اْحدكما حر إن شئتما لا يعتق واحد منهما إلاَّ إذا شاءا فإذا قبلا جميعاً كل واحد منهما الألف؛ عتق
أحدهما، ويؤخذ السيد بالبيان كما لو أعتق أحدهما بغير عوض، فإن مات قبل البيان، ولم يقم الوارث مقامه في البيان أو لم يكن وارث أَقْرَعَ بينهما، فمن خرجت قرعته؛ عَتقَ ولا يعتق مجاناً؛ لأنه لَمْ يَتَبَرَّعْ بإعتاقه، وإنما أُعْتِقَ على عوض وفيما يلزم العتيق وجهان:
أصحهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّدِ: أنه يلزمه قيمته لفسادِ المُسَمَّى من جهة أنه لم يعين أحدهما فصار كما إذا قال: بعته من أحدكما بألف فقبلا لم يصح، وإنما حصل العتق لتعلقه بالقبول، وهذا كما أنه لو قال لامرأته: إن أَعْطَيْتِنِي عبداً فأنت طالق، فأعطته عبداً يقع الطلاق ولا يملك الزوج ذلك العبد، بل يرده ويرجع عليها بمهر المثل.
والثاني: ويحكى عن أَبِي زَيْدٍ: أنه يلزمه المسمى؛ لأن المقصود العتق لا المعاوضة فيحتمل إبهام العوض تبعاً للعتق.
ولو قال لِأمَتَيْهِ: إحداكما حرة على ألف فَقَبلَتَا ثم وطئ إحداهما -قال الشيخ أَبُو عَلِيٍّ: هل يكون الوَطء اختياراً لِلْمِلْكِ في الموَطوءَةِ، وتعيين الأخرى للعتق؟ فيه وجهان: كما لو أعتق إحداهما بلا عوض، وَوَطِئَ, هذا ما ذكره في "الفروع" ويمكن أن يقال: إن لم يقصد أحدهما بعينه فلا بد من قبولهما وإن قصد أحدهما بعينه فيكفي قبول الذي قصده.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الثَّامِنُ) جَارِيَةٌ مُشْترَكَةٌ زَوَّجَاهَا مِنِ ابْنِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فَوَلَدَتْ عُتِقَ نِصْفهُ عَلَى أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ جَدُّ المَوْلُودِ وَلاَ يَسْرِي إِذْ لاَ اخْتِيَارَ، وَلَوْ غَرَّ بِجَارِيَةِ أَبِيْهِ فَفِي لُزُومِ قِيْمَةِ الوَلَدِ وَجْهَانِ لِأَنَّهُ كَانَ يُعْتَقُ عَلَى الحَدِّ لَوْلاَ ظَنُّهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: جارية بين شريكين زَوَّجَاهَا من ابن أحدهما فأتت منه بولد يعتق نصفه على الحد، ولا يسري إلى النصف الآخر؛ لأن شرط السِّرَايَةِ حصول العتق بالاختيار، ولم يوجد، ولا نظر إلى أنه زوِّجَ برضاه؛ لأن الوطء والعلوق لا يتعلقان باختيار المعلق، وَعَلَّلَ بعضهم امتناع السِّرَايَةِ بأن نصفه انعقد حراً، والحرية الأصلية لا تسري، وإنما يسري العتق الوارد على الرق.
ومن قال بالأول منع ذلك وقال: ينعقد الكل رقيقاً ثم يعتق النصف على الجَدِّ بالقرابة، وتوسط صَاحبُ الْكِتَابِ بين القولين فقال: عندي يَنْدَفِعُ رِقُّهُ لموجب العتق، وكذلك لو اشترى قريبه يندفع الملك والاندفاع في معنى الانقطاع.
الثاني: قد سبق في "النكاح" أن من نكح أمة غُرَّ بحريتها فأتت منه بولد ينعقد الولد حراً، ويجب على المَغْرُورِ قيمته لمالك الأَمَةِ؛ لفوات الرق عليه بظن المغرور.
هذا هو المذهب الظاهر.
وحكى الشيخ أَبُو عَلِيٍّ: أن بعض الأصحاب ذكر وجهاً: أن الولد
يخلق 1 رقيقاً ثم يعتق على المغرور، وله وَلاَؤُه 2 وإذا قلنا: ينعقد حراً فلا قيمة على المغرور، وهو غريب.
قال الشَّيْخُ أبُو عَلِيٍّ، وفي القلب من وجوب القيمة على المغرور شيء؛ لأنه لم يتلف ملكاً على مالك الأمة وإنما منع دخول شيء في ملكه، لكن ليس فيه خلاف مُعْتَدٌّ بِهِ.
وأجمعت الصحابة -رضي الله عنهم- على وجوب الضمان فلا بد من متابعتهم.
إذا عرف ذلك، فلو نكح جارية [ابنه] 3 مغروراً بحريتها فأتت منه بولد هل يلزمه قيمة الولد؟.
فيه وجهان:
أحدهما: لا- لأنه إن انعقد حراً؛ فينبغي ألاَّ يلزمه شيء، وإن انعقد رقيقاً فيعتق على الجَدِّ بالقرابة، وأيضاً فإنَّه لم يفوت بظن الحرية رقاً على الأب منتفعاً به؛ لأنه كان يعتق على الجَدِّ وإن لم يوجد هذا الظن.
وأصحهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ: يجب؛ لأن الغرور اْوجب انعقاده حراً ولم يملكه الجَدُّ حتى يعتق عليه، فَأَشْبَهَ سائر صور الغرور.
ولو نكحها عالماً بالحال فيملكه الحد ويعتق عليه، هذا هو الظاهر، ولم يستبعد الإِمام أن يقال أنه ينعقد حراً ويردف هذه الفروع [المتفرقة] 4 بفروع تتعلق بالباب.
منها: ذَكَرَ ابْنُ الحَدَّادِ أنه لو زوج أمته من عبد غيره وقبض مهرها وأتلفه ومات، ولا مال له غيرها، والزوج لم يدخل بها بعد فأعتقها الوارث نَفَذَ عتقهُ وَقَدَّمَ الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ في شرح الفروع فصلين:
أحدهما: إِذَا أعتق الوارث عبد التركة، والموروث 5 مديون، نُظِرَ إن كان الوارث معسراً فالعتق غير نافذ؛ لما في نفوذه من إبطال حق الغرماء، قطع به الشيخ أبو علي وعن الشيخ أَبِي محمد 6 أن إعتاقه كإعتاق الراهن فيجيء في نفوذه قول، وإن كان معسراً، وَرَأيُ الإِمام: الوجه الأول؛ لأن حق الوثيقة طَرَأَ على ملك الراهن ودام الملك له، والوارث يتلقى الملك بالخلافة وهي مشروطة بتقديم حق الميت.
وإن كان موسراً ففيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ: أنه يَنْفَذُ وينتقل الدَّيْنُ إلى مال الوارث كما لو أعتق السيد عبده الجاني، أو أعتق المريض عبده، وله مال يفي بديونه ينفذ العتق، ويقضي الدَّيْنَ من سائر أمواله.
هذا لفظ الشيخ ونقل الإِمام عنه: أنا إذا نفذنا العتق، نقلنا الدَّين إلى ذمة الوارث إذا لم يخلف سوى العبد قال: ولست أرى الأَمْرَ كذلك، فَالدَّيْنُ لا يتحول إلى ذمة الوارث قط ولكنه بالإعتاق متلف للعبد فعليه أقل الأمرين من الدَّيْنِ وقيمة العبد.
والثاني: أنه موقوف، فإن أدى الوارث الدَّيْنَ من ماله؛ تَبَيَّنَ نفوذ العتق وإلاَّ بيع العبد في الدَّيْن، وبَانَ أن العتق لم ينفذ، ولو باع الوارث التركة بغير إذن الغُرَمَاءِ؛ لم يَنْفُذْ بَيعَهُ إن كان مُعْسِراً، وإن كان موسراً ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن البيع باطل؛ لأنه كالمرهون بديون الغُرَمَاءِ.
والثاني: أنه يصح؛ ويلزم وسيأتي [تفريعه] 1 إن شاء الله تعالى.
والثالث: أنه موقوف كما ذكرنا في العتق، وللإمام هاهنا أبحاث:
أحدها: يحكى عن الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ: تنزيل التركة منزلة العبد الجاني وقد سبق في بيع السيد العبد الجاني -إِطلاَقُ قولين من غير فرق بين المعسر والموسر، فيجيء قول هاهنا في بيع الوارث، وإن كان معسراً ثم فرق بين التركة، والعبد الجاني بما فرق به بينها وبين 2 المرهون.
والثاني: ذكر الشَّيْخُ تفريعاً على صحَّةِ البيع أن الثمن يصرف إلى الغرماء وأن المشتري لو دفع الثمن إلى الوارث، فتلف في يده؛ كان للْغُرَمَاءِ تغريم المشتري.
قال الإِمام: والوجه عندي القطع بأنهم لا يُطَالِبُونَ المُشْتَرِي [وإنما] إذا ألزمنا البيع كان بمثابة الإعتاق الذي عوض له، وَبِتَقْدِير أن يكون الثمن مستحقاً للغرماء، فما ينبغي أن يفرق بين المعسر والمُوسِرِ.
والثالث: قال: إِلْزَامُ البيع بعيدٌ فإن بيع العبد الجاني، وإن صححناه لا يلزم؛ مع أن تَعَلُّقَ ألأَرْشِ به أضعف على ما ذكرنا، فبيع الوارث أولى بأن لا يلزم.
والرابع: في بيع المُفْلِسِ المحجور عليه قول: أنه يَنْعَقِدُ على التوقف فيجوز إجراؤه في الوارث المعسر.
وَاعْلَمْ أن جميع ما ذكرناه مُفَرَّعٌ على أن الدَّيْنَ لا يمنع الميراث، أما إذا قلنا يمنعه، والتركة مُقرَّةٌ على مِلْكِ الميت فلا يصح تصرف الوارث بحال، وإن ذكرنا في
كتاب "الرَّهْن" وجهاً: أن إِعْتَاقَهُ لا ينفذ بحال كالبيع، ووجهين في أن تعلق الدَّيْنِ بالتركة كتعلق الدَّيْنِ بالمرهون، أو كتعلق الأَرْشِ بالجاني، وَأَنَّ الأَظْهَرَ الأول وحينئذ فيكون الأظهر في الإعتاق النفوذ، كما في إعتاق الراهن الموسر، وفي البيع المنع.
والفصل الثاني: ذكرنا في "النكاح" أن الأمة إذا أعتقت تحت عبد؛ كان لها الخيار فإن فسخت قبل الدخول سقط جميع المهر، وعلى السيد رده إن كان قد قبضه.
إذا تقرر ذلك فينفذ العتق في الحال في فرع ابْنِ الحَدَّادِ ثم إن كان الوارث معسراً، فلا خيار لها؛ لأنه لَوْ ثَبَتَ لها الخيار [و] 1 فسخت وجب رد مهرها, ولصار ذلك دَيْناً على الميت، وذلك يَمْنَعُ نفوذ العتق من الوارث المعسر، وإذا لم يعتق فلا خيار لها ففي إِثْبَاتِ الخيار بقية والمسألة من الدائرات؛ وقد ذكرنا طرفاً منها في "النكاح"؛ وإن كان موسراً فإن قلنا يَنْفُذُ عتقه، فلها الفسخ، وإذا فسخت صار مهرها ديناً فيطالب به المعتق إن كانت قيمتها مثل المهر، لتفويته 2 التركة، وإن كان مهرها أكثر لم يطالب إلاَّ بقدر قيمتها؛ لأنه لم يفوت إلاَّ ذلك القدر، وإن قلنا يتوقف نفوذ العتق على أداء الدَّين، فلا عتق، ولا خيار حَتَّى يرد الصداق إلى سيد العبد: هكذا ذكر الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، وفيه إشكال؛ لأنه لا يَثْبُتُ لسيد العبد دَيْنٌ ما لم يفسخ فكيف يقضي الدَّين قبل ثبوته؟.
ومنها: مات رجل عن ابن حائز والتركة ثلاثة أَعْبُدٍ قيمتهم متساوية فقال الابن: أَعْتَقَ أَبِي في مرض موته هذا -وأشار إلى أحدهم.
ثم قال: بل أعتق هذا، وهذا، يعني الأول، وآخر معاً.
ثم قال: بل أعتق الثلاثة معاً.
قال ابْنُ الحَدَّادِ: الأول [حرٌ] 3 بكل حال -لإقراره للأول ويقرع بينه وبين الثاني لإقراره الثاني، فَإِنَّ قضيته أن الثاني يستحق أن يقرع بينه وبين الأول، ويعتق إن خرجت القرعة له ويقرع بين الثلاثة مرة أخرى؛ لإقراره الثالث فَإِنَّ قضيته أن يقرع بين الثلاثة، ويعتق من خرجت قرعته فيؤاخذ بموجب كل إقرار، ولا يمكن من الرجوع عن مقتضى واحد [منهما] 4، وإذا أقرعنا [في] 5 المرتين فإن خرج سهم العتق للأول في المرتين لم يعتق غيره، وإن خرج للثاني في المرتين أو للأول في الأولى، وللثاني في الثانية أو بالعكس عتقا، وَرَقَّ الثالث، وإن خرج للأول في الأولى، وللثالث في الثانية عتقا دون الثاني، وإن خرج للثاني في الأولى، وللثالث في الثالثة عتقوا جميعاً.
قال الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ: وإن كانت قيمتهم مختلفة كما إذا كانت قيمة الأول مائة، وقيمة الثاني المضموم إليه مائتين، وقيمة الثالث ثلاثمائة فالأول حر بكل حال لإقراره الأول، وهو دون الثلاثة 1، وإذا أقرعنا بينه وبين الأول وخرج سهم العتق للأول؛ عتق وعتق من الثاني نصفه، وإن خرج للثاني عتق كله؛ لأن موجب إقراره الثاني أن يعتق الثاني بكماله، أو الأول ونصف الثاني وإذا أقرعنا بين الثلاثة لإقراره الثالث، فإن خرج سهم العتق للثالث، عتق ثلثاه، وثلثاه ثلث ماله، وإن خرج للثاني؛ لم يعتق الثالث سواء خرجت القرعة الأولى على الثاني، أو لم تخرج؛ لِأَنَّهُ ثلث ماله، وإن خرج للأول فهو نصف الثلث فتعاد القرعة، لإكمال الثلث بين الثاني والثالث، فإن خرج على الثاني رَقَّ الثَّالِثُ، ولا يعتق من الثاني إلاَّ ما عتق بالقرعة الأولى وهو جميعه أو نصفه، وإن خرج على الثالث؛ عتق ثلثه؛ لأن ثلثه مع الأول ثلث جميع المال.
والمفهوم من كلام الشَّيْخِ أنه إذا أخرج سهم العتق في القرعة الثانية بين الثلاثة للثاني لا يعتق منه إلاَّ ما عتق من قبل.
وكذلك حكاه الإِمام عنه، واعترض عليه بأن الثاني اسْتَحَقَّ بالإقرار [و] 2 الثاني أن يقرع بينه وبين الأول، وبالإقرار الثالث أن يقرع بينه، وبين الأولين فإن لم تكمل له الحرية في القرعة الأولى لخروج سهم العتق للأول؛ وجب أن يكمل في القرعة الثانية إذا خرج سهم العتق له؛ لأنه قضية الإقرار الثالث وكذلك عند استواء القيم إذا لم يعتق بالقرعة الأولى، يُعْتَقُ بالثانية إذا خرج السهم له، فإن عَكَسْتَ التَّصْوِيرَ فقلت: قيمة الأول ثلاثمائة، وقيمة الثاني مائتان، وقيمة الثالث مائة، فالجواب: أنه يعتق من الأول ثلثاه ثم يقرع بينه، وبين الثاني، فإن خرج سهم العتق للأول [أو الثاني] 3 لَمْ يزد شيء وإن خرج للثاني؛ عتق بكماله، ثم يقرع بين الثلاثة، فإن خرج للأول والثاني؛ لَمْ يزد شيء على ما عتق، وإن خرج للثالث، عتق بكماله، وقد عتق من قبل ما إذا ضم إليه ثم الثلث بل زاد.
ومنها: مات عن ثلاثة بنين، وله ثلاثة أَعبُدٍ قيمتهم متساوية فَأَقَرَّ أحد البنين بأن أباه أَعْتَقَ في مرضه هذا العبد، وَأَقَرَّ آخر أنه أعتقه وهذا الآخر معاً، وَأَقَرَّ الثالث أنه أعتق الثلاثة معاً، فَيُعْتَقُ ثلث الأول؛ لأن أحد البنين أقر بعتقه فيقبل إقراره في حصته، وهي الثلث ثم يقرع بينه، وبين العبد المضموم إليه؛ لإقرار الثاني، فإن خرج سهم العتق للأول عتق منه ثلث آخر؛ لأن قَضِيَّةَ إقرار الثاني عتق جميعه إذا خرجت القرعة له فيقبل قوله في حِصَّتِهِ، وإن خَرَجَ للثاني؛ عتق ثُلُثُهُ لهذا المعنى، ثم يقرع الثلاثة، فمن خرج له سهم العتق؛ عتق كله، وإذا اخْتَصَرْتَ قُلْتَ: إن خرج سهم العتق في المرتين
للأول؛ عتق جَمِيعُهُ، وإن خرج في المرتين للثاني؛ عتق ثلثاه مع ثلث الأول، وإن خرج مرة للأول وأخرى للثاني؛ عتق ثلثا الأول، وثلث الثاني، وإن خرج مرة للثاني ومرة للثالث عتق من كل عبد ثلثه، وإذا حكمنا بعتق البعض من أحد العبيد فلا سِرَايَةَ؛ لأنهم لم يباشروا الاعتاق، ولا أقروا به على أنفسهم وإنما أقروا به على الأب، ومن أعتقنا بعضه بإقرار أحد البنين [لو وقع] 1 بالقسمة في نصيب ذلك المقر، أو صار له بوجه آخر؛ حكمنا عليه بعتقه؛ لإقراره بأنه حر كله، ولو كانت [قيمة] العبيد 2 مختلفة، كما إذا كانت قيمة الأول مائة، وقيمة الثاني مائتين، وقيمة الثالث ثلاثمائة؛ فَيُعْتَقُ من الأول ثلثه؛ لأن الأول أقر بأن الأب أعتقه، لَكِنَّهُ لا يملك منه إلاَّ الثلث فَيُقْبَلُ إقراره في حِصَّتِهِ؛ ثم يقرع بينه، وبين الثاني، لإقراره الثاني، فإن خرج سهم العتق للثاني عتق ثلثه؛ لأن كله حر بزعم الثاني إذا خرج سهم العتق له فإنَّه ثلث المال، فيقبل إقراره في حصته، وإن خرج للأول عتق منه ثلث آخر، ومن الثاني سدسه؛ لأن قضية إقراره أن يعتق جميع الأول عند خروج القرعة له، وأن يعتق من الثاني نصفه؛ ليكمل الثلث فيؤاخذ بإقراره في حصته في كل الأول، ونصف الثاني ثم يقرع بين الثلاثة لإقرار الثالث، فإن خرج سهم العتق للثالث؛ عتق منه تسعاه؛ لأن قضية إقراره إذا خرجت القرعة له أن يعتق ثلثاه، فإن ثلثيه ثلث جميع الم الذيؤاخذ بإقراره في حِصَّتِهِ، وهي ثلث الثلثين، وذلك تسعاً الجملة، وإن خرج للثاني؛ عتقَ منه ثلثه؛ لأن قضية إقراره عتق جميعه [فإنه] 3 ثلث المال فيؤاخذ به في حصته، وإن خرج للأول عتق منه ثلثه لمثل هذا المعنى لكنه لا بد من إكمال الثلث، فتعاد القرعة مرة أخرى ليعتق حصته من تمام الثلث، فإن خرج سهم العتق للثاني عتق منه سدسه؛ لأن نصفه مع الأول تمام الثلث، وَحِصَّتُهُ منه السدس، وإن خرج للثالث عتق منه تسعه؛ لأن ثلثه مع الأول تمام الثلث وحصته منه التسع.
ومنها: شهد شاهدان على مَيِّتٍ أنه أوصى بعتق عبده فلان، وهو ثلث ماله وقال الوَارِثُ: إنه أَوْصَى بعتق آخر، وهو ثلث أيضاً، فإن لم يُكَذِّبَ الوارث الشاهد، واقتصر على أنه أوصى بعتق هذا، أعتق الأول بموجب البينة، وأقرع بينه وبين الثاني لإقرار 4 الوارث، فإن خرجت القرعة للأول لم يعتق الثاني، وإن خرجت للثاني، عتق ولم يَرِقَّ الأول؛ لأنه مُسْتَحِقُّ الْعِتْقَ بالبينة، فلا يتمكن الوارث من إبطاله بالإقرار، وقد تعمل
القرعة في أحد الطرفين دون الثاني على ما تقدم، وإن أَقَرَّ الوارث بأنه أعتق الثاني، وكذب الشهود في الأول عتقا جميعاً الأول بالشهادة والثاني بالإقرار، وإن شهد أجنبيان بأنه: أوصى بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ وهو ثلث ماله، وشهد وَارِثَانِ بأنه أوصى بإعتاق آخر فإن كَذَّبَ الوَارِثَانِ الأَجْنَبِيِّيْنِ عتقا 1 جميعاً الأول بشهادة الأجنبيين، والثاني بإقرار الوارثين أنه أوصى بإعتاق هذا دون الأول [وهو ثلث المال، وإن لم يكذباهما أقرع بينهما؛ لأن إعتاق الأول] 2 ثَبَتَ بشهادة الأجنبيين، وإعتاق الثاني [بإقرار الوارثين] 3 فصار كما لو شهد اثنان بأنه أعتقهما معاً.
ومنها: ثلاثة أخوة في أيديهم أَمَةٌ وَوَلَدُهَا، وهو مجهول النسب فقال أحدهم: هذه أُمِّ وَلَدِي، وهو ولدي منها، وقال الثاني: هِيَ أُمُّ وَلَدِ أبينا والولد أخبرنا، وقال الثالث: هي أَمَتِي والولد 4 عبدي فالكلام في أحكام: أحدها في نسب الولد، ولا يثبت نسبه من أَبِيهم؛ لأنه لم يَتَّفِق الورثة عليه وأما نسبه من الذي يستلحقه، فإن قلنا: إن من استلحق عبداً مجهول النسب لحقه فيثبت نسبه منه؛ لأن غايته أن يكون ملكاً لمن يدعي ملكه، وذلك لا يمنع ثبوت النسب، وإن قلنا: لا يلحقه فوجهان:
أظهرهما: أن الجواب كذلك؛ لِأَنَّ يَدَ مُدَّعِي المِلْكِ ثَابِتَةٌ على بعضه، وأنها تدل على المِلْكِ وَالمِلْكُ يَمْنَعُ اللُّحُوقَ.
والثاني: يلحقه؛ لأن الرق 5 لم يَعُمَّهُ فإن الباقي حر بقول الآخرين والنسب لا يتبعض، وهو إلى الثبوت أقرب.
قال الإِمام: وهذا القائل يقول لو كان بعض الشخص رقيقاً، وبعضه حراً واستلحق مستلحق نسبه لحقه، وهذا ليس بشيء، والثاني الذي يقول: هي أم ولد أبينا لا يَدَّعِي لنفسه شيئاً على الآخرين [فلا يحلفهما.
نعم لو ادعت الجارية ما تقوله، وقالت: عتقت بموت أبيكم، فيحلّف الآخرين] 6 على أنهما لا يعلمان أن الأب أولدها وأما الآخران فَيَدَّعِي كل واحد منهما ما في يَدِ صَاحِبِهِ هذا يقول: مُسْتَوْلِدَتِي وهذا يقول: ملكي.
فيحلف كل واحد منهما الآخر على نفي ما يدعيه في الثلث الذي في يده، والثالث الذي يقول: هي أم ولد أبينا لاَ غُرْمَ لَهُ؛ لأنه لا يدعي لنفسه شيئاً، ولا عليه؛ لأنه أقر بالاستيلاد على أبيه لا على نفسه والثاني الذي يَدَّعِي الاستيلاد يلزمه الغرم للذي يدعي الملك فيها لاعترافه بأنه فوت عليه نصيبه من الأمة، ومن الولد
بالاستيلاد هكذا عَلَّلُوهُ وقضية الفرض فيما إذا سلم 1 أنه كان لمدعي الرق فيها نصيب الإرث أو غيره، وإلاَّ فلا يَلْزَمُ من دعواه أَنَّ الجاريةَ مُسْتَوْلِدَتُه؛ كون الجارية مشتركة من قبل، وكم يلزمه من الغُرْمِ؟ فيه وجهان بناء على أن الجارية في يد من هي وفيه وجهان:
أحدهما: أنه لاَ يَدَ عَلَيْهَا لِلَّذِي يقول: إنها مُسْتَوْلِدَةُ أَبِينَا؛ لأنها حُرَّةٌ بزعمه بموت الأب فَتَصِيرُ الجارية في يد الآخرين نصفين.
وأظهرهما: أنها في أيدي الثلاثة حكماً، كما أنها في أيديهم حِسّاً؛ فعلى الأول عليه لِمُدَّعِي الرق نصف قيمة الجارية، وقيمة الولد، وعلى الأظهر ثلث قيمتها وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ.
والرابع: الولد حر بقول مَنْ يَدَّعِي أنها مستولدة للأب، ومن يَدَّعِي أنها مستولدته.
قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ: ويعتق عليه نصيب مُدَّعِي الرِّقِّ؛ لأنا لما أخذنا منه القيمة جعلناه له، ونصيبه من الجارية هكذا ينبغي أن يكون.
ومنها: قال لعبدين له: أَحَدُكُمَا حُرٌّ، ثم غاب أحدهما، وحضر مكانه عبد ثالث فقال له وللذي لَمْ يغِبْ: أحدكما حر ومات قبل البيان ويقال 2 وقعت هذه المسألة بـ"نَيْسَابُورَ" فأجاب [الأستاذ] 3 أَبُو إِسْحَاقَ فيها: بأنه يُقْرَعُ بين العبدين الأولين للإعتاق الأول، فإن خرج سهم العتق لِلَّذِي غاب؛ عتق، وتعاد القرعة بين الآخرين للِإِعْتَاقِ الثاني، فمن خرجت له القرعة عتق أيضاً، وإن خرجت القرعة أَوَّلاً للذي لم يَغِبْ؛ عتق، ولا تعاد القرعة؛ لأن تعيين القرعة كتعيين المالك، ولو عَيَّنَ المالك الذي لم يغب للعتق ثم قال له وَللَّذِي حَضَرَ آخراً: أحدكما حُرٌّ لكان صادقاً في قوله ولم يَقْتَضِ ذلك عتق الآخر، واستشهد لذلك بما إذا قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طَالِقٌ لكن في هذه الصورة خلاف مذكور في "الطلاق" وكذلك الحكم فيما إذا قال لعبده [وَلحُرٍّ] 4: أحدكما حرٌّ ؤأجاب الأستاذ أَبُو الحَسَنِ المَاسَرْجِسيُّ في المسألة بأن القرعة إذا خرجت للذي لم يغب تعاد القرعة بينهما ثانياً؛ لأنه يحتمل أن يريد بقوله: الثاني الذي حضر آخراً.
فإن خرجت القرعة الثانية لِلَّذِي لَمْ يَغِبْ أيضاً؛ لم يعتق غيره، وإن خرجت للآخر؛ عتق أيضاً، وقد تؤثر القرعة في أحد الطرفين دون الآخر، وإلى هذا مال الإِمام وَرَجَّحَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الأَوَّلَ.
ومنها: إذا كان في ملكه أربع إمَاء فقال: كلما وَطَأْتُ واحدة منكن فواحدة منكن حرة، ثم وَطِئَ واحدة منهن فتعتقَ واحدة منهن، وهل تدخل المَوْطُوءَةُ في العتق الْمُبْهَمِ؟ يبنى على الوجهين السابقين في أن الوطء يكون تعييناً للملك في الموطوءة
[وللعتق] 1 في غيرها إن قلنا: لا؛ دخلت، ويقرع بين الأربع، وإن قلنا نعم، وعليه فَرَّعَ ابْنُ الحَدَّادِ فأول [الْوَطْءِ] لا يتضمن التعيين؛ لأن العتق معلوم به، وما لم يوجد لا يثبت استحقاق العتق، فَلَوْ نَزَعَ بمجرد تَغْيب الحَشَفَةَ دَخَلَتِ المَوْطُوءَةُ في العتق المبهم، وإن اسْتَدَامَ فهل تتضمن الاستدامة التعيين، وإخراج الموطوءة عن استحقاق العتق؟! فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن الاستدامة تَدُلُّ على أنه يبغي استبقاء الملك فيها وبهذا قال الشَيْخُ أَبُو زَيْدٍ، فعلى هذا يُقْرَعُ بين الثلاث البواقي.
وأظهرهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ: لا؛ لأن الموجود وطء وبه يثبت استحقاق العتق فانتهاؤه كالابتداء، ولذلك لا يستحق بالاستدامة عتق آخر، وعلى هذا فيقرع بين الأربع فمن خرجت لها القرعة؛ عتقت وهذا كما لو قال لِأَمَتِهِ: إن وطئتك فأنت حرة، فإن وَطِئَهَا وَنَزَعَ في الحال لم يلزمه المهر [فيه] وإن استدام فهل نجعل الاستدامة كابتداء الوطء بعد العتق حتى يتعلَّق بها المهر؟ فيه وجهان، ومثله الخلاف في أنه إذا قال لامرأته: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثاً، فوطئها واستدام.
هل يَلْزَمُهُ المهر؟
[و] لو وطء ثلاثاً منهن مع الاستدامة فقضية كل وطء عتق أمة؛ لأنَّ كُلَّمَا 2 تقتضي التكرار فإن جعلنا [الوطء] 3 تعييناً، والاستدامة متضمنة للتعيين أيضاً، فتعتقُ الأولى والثانية، والرابعة بلا قرعة، وَتَرِقُّ الثانية، ووجهه: أنه لما وَطِئَ الأولى، وكما غيب الحَشَفَةَ ثبت حق العتق [لواحدة، فإذا استدام خرجت عن أن تكون هي المستحقة لتعيينها للملك، والثانية والثالثة تعينتا للوطء بالملك أيضاً، فتتعين الرابعة للعتق، وإذا وطئ الثانية ثبت حق العتق] 4 لها، أو للأولى أو للثالثة أما الرابعة فقد علقت بالوطء الأول، فإذا استدام خرجت هي عن الاستحقاق، وخرجت الثالثة أيضاً بوطئها فتعينت الأولى للعتق وإذا وطئ الثالثة، لَمْ يَبْقَ إلاَّ هي، والثانية، واستدامة الوطء فيها إمساك لها فتعين العتق في الثانية، وإن جعلنا [الوطء] بعد الإبهام تعييناً، ولم نجعل الاستدامة تعييناً فتقرع بين الأولى، والرابعة؛ لأنه أمسك الثانية والثالثة للملك بوطئهما، والرابعة لم [يطئها] 5 واستدامة ووطء الأولى ليس بإِمْسَاكٍ، فتردد العتق المستحق بينهما فإن خرجت القرعة للرابعة عتقت [وبوطء] 6 الثانية يستحق عتق آخر لكن لاَ حَظَّ فيه للرابعة [لأنها عتقت بالوطء الأول، ولا للثالثة؛ لأنه أمسكها بالوطء، فإذاً هو متردد بين الأولى والثانية، فيقرع بينهما، فمن خرجت لها القرعة عتقت وبوطء الثالثة تستحق عتق آخر،
ولا حظ فيه للرابعة]؛ ولا 1 لمن عتقت من الأولى، والثانية فإن عتقت الأُولَى أقرعنا بين الثانية والثالثة فإن عتقت الثَّانِيَةُ أقرعنا 2 بين الأولى والثالثة، وإن خرجت القرعة [الأولى] 3 للأولى دون الرابعة عتقت [بوطء] الثانية تَرَدَّدَ العتق المستحق بينها، وبين الرابعة فإن الأولى قد عُتِقَتْ والثالثة تَعَيَّنَتْ [بالوطء] للإمساك فيقرع بينهما فمن خرجت لها القرعة؛ عتقت وبوطء الثالثة تستحق عتقِ [آخر] وَلاَ حَظَّ فيه للأولى، ولا لمن عتقت من الثانية، والرابعة فإن عتقت الثانية، أَقْرَعْنَا بين الثالثة، والرابعة وإن عتقت الرابعة أقرعنا بين الثانية والثالثة، وإن قلنا: [الوطء] ليس بتعيين أصلاً فيقرع ثلاث مرات لاستحقاق العتق لثلاث منهن، يقرع لوطء الأولى بين الأربع بسهم عتق وثلاثة أسهم رقٍّ فإن خرجت للرابعة؛ عتقت، ولا مهر لها فإنَّه لم [يطئها] وإن خرجت للأولى عتقت، وهل تستحق المهر؟ يبنى على أن استدامة الوطء هل توجب المهر؟ وإن خرجت للثانية أو للثالثة عتقت، ولها المهر؛ لأنه تبين أنها عتقت بوطء الأولى فيكون ابتداء وطئها بعد حصول عتقها، ثم يقرع لوطء الثانية بين الثلاث البواقي بسهم عتق، وسهمي رق، فإن خرجت الرابعة فلا شيء لها وإن خرجت للثانية ففي استحقاقها المهر الوجهان، وإن خرجت للثالثة استحقت، وإن خرجت قرعة الحرية في المرة الأولى للثانية أقرعنا لوطء الثانية بين الأولى، والثالثة والرابعة، فإن خرج سهم العتق للأولى فلا مهر لها بلا خلاف؛ لأن عتقها حصل [بوطء] الثانية، فيكون [وطؤها] واقعاً قبل العتق، وإن خرج للرابعة فكذلك؛ لأنه لم [يطئها] وإن خرج للثالثة فلها المهر؛ لأنه تبين أنها عتقت قبل، وطئها ثم يقرع [لوطء] الثالثة بين الاثنين الباقيين بسهم عِتْقٍ وسهم رِقٍّ، فإن بقيت الثالثة والرابعة وخرجت القرعة للرابعة، فلا مهر، وإن خرجت للثالثة فهل لها المهر؟ فيه الوجهان.
وإن بقيت للأولى والثانية، فلا مهر لمن خرجت لها القرعة منهما؛ لتقدم وطئها على عِتْقِهَا.
وفيه وجه آخر: أنه يقرع بين الأربع دفعة واحدة بثلاثة أسهم عتق وسهم رق فيعتق منهن ثلاث وترق واحدة.
وهذا صحيح لمعرفة العتق، والرق ولكن لا يعرف به حكم المهر، وموضع الخلاف والوفاق -نعم إن قلنا إن الاستدامة توجب المهر، فتكفي القرعة على هذا الوجه، ومن عتقت بوطئها استحقت المهر.
ولو وطئ الأربع؛ عتقن جميعاً، ويحتاج للمهر إلى الإقراع ثلاث مرات يقرع بين الأربع مرة بسهم عتق، وثلاثة أسهم رق ثم مرة بين ثلاث منهن بسهم عتق وسهمي رق ثم بين الاثنين الباقيين بسهم عتق وسهم رق، واستيعاب الاحتمالات يطول.
والضابط: أن ينظر في كل قرعة 1، فمن بَانَ أنها عتقت قبل وطئها فلها المهر، ومن بَانَ أنها عتقت بعد وطئها، فلا مهر، ومن بَانَ أنها عتقت بوطئها فهل لها المهر؟ فيه الوجهان في أن الاستدامة هل توجب المهر؟ هذا كله فيما إذا قال: "كلما وطئت واحدة منكن فواحدة منكن حرة" أما إذا قال: فواحدة من صواحبها 2 حرة ووطئهن جميعاً، فإن قلنا: إن الوطء تعيين للملك في الموطوءَةِ، عتقت الرَّابعَةُ [بوطء] الأولى والأولى [بوطء] الثانية، والثانية [بوطء] الثالثة وَرَقَّتِ الثَّالِثَةُ.
وإن قلنا: أنه ليس بتعيين، عتقت منهن ثلاث، وَرَقَّتْ واحدة فيقرع بين الثانية والثالثة والرابعة [بوطء] الأولى وإن خرجت القرعة للثانية؛ عتقت ثم يقرع لوطء الثانية بين الأولى والثالثة والرابعة، وإن خرجت للأولى أو الرابعة؛ عتقت وإذا وطئ الثالثة عتقت الثانية من الثلث، وهي الأولى أو الرابعة، ولا حاجة إلى القرعة، وإن خرجت القرعة الثانية للثالثة؛ عتقت، فإذا وَطِئَ الثالثة؛ أَقْرَعَ بين الأولى والرابعة، فَمَنْ خرجت لها القرعة عتقت، وأما المهر فلا مهر للتي عتقت بعد [الوطء]، ويحل المهر للتي تبين عتقها قبل الوطء، وفي هذه الصورة لا تعتقُ الموطوءة بوطئها بحال وَاعْلَمْ أن الإقراع في جميع هذه الصور فيما إذا مات قبل البيان فأما في حال حياته فيؤمر بالبيان.
ومنها: له أربع إماء وعبيد فقال: كلما وطئت واحدة من إمائي فعبد من عبيدي حر، وكلما وطئت اثنتين فعبدان حران، وكلما وطئت ثلاثاً فثلاثة من عبيدي أحرار، وكلما وطئت أربعاً فأربعة، فَوَطئ الأربع فهو كما لو قال: كلما طلقت واحدة فعبد من عبيدي حر إلى آخر التصوير، وقد تقدم في "الطلاق" والظاهر أنه يعتق خمسة عشر عبداً.
ومنها: اشترى في مرض موته [عبد] 3 بأكثر من قيمته، والمحاباة بقدر الثلث كما إذا كان له ثلاثمائة، واشترى عبداً يساوي مائة بمائتين ثم أعتق ذلك العبد.
قال ابْنُ الحَدَّادِ: إن لم يوفر الثمن نفذ العتق وبطلت المحاباة؛ لأن المحاباة كالهبة، فإن لم يقترن بها القبض حتى جاء ما هو أقوى منها بطلت، ويمضي البيع بثمن المثل، وعلى البائع أن يقنع به وإن وفر الثمن نفذت المحاباة، ورد العتق؛ لأن المحاباة استغرقت الثلث.
قال الأصحاب: وهذا غلط من حيث أنه فرق في المحاباة بين أن تكون مقبوضة أو لا تكون، ولا فرق؛ لأن المحاباة تعلقت بالمعاوضة والمعاوضات تَلْزَمُ بنفس العقد، ولهذا لو حَابَى في المرض ولم يقترن القبض بمحاباته 4، ثم أراد إبطالها لم يتمكن
منه، ولو كانت كالهبة لتمكن من إبطالها قبل القبض في الصحة والمرض، وإذا لم يفرق الحال بين أن تكون مقبوضة أو لا تكون؛ فالجواب نفوذ المحاباة، ورد العتق؛ لتقدم المحاباة على العتق.
قالوا: والقول بأنه يَلْزَمُ البائع أن يقنع بقدر قيمة العبد غلط أيضاً، فإنَّه لم يرض بزوال ملكه إلاَّ بالزيادة، بل ينبغي أن يقال أنه بالخيار بين أن يمضي البيع بقدر القيمة، وينفذ العتق وبين أن يفسخه ويبطل العتق.
ومنها: جارية بين شريكين حامل من زوج، أو زنا أعتق أحدهما نصيبه من الحمل، وهو مُوسِرٌ، ثم وضعت الحمل لوقت يعلم وجوده يوم الإعتاق، فإن وضعت لما دون ستة أشهر؛ فهو حر بالمباشرة، والسِّرَايَة، وعلى المعتق قيمة نصيب الشريك يوم الولادة، ولا مجال للتقويم قبل الولادة، وإن ألقته ميتاً من غير جناية جانٍ فلا شيء على المعتق لأنا لا ندري هل كان حياً، وهل عتق حتى يقال أَتْلَفَ على الشريك ملكه، وإن انفصل ميتاً بجناية فعلى عاقلة الجاني [غرة تصرف] 1 إلى ورثة الجنين؛ لأنه محكوم له بالعتق، وعلى المعتق نصف عشر قيمة الأم للشريك فإن الجنين الرقيق يضمن [بالعشر] 2.
هكذا أطلق ابْن الحَدَّادِ.
وَعَنِ القَفَّالِ: أنه إنما يلزم نصف عشر قيمة الأم على المعتتى إذا كان لا يزيد ذلك على نصف قيمة الغُرَّةِ فإن زاد لم يلزم إلاَّ نصف قيمة الْغُرَّة لأن سبب وجوب الضمان على المعتق الغرة ألا ترى أنه لو انفصل من غيْرِ جناية؛ لم يجب شيء [و] 3 كما يعتبر وجوب أصل الغرة يعتبر مقدارها وَرَأَى الشيخ أَبُو عَلِيٍّ: الأخذ بالإطلاق وقال: ينبغي ألاَّ ينظر إلى قدر الغُرَّةِ، فيلزم نصف العشر [بالغاً] ما بلغ؛ لأن انفصاله مضموناً كانفصاله حياً، ويدل عليه أن الغرة تصرف إلى الوارث النسيب، وقد لا يستحق المعتق منها شيئاً وسع ذلك يلزم الغرم وإنما كان يجب رعاية المناسبة من الغرمين أن لو كان الواجب غرماً بالجناية 4 للمعتق.
قال الشَّيْخُ: وهذا كله جواب على أن السِّرَايَةَ تحصل بنفس الإعتاق، فإن قلنا: تَحْصُلُ عند أداء القيمة، فإذا وضعت الحمل، وَقُوِّمَ ووصل نصف القيمة إلى الشريك فحينئذ يعتق الباقي، وإن ألْقَتْهُ ميتاً بجناية جان فنصفه حر، وهل يقوم الباقي على المعتق؟ فيه الخلاف المذكور فيما إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه، ومات العبد قبل وصول القيمة إلى الشريك، فإن قلنا: يسقط التقويم على الشريك فنصفه حر، ونصفه
رقيق، فعلى عاقلة الجاني نصف غُرَّةٍ وإلى من تصرف؟ فيه الخلاف المذكور في أن من بعضه رقيق هل يورث عنه ويجب للنصف المملوك نِصْفُ غُرَّة 1 قيمة الأم، فيكون في مال الجاني أو على عاقلته فيه الخلاف في أن بدل الرقيق هل يضرب على العاقلة؟
ومنها: خَلَّفَ ثَلاثةَ أَعْبُدٍ قيمة كل واحد منهم مائة، ولا مال له غيرهم فشهد عدلان أنه أعتق في مرضه هذين، وأشار إلى اثنين من الثلاثة وأشار الوارث إلى أحدهما فقال: أما هذا فقد أعتقهُ، وأما الآخر فلم يَعْتِقْهُ، فلا يقبل قول الوارث في إبطال حق الآخر من العتق، ولكن يقرع بينهما، فإن خرج سهم العتق للذي عينه الوارثُ، فقد يوافق مقتضى الإقرار والشهادة، فَإِنَّ مُقْتَضَى الشهادة القرعة فيعتق الذي خرجت له القرعة، وَيرِقُّ الآخر، وإن خرج سهم العتق للآخر عتق بمقتضى الشهادة، ويعتق من عينه الوارث بإقراره، وإن لم يكذب الوارث الشاهدين وقال: أعتق مورثي هذا, ولا أعلم حال الآخر فيقرع بينهما فمن خرجت له القرعة؛ عتق دون الآخر، ولو شهد الشاهدان أنه أعتق الثلاثة دفعة، وأشار الوارث إلى اثنين منهما وقال: إنه أعتقهما, ولم يعتق الثالث.
قَالَ ابْنُ الحَدَّادِ ويقرع بين الثلاثة، فإن خرج سهم العتق للذي أنكر الوارث إعتاقه؛ عتق وتعاد القرعة لإقرار الوارث بين الآخرين، فمن خرجت له القرعة عتق بالإقرار وإن خرجت القرعة أولاً لأحد اللذين أَقَرَّ بإعتاقهما عتق ويرق الآخران.
وعن [بعض] 2 الأصحاب: أنه إذا خرجت القرعة [أولاً] 3 لأحدهما، فَتُعَادُ القرعة بينه وبين الآخر؛ لأن مقتضى الإقرار أن يقرع بينهما من غير ضم الثالث إليهما، وخروج القرعة حينئذ على أحدهما يكون أقرب منه إذا ضم إليهما الثالث فيقرع بين الثلاثة؛ لأنه مقتضى البينة، ويقرع بين الاثنين للإقرار، ولا يعتبر في القرعتين ترتيب، [فإذا] 4 أَعَدْنَا القرعة بينهما بعد ما عتق أحدهما، فالقرعة بين الثلاثة، فإن خرجت القرعة للذي عتق لم يعتق غيره، وقد يُوَافِقُ موجب القرعتين، فإن خرجت للآخر عتقا، وهذه المسائل كلها من "المُوَلَّدَاتِ".
ومن الفروع: إذا شهد شاهدان على أنه قال: أحد هذين العبدينِ حر تقبل الشهادة، وَيُحْكَمُ بمقتضاها، وكذا لو شهد شاهدان على أنه قال: إِحْدَى امْرَأَتَيْ طَالِقٌ.
وساعدنا أَبُو حَنِيْفَةَ في الطلاق دون العتاق [وسلم أنهما لو شهدا بعد موته بأنه أوصى بعتق أحدهما تسمع.
ولو] (1) قال لعبده: أنت حر كيف شئت.
عن أَبِي حَنِيْفَةَ -أنه يعتق في الحال، ولا يتوقف على مشيئته.
وعن صاحبيه -رحمهما الله-: أنه لا يعتق حتى يشاء.
قال ابْنُ الصَّبَّاغِ وهو الأشبه: إذا ولدت المَزْنِيُّ بها ولداً وملكه الزَّانِي لم يعتق عليه وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: يعتقُ.
إذا أوصى بعتق عبد يخرج من الثلث فعلى الوارث إعتاقه، فإن امتنع أعتقه السلطان؛ لأنه حتى توجه عليه فإذا امتنع ناب عنه السلطان.
إذا كان عبده مقيداً فحلف بعتقه [أن] (2) في قيده عشرة أرطال، وحلف بعتقه أنه لا يحله هو ولا غيره، فشهد عند القاضي شاهدان أن [في] (3) قيده خمسة أرطال، وحكم القاضي بعتقه ثم حَلَّ القيد فوجد فيه عشرة أرطال.
قال أَبُو حَنِيْفَةَ: يجب على الشاهدين قيمته بناءً على أن حكم الحاكم ينفذ باطناً وإن كان بشهادة الزور، فكأن الحكم وقع بشهادتهما.
و (4) قال صاحباه: لا يجب عليهما شيء.
قال ابْنُ الصَبَّاغ وَهُوَ الصحيح: أن العتق حصل بحل القيد دون الشهادة لتحقق كذبهما.
عن ابْنِ الحَدَّادِ: إذا شهد شاهدان على أنه أعتق في مرضه هذا العبد وأوصى بعتقه، وحكم القاضي بشهادتهما، وشهد آخران على أنه أعتق عبداً آخر، وكل واحد منهما ثلث ماله ثم رجع الأَوَّلاَنِ، فلا يُرَدُّ القضاء بعد نفوذه، ويقرع بينهما، فإن خرجت القرعة للعبد الأول، عتق، وعلى الشاهد الْغُرْمِ بالرجوع، وَيرِقُّ الثاني، وحيسئذ فيحصل للورثة التركة بتمامها، وإن خرجت للثاني، عتق وَرَقَّ الأول، ولا شيء على الراجعين؛ لأن القرعة لم تفض إلى عتق من شهدا بعتقه.
واعترض ابْنُ الصَّبَّاغِ فقال: ينيغي أن يعتق الثاني بكل حال، ويقرع بينهما لمعرفة حال الأول، فإن خرجت القرعة له عتق أيضاً وَغَرمَ الرَّاجِعَانِ.
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: (الخَاصِيَّةُ الخَامِسَة الوَلاءُ)
وَالنَّظَرُ فِي سَبَبِهِ وَحُكْمِهِ (أَمَّا السَّبَبُ) فَهُوَ زَوَالُ المِلْكِ بِالحُرِّيَّةِ فَمَنْ زَالَ مِلْكُهُ بِالحُرِّيَّةِ عَنْ رَقِيقٍ فَهُوَ مَوْلاَهُ سَوَاءٌ نَجَّزَ عِتْقَهُ أَوْ عَلَّقَ أَوْ دَبَّرَ أَوِ اسْتَوْلَدَ أَوْ كَاتَبَ أَوْ أَعْتَقَ العَبْدَ بِعِوَضٍ أَوْ بَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَحَقِيقَةُ الوَلاَءِ أَنَّهُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَب فَإِنَّ المُعْتَقَ سَبَبٌ لِوُجُودِ الرَّقِيْقِ لِنَفْسِهِ كَمَا أَنَّ الأَبَ سَبَبٌ، وَلِذَلِكَ تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ فِي وَجْهٍ عَلَى مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ، وَلَوْ أوْصَى لِبَنِي فُلاَنٍ دَخَلَ مَوَالِيهُمْ فِي وَجْهٍ،1234