(2) وَفِيهِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ
البَابُ الأَوَّلُ فِي المِيَاهِ الطَّاهِرَةِ
قال الغزالي: وَالمُطَهِّرُ لِلْحَدَثِ وَالْخَبَثِ (ح) هُوَ المَاءُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ المَائِعَاتِ.
قال الرافعي: أراد بالطهارة بعض أنواع الطهارة، وهو الطهارة بالماء، وإلا فمن شرطه إدراجِ التيمم في أبواب هذا الكتاب؛ لأنه إحدى الطَّهَارات، ألا ترى إلى قول الشافعي -رضي الله عنه- طَهَارَتَانِ فكيف يفترقان فلما أفرده بكتاب دلَّ أنه أراد الطهارة بالماء.
ثم الأحكام المتعلقة بالطَّهَارَةِ تنقسم إلى ما يَجْرِي مُجّرَى المقدمات، كالقول في المياه وإلى ما يجري مجرى المقاصد كالقول في نفس الوضوء والغُسْلِ، فجعل من الأبواب الثمانية أربعة في المُقَدّمَاتِ، ثم أربعة 3 في المَقَاصِدِ، ولهذا قال عند تمام الأربعة الأولى هذا تمام قسم المُقَدّمَات، ثم الماء إما أن يكون مَعْلُومَ الحُكْمِ، أو لا يكون، فإن كان فهو إما طَاهِرٌ، أو نَجِسٌ، فإن 4 لم يكن فهو الذي يُشْكَلُ ويشتبه حاله ثم هو على التقدير إما أن يكون في إناء يُحْفَظُ فيه ويستعمل منه، أو لا يكون، فجعل البابِ الأول في المياه الطاهرة، والطاهر ينتظم فيه الطهور، وغيره.
والثاني: في المِيَاهِ النَّجِسَةِ.
والثالث: فيما اشْتَبَهَ حُكْمُهُ.12
والرابع: فيما يعتبر من الأحكام باعتبار الظروف، والأواني.
وقوله: "والمُطَهِّرُ لِلْحَدَثِ وَالخَبَثِ"، هو الماء من بين سائر المائعات.
وفيه كلامان:
أحدهما: أن الخَبَثَ مَرْقُومٌ فيه النسخ بِرَقَمِ أبي حنيفة 1 -رحمه الله تعالى-، دون الحدث بناء على أن المشهور أن الطّهُورِيَّةَ مخصوصة بالماء في الحدث إجماعاً 2، ولكنه في الخبث مختلف فيه بيننا [وبين أبي حنيفة] 3. ولك أن تقول دعوة الإجماع في الحدث على إطلاقه لا يَستقيم، لأن نَبِيذَ التَّمْرِ عنده طَهِورٌ في السفر عند إعواز 4 الماء، وإذا كان كذلك فلو جعل الرقم على قوله هو الماء ليشملها جميعاً لم يضر.
الثاني: لم قال من بين سائر المَائِعَاتِ، ولم يقتصر على قوله، والمُطَهِّرُ للحدث والخبث، هو: الماء.
والجواب أنه لو اقتصر عليه لأشكل بِالتُّرَابِ فإنه مطهر، وليس بماء.
واعلم أنه لو أراد تخصيص الطهورية في الحدث والخبث جميعًا بالماء لما لزم هذا الإِشْكَالُ، لكنه لم يرد التَّخْصِيصَ في الفصلين جميعًا، وإنما أراد التخصيص في كل واحد منهما، فوجب الاحْتِرَازُ.
فإن قلت: ولم اختصت الطهورية بالماء.
قلنا: أما في الحدث، فلقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ 5 لولا اخْتِصَاصُ الوضوء بالماء لما نقل إلى التراب إلا بعد فقد ما يشارك الماء في الطهورية من المَائِعَاتِ
ليأتي بأكمل الطهارات، وأما في الخبث فلما نستوفي من الخلاف.
قال الغزالي: ثُمَّ المِيَاهُ الطَّاهِرَةُ عَلَى ثَلاثَةِ أقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الأَوَّلُ: المَاءُ المُطْلَقُ البَاقِي عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ فَهُوَ طَهُورٌ ومِنْهُ مَاءُ البَحْرِ وَمَاءُ البِئْرِ وَكُلَّ مَاءٍ نَبَعَ مِنَ الأَرْضِ أوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ.
قال الرافعي: قوله: "ثم المياه" يعني المياه الداخلة في هذا الباب - وهي الطاهرة وإنما انقسمت إلى ثلاثة أقسام، لأنها إما أن تبقى على أصل الخِلْقَةِ أو لا تبقى، وإن لم تَبْقَ فإما أن يخرج بما تغير من الصفات عن أن يسمى ماء مُطْلَقًا أو لا يكون كذلك.
الأول الباقي على أوصاف خِلُقتِهِ، فهو طَهُورٌ لوقوع [مطلق اسم] 1 الماء عليه، واندراجه تحت النصوص الآمرة باستعمال الماء، والمُجَوّزَةِ له.
وقد ورد في ماء البحر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "الْبَحْرَ هُوَ الطَّهُورُ ماؤه" 2. وفي ماء البئر: "إنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْر بضاعَة" 3.
فإن قلت: لم اعتبر الإطلاقُ مع البقاء 4 على أصل الخِلْقَةِ حيث قال: "الماء المُطْلَقُ الباقي على أوصاف خِلْقَتِهِ فهو طهور"، ثم إذا اعتبر فكيف عُدَّ منه ماء البحر،
وماء البئر، وهذا مُقَيَّدٌ 1 لا مُطْلَقٌ 2.
فالجواب أن وصف الماء بالإطلاق قد تَكَرَّرَ في كلامِ الأئمة، ثم منهم من يفسر المطلق بالباقي على أوصاف الخِلْقَةِ، ومنهم من يُفسِّرُهُ بِاْلعَارِي عن القُيُود [والأوصاف] 3.
ونقول: الماء ينقسم إلى مُطْلَقِ، وإلى مضاف، ثم من المضاف ما هو طهور [كماء الكُوز] 4 والبحر، ومنه ما ليس بطهور كماء الزَّعْفَرَانِ وماء الشَّجَرِ: فيجوز أن يقال: أراد بالمطلق الباقي على أوصاف الخلقة، وبه يشعر ظاهر كلامه في الوَسِيطِ 5، وعلى هذا يكون تعقيب المطلق بالباقي على أوصاف الخلقة تفسيرًا، وبياناً لِلْمَعْنَى.
ويجوز أن يقال: أراد بالمطلق العَارِيَ عَنِ القُيُودِ والإضافات، أي: كل ما يسمى ماء من غير قيد فهو طَهُورٌ، وهذا لا ينافيه وقوع اسم الماء عليه مضافاً، بل تصح الإشارة إلى الماء المُعَيَّنِ بأنه ماء وبأنه مَاءُ عَيْنٍ، أو نهر وبهذا يظهر فساد تقسيم من قسم الماء إلى مطلق، ومضاف؛ لأن المطلق يجوز أن يكون مضافاً، وبالعكس أيضاً، فيدخل أحد القسمين في الآخر وإذا عرفت ذلك فإن أراد المعنى الأول فهما شيء واحد، فلا معنى لقول القائل: لم اعتبر الإطلاق مع البقاء على أصل الخلقة، وإن أراد المعنى الثاني فقد ذكرنا أنه لا مُنَافَاةَ بين كونه مطلقاً بهذا المعنى، ومضافاً، ثم ليس ذلك على سبيل اشتراط الإطلاق، لأن كل باق على أصل [خلقته يقع] 6 عليه اسم الماء عرياً عن الإضافات فهو إذاً ملازم للبقاء على أصل الخِلقة، وإنما هو إِشَارَةٌ إلى أن المعنى المقتضي للطّهُورِيَّةِ إطلاقه والدخول في النصوص على ما سبق، ويتبين مما ذكرناه أنه لو حذف لفظ المطلق لم يضر.
قال الغزالي: وَلاَ يُسْتَثْنَى عَنْهُ إِلَّا المَاءُ المُسْتَعْمَلُ فِي الحَدَثِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ (ح) غَيْرُ طَهُورٍ (م) عَلَى القَوْلِ الجدِيدِ 7 لِتَأَدِّي العِبَادَةِ بِهِ وَانتِقَالِ المَنْعِ إِلَيهِ، فَالمُسْتَعْمَلُ فِي الكَرَّة
الرَّابِعَةِ طَهُورٌ لِعَدَمِ المَعْنَيَينِ، وأمَّا المُسْتَعْمَلُ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ أَوْ فِي تَجْدِيدِ الوُضُوءِ أَوْ فِي غسلِ الذِّمِّيَّةِ إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الحَيْضِ لِيَحِلَّ لِلزَّوْجِ غَشَيَانُهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ لِوُجُودِ أَحَدِ المَعْنَيَينِ دُونَ الثَّاني.
قال الرافعي: استثناء المستعمل من الباقي على أوصاف الخِلْقَةِ يبين أنه ليس المراد من الأوصاف كل ما يصح وصف الماء به، حتى الإضافات، والاعتبارات وإلا فإنه قبل الاستعمال مَوْصُوفٌ بأنه غير مستعمل، وبعده بأنه مستعمل، فلا يكون باقياً على الأوصاف كلها، حتى يستثنى منه، وإنما المراد الصفات المعنوية، ثم الاعتبار منها باللَّوْنِ، وَالطَّعْمِ، وَالرَّائِحَةِ، وهي المنظور إليها في التغير بالنَّجَاسَةِ كما سيأتي، والصفات المعنوية باقية بحالها في المستعمل ثم هو غير طهور على المذهب فوجب استثناؤه.
وفقه الفصل.
أن الماء المستعمل في الحديث طاهر، وفي رواية عن أبي حنيفة -رحمه الله- هو نجس، وبه قال أبو يوسف 1 -رحمه الله-.
لنا وجهان، أحدهما: قال -صلى الله عليه وسلم-: "خَلَقَ الله الْمَاءَ طَّهُوراً، لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلاَّ مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أوْ رِيْحَهُ" 2 ولا تغير هاهنا.
والثاني: أن الصحابة فمن بعدهم كانوا يتوضؤن في ثِيَابِهِمْ، ولا يَحْتَرِزُونَ عما يَتَقَاطَرُ عليهم وعلى ثيابهم، وهل هو طهور أم لا؟ قال في الجَدِيدِ: لا، لأنهم ما كانوا يجمعون المياه المستعملة للاستعمال، ثانيًا، ولو جاز الاستعمال لجمعوها كي لا يحتاجوا إلى التَّيَمُّمِ، وحكى عن القديم، أنه طهور، وبه قال مالك 3 -رحمه الله-؛ لأن الطَّهُورَ ما يتكرر منه الطهارة، كَالقَتُولِ، وَالشَّتُومِ من يتكرر منه الفعل، ولأنه ماء بَاقٍ على إطلاقه، فأشبه غيره.
ومنهم من لم يثبت هذا القول، وجزم بالجديد، وسواء ثبت أم لا فَالفَتْوَى على الجديد.
ثم ذكر الأصحاب في أنه لم سقطت طهورية المستعمل معنيين:
أحدهما: تأدى عبادة الطهارة به.
والثانى: تأدى فرض الطهارة به.
فمن قال بالأول: أسقط طهورية المستعمل في الكَرَّةِ الثانية والثالثة، وتجديد الوضوء، والمَضْمَضَةِ، وَالاسْتِنْشَاقِ، وَغُسْل الجمعة، والعيدين، وسائر مسنونات الطهارة، [والطهارة المسنونة] 1 وقال بقاء الطهورية فيما اغتسلت به الذمية عَنِ الحَيْضِ لتحل لزوجها المسلم إذ لا تصح منها العبادة.
ومن قال: بالآخر عكس الحكم.
واتفقوا على أنهما لَيْسَتَا عِلَّتَيْنِ مستقلتين، وإلا لما صار بعضهم إلى ثبوت الطهورية في هذه الصور، وعلى أنهما ليستا جزأي علة واحدة، وإلا لما صار بعضهم إلى النفي، وإنما اختلفوا في أن المعنى هذا أو ذاك، وكل واحد منهما ملائم [الآخر] 2، أما تَأَدَّي العبادة [به] 3 فلأن الآلة المستعملة في المقصود الحِسِّيِّ يورثها ضَعْفًا وَكَلاَلاً، فكذلك [الآلة] 4 المستعملة في المَقصُودِ الشَّرْعِيِّ.
وأما تَأَدِّي الفرض به فلأن المراد منه رفع الحدث به، أو رفع منعه من الصلاة حيث لا يرتفع هو كما في وضوء صاحب الضَّرُورَةِ، وذلك يقتضي تأثر الماء ألا ترى أن غُسَالَةَ النَّجَاسَةِ لما أثرت في المَحِلِّ لم يبق المَحِلُّ كما كان قبل الغُسْلِ تأثرت هي بالاستعمال، حتى لم تبق كما كانت قبل الغسل، يُحْكَى هذا التقرير عَن ابْنِ سُرَيجٍ 5، ويجوز أن لا يقدر لكل واحد من فريقي الأصحاب التعليل بالمعنى الذي أبداه استقلالاً؛ بل يقول هؤلاء: ما ذكرناه من المعنى واقع في موضوع الاتفاق ملائم للحكم، فلا يحذف عن دَرَجَةِ الاعتبار، ويزعمون أن المعنى الثاني لغو، والآخرون يدعون مثل ذلك في المعنى الثاني، فَيَنْتَظِمُ الخلاف على هذا التقدير أيضاً.
واعلم أن ظَاهِرِ المذهب اعْتِبَارُ أدَاءِ الفرض دون المعنى الثاني حتى لا تَسْقُطُ طَهورِيَّةُ المستعمل في المرة الثانية وأخواتها، وتسقط في مسألة الذمية، والوجهان في الذِّمِيِّةِ مخصوصان بقولنا: إن الذمية إذا أسلمت يجب عليها إعادة ذلك الغُسْلِ، وهو الصحيح.
أما إذا قلنا: لا تجب الإعادة عليها فهو مستعمل على المعنيين، لأنه قد ارتفع به المنع من الوَطءِ وأفاد جَوَازَ العِبَادَةِ به لو ارتفع مانع الكفر.
وقوله: في الأصل "لتأدي العبادة به وانتقال المنع" كذلك يوجد في بعض النسخ؟ بل في أكثرها؛ وفي بعض النُّسَخِ المُحْدَثَةِ "أو انتقال المنع إليه"، وشغف به جماعة من مُحَصِّلِي هذا الكتاب لما ذكرنا أن العِلَّةَ غير مركبة من المعنيين، وإنما اختلفوا في أن العلة ماذا، ولا شك أن ما شرحناه من كلام الأصحاب واختلافهم يقتضي ذلك، ولكن الواو وأو قد يستعمل أحدهما في موضع الآخر، فالواقف على حظ المعنى قد ينزل الواو على أو، ولا يغير صورة الكتاب، ونظيره يكثر في المذهب، ثم الحدث ليس شيئًا محققًا يفرض انتقاله من البَدَنِ إلى الماء، لكن [المعنى أن باستعمال الماء] 1 يرتفع منع كان بالبدن، وهو أنه كان ممنوعًا من الصلاة وغيرها، ويحدث منع في الماء لم يكن، وهو أنه لا يستعمل مرة أخرى فَعَبَّرَ عن ارتفاع منع وحدوث منع بالانتقال تَوَسُّعاً.
وينبغي أن تعلم أن انتقال المنع الذي ذكره هو الذي عبر عنه غيره من الأصحاب بأداء الفرض، لأن رفع الحدث فرض، ولا نعني بالفرض في مثل هذا ما يلحق الإِثْم بتركه بل ما لا بد منه، وكذلك نحكم باستعمال ما توضأ به الصبي إلا على وجه لا يعبأ به، وباستعمال ما توضأ به البَالِغُ لصلاة النفل: وعبارة أداء الفرض أوضح وأولى.
قال الغزالي: فُرُوعٌ ثَلاثة: الأوَّلُ- المَاءُ المُسْتَعْمَلُ فِي الحَدَثِ لاَ يسْتَعْمَلُ فِي الخَبَثِ عَلَى أَحْسَنِ الوَجْهَينِ.
الثَّانِي- إِذَا جُمِعَ المَاءُ المُسْتَعْمَلُ حَتَّى بَلَغَ قُلَّتَينِ 2 عَادَ طَهُوراً عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَينِ كَالمَاءِ النَّجِسِ.
الثَّالِثُ- إِذَا انْغَمَسَ الجُنُبُ فِي مَاء قَلِيل نَاوِيًا وَخَرَجَ ارْتَفَعَتْ (و) جَنَابَتُهُ وَصارَ المَاءُ مُسْتَعْمَلاً بَعْدَ الخُرُوجِ وَالاِنْفِصَالِ.
قال الرافعي: اعلم أنه يتفرع على القول الجديد مسائل:
إحداها: المستعمل في الحدث هل يستعمل في الخبث؟ فيه وجهان:
قال الأَنْمَاطِيُّ 1، وابن خيران 2: نعم، لأن للماء قُوَّتَيْنِ، ولم يستوف إلا إحداهما.
وقال الأكثرون وهو الأصح: لا، كما أن المستعمل في الحدث الأصغر لا يستعمل في الأكبر، وبالعكس.
ولا يقال: الماء له قوتان ولم يستوف إلا إحداهما, ويجري الوجهان في المستعمل في الخبث هل يستعمل في الحدث إذا فرعنا على أن المستعمل في الخبث طاهر غير طهور وهو المذهب على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى- ولك أن تقول: إذا كان المستعمل في الخبث بحيث لا نحكم بنجاسته كان باقياً على أوصاف خِلْقَتِهِ وهو غير طهور على الظاهر، فيكون مستثنى مع المستعمل في الحدث عن الماء الباقي على أوصاف الخلقة فكيف ساغ للإمام -رضي الله عنه- أن يقول: "ولا يستثنى عنه إلا الماء المستعمل في الحدث".
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذا جمع الماء المستعمل حتى بلغ قُلَّتَيْنِ، هل يعود طهورًا وجهان أحدهما يعود لأنه لو لم 3 يعد إلى الطهورية لقَبِلَ النجاسة، وقد، قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لمْ يَحْمِلْ خَبُثاً" 4، ولأن الماء النجس المتفرق إذا جمع ولا تغير يعود
طهوراً؛ فالمستعمل أَوْلَى؛ لأن النجاسة أقوى من الاستعمال، ولأنه صار إلى حالة لو كان عليها في الابتداء لم يتاثر بالاستعمال، فإذا عاد إلى تلك الحالة يسقط حكم الاستعمال.
والثاني: لا يعود طَهُورًا 1؛ لأن قوته صارت مستوفاة بالاستعمال فالتحق بِمَاءِ الوَرْدِ وسائر المائعات.
الثالثة: إذا انغمس الجُنُبُ في ماء قليل ونوى، نُظِر إن نوى بعد تمام انغماسه فيه واتصال الماء بجميع البَدَنِ، فلا خلاف في أنه يرتفع حَدَثُهُ ويصير الماء مستعملاً، أما ارتفاع الحدث فلوصول الماء الطهور إلى محل الحدث مع النِيَّةِ 2، وأما الاستعمال فلأداء العبادة المفروضة به: وهل يحكم باستعماله في حق غيره قبل انفصاله عنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، وإنما يثبت حكم الاستعمال بعد الانفصال، ألا ترى أن الماء ما دام متردِّداً على أعضاء المتطهر لا يحكم باستعماله.
والثاني: وهو الأصح: نعم، وإنما لا يحكم بالاستعمال ما دام الماء مُتَرَدِّداً جَارِياً للحاجة إلى انغسال الباقي ولا ضرورة في حق غيره والماء منفصل عنه.
فعلى هذا ليس لغيره أن يرفع به الحدث، وعلى الأول يجوز، ولو خاض جُنُبَانِ فيه وَنَويَا معاً بعد تمام الانغماس ارتفع حَدَثُهُمَا على الوَجْهَيْنِ، وإن نوى الجنب قبل تمام الانغماس، إما في أول المُلاَقَاةِ أو بعد غَمْسِ بعض البدن ففيه وجهان:
قال أبو عبد الله الخضريُّ: لا ترتفع الجَنَابَةُ إلا عن أول الجزء المُلاَقِي مع النية، = خزيمة، وابن حبان، وابن منده، والطحاوي والحاكم.
وزاد أنه على شرط الشيخين، يعني البخاري ومسلمًا والبيهقي والخطابي وفي رواية أبي داود وغيره.
(إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس) قال يحيى بن معين: إسنادهما جيد.
والحاكم صحيح، والبيهقي موصول، والزكي لا غبار عليه.
وانظر نصب الراية 1/ 14، وما بعده، والتلخيص 1/ 16 وما بعده.
لأن الماء يصير مستعملاً بملاقاته فلا ترتفع الجنابة عن الباقي 1 بخلاف ما إذا كان الماء واردًا على البدن، حيث لا يحكم باستعماله بأول الملاقاة لاختصاصه بِقُوَّةِ الوُرُودِ، والأصح: أنه ترتفع الجَنَابَةُ، ولا يصير الماء مستعملاً بأول الملاقاة، لأنا إنما لم نحكم بالاستعمال عند ورود الماء على البدن للحاجة إلى رفع الحدث، وعسر إفراد كل موضع بماء جديد، وهذا المعنى موجود سواء كان الماء وارداً، أو كان هو وارداً على الماء 2 وإذا عرفت ذلك نشأ لك البحث والنظر في أمور من ألفاظ الكتاب في الفَرْعِ الثالث.
أحدها: أن مراده ما إذا نوى بعد تمام الانغماس، أو فيما إذا نوى قبله أو كلتا الحالتين؟ أما اللفظ فهو 3 شامل لهما والتنزيل عليهما صحيح لما ذكرنا بأنه لا خلاف في ارتفاع الحدث 4 في الحالة الأولى، وأن الصحيح في الحالة الثانية أيضاً الارتفاع لكنه ما أراد الحالة الأولى وحدها؟ لأن قوله: "ارتفعت جَنَابَتُهُ" مُعْلَمٌ بالواو، ولا خلاف في ارتفاع الجنابة في تلك الحالة.
بَقِيَ احتمالان إرادة الحالة الثانية وحدها وعلامة الواو إشارة إلى وجه الخضري 5
واحتمال إرادتهما جميعاً ويصح الإعلام بالواو أيضاً؛ لأن الصائر إلى النفي في إحدى الصورتين يخالف المثبت في الصورتين، والاحتمال الثاني أقرب إلى إطلاق اللفظ، والأول قضية إيراده في الوَسِيطِ.
الثاني: أنه لم قيد صورة الفرع بالخروج فقال: "إذا انْغَمَسَ الجُنُبُ في ماء قليل وخرج" اعلم أن ارتفاع الجنابة لا يحتاج إلى هذا القيد، بل سواء خرج أو لم يخرج ترتفع الجنابة.
وأما صَيْرورَةُ الماء مستعملاً في كلام الأصحاب ما يقتضي توقف الحكم بالاستعمال على خروجه منه، وهو مشكل؛ لأن المقتضى للاستعمال أنه رفع الحدث فإذا ارتفع الحدث وجب أن يصير هو مستعملاً، سواء انْفَصَلَ عن البدن أم لا، هذا بالإضافة إليه، وأما بالإضافة إلى غيره ففيه ما حكينا من الوجهين.
وإذا عرفت ذلك فقد رتب على الانغماس والخروج شيئين: ارتفاع الجنابة، وَصَيْرُورَةُ الماء مستعملاً والأول مُسْتَغْنٍ عن شرط الخروج.
والثاني: بتقدير أن يكون محتاجاً إليه، ففي قوله: "بعد الخروج والانفصال" ما يفيد التعرض لهذا الشرط فإذًا قوله "وخرج" ضائع.
الثالث: لم جمع بين لفظي الخروج والانفصال، ظني أن هذا مما يجري به القَلَمُ لا عن قصد، أو مما يقصد به البَسْطُ في العبارة أيضاً، وعلى التقديرين فلا يطلب لكل لفظة فائدة تخصها وإن زعم 1 زعم أنه إذا لم يبق في الماء إلا عضو واحد من المنغمس يُسَمَّى خَارِجاً من الماء ولا يسمى منفصلاً، وحكم الاستعمال إنما يثبت بعد الانفصال.
قلت له: هَبْ أنه كذلك لكن هذا وجه الحاجة إلى تعقيب الخروج بالانفصال، فما الجواب عن قول القائل: لم جمع بينهما وَهَلاَّ اقتصر على الانفصال.
قال الغزالي: الْقِسْمُ الثَّاني: مَا تَغَيَّر عَنْ وَصْفِ خِلْقَتِهِ تَغَيُّراً يَسِيراً لاَ يُزَايِلُهُ اسْمُ المَاءِ المُطْلَقِ فَهُوَ طَهُورٌ كالمُتَغَيِّر (و) بِيَسِير الزَّعْفَرَان، وَكَذَا المُتَغَيِّرُ بِمَا يُجَاوِرُهُ (و) كالعُودِ وَالكَافِورِ الصُّلْبِ، وَكَذَا المُتَغَيِّرُ بِمَا لاَ يُمْكِنُ صَوْنُ المَاءِ عَنْهُ كَالمُتَغَيِّرِ بِالطِّينِ وَالطُّحْلُب 2 وَكالمُتَغَيِّرِ بِطُولِ المُكْثِ وَالتُّرَابِ وَالزِّرْنيخِ 3 وَالنُّورَةِ 4 فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ لاَ
يُسْلَبُ اسْمَ المَاءِ المُطْلَقِ 1 وَكَذا المُسَخَّنُ وَالمُشَمَّسُ، وَفِي المُشَمَّسِ كَرَاهِيَةٌ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ إِذَا شُمِّسَ في البِلاَدِ المُفْرِطَةِ الحَرَارَةِ في الأوَاني المُنْطَبِعَةِ.
قال الرافعي: ذكرنا أن المتغير عن أوصاف الخلقة قسمان:
أحدهما: المتغير الذي لا يُسْلَبُ اسم الماء المطلق عنه.
والثاني: ما يسلب.
أما القسم الأول فقد أدرج فيه أنواعًا منها: أن يكون التغير يسيرًا، وإن كان المُغَيِّرُ خَلِيطاً مستغنىً عنه كـ"الزَّعْفَرانِ" وَ"الدَّقِيقِ"، ونحوهما، فظاهر المذهب أنه لا يقدح في الطهورية، لأنه لا يبطل اسم الماء المطلق.
وفيه وجه: أنه يقدح كالمتغير بالنجاسة يسلب الطهارة، سواء كان يسيراً أو فاحشاً.
ومنها: أن يتغير بشيء يجاور الماء ولا يخالطه كالعود ونحوه.
وهل يؤثر في سَلْبِ الطّهُورِيَّةِ، فيه قولان؟ أصحهما: وهو الذي ذكره في الكتاب أنه لا يؤثر؛ لأن هذا النوع من التغير تروح لا يسلب إطلاق اسم الماء كتغير الماء بِجِيْفَةٍ مُلْقَاةٍ عَلَى شَطِّ نَهْرِ.
والثاني: نعم لأنه تغير بما يلاقي الماء فأشبه التغير بما يخالط: وفي مَعْنَى العُودِ الدُّهْنُ، وَالشَّمْعُ، وما لا يختلط بالماء.
وَالكَافُورُ نوعان:
أحدهما: يذوب [في الماء] 2 ويختلط به.
والثاني: لا يَنْمَاعُ فيه، فالأول: كَالدَّقِيْقِ وَالزَّعْفَرانِ.
والثاني: كالعود فلذلك قيد الكافور بالصلابة.
ومنها: أن يتغير بما لا يمكن صون الماء عنه، كالمتغير بالطِّيْنِ، وَالطُّحْلُبِ والكِبْرِيتِ، وَالنورَةِ، في مقرّ الماء ومهره، فهذا التغير لا يسلب الطهورية لوجهين:
أحدهما: أن أهل اللسان والعرف لا يمتنعون من إيقاع اسم الماء المطلق عليه.
والثاني: عسر الاحتراز عنه، ومن هذا القبيل المتغير بالتراب الذي يثور وَيَنْبَثُّ في الماء ويختلط به والمتغير بِالزَّرْنيخِ.
ومنها: المتغير بطول المكث، وهو على طهوريته، لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- "تَوَضَّأ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَة، وَكَانَ مَاؤُهَا كَنُقَاعَةِ الحِنَّاءِ" 1، وذلك التغير لا يمكن أن يكون بالنَّجَاسَةِ وإلا لما توضأ به، فبعد ذلك لا يخلو إما أن يكون بنفسه أو بشيء طاهر آخر، إن كان بنفسه صح المدعي وإن كان بغيره فكذلك، لأن تغيره بنفسه أهون من تغيره بغيره، فإذا لم يقدح الثاني فأولى أن لا يقدح الأول.
ومنها: المسخن، فهو على طهوريته لبقاء إطلاق الاسم؛ ولأنهم تطهروا بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالماء المُسَخَّنِ ولم ينكر عليهم 2.
ومنها: المشمش، وهو على طهوريته كالمسخن، وهل في استعماله كراهية أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وأحمد 3 -رحمهم الله-، كماء
الحِيَاضِ وَالسَّوَاقِي إذا تأثرت بالشَّمِسِ؛ وكما أن التسخين لا يؤثر في الكراهية.
والثاني: وهو الأصح: نعم، لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- "نَهَاهَا عَنُ اَلتَّشمِيسِ وَقَالَ: إِنَّه يُورِثُ البَرَصَ" 1.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ اغتَسَلَ بِمَاءٍ مُشَمَّسٍ فَأَصَابَهُ وَضَحٌ فَلاَ يَلُومَنَّ إلاَّ نَفْسَهُ" 2.
وَكَرِهَ عمرُ -رَضِيَ الله عَنْهُ- المُشَمَّسَ وَقَالَ: "إِنَّه يُورِثُ الْبَرَصَ" 3. = سحائب الرحمة في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين.
وحضر جنازته ثلاثمائة ألف، وقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف، وقيل: أكثر.
انظر ابن قاضي شهبة 1/ 56، حلية الأولياء 9/ 161، تاريخ بغداد 4/ 412، البداية والنهاية 10/ 325، تذكرة الحفاظ 2/ 431، تهذيب التهذيب 1/ 72.
فإن قلنا: بالكراهية، ففي محلها اختلاف منشؤه إشارة النقل بعد النهي إلى سببه وهو خوف الوضح 1. فقال قائلون من أصحابنا: إنما يكره إذا خيف منه هذا المحذور، وإنما يخاف عند اجتماع شرطين:
أحدهما: أن يجري التشميس في الأواني المنطبعة، كَالحَدِيدِ، وَالرُّصَاصِ، وَالنَّحَاسِ، لأن الشمس إذا أثّرت فيهما استخرجت منها زُهُومَةٌ تعلو الماء ومنها يتولد المَحْذُورُ.
والثاني: أن يتفق في البلاد المفرطة الحرارة دون الباردة، والمعتدلة، فإن تأثير الشمس فيها ضعيف 2. ولا فرق عند القائلين بهذه الطريقة بين أن يقع ذلك قصداً أو اتفاقاً؛ فإن المحذور لا يختلف، وأيّدوا طريقتهم بالمشمس في الحِيَاضِ، وَالبِرَكِ، فإنه غير مكروه بالاتفاق، وإنما كان ذلك؛ لأنه لا يخلف منه مكروه.
وقال آخرون: لا تتوقف الكراهية على خوف المحذور لإطلاق النهي، والتعرض للمحذور إشارة إلى حكمته، فلا [يشترط حصولها في كل صورة، وهؤلاء طردوا الكراهية في الأواني المُنْطَبِعَةِ] 3 وغيرها، كَالخَزَفِيَّةِ، وفي البلاد الحَارَّةِ وغيرها، واعتذروا عَن مَاءِ الحِيَاضِ، وَالبِرَكِ بتعذر الاحتراز.
والطريقة الأولى أقرب إلى كلام الشافعي -رضي الله عنه- فإنه قال: "ولا أكره المشمس إلا من جهة الطب" [أي: إنما كرهه شرعاً حيث يقتضي الطب] (4) محذوراً فيه، واستثنى بعضهم من المنطبعات الذهب والفضة، لصفاء جوهرها، ويعد انفصال محذور عنهما.
وإذا عرفت ذلك نعد إلى ألفاظ الكتاب.
واعلم أن قوله: "ما تغير عن وصف خلقته تغيراً يسيراً لا يزايله اسم الماء المطلق" [ليس] 4 المراد من اليسير سوى أنه بحيث لا يزايله اسم الماء المطلق وتعقيبه به مذكور تفسيرًا لليسير وإن لم يكن كذلك، وجزينا على ظاهر اللفظ لزم اشتراط كون التغير يسيرًا لبقاء الطهُورِيَّةِ في جميع المسائل المعدودة وليس كذلك، بل التغير بطول
المُكْثِ، وما لا يمكن صون الماء عنه، وبالمجاور لا يفترق حكمه بين اليسير والفاحش وقوله: "وكذا المتغير بطول المُكْثِ، والتراث، والزَّرْنيخِ"، عطفه على المتغير بالطين والطُّحْلُبِ، وأحسن منه على المتغير بما يجاوره والمتغير بما لا يمكن صون الماء عنه ليكون تعذر الصون نوعًا يدخل تحته المتغير بطول المكث، وما لا يخلو الماء عنه في المقر والممر، فمنه الطين، والطحلب، ومنه التراب الذي يثور وينتثر فيه.
وأما الماء الذي يطرح فيه قصداً فقد ذكره من بعد.
والاختلافات التي ذكرناها في المشمس تقتضي أن يكون لفظ الكراهية في قوله: "وفي المُشَمَّسِ كراهية" معلَّماً بالواو والحاء والميم والألف وهو علامة أحمد -رضي الله عنه- وأن يكون قوله "من جهة الطب" معلَّماً بالواو إشارة إلى خلاف من اتبع ظاهر النهي، ولم تقف الكراهية على موضع خوف الوضع، ولا بأس أن يعلم قوله في الأواني المنطبعة بذلك أيضاً إشارة إلى استثناء من استثنى التِّبْرَيْنِ 1.
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّالِثُ: مَا تَفَاحَشَ تَغَيُّرُهُ بِمُخَالَطَةِ مَا يَسْتَغنِي المَاءُ عَنْهُ حَتَّى زَايَلَهُ اسْمُ المَاءِ المُطْلَقِ فَلَيْسَ بِطَهُورٍ (ح) وَإِنْ لَم يَستَجِدَّ اسْمًا آخَرَ كالمُتَغَيِّرِ بِالصَّابُونِ وَالزَّعفَرَانِ الكَثِيرِ (ح) وَأجْنَاسِهِمَا.
قال الرافعي: إذا بلغ تغير الماء حَدًّا يَنْسَلِبُ به اسم الماء المطلق عنه خرج عن كونه طهوراً، ولا فرق بين أن يقع اسم الماء عليه مضافاً إلى الخليط المُغَيِّرِ كَمَاءِ الزَّغفَرانِ، والدقيق، أو لا يقع ويحدث له اسم آخر كَالصَّبغِ وَالمَرَقِ وَالحِبْرِ خلافاً لأبي حنيفة -رضي الله عنه- في الحالة الأولى.
لنا وجهان:
أحدهما: القياس على مَاءِ البَاقِلاَّءِ ونحوه.
والثاني: أن النصوص الواردة في طهورية الماء متعرضة لاسم الماء عرياً عن القيود والإضافات والكلام فيما انسلب عنه اسم الماء عرياً عن القيود، والإضافات فلا يلحق بمورد النص لظهور الفرق في خاصية الرقة وغيرها.
فإن قيل: النصوص متناولهّ للماء، وماء الزعفران ماء.
قلنا: لا نسلمه، بل الماء المضاف على ضربين: منه ما يصح إطلاق اسم الماء عليه كماء البحر، وماء الكُوزِ.
ومنه ما لا يصح كَمَاءِ الوَرْدِ وماء الباقلاء فلم قلتم بان ماء الزعفران من قبيل الأول لا من قبيل الثاني؟ بل هو من الثاني فإن التغير الفاحش يصحح قول القائل: هذا ليس بماء وإنما هو ماء الزعفران؛ ولهذا لو حلف أن لا يشرب ماء فشرب ماء الزعفران
لا يحنث وكان اسم الماء عرياً عن القيود والإضافات غير موضوع للحقيقة المشتركة بين الماء وماء الزعفران، بل كما لا يتفاحش تغير صفاته الأصلية والله أعلم.
وهل يعتبر تَغَيُّرُ اللَّوْنِ، وَالطَّعْمِ، وَالرَّائِحَةِ، جميعاً أم يكفي تغير واحد منها؟ ذكر الموفق بن طاهر 1 في "شرح مختصر الجُوينِيِّ" 2 أن صاحب "جمع الجوامع" حكى فيه قولين اختار ابن سريج الثاني منهما وهو المشهور المتوجه.
وحكى قولاً آخر عن رواية الربيع 3 أن التغير في اللون وحده وفي الطعم والرائحة معاً يمنع الطّهُورِيَّة وفي أحدهما لا يمنع.
وينبغي أن يتنبه من ألفاظ الكتاب للاحتراز عن التغيرات التي لا تقدح: فقوله: "ما تفاحش تغيره" يخرج عنه التغير اليسير، وان كان بخليط مستغنى عنه.
وقوله: "بمخالطة ما يستغني عنه" يخرج عنه التغير بالمجاور وبما لا يمكن صون الماء عنه.
قال الغزالي: فُرُوعٌ ثَلاَثَةٌ:
الأَوَّلُ- المُتَغَيِّرِ بِالتُّرَابِ المَطْرُوحِ فِيهِ قَصْداً فِيهِ وَجْهَانِ: أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ طَهُورٌ وَيَقْرُبُ مِنْهُ المِلْحُ إِذ طُرِحَ (و) فِي المَاءِ لأَنَّه أَجْزَاءٌ سَبِخَةٌ مِنَ الأَرْضِ بِهَا يَصِيرُ مَاءُ البَحْرِ مَالِحاً فَيُضَاهِي التُّرابَ.
الثَّانِي- إِذَا تَفَتَّتَتِ الأَوْرَاقِ فِي المِيَاهِ وَخَالَطَتْهَا فَفِيهَا ثَلاَثَةُ أَوْجْهٍ يُفْرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ الخَرِيفِيِّ وَالرَّبِيعِيِّ لِتَعَذُّرِ الاحْتِرَازِ عَنِ الخَرِيفِيِّ.
الثَّالِثُ- إذَ صُبَّ مَائِعٌ عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ وَلَمْ يُغْيّرْهُ فَإنْ كَانَ بِحَيث لَوْ خَالَفَهُ في اللَّوْنِ لِتَفَاحُشِ تَغَيُّرِهِ زَالَتِ الطُّهُورِيَّةُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُ فَهُوَ طَهُورٌ، وَيجوزُ اسْتِعْمَال الكُلِّ عَلَى الأَظْهَرِ، وقِيلَ: اِذَا بَقِيَ قَدْرُ ذَلِكَ المَائِعِ لَم يَجُزِ استِعْمَالُهُ.
قال الرافعي: في المتغير بالتراب المطروح فيه قصداً وجهان: وقيل قولان:
أحدهما: أنه ليس بطهور؛ لأنه تغير بمخالطة مستغنى عنه فأشبه التغير بِالزَّعْفَرانِ.
والثاني: وهو الأظهر: أنه على طهوريته، لأن التغير الحاصل بالتراب ليس إلا الكُدُورَة وهي لا تسلب اسم الماء؛ ولأن التراب يوافق الماء في الطَّهُورِيَّةِ؛ ولأن الشرع أمر بالتعفير في وُلُوغِ الكَلْبِ، ولو سلب طرح التراب في الماء الطهورية لما أمر به.
وأما المتغير بالمِلْحِ المطروح فيه، فينظر فيه إن كان الملح مائياً، فوجهان: أظهرهما: أنه طهور؛ لأنه منعقد من عين الماء كَالجَمدِ، وَالثَّلْجِ.
والثاني: لا، وليس الملح عين الماء، بل المياه نزلت عذبة من السماء، ثم تختلط بها الأجزاء السَّبَخَات 1 فتنعقد ملحاً، ولهذا لا يذوب في الشمس ولو كان منعقدًا من الماء لذاب كالجمد، وإن كان جبلياً ترتب على المائي أن سلبنا الطهورية ثمة، فههنا أولى؛ وإلا فوجهان: أظهرهما: السلب أيضاً، لأنه خليط مستغنى عنه غير منعقد من الماء، ومن لم يسلب زعم أنه في الأصل كان ماء أيضًا، ولهذا يذوب في الماء، وإذا أطلقت الكلام في الملح فقل في التغير به ثلاثة أوجه: ثالثها: الفرق بين الجَبَلِيِّ وَالمَائِيِّ تَشْبِيهاً للمائِيِّ بِالجَمْدِ، واستبعد الإمام الغزاليُّ ذلك.
وقال: لو كان كالجَمْدِ لذاب في الشمس، ولكن تعليله التشبيه بالتراب المطروح فيه قصداً؛ لأن ماء البحر ملح وملوحته من أجزاء سبخة في الأرض تنتشر فيه فالملح إذا من أجزاء الأرض فإن حصل التغير به من غير قصد كماء البحر فهو طهور كالمتغير بالتراب من غير قصد، وإن كان بقصد فهو على الخلاف كالمتغير بالتراب المَطْرُوح فيه قصداً، وهذا معنى قوله في الكتاب: "ويقرب منه الملح" إلى قوله: "فيضاهي التراب".
ولك أن تقول: الملح إما أن يكون فيه ما ينعقد من مَحْضِ الماء أو لا يكون إن كان فتشبيهه بالجمد قويّ، ولهذا لو تغير الماء العَذْبُ بذلك الماء المِلْحُ لم يؤثر فكذلك التغير بالمنعقد منه.
والقول بأنه لو كان كالجَمْدِ لذاب في الشمس: ممنوع على هذا التقدير؛ بل من المُنْعَقد الماء ما يذوب، ومنه مالا يذوب وإن لم يكن فيه ماء ينعقد من محض الماء بل كان كل ملح من أجزاء الأرض فإنما يتضح تشبيه الخلاف فيه بالخلاف في التراب أن لو جرى ذلك الخلاف في جميع أجزاء الأرض وليس كذلك، بل نص الأصحاب على أنه
لا يجري في الجَص 1 وَالنُّورَةِ وغيرهما، واستبعدوا خلاف من خالف فيه.
وإذا كان كذلك فما الفرق بين الجص، والملح وكل واحد منهما ليس بتراب.
وقوله: "وبها يَصِيرُ ماء البحر مالحاً" ربما تجد في بعض النُّسَخَ ملحًا، ولا شك في أنه أفْصَحُ في اللغة قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ 2 وورد المالح في لفظ الشافعي -رضي الله عنه- واعترض عليه معترضون، وزعموا أنه لا يصح في اللغة، واْجاب الأصحاب عنه وصححوه 3، هذا أحد الفروع.
الثاني: الأوراق إذا تناثرت في الماء وتروح الماء بها من غير أن يعرض 4 لها عفونة واختلاط، فهذا ماء متغير بشيء مجاور فيبقى على طهوريته على أظهر القولين كما سبق، وإن تَعَفَّنَت واختلطت به ففيه ثلاثة أوجه:
أظهرهما: أنه لا يسلب الطهورية كالمتغير بالطين، والطُّحْلُبِ وسائر ما يعسر الاحتراز عنه.
والثاني: يسلب كسائر المتغيرات التي تلحق بالماء من خارج.
والثالث: وبه قال أبو زيد المَزوزِيُّ 5 لا يسلب التغير بالخَرِيفِيِّ لغلبة التَّنَاثِرُ في الخريف بخلاف الربيعي، ولأن الأوراق الخريفية قد امتصت الأشجار رطوبتها وقرب
طَبْعُهَا مِنْ طَبْع الخَشَبِ بخلاف الربيعية فإن فيها رُطْوبَةً وَلُزُوجَةً تقتضي الامتزاج، وهذه الوجه فيما إذَا تناثرت في الماء بنفسها وهو مسألة الكتاب.
فلو طرحت فيه قصداً فطريقان:
أحدهما: القطع بسلب الطهورية للاستغناء عنه.
والثاني: طرد الوجوه الثلاثة، والفارق على الوجه الثالث ههنا إنما هو المعنى الثاني لا غير.
الثالث: إذا اختلط بالماء مائع يوافق الماء في الصفات كَمَاءِ وَرْدٍ مُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ وماء الشجر والماء المستعمل ففيه وجهان:
أحدهما: أنه إن كان الخليط أقل من الماء فهو طَهُورٌ وإن كان أكثر أو مثله فلا؛ لأنه تعذر اعتبار الأوصاف فيعدل إلى اعتبار الأجزاء ويجعل الحكم للغالب فإذا استويا أخذنا بالاحتياط.
والثاني: وهو المذكور في الكتاب وهو الأظهر: أنه إن كان الخليط قدراً لو خالف الماء في طَعْم، أو لَوْنِ، أو رَائِحَةٍ لتغير الماء فهو مَسْلُوبُ الطُّهُورِيَّةِ، وإن كان لا يؤثر مع المخالفة فلا، لأن التغير سالب لِلطّهُورِيَّةِ، وهذا الخليط بسبب الموافقة في الأوصاف لا يغير، فيعتبر تغيره لاستفادة ما طلبناه كما يفعل في معرفة الحكومات.
ثم إذا اقتضى الحال بقاء الطهورية إمَّا لِقَّلةِ الخَلِيطِ على الوجه الأول أو لتقاعده عن التغير على الثاني مع تقدير المخالفة، فهل يستعمل (جميعه أم يبقى قدر الخليط؟ وفيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه يستعمل 1 الجميع لاستهلاك الخليط فيه وانطلاق اسم الماء عليه.
والثاني: أنه يبقى قدر الخليط وإلا كان مستعملاً لغير الماء يقيناً وصار كما لَوْ حَلَفَ أن لا يأكل تَمْرَةً وخلطها بتمر كثير لا يَحْنَثُ ما بقيت تمرة وإن استوعب الكل حنث، وأطبقوا على ضعف هذا الوجه.
والثالث: إن كان الماء وحده يكفي لواجب الطهارة فله استعمال الجميع وإلا فلا.
فإن قلنا: يجوز استعمال الجميع ومعه من الماء ما لا يكفيه وحده ولو كمله بما يستهلك فيه لكفاه لزمه ذلك.
واعلم أن الخلاف في أن الجميع هل يستعمل جارٍ فيما إذا استهلكت النَّجَاسَةُ المائعة في الماء الكثير، (وفيما إذا استهلك الخليط الطَّاهِرُ في الماء لقلته مع مخالفة الأوصاف لأوصاف الماء، ولو لم يتغير الماء الكثير) لموافقة النَّجَاسَةِ له في الأوصاف فالاعتبار بتقدير المخالفة لا بالأجزاء بلا خلاف، كذلك ذكروه لتغليظ أمر النجاسة واعتبروا في النَّجَاسَةِ بالمخالف الذي هو أشد صفة احتياطاً.
وفي الطاهرات بالوسط المعتدل، فلا يعتبر في الطَّعْمِ حِدَّةُ الخَلِّ؛ ولا في الرائحة ذكَاءُ المِسْكِ وقضية هذا الوجه (أن ينظر إلى صفات الَماء عُذُوبَةً، وَمُلُوحَةَ، وَرِقَّةً وَصَفَاءً) (1) فإن لها أثراً ظاهراً في حصول التغير وعدمه (2).
ثم عد إلى ألفاظ الكتاب واعلم أن قوله: "إن كان بحيث لو خالفه في اللون" ليس لاعتبار اللون بعينه، وإنما ذكره مثالاً، وسائر الأوصاف في معناه، وفيه ما قدمناه عن رواية الربيع -رحمه الله- وقوله:"لتفاحش تغيره" إشارة إلى أنه لو كان التغير يسيراً لم يؤثر كما سبق.
قوله: "زالت الطهورية" ينبغي أن يعلم بالواو، وكذا قوله: فهو طهور، لأن الحكم لا يتعلق بتقدير التغير وعدمه عند من يعتبر الأجزاء.
وقوله: في أول هذا الفرع.
إذا صُبَّ مائع على ماء قليل ينبغي إن يعرف أن الصَّبَّ لاَ أَثَرَ لَهُ؛ بل انصباب المائع عليه واختلاطه به كالصَّبِّ، وإنما يفرق بين الوُقُوعِ فيه والطَّرْح قَصْداً فيما يتعذر الاحتراز عنه، وكذلك التعرض للقليل ليس للتقييد؛ بل القليل والكثير في هذا الحكم سواء، ولو حُذِفَ لفظ القليل لَمْ يَضُرّ.
قال:
الْبَابُ الثَّانِي
فِي المْيَاهِ النَّجِسَةِ، وَفِيهِ فُصُولٌ أَرْبَعَةٌ
قال الغزالي
#: الفَصْلُ الأَوَّلِ فِي النَّجَاسَاتِ وَالجَمَادَاتُ
كُلُّهَا عَلَى الطَّهَارَةِ إِلاَ الخَمْرَ وَكُلَّ نَبِيذٍ (ح) مُسْكِرٍ، وَالحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا عَلَى الطَّهَارَةِ إِلاَّ الكَلْبَ وَالخِتزِيرَ وَفُروعَهمَا.12
قال الرافعي: لما كان أصل الماء الطهارة ونجاسته عارضة، تطرأ بملاقاة شيء نجس، حسن القول في أن النجس ماذا أولاً، فعقد الفصل الأول في النجاسات، وأداها في تقسيم اقتدى في معظمه بِإمَامِ الحَرَمَيْنِ -رحمه الله- وهو أن الأعيان تنقسم إلى جَمَادٍ، وَحَيَوانٍ، والأصل في الجميع الطَّهَارَةُ؛ لأنها مخلوقة لمنافع العباد، وإنما يحصل الانتفاع أو يكمل بالطهارة، ولا يستثنى عن هذا الأصل من الجمادات إلا الخمر، وما يسكر من الأنبذة، أما الخمر فلوجهين:
أحدهما: أنها مُحَرَّمَةُ التَّنَاوَلِ، لا لاحترام وضرر ظاهر، والناس مَشْغُوفُونَ بِهَا، فينبغي أن يكون محكوماً بنجاستها تأكيداً للزجر، ألا ترى أن الشرع حكم بنجاسة الكِلاَبِ، لما نهى عن مخالطتها مبالغة في المنع.
الثاني: أن الله -تعالى- سماها رِجْساً وَالرِّجْسُ وَالنَّجَسُ عبارتان عن معنى واحد، وأما الأَنِبذَةُ المُسْكِرَةُ فلأنها ملحقة بها في التحريم، فكذلك في النجاسة، وينبغي أن يكون النبيذ مُعْلَمًا بعلامة أبي حنيفة -رحمة الله عليه- فإنه يقول بالطهارة، حيث يقول بِالحِلِّ:
وبالواو أيضاً، لأن يحيى اليمني 1 حكى في البيان وجهاً ضعيفاً: أن النَّبِيذَ طاهر لاختلاف الناس فيه بخلاف الخمر؛ بل ينبغي أن يكون لفظ الخمر معلماً بالواو أيضاً، لأمور ثلاثة:
أحدهما: أن الشيخ أبا علي حكى خلافاً في نَجَاسَةِ المُثَلَّثِ المُسْكِرِ الذي يبيحه أبو حنيفة مع الحكم بالتَّحرِيمِ قَطْعاً.
والثاني: أنه حكى وجهاً في طهارة الخمر المحترمة.
والثالث: أنهم ذكروا وجهاً في أن يواطن حَبّضاتِ العُنْقُودِ مع استحالتها خمرًا لا يحكم بنجاستها، تشبيهًا بما في باطن الحيوان، وكل ذلك ينافي إطلاق القول بالنجاسة.
واعلم أنه لا يريد بالجماد في هذا التقسيم مطلق ما لا حياة فيه؛ بل وما لم يكن حيواناً من قبل، ولا جزءًا من الحيوان، ولا خارجًا منه، وإلا لدخل في الجَمَادَاتِ
المَيْتَاتُ، وأجزاء الحيوانات، وما ينفصل من باطن الحيوان، وحينئذ لا ينتظم قصر الاستثناء على الخَمْرِ وَالنَّبِيذِ، وأما الحيوانات فهي طاهرة، ويستثنى منها ثلاثة:
أحدهما: الكلب لقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور: "إِنَّهَا لَيسَت بِنَجِسَةٍ" 1 يعني: الهرَّةَ ووجه الاستدلال منه مشهور، ولأن سؤره نجس بدليل ورود الأمر بالإراقة في خبر الولوغ، ونجاسة السُّؤرِ تدل على نَجَاسَةِ الفَم، وإذا كان فمه نجسًا كانت سائر أعضائه نجسة، لأن فمة أطيب من غيره، ويقال: إنه أطيب الحيوان نَكْهَةَ لكثرة ما يلهث.
والثاني: الخِنزِيرُ وهو أسوأ حالاً من الكلب، فهو أولى بان يكون نجسًا.
والثالث: المتولد من أحدهما نجس لتولده من أصل نجس.
وعن مالك: أن الكَلْبَ، وَالخِنْزِيرَ طاهران ويغسل من وُلُوغِهِمَا تَعَبُّداً.
ولك أن تعلم قوله: "والحيوانات على الطهارة" بالواو، لأن أبا العباس الجرجاني 2 وآخرين نقلوا وجهاً أن الدُّودَ المتولد من نفس المَيْتَةِ نجس العَيْنِ كولد الكلب، فعلى ذلك الوجه لا ينحصر الاستثناء فيما ذكره، لكن هذا الوجه ساقط، ولو صح ذلك لَلَزَمَ أن يحكم بنجاسة الحَيَوانِ من حكم بنجاسة، العَلَقَةِ، وَالمُضْغَةِ، وَمَنيِّ غَيرِ المَأْكُولِ.
قال الغزالي: وَالمَيْتَات كُلُّهَا عَلَى النَّجَاسَةِ اِلاَّ السَّمَكَ وَالجَرَادَ، وَكَذَا الآدَمِيُّ عَلَى الصَّحِيح، وَكَذَا دُودُ الطَّعَامِ فَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى الأَصَحِّ، وَلاَ يَحْرُمُ أكَلُهُ مَعَ الطَّعَامِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَا لَيسَ لَه نَفسٌ سَائِلَةٌ لاَ يَنْجُسُ المَاءُ إذَا مَاتَ فِيهِ عَلَى الجَدِيدِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا نَجُسَتْ (ح م) بِالمَوْتِ، وَهَذَا عَفْوٌ لِتَعَذُّرِ الاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَقِيلَ: إِنَّهَا لاَ تَنْجُسُ بِالمَوتِ إِذ لَيْسَ فِيهَا دَمٌ مُعْفّنٌ فَأَشْبَهَتِ النَّبَاتَ.
قال الرافعي: الأصل في الميتات النجاسة، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ 1 وتحريم ما ليس بمحترم، ولا فيه ضرر كَالسُّمِّ يدل على نجاسته.
ويستثنى منها أنواع:
أحدها: السمك والجراد قال -صلى الله عليه وسلم-: "أُحِلت لَنَا مَيتَتَانِ" 2. الخبر ولو كانا نجسين لكان مُحَرَّمين.
الثاني: الآدمي، وفي نجاسته بالموت قولان:
أحدهما: ينجس بالموت؛ لأنه حَيَوانٌ طاهر في الحياة غير مأكول بعد الموت فيكون نجساً كغيره.
والثاني: وهو الأصح: لا ينجس لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ 3 وقضية التكريم أن لا يحكم بنجاسته؛ ولأنه لو نجس بالموت لكان نجس العين كسائر الميتات، ولو كان كذلك لما أمر بغسله كَسَائِرِ الأَعْيَانِ النَّجِسَةِ، روى هذا الاستدلال عن ابنِ سُرَيج قال أبو إسحاق 4 عليه) لو كان طاهراً لما أمر بغسله كسائر الأعيان الطاهرة.
أجابوا عنه بان غسل نجس العين غير معهود، أما غسل الطاهر مَعْهُودٌ فِي حَقِّ الجُنُبِ، والمحدث، على أن الغرض منه تكريمه وإزالة الأَوْسَاخِ عنه.
وقال أبو حنيفة: يُنَجَّسُ بِالمَوْتِ ويطهر بالغسل، وهو خلاف القولين جميعاً.
الثالث: الحيواناتُ التي ليست لها نفس سائلة هل تنجس الماء إذا ماتت فيه؟ اختلف فيه قول الشافعي -رضي الله عنه- على قولين:
أحدهما: نعم، لأنها ميتة فتكون نجسة كسائر الميتات وإذا كانت نجسة نجس الماء بها كسائر النجاسات.
الثاني: وهو الأصح: لا، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إذَا سَقَطَ الذُّبَابُ في إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الآخَرِ دَاءً، وإنَّهُ يُقَدِّمُ الدَّاءَ" 1 وقد يفضي المقل 2 إلى الموت سيما إذا كان الطعام حاراً، فلو نجس الماءُ لما أمر به.
وعن سلمان -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُلُّ طَعَامِ وَشَرَاب وَقَعَتْ = وشرح المختصر وصنف الأصول وأخذ عنه الأئمة وانتشر الفقه عن أصحابه في البلاد، وخرج إلى مصر ومات بها في رجب سنة أربعين وثلاثمائة، ودفن عند الشافعي.
انظر ط. الشافعية لابن قاضي شهبة 1/ 105 - 106، تاريخ بغداد 6/ 11 والشيرازي 92 والعبادي 68 ووفيات الأعيان 1/ 7 وابن هداية الله 19، ومعجم المؤلفين 1/ 3.
فِيهِ دَابَّةٌ لَيسَ لَهَا دَمٌ فَمَاتَتْ [فِيهِ] فَهُوَ حَلاَلُ أَكْلُه وَشُرْبُهُ وَالوُضُوءُ مِنْهُ" 1 ولأن الاحتراز عنها مما يعسر، وهذا الخلاف في غير ما نشؤه في الماء، وأما ما نشؤه فيه وليس له نفس سائلة فلا ينجس الماء بلا خلاف، فلو طرح فيه من خارج عاد الخلاف.
فإن قلنا: إنها تنجس الماء فلا شك في نجاستها.
وإن قلنا: لا تنجس، فَهَلْ هِيَ نَجِسَةُ في نفسها؟ قال الأكثرون: نعم، كسائر الميتات، وهو ظاهر المذهب.
وقال القَفَّالُ: لا؛ لأن هذه الحيوانات لا تَسْتحِيلُ بالموت؛ لأن الاستِحَالَةَ إنما تأتي من قبل انحصار الدَّم وَاحتِبَاسِهِ بالموت في العروق واستحالته وتغيره، وهذه الحيوانات لاَ دَمَ لها، وما فيَها من الرُّطُوبَةِ كَرُطُوبَةِ النبات.
وإذا عرفت ما ذكرناه عرفت أنه لم يرتب الخلاف في النجاسة على الجديد، فقال: قيل: إنها نجست بالموت وعرفت أن هذه الحيوانات على ظاهر المذهب غير مستثناة عن الميتات، وإنما الاستثناء على قول القَفَّالِ 2، وأما جعله 3 القول بعدم نجاسة الماء قوله الجديد: فإنما أخذه من إمام الحرمين وروى القاضي أبو المحاسن الروياني خلاف ذلك فسمى هذا القول القديم، والأكثرون أرسلوا ذكر القولين من غير تعيين جديد وقديم.
وأما ما ذكره في دود الطعام فإيراده يشعر بمغايرة حكمه لحكم ما ليس له نفس سائلة إشعارًا بينًا، وليس كذلك؛ بل من قال: بنجاسة ما ليس له نفس سائلة، صرح بأنه لا فرق بين ما يتولد من الطعام، كَدُودِ الخَلِّ وَالتُفَّاح وغيرهما، وبين ما لا يتولد منه كالذُّبَابِ، وَالخُنْفُسَاءِ وقالوا: ينجس الكل بالموت لكن لا ينجس الطعام الذي يموت فيه، كما ذكرنا في نجاسة ما نشؤه في الماء.
ومن قال: لا ينجس ما ليس له نفس سائلة بالموت، فلا شك أن يقول به في دود الطعام بطريق الأولى، فإذًا قوله: "وكذا دود الطعام طاهر على الصحيح" اختيار لطريقة القَفَّالِ، والمعنى على الصحيح من القولين ذهابًا إلى أن القول بعدم نجاسة الماء بموت ما ليس له نفس سائلة فيه مَبنِيٌّ على أنه ليس بنجس.
وأما قوله: "ولا يحرم أكله مع الطعام على الصحيح" 1 فاعلم أن التقييد بكونه مع الطعام غير محتاج إليه، لثبوت أصل الخلاف: ويجوز أن يكون محتاجاً إليه: لكن القول بالحل أصح؛ أما الأول؛ فلأنه ذكر في النِّهاية 2: أنه لو جمع جامع من دُودِ الطَّعَامِ شيئاً واعتمد أكله فهل يَحِلُّ؛ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنه كَالجُزْءِ مِنَ الطَّعَام طَعْماً وَطَبْعاً؛ وأصحهما: التحريم فنقل الوجهين في أكله منفرداً، وقد أطلق في الوَسِيطِ الوجهين في الحل من غير تخصيص بالأكل مع الطعام أو منفرداً.
وأما الثاني: فلأن إفراده بالأكل مُسْتَغْنًى عنه، وهو مُستَقذَرٌ مندرج تحت عموم تحريم الميتة، أما التمييز بينه وبين الطعام عند الأكل فعسير جاز أنه يعفى عنه، وبهذا المعنى قلنا: لا ينجس الطعام بلا خلاف، وإن حكمنا بنجاسته، وربما يخطر بالبال أن الخلاف في حل الأكل مبني على الخلاف في الطهارة والنجاسة، إن قلنا: بالنجاسة يحرم وإلا فيحل، وليس الأمر فيه على هذا الإطلاق، بل الخلاف منتظم مع حكمنا بالطهارة فوجه التحريم الاسْتِقْذارُ، وشمول اسمَ الميتة، وصار كما لا نفس له سائلة مما لا يكون نشؤه في الطعام، فإنه يحرم، وإن حكم بطهارته، ووجه الحل أنه كالجزء من الطعام طَبْعاً وَطَعْماً، وأما إذا حكمنا بالنجاسة فوجه التحريم بَيِّنٌ، ووجه الحل إذا كان يؤكل مع الطعام عسر الاحتراز والتمييز، وعن الانفراد لا ينقدح شيء -والله أعلم- واعرف بعد هذا شيئين:
أحدهما: قوله: والميتات على النجاسة، لا يعني الميتة بجميع أجزائها بل ما سوى الشعر وما في معناه، وفيها من الخلاف والتفصيل ما ذكره في باب الأواني.
والثاني: ظاهر كلامه، حصر المستثنى من الميتات في الأنواع المذكورة، وليس كذلك بل الجنين الذي يوجد ميتاً عند ذَبْح الأم حلال طاهر أيضاً، وكذا الصَّيْد إذا مات بالضغط على أحد القولين.
قال الغزالي: أَمَّا الأَجْزَاءُ المُنْفَصِلَةُ عَنْ ظَاهِرِ الحَيَوَانِ فَكُلُّ مَا أبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ
مَيِّتٌ إِلاَّ الشُّعُورَ المُنْتَفِعَ بِهَا فِي المَفَارِشِ وِالمَلاَبِسِ فَأَنَّهَا طَاهِرَةٌ بَعْدَ الجَزِّ لِلحَاجَةِ.
قال الرافعي: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ" 1.
فالأصل فيما بان من الحي النجاسة، ويستثنى منه شعر المأكول المَجْزُوز في حياته، فهو طاهر للحاجة إليه في الملابس ولو قدر قصر الانتفاع على ما يكون على المُذَكَّى، لضاع معظم الشعور.
وفي معنى الشعور الرِّيشُ، وَلصُّوفُ وَالوَبَرُ، وقد قيل: في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ 2: إن المراد إلى حين فَنَائِهَا هذا فيما يبان بطريق الجَزِّ، وفي النَتْفِ وَالتَّاثُرِ وجهان: والأصح: إلحاقها بالجز.
وعلى هذا فقوله في الكتاب: "فإنها طاهرة بعد الجز" ليس مذكورًا ليكون قيدًا في الطهارة، وعلى الوجه الآخر يمكن جعله قيدًا.
واعلم أن ظاهر قوله فكل ما أبين من حي فهو ميت، إلا الشعور المنتفع بها، لا يمكن العمل به لا في طرف المستثنى، (ولا في طرف المستثنى منه؛ أما المستثنى فلأنه يتناول جملة الشعور المَجزُوزَةِ، والطهارة مخصوصة بشعر المأكول، وأيضًا) 3 فلأنه يتناول الشعر المبان على العضو المبان من الحيوان، وأنه نجس في أصح الوجهين.
أما المستثنى منه فلأنه يدخل فيه العضو المبان من الآدمي، ومن السَّمَكِ وَالجَرَادِ، وَمَشِيمَةِ الآدمي، وهذه الأشياء طاهرة على المذهب الصحيح، وكذلك يدخل فيها شعر الآدمي، لأنه غير منتفع به حتى يدخل في المستثنى، وإذا لم يتناوله الاستثناء بقي داخلاً في المستثنى منه ومع ذلك فهو طاهر فظهر تعذر العمل بالظاهر ووقوع الحاجة بالتأويل، ومما ينبغي أن يتنبه له معرفة أن تفصيل الشعور المبانة وتقسيمها إلى طاهر ونجس مبني على ظاهر المذهب في نجاسة الشعور بالموت، فإن قلنا: لا ينجس بالموت فلا ينجس بالإبَانَةِ أيضاً بحال.
قال الغزالي: وَأَمّا الأجزَاءُ المُنْفَصِلَةِ عَنْ بَاطِنِ الحَيَوانِ فَكُلُّ مُتَرَشِّح لَيْسَ لَهُ مَقَرٌّ يَسْتَحِيلُ فِيهِ كَالدَّمْعِ وَاللُّعَابِ وَالعَرَقِ فَهُوَ طَاهِرٌ مِنْ كُل حَيَوَانٍ طَاهِر، وَمَا اسْتَحَالَ فِي البَاطِنِ فَأصْلُة عَلَى النَّجَاسَةِ كَالدَّمِ وَالبَولِ وَالعَذِرَةِ إِلاَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا فِي خُرءِ الجَرَادِ وَالسَّمَكِ وَمَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَجْهَانِ لِشَبَهِهَا بِالنَّبَاتِ.
قال الرافعي: المنفصل عن باطن الحيوان قسمان:
أحدهما: ما ليس له اجتماع واستحالة في الباطن، وإنما يرشح رشحاً.
والثاني: ما يستحيل ويجتمع في الباطن ثم يخرج، والأول كاللُّعَاب، وَالدَّمْعِ، وَالعَرَقِ فحكمه حكم الحيوان المترشح منه، إن كان نجساً فهم نجس وإنَ كان طاهر فهو طاهر.
سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَنتَوضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ فَقَالَ: نَعَم وَبِمَا أَفضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا" 1 حكم بطهارة السُّؤْر وذلك يدل على طهارة اللُّعَاب، "وركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرساً مَعْرُوريًا لأبي طلحة وركضه ولم يحترز عن العرق" 2.
والقسم الثاني: كالدَّمِ، وَالبَوْلِ، وَالعُذْرَةِ وهذه الأشياءِ: نجسة من الآدمي، ومن
سائر الحيوانات المأكول منها وغير المأكول، أما في غير المأكول فبالإجماع.
أما في المأكول فبالقياس 1 عليه، لأنها متغيرة مستحيلة، وذهب مالك وأحمد -رحمهما الله- إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه وبه قال أبو سعيد الإصْطَخرِيُّ 2 من أصحابنا واختاره القاضي الروياني وتمسكوا بأحاديث مشهورة في الباب مع تأويلاتها ومعارضاتها.
وهل نحكم بنجاسة هذه الفضلات من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه وجهان:
قال أبو جعفر التِّزمِذِيِّ 3 لا، لأَنَّ أَبَا طَيبَةَ الحَاجِمَ شَرِبَ دَمَهُ فلَم يُنكِرْ عَلَيهِ 4.
وَرَوِيَ "أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ شَرِبَتْ بَوْلَهُ فَقَالَ: إِذاً لاَ تَلِجُ النَّارَ بَطْنُكِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيهَا" 1. وَيُرْوَى شُرْبُ دَمِهِ عَنْ عَلِيٍّ 2، وَابْنِ الزُّبَيْرِ 3 أَيْضًا -رَضِيَ الله عَنْهُمَا- وقال = نفست على دمك أن أهريقه في الأرض فهو في بطني قال: (اذهب فقد أحرزت نفسك من النار) ونافع قال ابن حبان: روي عن عطاء نسخة موضوعة، وذكر منها هذا الحديث، وقال يحيى بن معين: كذاب وأما الرواية الثانية فلم أر فيها ذكرًا لأبي طيبة أيضاً، بل ورد في حق أبي هند رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة من حديث سالم أبي هند الحجام، قال: حجمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما فرغت شربته فقلت: يا رسول الله شربته فقال: (ويحك يا سالم أما علمت أن الدم حرام لا تعد) وفي إسناده أبو الحجاف، وفيه مقال، وروى البزار وابن أبي خيثمة والبيهقي في الشعب والسنن من طريق بريه بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- احتجم ثم قال له: خذ هذا الدم فادفنه من الدواب والطير والناس قال فتغيبت به فشربته، ثم سألني أو قال فأخبرته فضحك.
انظر التخليص 1/ 30.
معظم الأصحاب حكمها كحِكمها من غيره قياساً، وحملوا الأخبار على التداوي.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لأيِي طَيبَةَ: لاَ تَعُدْ، الدَّمُ كُلُّهُ حَرَامٌ" 1.
وفي خَرءِ السَّمَكِ وَالجَرَادِ وبولهما وجهان:
أظهرهما: النجاسة قياساً على غيرها لوجود الاستحالة والتغير، وبه قال أبو حنيفة، وكذا في زرق الطيور الدَّجَاجَة.
والثاني: الطهارة لجَوَازِ ابْتِلاعَ السُّمُوكِ حَيَّةً، وميته وإطباق الناس على أكل المملحة منها على ما في بطونها، وكذلك في خرء ما ليس له نفس سائلة وجهان:
أظهرهما: النجاسة.
والثاني: لا؛ لأن الرُّطُوبَةَ المنفصلة منه كالرطوبة المنفصلة من النبات لمشابهة صورته بعد الموت صورته في الحياة، ولهذا لم يحكم بنجاسته بالموت على رأي، ولهذا بني بعضهم الخلاف في طهارة روثه على الخلاف في نجاسته بالموت.
ونعود بعد هذا إلى ألفاظ الكتاب.
أما قوله: "كل مُتَرَشِّحٌ ليس له مَقَرٌّ يستحيل فيه" فالمراد منه القسم الأول.
وقوله: "ما استحال في الباطن" فالمراد منه القسم الثاني، والتعرض للترشح في الأول إنما وقع، لأن الغالب فيه الخروج على هيئة الترشح، لا أنه من خواصه، أو أن الطهارة منوطة به ألا ترى أن الدَّمَ وَالصَّدِيدَ قد يترشحان من القُرُوحِ والنّفَاطَاتِ، وهما نجسان.
وقوله: ليس له مقر يستحيل فيه لا يلزم من ظاهره ألا يكون مستحيلاً أصلاً لجواز أن يكون مستحيلاً لا في مقر فإن الدمع وسائر ما يقع في هذا القسم لا يستحيل أصلاً فالتعرض لنفي المقر ضرب من التأكيد والبيان، وإن كان يستحيل لا في المقر فالحكم منوط بنفي الاستحالة في المقر لا بمطلق نفي الاستحالة، وحينئذ يكون قوله "وما استحال في الباطن" منصرفاً إليه.
= الرحمن بن المبارك ثنا سعد أبو عاصم مولى سليمان بن علي عن كيسان مولى عبد الله بن الزبير أخبرني سلمان الفارسي أنه دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا عبد الله بن الزبير معه طشت يشرب ما فيه، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (ما شأنك يا ابن أخي؟ قال: إني أحببت أن يكون من دم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جرفي) فقال: (ويل لك من الناس، وويل للناس منك، لا تمسك النار إلا قسم اليمين) ورواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية من حديث سعد أبي عاصم به (تنبيه) قال ابن الصلاح في مشكل الوسيط: لم نجد لهذا الحديث أصلاً بالكلية كذا قال وهو متعقب.
انظر التلخيص 1/ 30/ 31.
والمعنى وما استحال في مقر في الباطن، وقوله: "كالدَّم وَالبَوْلِ وَالعَذْرَةِ" ينبغي أن يعلم البول والعذرة بالميم والألف والواو إشارة إلى ما حكينا من مذهب مالك وأحمد والإصطخري، بل لا بأس بإعلام الدم أيضاً بالواو؛ لأن في المتحلب مِن الكَبدِ وَالطّحَالِ وجهاً أنه طاهر، وكذلك فِي دَمِ المسْكِ، والله أعلم.
قال الغزالي: وَالألْبَانُ طَاهِرَةٌ مِنَ الآدَمِيِّينَ (ح) وَمِنْ كُلِّ حَيَوَانِ مَأْكُولِ، وَإِلا نَفْحَةُ مَعَ اسْتِحَالَتِهَا فِي البَاطِنِ قِيلَ بِطَهَارَتهَا لِحَاجَةِ الجُبْنِ إلَيْها.
قال الرافعي: اللبن من جملة المستحيلات في الباطن إلا أن الله تعالى منَّ علينا بألبان الحيوانات المأكولة، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ 1 الآية، وجعل ذلك رِفْقًا عظيمًا بالعباد.
وأما غير المأكولَ، فإن كان نجسًا فلا تخفى نجاسته منه، وإن كان طاهرًا فهو إِمَّا آدمي، أو غيره أما الآدمي فلبنه طاهر إذ لا يليق بكرامته أن يكون نَشؤُهُ على الشيء النَّجِسِ، ولأنه لم ينقل أن النسوة أمرن في عصره بغسل الثياب والأبدان مما يصيبهن من اللبن، وحكى وجه أنه نجس كسائر ما لا يؤكل، وإنما يربى الصبي به للضرورة، وأما غير الآدمي فالمذهب نَجَاسَةُ لبنه على قياس المستحيلات، وإنما خالفنا في المأكول تبعًا للحم وفي الآدمي.
لكرامته: وعن أبي سعيد الأصْطَخِريُّ أنه طاهر كالسُّؤْر والعَرَق.
وإذا عرفت ذلك فالمعتبر عنده في طهارة اللبن الحيوان، لا كونه مأكولًا فلا بأس لو أعلمت المأكول في قوله: "ومن كل حيوان مأكول" بالواو.
لأنه مذكور قيدًا في الطهارة، وكذلك قوله: "من الآدمي" للوجه الذي رويناه.
ومما يستثنى من المستحيلات إلا نَفْحَهُ في أصح الوجهين.
ولم يذكر كثيرون سوى أنها طاهرة لإطباق الناس على أكل الجبن من غير إنكار.
والثاني: أنها نجسة على قياس الاستحالة فإن الإِنْفَحَةَ لبن مستحيل في جوف السَّخْلَةِ، وإنما يجري الوجهان بشرطين أحدهما أن يؤخذ مِنَ السَّخلَةِ المَذْبُوحَةِ، فإن ماتت فهي نجسة بلا خلاف، والثاني: إلا تطعم إلا اللبن وإلا فهي نجسة بلا خلاف.
قال الغزالي: وَأَمَّا المَنيُّ فَطَاهِرٌ مِنَ الآدَمِيِّ (م)، وَفِي سَائِرِ الحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ ثَلاثَةُ أَوْجُهِ يُخَصَّّصُ الطَّهَارَةَ في الثَّالِث بِالمَأْكِولِ اللَّحْمُ مِنْهَا، لأَنَّهُ يِشِبهُ بَيْضَ الطَّيْر، وَفِي بَذْرِ
القَزِّ وَبَيْضِ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمَهُ وَجْهَانِ، أَمَّا دُودُ القَزِّ فَطَاهِرٌ، وَالمِسْكُ طَاهِرٌ، وَفَأَرَتُهُ كَذَلِكَ عَلى الأَظهَرِ.
قال الرافعي: المنيُّ قسمان: مني الآدمي، ومني غيره، فأما مني الآدمي فهو طاهر لما روي عَن عَائِشَةَ -رَضِيَ الله عَنْهَا- أنَّها قَالَتْ: "كُنْتُ أَفْرُكُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ يُصَلِّي فيْهِ".
وفي رِوَايْةٍ "وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ" 1 والاستدلال بها أقوى، ولأنه مبدأ خلق الآدمي، فأشبه التراب.
فإن قيل: هذا مَنْقُوض بِالعَلَقَةِ وَالمُضْغةِ.
قلنا: أصح الوجهين فيهما الطهارة أيضاً.
وحكى بعضهم عن صاحب التلخيص 2 قولين في مني المرأة.
وحكى آخرون عنه أن مني المرأة نجس، وفي مني الرجل قولان، وهذا أقوى النقلين عنه، ويوجه القول بنجاسة المني وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك بما روى أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "يُغْسَلُ الثَّوبُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْمَذي وَالمَنِيِّ" 3.
وبما روى أنه -عليه السلام- قال لعائشة -رضي الله عنها-: "اغْسِلِيهِ رَطْبًا وَافْرُكِيهِ يَابِسًا" 1 واذا نصرنا ظاهر المذهب حملناهما على الاسْتِحِبَابِ، جَمعًا بَينَ الأَخْبَارِ.
والمذهب الأول وهو طهارة المني من الرجل والمرأة نعم قال الأئمة: إن قلنا: رُطُوبَةُ فَرْج المرأة نجسة نُجِّس المني بملاقاتها، ومجاورتها، وليس ذلك لنجاسة المني في أصله؛ بَل هُوَ كما لو بال الرجل ولم يَغسِل ذَكَرَهُ، فإن منيه ينجس بملاقاة المحل النجس.
وأما مني غير الآدمي فينظر إن كان ذلك الغير نجساً فهو نجس، وإن كان طاهرًا فَفِيه ثَلاَثةُ أوجه:
أظهرها: أنه نجس؛ لأنه مستحيل في الباطن كالدم وإنما حُكِمَ بطهارته من الآدمي تكريمًا له.
والثاني: أنه طاهر؛ لأنه أصل حيوان طاهر، فأشبه مني الآدمى.
والثالث: أنه طاهر من المأكول نجس من غيره كاللبن 2.
وبيض الطائر المأكول طاهر كلبن الأنعام، وفي بيض ما لا يؤكل لحمه وجهان كما في منيه والأظهر: النجاسة.
ويجري الوجهان في بَزْرِ القَزِّ فإنه أصل الدُّودِ كالبَيْضِ فإنه أصل الطير.
وفيه؛ معنى آخر وهو: أن الدود من جملة ما ليس له نفس سائلة وقد ذكرنا في رَوْثِ ما ليس له نفس سائلة وجهين فإن كان البَزْرُ رَوْثاً عاد فيه ذلك الخلاف، = وقال: إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة، أو إذخرة، ورواه الطحاوي من حديث حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا، ورواه هو والبيهقي عن طريق عطاء عن ابن عباس موقوفًا.
قال البيهقي: الموقوف هو الصحيح.
انظر التلخيص 1/ 32 - 33.
وإن لم يكن روثاً بل كان بيضاً له، فإذا كان روثه على الخلاف فَبَيْضُهُ أولى أن يكون كذلك.
وأما دود القَزِّ فلا خلاف في طهارته، كسائر الحيوانات.
وليس المسك من جملة النجاسات.
وإن قيل: إنه دم "لأَنَّهُ كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَسْتَعْمِلُهُ وَكَانَ أحَبَّ الطِّيبِ إِلَيْهِ" 1. وفي فَأرَتِهِ وجهان:
أحدهما: النجاسة؛ لأنها جزء انفصل من حي.
وأظهرهما: الطهارة؛ لأنه منفصل بالطبع كَالجَنِيْنِ؛ لأن المسك فيها طاهر، ولو كانت نجسة لكان المظروف نجسًا، وموضع الوجهين ما إذا انفصلت في حياة الظَّبْيَةِ، أما لو انفصلت منها بعد موتها فهي نجسة، كالجنين، واللَّبَنِ [وَحُكِيَ] 2 وَجهٌ آخر: أنها طاهرة كالبيض المتصلب 3.
وألفاظ الكتاب في هذه المسائل بَيِّنَةٌ، نعم قوله: "في مني غير الآدمي" يخصص الطهارة في الثالث بمأكول اللحم منه؛ لأنه يشبه بيض الطير يقتضي ظاهره أن تكون الطهارة في البَيْضِ مَخْصُوصَةٌ ببيض المأكول وفاقاً، وليس كذلك؛ بل في بيض غير المأكول وجهان، كما في مني غير المأكول، فالمراد تشبيه مني المأكول ببيض المأكول لإِثْبَاتِ الطهارة فيه، من جهة أن كل واحد منهما أصل الحيوان المأكول لا لتخصيص الَطهارة، به، ولا خلاف في طهارة بيض المأكول وصاحب الوجه الثالث يقول: ينبغي أن يكون المني كذلك، وأما من غير المكول فيبقى على قِيَاسِ المُسْتَحِيلاَتِ.
قال الغزالي
###: الفَصْلُ الثَّاني في المَاءِ الرَّاكِد
وَالقَلِيلُ مِنْهُ يَنْجُسُ بِمُلاَقاةِ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَم يَتَغَيَّرْ، وَالكَثِيرُ لاَ يَنْجُسُ إلاَّ إِذَا تَغَيَّرَ وَلَوْ تَغَيّرًا يَسِيرًا فَإِنْ زَالَ التَّغيُّرُ بِطُولِ المُكْثِ عَادَ طَهُورًا، وَإنْ زَالَ بِطَرْحِ المِسْكِ وَالزَّعْفَرانِ فَلاَ، وَإِنْ زَالَ بِطَرْحِ التُّرَابِ فَقَوْلاَنِ لِلتَّرَدُدِ فِي أنَّهُ مُزِيلٌ أوْ سَاتِرٌ.
قال الرافعي: والماء قسمان: راكد وجار وبينهما بعض الاختلافات في كيفية قبول النجاسة وزوالها فلا بد من التمييز بينهما.
أما الراكد فينقسم إلى قليل وكثير.
وسيأتي معناهما.
أما القليل فينجس بملاقاة النجاسة تغيّر بها أم لا، روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل خَبَثاً" 1 وُيرْوَى "نَجِساً".
والمعنى أنه يدفعه ولا يقْبلُه فدل أن ما دون القُلَّتَيْنِ يقبله، وقد استوى حكم القليل والكثير عند التغير فيرجع الفرق إلى النجاسة من غير التغير، ويدل عليه أنه يستحب غسل اليدين للمستيقظ من النوم قبل إدخالهما الأواني، وفي الخبر تعليل ذلك باحتمال النجاسة، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-:" فَإنَّهُ لاَ يَدْرِي أَينَ بَاتَتْ يَدُهُ" 2. ولولا أن نفي النجاسة يؤثر في الماء القليل، لما كان لهذا الاستحباب معنى وقال مالك: لا ينجس القليل إلا بالتغير كالكثير، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "خُلِقَ المَاءُ طَهُورًا لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلاَّ مَا غُيّرَ طَعْمَهُ أَوْ رِيْحَه" 3 واختاره القاضي الرُّوَيانيُّ في الحِلْيَةِ، والشافعي -رضي الله عنه- حمل هذا الخبر على الكثير؛ لأنه ورد في بِئْرِ بُضَاعَةَ وكان ماؤها كثيرًا.
وأما الكثير فينجس إذا تغير بالنجاسة لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "خُلِقَ المَاءُ طَهُوراً" الخبر نص على الطَّعْم، والريح، وقاس الشافعي -رضي الله عنه- اللون عليهما 1، وإن لم يتغير نُظِر إن كانَ ذلك لِقِلَّةِ النجاسة واستهلاكها فيه لم ينجس الماء لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَمْ يَحْمِل خَبَثاً" 2 وهل يستعمل جميع ذلك الماء أم يبقى قدر النجاسة؟ فيه الوجهان المذكوران من قبل، وإن كان عدم التغير لموافقتها الماء في الأوصاف فيقدر بما يخالف على ما سبق، ثم لو طال مُكْثُ الماء وزال تغيره بنفسه، عاد طهوراً؛ لأن الأصل في الماء الطهورية، وإنما حكمنا بنجاسة الكثير منه لمكان التغير، فإذا زال سبب النجاسة عمل المقتضى للطهارة عمله، وحكى في التَّتِمَّةِ 3 وجها عن الإصْطَخرِيِّ أنه إذا زال التغير بنفسه لا يطهر وكما لم ينجس إلا بوارد عليه لا يطهر إلا بوارد عليه، ولو طرح فيه المسك (فلم توجد رائحة النجاسة، أو الزعفران) 4، فلم يوجد لونها، أو الخَلّ فلم يوجد طعمها، فلا يعود طهوراً، لأنا لا ندري أنَّ أوصاف النجاسة زالت أم غلب عليها المطروح فيه فسترها؛ بل الظاهر الاستتار ألا ترى أن ذكاء رائحة المسك يغلب الروائح الكريهة بحيث لا يحس بها ثم إذا فَتَرَت رائحةُ المِسْكِ حصل الإحساس بها، وإن طرح فيه التراب فلم يكف التغير فهل يعود طهوراً؟ فيه قولان: أحدهما -ويروى عن المزني- نعم؛ لأن التراب لا يغلب عليه شيء من الأوصاف الثلاثة حتى يفرض ستره إياها، فإذا لم يصادف تغييرًا أشعر ذلك بالزوال، وأصحهما: أنه لا يعود طهوراً؛ لأنه وإن لم تغلب عليه هذه الأوصاف إلا أنه يكدر الماء، والكُدُورَةُ من أسباب السّتْرِ، فلا يدري معها أن التغير زائل، أو مَغْلُوبٌ.
ووجه بعضهم القول الأول بأن التراب يوافق الماء في الطُّهُورِيةِ فيتعاونان في دَفعِ النَّجَاسَةِ، ولهذا يجمع بينهما في إزالة النجاسة المُغَلَّظَةِ.
وهذا التوجيه يليق بمن يزعم اختصاص القولين بالتراب، لكن الطريقة الصحيحة طرد القولين في الجَصِّ، وَالنُّورَةِ التي لم تُطْبَخْ، وغير ذلك مما لا يكون الوصف المتغير من الماء غالبًا عليه.
هذا فقه الفصل.
ثم نتكلم فيما يتعلق بألفاظ الكتاب من الفوائد:
أما قوله: "والقليل منه ينجس بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير" يدخل فيه النجاسة المُجَاوِرَةُ، وَالمُخَالِطَةُ، ولا يدخل فيه: ما إذا تَرَوَّحَ الماء بِجيفَةٍ مُلْقَاةٍ على شَطِّ النهر، لأنه لا ملاقاة.
واعلم أنه ليس المراد تأثر الماء القليل بملاقاة كل نجاسة فإن من النجاسات ما لا يؤثر فيه كميتة ما لا نفس له سائلة على الجديد كما سبق، والنجاسة التي لا يدركها الطرف، وكما إذا وَلَغَتِ الهِرَّةُ بعد نجاسة فمها في ماء قليل، وفيها خلاف سيأتي، وإنما الغرض بيان كيفية التأثر، وأن التغير غير معتبر فيه، وأما أن النجاسة المؤثرة أية نجاسة، فذلك شيء آخر.
وأما قوله: "والكثير لا ينجس إلا إذا تغير تغيراً يسيراً"، هكذا في أكثر النُّسَخ، ورأيت في بعضها طرح قوله: "تَغَيُّراً يَسِيراً"؛ لأنه يوهم التقييد باليسير ومتى كان [التغير] 1 اليسير قَادِحاً فالفاحش أولى أن يكون قادحاً، فيستحيل التقيد باليسير، فإن طرح فذاك.
وقوله "إلا إذا تغير"، يشمل اليسير والفاحش، وإن لم يطرح فالمراد إلا إذا تغير وإن كان تغيُّراً يسيراً، لا كالتغير بالطاهرات فإنه إنما يَسْلُبُ الطهورية إذا تَفَاحَشَ، ثم ننبه لأمور:
أحدها: قوله: "والكثير لا ينجس إلا إذا تغير" لا يمكن العمل بظاهره؛ لأنه يقتضي أن لا ينجس إذا لم يتغير أصلاً؛ وليس كذلك لما ذكرنا أنه لو لم يتغير للموافقة في الأوصاف تعذر كونه مخالفاً، فان كان بحيث تغير لو كان مخالفاً فالماء نجس وإن لم يتغير، فإذاً اللفظ محتاج إلى التَّأوِيلِ.
الثاني: قوله: "إلا إذا تَغَيَّر" يعم التغير بالنجاسة المخالطة والمجاورة، والنوعان يسلبان الطهارة على ظاهر المذهب، وفي وجه: التغير بالنجاسة المجاورة لا يسلب الطهارة كما أن التغير بالطاهر المجاور لا يسلب الطهورية، فلو علم قوله: "إلا إذا تغير" بالواو إشارة إلى هذا الوجه لم يكن ممتنعاً.
الثالث: قضية اللفظ أنه لا ينجس إلا إذا تغير كله، أما إذا تغير بعضه فلا؛ لأن قوله: "إذا تغير" صفة الكثير، وذلك يتناول الكل، ألا ترى أنه إذا تغير البعض يصح أن
يقال: ما تغير هذا المال وإنما تغير بعضه أو طرف منه، ولكن ظاهر المذهب نجاسة الكل، وإن كان المتغير البعض وهو المذكور في المُهَذَّب 1 وغيره، وخرج وجه أنه لا ينجس إلا القدر المتغير، وهذا يوافق ظاهر اللفظ.
وأمَا قوله: وإن زال بطرح التراب فقولان للتردد في أنه مُزِيلٌ أو سَاتِرٌ، ففيه استدراك لفظي، وهو أن قوله: "وإن زال" فرض المسألة في الزوال ومع الفرض في الزوال كيف ينتظم التردد في أن الحاصل زوال أم لا، وأشد من هذا قوله في الوَسِيطِ: وإن زال بِطَرحِ المسكِ وَالزَّعْفَرانِ فلا؛ لأنه استتار لا زوال؛ فطريق الجواب التأويل، إما بحمل الزوال الأول على فقد التغير وحمل الثاني على الحقيقة، وإما بإضمار، بأن يقال: المعنى وإن اعتقد الزوال أو ما أشبه ذلك.
وذكر بعضهم: أن هذا الخلاف في مسألة التراب مفروض في تغير الرائحة، أما لو تغير اللَّوْنُ لم يؤثر طرح التراب فيه بحال، والأصول المعتمدة ساكنة عن هذا التفصيل 2.
قال الغزالي: وَالكَثِيرُ قُلَّتَانِ (ح) لِقَولِهِ عَلَيهِ السَّلاَمُ: إذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَينِ لَم يَحْمِل 3 خَبثاً، وَالْأَشبَهُ أنَّهُ ثُلاَثُمائَةِ مَن تَقرِيباً لاَ تَحدِيداً.
قال الرافعي: وروينا الخبر الوارد في اعتبار القلتين وفي بعض الروايات "إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلاَلِ هَجَرَ" ثم روى الشافعي -رضي الله عنه- عن ابن جريج أنه قال: رأيت قلال هجر فَالقُلَّة منها تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ، أو قِرْبَتَينِ وشيئاً، واحتاط الشافعي -رضي الله عنه- فحسب الشيء نصفاً؛ لأنه لو كان فوق النصف لقال: تَسَعُ ثلاث قِرَب إلا شيئاً